في:
الإيمان بالغيب
وفيه:
مقدمة وفصول
[ ٢ / ٥٥٩ ]
المقدمة
جعل الله الإيمان بالغيب أول صفات المتقين ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (١)، وأول ما يدخل في الإيمان بالغيب أركان الإيمان الستة التي وردت في حديث جبريل ﵇: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر" (٢).
ولكن الإيمان بالغيب أوسع من ذلك، فالغيب يطلق ويراد به ما يقابل الشهادة، أي ما يقابل المحسوس فيدخل في ذلك: الملائكة والجن والجنة والنار، وغير ذلك مما هو مغيب عنا وجاءت النصوص تحدثنا عنه، والغيب يطلق أحيانًا ويراد به ما غاب عنا من أخبار الماضين وأخبرنا الوحي عنه ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (٣)، فقد جاءت هذه الآية في سياق قصة نوح ﵇، وتطلق كلمة الغيب ويراد بها المستقبل ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (٤)، فههنا يدخل في كلمة الغيب ما غاب عن العباد من الحاضر والمستقبل وأخبر عنه الله ﷿ رسله عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى عن سليمان ﵇: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (٥)، وعلى هذا فالإيمان بالغيب يدخل فيه ما أخبرنا عنه الوحي من أمور ماضية ومستقبلية، ويدخل فيه ما أخبرنا عنه الوحي من أمور موجودة الآن وهي مغيبة عنا، والإيمان بالغيب هو الفارق الأول والرئيسي بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وهذا هو المقتضى الأول للشهادتين، بل إن الشهادتين هما رمز الاعتراف بالغيب، ولذلك كانت الشهادتان والإيمان بالغيب إجمالًا أول ما يطالب به المسلم، على أنه إذا نظر في هذا المطلوب الأول فإن أول ما يدخل في الطلب هو معرفة الله، وما تتطلبه، لأن كل ما يأتي
_________________
(١) البقرة: ٢، ٣.
(٢) البخاري (١/ ١١٤) ٢ - كتاب الإيمان ٣٧ - باب سؤال النبي ﷺ الخ عن أبي هريرة بلفظ مغاير. ومسلم في أول صحيحه، من حديث عمر بلفظه.
(٣) هود: ٤٩.
(٤) الجن: ٢٦، ٢٧.
(٥) سبأ: ١٤.
[ ٢ / ٥٦١ ]
بعد ذلك من إيمان بغيب إلى غيره مبني على معرفة الله.
* * *
إن الإيمان بالغيب هو ركن التقوى، وأركان هذا الركن أركان الإيمان الستة التي وردت في حديث جبريل الصحيح، وقد نصت على خمسة منها أكثر من آية، من ذلك ﴿لَيْسَ الْبِرَّ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) (١)، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٢)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٣)، وإنما لم يذكر الإيمان بالقدر معها لأنه فرع الإيمان بالله ﷿ كما سنرى، لكنه ذكر في القرآن في أكثر من مكان وفي نصوص السنة متواترًا.
والفصول التي سنذكرها ههنا تشمل أركان الإيمان الستة وتشمل بعض ما غاب من العباد، وتشمل بعض ما أخبرنا الله ﷿ عنه من أمور سابقة أو لاحقة أو بعض ما أخبرنا عنه رسول الله ﷺ من أمور سابقة أو لاحقة، كما سنذكر فصلًا عن القصص التي قصها علينا رسول الله صلى الله ﷺ لأنها من الغيب، والإيمان بها جزء من الإيمان بالغيب.
ولقد فصل القرآن في أمر الغيب تفصيلًا كثيرًا، ولذلك فإن قارئ القرآن يجد أمر الغيب واضحًا، فالحديث عن الله والرسل واليوم الآخر والقدر والجن والموت والخلق كل ذلك نجده مفصلًا في القرآن الكريم، ومن ثم فإن عرضنا لأبحاث الغيب ههنا سيكون مختصرًا؛ لأن غايتنا في هذا الكتاب عرض السنة مع ملاحظة أن روايات السنة المتعلقة بهذه الأمور تأتي في سياقات أبحاث أخرى كالذكر والدعاء؛ ولذلك فسنذكر في كل فصل من فصول هذا الباب الروايات التي هي ألصق بموضوعه تاركين كثيرًا من الروايات لمحلها في سياقاتها.
ويشمل هذا الباب الفصول التالية:
_________________
(١) البقرة: ١٧٧.
(٢) البقرة: ٢٨٥.
(٣) النساء: ١٣٦.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
فصول الباب الثاني
الفصل الأول: في بدء الخلق.
الفصل الثاني: في معرفة الله والإيمان به.
الفصل الثالث: في الإيمان بالقدر.
الفصل الرابع: في الإيمان بالملائكة.
الفصل الخامس: في الجن والشياطين.
الصفل السادس: في الإيمان بالكتب.
الفصل السابع: في الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
الفصل الثامن: في القصص النبوي.
الفصل التاسع: في الإيمان باليوم الآخر.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
الفصل الأول في: بدء الخلق
الفصل الأول
في:
بدء الخلق
وفيه:
مقدمة ونصوص وتلخيص
[ ٢ / ٥٦٥ ]
المقدمة
في بَدء الخلق جانب غيبي سواء في ذلك أصل نسأة الكون، أو نشأة الحياة على الأرض، أو نشأة الإنسان عليها، أو نشأة بعض المخلوقات الأخرى؛ لأن ذلك لم يشهده الإنسان، ولأن الله ﷿ أخبرنا عن بعض ذلك أو حدثنا عنه رسول الله ﷺ، وهو شيء لم نشهده فدخل في حيز الكلام عن الغيب، هذا مع ملاحظة أن الفكر المجرد يستطيع الوصول إلى أن هذا الكون مخلوقٌ وأن الحياة مخلوقةٌ.
* * *
ولعل أهم جانب من جوانب الصراع الفكري بين الملحدين والمؤمنين هو إثبات الخلق، فأزلية الكون وإمكانية نشأة الحياة مصادفة هما المرتكزان الرئيسيان للفكر الإلحادي، مع أنه حتى في حالة أن المسالة كذلك- وذلك مستحيل عقلي- فإن الأدلة على وجود الله لا تنحصر في هذا وهذا.
* * *
وقد لفت القرآن نظر العقل البشري كثيرًا إلى بدء الخلق وأصل النشأة للوصول إلى الإيمان لاستقرار العلاقة بينهما في الفطرة:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (١).
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (٢).
﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣).
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ (٤).
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (٥).
_________________
(١) العنكبوت: ١٩.
(٢) العنكبوت: ٢٠.
(٣) الأعراف: ١٨٥.
(٤) الرحمن: ٣.
(٥) الرحمن: ١٤، ١٥.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (١).
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (٢).
ولوجود ناس يمارون بالبدهيات ويناقشون بالمحسوسات فضلًا عن المغيبات، وللنزعة الإلحادية في إنكار خلق الله المخلوقات، وهو شيء أخذ أكثر أبعاده في النظرية الماركسية، ولغير ذلك من الحكم، قال الله ﷿ وهو أعلم بما كان ويكون:
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (٣).
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٤).
* * *
إن من أهم قوانين العقل السببية، ومن أهم قوانين المادة عدم انفصالهما عن الحركة والطاقة والتغير، والملحدون ينقضون هذا وهذا وهم يزعمون أنهم عقلانيون، وقد فصلنا في هذه الأبحاث في كتابنا "الله ﷻ".
والنصوص قطعية في أن كل ما سوى الله ﷿ مخلوق، فليس أزليًا إلا الله ﷿، فهو الأول. وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري (٥): "كان الله ولم يكن قبله شيءٌ"، وفي حديث آخر (٦): "أنت الأول فليس قبلك شيءٌ"، ويكفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ (٧). ومحض العقل يوصل إلى ذلك بشكل قطعي، ومما قاله تعالى في شأن الخلق: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (٨).
_________________
(١) الأنبياء: ٣٠.
(٢) الأنعام: ١.
(٣) الكهف: ٥١.
(٤) الطور: ٣٥، ٣٦.
(٥) البخاري (١٣/ ٤٠٣) ٩٧ - كتاب التوحيد ٢٢ - باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.
(٦) مسلم (٤/ ٢٠٨٤) ٤٨ - كتاب الذكر ١٧ - باب ما يقول عند النوم وعند المضجع.
(٧) الحديد: ٢.
(٨) هود: ٧.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
وليس عندنا نصوص تفصل كيف كان عرشه على الماء، لكن من المعروف أن ذرة الهيدروجين التي تشكل أحد عنصري الماء) (الأوكسجين والهيدروجين) هي أصل الذرات جميعًا فبروتونها واحد وإلكترونها واحد والعناصر ما هي إلا توضعات الإلكترونات والبروتونات في كل عنصر بشكل يختلف عنه في العنصر الآخر.
والظاهر من النصوص أنه قد تم خلق العرش- وهو مخلوق غيبي- وتم خلق أصل المادة وهو الماء ثم انفصلت المادة عن بعضها: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (١). فهذه المجرات والأجرام كلها وجدت في هذه المرحلة، ثم بعد ذلك في مرحلة لاحقة وجدت الأرض المحسوسة والسموات السبع المغيبة: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٢). فالأرض خلقت قبل السموات السبع المغيبة عنا وهي والسموات السبع المغيبة عنا وهي والسموات السبع وجدتا بعد أن انفصلت المادة عن بعضها وعلى هذا نفهم قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (٣). فالأرض خلقت بعد السماء، والسموات السبع خلقت بعد الأرض، ويوم القيامة يعاد الكون كتلة واحدة كما كان: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (٤). هذا الفهم للنصوص فهم غير متكلف وما سواه فهم متكلف، وهو الذي ينسجم مع استقراءات علماء الكون فالظاهر أن تكون الأرض على ما هي عليه مسبوق بأشياء أخرى وقد بسطنا هذا الموضوع في التفسير.
وأما نشأة الحياة على الأرض فيبدو أنها متقدمة كثيرًا على نزول أبينا آدم ﵇ فلقد قالت الملائكة لله ﷿ بعد أن أعلمهم بأنه سيجعل في الأرض خليفة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا
_________________
(١) الأنبياء: ٣٠.
(٢) فصلت: ٩، ١٠، ١١.
(٣) النازعات: ٢٧ - ٣٣.
(٤) الأنبياء: ١٠٤.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (١). مما يوحي أنهم شاهدوا إفسادًا في الأرض وسفك دماء من قبل، وقد يكون هذا هو التفسير لرؤية نماذج قديمة لأنواع من الإنسان غير إنساننا الحالي، وذكر الغراب في قصة ابني آدم هابيل وقابيل تحتمل أن يكون وجود الغراب سابقًا على وجود آدم ﵇ وفي حديث عند مسلم وأحمد (٢) " وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة "، وهذا يدل على أن خلق الدواب سبق خلق آدم ﵇ وإنما اضطررنا للتعرض لهذه المعاني ملاحظين معارف عصرنا لتكون هذه المعارف نقاط علام للباحث وحججًا بيد الدارس المختص، وردًا على أنواع من المختصين قد يثيرون تساؤلات. ولننتقل إلى عرض بعض نصوص السنة التي لها علاقة بالخلق:
_________________
(١) البقرة: ٣٠.
(٢) مسلم (٤/ ٢١٤٩) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ١٠ - باب ابتداء الخلق وخلق آدم ﵇. ومسند أحمد (٢/ ٣٢٧).
[ ٢ / ٥٧٠ ]
النصوص
٥٦٧ - * روى البخاري عن طارق بن شهاب قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه.
قال الحافظ في الفتح: قوله: حتى دخل أهل الجنة هي غاية قوله: أخبرنا، أي: أخبرنا عن مبتدأ الخلق شيئًا بعد شيء إلى أن انتهى الإخبار عن حال الاستقرار في الجنة والنار، ودل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتدأت إلى أن تفنى، إلى أن تبعث، فشمل ذلك الإخبار عن المبدأ والمعاش والمعاد، وفي تيسير إيراد ذلك كله في مجلس واحد من خوارق العادة أمر عظيم.
٥٦٨ - * روى البخاري عن عمران بن حصين أن ناسًا من أهل اليمن قالوا: يا رسول الله: جئنا لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر: ما كان؟ قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء. ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء".
أقول: من مباحث العلماء: هل العرش خلق قبل الماء؟ أو الماء خلق قبل العرش؟ وما تفسير بعض النصوص التي تذكر أن شيئًا ما خلق أولًا سوى العرش والماء؟ وقد ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري في شرحه لهذا الحديث فقال:
قوله: (كان الله ولم يكن شيءٌ غيره) في الرواية الآتية في التوحيد "ولم يكن شيء قبله" وفي رواية غير البخاري "ولم يكن شيء معه" والقصة متحددة فاقتضى ذلك أن الرواية وقعت بالمعنى، ولعل راويها أخذها من قوله ﷺ في دعائه في صلاة الليل "أنت الأول فليس قبلك شيء" لكن رواية الباب أصرح في العدم، وفيه دلالة على أنه لم يكن
_________________
(١) البخاري (٦/ ٢٨٦) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١ - باب ما جاء في قوله الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
(٢) البخاري (١٣/ ٤٠٣) ٩٧ - كتاب التوحيد ٢٢ - باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.
[ ٢ / ٥٧١ ]
شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما، لأن كل ذلك غير الله تعالى، ويكون قوله "وكان عرشه على الماء" معناه أنه خلق الماء سابقًا ثم خلق العرش على الماء، وقد وقع في قصة نافع بن زيد الحميري بلفظ "كان عرشه على الماء ثم خلق القلم" فقال: اكتب ما هو كائن، ثم خلق السموات والأرض وما فيهن" فصرح بترتيب المخلوقات بعد الماء والعرش. قوله (وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض) هكذا جاءت هذه الأمور الثلاثة معطوفة بالواو، ووقع في الرواية التي في التوحيد "ثم خلق السموات والأرض"، ولم يقع بلفظ "ثم" إلا في ذكر خلق السموات والأرض. وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" وهذا الحديث يؤيد رواية من روى "ثم خلق السموات والأرض" باللفظ الدال على الترتيب. (تنبيه): وقع في بعض الكتب في هذا الحديث "كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان"، وهي زيادة ليست في شيء من كتب الحديث، نبه على ذلك العلامة تقي الدين بن تيمية، وهو مُسلَّمٌ في قوله "وهو الآن" إلى آخره، وأما لفظ "ولا شيء معه" فراوية الباب بلفظ "ولا شيء غيره" بمعناها. ووقع في ترجمة نافع بن زيد الحميري المذكور "كان الله لا شيء غيره" بغير واو. قوله (وكان عرشه على الماء) قال الطيبي: هو فصل مستقل لأن القديم من لم يسبقه شيء، ولم يعارضه في الأولية، لكن أشار بقوله "وكان عرشه على الماء" إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم لكونها خلقا قبل خلق السموات والأرض، ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا الماء. ومحصل الحديث أن مطلق قوله "وكان عرشه على الماء" مقيد بقوله "ولم يكن شيء غيره" والمراد بكان في الأول الأزلية وفي الثاني الحدوث بعد العدم. وقد روى أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعًا "إن الماء خلق قبل العرش" وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة "إن الله لم يخلق شيئًا مما خلق قبل الماء" وأما ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا "أول ما خلق الله القلم، ثم قال اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة" فيجمع بينه ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش أو بالنسبة إلى ما منه صدر من الكتابة، أي أنه قيل له اكتب أول ما خلق، وأما حديث "أول
[ ٢ / ٥٧٢ ]
ما خلق الله العقل" فليس له طريق ثبت، وعلى تقدير ثبوته فهذا التقدير الأخير هو تأويله والله أعلم. وحكى أبو العلاء الهمداني أن للعلماء قولين في أيهما خلق أولًا: العرش أو القلم؟ قال: والأكثر على سبق خلق العرش، واختار ابن جرير ومن تبعه الثاني، وروى ابن أبي حازم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خلق الله اللوح المحفوظ مسيرة خمسمائة عام، فقال للقلم قبل أن يَخْلُقَ الخَلْقَ وهو على العرش: اكتب، فقال وما أكتب؟ قال علمي في خلقي إلى يوم القيامة. ذكره في تفسير سورة سبحان، وليس فيه سبق خلق القلم على العرش، بل فيه سبق العرش قوله (وكتب) أي قدر (في الذكر) أي في محل الذكر أي في اللوح المحفوظ (كل شيء) أي من الكائنات، وفي الحديث جواز السؤال عن مبدأ الأشياء والبحث عن ذلك وجواز عن ذلك وجواز جواب العالم بما يستحضره من ذلك، وعليه الكف إن خشي على السائل ما يدخل على معتقده. وفيه أن جنس الزمان ونوعه حادث، وأن الله أوجد هذه المخلوقات بعد أن لم تكن، لا عن عجز عن ذلك بل مع القدرة. واستنبط بعضهم من سؤال الأشعريين عن هذه القصة أن الكلام في أصول الدين وحدوث العالم مستمران في ذريتهم حتى ظهر ذلك منهم في أبي الحسن الأشعري، أشار إلى ذلك ابن عساكر" ا. هـ قول ابن حجر.
أقول: دل هذا الحديث على أن الكلام عن أصل النشأة من الفقه في الدين، فلقد كان الحديث إجابة على كلامهم: جئنا لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟
وقد رأينا من خلال تحقيق ابن حجر أن العلماء مختلفون على قولين: في أيهما كان أولًا، الماء أو العرش؟ ولا يترتب على هذا الاختلاف عمل.
٥٦٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخَلَقَ فيها الجبال يوم الأحدِ، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر الخلق
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢١٤٩) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم. ١ - باب ابتداء الخلق وخلق آدم ﵇. وأحمد (٢/ ٣٢٧). والنسائي في التفسير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
وآخر ساعةٍ من النهار، فيما بين العصر إلى الدليل".
قال محقق الجامع:
"قال الحافظ ابن كثير بعد إيراده: ٦/ ٦٩ وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم فيه ابن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب الأحبار، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعله مرفوعًا، وقد حرر ذلك البيهقي، وقال ابن كثير أيضًا: ٣/ ٤٨٨ وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعًا. وقال أيضًا ٧/ ٣٢٦: وهو من غرائب الصحيح، وقد علله البخاري في "التاريخ" فقال: رواه بعضهم عن أبي هريرة ﵁، عن كعب الأحبار، وهو الأصح. وقال المناوي في "فيض القدير": وقال بعضهم: هذا الحديث في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السموات، وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن، لأن الأربعة خلقت في أربعة أيام، ثم خلقت السموات في يومين، وقد سكت عن الحديث النووي في شرح مسلم، وممن صحح الحديث، الشوكاني في "فتح القدير" وقد تكلم عليه العلماء من جهة متنه، ورأوا أنه معارض للقرآن، ومن صححه كالشوكاني وغيره، رأوا أنه لا تعارض بينه وبين نص القرآن، فإن القرآن ذكر أن الله تعالى خلق السموات والأرض جميعًا في ستة أيام، وخلق الأرض وحدها في يومين، والحديث إنما بين أن الله تعالى خلق ما في الأرض في سبعة أيام، ويحتمل عند بعض من صححه أن تكون هذه الأيام السبعة غير الأيام الستة التي ذكرها الله تعالى في خلق السموات والأرض، وحينئذ لا تكون معارضة، وإنما الحديث فصل كيفية الخلق على الأرض وحدها، والله تعالى أعلم" ا. هـ.
أقول: من المتعارف عليه عند علماء الطبيعة في عصرنا أن الأرض في ابتداء أمرها كانت كتلة نارية ثم أخذت تبرد فظهرت قشرتها شيئًا فشيئًا، وعلى هذا فأول شيءٍ وُجِدَ التربة وبدأت التفاعلات الداخلية والجوية تفعل فعلها فكانت التضاريس والبحار، فتسلسل الأحوال على الأرض بعد خلقها يصدق ما في الرواية سواء كانت هديًا نبويًا أو من روايات
[ ٢ / ٥٧٤ ]
كعب الأحبار. ولكن هل المراد في الرواية أيام كأيامنا متتابعة متعاقبة، أو كأيامنا وبأسمائها غير متتابعة ولكن متعاقبة؟ معارف العصر تؤكد الثاني.
وعلى هذا التأويل للحديث، وعلى فرض صحته فإنه قوله تعالى في سورة فصلت [١٠]: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ يكون محمولًا على أن الله تعالى قد جعل فيها ذلك حكمًا وقد أظهر ذلك فيما بعد.
٥٧٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خلق الله آدم ﵇، وطوله ستون ذراعًا، ثم قال: اذهب فسلم على أولئك- نفرٍ من الملائكة- فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك. فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله. فكل من يدخل الجنة على صورة آدم". قال: "فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن".
وفي رواية (٢). "خلق آدم على صورته".
قال محقق الجامع
الضمير في "صورته": يعود إلى آدم، كما بينته الرواية الأخرى قبل هذه.
أقول: هل كان طول آدم عندما أهبط إلى الأرض ستين ذراعًا، أو أن ذلك كان طوله وهو في السماء فلما أهبط إلى الأرض نقص طوله ثم تناقص الخلق بعد ذلك، أو أنه هبط إلى الأرض بهذا الطول ثم تناقص طول ذريته شيئًا فشيئًا؟ الظاهر: الثاني. والحفريات تثبت أن الإنسان كان أكبر حجمًا منه الآن وكان يعيش في العادة فترة أطول. والقياس العقلي يقتضي ذلك:
_________________
(١) البخاري (٦/ ٣٦٢) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء، ١ - باب خلق آدم وذريته. مسلم (٤/ ٢١٨٣) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١١ - باب يدخل الجنة أقوام، أفئدتهم مثل أفئدة الطير.
(٢) مسلم: الموضع السابق.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
فالأمراض الحالية والمؤثرات على الأحياء والأعصاب بعد تعقيد الحياة البشرية أصبحت أكثر مما كانت عليه، وليس مع النصوص كلام لأحد عند أهل الإيمان واليقين، فأهل اليقين يكفيهم هذا الحديث ويكفيهم قوله تعالى عن نوح: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (١).
ولقد جاءت الحفريات لتزيل الغشاوة عن أبصار الشاكين. فقد ذكر الدكتور حسن زينو وهو اختصاصي جيولوجي في كتابه "التطور والإنسان" ما يلي:
إنسان هايدلبرغ
- تقع قرية ماور Mauer على بعد ١٠ كلم جنوب غرب هايدلنبرغ، وتتألف المنطقة من الترياسي المغطى أحيانًا بدثار من البليستوسين وبالرمال النهرية القديمة لنهر نكار. وقد عثر في مقلع في هذه الرمال عام ١٩٠٧ م على الفلك السفلي على عمق ٣٤ م تحت سطح الأرض. وتحوي هذه الرمال على كثير من قواقع الرخويات البرية والنهرية وتشير إلى مناخ أكثر قارية من الآن. وتشمل الثدييات الفيل القديم Elephas antiqus والكركدن Rhinoceros ctruscus وحصانًا انتقاليًا بين الحصان البليوسيني Eqws Stenosis والحصان الحالي Eqws cuballus وخنزيرًا بريًا وأيلا ويحمورًا ونوعًا من الوعل وبيزونا ودبين مشابهين للدب البليوسيني وكلبًا وأسدًا وهرة وحشية وقندسًا. وتعود هذه الحيوانات إلى البليستوسين السفلي ويعتقد أنه يرتبط بالزمن الدافئ الأول بين تجلد فونتس وميندل. فكه كبير وتاجه عريض وليس له بروز ذقني وفمه إنساني وأسنانه أكبر من الإنسان الحالي، ويوجد اليوم في جامعة هايدلبرغ وقد أطلق عليه شوتنساك O. Schoetensack اسم إنسان هايدلبرغ Homo Heidelbergensis.
- عثر كونيفسفالد Von Koenigswald من صيدليات الصين في هونغ كونغ بين ١٩٣٤ و١٩٣٩ م على ثلاث أسنان طاحنة بشرية كبيرة مع أسنان أورانج وستفودون stefodon وتابير Tapir أحد هذه الأسنان البشرية كبير بحيث ينبغي أن يكون فكه
_________________
(١) العنكبوت: ١٤.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
أكبر بمرتين من فك الأورانج الحالي، حجم هذا السن ضعف أسنان الغوريلا وست أمثال الإنسان الحالي.
- قرر فايدنرايش Wiedenreich أنه سن بشري
وقد تخيل فايدنرايش شجرة السلالة فافترض أن الإنسان العملاق هذا قد هاجر إلى جاوة ونشأ منه الإنسان الكبير Meganthropus.
فالإنسان تسلسل إذا من أشكال عملاقة ذات جمجمة شديدة وبذا تميز تطورنا بالنقص التدريجي في الطول.
الإنسان الكبير
أعلن كونيفسفالد عام ١٩٤١ م عن اكتشافه لقطعة من الفك السفلي في طبقات جتيس في جاوة وهي بشرية وفيها سنان ما قبل الرحويان والرحى الأول وقد درسه بعد ذلك:
F. Weidenreich- Giant early Man from Java and South China (Anth- rop. Papers of the American Museum of Natural History، xl، n.l،.١٩٤٥).
وتختلف القطعة عن ما عداها بقياساتها الكبيرة إذ يبلغ محيطها في مستوى الحفرة الذقنية ١٣١ مم، في حين لا يتجاوز ذلك في الغوريلا ١١٥ مم وفي الإنسان الصيني وإنسان النياندرتال ٨٠ مم. وكذلك فإن أبعاد الأسنان كبيرة وشكلها بشرية ولا تشابه أي سنجاب بالإضافة إلى غياب الذقن والشكل المتراجع للوراء للقسم المتقدم من الفك، ومما صدم كونيفسفالد انحفاظ الزائدة الصغيرة المسماة عقدة العبقرة tuberculum genial في الجانب الداخلي للذقن فكان لدى الإنسان ما يلزم لتحرك اللسان كما في إنسان موجو كرتو وفك هايدلبرغ. وقد أطلق عليها كونيفسفالد اسم الإنسان الكبير الجاوي القديم Meganthro- pus palaeojavanicus.
ووجد لارسن K. Larsen عام ١٩٣٩ م في أفريقيا الشرقية بقايا فك ذي أسنان كبيرة
[ ٢ / ٥٧٧ ]
جدًا لكنها إنسانية وقد وصفها فاينرت Weinert عام ١٩٥٠ م ووازنها مع الإنسان الكبير من جاوة حسب كونيفسفالد.
ووجد في سوارتكرانس Swartkrans عام ١٩٤٨ - ١٩٥٠ م شبه الإنسان الكبير الأسنان Paranthropus crassidens وقد عثر أولا على فكوك ذات أسنان عملاقة ومقاييسها مثل عملاق جاوة حسب كونيفسفالد. ثم عثر على بقايا جمجمة تدل على عضلات مضغ كبيرة. ا. هـ.
وقد ذكر عباس محمود العقاد في كتابه: "إبراهيم أبو الأنبياء ﵊" ما يلي:
"وفي متحف أشمول بإنجلترا أسماء الأسر التي حكمت بابل من بعد الطوفان إلى أيام سراجون، وقد جاء في الألواح التي حفظت أسماءها أن الأسرة الأولى تولى منها الملك ثلاثة وعشرون ملكًا وكانت مدة حكمهم جميعًا أربعة وعشرين ألف سنة وخمسمائة وعشر سنوات" ا. هـ.
أقول: دلت كلمة الدكتور زينو على أن الإنسان كان في مرحلة أضخم منه الآن، ودلت كلمة العقاد على أن الناس كانوا يعمرون في الماضي كثيرًا، وفي الحديث الشريف الذي مر معنا رد لمزاعم التطوريين: إن الإنسان تطور عن مخلوقات أخرى.
وقد شرح هذا الحديث ابن حجر في الفتح وكان من كلامه:
"خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا" كذا وقع من هذا الوجه، وعبد الله الراوي عن معمر هو ابن المبارك، وقد رواه عبد الرزاق عن معمر فقال "خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعًا" والمعنى أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالًا ولا تردد في الأرحام أطوارًا كذريته بل خلقه الله رجلًا كاملًا سويًا من أول ما نفخ فيه الروح، ثم عقب ذلك بقوله "وطوله ستون ذراعًا" فعاد الضمير أيضًا على آدم، وقيل معنى قوله "على صورته" أي لم يشاركه في خلقه أحد، إبطالًا لقول أهل الطبائع. وخص بالذكر تنبيها بالأعلى على الأدنى، والله أعلم
وروى ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن أبي بن كعب مرفوعًا "إن الله خلق آدم رجلًا طوالًا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق". قوله (فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن) أي
[ ٢ / ٥٧٨ ]
إن كل قرن يكون نشأته في الطول أقصر من القرن الذي قبله، فانتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة واستقر الأمر على ذلك. وقال ابن التين: قوله "فلم يزل الخلق ينقص" أي كما يزيد الشخص شيئًا فشيئًا، ولا يتبين ذلك فيما الساعتين ولا اليومين حتى إذا كثرت الأيام تبين، فكذلك هذا الحكم في النقص ا. هـ.
أقول:
إن كثيرين من الناس يأخذون عن أسفار اليهود تاريخ وجود الإنسان على هذه الأرض، وهي كتب محرفة فيها أغاليط كثيرة، والحفريات الحديثة أثبتت أن النوع الإنساني أقدم بكثير مما ذكرته هذه الأسفار، ونصوص الإسلام ساكتة في هذا الشأن.
فالتحقيق العلمي في هذه الحالة معتبر، ومع اعتراضنا على أسفار اليهود في ذكر عُمر الإنسان فإننا نعترض على التطوريين الذين يجعلون إنساننا الحالي وليدَ تطورٍ عن أنواع من الإنسان أخرى، ونحن إذ ننكر هذا لا نعترض على وجود مخلوقات شبه إنسانية سبقت أبانا آدم، فليس في نصوص الإسلام ما يمنع، بل في كلام بعض الإسلاميين ما يؤيده، فلقد نقل صاحب السيرة الحلبية شيئًا من ذلك عن بعض المتصوفة: إن آدمنا سبق بآباء كُثْرٍ لأنواع من الإنسان. والمنقول عن بعض أئمة الشيعة أنهم يقولون بمثل ذلك، ولكن المسلمين مجمعون- إلا من لا يُعتد بقوله- على أن أبانا آدم خلق خلقًا مباشرًا من الله ﷿.
٥٧١ - * روى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لما صور الله ﷿ آدم في الجنة تركه ما شاء أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، وينظر إليه، فلما رآه أجوف عرف أنَّه خلق لا يتمالك".
٥٧٢ - * روى أحمد عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: سمعت رسول الله
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٠١٦) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٣١ - باب خلق الإنسان خلقًا لا يتمالك. وأحمد: (٣/ ٢٢٩). (يُطيفُ به) أطاف بالشيء: إذا دار به وأحاط بجوانبه. (أجوفُ لا يتمالك) شيء أجوف: خالٍ، وإذا وصف الإنسان بالخفة والطيش قيل: لا يتمالك ولا يتماسك.
(٢) أحمد (٤/ ٤٠٦). والترمذي (٥/ ٢٠٤) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ٣ - باب "ومن سورة البقرة".
[ ٢ / ٥٧٩ ]
ﷺ يقول: "إنَّ الله ﵎ خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمرُ، والأبيضُ والأسودُ، وبين ذلك، والسهلُ والحزنُ، والخبيث والطيبُ".
أقول مؤكدًا ما مر سابقًا:
إن نصوص الكتاب والسنة واضحة وقطعية في أن آدم ﵊ خلق ابتداءً بقدرة الله، فما يقال عن نشأة الإنسان التطورية وأنه نتاج قفزات تطورية حدثت في الأحياء غير صحيح. فآدم خلق على صورته التي فطره الله عليها ابتداء دون واسطة ودون تسلسل، أما التعليل لوجود سلم ارتقاء للمخلوقات واحتمالات أن تكون بعض المخلوقات تولدت عن بعض، ووجود مخلوقات شبيهة بإنساننا الحالي وتعتبر أسبق منه بالوجود فذلك كله له تعليلاته والبحث فيه مفتوح. قال تعالى:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (١).
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ (٢).
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣).
إن وجود سلم ارتقاء ليس غريبًا على قدرة الله ﷿ وذلك من مظاهر حكمته ﷻ، سواء كان ذلك من خلال الخلق المباشر أو من خلال توالد وقفزات قديمة، إلا أن أبانا آدم خلق ابتداءً على صورته، وكان ذلك بالخلق المباشر من الله ﷿، ولكن أن تكون هناك مخلوقات تشبه إنساننا الحالي فذلك يتفق مع اتجاهات مذكورة في كتب الإسلاميين قديمًا تقول: إن آدمنا ﵇ هو أول آدم وجد على الأرض، ولكن هذا لا يعني أن آدمنا هو ولادة من إنسان آخر. فالنصوص قطعية في ذلك، ومن عرف أن
_________________
(١) = وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو كما قال. وأبو داود (٤/ ٢٢٢) كتاب السنة- باب في القدر.
(٢) العنكبوت: ٢٠.
(٣) العنكبوت: ١٩.
(٤) الواقعة: ٦٢.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
هذا الكون كله مخلوق بقدرة الله لا يستنكر على قدرة الله أن تخلق آدم ابتداءً، والذين يشكون في ذلك عليهم أن يراجعوا أصل أيمانهم.
٥٧٣ - * روى مسلم عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ "خُلقت الملائكة من نورٍ، وخُلق الجان من مارج من نارٍ، وخُلق آدم مما وُصِفَ لكم".
٥٧٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لولا بنو إسرائيل لم يَخْنَزِ اللحمُ" وفي رواية "لم يَخْبُثِ اللحمُ"- "ولولا حواء: لم تَخُن أنثى زوجها الدهر".
أقول:
الظاهر من الحديث أنه قبل أن يخزن بنو إسرائيل اللحم عندما كانوا في التيه لم يكن اللحم يخنز، بمعنى أن الجراثيم والبكتيريات المؤثرة في ذلك لم تكن موجودة أو لم تكن مسلطة على اللحم، فلما فعل بنو إسرائيل ذلك عوقبوا كما تعاقب الأقوام المبتعدة عن الفطرة بمزيد من الأمراض كلما زاد البعد عن الفطرة. ولعل عدم تأثر جثث الفراعنة القدماء التي وصلتنا محنطة أنها وضعت في توابيتها وحنطت قبل هذا التسليط على اللحم.
٥٧٥ - * روى البزار عن أبي موسى رفعه، قال: "لما أخرج الله آدم من الجنة زوَّده من ثمار الجنة وعلمه صنعةَ كل شيء فثمارُكم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٢٩٤) ٥٣ - كتاب الزهد والرقاق، ١٠ - باب في أحاديث متفرقة، أحمد (٦/ ١٥٣). وأحمد (٦، ١٥٣). (مارج) المارجُ: لهبُ النار المختلطُ بسوادها.
(٢) البخاري (٦/ ٣٦٣) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبيائ ١ - باب خلق آدم وذريته. مسلم (٢/ ١٠٩٢) ١٧ - كتاب الرضاع، ١٩ - باب لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر. (خَنِزَ) اللحم يخنز: إذا أنتن وتغيرت ريحه. (لم تخن أنثى) خيانة حواء آدم: هي ترك النصيحة له في أمر الشجرة، لا في غيرها.
(٣) كشف الأستار (٣/ ١٠٢). الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٩٧). وقال: رواه البزار والطبراني ورجاله ثقات.
[ ٢ / ٥٨١ ]
تَغَيَّرُ وتلك لا تَغَيرُ".
٥٧٦ - * روى عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قيل لرسول الله ﷺ: القردة والخنازير؛ هي مما مُسخ؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن الله لم يهلك قومًا [أو يعذب قومًا] فيجعل لهم نسلًا، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك".
* * *
_________________
(١) = والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤٣). وقال: صحيح. ووافقه الذهبي.
(٢) مسلم (٤/ ٢٠٥١) ٤٦ - كتاب القدر. ٧ - بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
التلخيص
- كان الله ولا شيء قبله ولا شيء معه، ثم خلق الماء- والله أعلم على أي هيئة كان بخارية أو سائلة- ثم خلق العرش، ثم خلق القلم وكتب مقادير كل شيء وأقدارها، ثم خلق من الماء هذه السماء بما فيها من مجرات ونجوم وسُدُم، ثم خلق الأرض والمجموعة الشمسية من سديم هذه السدم فيما يبدو، ثم خلق السموات السبع بعد خلقه الأرض وجعل في كل سماء أمرها، ثم هيأ الأرض لسكنى الإنسان وخلق فيها ما خلق، وقبل أن يخلق الإنسان كان قد خلق الملائكة والجن وأنواع الحياة على الأرض، وخلق الجنة والنار ثم خلق أبانا آدم ﵇، ثم أُمنا حواء وكانا في الجنة ثم أهبطهما وإبليس إلى الأرض، وبدأت بذلك الحياة البشرية على الأرض.
- لا شيء يمنع أن تكون هناك مخلوقات كإنساننا الحالي قبل أبينا آدم ثم انقرضت، ولكن لم تكن أصلًا لجنسنا البشري الحالي.
- البحث في نشأة الحياة على الأرض وأنواعها وسلم تدرجها كل ذلك مفتوح للبحث، بل مطلوب بنص القرآن فلا حرج فيه ولكن حيثما كان هناك تعليل رباني أو إخبار عن طريق الوحي فهو الفيصل.
- واكتشافات عصرنا ونظرياته التي قامت عليها أدلة جاءت مؤكدة لنصوص الكتاب والسنة، والكتب في هذا كثيرة، والعلماء غير المغرضين في كل مكان يقدمون بأبحاثهم الأدلة على ذلك.
* * *
[ ٢ / ٥٨٣ ]
الفصل الثاني
في:
معرفة الله والإيمان به
وفيه:
مقدمة ونصوص وتلخيص وأربعة وصول
[ ٢ / ٥٨٥ ]
المقدمة
الملحدون بالله تعالى في هذا العالم قلة حتى في البلدان التي تسيطر عليها سلطة ملحدة كالاتحاد السوفياتي، لأن الإلحاد يتنافى مع قوانين العقل وأعماق الفطرة، ولذلك كان أكثر الناس مؤمنين بالله ﷿ نوع إيمان. وإنما الاختلاف بين أهل الحق وغيرهم في الصفات أو فيما ينسب لله ﷿ أو فيما يليق به أو لا يليق أو في حقوق الألوهية، ولقد جاء الإسلام ليصحح تصورات البشر وعقائدهم وسلوكهم وكان أكثر ما ركزت عليه الرسالة الإسلامية التعريف على الله ﷿ فأعطتنا هذه الرسالة أصفى وصف وأسمى اعتقاد، اجتمع فيه الحق الخالص الذي يؤيده العقل الراشد والفطرة المستقيمة والعلم الصحيح.
* * *
لقد وصف بعض الناس الله ﷿ بما لا يليق بذاته، فزعموا أنه له صاحبه وولدًا، أو أن له شركاء أو أنه لا تدخل له في شؤون الخلق، أو أن الخلق وُجِدَ بدون إرادة منه ﷻ أو أنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات أو أن هذا الكون جزؤه، أو أنه لا حق له في التشريع، وأشياء كثيرة نسبها الخلق لله ﷿ وهو منزه عنها، وجاء الكتاب والسنة فوضعا الأمور في نصابها فلا أرقى ولا أروع:
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١).
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (٣).
* * *
_________________
(١) الصافات: ١٥٩، ١٦٠.
(٢) الصافات: ١٨٠، ١٨١، ١٨٢.
(٣) النحل: ٦٠.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
وخلاصة ما جاء به الكتاب والسنة:
أن الله ﷿ موجود يدل على ذلك كل شيء؛ فظواهر الكون آياته التي تدل عليه، والقرآن آياته تدل عليه، ومعجزات الرسل صلى الله عليهم وسلم وكرامات الأولياء آياته التي تدل عليه. وأن الله ﷿ متصف بالحياة والإرادة والقدرة والعلم والسمع والبصر والكلام:
﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ (١).
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢).
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٣).
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤).
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٥).
﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (٦).
﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٧).
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٨).
وأن الله ﷿ متصف بالصفات العليا ومسمى بالأسماء الحسنى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ (٩).
وأن هذا الكون خلقه وما يجري فيه أثر مشيئته وقدرته:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١٠). ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (١١).
_________________
(١) غافر: ٦٥.
(٢) يس: ٨٢.
(٣) الأنعام: ٦١.
(٤) البقرة: ٢٠.
(٥) الأحزاب: ٤٠.
(٦) النساء: ١٦٦.
(٧) النساء: ١٣٤.
(٨) التوبة: ٦.
(٩) الأعراف: ١٨٠.
(١٠) الزمر: ٦٢.
(١١) الرحمن: ٢٩.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
وأن هذا الكون بما فيه خلقه ابتداء وهو- أي الكون- محتاج إليه لاستمراره:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (١).
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ (٢).
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣).
وأن الله ﷿ له صفات الجلال والكمال والجمال:
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ (٤).
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٥).
وأن الله ﷿ متصف بالوحدانية وبالقدم وبالبقاء وبالقيام بالنفس وبالمخالفة للحوادث وذلك مقتضى قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٦) فهو واحد في ذاته وصفاته وأفعاله.
وهو الصمد الذي يحتاجه الخلق وهو غير محتاج إليهم:
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٧) فهو قائم بنفسه، وغيره قائم به، وهو الأول الذي ليس قبله شيء ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٨) وهو الباقي ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ (٩) ﴿وَالْآخِرُ﴾ (١٠).
وهو الذي لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (١١)، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١٢) وهو ﷻ كما وصف ذاته فهو وحده الذي يعلم ذاته وصفاته حق العلم:
_________________
(١) الفرقان: ٣.
(٢) فاطر: ٤١.
(٣) الفاتحة: ٥.
(٤) النحل: ٦٠.
(٥) الرحمن: ٢٧.
(٦) الإخلاص: ١، ٢، ٣، ٤.
(٧) البقرة: ٢٥٥.
(٨) ، (٩) الإخلاص: ٣.
(٩) الحديد: ٣.
(١٠) الإخلاص: ٤.
(١١) الشورى: ١١.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (١)، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٢).
وهو ﷻ له الألوهية والمالكية والربوبية: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ (٣) ومقتضى ربوبيته ومالكيته وألوهيته أن يقدم له الخلق العبادة والعبودية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤)، ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٥)، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (٦).
والعبادة تقتضي القيام بالشعائر، والعبودية تقتضي مع العبادة القيام بالشرائع، ومن ههنا كان لله ﷿ المالكية المطلقة ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٧) ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٨).
فواجب الخلق الاستسلام لله ﷿ فيما أخبر ونهى وأمر، وذلك هو الإسلام الذي بعث به رسله عليهم الصلاة والسلام وقد حاول المصنفون في العقائد خلال العصور أن يصطلحوا لبعض ما ذكرناه:
فسموا صفة الوجود للذات الإلهية صفة نفسية.
وسموا الصفات القائمة بالذات الإلهية الصفات الوجودية أو صفات المعاني وهي الصفات السبع: العلم والإدارة والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام.
وسموا الصفات التي وردت في سورة الإخلاص وهي التي تميز العقيدة الإسلامية تمييزًا جوهريًا بالصفات السلبية وهي: الوحدانية والقدم والبقاء والقيام بالنفس والمخالفة للحوادث.
وسموا الأسماء التي هي أثر قدرة الله ﷿ بصفات الفعل كالمعز والمذل والمحيي والمميت.
_________________
(١) طه: ١١٠.
(٢) الأنعام: ١٠٣.
(٣) الناس: ١، ٢، ٣.
(٤) الذاريات: ٥٦.
(٥) النساء: ١٧٢.
(٦) الإسراء: ١.
(٧) الأعراف: ٥٤.
(٨) الأنعام: ٥٧.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
وسموا الأسماء التي تعبر عن الكمال بصفات الجلال والكمال والجمال:
﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (١) وقوله ﷺ "إن الله جميل" أخرجه مسلم والترمذي.
وأثبتوا لله ﷿ الأسماء الحسني التي سمى بها ذاته، وعرفنا عليها الكتاب والسنة.
وسموا الصفات التي وردت بها نصوص الكتاب والسنة مما سوى ذلك بالصفات السمعية.
ولا حرج بالاصطلاح إلا إذا أدخل عليه ما يفسده كأن أدى إلى مفسدة أو اقتضى مفسدة.
* * *
وليس هناك شيء أهم بالنسبة للإنسان من معرفة الله ﷿ حق المعرفة والإيمان به والتسليم له، لما يترتب على ذلك من آثار دنيوية وأخروية على القلب والعقل والسلوك، لذلك كانت أعظم المعارك الفكرية والعملية وحتى السياسية والعسكرية مرتبطة بموضوع الإيمان بالله، ونقطة البداية في الهداية المعرفة والإيمان، قال ﷻ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (٢).
لذلك ينصب جهد المضلين والشياطين والكفرة والفاسقين والمنافقين على خلخلة هذا الأصل بشكل مباشر أو غير مباشر.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ (٣).
ومن ثم كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله هو المعتصم:
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ (٤).
* * *
_________________
(١) الرحمن: ٢٧.
(٢) التغابن: ١١.
(٣) سبأ: ٣٣.
(٤) البقرة: ٢٥٦.
[ ٢ / ٥٩١ ]
وهناك معارك كبرى بين أهل الإسلام وبين أهل الأديان والفلسفات حول موضوعات تتعلق بالذات الإلهية، وهناك معارك كبرى بين أهل السنة والجماعة من جهة وبين الفرق المنشفة من جهة أخرى، وهناك معارك بين من يتنازعون على اسم أهل السنة والجماعة في هذا الموضوع.
* * *
ومن أهم معارك الإسلام مع أهل الأديان والفلسفات: معركته مع النصرانية ومن واطأها في نسبة الصحابة والولد للذات الإلهية ونفي الأحدية عنه ﷻ، ومن أهم معارك الإسلام مع أهل الأديان: معركته مع المشركين الذين يشركون مع الله في الألوهية والعبادة حجرًا أو شجرًا أو بشرًا أو مظهرًا، ومن أهم معارك الإسلام مع أهل الفلسفة: معركته مع القائلين إن الله ﷿ لا يتدخل في شؤون خلقه أو لم يخلق الخلق باختياره أو إنه لا يعلم إلا الكليات، ومن أهم معارك الإسلام مع أهل الفلسفات: معركته مع القائلين بحرية الإنسان في اتباع أهوائه كالوجوديين أو القائلين أن الله ليست له المالكية على البشر في التكليف والتشريع وهم الذين يسمون بالعلمانيين.
ومن أهم المعارك بين أهل السنة والجماعة وبين الفرق المنشقة في باب الألوهية: معركة أهل السنة والجماعة مع المعتزلة من جهة والمشبهة من جهة أخرى، ومع القائلين بوحدة الوجود كغلاة الصوفية، ومع القائلين بتجسد الإله في البشر كالدروز والإسماعيليين والنصيرية.
* * *
ونحن هنا سنقتصر على ذكر بعض الأحاديث الشريفة المتعلقة بموضوع الفصل مع ملاحظة أن يندر أن يمر باب في السنة إلا وبعض أحاديثه تتعلق بالذات الإلهية، ثم إن القرآن كله حديث عن الذات الإلهية في المآل لذلك وصفه الله ﷿ بأنه ذكر: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (١).
_________________
(١) ص: ١.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
النصوص
٥٧٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ لله تسعةٌ وتسعين اسمًا، من حفظها دخل الجنة، والله وِتْرٌ يحب الوتر" وفي رواية: "من أحصاها".
وفي أخرى (١): "لله تسعةٌ وتسعون اسمًا، مائةً إلا واحدًا، لا يحفظها أحدٌ إلا دخل الجنة، وهو وترٌ يحب الوتر". قال البخاري: "أحصاها: حفظها"، وفي رواية لمسلم نحوه، وليس فيه ذكر الوتر.
وفي رواية الترمذي (٢) قال: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا،
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٠٦٣) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء، ٢ - باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها.
(٢) البخاري (١١/ ٢١٤) ٨٠ - كتاب الدعوات، ٦٨ - باب لله مائة اسم غير واحدة. مسلم (٤/ ٢٠٦٣) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء، ٢ - باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها.
(٣) الترمذي (٥/ ٥٣٠) ٤٩ - كتاب الدعوات، ٨٣ - باب حدثنا يوسف بن حماد البصري. هذه رواية الترمذي بتفصيل الأسماء ولم يُفصلها غيره، وقال: حدثنا به غير واحدٍ عن صفوان بن صالح، ولا نعرفُهُ إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث. قال: وقد رُوي هذا الحديث من غير وجهٍ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، لا نعلم في كثير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. قال محقق الجامع: وقال الترمذي: وقد روى آدمن بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيح، أقول: رواه الترمذي رقم (٣٥٠٢) من حديث صفوان بن صالح قال: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وقال: حديث غريب. ورواه ابن حبان في صحيحه رقم (٢٣٨٢) موارد الظمآن من طريق صفوان به، وأخرجه ابن ماجه رقم (٣٨٦١) في الدعاء، باب أسماء الله ﷿، من طريق أخرى عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا بنحو مما تقدم بزيادة ونقصان، قال البوصيري في الزوائد: لم يخرج أحد من الأئمة الستة عدد أسماء الله الحسنى من هذا الوجه ولا غيره، غير ابن ماجه والترمذي مع تقديم وتأخير، وطريق الترمذي أصح شيء في الباب، وفي إسناد طريق ابن ماجه ضعف لضعف عبد الملك بن محمد الصنعاني، وقال الحافظ في تخريج الأذكار: وهذان الطريقان يرجعان إلى رواية الأعرج، وفيهما اختلاف شديد في سرد الأسماء، وزيادة ونقص، ووقع سرد الأسماء في رواية ثالثة أخرجها الحاكم في المستدرك وجعفر الغريابي في الذكر من طريق عبد العزيز بن الحصين (يعني ابن الترجمان) عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، قال الحاكم بعد تخريج الحديث من طريق صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم الطريق التي أخرجه الترمذي بلفظه سواء: أخرجاه في الصحيح بأسانيد صحيحة دون ذكر الأسماء فيه، ولعله عندهما أن الوليد بن مسلم تفرد بسياقه وبطوله وذكر الأسماء فيه، ولم يذكره غيره لمسلم، نعم أكثرها =
[ ٢ / ٥٩٣ ]
مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ: الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآجر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعال، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك المالك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور".
قال ابن الأثير:
(من أحصاها) الإحصاء: العدد والحفظ، والمراد: من حفظها على قلبه، وقيل: المراد: من استخرجها من كتاب الله تعالى، وأحاديث رسوله ﷺ، لأن النبي لم يعدها لهم، ولهذا لم ترد مسرودةً معدودةً من هذه الكتب الستة إلا في كتاب الترمذي، وقيل: المراد: من أخطر بباله عند ذكر معناها، وتفكر في مدلولها: معتبرًا، متدبرًا، ذاكرًا، راغبًا، راهبًا، معظمًا لمسماها، مقدسًا لذات الله تعالى، وبالجملة: ففي كل اسم يخطر
_________________
(١) = في القرآن، ومنها ما ورد فيه الفعل أو المصدر دون الاسم، ومنها ما ليس في القرآن لا بنفسه ولا بورود فعله كالقديم والجميل ونحوهما. أهـ. وقال ابن كثير في التفسير: والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي أنهم جمعوها من القرآن كما روى جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبو زيد اللغوي، والله أعلم. يقول المحقق: ومع ذلككله فقد ذكر الحديث ابن حبان في صحيحه، وحسَّنه النووي في أذكاره أ. هـ.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
بباله الوصف الدال عليه.
(القدوس): الطاهر من العيوب المنزه عنها.
(السلام): ذو السلام، أي: الذي سلم من كل عيب وبرئ من كل آفةٍ.
(المؤمن) الذي يصدق عباده [وعده]، فهو من الإيمان: الصديق، أو يؤمنهم في القيامة منذ عذابه، فهو من الأمان، ضد الخوف.
(المهيمن) الشهيد، وقيل: الأمين، فأصله مؤتمن، فقُلِبت الهمزة هاءً، وقيل: الرقيب والحافظ.
(العزيز): الغالب القاهر، والعزة: الغلبة.
(الجبار): هو الذي أجبر الخلق وقهرهم على ما أراد من أمرٍ أو نهيٍ.
(المتكبر): المتعالي عن صفات الخلق، وقيل: الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فيقصمهم، وقيل: إن المتكبر من الكبرياء الذي هو عظمة الله تعالى، لا من الكبر الذي هو مذموم.
(البارئ): هو الذي خَلَق الخلق لا عِن مثالٍ، إلا أن لهذه اللفظة من الاختصاص بالحيوان ما ليس لها بغيره من المخلوقات، وقلما تُستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله النسمة، وخلق السموات والأرض.
(المصور) هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة، ومعنى التصوير: التخطيط والتشكيل.
(الغفار): هو الذي يغفر ذنوب عباده مرةً بعد مرة، وأصل الغَفرِ: الستر والتغطية، فالله غافر لذنوب عباده ساتر لها بترك العقوبة عليها.
(الفتاح): هو الحاكم بين عباده، يقال: فتح الحاكم بين الخصمين: إذا فصل بينهما، ويقال للحاكم: الفاتح، وقيل: هو الذي يفتحُ أبواب الرزق والرحمة لعباده، والمُنغلق
[ ٢ / ٥٩٥ ]
عليهم من أرزاقه.
و(الباسط): الذي يبسط الرزق لعباده ويوسعه عليهم بجوده ورحمته.
و(القابض): الذي يمسكه عنهم بلطفه، فهو الجامع بين العطاء والمنع.
و(الخافض): الذي يخفض الجبارين والفراعنة، أي: يضعهم ويهينهم.
و(الرافع): هو الذي يرفع أولياءه ويعزهم، فهو الجامع بين الإعزاز والإذلال.
(الحكم): الحاكم، وحقيقته: الذي سلم له الحكم ورد إليه.
(العدل): هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، وهو من المصادر التي يسمى بها.
(اللطيف): الذي يوصل إليك أربك في رفقٍ، وقيل: هو الذي لطف عن أن يدرك بالكيفية.
(الخبير): العالم العارف بما كان وما يكون.
(الغفور): من أبنية المبالغة في الغفران.
(الشكور): الذي يجازي عباده ويثيبهم على أفعالهم الصالحة، فشكر الله لعباده إنما هو مغفرته لهم وقبوله لعبادتهم.
(الكبير): هو الموصوف بالجلال وكبر الشأن.
(المقيت): هو المقتدر، وقيل: هو الذي يعطي أقوات الخلائق.
(الحسيب): الكافي، هو فعيل بمعنى: مفعل، كأليم بمعنى: مؤلم، وقيل: هو المحاسب.
(الرقيب): هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.
(المجيب): الذي يقبل دعاء عباده ويستجيب لهم.
(الواسع): هو الذي وسع غناه كل فقرٍ، و[وسعت] رحمته كل شيء.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
(الودود): فعول بمعنى: مفعول من الود، فالله تعالى مودود، أي: محبوب في قلوب أوليائه، أو هو فعول بمعنى: فاعل، أي: أن الله تعالى يود عباده الصالحين، بمعنى: يرضى عنهم.
(المجيد): هو الواسع الكرم، وقيل: هو الشريف.
(الباعث): هو الذي يبعث الخلق بعد الموت يوم القيامة.
(الشهيد): هو الذي لا يغيب عنه شيء، يقال: شاهدٌ وشهيدٌ، كعالمٍ وعليم، أي أنه حاضرٌ يشاهد الأشياء ويراها.
(الحق): هو المتحقق كونه ووجوده.
(الوكيل): هو الكفيل بأرزاق العباد، وحقيقته: أنه الذي يستقل بأمر الموكول إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
(القوي): القادر، وقيل: التام القدرة والقوة، الذي لا يعجزه شيء.
(المتين): هو الشديد القوي الذي لا تلحقه في أفعاله مشقةٌ.
(الولي): الناصر، وقيل: المتولي للأمور القائم بها كولي اليتيم.
(الحميد): المحمود الذي استحق الحمد بفعله، وهو فعيلٌ بمعنى مفعول.
(المحصي): هو الذي أحصى كل شيء بعلمه، فلا يفوته شيء من الأشياء، دقَّ أو جلَّ.
(المبدئ): الذي أنشأ الأشياء واخترعها ابتداءٌ.
و(المعيد): هو الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات، وبعد الممات إلى الحياة.
(الواجد): هو الغني الذي لا يفتقر، وهو من الجدة: الغنى.
(الواحد): هو الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر، وقيل: هو منقطع القرين والشريك.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
(الأحد): الفردُ، والفرق بينه وبين الواحد: أن "أحدًا" بُني لنفي ما يُذكرُ معه من العدد، فهو يقع على المذكر والمؤنث، يقال: ما جاءني أحد، أي: ذكر ولا أنثى، وأما "الواحد" فإنه وضع لمفتَتِحِ العدد، تقول: جاءني واحدٌ من الناس، ولا تقول فيه: جاءني أحدٌ من الناس، والواحد: بني على انقطاع النظير والمثل، والأحد: نبي على الانفراد والوحدة عن الأصحاب، فالواحد منفردٌ بالذات، والأحد منفرد بالمعنى.
(الصمد): هو السيد الذي يصمد إليه الخلق في حوائجهم، أي: يقصدونه.
(المقتدر): مفتعلٌ من القدرة، وهو أبلغ من قادر.
(المقدم): الذي يقدم الأشياء فيضعها في مواضعها.
(المؤخر) الذي يؤخرها إلى أماكنها، فمن استحق التقديم قدمه، ومن استحق التأخير أخره.
(الأول): هو السابق للأشياء كلها. و(الآخر): الباقي.
(الظاهر): هو الذي ظهر فوق كل شيء وعلاه.
و(الباطن): هو المحتجب عن أبصار الخلائق.
(الوالي): مالك الأشياء، المتصرف فيها.
(المتعالي): هو المتنزه عن صفات المخلوقين، تعالى أن يوصف بها وجل.
(البر): هو العطوف على عباده ببره ولطفه.
(المنتقم): هو المبالغ في العقوبة لمن يشاء.
(العفو): فعول من العفو، بناء مبالغة، وهو الصفوح عن الذنوب.
(الرؤوف): هو الرحيم العاطف برأفته على عباده.
(ذو الجلال): الجلال: مصدر الجليل، تقول: جليلٌ بين الجلالة والجلال.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
(المقسط): العادل في حكمه، أقسط الرجل: إذا عدل، فهو مُقسطٌ، وقسط: إذا جار، فهو قاسطٌ.
(الجامع): هو الذي يجمع الخلائق ليوم الحساب.
(المانع): هو الناصر الذي يمنع أولياءه أن يؤذيهم أحدٌ.
(النور): هو الذي يبصر بنوره ذو العماية، ويرشد بهداه ذو الغواية.
(الوارث): هو الباقي بعد فناء الخلائق.
(الرشيد): هو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم، فعيل بمعنى مفعل.
(الصبور): هو الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام منهم، بل يؤخر ذلك إلى أجل مسمى، فمعنى الصبور في صفة الله تعالى قريب من معنى الحليم، إلا أن الفرق بين الأمرين: أنهم لا يأمنون العقوبة في صفة الصبور، كما يأمنون منها في صفة الحليم.
٥٧٨ - * روى الترمذي عن بريدة ﵁، أن رسول الله ﷺ: سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحدٌ، فقال: "والذي نفسي بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى".
وفي رواية أبي داود: "باسمه الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب".
٥٧٩ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁، أنه كان مع رسول الله ﷺ
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٥١٥) ٤٩ - كتاب الدعوات، ٦٤ - باب حدثنا جعفر بن محمد بن عمران. وقال: حسن غريب. أبو داود (٢/ ٧٩) كتاب الصلاة- باب الدعاء. وإسناده صحيح. والحديث رواه أيضًا: أحمد (٥/ ٣٤٩)، وابن حبان (موارد الظمآن: ٥٩٢).
(٢) أبو داود (٢/ ٧٩) كتاب الصلاة - باب الدعاء. والترمذي (٥/ ٥٥٠) ٤٩ - كتاب الدعوات، ١٠٠ - باب خلق الله مائة رحمة. والنسائي (٣/ ٥٣) ١٣ - كتاب السهو، ٥٨ - باب الدعاء بعد الذكر.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
جالسًا، ورجل يصلي، تم دعا الرجل فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السموات والأرض، ذوالجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. فقال رسول الله يه لأصحابه: "أتدرون دعا"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "والذي نفسى بيده، لقد ذعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى".
٥٨٠ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ينادي منادٍ في النار يا حَنان يا منان".
٥٨١ - * روى أبو داود عن أسماء بنت يزيد ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١) وفاتحة سورة آل عمران ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢).
٥٨٢ - * روى أبو داود عن مخجن بن الأذرع الثقفي ﵁ قال: دخل رسول
_________________
(١) وابن حبان (موارد الظمآن: ٥٩٢). (المنان) فعال من المِنة، وهو المبالغ فيها. (بديع) البديع: المُبدع، وهو الخالق المخترع لا عن مِثال سابق. (قيومٌ) القيوم: القائم بذاته ولا يقوم غيره إلا به. فهو مستغنٍ عن خلقه، وخلقه محتاجون إليه في وجودهم واستمرارهم.
(٢) الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٩) وقال: رواه الطبراني ف الأوسط وإسناده حسن.
(٣) أبو داود (٢/ ٨٠) كتاب الصلاة - باب الدعاء. والترمذي (٥/ ٥١٧) ٤٩ - كتاب الدعوات. ٦٥ - باب حدثنا قتيبة. وابن ماجه (٢/ ١٢٦٧) ٣٤ - كتاب الدعاء. ٩ - باب اسم الله الأعظم. والدارمي (٢/ ٤٥٠) كتاب فضائل القرآن - باب فضل أول سورة البقرة وآية الكرسي. قال محقق الجامع: وفي سنده عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي أبو الحصين، وهو ليس بالقوي، كما قال الحافظ في التقريب. وفيه أيضًا شهر بن حوشب، وهو صدوق كثير الإرسال والأوهام، ولكن للحديث شواهد بمعناه يرتقي بها إلى درجة الحسن، ولذلك حسنه الترمذي أ. هـ.
(٤) البقرة: ١٦٣.
(٥) آل عمران: ١، ٣.
(٦) أبو داود (١/ ٢٥٩) كتاب الصلاة- باب ما يقول بعد التشهد.=
[ ٢ / ٦٠٠ ]
الله المسجد، فإذا هو برجلٍ قد قضى صلاته وهو يتشهد، ويقول: اللهم إني أسألك باسمك الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد: أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، قال: فقال: "قد غُفر له، قد غفر له، قد غُفر له".
٥٨٣ - * روى البزار عن نعيم بن همار: أن رسول الله قال: "الميزان بيد الرحمن يرفع أقوامًا ويضع آخرين".
٥٨٤ - * روى الطبراني عن نعيم بن همار الغطفاني، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يزيغه أزاغه وإن شاء أن يقيمه أقامه وكل يومٍ الميزان بيد الله يرفعُ أقوامًا ويضغ آخرين إلى يوم القيامة".
٥٨٥ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". فقلت: يا رسول الله، قد آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يُقلبها كيف يشاء".
٥٨٦ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله يقول: "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلبٍ واحدٍ، يصرفه حيث شاء". ثم قال رسول الله ﷺ: "اللهم مصرف القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك".
_________________
(١) = والنسائي (٣/ ٥٢) ١٣ - كتاب السهو. ٥٨ - باب الدعاء بعد الذكر. وأحمد (٤/ ٣٣٨). والحديث إسنادهحسن.
(٢) الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٨٢) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٨٩) كتاب التفسير- تفسير سورة آل عمران، وهو صحيح.
(٣) الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢١١) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٤) الترمذي (٤/ ٤٤٨) ٣٣ - كتاب القدر، ٧ - باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن. وقال: هذا حديث حسن. قال: وفي الباب عن النواس بن سمعان، وأم سلمة وعائشة وأبي ذر أ. هـ والحديث إسناده حسن.
(٥) مسلم (٤/ ٢٠٤٥) ٤٦ - كتاب القدر، ٣ - باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء.
[ ٢ / ٦٠١ ]
٥٨٧ - * روى مالك عن عمر وبن دينار ﵀، قال: سمعت ابن الزبير يقول في خطبته: إن الله هو الهادي والفاتن.
٥٨٨ - * روى البزار عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: "خلق الله كل صانع وصنعته".
٥٨٩ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يمين الله ملأى لا يغيضها شيء سحاءٌ الليل والنهار، وبيده الأخرى الميزان، يرفع القسط ويخفض". قال: "أرأيت ما أنفق منذ خلق الله السموات والأرض فإنه لم ينقص مما في يديه شيئًا".
٥٩٠ - * روى مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلماتٍ، فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عملُ الليل قبل عملِ النهار، وعملُ النهار قبل عمل
_________________
(١) الموطأ (٢/ ٩٠٠) ٤٦ - كتاب القدر، ١ - باب النهي عن القول بالقدر. وإسناده صحيح.
(٢) كشف الأستار (٣/ ٢٨). وقال الهيثمي (٧/ ١٩٧): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن عبد الله أبو الحسين ابن الكردي وهو ثقة. أهـ. والمستدرك (١/ ٣١)، وقال: على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.
(٣) ابن ماجه (١/ ٧١) المقدمة ١٣ - باب فيما أنكرت الجهمية. وأخرج البخاري نحوه (٨/ ٣٥٢) ٦٥ - كتاب التفسير، ٢ - باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.
(٤) مسلم (١/ ١٦١) ١ - كتاب الإيمان، ٧٩ - باب في قوله ﵇: إن الله لا ينام، وفي قوله: حجابه النور إلخ. قال محقق الجامع: أي: يخفض الله الميزان ويرفعه بما يوزن من أعمال العباد المرتفعة، ويوزن من أرزاقهم النازلة. معنى سبحات وجهه: نوره وجلاله وبهاؤه.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
الليل، ججابه الثور- وفي رواية: النار- "لوكشفة لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
٥٩١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله تعالى، من أجل ذلك مدح نفسه".
وفي رواية (١) نحوه، ويذكر "ما ظهر وما بطن" وزاد: "وليس أحدٌ أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل".
٥٩٢ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قيل للنبي ﷺ: أما تغار؟ قال: "والله إني لأغار والله أغيرُ مني، ومن غيرته نهى عن الفواحش".
٥٩٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله قال: " إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وإن غيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه".
وفي رواية مسلم (٢) قال: " المؤمن يغارُ، والله أشد غيرًا".
٥٩٤ - * روى مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ:
_________________
(١) البخاري (٨/ ٣٠١) ٦٥ - كتاب التفسير ١٠ - باب: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. مسلم (٤/ ٢١١٣) ٤٩ - كتاب التوبة. ٦ - باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش.
(٢) مسلم (٢/ ١١٣٦) ١٩ - كتاب اللعان، الحديث السابع عشر.
(٣) أحمد (٢/ ٣٢٦). ومجمع الزوائد (٦/ ٢٥٤). وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.
(٤) البخاري (٩/ ٣١٩) ٦٧ - كتاب التوبة، ١٠٧ - باب الغيرة. مسلم (٤/ ٢١١٤) ٤٩ - كتاب التوبة، ٦ - باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش.
(٥) مسلم: (٤/ ٢١١٥) الموضع السابق.
(٦) مسلم: (١/ ١٦١) ١ - كتاب الإيمان، ٧٨ - باب في قوله ﵇: نور أنَّى أراه. وفي قوله: رأيت نورًا.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
هل رأيت ربك؟ قال: نورٌ، أنى أراه؟ ".
وفي رواية الترمذي (١) عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله [لسألته. فقال: عم كنت تسأله؟ قلت]: كنت أسأله: هل رأيت ربك؟ فقال أبو ذر: قد سألته، فقال: "نورٌ، أنى أراه؟ ".
٥٩٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن شقيق، قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته. فقال: عن أي شيءٍ كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله قل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت فقال: "رأيت نورًا".
٥٩٦ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فزعم أني الا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتماه إياي، فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبةً أو ولدًا".
٥٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن مسروق بن الأجدع ﵀ قال: قلت لعائشة:
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٣٩٦) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن، ٥٤ - باب "ومن سورة والنجم". قال النووي: (نور أنى أراه) هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول والروايات. ومعناه: حجابه النور فكيف أراه؟ قال الإمام أبو عبد الله المازري ﵀: الضمير في أراه عائد على الله ﷾. ومعناه: أن النور منعني من الرؤية كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار، ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائي وبينه.
(٢) مسلم (١/ ١٦١) ١ - كتاب الإيمان، ٧٨ - باب في قوله ﵇: نور أنى أراه، وفي قوله: رأيت نورًا. قال النووي: (رأيت نورًا) معناه: رأيت النور فحسب، ولم أر غيره.
(٣) البخاري (٨/ ١٦٨) ٦٥ - كتاب التفسير، ٨ - باب ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾. قال الكرماني: التكذيب نسبة المتكلم إلى أن خبره خلاف الواقع، والشتم: توصيف الشخص بما هو إزراء ونقص فيه، وإثبات الولد له كذلك، لأنه قول بما يستلزم الإمكان والحدوث، فسبحانه ما أحلمه وما أرحمه: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾. وهذا من الأحاديث القدسية.
(٤) البخاري (٨/ ٦٠٦) ٦٥ - كتاب التفسير، ١ - باب حدثنا يحيى.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
يا أمتاه، هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قفَّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاثٍ من حدثكهن فقد كذب؛ من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١)، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (٢)، ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ، فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (٣). ومن حدثك أنه كتم فقد كذب، ثم قرأت: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ (٤) الآية، ولكنه رأي جبريل ﵇ في صورته مرتين.
وفي رواية (٥) قال: قلت لعائشة: فأين قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٦)؟ قالت: ذاك جبريلُ ﵇، كان يأتيه في صورة الرجل، وإنه أتاه هذه المرة في صورته، التي هي صورته، فسدَّ الأفق.
وفي أخرى (٧): ومن حدثك أنه يعلم الغيب فقد كذب، وهو يقول: لا يعلم الغيب إلا الله.
وفي أخرى (٨): أن مسروقًا قال: كنت متكئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدةٍ منهن فقد أعظم على الله الفِريَةَ وذكرت نحو الرواية الأولى.
وزاد في رواية (٩): ولوكان محمدٌ ﷺ كاتمًا شيئًا مما أُنزل عليه لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ
_________________
(١) = مسلم (١/ ١٦٠) ١ - كتاب الإيمان، ٧٧ - باب معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، وهل رأى النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء؟
(٢) الأنعام: ١٠٣.
(٣) الشورى: ٥١.
(٤) لقمان: ٣٤.
(٥) المائدة: ٦٧.
(٦) مسلم: الموضع السابق.
(٧) النجم: ٨ - ٩.
(٨) البخاري (١٣/ ٣٦١) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٤ - باب قول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾.
(٩) مسلم (١/ ١٥٩) ١ - كتاب الإيمان، ٧٧ - باب معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. (قفَّ شعري) قفَّ الشعر: إذا قام في منابته، وأكثر ما يعرض عند سماع ما يخافه الإنسان أو يهابه ويعاينه. (الفرية): اختلاق الكذب.
(١٠) مسلم (١/ ١٦٠) الكتاب والباب السابقان.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (١).
وللبخاري (٢) طرفٌ منه عن القاسم عن عائشة قالت: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم، ولكن قد رأى جبريل في صورته وخِلْقِهِ سادًا ما بين الأفق.
٥٩٨ - * روى مسلم غن ابن عباسٍ؛ قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (٣) ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٤) قال: رآه بفؤاده مرتين.
أقول: مذهب ابن عباس أن رسول الله قد رأى ربه يوم المعراج ورجح ذلك النووي، لأن عائشة تنفي وابن عباس يثبت. وكلام المُثْبِت مقدم لأن فيه زيادة علم، وذلك من الخصوصية لرسول الله ﷺ، فن ادعى أنه رأى الله يقظة في الدنيا ببصره فقد كفر.
وها نحن ننقل لك جزءًا من تحقيق النووي في إثبات الرؤيا لرسول الله ﷺ.
قال النووي: وأما صاحب التحرير فإنه اختار إثبات الرؤية قال والحجج في هذه المسئلة وإن كانت كثيرة ولكنا لا نتمسك إلا بالأقوى منها وهو حديث ابن عباس ﵄ أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد ﷺ. وعن عكرمة: سئل ابن عباس ﵄؛ هل رأى محمد ﷺ ربه؟ قال: نعم. وقد روي بإسناد لا بأس به عن شعبة عن قتادة عن أنسٍ ﵁ قال: رأى محمد ﷺ ربه. وكان الحسن يحلف: لقد رأى محمد ﷺ ربه. والأصل في الباب حديث ابن عباس حبر الأمة والمرجوع إليه في المعضلات، وقد راجعه ابن عمر ﵃ في هذه المسألة وراسله: هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فأخبره أنه رآه. ولا يقدح في هذا حديث عائشة ﵂؛
_________________
(١) الأحزاب: ٣٧.
(٢) البخاري (٦/ ٣١٣) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٧ - باب إذا قال أحدكم آمين إلخ.
(٣) مسلم (١/ ١٥٨) ١ - كتاب الإيمان، ٧٧ - باب معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾.
(٤) النجم: ١١.
(٥) النجم: ١٣.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
لأن عائشة لم تخبر أنها سمعت النبي ﷺ يقول لم أر ربي، وإنما ذكرت ما ذكرت متأولة لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ لقول الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، والصحابي إذا قال قولًا وخالفه غيره منهم لم يكن قوله حجةً، وإذا صحت الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها، فإنها ليست مما يدرك بالعقل ويؤخذ بالظن وإنما يُتلقى بالسماع، ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس. ثم إن ابن عباس أثبت شيئًا نفاه غيره والمثبت مقدم على النافي. هذا كلام صاحب التحرير. فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ي رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره مما تقدم وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﷺ. هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه، ثم إن عائشة ﵂ لم تنف الرؤية بحديث عن رسول الله ﷺ ولوكان معها فيه حديث لذكرته وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات" أ. هـ كلام النووي.
وأجاب النووي عن استنباطات عائشة ﵂.
٥٩٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة (رفعه): "يضحك الله إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم، فيقاتل في سبيل الله فيستشهد".
أقول: الضحك في حقه تعالى (ليس كمثله شيء) ككل صفاته ﷻ.
٦٠٠ - * روى البزار عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "لو تعلمون قدر رحمة الله لاتكلتم" أحسبه قال: "عليها".
_________________
(١) البخاري: (٦/ ٣٩) ٥٦ - كتاب الجهاد، ٢٨ - باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيُسددُ بعد ويقتل. مسلم (٣/ ١٥٠٤) ٣٣ - كتاب الإمارة، ٣٥ - باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة. وابن ماجه (١/ ٦٨) المقدمة، ١٣ - باب فيما أنكرت الجهمية.
(٢) كشف الأستار (٤/ ٨٥). =
[ ٢ / ٦٠٧ ]
٦٠١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن له مائة رحمة قسم منها رحمة بين جميع الخلائق فبها يتراحمون وبها يتعاطفون وبها تعطف الوحش على أو لادها وأخر تسعةً وتسعين رحمةً يرحم بها عباده يوم القيامة".
٦٠٢ - * روى مسلم عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: "خلق الله ﷿ يوم خلق السموات والارض مائة رحمةٍ فجعل في الأرض منها رحمة فبها تغطف الوالدةُ على ولدها والبهائم بعضها على بغض والطير وأخر تسعةً وتسعين إلى يوم القيامة فإذا كان يوم القيامة أكملها الله بهذه الرحمة".
٦٠٣ - * روى الطبراني عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "ان الله ﷿ خلق مائة رحمةٍ، رحمةً منها قسمها بين الخلائق وتسعةً وتسعين إلى يوم القيامة".
٦٠٤ - * روى أحمد عن أنس قال: مر النبي ﷺ ونفرٌ من أصحابه وصبي في الطريق فلما رأت أم الصبي القوم خشيت على ولدها أن يوطأ فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني. وسعت فأخذته، فقال القومُ: يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار. قال: فخفضهم النبي ﷺ، وقال: "ولا الله لا يُلقي حبيبه في النار".
_________________
(١) = قال الهيثمي (١٠/ ٢١٣): رواه البزار وإسناده حسن.
(٢) البخاري (١٠/ ٤٣١) ٧٨ - كتاب الأدب، ١٩ - باب جعل الله الرحمة في مائة جزء. مسلم (٤/ ٢١٠٨) ٤٩ - كتاب التوبة، ٤ - باب في سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه. وابن ماجه (٢/ ١٤٣٥) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٥ - باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة.
(٣) مسلم (٤/ ٢١٠٩) الكتاب والباب السابقان. وابن ماجه: الموضع السابق.
(٤) الطبراني (١١/ ٣٧٤). مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٤) كتاب التوبة- باب منه ف يرحمة الله تعالى. وقال: رواه الطبراني والبزار وإسناده حسن.
(٥) أحمد (٣/ ١٠٤). وكشف الأستار (٤/ ١٧٤). مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٣). وقال: رواه أحمد والبزار بنحوه وأبو يعلى ورجالهم رجال الصحيح. (فخفضهم): أي سكنهم وهون عليهم.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
٦٠٥ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "كان رجال يصلي فأتاه رجل فوطئ على رقبته فقال الذي تحته: والله لا يغفر الله لك أبدًا. فقال الله ﷿: تألى عليَّ عبدي أن لا أغفر لعبدي فإني قد غفرت له".
أقول: هذا الحديث أصل من الأصول التي اعتمدها الأصوليون لاعتماد فكرة ما هو الواجب العقلي لله، والمستحيل العقلي لله، والجائز العقلي في حقه تعالى، وما هي الواجبات والمستحيلات والجائزات الشرعية. وهو موضوع دقيق جرت على ذكره كتب العقائد خلال العصور، وجدير بكل مسلمٍ أن يفهمه بأن يقرأه في كتب عقائد أهل السنة والجماعة على عالم رباني متقن.
٦٠٦ - * روى أبو يعلى عن عائشة ﵂ رفعته "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، وقولوا ما شاء الله وحده".
٦٠٧ - * روى أبو داود عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ: "لا تقولوا: ما شاء الله، وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان".
٦٠٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "جعل الله الرحمة مائة جزءٍ، فأمسك عنده تسعةً وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه".
وللبخاري (١): أن رسول الله ﷺ، قال: "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة
_________________
(١) الطبراني (١٠/ ١٢٤). مجمع الزومائد (٤/ ٨٦) وقال: رجاله رجال الصحيح.
(٢) مجمع الزوائد (٧/ ٢٠٨) وقال: رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات.
(٣) أبو داود (٤/ ٢٩٥) كتاب الأدب- باب لا يقال خبثت نفسي. أحمد (٥/ ٣٨٤).
(٤) البخاري (١٠/ ٤٣١) ٧٨ - كتاب الأدب، ١٩ - باب جعل الله الرحمة في مائة جزء. مسلم (٤/ ٢١٠٨) ٤٩ - كتاب التبوبة، ٤ - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.
(٥) البخاري (١١/ ٣٠١) ٨١ - كتاب الرقاق. ١٩ - باب الرجاء مع الخوف.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
رحمةٍ، فأمسك عنده تسعةً وتسعين رحمةً، وأرسل في خلقه كلهم رحمةً واحدةً، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار".
ولمسلم (١) قال: "إن لله مائة رحمةٍ، أنزل منها رحمسة واحدةً بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تغطف الوحش ولدها، وأخَّر الله تسعًا وتسعين رحمة، يرحم بها عباده القيامة".
٦٠٩ - * روى الطبراني في الأوسط عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما أُحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية.
٦١٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لما قضى الله الخلق"، وعند مسلم: "لما خلق الله الخلق كتب في كتاب كتبهُ، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضي".
وعند البخاري: "غلبت غضبي".
وللبخاري أيضًا (٢): "إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي".
وله في أخرى (٣)، قال: "لما خلق الله الخلق كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي".
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢١٠٨) ٤٩ - كتاب التوبة، ٤ - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.
(٢) الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٠٠) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وأحمد بنحوه وقال "إلا من أشرك" ثلاث مرات، وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وحديثه حسن.
(٣) البخاري (١٣/ ٥٢٢) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٥٥ - باب قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾. مسلم (٤/ ٢١٠٧) ٤٩ - كتاب التوبة، ٤ - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.
(٤) البخاري (١٣/ ٤٠٤) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٢٢ - باب وكان عرشه على الماء، وهو رب العرش العظيم.
(٥) البخاري (١٣/ ٣٨٤) ٩٧ - كتاب التوحيد، ١٥ - باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾.
[ ٢ / ٦١٠ ]
وفي أخرى (١): "إن الله كتب كتابًا، قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي. فهو مكتوبٌ عنده فوق العرش".
ولمسلم أيضًا (٢): أن النبي ﷺ قال: "قال الله ﷿: سبقت رحمتي غضبي".
وله في أخرى (٣): "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبي".
وأخرجه ابن ماجه قال (٤): "إن الله حين خلق الخلق كتب بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي".
قال الحافظ في الفتح:
قوله: (لما قضى الله الخلق) أي خلق الخلق كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أو المراد أوجد جنسه، وقضى يطلق بمعنى حك وأتقن وفرغ وأمضى. قوله (كتب في كتابه) أي أمر القلم أن يكتب في اللوح المحفوظ، وقد تقدم في حديث عبادة بن الصامت قريبًا: "فقال للقلم اكتب، فجرى بما هو كائن" ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب اللفظ الذي قضاه، وهو كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ قوله (غلبت) في رواية شعيب عن أبي الزناد في التوحيد "سبقت" بدل غلبت، والمراد من الغضب لازمه وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، لأن السبق والغلبة باعتبار التعلق، أي تعلق الرحمة غالب سابق على تعلق الغضب. لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة وأما الغضب فإنه متوقف على سابقة عمل من العبد الحادث، بهذا التقرير يندفع استشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرحمة في بعض المواطن، كمن يدخل النار من الموحدين ثم يخرج بالشفاعة وغيرها. وقيل معنى الغلبة الكثرة والشمول، وتقول: غلب على فلان الكرم، أي أكثر
_________________
(١) البخاري (١٣/ ٥٢٢) ٩٧ - كتاب التوحيد، ٥٥ - باب قول الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾.
(٢) مسلم (٤/ ٢١٠٨) ٤٩ - كتاب التوبة. ٤ - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.
(٣) مسلم: الموضع السابق.
(٤) ابن ماجه (٢/ ١٤٣٥) ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٥ - باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة.
[ ٢ / ٦١١ ]
أفعاله، وهذا كله بناء على أن الرحمة والغضب من صفات الذات، وقال بعض العلماء: الرحمة والغضب من صفات الفعل لا من صفات الذات. ولا مانع من تقديم بعض الأفعال على بعض فتكون الإشارة بالرحمة إسكان آدم الجنة أول ما خلق مثلًا، ومقابلها ما وقع من إخراجه منها. وعلى ذلك استمرت أحوال الأمم بتقديم الرحمة في خلقهم بالتوسيع عليهم من الرزق وغيره، ثم يقع بهم العذاب على كفرهم. وأما ما أشكل مِنْ أمر مَنْ يعذب من الموحدين فالرحمة سابقة في حقهم أيضًا، ولولا وجودها لخلدوا أبدًا. وقال الطيبي: في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب وأنها تنالهم من غير استحقاق وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق، فالرحمة تشمل الشخص جنينًا ورضيعًا وفطيمًا وناشئًا قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك أ. هـ كلام ابن حجر.
٦١١ - * روى الطبراني في الصغير والأوسط عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "قلت: يا جبريل أيصلي ربك جل ذكره؟ قال: نعم. قلت: ما صلاته؟ قال: سبوح قدوس سبقت رحمتي غضبي".
٦١٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع يجنته، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته".
وللترمذي في رواية أخرى (١)، قال: قال رسول الله ﷺ: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في الجنة أحدٌ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من الجنة أحد".
_________________
(١) الروض الداني (١/ ٤٩). الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٣) وقال: رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله وثقوا.
(٢) مسلم (٤/ ٢١٠٩) ٤٩ - كتابة التوبة، ٤ - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه. وأحمد (٢/ ٣٩٧).
(٣) الترمذي (٥/ ٥٤٩) ٤٩ - كتاب الدعوات، ١٠٠ - باب خلق الله مائة رحمة. وقال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. =
[ ٢ / ٦١٢ ]
٦١٣ - * روى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قُدِم على رسول الله ﷺ بسبيٍ، فإذا امرأة من السبي تسعى، قد تَحلَّب ثديها، إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته، فألزقته بطنها فأرضعنه، فقال رسول الله ﷺ: "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ " قلنا: لا والله. فقال رسول الله: الله أرحم بعباده من هذه المرأة بولدها".
* * *
_________________
(١) البخاري (١٠/ ٤٢٧) ٧٨ - كتاب الأدب، ١٨ - باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته. مسلم: (٤/ ٢١٠٩) ٤٩ - كتاب التوبة، ٤ - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.
[ ٢ / ٦١٣ ]
التلخيص
يدخل في الإيمان بالله الإيمان بوجوده وصفاته العليا وأسمائه الحسنى وأفعاله، وأنه لا فاعل إلا هو ولا خالق إلا هو، وأنه له المالكية والربوبية والألوهية والحاكمية، ولذلك فإن المكلفين من الإنس والجن مطالبون بالعبادة والعبودية على مقتضى الوحي الذي جاءنا به رسل الله عن الله، وكان خاتمة ذلك رسالة نبينا محمد ﷺ التي نُسخت بها الشرائع السابقة إلا ما أقرته منها، وقد جاءتنا مبينة واضحة في الكتاب والسنة، فعرفتنا رسالة نبينا ﷺ على الله وصفاته وأسمائه وحقوقه، وعلى واجباتنا تجاهه ففصلت لنا العبادة والعبودية.
- هناك معارك كبرى بين أهل الإسلام وبين أهل الفلسفات والأديان المعاصرة حول لمعرفة الحق لله ﷿، وبتأمل بسيط يدرك من عرف العقيدة الإسلامية في باب الألوهية أنها قدمت الحق مصفى وأن ما سواها مما خالفها لا يقوم عليه دليل من عقل أو نقل.
- هناك معارك كبرى بين أهل السنة والجاعة وبين الفرق المنشقة عن جسم الأمة الإسلامية حول الذات الإلهية وصفاتها وما ينسب إليها وحول حقوقها وما لا يصح إلا لها وما يليق وما لا يليق، وقد فَصَّل في ذلك كله المحكم من كتاب الله، وقامت الحجة على هذه الفرق بفهم الراسخين في العلم من جماهير من ينتسب إلى الإسلام، وكان من فضل الله على هذه الأمة أنه لم يزل أكثريتها وأكثرية علمائها على الفهم الحق، ولم تتشكل فرقة ضالة في يوم من الأيام إن في عامتها أو في علمائها كثرة كاثرة، وكانت أعظم معاركنا الفكرية مع المعتزلة.
- هناك اختلافات بين بعض أهل الرواية وبين أهل الدراية ممن ينتسبون إلى أهل السنة والجماعة، وتتلخص هذه الاختلافات في الموقف من الصفات السمعية مع اتفاق الجميع على نفي التشبيه، وفي بعض ما يخدش التوحيد، وفي الموقف من تقليد الأئمة في الفروع، وفي ما يدخل في دائرة البدعة المكفرة أو المضللة أو المحرمة. وفهوم الراسخين في العلم ممن تواطأت أكثرية علماء الأمة على التسليم لهم كالبيهقي والنووي وابن حجر العسقلاني والعز
[ ٢ / ٦١٤ ]
ابن عبد السلام والسيوطي يشهد لأهل الدراية.
- كل ما مضى يجعلنا نذكر المسلم بضرورة قراءة كتبب أهل السنة والجاعة من أهل الدراية في العقائد، فلكلام الختصين من الراسخين في العلم وزن ليس لكلام غيرهم.
فائدة: إن المعرفة الإلهية لا تتعمق بشيء كقراءة القرآن والإكثار من الأذكار المأثورة والدعوات التي وردت في الصلوات وغيرها، وسنخصص جزءًا في القسم الثالث للتلاوة كا سنخصص جزءًا للدعوات والأذكار في القسم نفسه، وستر معنا من الدعوات والأذكار في مناسبات متعددة، فمثل هذا يعمق الاعتقاد الحق وهو في الوقت نفسه من أرقى أنواع العبادة في الإسلام، والصلاة وأذكارها ودعواتها هي الأرق في هذا المرتقى.
وكثيرون من الناس بدلًا من أن يفطنوا إلى الجانب العملي في بعض النصوص، يدخلون في أنواع الجدل، فبدلًا من أن يفطنوا إلى الخشوع الذي يجب أن يفطن له من حديث "نصب الله وجهه لعبده في الصلاة"، وبدلًا من أن يفطنوا لرقابة الله إياهم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (١) وبدلًا من أن يفطنوا لضرورة الدعوات في الثلث الآخر من الليل أخذًا من حديث النزول، يدخلون في جدل عقم لا يتابعون فيه الراسخين في العلم ولا يلحظون ما يترتب على كلامهم من تشبيه وإيجاد تعارض بين النصوص، ولو أنهم سلموا للنصوص مع التنزيه أو تابعوا الراسخين في العلم على تأويلهم لكان أسلم لهم: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢). ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (٣).
- وإن من أقبل على الله بالعمل والإخلاص فتح الله على قلبه من ميادين المعرفة الإلهية ما لا يذوقه أهل الجدل الذي جعل الله ﷿ أهله مظنة ضلال، "ما ضلَّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل" (٤).
_________________
(١) الحديد: ٤.
(٢) الصافات: ١٥٩، ١٦٠.
(٣) آل عمران: ٧.
(٤) الترمذي (٥/ ٣٧٨) ٤٨ - كتاب التفسير ٤٥ - باب ومن سورة الزخرف. وقال: حسن صحيح. وأحمد (٥/ ٢٥٢). والحديث إسناده حسن.
[ ٢ / ٦١٥ ]
الوصل الأول
في:
الوثنية في التاريخ
وفيه:
مقدمة وتعريف عن الوثنية
[ ٢ / ٦١٧ ]
المقدمة
قال تعالى عن الأصنام على لسان إبراهم ﵊: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (١).
جاء هذا النص في سياق كلام إبراهم ﵇ في القرآن عن الأصنام: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (٢).
فن المعروف أن نوحًا وإبراهم ﵉ بعثا في بلاد ما بين الرافدين دجلة والفرات، وأنهما بعثا وعبادة الأصنام منتشرة، وقول إبراهيم ﵇ الذي صدرنا به هذا الوصل يشير إلى كثرة من ضل بسبب الأصنام، وذلك أن الإنسان إذا جانب ما توصل إليه العقول والنقول انحصر في خيالاته، وكلما ابتعد عن قضايا العقول والنقول أوصلته خيالاته إلى التمثيل فالتجسيد الرمزي فالوثنية والشرك، لذلك نجد أن الوثنية تسربت إلى كثير من أهل الأديان السماوية فضلًا عن غيرهم، ولذلك نلاحظ أن الإسلام حض المسلم في كثير من النصوص على التسبيح في الصلاة وغيرها لاحتياج القلب البشرى إلى التغذية بالتنزيه بشكل دائم، ولذلك كان للإسلام موقف من التصوير نعرف تفصيلاته في غير هذا المكان.
ولقد حدثتنا نصوص العهد القديم عند اليهود في أكثر من مكان عن تسرب عبادة البعل إلى اليهود، وذكر ذلك القرآن على لسان إلياس ﵇: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ (٣)، وكان البعل هو الصنم الذي تنسب إليه مدينة بعلبك في بلاد الشام، ومن بلاد الشام أخذ عمرو بن لحي عبادة الأصنام وأدخلها إلى مكة، ومنها انتشرت في جزيرة العرب.
والديانة البرهمية انقلبت إلى ديانة وثنية، والديانة البوذية انقلبت إلى ديانة وثنية، وغلبت الوثنية في أكثر أدوار التاريخ على بلاد ما بين الرافدين، وغلبت الوثنية وتأليه الإنسان على الديانات المصرية القديمة، وكانت ديانةُ الرومان الذين سيطروا على أكثر العالم
_________________
(١) إبراهيم: ٣٦.
(٢) إبراهيم: ٣٥، ٣٦.
(٣) الصافات: ١٢٥.
[ ٢ / ٦١٩ ]
القديم وثنيةً، وكذلك اليونان الذين سيطروا بقيادة الإسكندر المكدوني على كثير من مناطق العالم القديم كانوا وثنيين، والوثنية هي الأصل في إفريقيا لولا دخول الأديان السماوية إليها، ولقد دخلت الوثنية زائدة على تأليه المسيح﵇- على الديانة النصرانية في صور كثيرة: في صور الأيقونات، وتقديم شيء من العبادات لتماثيل من أنواع شتى، وفي صورة عبادة الصليب، ولذلك فإن على المسلم أن يحذر طروء شيء من الوثنية إليه بأن يحذر ابتداءً من تخيلاته في شأن الذات الإلهية، فكل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، وليحذر انتهاءً من التماثيل وأن يدخلها بيته.
إن في العالم ديانات تواجه الإسلام، وبعض هذه الديانات أصولها سماوية قطعًا كاليهودية والنصرانية، وبعضها ليست سماوية جزمًا كالسيخية، وبعضها لا نستطيع الجزم بشيء عن أصولها لكنا نؤمن أن الله ﷿ لم يترك أمة بلا رسالة، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢).
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٣).
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٤).
قال ﵊: "ألا إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" (٥). فنحن نجزم أنه قد أرسل إلى كل أمة رسولٌ ثم ختمت الرسالات بمحمد ﷺ، وكانت رسالة عامة للعالمين: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٦)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٧).
ولكنا لا نستطيع الجزم بشيء عن أصول بعض الديانات إلا إذا جاءنا شيء في كتاب ربنا أو سنة رسولنا ﵊ في شأنه، وهاك تعريفًا مختصرًا عن الوثنية في بعض الأديان:
_________________
(١) الشورى: ١١.
(٢) النحل: ٣٦.
(٣) فاطر: ٢٤.
(٤) إبراهيم: ٤.
(٥) مسند أحمد (٤/ ٤٤٧).
(٦) الأحزاب: ٤٠.
(٧) الأنبياء: ١٠٧.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
تعريف عن الوثنية في بعض الأديان
١ - الوثنية في الديانات المصرية القديمة
قال أبو زهرة في كتابه (مقارنات الأديان):
"فكل مدينة كانت لها آلهتها. فكان موطن أوزيروس في أبيدوس، وفتاح في ممفيس، وآمون في طيبة، وهوروس في إدفو، وهاتور في دندرة، إلخ " أ. هـ.
ثم تحدث أبو زهرة عن أسطورة أوزيريس وإيزيس وتوت وهنوروس وسيت، ثم تحدث عن مينا الأول الذي وحَّد مصر تحت سلطانه وأعلن تأليه نفسه بحلول هوروس وسيت فيه.
٢ - وثنية الرومان
قال أبو زهرة في كتابه (مقارنات الأديان) عن وثنية الرومان:
"عددوا أربابهم بتعدد مظاهر الطبيعة التي تتجلى فيها أوامر آلهتهم ونواهيها، فهناك رب ينبت البذر، وآخر يحمي الحقل، وثالث يحرس الثمار وهكذا، ولكل رب اسمه وجنسه وعمله، فعندهم للسماء إله وللحرب إله وللشجاعة إله كما عند اليونان وسموا إله السماء جوبتر وإله الحرب مارس وإله الشجاعة هوكوليس، وهو ما يسمى عند اليونان هركليس؛ وقد قبسوا أيضًا بعض أسماء آلهتهم وخواصها من المصريين القدماء، فعندهم إيزيس إله القمر وأوزيريس إله الزراعة ومراميس إله الشفاء، وكلها أسماء مصرية لآلهة مصرية، وإن الأرباب قد تعددت عند الرومان جدًا، فلكل مظهر من مظاهر الحياة رب، ولكل قوة في الإنسان رب، فعندما يولد الطفل يأتيه رب يعلمه النطق، وربة تعلمه الشرب، وأخرى تقوي عظامه، وربان يرافقانه إلى المدرسة، وآخران يرجعان به. ويعتقدون أن هناك أربابًا للمدينة، وللكتابة وللجبل، ولكل نهر، ولكل نبع، ولكل شجرة رب خاص، ولقد قال الكاتب اللاتيني بترون في إحدى قصصه على لسان امرأة صالحة: "إن بلادنا غاصة بالأرباب، بحيث يسهل عليك أن تلقى فيها ربًا من أن تصادف رجلًا".
[ ٢ / ٦٢١ ]
ولقد أتى عهد على الرومان كانوا يعبدون فيه تلك الآلهة المتعددة من غير أن يتخذوا لها تماثيل، بل كانوا يعبدونها من غير تماثيل خاصة لكل إله، فلم يكن في رومية في ذلك العهد صنم، ثم اتخذوا بعد ذلك الأصنام من الخشب أولًا، ثم اتخذوها من الرخام على مثال أصنام اليونان" أ. هـ.
٣ - وثنية اليونان
قال أبو زهرة في كتابه (مقارنات الأديان) عن اليونان:
"ألَّهوا السماء والأرض والبحر، والشمس، والزمن، ولكنهم لم يقفوا عند هذا الحد، بل لحظوا بعد ذلك الصفات الأدبية في الأحياء، وفنونهم، وما يؤثر فيهم فجعلوا لكل واحد منها إلهًا أو آلهة، ومن هذه الآلهة هيرا ربة القوة المنتجة في الطبيعة وآريس أو المريخ إله الحرب، وأبولون إله الموسيقى والنور، وهراميس رسول الآلهة ورب الفصاحة والبيان، وأثينا ربة الحكة وأفروديت ربة الحب الجميل، وديونيسوس رب الخمر والتمثيل- و"لتيراجيني" أو المحزن.
وكان لكل مدينة أربابها الخاصة بها، ومعبودات لها كثيرة؛ وإن اتحدت في الاسم مع أرباب المدينة الأخرى فالمسمى يختلف، فأبولون في مدينة ليس هو أبولون في مدينة أخرى، وإن اتحد الاسمين، ولكن مع هذا الاختلاف كانت هناك أرباب كثيرة أجمع اليونان في الجملة على عبادتها وتقديسها كالسماء والأرض والبحر، ولها في كل مكان معبد خاص بها، أو مزار يتقرب فيه إليها؛ وإن الأرباب التي يشترك اليونان في تقديسها كثيرة جدًا، وكلها يمثل أعظم القوى الطبيعية تأثيرًا في الكون، ومن هذه زيوس المشترى، وهيرا وأثينا وأرتيس وهرميس (عطارد) وأريس (المريخ) وأفروديت (الزهرة) وكرنوس (زحل) وهكذا.
ولقد صوروا لكل رب من هذه الأرباب تمثالًا يعبد، ولقد كان للتماثيل الكبيرة محالٍّ خاصة بها يزعمون أن الآلهة توحي إليهم فيها على لسان الكهنة، ويتقربون في تلك المحال للآلهة بالقرابين والنذور، وأشهرها معبد (دلفي) لأبولون بمدينة (فوكيس) " أ. هـ.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
٤ - وثنية الهندوس
يقول محمد فريد وجدي في (دائرة معارفه) عن البرهمية:
"للبراهمة صنم اسمه برهمًا له أربعة أوجه وأربعة أيد، في يده الأولى كتابهم المقدس (الفيدا) وفي يده الثانية ملعقة، وفي يده الثالثة سبحة، وفي يده الرابعة إناء فيه ماء.
ولديهم صنم ثان للإله فيشنو ابن برهما، وله أربعة أيد، في الأولى بوق من الصدف، وفي الثانية حلقة عند إدارتها تخرج منها نار لا يستطيع أحد مقاومتها فيما يقولون، وفي الثالثة هراوة. وفي الرابعة غصن من الزهر.
ولديهم صم ثالث للإله سيفا، وله أربع أيد، في الأولى صولجان، وفي الثانية حبل يشد به المذنبين، أما يداه الأخريان فلا شيء فيهما، وله عين ثالثة في جبهته وقلادة في عنقه من رءوس البشر.
والبراهمة يقدسون البقر ويحرمون ذبحها معتقدين أن الأرواح الطاهرة تحل أجسادها، وكثيرًا ما نشأ من هذه العقيدة معارك بينهم وبين مسلمي الهند في عيد الأضحى.
وهم يقدسون الثعابين والتماسيح وغيرها، ويعتبرون نهر الغانج مقدسًا وأن الانغماس فيه يطهر الذنوب، ولذا يحج إليه في كل عام ملايين منهم" ا. هـ.
ويقول أبو الحسن الندوي في كتابه: (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) عن وثنية الديانة البرهمية:
"قد بلغت الوثنية أوْجها في القرن السادس، فقد كان عدد الآلهة في "ويد" ثلاثة وثلاثين، وقد أصبحت في هذا القرن ٣٣٠ مليون. وقد أصبح كلُّ شيء رائع وكل شيء جذابٍ وكلُّ مرفقٍ من مرافق الحياة إلهًا يُعبدُ. وهكذا جاوزت الأصنام والتماثيل والآلهة والإلاهات الحصر، وأربت على العد، فمنها أشخاص تاريخية، وأبطال تمثل فيهم الله- كما زعموا - في عهود وحوادث معروفة، ومنها جبال تجلى عليها بعض آلهتهم، ومنها معادن كالذهب والفضة تجلى فيها إله، ومنها نهر الكنج الذي خرج من رأس "مهاديو" الإله،
[ ٢ / ٦٢٣ ]
ومنها آلات الحرب والات الكتابة وآلات التناسل، وحيوانات أعظمها البقرة، والأجرام الفلكية، وغير ذلك". أ. هـ.
٥ - وثنية الصين
تسود الصين ثلاث ديانات: الديانة الطاوية، ومؤسسها لوتس فقد انقلبت إلى ديانة وثنية في عهد قريب من عهد مؤسسها، والديانة الكونفوشوسية وقد مرت عهود على أتباعها كانوا لا يعتقدون بإله معين بل كانوا يعبدون ما شاءوا من الأشجار والأنهار، والبوذية انقلبت إلى وثنية كما سنرى (راجع: ماذا خسر العالم).
٦ - الوثنية في الديانة البوذية
لقد ذابت البوذية في البراهية ما عدا خروجها عليها في نظام الطبقات وأشياء أخرى واعتقد البوذيون ألوهية بوذا فنصبوا له التماثيل في كل مكان حلت فيه دياناتهم وتقدموا له بالعبادة.
يقول الدكتور أحمد شلبي في كتابه (أديان الهند الكبرى):
"ولكن البوذية بدأت تنكمش بعد بوذا، وقد سبق أن ذكرنا أن من أهم أسباب إنكماشها أنها لم تعن بالكلام عن الإله، وبعبارة أخرى تركت فراغًا كبيرًا في نفوس أتباعها، وبمرور الزمن ملأ أتباعُها هذا الفراغ بآلهة الهندوس أو بعبادة بوذا نفسه واتخاذه إلهًا، ويتصل بهذا أيضًا أن بوذا لم يبن معابد، ولم يأمر أتباعه بممارسة أي لون من ألوان العبادة، وبسبب هذا لجأ أتباع بوذا إلى معابد الهندوس فوضعوا فيها تمثال بوذا، وأصبح كل ما زاد هو إله جديد أُضيف إلى آلهة الهندوس المتعددة، والعقل الهندي يرحب بمزيد من الآلهة. وهكذا أخذت البوذية تتلاشى في الهندوسية، وأخذت الهندوسية تمتصها أو تمتص أتباعها يومًا بعد يوم". أ. هـ.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
٧ - وثنية العرب
أما وثنية العرب فقد وصفها الأستاذ الندوي في كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) وكان من كلامه:
"وهكذا انغمست الأمة في الوثنية وعبادة الأصنام بأبشع أشكالها، فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة صنم خاص، بل كان لكل بيت صنم خصوصي. قال الكلبي: كان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به. وإذا قدم من سفر كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضًا. واستُهْتِرَت العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتًا، ومنهم من اتخذ صنمًا، ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجرًا أمام الحرم، وأمام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت وسموها الأنصاب. وكان في جوف الكعبة- البيت الذي بني لعبادة الله وحده- وفي فنائها ثلاثمائة وستون صنمًا، وتدرجوا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة جنس الحجارة.
روى البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرًا هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرًا، جمعنا حثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به.
وقال الكلبي: كان الرجل إذا سافر فنزل منزلًا أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربًا، وجعل ثلاث أثافي لِقِدَرِهِ، وإذا ارتحل تركه.
وكان للعرب- شأن كل أمة مشركة في كل زمان ومكان .. آلهة شتى من الملائكة والجن والكواكب، فكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله، فيتخذونهم شفعاء لهم عند الله ويعبدونهم، ويتوسلون بهم عند الله، واتخذوا كذلك من الجن شركاء لله وآمنوا بقدرتهم وتأثيرهم وعبدوهم.
قال الكلبي: كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن، وقال صاعد: كانت حِمْيَر تعبد الشمس، وكنانة القمر، وتميم الدبران، ولخم وجذام المشترى، وطين سهيلًا، وقيس
[ ٢ / ٦٢٥ ]
الشِّعري العبور، وأسد عطاردًا" ا. هـ.
هذه بعض مظاهر الوثنية في تاريخ العالم وكثير منها لا زال مستمرًا، والإلحاد في عصرنا لا يخرج عن كونه نوعًا من أنواع الوثنية، إذ يخلع الملحدون على الكون كله صفات الألوهية من خلق وإبداع وإحياء وإماتة فتأمل حال الإنسان في وثنيته لتدرك مِنَّة الله على الإنسان في إرساله محمدًا ﷺ بالتوحيد الذي يجعل الإنسان سيد الأكوان ويقيمه عبدًا لله وحده، بينما الوثنية تجعل الإنسان عبدًا لشجرٍ أو حجرٍ أو قمرٍ أو شمسٍ أو كوكبٍ أو إنسانٍ أو الكون كله.
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ (١)، إنه شتان بين أن يتوجه الإنسان إلى خالقه الأوحد وإلى المنعم عليه بالعبادة مشاركًا هذا الوجود كله في التوجه إلى الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٢)، وبين ذلك الإنسان الذي يتوجه إلى أنواع من الخلوقات بالعبادة محتارًا في أيها يقدم ولأنها يتقرب، فيالانتكاسة العقل ويالسفاهة الأحلام، إنه من خلال هذا وحده يدرك سر قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣). وإننا نلفت نظر بعض المتهوسين الذين لا همَّ لهم إلا أن يرموا أهل الإسلام بالشرك دون مستندٍ قطعي من كتاب أو سنة، فنراهم يفهمون النصوص على غير فهم الراسخين في العلم فيقذفون هذا بنوع من الشرك، ويقذفون هذا بنوع آخر.
_________________
(١) الزمر: ٢٩.
(٢) الإسراء: ٤٤.
(٣) الأنبياء: ١٠٧.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
الوصل الثاني
في:
التثليث ونسبة الولد إلى الله
تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا
[ ٢ / ٦٢٧ ]
قال تعالى: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ (١).
ورد هذا النص في سياق قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٢).
فالآية تشير إلى أن نسبة الولد إلى الله كانت موجودة في ديانات سابقة، ومن تأمل هذه النِّحلة وما يلزم عليها من لوازم النقص على الله من تشبيهه بالحوادث وما يحيط بها من نقص الاحتياج إلى الزوجة والولد، ومن اتصافه بصفات الحوادث من تجزئة وتبعيض وشوق وشهوة أدرك مقدار الزلل في العقل البشري، إذ يصف الله ﷿ بهذا الوصف، فيعرف المكلف نعمة الله على البشرية ببعثة محمد ﷺ ليرجع الناس إلى التنزيه والتوحيد:
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ (٣).
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ (٤).
ومن أشهر الأديان القديمة التي قالت بالبنوة لله- تعالى عن ذلك- البراهية والبوذية والديانات المصرية القديمة، فأن يذكُر الله ﷿ قول اليهود في عزيرٍ وقول النصارى في المسيح مضاهاة لقول الذين كفروا من قبلُ، فتلك من معجزات القرآن الكبرى.
إن البراهمة يقولون بالتثليث مع قولهم بالتعدد الكثير، فأكبر آلهتهم في زعمهم "براهما" ثم "سيفا" أو "سيو" ثم "ويشنو" ويعتقدون أن "ويشنو" هو الابن "لبراهما"، ويعتقدون أن "ويشنو" الابن حل في أحد رجالاتهم المسمى "كرشنة"، ويعتقدون فيه ها يعتقده المسيحيون في المسيح.
يقول فريد وجدي في دائرة معارفه: "حدثت في الهنرد عقيدة التثليث فتغلبت على توحيدهم السابق فرأيناهم يعبدون إلها واحدًا ذا ثلاثة أصولٍ (برهما وفيشنو وسيفا)، وقد
_________________
(١) التوبة: ٣٠.
(٢) التوبة: ٣٠.
(٣) مريم: ٨٨ - ٩٢.
(٤) الزخرف: ١٥.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
خلف فيشنو أباه برهما في نظر الهنود فصاروا لا يوجهون عبادتهم إلا إليه، أما برهما فتركوه في راحة زاعمين أنه أدى وظيفته وانتهى دوره" أ. هـ.
وينقل أبو زهرة في مقارناته بين الأديان عن كتاب تاريخ الهند المجلد الثاني ما يلي: (كرشنة: هو الخلص والفادي والمعزي والراعي الصالح والوسيط وابن الله والأقنوم الثاني من الثالوث المقدس، وهو الآب والابن وروح القدس".
قد مجد الملائكة ديفاكي والدة كرشنة ابن الله. وقالوا يحق للكون أن يفاخر بابن هذه الطاهرة) ا. هـ.
وينقل أبو زهرة في مقارناته بين الأديان عن كتاب دوّان وكتاب الملاك المسيح عن بوذا: (كان تجسد بوذا بواسطة حلول روح القدس على العذراء مايا).
(لما نزل بوذا من مقعد الأرواح ودخل في جسد العذراء مايا صار رحمها كالبلور الشفاف النقي وظهر بوذا فيه كزهرة جميلة).
(وقد عمد بوذا المخلص حين عمادته بالماء وكان روح الله حاضرًا وهو لم يكن الإله العظيم فقط بل وروح القدس الذي فيه صار تجسد كوتاما لما حل على العذراء مايا) ا. هـ.
ولقد قال المصريون القدامى بالتثليث: "أوزيريس"- "إيزيس" زوجته ومنهما جاء "هوروس"، ومن اعتقاداتهم- كما في كتاب (مقارنات بين الأديان) -:
(إن روح الإله هوروس ذات ثلاث شعب أولاها: الروح الدنيا، وهي التي تحل في فرعون الزمان، ثم تنتقل إلى من يليه، وتفيض عليه بقدسيتها، والثانية: الروح العليا الحاكمة في السموات والأرضين، والثالثة: روح تبقى في جسد فرعون الميت، وتقوم بالنصح لفرعون الحي. ولا تبقى هذه الروح إلا إذا بقي الجسم متماسكًا، ولذا أعملوا الحيلة لذلك، وبنوا الأهرام وشيدوها لتكون حفاظًا للجسم) ا. هـ.
أقول: وهكذا نجد إحدى الأباطيل الكبرى تنتقل من أمة إلى أمة في باب الإلهية حتى بعث الله محمدًا ﷺ بالدين الحق فوضع الأمر في نصابه، قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ ٢ / ٦٣٠ ]
مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١).
لقد تأقلم أهل الكتاب على الكفر، وتأقلم المشركون على الشرك واستمروا عليه ودأبوا فيه ولا يكونوا لينفكوا عنه، فأرسل الله محمد ﷺ ليكسر هذا الاستمرار علي الباطل ويرجع الناس إلى الدين الحق بكتابٍ آياته ظاهراتٌ بيناتٌ واضحاتٌ. فالحمد لله رب العالمين.
* * *
_________________
(١) البينة: ١ - ٥.
[ ٢ / ٦٣١ ]
الوصل الثالث
في:
"إن الدين عند الله الإسلام"
[ ٢ / ٦٣٣ ]
إن من عرف الله ﷿ وعرف أنه متصف بالعلم والإرادة والقدرة وغير ذلك من الصفات الوجودية، وعرف أنه متصف بالقيومية والوحدانية وغير ذلك من الصفات السلبية، وعرف أنه الرب والمالك والإله، وأن من مقتضيات ذلك أن تكون له المالكية والحاكمية، ومن عرف أنه متصف بالرحمة والعدل والهداية، إن من عرف هذا كله لم يستغرب أن يبعث الله رسلًا يبينون لمن يدركون الخطاب من الخلوقات وهم الإنس والجن الدين الحق والعبادة الحق والشريعة الحق.
وقد جرت سنته ﷻ أن يرسل الرسل إلى الأمم، وختم رسالاته برسالة محمد ﷺ وجعلها عامة للإنس والجن وباقية خالدة، فالإنس والجن مكلفون بها إلى يوم القيامة.
وقد بعث الله رسله جميعًا مطالبين الخلق بالإسلام لله رب العالمين، فذلك هو دينه الذي لا يقبل سواه. وبعد أن طرأ على الرسالات السماوية القديمة ما طرأ، بعث الله محمدًا ﷺ بالقرآن المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فكان القرآن بيانًا لدينه الإسلام الحق مصدقًا لما بين يديه من الحق وناسخًا للباطل، كما أنه ناسخ لكل ما خالفه وحاكم على كل ما عداه، وبيَّن ﷻ فيه أنه قد أكد هذا الدين وأنه لن يقبل من أحد دينا سواه:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١).
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢)، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٣)، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٤).
وكتاب هذا الدين هو القرآن، والشارح المعصوم له هو السنة، فنصوص الكتاب والسنة هي نصوص هذا الدين، وقد جعل الله كتابه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥)، وفصَّل
_________________
(١) المائدة: ٣.
(٢) آل عمران: ٨٥.
(٣) الأعراف: ١٥٨.
(٤) الفرقان: ١.
(٥) النحل: ٨٩.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
رسول الله ﷺ بقوله وعمله وحاله وتقريره كل ما يحتاج إلى مزيد من التفصيل والبيان، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
* * *
وقد جاء الإسلام وهناك أديان قائمة، منها ما أصوله سماوية ثم حُرِّفت، ومنها ما هو غير ذلك، وأهل كل دين متمسكون بما هم عليه، وأهل الأديان هؤلاء أنفسهم متفرقون وكل فرقة متمسكة بما هي عليه من الهوى، وبعث الله محمدًا ﷺ بالقرآن المعجزة الكبرى التي تضمنت معجزات كثيرة ليقيم الحجة على الخلق جميعًا وليكسر هذا الاستمرار على الباطل.
ومن قبل بعثته ﷺ كانت توجد بجانب الأديان فلسفات وشرائع ومذاهب وضعية، فهناك فلسفة اليونان وشرائع الرومان ومذاهب الدهريين والملحدين، وقد جاء الإسلام بالحق في كل شيء وكان الحاكم على كل شيء، فأبطل ما كان باطلًا وأقر ما كان حقًا.
* * *
وبعد مسيرة طويلة للإسلام صارع فيها الإسلام كل الأباطيل، وتوسع فيها على حساب كل الديانات والمذاهب والفلسفات والشرائع ولا زال ينتشر ويتوسع، ومع وضوح حججه وأنه دين الفطرة فإنه ما زال كثير من الناس مستمرين على ديانات باطلة ورثوها وتعتبر استمرارًا لأديان كانت موجودة قبل الإسلام: كالكونفوشيوسية والبوذية والبرهمية والجينية والمجوسية واليهودية والنصرانية وبقايا الوثنية، وهناك شرائع غير دينية أثرت في التشريعات العالمية كالتشريعات الرومانية، ونشأت بعد الإسلام ديانات باطلة كالسيخية، وبعض هذه الديانات الباطلة أنشأها أناس أصولهم مسلمون لكن ارتدوا كالقاديانية والبهائية كما رأينا، وقد نشأت قديمًا وحديثًا مذاهب وفلسفات أصبحت عند أهلها تشكل بديلًا عن الأديان، أو تحجمها كالشيوعية والعلمانية، وكل ذلك يدخل في صراع مباشر مع الإسلام.
ولقد تأثر بعض المسلمين بفكر أديان أخرى، ووجدت عند بعضهم اجتهادات خاطئة أو فهوم باطلة، فنشأت بسبب ذلك فِرَقٌ: بعضها قريب من الإسلام الصافي، وبعضها ابتعد
_________________
(١) النحل: ٤٤.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
حتى ضل ضلالًا بعيدًا، وبعضها كفر ولم يبق له في الإسلام نصيب. وقد مر معنا شيء من ذلك.
وكل ذلك أثرٌ عن الجهل بالله الذي يستتبع الجهل بأن الدين عند الله هو الإسلام، فمن عرف الله أسلم له بدينه الذي ارتضاه وكلف به الإنس والجن وأقام الحجة على الخلق به، وهو الإسلام كا جاءت به نصوص القرآن وبينته السنة المطهرة. فعلى الفِرق التي انشقت عن جسم الأمة الإسلامية أن تعيد النظر في موقفها على ضوء الكتاب والسنة، وعلى أهل الأديان أن يدخلوا في الإسلام الحق، وعلى أهل المذاهب الفكرية والفلسفية والسياسية أن يدخلوا في الإسلام وينبذوا ما عداه، وعلى الذين تأثروا بالفكر الغريب عن الإسلام من أبناء المسلمين حكامًا ومحكومين أن يتوبوا إلى الله وأن يتوبوا إلى الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة وصراطًا مستقيمًا. وبدون ذلك فإن أحدًا لا يعرف الله حق المعرفة ولا يعطي هذه المعرفة مقتضياتها وحقوقها.
وأهم الأديان التي يواجهها الإسلام في عصرنا: اليهودية والنصرانية وبقايا الأديان الفارسية والديانات ذات المنشأ الهندي كالبراهمية والجينية والبوذية والسيخية، وهناك بقايا الوثنية المحضة وهناك الديانة الكونفوشيوسية. وأهم المذاهب الفلسفية السياسية التي يواجهها الإسلام: الفلسفة الشيوعية والفلسفة العلمانية التي فصلت الدين عن الدولة في كثير من بلدان العالم، ونجحت في أن تعطل شريعة الإسلام في كثير من أفكار المسلمين، وتتبناها أحزاب قومية وأحزاب وطنية، وبعض هذه الجهات تحاول أن تظهر وكأنها مسالمة للإسلام ولكنها في واقع الأمر تعطله. ومن المذاهب المعاصرة التي يواجهها الإسلام المذاهب الفلسفية والحياتية المتعددة الصور في الفقه والتاريخ والاجتماع.
ومما يواجهه الإسلام الفكر الوجودي ومذاهبه العملية التي تقوم على فكرة الانطلاق كما تشاء الأهواء:
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (١).
_________________
(١) المؤنمون: ٧١.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
ومما يواجهه الإسلام في عصرنا جهات متعددة كل منها أخذ على عاتقه أن يهدم جزءًا من الثقافة الإسلامية أو يوجه الدراسات توجيها مخربًا، ودائرتا اللغة العربية والتاريخ والمحاولات الكثيرة للتهديم وللتوجيه فيها نموذجان. وإن البشر ليسيئون إلى أنفسهم في الدنيا والآخرة إذ يرفضون الدخول في الإسلام أو ينحرفون عنه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (١).
* * *
_________________
(١) طه: ١٢٤.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
الوصل الرابع
في:
"ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه"
وفيه:
مقدمة ونقول
[ ٢ / ٦٣٩ ]
المقدمة
إنه مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١)، فقد وُجد من يزعم أنه من أسلم لله من خلال الفلسفة أو من خلال دين من الأديان القديمة، فإنه يكون قد أدى حق الله عليه، وقد قطع الله ﷿ الطريق على أمثال هذه الأوهام فقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٣). وإنه من يعرف الأديان التي عليها الناس اليوم ويقارنها بالإسلام يعرف نعمة الله ﷿ إذ طالبنا بالإسلام وحده ولم يقبل منا غيره، فقد آل أمر الأديان إلى ما لا يطاق عقلًا أو عملًا.
ولعل دراسة بسيطة لبعض الأديان التي كانت زمن إرسال رسول الله ﷺ ترينا عمليًا أنها لا تستحق أن يستمر عليها الإنسان وترينا نعمة الله على البشرية إذ أرسل لها محمدًا ﷺ، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤)، لقد بعث محمد ﷺ ليقطع استمرارية الناس على ما هم فيه من كفر وشرك، وها نحن نجول بك جولة تأخذ بها تصورًا سريعًا عن بعض هذه الشؤون:
إن الرحمة العظمى ببعثة محمد ﷺ تظهر في صور كثيرة؛ من ذلك هدى الله ﷿ إلى معرفته الحق وإلى عبادته الحق وإلى صراطه الحق وجعل كتابه معجزة تحوي معجزات وذلك من مظاهر الرحمة، قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥). ومن تأمل ضلال الخلق إلى جهلهم بالله وعدم قيامهم بحقوق عبادته وعبوديته وما يترتب على ذلك من انحراف وظلم ومظالم وأمراض وحروب عرف بعض مظاهر الرحمة الإلهية ببعثة محمد ﷺ.
ومن تأمل حال أهل الأديان المعروفة الآن في العالم وقارنها بالإسلام عرف رحمة الله ببعثته محمدًا ﷺ، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي
_________________
(١) آل عمران: ١٩.
(٢) آل عمران: ٨٥.
(٣) البقرة: ٢٥٦.
(٤) الأنبياء: ١٠٧.
(٥) المائدة: ١٦.
[ ٢ / ٦٤١ ]
يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)، إن هذه الآية فصلت في مظاهر رحمة الله ببعثة محمد ﷺ:
إذ دلهم به على تقوى الله وعلى التكافل بين البشر بالزكاة وعلى الإيمان بآيات الله، ودلهم على القدوة الحق وهو رسول الله صلى لله عليه وسلم، ودلهم على ما هو خير وعلى ما هو منكر ووضع عنهم الأثقال والأغلال التي تحملها أصحاب الديانات، ودلهم على الجهة التي يجب أن ينصروها ويناصروها، ودلهم على ما يجب عليهم أن يفعلوه وما يصلحهم في أمر دنياهم وأخراهم، فهذا كله من مظاهر رحمة الله ببعثته محمدًا ﷺ للعالمين.
ومن تأمل الأديان التي عليها الناس اليوم عرف عظمة هذه الرحمة وقيمتها:
فالديانة الكونفوشيوسية في الصين آلت إلى الوثنية والشرك فأتباع كونفوشيوس يعبدون السماء والملائكة وأرواح الآباء ويعتقدون أن السماء عالم حي متحرك، والبقية الباقية عندهم شيء من حكم سياسية أو اجتماعية فليس فيها هداية لله ولا لتعاليمه ولا لعبادته الحق.
والديانة الطاوية في الصين آلت إلى وثنية وسلبية، والسلبية فيها كافية للقضاء على متبعيها؛ فالزهد الطلق والتسامح الطلق وعدم رد العدون كائنًا ما كان كل ذلك كافٍ لخراب العالم.
والديانة البرهمية في الهند تقوم على الوثنية وتأليه كل شيء، كما تقوم على مبدأ الطبقات ونظامه القاسي؛ فهناك منبوذون وهناك حرفيون وهناك المحاربون وهناك البراهمة المقدسون، وتقوم على فكرة التناسخ الخرافية التي تدعي أن الروح تنتقل من الإنسان إلى مخلوق أحط منه إن أساء إلا إذا دخل في رياضات تعذيبية لجسده، لو أن كل إنسان طبقها لكانت كافية لخراب هذا العالم. ومن عاداتهم القديمة التي أبطلها الإنجليز أن المرأة تحرق نفسها إذا مات زوجها، ومن عبادات البرهمي أن يمسح جبينه ببول البقر صباحًا ومساءً، والفأر عندهم لا يجوز قتله والبقرة مقدسة.
_________________
(١) الأعراف: ١٥٦، ١٥٧.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
والديانة البوذية آلت إلى الوثنية وتعذيب الجسد. ولوأن البوذيين طبقوا ما آلت إليه البوذية تطبيقًا حرفيًا لانتهوا وفنوا، فدين هذا شأنه مآل العالم على يديه إلى الهلاك.
والديانة الجينية في الهند تقوم على تعذيب الجسد واحتقار الرأي العام.
والديانة السيخية وهي ديانة حديثة النشوء لا تؤمن بالأنبياء أصلًا فن أين يعرف الإنسان هداية الله أصلًا.
والديانة اليهودية استقرت على الحقد والكبرياء وعلى أحكام لا تقبل التطبيق، ولذلك فإنه مع قيام دولة لليهود فإنها تقوم في أكثر قوانينها على العلمانية رغم شدة حرصهم على إبراز الهوية الدينية.
والديانة النصرانية استقرت على التثليث وعبادة الرسوم والأشكال والتماثيل، وعلى صور من التعذيب للجسد وعلى محاربة الفطرة مما يكفي- لو أن طبق ما يعتبر الأفضل عندهم- إلى خراب العالم، لذلك آلت دول العالم النصراني إلى العلمانية.
والديانة المجوسية آلت إلى عبادة إلهين: أحدهما الشيطان، وإلى عبادة النيران ونكاح الأخت وتقديس الأكاسرة.
من هذا الاستعراض السريع ندرك حكة الله ﷿ ورحمته بالخلق إذ بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وندرك حكة من الحكم: لماذا لا يقبل الله دينًا غير دين الإسلام.
تعرف على الإسلام وانظر ماذا يكون لو استجاب له كل إنسان، وتعرف على الأديان وانظر كيف يؤول إليه أمر العالم لواستجاب العالم لأي دين منها، فإنك تجد رحمة الله ببعثته محمدًا ﷺ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (١).
وهاك نقولًا تصف لك صورًا عما في بعض الأديان المعاصرة لتعرف رحمة الله على العالمين ببعثته محمدًا ﷺ وتعرف حكمة من حكم قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢).
_________________
(١) البينة: ١ - ٣.
(٢) آل عمران: ٨٥.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
النقول
١ - نقول عن البرهمية
بعد أن ذكر أبو الحسن الندوي كثرة آلهة البراهمة قال:
زد إلى ذلك عبادتهم لإله التناسل لإلههم الأكبر "مهاديو"، وتصويرها في صورة بشعة، واجتماع أهل البلاد عليها من رجال ونساء وأطفال وبنات، زد إليه كذلك ما يحدث به بعض المؤرخين أن رجال بعض الفرق الدينية كانوا يعبدون النساء العاريات والنساء يعبدن الرجال العراة، وكان كهنة المعابد من كبار الخونة والفساق الذين كانوا يرزعون الراهبات والزائرات في أعز ما عندهن.
وقال أبو الحسن عن نظام الطبقات: يقسم هذا القانون أهلَ البلاد إلى أربع طبقات ممتازة وهي: البراهمة، طبقة الكهنة ورجال الدين، شتري رجال الحرب، ويش رجال الزراعة والتجارة، شودر رجال الخدمة.
(وقد منح هذا القانون طبقة البراهمة امتيازات وحقوقًا ألحقتهم بالآلهة فقد قال: إن البراهة هم صفوة الله وهم ملوك الخلق، وإن ما في العالم هو ملك لهم فإنهم أفضل الخلائق وسادة الأرض، ولهم أن يأخذوا من مال عبيدهم شودر- من غير جريرة- ما شاءوا؛ لأن العبد لا يملك شيئًا وكل ماله لسيده.
وإن البرهمي الذي يحفظ رك ويد "الكتاب المقدس" هو رجل مغفور له ولو أباد العوالم الثلاثة بذنوبه وأعماله، ولا يجوز للملك حتى في أشد ساعات الاضطرار والفاقة أن يجبي من البراهمة جباية أو يأخذ منهم إتاوة، ولا يصح لبرهمي في بلاده أن يموت جوعًا، وإن استحق برهمي القتل لم يجز للحاكم إلا أن يحلق رأسه، أما غيره فيقتل.
أما الشتري فإنهم وإن كانوا فوق الطبقتين، "ويش وشودر" ولكنهم دون البراهمة بكثير فيقول "منو": إن البرهمي الذي هو في العاشرة من عمره يفوق الشتري الذي ناهز مائة كما يفوق الوالد ولده.
المنبوذون الأشقياء: أما شودر "المنبوذون" فكانوا في المجتمع الهندي- بنص هذا القانون المدني الديني- أحط من البهائم وأذل من الكلاب، فيصرح القانون بأن "من سعادة شودر
[ ٢ / ٦٤٤ ]
أن يقوموا بخدمة البراهمة وليس لهم أجر وثواب بغير ذلك، وليس لهم أن يقتنوا مالًا أو يدخروا كنزًا فإن ذلك يؤذي البراهمة، وإذا مد أحد من المنبوذين إلى برهمى يدًا أو عصًا ليبطش به قطعت يده، وإذا رفسه في غضب فدعت رجله، وإذا همَّ أحد من المنبوذين أن يجالس برهميًا فعلى الملك أن يكوي استه وينفيه من البلاد. وأما إذا مسه بيد أو سبه فيقتلع لسانه، وإذا ادعى أنه يعلمه سقي زيتا فائزًا، وكفارة قتل الكلب والقطة والضفدعة والوزغ والغراب والبومة ورجل من الطبقة المنبوذة سواء" أ. هـ (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين).
٢ - نُقولٌ عن الجينية وهى إحدى الديانات الهندية
قال الدكتور شلبي في كتابه: "أديان الهند":
(وللوصول للنجاة يتحتم على الناسك ألا يوقع أذى بإنسان أو حيوان، وعليه أن يدرك أن احترام الحياة أقدس ما عني به مهاويرا، وعلى هذا يحرم عليه قتل الحيوان وبالتالي أكل اللحوم).
(ولا بد للنجاة كذلك من قهر جميع المشاعر والعواطف والحاجات، ومؤدى هذا ألا يحس الراهب بحب أو كره، ولا بسرور أو حزن، ولا بحرٍّ أو برد، ولا بخوف أو حياء، ولا بجوع أو عطش، ولا بخير أو شر. والجيني بذلك يصل إلى حالة من الجمود والخمود والذهول فلا يشعر بما حوله، ودليل ذلك أن يتعرى فلا يحس بحياء ويُنتَف شعره فلا يتألم، لأنه لو أحس بما في الحياة من خير وشر أو نُظُمٍ متفقٍ عليها، فمعنى هذا أنه لا يزال متعلقًا بها خاضعًا لمقاييسها، وهذا يبعده عن النجاة. ولما كان أبرز ما في هذا التنظيم هو العري، والجوع حتى الموت، سميت الجينية دين العري ودين الانتحار.
العري والانتحار في الجينية:
وعن فكرة العري يقول أحد علماء الجينية في محاضرة له عنها:
يعيش الرهبان الجينيون عراة، لأن الجينية تقول: ما دام المرء يرى في العري ما نراه نحن، فإنه لا ينال النجاة، فليس لأحد أن ينال نجاة مادام يتذكر العار، فعلى المرء أن ينسى ذلك بتاتًا ليتمكن من اجتياز بحر الحياة الزاخر، فطالما تذكر الإنسان أنهُ يُوجد خيرٌ
[ ٢ / ٦٤٥ ]
أو شر، حُسنٌ أو قبح فمعناه أنه لا يزال متعلقًا بالدنيا وبما فيها فلا يفوز بـ"موشكا" أي النجاة.
(ويرى الجينيون أن الشعور بالحياء يتضمن تصور الإثم، وعلى العكس من ذلك فعدم الشعور بالحياء معناه عدم تصور الإثم وذلك زيادة في النقاء، فعلى كل ناسك يريد أن يحيا حياة بريئة من الإثم أن يعيش عاريًا، ويتخذ من الهواء والسماء لباسا له.
أما الانتحار فقد كان نتيجةً للتخلي عن كل عمل، وترك كل ما يغذي الجسم لعدم الإحساس بالجوع، ولقطع الروابط بالحياة، وللتدليل على أن الراهب أو الراهبة لم يبق له اهتمام بهذا الجسد الفاني، فهو يجيعه، وينتف شعره، ويعرضه لظواهر الطبيعة القاسية حتى الموت. وقد انتشر الانتحار بالجوع بين رهبان الجينيين قديمًا) أ. هـ شلبي.
ومن المعروف عند علماء الأديان:
أن مهافيرا مؤسس الجينية عاش قبل أن يبدأ دعوته في وسط الرخاء وطيب العيش حيث انحدر من طبقة الكاشتريا طبقة الملوك والقواد والحكاء في الهندوسية.
وكان وهو صغير يحب الجلوس إلى الرهبان والنساك، فتأثر بفلسفتهم وعزف عن المتع ومال إلى الرهبنة والزهد ونذر أن لا يتكلم اثني عشر عامًا، قضاها بالتأمل والتفكير وخرج بعدها ليعلن مذهبه للناس.
وعندهم ما يعرف بالأصول السبعة لتطهير الروح: مثل أخذ العهود والمواثيق بوجوب التمسك بالخلق الحميد والتقليل من الحركات البدنية، والتحلي بالفضائل، والتفكير بالحقائق الأساسية، والسيطرة على متاعب الحياة التي تنشأ من الأعراض الجسمانية التي تنشأ من الجوع والبرد، والقناعة الكاملة، والطمأنينة.
ولم يعترفوا بالله وذلك حتى لا ينشًا طبقة جديدة من البراهمة، ولكن خوفًا من الهندوسية اعترفوا بإلهة الهندوس.
ويقول مهافيرا بالتناسخ لأن تخليص الروح من جسمها المادي لا يتم إلا بالتقشف والحرمان من الملذات فإذا انتهت روحه من ماديتها يرجع روحًا خالدًا.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
٣ - نقول عن البوذية
قال أبو زهرة في كتابه "مقارنات الأديان" بعد أن ذكر الوصايا العشر عند البوذيين:
(هذه هي الوصايا العشر التي يأخذ بها البوذي ليروض إرادته على ترك الملاذ، والعكوف على المجاهدة وتهذيب الذات، وتخفيف ويلات الحياة، ومنها ترى أنهم يحثون على عدم أخذ الذهب والفضة، كأنهما الأمر الذي تضل عنده الأفهام، وتستيقظ حوله المطامع وكأنهما مدخر اللذة، لاستعانة الناس بهما في اجتراع اللذات، واجترار الشهوات، ولهذا النهي عن اقتناء الذهب والفضة قال العلماء: إن البوذية تحث على عدم الملك، وتطالب البوذي أن لا يملك شيئًا ولا يقتني شيئًا. فهو يطلب طعامه يومًا بعد يوم، ولا يدخر من يومه إلى غده.
ولقد كان هذا سببًا في أن ينقسم البوذيون إلى قسمين:
أحدهما: البوذيون الدينيون الذين أخذوا انفسهم بالتعاليم السابقة لا يحيدون عنها قيد أنملة، وقيدوا أنفسهم بأنواع من الأطعمة لا يعدونها، ويحرمون كل شيء غيرها، ولا يلبسون إلا خشن الثياب ولا يرضون إلا جَشْبَ (١) العيش، لما راضوا أنفسهم عليه، من ترك كل لذات الحياة وراءهم ظهريًا، ليستولوا عليها ويمتنعوا عن آلامها.
أما الفرقة الثانية: فهي الفرقة التي تركت هذه التعاليم ولكن رأت أن عليها واجب كفالة الفرقة التي ذكرناها.
والمهم أن نعرف أن التعاليم التي آلت إليها البوذية لو أنها طبقت حرفيًا لفنت البشرية). أهـ (مقارنات الأديان.
ويعرف بعض علماء مقارنة الأديان البوذية بأنها:
ديانة التأمل في الباطن والرحمة وإنكار الذات، ويبدومما ألف عن بوذا أنه كان وديع المعاملة رقيق الكلام رحيمًا شفوقًا مما حببه إلى الناس وسبب لدعوته النجاح.
وخلاصة الوصايا التي أوصى بها بوذا:
_________________
(١) جَشبَ: جشبًا؛ غلُظ وخشُن فهو جشبٌ ومجشابٌ. كذا في الوسيط.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
١ - لا تزهق روحًا، ٢ - لا تأخذ ما لا تستحق، ٣ - لا تزن، ٤ - لا تكذب ولا تغش، ٥ - لا تسكر، ٦ - كُلّ باعتدال، ٧ - لا تشهد رقصًا ولا تسمع غناءٌ أو تمثيلًا، ٨ - لا تلبس حليًا ولا تتعطر ولا تتخذ زينة، ٩ - لا تنم في فراش باذخ، ١٠ - لا تقبل ذهبًا ولا فضة.
وهذه الوصايا قريبة إلى وصايا الأنبياء، ومن هنا قيل إنه كان نبيًا أوحي إليه، وقد حرفت ديانته بعده كما حدث لبقية الأديان، ولا نستطيع الجزم بذلك؛ لأن الجزم بذلك يحتاج إلى نص من كتاب أو سنة، وليس هناك من نص إلا أن الله ﷿ أخبرنا أنه ما من أمة إلا وقد أرسل لها رسول، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١).
وأهم كتب بوذا هي التي تحفظ أحاديثه وأقواله وأمثاله وينسبونها إلى بوذا ولا يدعون نزولها من السماء.
والمشهور أنه لم تكن على زمن بوذا طقوس معينة ولكن بعد وفاته أضيفت بعض الطقوس فيصلون أمام تمثال بوذا ويصومون بأوقات معينة بالامتناع عن الطعام والشراب عدا الحليل من نصف النهار حتى فجر اليوم التالي.
ويحجون بالذهاب إلى الهند ونيبال لزيارة الأماكن الأربعة المقدسة عندهم وهي: مكان ولادة بوذا، والمكان الذي أشرقت فيه الحقيقة تحت الشجرة، والمكان الذي بدأ دعوته منه، ومكان وفاته، ولا موسم للحج عندهم.
٤ - نُقولٌ عن ديانات الفرس
قال أبو الحسن الندوي في كتابه: "ماذا خسر العالم":
(ولم تزل المحرمات النسبية التي تواضعت على حرمتها ومقتها طبائع أهل الأقاليم المعتدلة موضع خلاف ونقاش، حتى إن يزدجرد الثاني الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوج بنته ثم قتلها، وإن بهرام جوبين الذي تملك في القرن السادس كان متزوجًا بأخته.
يقول البروفسور "أرتهر كرستن سين" أستاذ الألسنة الشرقية في جامعة كوبنهاجن
_________________
(١) فاطر: ٢٤.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
بالدنمارك المتخصص في تاريخ إيران في كتابه (إيران في عهد الساسانيين):
"إن المؤرخين المعاصرين للعهد الساساني مثل (جاتهياس) وغيره يصدقون بوجود عادة زواج الإيرانيين بالمحرمات، ويوجد في تاريخ العهد الساساني أمثلة لهذا الزواج، فقد تزوج بهرام جوبين وتزوج جشتسب قبل أن يتنصر بالمحرمات ولم يكن يعد هذا الزواج معصية عند الإيرانيين، بل كان عملًا صالحًا يتقربون به إلى الله، ولعل الرحالة الصيني (هوئن سوئنج) أشار إلى هذا الزواج بقوله: إن الإيرانيين يتزوجون من غير استثناء".
ظهر "ماني" في القرن الثالث المسيحي، وكان ظهوره رد فعل عنيف غير طبعي ضد النزعة الشهوية السائدة في البلاد، ونتيجة منافسة النور والظلمة الوهمية، فدعا إلى حياة العزوبة لحسم مادة الفساد والشر من العالم، وأعلن أن امتزاج النور بالظلمة شر يجب الخلاص منه، فحرَّم النكاح استعجالًا للفناء وانتصارًا للنور على الظلمة بقطع النسل، وقتله بهرام سنة ٢٧٦ م قائلًا: "إن هذا خرج داعيًا إلى تخريب العالم، فالواجب أن يبدأ بتخريب نفسه قبل أن يتهيأ له شيء من مراده. ولكن تعاليمه لم تمت بموته بل عاشت إلى ما بعد الفتح الإسلامي.
ثم ثارت روح الطبيعة الفارسية على تعاليم ماني المجحفة، وتقمصت دعوة مزدك الذي ولد ٤٨٧ م، فأعلن أن الناس ولدوا سواء لا فرق بينهم، فينبغي أن يعيشوا سواء لا فرق بينهم، ولما كان المال والنساء مما حرصت النفوس على حفظه وحراسته كان ذلك عند مزدك أهم ما تجب فيه المساواة والاشتراك، قال الشهرستاني: "أحل النساء وأباح الأموال وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ". وحظيت هذه الدعوة بموافقة الشبان والأغنياء والمترفين وصادفت من قلوبهم هوى، وسعدت كذلك بحماية البلاط، فأخذ قباذ يناصرها ونشط في نشرها وتأييدها، حتى انغمست إيران بتأثيرها في الفوضى الخلقية وطغيان الشهوات، قال الطبري: "افترص السفلة ذلك واغتنموا وكاتفوا مزدك وأصحابه وشايعوهم، فابتلي الناس بهم، وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم، وحملوا قباذ على تزيين ذلك وتوعدوه بخلعه، فلم يلبثوا إلا قليلًا حتى صاروا لا يعرف الرجل ولده ولا المولود أباه، ولا يملك شيئًا مما يتسع به" إلى أن قال: "ولم يزل قباذ من خيار ملوكهم، حتى حمله مزدك على ما حمله عليه، فانتشرت الأطراف وفسدات الثغور) أ. هـ.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
٥ - نقولٌ عن اليهودية
قال الدكتور شلبي في كتابه عن اليهودية:
(تتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله، كما أن الابن جزء من أبيه [زعموا]. ويقول التلمود بالتناسخ، وهو فكر تسرب لبابل من الهند وأخذه حاخامات بابل من المجتمع البابلي).
(ويُلْزِمُ التلمود بني إسرائيل أن يغشوا سواهم فقد جاء فيه: يلزم أن تكون طاهرًا مع الطاهرين ودنسًا مع الدنسين
ويجيز التلمود استعمال النفاق مع غير اليهود، ولا يجيز أن يقدم اليهود صدقة لغير اليهود).
(ليست لأرواح غير اليهود حرمة لدى اليهود، فقد جاء في التلمود: محرم على اليهودي أن ينجي أحدًا من الأمميين من هلاك أو يخرجه من حفرة يقع فيها، بل إذا رأى أحد الأمميين يقع في حفرة لزمه أن يسدها بحجر، وقال "ميمانود": الشفقة ممنوعة بالنسبة لغير اليهودي، فإذا رأيته واقعًا في نهر أو مهددًا يخطر فيحرم عليك أيها اليهودي أن تنقذه؛ لأن السكان الذين كانوا في أرض كنعان وقضت التوراة بقتلهم جميعًا لم يقتلوا عن آخرهم، بل هرب بعضهم واختلط بباقي أمم الأرض، ولذلك يلزم قتل غير اليهودي لاحتمال أن يكون من هؤلاء الهاربين.
وينص التلمود على أن من العدل أن يقتل اليهودي كل أممي لأنه بذلك يقرب قربانًا إلى الله).
المرأة في التلمود:
قال موسى: لا تشته امرأة قريبك، فمن يزنِ بامرأة قريبه يستحق الموت. ولا يعتبر التلمود القريب إلا اليهودي فقط، فإتيان زوجات الأجانب جائز، واستنتج من ذلك الحاخام (رشي) أن اليهودي لا يخطئ إذا تعدى على عرض الأجنبي، لأن كل عقدِ نكاحٍ عند الأجانب فاسد، لأن المرأة التي لم تكن من بني إسرائيل هي كبهيمة، والعقد لا يوجد
[ ٢ / ٦٥٠ ]
مع البهائم وما شاكلها، وقد أجمع على هذا الرأي الحاخامات (بشاي وليفي وجرسون) فلا يرتكب اليهودي محرمًا إذ أتى امرأة مسيحية، وقال (ميمانود) إن لليهود الحق في اغتصاب النساء الغير مؤمنات أي الغير يهوديات) أ. هـ.
ومن هذه النقول ندرك الفارق بين الإسلام وغيره، ونعرف نعمة الله ﷿ بإرساله محمدًا ﷺ بشيرًا للعالمين ونذيرًا ومعلمًا ومربيًا ومزكيًا. ونعرف سرًا من أسرار قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (١).
* * *
_________________
(١) آل عمران: ٨٥.
[ ٢ / ٦٥١ ]
الفصل الثالث
في:
الإيمان بالقدر
وفيه:
مقدمة ومسائل ونصوص وتلخيص
[ ٢ / ٦٥٣ ]
المقدمة
ذكرنا الإيمان بالقدر، وهو الركن السادس من أركان الإيمان بعد الإيمان بالله لأنه في الحقيقة فرع الإيمان بالله وفرع معرفته، فمن عرف الله حق المعرفة وعرف صفاته من إرادة وقدرة وعلم آمن بالقدر ضرورةٌ، ولذلك قدمناه ههنا.
والنصوص كثيرة وواضحة في إثبات القدر، لكن القرآن ذكر أركان الإيمان الخمسة مجتمعة مع بعضها، وذكر القدر منفردًا لأنه كما قلنا فرع الإيمان بالله، أما السنة ذكرت الأركان الستة مع بعضها كما ورد في حديث جبريل ﵇: "قال [أي جبريل]: فأخبرني عن الإيمان. قال [أي رسول الله ﷺ]: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى. قال [أي جبريل]: صدقت. قال [الراوي]: فعجبنا له يسأله ويصدقه".
لقد ذكرت أركان خمسة من أركان الإيمان في القرآن بجانب بعضها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١).
وجاء ذكر القدر في أكثر من مكان: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢)، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (٣)، ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٤)، ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٥).
* * *
إن عقيدة القضاء والقدر هي التحقيق لمعانٍ متعددة تشمل:
معرفة الله والعبودية له والاستسلام والتسليم والتوكل، وهي تأكيد لعقيدة أهل السنة والجماعة بأن كل شيء بإرادة الله وعلمه وقدرته، وهي لا تنفي الاختيار ولا تعني الجبر.
إن هناك مشيئة نافذة وقدرًا تمضي عليه أمور هذا العالم، وهذا لابد منه؛ لأن هذا
_________________
(١) النساء: ١٣٦.
(٢) القمر: ٤٩.
(٣) الحديد: ٢٢، ٢٣.
(٤) الرعد: ٣٩.
(٥) الزخرف ٤.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
العالم مظهر لأسماء الله ومظهر للتعرف على الله.
فاقتضت حكة الله أن يكون الجزء الاختياري الذي تقوم به الحجة على الخلق موجودًا ومحسوسًا، ولكن بدلًا من أن يكون ذلك على طريقة القوة المودعة كما تقول المعتزلة كان ذلك بالإمداد المباشر، ومن سوء الفهم لهذه الحقيقة وقع الخلط والخبط، فالمعتزلة لم يتصوروا الاختيار إلا من خلال القوة المودعة، والجبرية رأوا واقع الحال أن كل شيء بعلم الله وإرادته وقدرته، فقالوا بالجبر المحض، وأهل السنة والجماعة رأوأن الاختيار أصل، فقدرة الله تعمل على وفق مشيئته، ومشيئته تعمل على وفق علمه، والعلم كاشف لا مجبر، ولكن أبى الله أن يكون معه فاعل يستقل بخلق شيء، ومن ههنا كان الإيمان بالقدر هو فرع الإيمان بالله، فمن عرف علم الله وإرادته وقدرته آمن بالقدر، فالله يعلم الأشياء كلها أزلًا وخصص أزلًا ما أراد وجوده منها بالوجود، وأبرزت قدرته ما أراد، وسجل ذلك كله في اللوح المحفوظ وذلك هو القدر. فالقضاء والقدر يتضمنان الإيمان بعلم الله وإرادته وقدرته، كما يتضمنان الإيمان باللوح المحفوظ لأن الله أخبرنا عن ذلك:
فالقدر: هو علم الله تعالى بالأزل بما تكون عليه المخلوقات كلها في المستقبل.
والقضاء: هو إيجاد الله الأشياء حسب علمه الأزلي وإرادته.
وبعضهم عكس التعريف.
هذا وقد تطلق كلمة القدر على النظام المحكم الذي أقام الله عليه أمر الوجود وذلك داخل في القدر بمعناه الأشمل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١)، على أحد وجهين في التفسير: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٢)، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (٣).
إن الناس بالنسبة للخلق والخالق أقسام:
١ - الماديون الذين يؤمنون بالمادة ويلحدون بالله ﷿.
٢ - القائلون بقدم المادة مع الإيمان بالله ﷿
_________________
(١) القمر: ٤٩.
(٢) الحجر: ٢١.
(٣) الرعد: ٨.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
٣ - القائلون بالخلق مع الإيمان بعدم التدخل وإنما هي أسباب وقوانين ولا دخل للإرادة الإلهية أو القدرة الإلهية.
وهذه الفرق الثلاثة كافرة بإجماع أهل السنة والجاعة.
٤ - القائلون بالخلق مع الإيمان بالقوة المودعة والتدخل الجزئي.
وقد اختلف أهل السنة والجاعة في هؤلاء فمن مُكفِّرٍ ومن مُضَلِّل.
٥ - القائلون بالخلق واحتياج هذا الخلق إلى إمداد مستمر، وأن كل شيء ابتداء إنما كان بعلم الله وإرادته وقدرته، وأن الإمداد الإلهي مستمر، فكل شيء بعلم الله وإرادته وقدرته بدءًا واستمرارًا.
هؤلاء القائلون بمسألة خلق العبد وأفعاله وكل شيء ابتداءً وانتهاءً واستمرارًا هم أهل السنة والجماعة. ولهذه العقيدة تشهد النصوص. وبعض العلماء الذين لم يتلقوا عقائد أهل السنة والجماعة يغلطون في هذا الأمر ويغلِّطون، وهم على مذهب المعتزلة ولا يشعرون، وما ذلك إلا لغلبة الحس عليهم؛ لأن المسألة تدور بين صور:
١ - علم الله أزلًا فأراد فأبرز بقدرته.
٢ - أو علم الله ولم ايراد وحدث شيء غصبًا عنه
٣ - أو علم ولم يرد وأعطى الخلق قدرة.
٤ - أو علم ولم يرد وأبرز بقدرته.
٥ - أو علم ولم يرد ولم يبرز بقدرته.
الصورة الأولى هي التي تتفق وجلال الربوبية، والإيمان بها هو الذي يتحقق معه التكليف بالعبودية، وتنسجم مع فكرتيْ التوكل والدعاء، وهي مظهر كل الله الأرق والأعلى، وذلك يتفق مع قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (١)، والصورة الأولى هي التي تحقق الإيمان بالقدر.
_________________
(١) الأنبياء: ٢٣.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
المسائل
أولًا: يجب على العبد أن يصدق بالقدر، وأن يستسلم لله ﷿ فيما قدره له.
ثانيًا: أن التسليم فيما يقع يجب أن يرافقه شكر على الطاعة وتوبة عن المعصية.
ثالثًا: أن يعتقد المسلم أنه مختار فيما يستقبل من الزمن في الأمور التكليفية، ويتصرف على أنه مختار.
رابعًا: أن يسلم لله حكمه في شأن القدر وألا تدخل عليه الوسوسة في كيفية الجمع بين الاختيار والكسب وبين أن كل شيء بإرادة الله وقدرته، فالله علم ما كان وما يكون فأراده فأبرزه بقدرته وههنا حد لا يسأل عنه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ (١).
خامسًا: هناك فارق بين المشيئة الإلهية من جهة وبين الأمر والرضا من جهة أخرى، فكل شيء كان ويكون بإرادته ولكن ليس كل شيء كان ويكون بأمره التشريعي أو رضاه، فكفر الكافر ومعصية العاصي ليست بأمره التشريعي ولا برضاه لكنها بإرادته: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ (٢)، ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣).
سادسًا: لا يصح احتجاج الكافر والضال والفاسق بالمشيئة على الكفر والمعصية والضلال.
سابعًا: الخوض بالقدر من علامة اضطراب القلب وعدم طمأنينته، ولذلك فقد كُرِه البحث في القدر؛ لأن الكلام غير الدقيق فيه قد يؤدي إلى التشويش.
ثامنًا: نفت بعض الفرق الإسلامية القدر خشية أن تنسب إلى الله الظلم في فهمها فوقعت في ظلم أشد لأنها نفت عن الله ﷿ شمول الإرادة وشمول القدرة وشمول العلم.
والخلاصة:
إن الإيمان بالقدر هو المظهر الأعلى لمعرفة الله ولعرفة صفاته وأفعاله. وهو الذي
_________________
(١) الأنبياء: ٢٣.
(٢) الأعراف: ٢٨.
(٣) فاطر: ٨.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
يناسب مقام الإنسان في العبودية. وهو الذي يتفق وافتقار الإنسان. وهو الذي يسبغ على الإنسان رضًا وسعادة. وهو الذي يعطي الإنسان شجاعة وإقدامًا. والإيمان بالقدر هو مفتاح التوكل على الله. وهذه وغيرها إيجابيات عقيدة القدر. فنحن مكلفون بآن واحد بأشياء: نحن مكلفون بالإيمان بالقدر، ومكلفون في الوقت نفسه بالتوكل، ومكلفون بالعمل والأخذ بالأسباب. فالمعرفة والإيمان والتسليم والعمل هي آداب المسلم في هذا المقام:
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١).
* * *
لقد اختلف أهل السنة والجماعة مع المعتزلة في مسائل:
منها خلق أفعال العباد، ومنها شمول تعلق صفتي الإرادة والقدرة بكل ما يجري في هذا العالم.
قال المعتزلة بأن العبد يخلق أفعال نفسه، وقالوا بالقوة المودعة؛ فالله ﷿ جعل الأسباب تعمل على وفق ما أودعها فيه دون أن تكون لإرادته وقدرته تدخل مباشر في يجري، وهذا وهذا من عقائد المعتزلة يتنافى مع النصوص، فالله ﷿ قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢)، ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (٣)، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٤)، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٥)، ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٦)، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ (٧). ومن أذكار الإسلام: "لا حول ولا قوة إلا بالله". ومن أسماء الله: القيوم، وذلك يقتضي أن كل شيء لا يقوم إلا به، ومن أسماء الله: الصمد، وهذا يقتضي أن الخلق دائمو الاحتياج إلى الله، ومن أسمائه: المعز والمذل والقابض والباسط والقدم والمؤخر والمحي والمميت، وذلك يدل على أن كلِّ ما يجري فعله قد خلقه الله ﷻ، قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٨)، وهذا
_________________
(١) الكهف: ٢٩.
(٢) الزمر: ٦٢.
(٣) التوبة: ١٤.
(٤) الأنفال: ١٧.
(٥) الشعراء: ٨٠.
(٦) الواقعة: ٦٣، ٦٤.
(٧) الأعراف: ١٥٥.
(٨) الرحمن: ٢٩.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
يتنافى مع القول يخلق الإنسان أفعال نفسه ومع القول بالقوة المودعة، لأن القول بهاتين الفكرتين يؤدي إلى القول بأن الله ﷿ خلق الأسباب والمسببات وتركها تجري بما أودعه فيها دون أن يكون له تدخل مباشر فيما يجري، وأين هذا من فكرة الدعاء وفكرة التوكل؟ وأين هذا من النصوص وما أكثرها؟ لو أنك تأملت فاتحة الكتاب وحدها لرأيت فيها أكثر من دليل على مذهب أهل السنة والجماعة، فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) يفيد أن كل أنواع الحمد لله لأنه هو الفاعل على الحقيقة فهو المستحق للحمد، وأي حمد إنما ينبغي أن يكون له، فإذا حمدت إنسانًا على شيء فإن هذا الشيء بالله ومن الله، فالله هو المستحق للحمد وحده، وهذا يشهد لعقيدة أهل السنة والجماعة، وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) فيه دليل لأهل السنة والجماعة، فكيف نستعين به على العبادة إذا لم يكن له تدخل فيما يجري، وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٣) دليل لأهل السنة والجماعة فيما ذهبوا إليه، فلو لم تكن الهداية بيده فكيف تطلبها منه في اليوم كذا مرة، إن نصوص الكتاب والسنة تشهدان لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء مفتقر إلى الله وأن كل ما يجري بإمداد الله وبفعله. ولكون القول بأن الإنسان يخلق أفعال نفسه، ولكون القول بالقوة المودعة يخدش الإيمان بالقدر فقد تأتى أهل السنة والجماعة المعتزلة "بالقدرية" أي نفاة القدر واعتبروهم امتدادًا لنفاة القدر بالكامل.
فالإيمان بالقدر يدخل فيه الإيمان بأن الله ﷿ علم أزلًا فأراد أزلًا فأبرز بقدرته وسجل ذلك في اللوح المحفوظ، وما يجري الآن وما سيجري كل ذلك أثر علمه وإرادته وقدرته وعلى مقتضى ما سجله في اللوح المحفوظ.
وإذ كان موضوع القدر تتفرع عنه مسائل كثيرة، وينبثق عن أصول كبيرة، والدخول في تفصيلاته يدخلنا في هذه المسائل والأصول، وليس كل إنسان مؤهلًا للخوض في ذلك والوصول إلى شاطئ السلامة في هذا الشأن؛ فقد كُرِه الخوض في القَدَر إلا بالقدر الذي
_________________
(١) الفاتحة: ٢.
(٢) الفاتحة: ٥.
(٣) الفاتحة: ٦.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
يقرره وينفي الشبهة عنه، لقد سئل الإمام أحمد عن القدر فقال: "القدر قدرة الرحمن". وقال الطحاوي: "وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة العباد إلا ما شاء الله، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره".
تأمل قول هذين العالمين، وتأمل قوله ﵊ وقد سئل:
٦١٤ - * روى الترمذي عن أبي خُزامة عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أرأيت رُقاةٌ نسترقي بها، ودواءٌ تتداوى به، وتقاةٌ نتقيها، هل ترد من قدرِ الله شيئًا؟ قال: "هو من قدر الله".
وتأمل قوله ﵇ لمن سأله: أيترك ناقته بلا عقل ويتوكل؟ فقال: "اعقلها وتوكل".
لتعلم أن القدر ترتبط فيه مسائل كثيرة، فهو مجمع أسرار العقيدة الإسلامية في باب الألوهية، ولذلك كان الإيمان بالقدر والقيام بالتكليف مع الأخذ بالأسباب هي من علامات التوفيق الرباني.
وهذه نصوص في القدر:
_________________
(١) الترمذي (٤/ ٣٩٩) ٣٩ - كتاب الطب ٢١ - باب ما جاء في الرقى والأدوية. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهو كما قال. (تقاةٌ): التقاة: ما يُتقى ويُحذر.
[ ٢ / ٦٦١ ]
النصوص
٦١٥ - * روى أحمد عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "خلق الله ﷿ آدم حين خَلَقَه فَضَرب كَتِفَه اليمنى فأخرج ذُرِّيَّةً بيضًا كأنهم الذرُّ، وضرب كتف اليسرى فأخرج ذُرِّيَّةً سودًا كأنهم الحُمَمُ، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي. وقال للذي في كفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي".
٦١٦ - * روى أحمد عن عبد الرحمن بن قتادة السُّلَمي أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله ﷿ خلق آدم ثم أخذ الخلق من ظهره فقال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي" فقال قائل: يا رسول الله فعلام ذا نعمل؟ قال: "على مواقع القدر".
٦١٧ - * روى البزار عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال في القبضتين: "هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه". قال: فتفرق الناس وهم لا يختلفون في القدر.
٦١٨ - (٤) روي الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله خَلَقَ خلقه في ظُلمةٍ، فألقى عليهم من نُوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ، فلذلك أقول: جفَّ القلمٌ على عِلم الله".
_________________
(١) أحمد (٦/ ٤٤١). وكشف الأستار (٣/ ٢١). مجمع الزوائد (٧/ ١٨٥). وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله رجال الصحيح. (الحُمم): الفحم.
(٢) أحمد (٤/ ١٨٦). والحاكم (١/ ٣١). وقال: هذا حديث صحيح. وهو صحيح.
(٣) كشف الأستار (٣/ ٢٠). والروض الداني (١/ ٣٢٥). قال الهيثمي (٧/ ١٨٦): رواه البزار والطبراني في الصغير ورجال البزار رجال الصحيح.
(٤) الترمذي (٥/ ٢٦) ٤١ - كتاب الإيمان ١٨ - باب ما جاء في افتراق هذه الأمة. وقال: هذا حديث حسن. وأحمد (٢/ ١٧٦). =
[ ٢ / ٦٦٢ ]
٦١٩ - * روى البخاري وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: حاجَّ آدم موسى، فقال [موسى]: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم"؟ قال: "فقال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه أتلومني على أمرٍ كتبه الله عليَّ قَبْل أن يخلقني؟ أو قدَّره عليَّ قبل أن يخلقني؟ " قال رسول الله ﷺ: "فحجَّ آدم موسى".
وفي رواية (١) قال: "احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمرٍ قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين عامًا؟ " قال النبي ﷺ: "فحجَّ آدمُ موسي، [فحجَّ آدم موسي] ".
وفي أخرى (٢) قال: قال رسول الله ﷺ: "احتجَّ آدمٍ وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة؟ ".
وفي رواية (٣): "أخرجتنا وذريتك من الجنة، قال: أنت موسى؟ أليس الله اصطفاك برسالاته وبكلامه، ثم تلومني على أمر قد قُدِّر عليَّ قبل أن أُخلق؟ ".
وفي أخرى (٤) قال النبي ﷺ: "التقى آدم وموسى، قال موسى: أنت الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟ قال آدم: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته واصطنعك لنفسه، وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجدتها، كتب عليَّ قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، فحجَّ أدم موسى".
_________________
(١) = والإحسان بترتيب ابن حبان (٨/ ١٦) كتاب التاريخ- باب بدء الخلق، والحديث إسناده حسن.
(٢) البخاري (٨/ ٤٣٤) ٦٥ - كتاب التفسير، ٣ - باب: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾. مسلم (٤/ ٢٠٤٢ - ٢٠٤٤) ٤٦ - كتاب القدر، ٢ - باب حجاج آدم وموسى ﵉.
(٣) مسلم: الموضع السابق.
(٤) البخاري (٦/ ٤٤١) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء، ٣١ - باب وفاة موسى.
(٥) البخاري (١٣/ ٤٧٧) ١٧ - كتاب التوحيد، ٣٧ - باب ما جاء في قوله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.
(٦) البخاري (٨/ ٤٣٤) ٦٥ - كتاب التفسير، ١ - باب: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
ولمسلم (١): أن النبي ﷺ قال: "تحاجَّ آدم وموسي، فقال له موسي: أنت آدمُ الذي أغويت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: أنت الذي أعطاه الله علم كل شيء، واصطفاه برسالاته؟ قال: نعم. قال: فتلومني على أمر قُدِّر عليَّ قبل أن أخلق؟ ".
وفي أخرى (٢) له قال: "احتجَّ آدم وموسي عند ربهما، فحجَّ آدم موسي؛ قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد ملائكته وأسكنك في جثته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض؟ قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيانُ كل شيء، وقربك نجيًّا؟ فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أُخلق؟ قال موسي: بأربعين عامًا. قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (٣)؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملتُ عملًا كتبه الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلُقني بأربعين سنة؟ " قال رسول الله: "فحج آدم موسى ﵉".
وفي رواية الترمذي (٤) قال: "احتجَّ آدمُ وموسي، فقال موسي: يا آدم، أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأغويت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه أتلومني على عمل عملته
_________________
(١) مسلم: الموضع السابق.
(٢) مسلم: الموضع السابق.
(٣) طه: ١٢١.
(٤) الترمذي (٤/ ٤٤٤) ٣٣ - كتاب القدر، ٢ - باب ما جاء في حجاج آدم وموسى ﵉. (المحاجة): المجادلة والمخاصمة، حاججت فلانًا فحججته، أي: جادلتُه فغلبته. (نجيًا) النجي: المناجي، وهو المشاور والمحادث، وقوله: "اصطنعك لنفسه" تمثيل لما أعطاه الله من منزلة التقريب والتكريم، مثَّل حاله بحال من يراه بعض الملوك- بجوامع خصال فيه وخصائص- أهلًا لئلا يكون أحدٌ أقرب منزلةً منه إليه، ولا ألطف محلًا، فيوليه من الكرامة ويستخلصه لنفسه، والاصطناع: افتعال من الصنيعة، وهي العطية والكرامة والإحسان. (الإغواء): الإضلال، غوى الرجل يغوي وأغوى غيره. (تبيان): التبيان: الإيضاح، وكشفُ الشيء ليظهر ويتبين.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
كتبه الله عليَّ قبل أن يخلق السموات والأرض؟ " قال: "فحج آدم موسى".
٦٢٠ - * روى أبو داود عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن موسى ﵇ قال: يارب، أرنا آدم الذي أخرجنا وتفسة من الجنة. فأراه الله آدم، فقال له: أنت أبونا آدم؟ فقال له آدم: نعم، قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلمك الأسماء، وأمر الملائكة فسجدوا لك؟ قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ قال له آدم: ومَنْ أنت؟ قال: أنا موسى. قال: أنت الذي"- وذكر نحو حديث أبي هريرة وأتم منه- قال فيه: "أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء الحجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسولًا من خلقه؟ قال: نعم. قال: فما وجدت أن ذلك كان في كتاب الله قبل أن أخلق؟ قال: نعم. قال: فِلمَ تلومني في شيء سبق من الله فيه القضاء قبلي؟ " قال رسول الله عند ذلك: "فحج آدم موسى".
أقول: الملاحظ أن آدم ﵇ عندما وقع في الذنب تاب واستغفر ولم يحتج على الله بالقدر، وذلك منه قيام بحق التكليف فقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، ولكن عندما انتقل من دائرة التكليف بوفاته وانتقاله احتج بقدره على موسى ﵇، ومن ههنا نعرف أدب المسلم أنه في هذه الدار يؤمن بالقدر ويقوم بالتكليف، وإذا واقع المعصية تاب إلى الله وأناب، وفي كل الأحوال في الدنيا والآخرة لا يفعل ما يفعله المشركون بأن يحتجوا على صحة ما هم فيه من الكفر والشرك والمعاصي بمشيئة الله فذلك فعل الكافرين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٢).
٦٢١ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن
_________________
(١) أبو داود (٤/ ٢٢٦) كتاب السنة- باب في القدر. وإسناده حسن.
(٢) الأعراف: ٢٣.
(٣) النحل: ٣٥.
(٤) الترمذي (٤/ ٤٤٣) ٣٣ - كتاب القدر ١ - باب ما جاء في التشديد في الخوض في القدر. =
[ ٢ / ٦٦٥ ]
تتنازع في القدر، فغضب، حتى كأنما فُقئ في وجهه حب الرمان حمرةً من الغضب، فقال: "أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما اهلك من كان قبلك كثرة التنازع في أمر دينهم، واختلافهم على أنبيائهم".
وفي رواية (١): "إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في الأمر، عزمت عليكم، عزمتُ عليكم: أن لا تنازغوا فيه".
٦٢٢ - * روى الترمذي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يؤمن عبدٌ، حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه".
٦٢٣ - * روى الطبراني عن عمروبن العاصي قال: خرج رسول الله ﷺ فوقف عليهم فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم أنبياءهم واختلافهم عليهم ولن يؤمن أحدٌ حق يؤمن بالقدر خيره وشره".
(القدر والقضاء) قال الخطابي ﵀: قد يحسبُ كثيرٌ من الناس أن معنى القدر من الله والقضاء: معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وما قدره، وليس كذلك.
وإنما معناه: الإخبار عن تقدُّم علم الله بما يكون من أفعال العباد واكتسابهم، وصدورها عن تقدير منه، وخلقٍ لها خيرها وشرِّها. والقدر: اسم لما صدر مُقدرًا عن فعل القادر، كالهدم، والنشر، والقبض؛ أسماء لما صدر من فعل الهادم، والناشر، والقابض، يقال: قدرت الشيء، وقدَّرته- خفيفة وثقيلة- بمعنى واحد. والقضاء في هذا معناه الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (٢)، أي: خلقهن. وإذا كان
_________________
(١) = وقال: هذا حديث غريب. وهو حسن بشواهده. (فقئ): فُقص وبُخص، ومنه: فقأت عينه، أي: بخصتها. (عزمت): عزمتُ عليكم، بمعنى: أقسمت عليكم.
(٢) الترمذي: الموضع السابق.
(٣) الترمذي (٤/ ٤٥١) ٣٣ - كتاب القدر، ١٠ - باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره. وقال: هذا حديث غريب. وهو حديث حسن.
(٤) الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٩٩). وقال: رواه الطبراني وأبو يعلى ورجاله ثقات.
(٥) فصلت: ١٢.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
الأمر كذلك، فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم: أفعالهم واكتسابهم، ومباشرتهم تلك الأمور، وملابستهم إياها عن قصد وتعمدٍ، وتقدم إرادة واختيار. فالحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة تلحقهم عليها. وجماع القول في هذا: أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والأخر: بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضه.
٦٢٤ - * روى أحمد عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "لكل شيءٍ حقيقةٌ، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه".
٦٢٥ - * روى أبو داود عن ابن الديلمي ﵀، قال: أتيت أُبي بن كعبٍ، فقلت له: قد وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني، لعل الله أن يذهبه من قلبي. فقال: لو أن الله عذب أقل سماواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالمٍ لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أُحدٍ ذهبًا في سبيل الله ما قَبِلَه الله منك حتى تؤمن بالقدر، وعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك، ولو مُت على غير هذا لدخلت النار. قال: ثم أتيتُ عبد الله بن مسعود، فقال مثل ذلك. قال: ثم أتيت خذيفة بن اليان، فقال مثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت، فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك.
٦٢٦ - * روى الترمذي عن نافع- مولى ابن عمر- أن رجلًا جاء ابن عمر، فقال: إن فلانًا يقرأ عليك السلام. فقال ابن عمر: إنه بلغني أنه قد أحدث التكذيب بالقدر، فإن
_________________
(١) أحمد (٦/ ٤٤١). الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٧). وقال: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات.
(٢) أبو داود (٤/ ٢٣٥) كتاب السنة- باب في القدر. وابن ماجه (١/ ٢٩) المقدمة ١٠ - باب في القدر. وإسناده حسن.
(٣) الترمذي (٤/ ٤٥٦) ٣٣ - كتاب القدر، ١٦ - باب حدثنا محمد بن بشار. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. ورواه أحمد (٢/ ١٣٦). والحاكم (١/ ٨٤). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
كان قد أحدث فلا تُقرئه مني السلام، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: يكون في هذه الأمة، أو في أمتي"- الشك منه- "خسفٌ ومسخٌ، وذلك في المكذبين بالقدرة".
وفي رواية أبي داود (١) قال: كان لابن عمر صديقٌ من أهل الشام يُكاتُبِهُ، فكتب إليه عبد الله بن عمر: إنه بلغني أنك تكلفت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إليَّ، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في أمتي أقوامٌ يكذبون بالقدر".
وفي رواية الترمذي (٢) نحو الأولى، وفيها قال: بلغني أنه قد أحدث فإن كان قد أحدث وذكر الحديث، وقال في آخره: "خسفٌ ومسخٌ، أو قذف في أهل القدر".
٦٢٧ - * روى مسلم عن اي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون النبي ﷺ في القدر فنزلت هذه الآية: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٣).
٦٢٨ - * روى الطبراني عن سعيد بن جبير قال: كنت في خلقةٍ فيها ابن عباس فذكرنا القدر فَغَضِب ابن عباس غضبًا شديدًا وقال: لو أعلم أن في القوم أحدًا لأخذته، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بعث الله نبيًا قط ثم قبضه إلا جعل
_________________
(١) أبو داود (٤/ ٢٠٤) كتاب السنة- باب لزوم السنة.
(٢) الترمذي: الموضع السابق.
(٣) مسلم (٤/ ٢٠٤٦) ٤٦ - كتاب القدر، ٤ - باب كل شيء بقدر. وأحمد (٢/ ٤٤٤). والترمذي (٤/ ٤٥٩) ٣٣ - كتاب القدر. ١٩ - باب أبو كريب محمد بن العلاء. وقال: هذا حديث صحيح. وابن ماجه (١/ ٣٢) المقدمة ١٠ - باب في القدر.
(٤) القمر: ٤٨، ٤٩.
(٥) المعجم الكبير (١٢/ ٧٣). وكشف الأستار (٣/ ٣٧). وزاد: "وهم القدرية". مجمع الزوائد (٧/ ٢٠٥). وقال: رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح غير صدقة بن سابق وهو ثقة، ورواه البزار وزاد: "هم القدرية".
[ ٢ / ٦٦٨ ]
بعده فترةً وملأ من تلك الفترة جهنم".
٦٢٩ - * روى الطبراني عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يزال أمر هذه الأمة مواتيًا أو مقاربًا، - أو كلمة تشبهها- "ما لم يتكلموا في الولدان والقدر".
٦٣٠ - * روى البزار عن أبي هريرة آن رسول الله ﷺ قال: "أُخِّرَ الكلامُ في القدر لشرار هذه الأمة".
٦٣١ - * روى أحمد عن ابن عون قال: أنا رأيت غيلان يعنى القدري مصلوبًا على باب دمشق. (أي الذي قال بنفي القدر).
٦٣٢ - * روى أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: "عَجبتُ من قضاء الله سبحانه للمؤمن؛ إن أصابه خير حَمِدَ ربه وشكر، وإن أصابته مصيبةٌ حمد ربه وصبر. المؤمن يؤجر في كل شيء".
٦٣٣ - * روى أحمد عن أبي العلاء بن الشِّخِّير قال: حدثني أحدُ بني سليم- ولا أحسبه إلا قد رأى النبي ﷺ- أن الله ﷿ يبتلي عبده بما أعطاه، فمن رضي بما قسم الله له بارك الله فيه ووسعه، ومن لم يرض لم يبارك له.
_________________
(١) المعجم الكبير (١٢/ ١٦٢). وكشف الأستار (٣/ ٣٦). مجمع الزوائد (٧/ ٢٠٢). وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط ورجال البزار رجال الصحيح.
(٢) كشف الأستار (٣/ ٣٥). مجمع الزوائد (٧/ ٢٠٢). وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط وزاد: "لشرار أمتي في آخر الزمان". ورجال البزار في أحد الإسنادين رجال الصحيح غير عمر بن أبي خليفة وهو ثقة.
(٣) مجمع الزوائد (٧/ ٢٠٧). وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.
(٤) مسند أحمد (١/ ١٧٣). وروى مسلم نحوه عن صهيب (٤/ ٢٢٩٥) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق ١٣ - باب المؤمن أمره كله خير.
(٥) مسند أحمد (٥/ ٢٤). مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٧). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
٦٣٤ - * روى أحمد عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بأربعٍ: بالله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وبالبعث بعد المؤتِ، والقدر".
٦٣٥ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء سراقة بن مالك بن جُعشمٍ، فقال: يا رسول الله، بيَّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العملُ اليوم، فيما جفت به الأقلام وجرت به المقاديرُ، أم فيما نستقبلُ؟ قال: "لا، بل فيما جفَّت به الأقلام، وجرت به المقادير". قال: ففيم العملُ؟ قال: "اعملوا، فكلٌّ ميسر لما خُلق له، وكلٌّ عاملٌ بعمله".
٦٣٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال عمر: يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه، أمرٌ مبتدعٌ- أو مبتدأ- أو فيما قد فُرغ منه؟ فقال: "فيما قد فُرغ منه يا ابن الخطاب، وكل ميسرٌ، أما من كان من أهل السعادة، فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء".
وفى رواية (١)، قال: لما نزلت: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. [هود: ١٠٥] سألت رسول الله ﷺ، فقلت: يا نبي الله، فعلام نعمل، على شيء قد فُرغ منه، أو على شيء لم يُفرغ منه؟ قال: "بل على شيء قد فُرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل مُيسرٌ لا خُلِق له".
٦٣٧ - * روى أبو يعلى عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "أراد الله أن
_________________
(١) مسند أحمد (١/ ٩٧). والترمذي (٤/ ٤٥٢) ٣٣ - كتاب القدر ١٠ - باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره. وابن ماجه (١/ ٣٢) المقدمة ١٠ - باب في القدر. والمستدرك (١/ ٣٣). وقال: صحيح على شرط الشيخين.
(٢) مسلم (٤/ ٢٠٤٠) ٤٦ - كتاب القدر ١ - باب كيفية الخلق الآدمي إلخ.
(٣) الترمذي (٤/ ٤٤٥) ٣٣ - كتاب القدر ٣ - باب ما جاء في الشقاء والسعادة. وقال: حسن صحيح.
(٤) الترمذي (٥/ ٢٨٩) ٤٨ - كتاب التفسير ١٢ - باب ومن سورة هود. وقال: حسن غريب. وهو حديث صحيح.
(٥) كشف الأستار (٣/ ٢٣). =
[ ٢ / ٦٧٠ ]
يخلق نسمةً قال ملكُ الأرحام مُعرضًا: أي رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله، فيقول: أي رب أشقيٌّ أم سعيد فيقضي الله أمره. ثم يكتب بين عينيه ما هو لاقٍ حتى النكبة ينكبها".
٦٣٨ - * روى البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سَعِدَ في بطنها".
٦٣٩ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "خلق الله جل ذكره يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنًا وخلق فرعون في بطن أمه كافرًا".
٦٤٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "وكَّل الله بالرحم ملكًا، فيقول: أي ربِّ نطفةٌ؟ أي ربِّ علقةٌ؟ أي ربِّ مُضغةٌ؟ فإذا أراد أن يقضي خلقها قال: يا ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ أشقيٌ، أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيُكتب ذلك في بطن أمه".
٦٤١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: "إن خلق أحدكم يُجمعُ في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةٌ مثل ذلك، ثم يكون مُضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا
_________________
(١) = مجمع الزوائد (٧/ ١٩٣). وقال: رواه أبو يعلى والبزار ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.
(٢) كشف الأستار (٣/ ٢٣). مجمع الزوائد (٧/ ١٩٣) وقال: رواه البزار والطبراني في الصغير ورجال البزار رجال الصحيح.
(٣) المعجم الكبير (١٠/ ٢٧٦). مجمع الزوائد (٧/ ١٩٣). وقال: رواه الطبراني وإسناده جيد.
(٤) البخاري (١١/ ٤٧٧) ٨٢ - كتاب القدر، ١ - باب حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك. مسلم (٤/ ٢٠٣٨) ٤٦ - كتاب القدر ١٠ - باب كيفية الخلق الآدمي.
(٥) البخاري (١١/ ٤٧٧) الكتاب والباب السابقان. مسلم (٤/ ٢٠٣٦) الكتاب والباب السابقان. وأبو داود (٤/ ٢٢٨) كتاب السنة باب في القدر. والترمذي (٤/ ٤٤٦) ٣٣ - كتاب القدر، ٤ - باب ما جاء أن الأعمال بالخواتيم. وقال: حسن صحيح.
[ ٢ / ٦٧١ ]
بأربع كلمات: بِكَتْب رزقهِ وأجله وعمله، وشقيٌ أو سعيد، ثم ينفخُ فيه الروح، فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخُلُها، وإن أحدكم ليعملُ بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها".
٦٤٢ - * روى مسلم عن سهل بن سفاد الساعدي؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار. وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة".
أقول: قوله ﷺ: "فيما يبدو للناس"، في هذه الرواية يقيد الروايات السابقة، فمع إيماننا بأن مشيئة الله مطلقة فإننا نؤمن بأن رحمة الله ﷿ سبقت غضبه، وأن من سنة الله أن من تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعًا، وحسن الظن بالله يقتضي أن نؤمن أن من أقبل على الله بصدق بعمل أهل الجنة واعتقادهم فإن الله ﷿ يزيد من بركاته ويختم له بالخير، وإنا نتصور المسألة بأن يوجد إنسان يعمل في الظاهر بعمل أهل الجنة، وعنده عقائد فاسدة أو رياء أو أمراض قلبية، أو يفعل ذنوبًا خفية، فهو في الظاهر يعمل بعمل أهل الجنة وبالباطن يعمل بعمل أهل النار، فمثل هذا عاقبته سيئة إلا إذا تجاوز الله عنه فيما سوى الشرك الأكبر.
٦٤٣ - * روى مسلم عن عامر بن وائلة ﵀ أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وُعِظَ بغيره. فأتى رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له: حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود فقال له: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكًا
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٠٤٣) ٤٦ - كتاب القدر، ١ - باب كيفية الخلق الآدمي إلخ.
(٢) مسلم (٤/ ٢٠٣٧) الكتاب والباب السابقان.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
فصورها، وخلق سمعها، وبصرها، وجلدها، ولحمها، وعظامها، ثم قال: يا رب، أذكرٌ، أم أنثى؟ فيقضي رئك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يارب، أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على [ما] أمر ولا ينقصُ".
وفي رواية (١) قال: دخلت على أبي سريحة، حُذيفة بن أسيد الغفاري فقال: سمعت رسول الله ﷺ بأذني هاتين يقول: "إن النطفة تقع في الرجم أربعين ليلةً، ثم يتصور عليها الملك"- قال زهير أبو خيثمة: حسبته قال: " الذي يخلقها- فيقول: يا رب، أذكر، أو أنثي؟ فيجعله الله ذكرًا أو أنثى، ثم يقول: يا رب، أسويٌ، أو غير سويٌ؟ ثم يقول: [يا ربِّ] ما رزقه، ما أجله، ما خلقه؟ ثم يجعله الله شقيًا أو سعيدًا".
وفي أخرى (٢) رفع الحديث إلى النبي ﷺ: أن ملكًا موكلًا بالرحم، إذا أراد الله ﷿ أن يخلق شيئًا، بإذن الله لبضعٍ وأربعين ليلة " ثم ذكر نحوه.
قال النووي حول هذه الأحاديث: (يرسل الملك) ظاهره أن إرساله يكون بعد مائة وعشرين يومًا، وفي الرواية التي بعد هذه: يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أم سعيد؟ وفي الرواية الثالثة: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها. وفي رواية حذيفة بن أسيد: إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك. وفي رواية: أن ملكًا موكلًا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئًا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة، وذكر الحديث. وفي رواية أنس: أن الله قد وكل بالرحم ملكًا فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة. قال العلماء: طريق الجمع بين هذه الروايات أن للملك ملازمة ومراعاة لحال النطفة، وأنه يقول: (يا رب هذه علقة هذه مضغة) في
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٠٣٨) الكتاب والباب السابقان.
(٢) مسلم: في الموضع السابق.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
أوقاتها، فكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله تعالى وهو أعلم سبحانه، ولكلام الملك وتصرفه أوقات؛ أحدها حين يخلقها الله تعالى نطفة ثم ينقلها علقة وهو أول علم الملك بأنه ولد
وأما قوله في إحدى الروايات: فإذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولجها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، وذكر رزقه ..
واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر، ووقع في رواية للبخاري: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين، ثم يكون علقة مثله ثم يكون مضغة مثله، ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات: فيكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه. فقوله: ثم يبعث "بحرف ثم" يقتضي تأخير كَتب الملك هذه الأمور إلى ما بعد الأربعين الثالثة، والأحاديث الباقية تقتضي الكتب بعد الأربعين الأولى. وجوابه أن قوله: (ثم يبعث إليه الملك فيؤذن فيكتب) معطوف على قوله: (يجمع في بطن أمه) ومتعلق به لا با قبله وهو قوله: (ثم يكون مضغة مثله)، ويكون قوله: (ثم يكون علقمة مثله ثم يكون مضغة مثله) معترضًا بين المعطوف والمعطوف عليه، وذلك جائز موجود في القرآن والحديث الصحيح وغيره من كلام العرب. قال القاضي وغيره: والمراد بإرسال الملك في هذه الأشياء أمره بها وبالتصرف فيها بهذه الأفعال، وإلا فقد صرح في الحديث بأنه موكل بالرحم، وأنه يقول: يا رب نطفة يا رب علقة. قال القاضي: وقوله في حديث أنس: (وإذا أراد الله أن يقضي خلقًا قال يا رب أذكر أم أنثى شقي أم سعيد؟) لا يخالف ما قدمناه، ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة، بل ابتداء للكلام وإخبار عن حالة أخرى، فأخبر أولًا بحال الملك مع النطفة، ثم أخبر أن الله تعالى إذا أراد إظهار خلق النطفة علقة كان كذا وكذا. أ. هـ النووي.
وهناك اتجاهات أخرى لم يذكرها النووي.
أقول: مما مر معنا من كلام النووي ندرك أن هناك خلافًا في فهم النصوص حول الزمن
[ ٢ / ٦٧٤ ]
الذي يكون فيه التصوير الكامل لخلق الإنسان في رحم أمه، وهي قضية أصبح بإمكان علم الأجنة الحالي أن يبتَّ فيها، فما بتّ فيه علم الأجنة في هذا الشأن- وهو لا يخرج عما ذكرته النصوص وفهمه العلماء من قبل- فإنه هو الذي يُرمِّج على غيره.
٦٤٤ - * روى البزار عن عائشة عن النبي ﷺ: "إن الله ﵎ حين يريدُ أن يخلق الخلق يبعث ملكًا، فيدخلُ الرحم فيقول: يا رب ماذا؟ فيقول: غلامٌ أو جارية أو ما أراد أن يخلق في الرحم. فيقول: يا رب شقي أم سعيد؟ فيقول يا رب ما أجله؟ ما خلائقه؟ فيقول: كذا وكذا. فيقول: يا رب ما رزقه؟ فيقول: كذا وكذا. فيقول: يا رب ما خُلُقُه؟ ما خلائقه؟ فما من شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم".
٦٤٥ - * روى البزار عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "إن أول شيء خلقه الله القلمُ وأمره أن يكتب كل شيءٍ".
أقول: الأولية هنا أولية نسبية، وإلا فقد مرّ معنا أن العرش والماء خلقا قبل ذلك.
٦٤٦ - * روى الطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ: قال: "لما خلق الله القلم قال له: اكتب. فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة".
٦٤٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليعملُ الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يُختمُ له عملُه بعملِ أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم يُختم له عمله بعمل أهل الجنة".
_________________
(١) كشف الأستار (٣/ ٢٤). مجمع الزوائد (٧/ ١٩٣). وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.
(٢) مجمع الزوائد (٧/ ١٩٠). وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.
(٣) المعجم الكبير (١٢/ ٦٩). مجمع الزوائد (٧/ ١٩٠). وقال رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٤) مسلم (٤/ ٢٠٤٢) ٤٦ - كتاب القدر، ١ - باب كيفية الخلق الآدمي إلخ.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
٦٤٨ - * روى أبو داود عن عبادة بن الصامت ﵁، قال لابنه عند الموت: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب. قال: يا رب، وماذا أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". يا بني، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مات على غير هذا فليس مني".
وفي رواية للترمذي (١): قال عبد الواحد بن سُليم: قدمت مكة فلقيت عطاء بن أبي رياح، فقلت له: يا أبا محمدٍ، إن بالبصرة قومًا يقولون: لا قدر. فقال: يا بني، أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. فقال: فاقرأ (الزخرف) فقرأت: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ثم قال: أتدري ما أم الكتاب؟ قلت: لا. قال: فإنه كتاب كتبه الله قبل أن يَخلق السموات والأرض، فيه: إن فرعون من أهل النار، فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. قال عطاء: ولقد لقيت الوليد بن عبادة بن الصامت، صاحب رسول الله ﷺ فسألته: ما كانت وصية أبيك لك عند الموت؟ فقال لي: دعاني فقال لي: يا بني، اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله حتى تؤمن بالله، وتؤمن بالقدر كله خيره وشره، وإن مت على غير هذا دخلت النار، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر. فكتب ما كان وما هو كائن إلى الأبد".
٦٤٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمروبن العاص ﵄، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يديه كتابان، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟ "، قلنا:
_________________
(١) أبو داود (٤/ ٢٢٥) كتاب السنة، باب في القدر.
(٢) الترمذي (٤/ ٤٥٧) ٣٣ - كتاب القدر ١٧ - باب حدثنا قتيبة إلخ. وقال: غريب من هذا الوجه. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣١٧). وهو حديث صحيح.
(٣) الترمذي (٤/ ٤٤٩) ٣٣ - كتاب القدر، ٨ - باب ما جاء أن الله كتب كتابًا لأهل الجنة وأهل النار. وقال: حسن غريب صحيح. مسند أحمد (٢/ ١٦٧). والحديث إسناده حسن. =
[ ٢ / ٦٧٦ ]
لا يا رسول الله، الا أن تخبرنا. فقال للذي في يده اليمني: "هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا يُنقص منهم أبدًا". ثم قال للذي في شماله: "هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا، قال أصحابه: ففيم العملُ يا رسول الله إن كان أمر قد فُرِغ منه؟ فقال: "سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يُختم له بعمل أهل الجنة وإن عَمِلَ أي عَمَلٍ، وإن صاحب النار يُختم له بعمل أهل النار وإن عَمِل أيَّ عملٍ". ثم قال رسول الله ﷺ بيديه، فنبذهما، ثم قال: "فَرَغَ ربكم من العباد، فريق في الجنة، وفريق في السعير".
٦٥٠ - * روى مسلم عن عِمران بن حُصينٍ ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، أعُلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ قال: " نعم". قال: ففم يعمل العاملون؟ قال: "كلٌ ميسرٌ لما خُلق له".
وفي رواية للبخاري (١)، أيُعرف أهل الجنة من النار؟ قال: "نعم". قال: فَلِمَ يعمل العاملون؟ قال: "كلٍّ يعمل لما خُلِق له" أو "لما يُسِّر له".
ولمسلم (٢) من رواية أبي الأسود الدِّيلي، قال: قال لي عِمران بن حُصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيءٌ قُضي عليهم ومضى عليهم من قَدَرٍ قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيءٌ قُضي عليهم شيء ومضى عليهم. قال: أفلا يكون ظُلمًا؟ قال: ففزعت من ذلك فزعًا شديدًا، وقلت: كل شيءٍ خَلقُ الله ومِلك يده، فلا يُسأل عما يفعل وهم يسألون. فقال لي: يرحمك الله، إني
_________________
(١) = (سددوا وقاربوا) السداد: الصواب في القول والعمل، والمقاربة: القصد فيهما. (أجمل على آخرهم) أجملتُ الحسابَ: إذا جمعتُه وكملتُ أفراده، أي: جمعوا، يعني أهل الجنة وأهل النار عن آخرهم، وعقدت جملتهم، فلا يتطرق إليها زيادة ولا نقصان.
(٢) مسلم (٤/ ٢٠٤١) ٤٦ - كتاب القدر، ١ - باب كيفية الخلق الآدمي إلخ. وأبو داود (٤/ ٢٢٨) كتاب السنة، باب في القدر.
(٣) البخاري (١١/ ٤٩١) ٨٢ - كتاب القدر، ٢ - باب جف القلم على علم الله.
(٤) مسلم: في الموضع السابق. =
[ ٢ / ٦٧٧ ]
لم أُرِد بما سألتك إلا لأحرز عقلك، وإن رجلين من مُزينة أتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشيء قُضي عليهم ومضى فيهم من قدرٍ [قد] سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم [به] نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: "لا، بل شيء قضي عليهم، ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ " [الشمس: ٧، ٨].
٦٥١ - * روى الترمذي عن ابن عباس: كنت خلف النبي ﷺ فقال لي: "يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يخفظك، احفظ الله تجدةُ تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفت الصحف".
٦٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا في جنازةٍ في نقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ، فقعد، وقعدنا حوله، ومعه مخصرةٌ، فنكس، وجعل ينكتُ بمخصرته، ثم قال: "ما منكم من أحد إلا وقد كُتبَ مقعده من النار، ومقعدُه من الجنة". فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكلُ على كتابنا؟ فقال: "اعملوا، فكل مُيسرٌ لما خُلق له، أمَّا من كان من أهل السعادة، فسيصيرُ لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء، فسيصير لعمل [أهل] الشقاء" ثم
_________________
(١) = (لأحزر عقلك): قال النووي: لأمتحن عقلك وفهمك ومعرفتك.
(٢) الترمذي (٤/ ٦٦٧) ٣٨ - كتاب صفة القيامة، ٥٩ - باب حدثنا بشر إلخ وقال: حسن صحيح. وهو كما قال: (خلف النبي): خلف النبي على دابته. (احفظ الله): بملازمة تقواه واجتناب نواهيه. (تجده تجاهك): تجده معك بالحفظ والإحاطة والتأييد والإعانة. (رفعت الأقلام): تُركت الكتابة بها. (جفت الصحف): كناية عن تقدم كتابة المقادير والفراغ منها من أمد بعيد.
(٣) البخاري (١١/ ٤٩٤) ٨٢ - كتاب القدر، ٤ - باب وكان أمل الله قدرًا مقدورًا. مسلم (٤/ ٢٠٣٩) ٤٦ - كتاب القدر، ١ - باب كيفية الخلق الآدمي إلخ.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. [الليل: ٥ - ٧].
وفي رواية الترمذي (١) قال: كنا في جنازةٍ في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله ﷺ، فقعد، وقعدنا حوله ومعه مِخصرةٌ، فجعل ينكت بها ثم قال: "ما منكم من أحد"- أو-" [ما] من نفسٍ منفوسةٍ، إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كُتبت شقيةً أو سعيدةً". فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وتدع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة، ليكونن إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة، ليكونن إلى أهل الشقاوة؟ فقال رسول الله ﷺ: "بل اعملوا، فكل ميسرٌ، فأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
وفي أخرى للترمذي (٢) قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ وهو يَنْكُتُ [في] الأرض، إذ رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: "ما منكم من أحد إلا قد عُلم"- وفي رواية: "إلا قد كُتِبَ- مقعده من النار، ومقعده من الجنة". قالوا: أفلا نتكل يا رسول الله؟ قال: "لا، اعملوا، فكلٌّ مُيسرٌ لما خلق له".
٦٥٣ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقاديز الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. قال: "وعرشه على الماء".
وفي رواية الترمذي": " قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرضين قال النووي: (كتب الله مقادير الخلائق) قال العلماء: المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، لا أصل التقدير، فإن ذلك أزلي لا أول له.
(وعرشه على الماء) أي قبل خلق السموات والأرض.
_________________
(١) الترمذي: (٥/ ٤٤١) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن، ٨١ - باب ومن سورة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. وقال: حسن صحيح.
(٢) الترمذي (٤/ ٤٤٥) ٣٣ - كتاب القدر، ٣ - باب ما جاء في الشقاء والسعادة. وقال: حسن صحيح. (مِخصرة) كالسوط ونحوه مما يمسكه الإنسان بيده من عصىً ونحوها. (فنكس): أي خفض رأسه وطأطأه إلى الأرض على هيئة المهموم.
(٣) مسلم (٤/ ٢٠٤٤) ٤٦ - كتاب القدر، ٢ - باب حجاج آدم وموسى ﵉.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
وفي رواية الترمذي (١): "قدَّر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرضين بخمسين ألف سنةٍ".
قال النووي: (كتب الله مقادير الخلائق) قال العلماء المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، لا أصل التقدير، فإن ذل أزلي لا أول له.
(وعرشه على الماء) أي قبل خلق السموات والأرض.
أقول: وقبل أن يخلق من الماء مجرات هذا الكون.
٦٥٤ - * روى الطيراني عن أسامة بن زيد: قال: قال رسول الله ﷺ: "ما جُعِلَت منِيةُ عبدٍ بأرضٍ إلا جعل له فيها حاجةٌ".
٦٥٥ - * روى مسلم عن طاوس اليماني قال: أدركتُ ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر. قال: وسمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس".
٦٥٦ - * روى أحمد عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه" وفي رواية: "وعمله".
٦٥٧ - * روى الترمذي عن سعد رفعه: "من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله له".
_________________
(١) الترمذي (٤/ ٤٥٨) ٣٣ - كتاب القدر، ١٨ - باب حدثنا إبراهيم وقال: حسن صحيح غريب.
(٢) المعجم الكبير (١/ ١٧٨). مجمع الزوائد (٧/ ١٩٦). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٣) مسلم (٤/ ٢٠٤٥) ٤٦ - كتاب القدر، ٤ - باب كل شيء بقدر. والموطأ (٢/ ٨٩٩) ٤٦ - كتاب القدر، ١ - باب النهي عن القول بالقدر. (الكيس) العقل.
(٤) مسند أحمد (٥/ ١٩٧). وكشف الأستار (٣/ ٢٤). مجمع الزوائد (٧/ ١٩٥). وقال: رواه أحمد والبزار الطبراني في الكبير والأوسط، وأحد إسنادي أحمد رجاله ثقات.
(٥) الترمذي (٤/ ٤٥٥) ٣٣ - كتاب القدر، ١٥ - باب ما جاء في الرضا بالقضاء. =
[ ٢ / ٦٨٠ ]
٦٥٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لواني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن [لو] تفتح عمل الشيطان".
* * *
_________________
(١) = قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن حميد وليس بالقوي. وقال في الميزان: ضعفوه. قال ابن حجر: وأورده أحمد باللفظ المذكور عن سعد وسنده حسن.
(٢) مسلم (٤/ ٢٠٥٣) ٤٦ - كتاب القدر، ٨ - باب في الأمر بالقوة وترك العجز.
[ ٢ / ٦٨١ ]
التلخيص
- القدر هو سرُّ الأسرار في العقيدة الإسلامية، ولذلك فإن من المستحسن عرضه من خلال النصوص فذلك أقرب إلى الإيمان والفهم والتسليم، وإنما كان سر الأسرار لارتباطه بصفات الذات الإلهية وارتباطه بمقام العبودية وارتباطه بتقرير فكرتي الكسب والاختيار مع التسليم أن كل شيء فِعْلُ الله وارتباطه بمعانٍ كبيرة أخرى.
- القدرية المذمومون عند أهل السنة والجماعة قدريتان: أولى؛ انقرضت قبل انتهاء القرن الثاني الهجري وهي التي تنفي القدر وتقول: (إن الله لم يقدر الأمور أزلًا وإن الله يستأنف الأمر علمًا حال وقوعه) وهؤلاء كفار قطعًا، والقدرية الثانية؛ هم المعتزلة الذين ينسبون أفعال العباد إلى قدراتهم وهؤلاء مبتدعة إذا لم يجتمع لهم مع البدعة مُكَفَّر، قال صاحب الخريدة:
ومن يقل بالقوة المودعة فذاك بدعي فلا تلتفت
هناك إيمان بالقضاء والقدر وتسليم لله فيها وأن كل ما قضاه وقدره ففيه الحكمة ﷻ، وهناك المقضي والمقدر على الإنسان، ومن هذا المعصيةُ، والواجب فيها: التوبة على أصحابها والإنكار من غيرهم. ومنه الطاعة، والواجب فيها من أهلها: الشكر عليها. ومنه الابتلاءات فالواجب فيها: الصبر والرضا عن الله والتسليم له. ومنه الإنعام بصنوف النعم، فواجب العبد فيها: الشكر.
الإيمان بالقضاء والقدر لا ينفي الاختيار؛ ولذلك لا يجوز للعبد أن يحتج بالقدر قبل الوقوع توصلًا إليه، كأن يقول: (قدر الله عليَّ الزنا) وغرضه الوقوع فيه أو الاحتجاج به بعد الوقوع تخلصّا من الحد.
والإيمان بالقضاء والقدر جزء من التكليف، والعبد مطالب بالإيمان بالقضاء والقدر، ومطالب بالعمل، وحال رسول الله ﷺ وأصحابه حجة في ذلك، ومن ربط بين الإيمان والقدر والخمول وترك العمل فقد ضَلَّ وأضَل.
آثار الإيمان بالقضاء والقدر محمودة كلها، فمن آثاره الشجاعة والجرأة والإقدام والصبر والتسليم والرضا من الله والتوكل وإنما يؤتى الجاهل من قِبَلِ جَهْلِهِ.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
الفصل الرابع
في الإيمان بالملائكة
وفيه:
مقدمة ونصوص
[ ٢ / ٦٨٣ ]
المقدمة
الإيمان بالملائكة يأتي في ترتيب الأركان الستة كما وردت في الحديث الصحيح الركن الثاني، وهذا يشعر بأهميته بالنسبة لأركان الإيمان عند الذين يرون أن الواو لا تقتضي مطلق الجمع، وعند الذين يعتبرون التقديم مُشعِرًا بالأهمية أو بالفضل.
* * *
وأركان الإيمان كلها فطلها القرآن تفصيلًا كاملًا حتى لا يبقى لبس في شأنها، ومن ههنا كان للتفصيل القرآني حول الملائكة ما يكفي ويشفي، ومع ذلك فقد جاء في السُّنة كثير من التفصيلات عن الملائكة وبعض وظائفهم.
* * *
وإذا عرفنا أن كل ما خلقه الله ﷿ إنما خلقه ليتعرف المكلفون به على الله ﷿، فإنه من المناسب أن نعرف بعض الحكم في خَلْقِهِ ﷻ الملائكة.
وأول هذه الحكم: أن يعرف الخلق مظاهر قدرته ﷻ، فالله قادر على أن يخلق: ما هو خير ولا يفعل إلا خيرًا كالملائكة. وقادر على أن يخلق: ما هو شرٌّ ولا يفعل إلا شرًا كالشياطين. وقادر على أن يخلق: ما هو قابل لفعل الخير والشر كالإنسان، وفي ذلك كله أنت تتعرف على الله ﷿.
وثاني هذه الحكم: أن يعرف المكلفون عظمة مُلْكِه ومَمْلَكَتِه، وكثرة جنوده، الذين من أعظمهم وأكثرهم الملائكة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (١)، ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢).
وثالث هذه الحكم: أن يعرف المكلفون لله تعالى الترتيب والطاعة والنظام فيتطلعون للارتقاء والاقتداء.
ورابع هذه الحكم: أن يعرف المكلفون استغناء الخالق عن طاعتهم فإنه مهما عصى من
_________________
(١) المدثر: ٣١.
(٢) الفتح: ٤.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
عصى فإن هناك من يطيع.
وخامس هذه الحكم: أن يعرف المكلفون رعاية الله ﷿ لأهل الإيمان ولأهل الأرض من خلال معرفتهم لوظائف بعض الملائكة.
وسادس هذه الحكم: أن يعرف المكلفون جلال الربوبية وعظمة الإلهية.
هذا بالإضافة إلى حِكمٍ كثيرة في السموات والأرض والدنيا والآخرة والتكليف والمكلفين تعرفها من خلال النصوص.
ونصوص القرآن التي تحدثت عن الملائكة أو عن بعضهم كثيرة، ونصوص السنة كذلك كثيرة تجدها في أبواب متعددة؛ ففي سياق الطهارة والذكر والصلاة والدعاء وقراءة القرآن والجهاد والإنفاق والسفر والصور والبيوت والليل والنهار والفلك والملكوت والموت والجنائز، وغير ذلك تجد كلامًا عن الملائكة، ولذلك خص بعض المؤلفين هذا الركن من أركان الإيمان بالتأليف، ولو أراد الإنسان أن يجمع نصوص الكتاب والسنة مع تعليقات وتحقيقات العلماء في شأن الملائكة لجع الكثير الذي يحتاج إلى أكثر من مجلد، وقد اعتمدنا في هذا الكتاب أن نضع في كل فصل من فصوله ما هو ألصق بمضمون الفصل دون استقصاء، تاركين كثيرًا من الأمور لسياقها في مواطن أخرى ومن قرأ هذه السلسلة كلها لا يفوته التكامل في الموضوعات وإن فاته الجمع تحت العنوان الواحد.
وفي هذا الفصل سننقل بعض النصوص القرآنية في شأن الملائكة ثم نتبع ذلك بذكر بعض النصوص من السنة.
* * *
[ ٢ / ٦٨٦ ]
(١)
بعض النصوص القرآنية في شأن الملائكة
أ- ذكر القرآن أنه مما ينبغي أن يؤمن به المؤمن الملائكة فقال تعالى:
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١).
ب- وقد نص القرآن على أنواع من الضلال وقعت به بعض الأمم أو بعض الناس في شأن الملائكة كوصف بعضهم الملائكة بأنهم إناث، ووصف بعضهم الملائكة بأنهم بنات الله، وتوجه بعضهم إلى الملائكة بالعبادة، وكلها مكفرات وضلالات:
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ (٢).
﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (٣).
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ (٤).
بأن زعم بعض المشركين بأن بعض الجن تزوج ببعض الملائكة وزعموا أن الملائكة بنات الله.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ (٥).
فهذه كلها كفريات وقع فيها أفراد أو أمم في شأن الملائكة وهناك من يقول أقوالًا أو يتصرف تصرفات تشي بهذه العقيدة. قال الشيخ وهبي سليمان في كتابه "أران الإيمان":
(لذا قرر علماء التوحيد أن من نَسَبَ الملائكة إلى الأنوثة كفر؛ لأنه كذب صريح القرآن، ومن نسبهم إلى الذكورة فَسَق؛ لأنه نسب إليهم ما لم يأت به عن الله تعالى
_________________
(١) النساء: ١٣٦.
(٢) النجم: ٢٧، ٢٨.
(٣) الزخرف: ١٩.
(٤) الصافات: ١٥٨.
(٥) سبأ: ٤٠، ٤١.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
ورسول الله ﷺ شيء.
وعلى هذا يقال: من اعتقد في صور البنات والنساء الجميلات على أطرافها أجنحة- والتي تباع في الأسواق ويتبادل بها بعض المسلمين التهاني في الأفراح والعيدين- أنها تشبه صور الملائكة كفر لظاهر نسبة الملائكة إلى الأنوثة.
ومن اعتقد في صوت المرأة أنه ملائكي، أو في صورة الممرضة أنها صورة ملاك الرحمة كفر كذلك؛ لما ذكرنا). أ. هـ.
جـ- وقد نص القرآن على معرفة الملائكة بالله ﷿ وطاعتهم وعبادتهم وخوفهم منه ﷻ وأدبهم الرفيع معه فقال الله تعالى:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (١).
﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (٢).
﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣).
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٤).
﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٥).
﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (٦).
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (٧).
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٨).
ومن هذه النصوص ندرك أن القصة التي سرت إلى بعضهم في شأن هاروت وماروت وأنهما ملكان عصيا الله تعالى بعد أن ركَّب فيهما الشهوة قصة لا أصل لها، وقد عرضنا لذلك
_________________
(١) آل عمران: ١٨.
(٢) الأنبياء: ٢٦، ٢٧.
(٣) النحل: ٥٠.
(٤) الأنبياء: ٢٨.
(٥) فصلت: ٣٨.
(٦) التحريم: ٦.
(٧) الأنبياء: ١٩، ٢٠.
(٨) النساء: ١٧٢.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
في التفسير، فإن كان لابد من فهم الآية على أنها في ملكين أنزلا من السماء إلى الأرض، فإنهما ملكان مكلفان مطيعان يعلمان الناس السحر ليفرقوا بينه وبين المعجزة، كا نَعلمُ خطأ من يظن أن السؤال الذي ذكره الله على لسانهم سؤال اعتراض في قوله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١)؛ فسؤالهم كان سؤالًا عن الحكمة وليس اعتراضًا، وحاشاهم.
د- وكما أن البشر متفاضلون عند الله، وأكرمهم عنده الرسل وهم عنده متفاضلون، فكذلك الملائكة؛ قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٢).
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣).
ومظاهر هذه الرسالة كثيرة؛ أولها الرسالة بالوحي: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (٤)، والرسالة بالبشرى أو بالإنذار: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ (٥)، ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (٦)، ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٧). ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ (٨). وهناك الرسالة بالمهمات ومن ذلك قبض الأرواح: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ (٩)، فأي ملك كلف بمهمة في حق غيره فإنه رسول من الله إلى ذلك الغير.
هـ- وأهل الإيمان يحبون الملائكة جميعًا: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى
_________________
(١) البقرة: ٣٠.
(٢) الحج: ٧٥.
(٣) فاطر: ١.
(٤) الشعراء: ١٩٣.
(٥) آل عمران: ٣٩.
(٦) آل عمران: ٤٢.
(٧) آل عمران،: ٤٥.
(٨) هود: ٧٧.
(٩) الأنعام: ٦١.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢). الملائكة مخلوقات نورانية خلقت من نور لكن عندهم قابلية للتشكل بالصور الشريفة وقد ورد في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا﴾ [أي إلى مريم] ﴿رُوحَنَا﴾ [أي جبريل] ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (٤). ونصوص السنة كثيرة في موضوع تشكل الملائكة بصورة البشر.
ز- وقد حدثنا القرآن عن بعض الملائكة وعن بعض وظائفهم:
١ - من ذلك حملة العرش ومن حوله:
فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ (٥).
٢ - ومن ذلك جبريل وميكال:
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٦).
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾ (٧). ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ [أي عيسى] ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (٨) [أي جبريل].
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ (٩). والمراد بالروح جبريل ﵇.
﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ
_________________
(١) البقرة: ٩٧.
(٢) البقرة: ٩٨.
(٣) هود: ٦٩، ٧٠.
(٤) مريم: ١٧.
(٥) غافر: ٧.
(٦) البقرة: ٩٨.
(٧) الشعراء: ١٩٣، ١٩٤.
(٨) البقرة: ٢٥٣.
(٩) القدر: ٤.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
ظَهِيرٌ﴾ (١).
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (٢).
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٣).
٣ - ومن ذلك إسرافيل الذي ينفخ في الصور:
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (٤) فالنافخ اسرافيل ﵇.
٤ - ومن ذلك ملك الموت وأعوانه:
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ (٥)، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (٦)، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (٧)، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ (٨)، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٩).
٥ - ومن ذلك زبانية جهنم وعلى رأسهم مالك:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ (١٠).
_________________
(١) التحريم: ٤.
(٢) التكوير: ١٩ - ٢١.
(٣) النجم: ٥ - ٩.
(٤) الزمر: ٦٨.
(٥) السجدة: ١١.
(٦) الأنعام: ٦١.
(٧) الأنفال: ٥٠.
(٨) النحل: ٢٨.
(٩) الأنعام: ٩٣.
(١٠) التحريم: ٦.
[ ٢ / ٦٩١ ]
﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ (١).
﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (٢).
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾ (٣).
﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ (٤).
٦ - ومن ذلك خزنة الجنة والقائمون على تدبير شؤونها والمطمئنون لأهل الإيمان في الآخرة:
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٥). ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (٦)، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٧).
٧ - حملة العرش والحافون له يوم القيامة:
﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (٨)، ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٩).
٨ - ومن ذلك حفظة الإنسان:
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١٠).
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ (١١)، ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (١٢).
_________________
(١) المدثر: ٣٠، ٣١.
(٢) الزخرف: ٧٧.
(٣) الزمر: ٧١.
(٤) غافر: ٤٩.
(٥) الأنبياء: ١٠٣.
(٦) الزمر: ٧٣.
(٧) الرعد: ٢٣، ٢٤.
(٨) الحاقة: ١٧.
(٩) الزمر: ٧٥.
(١٠) الرعد: ١١.
(١١) الأنعام: ٦١.
(١٢) الطارق: ٤.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
٩ - ومن ذلك رقيب وعتيد، وهما وصفان للملكين اللذين يكتبان أعمال الناس:
﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١).
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢)، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٣).
١٠ - ومن ذلك المبشرون للمؤمنين عند الاحتضار:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٤).
١١ - ومن ذلك تثبيت المؤمنين:
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (٥). ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (٦).
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٧).
١٢ - ومن ذلك الذين يشفعون لبعض المؤمنين يوم القيامة:
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٨).
١٣ - ومن ذلك الدعاء والاستغفار للرسول وأهل الإيمان:
_________________
(١) ق: ١٧، ١٨.
(٢) الانفطار: ١٠ - ١٢.
(٣) الزخرف: ٨٠.
(٤) فصلت: ٣٠، ٣١.
(٥) الأنفال: ١٢.
(٦) آل عمران: ١٢٤، ١٢٥.
(٧) الأنفال: ٩.
(٨) الأنبياء: ٢٨.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٢).
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣).
﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٤).
ولننتقل إلى ذكر بعض النصوص النبوية في شأن الملائكة وأعمالها وصفاتها وما إلى ذلك:
_________________
(١) الأحزاب: ٥٦.
(٢) الأحزاب: ٤٣.
(٣) غافر: ٧.
(٤) الشورى: ٥
[ ٢ / ٦٩٤ ]
(٢)
بعض النصوص النبوية
٦٥٩ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ثم فتر عني الوحي فترةً، فبينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قِبَل السماء فإذا الملك الذي قد جاءني بحراء قاعدٌ على كرسي بين السماء والأرض، فجئثتُ منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (١) إلى قوله ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ " (٢). قال أبو سلمة: والرجز الأوثان.
٦٦٠ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام سأل النبي ﷺ: كيف يأتيك الوحي؟ قال: "كل ذلك؛ يأتيني الملك أحيانًا في مثل صلصلة الجرس، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وهو أشده علي، ويتئل لي الملك أحيانًا رجلًا فيكلمني، فأعي ما يقول".
٦٦١ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالكٍ عن مالكٍ بن صعصعة ﵄ قال: قال النبي ﷺ: "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان- وذكر يعني رجلًا بين الرجلين- فأتيت بطستٍ من ذهبٍ ملآن حكمةً وإيمانًا، فشق من النحر إلى مراق البطن، ثم غُسل البطن بماء رمرم، ثم ملئ حكمةً وإيمانًا. وأتيت بدابةٍ
_________________
(١) البخاري (٨/ ٦٧٦) ٦٥ - تاب التفسير، ١ - باب حدثني يحيى إلخ.
(٢) المدثر: ١.
(٣) المدثر: ٥. (جئثت منه): فزعت وخِفت. وقال الحربي: أراد: جثثت، فجعل مكان الهمزة ثاء
(٤) البخاري (١/ ١٨)، ١ - كتاب بدء الوحي، ٣ - باب حدثنا عبد الله بن يوسف. مسلم (٤/ ١٨١٦) ٤٣ - كتاب الفضائل، ٢٣ - باب عرق النبي ﷺ في البرد، وحين يأتيه الوحي.
(٥) البخاري (٦/ ٣٠٢) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٦ - باب ذكر الملائكة. مسلم (١/ ١٤٩) ١ - كتاب الإيمان. ٧٤ باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات، وفرض الصلوات. وأحمد (٤/ ٢٠٧).
[ ٢ / ٦٩٥ ]
أبيض دون البغل وفوق الحمار البُراق، فانطلقت مع جبريل، حتى أتينا السماء الدنيا، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به؛ ولنعم المجيء جاء. فأتيت على آدم فسلمت عليه فقال: مرحبًا بك من ابنٍ ونبيٍّ. فأتينا السماء الثانية، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قال: محمد ﷺ. قيل: أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء. فأتيت على عيسى ويحيى، فقالا: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ. فأتينا السماء الثالثة. قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: من معك؟ قال: محمد. قيل وقد أرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. فأتيت على يوسف فسلمت، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ. فأتينا السماء الرابعة، قيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمد ﷺ. قيل: وقد أرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. فأتيت على إدريس فسلمت عليه فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ. فأتينا السماء الخامسة، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: ومن معك؟ قيل: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء. فأتينا على هارون، فسملت عليه، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ. فأتينا على السماء السادسة، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمد ﷺ. قيل: وقد أرسل إليه؟ مرحبًا به، نعم المجيء جاء. فأتيت على موسى فسلمت عليه فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ. فلما جاوزت بكى، فقيل: ما أبكاك؟ قال: يا رب، هذا الغلام الذى بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أفضل مما يدخل من أمتي. فأتينا السماء السابعة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قيل: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ مرحبًا به ولنعم المجيء جاء. فأتيت على إبراهيم فسلمت عليه فقال: مرحبًا بك من ابنٍ ونبيٍّ. فرُفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور، يُصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم. ورُفعت لي سدرةُ المنتهى، فإذا نَبِقُها كأنه قِلال هجر، وورقها
[ ٢ / ٦٩٦ ]
كأنه آذان الفيول، في أصلها أربعة أنهارٍ: نهران باطنان ونهران ظاهران. فسألت جبريل فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران النيل والفرات. ثم فرضت عليَّ خمسون صلاة، فأقبلت حتى جئت موسى فقال: ما صنعت؟ قلت: فرضت عليَّ خمسون صلاة. قال: أنا أعلم بالناس منك، عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، وإن أمتك لا تطيق، فارجع إلى ربك فسله. فرجعت فسألته، فجعلها أربعين، ثم مثله ثم ثلاثين، ثم مثله فجعل عشرين، ثم مثله فجعل عشرًا. فأتيت موسى فقال مثله فجعلها خمسًا. فأتيت موسى فقال: ما صنعت؟ قلت: جعلها خمسًا. فقال مثله. قلت فسلمت. فنودي: إني قد أمضيت فريضتي. وخففت عن عبادي، وأجزي الحسنة عشرًا".
أقول: حاول بعض العلماء أن يؤولوا هذا الحديث فأولوه تأويلات شتى، والظاهر أن من أنهار الجنة الفرات والنيل، فأهل الجنة يختار لهم من مسميات ما عرفوا في الدنيا ما يزدادون به أنسًا. وهناك اتجاهٌ إلى أن سيحان وجيحان والفرات والنيل التي ورد ذكرها مجتمعة في بعض النصوص قد شرفت بأن نسبت إلى الجنة في الدنيا إشارة إلى أنها ستكون من أنهار المسلمين في الدنيا فلها فضلها، ويمكن أن يكون في المسألة جانب غيبي يقتضي منا التسليم، فقد ذهب القاضي عياض إلى أن أصول سدرة المنتهى في الأرض بدليل أننا نشهد أن النيل والفرات ينبعان من الأرض، وقد ذكرنا أن السموات السبع والجنة والنار مغيبة عنا. هذا ولم نذكر قول عياض مؤيدين له إنما ذكرناه كنموذج لاحتمال أن يكون في المسألة جانب غيبي يجب التسليم فيه دون البحث عنه. وقال القرطبي: ( وقيل إنما أطلق على هذه الأنهار أنها من الجنة تشبيهًا لها بأنهار الجنة لما فيها من شدة العذوبة والحسن والبركة. وعلى هذا فالنيل والفرات المذكوران في الحديث نهران موجودان في الجنة وهما غير الفرات والنيل الموجودين على الأرض، وفي ذلك إيناس لأهل الجنة وتشريف للنيل والفرات الأرضيين).
٦٦٢ - * روى البخاريُّ ومسلم عن ابن عباسٍ ﵄ - عن النبي ﷺ قال:
_________________
(١) البخاري (٦/ ٣١٤) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٧ - باب إذا قال أحدكم آمين. =
[ ٢ / ٦٩٧ ]
"رأيت ليلة أسري بي موسى رجلًا آدم طوالًا جعدًا كأنه من رجال شنوءة- ورأيت عيسى رجلًا مربوعًا، مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس. ورأيت مالكًا خازن النار، والدجال في آيات أراهن الله إياه، فلا تكن في مريةٍ من لقائه". قال أنسٌ وأبو بكرة عن النبي ﷺ: "تحرس الملائكة المدينة من الدجال".
أقول: ويبدو أنهم كانوا متميزين بشيء ما في الجسد أو الملبس حتى أصبح يشبه بهم بعض الناس.
٦٦٣ - * روى مسلمٌ عن أبي هريرة، قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّرُ محمدٌ وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم. فقال: واللاتِ والعُزى! لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي. زعم ليطأ على رقبته. قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه. قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة.
فقال رسول الله ﷺ: "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا".
٦٦٤ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يُصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه. فبلغ النبي ﷺ فقال: "لو فعله لأخذته الملائكة". تابعه عمروبن خالد عن عبيد الله عن عبد الكريم.
٦٦٥ - * روى البخاري عن عروة أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حدثته أنها
_________________
(١) = مسلم (١/ ١٥١) ١ - كتاب الإيمان، ٧٤ - باب الإسراء برسول الله ﷺ إلخ. (شنوءة): قبيلة معروفة ويقال: أزد شنوءة: وهم حي من اليمن. وسميت بذلك من قولك: رجل فيه شنوءة: شنؤة أي: تقزز، وقال الجوهري التقزز: التباعد من الأدناس.
(٢) مسلم (٤/ ٢١٥٤) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، ٦ - باب قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾.
(٣) البخاري (٨/ ٧٣٤) ٦٥ - كتاب التفسير، ٤ - باب: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ﴾.
(٤) البخاري (٦/ ٣١٢) ٥٩ - تاب بدء الخلق، ٧ - باب إذا قال أحدكم أمين والملائكة إلخ. =
[ ٢ / ٦٩٨ ]
قالت للنبي ﷺ: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحدٍ؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضتُ نفسى على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت. فانطلقت وأنا مهمومٌ، على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليَّ ثم قال: يا محمدُ، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين". فقال النبي ﷺ: "بل، أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا".
٦٦٦ - * روى البخاري عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه- وكان أبوه من أهل بدر- قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدرٍ فيكم؟ قال: "من أفضل المسلمين. أو كلمةً نحوها. قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة.
٦٦٧ - * روى مسلم عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ كان جالسًا كاشفًا عن فخذه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عمرُ فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابة، فلما قاموا قلت: يا رسول الله، استأذن عليك أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك. فقال: "يا عائشة، ألا أستحي من رجل والله إن الملائكة تستحي منه.
قال النووي: هذا الحديث مما يحتج به المالكية وغيرهم ممن يقول: (ليست الفخذ عورة). ولا حجة فيه؛ لأنه مشكوك في المكشوف هل هو الساقان أم الفخذان، فلا يلزم منه الجزم يجواز كشف الفخذ، وفي هذا الحديث جواز تدلل العالم والفاضل بحضرةِ من يُدلُّ
_________________
(١) = (الأخشبين): جبلا مكة: أبو قُبيسٍ والأحمر وجبلا مِنى. ومنه الأخشب: الجبل العظيم الخشن.
(٢) البخاري (٧/ ١١٣) ٦٤ - كتاب المغازي، ١١ - باب شهود الملائكة بدرًا.
(٣) مسلم (٤/ ١٨٦٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ٣ - باب من فضائل عثمان ﵁. وأحمد (٦/ ٦٢).
[ ٢ / ٦٩٩ ]
عليه من فضلاء أصحابه، واستحباب ترك ذلك إذا حضر غريب أو صاحب يستحى منه. أ. هـ.
٦٦٨ - * روى أحمد عن حذيفة قال: سألتني أمي: منذ متى عهدك بالنبي ﷺ؟ قال: فقلت لها: منذ كذا وكذا. قال: فنالت مني وسبتني. قال: فقلت لها: دعيني فإني آتي النبي ﷺ فأصلي معه المغربَ ثم لا أدعهُ حتى يستغفر لي ولك. قال: فأتيت النبي ﷺ فصليت معه المغرب. فصلى النبي ﷺ العشاء ثم انفتل، فَتَبعْتُه فعرض له عارض فناجاه ثم ذهب فاتبعتُه فسمع صوتي فقال: "من هذا؟ " فقلت: حذيفة. قال: "مالك"؟ فحدثته بالأمر، فقال: "غفر الله لك ولأمك. ثم قال: "أما رأيت العارض الذي عرض لي قُبَيْلُ". قال: قلت: بلى. قال: "ملك من الملائكة لم يهبط الأرض قَبْلَ هذه الليلة فاستأذن ربه أن يسلِّم عليَّ ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأن فاطمة سيدةُ نساء أهل الجنة" ﵃.
٦٦٩ - * روى أحمد عن وكيع أنه قال: حدثني عبد الله بن سعيد عن أبيه، عن عائشة أو أم سلمة، قال وكيعٌ: شكّ هو- يعني عبد الله بن سعيد- أن النبي ﷺ قال لإحداهما: "لقد دخل عليَّ البيت ملكٌ لم يدخل عليَّ قبلها فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يُقتل بها" قال: "فأخرج تربة حمراء".
٦٧٠ - * روى أحمد عن عائشة، قالت: خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس. قالت: فسمعت وئيد الأرض ورائي. [يعني مس الأرض]. قالت: فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مِجنَّةً. قالت: فجلست إلى الأرض فمرَّ سعد وعليه دِرْع من حديد، قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوف على أطرافِ سعد. قالت: وكان سعدٌ من أعظم الناس وأطولهم. قالت: فمر وهو يرتجز ويقول:
_________________
(١) أحمد (٥/ ٣٩١) وإسناده حسن.
(٢) أحمد (٦/ ٢٩٤). مجمع الزوائد (٩/ ١٨٧). وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
(٣) أحمد (٦/ ١٤١). مجمع الزوائد (٦/ ١٣٦). وقال: في الصحيح بعض هذا الحديث عن عائشة متصل الإسناد. =
[ ٢ / ٧٠٠ ]
لبث قليلًا يُدرك الهيجا جمل ما أحسن الموت إذا حان الأجل
قالت: فقمت فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر بن الخطاب، وفيهم رجل عليه سبغة له [يعني مِغفرًا] فقال عمر: ما جاء بك؟ لعمري والله إنك لجريئة وما يؤمنك أن يكون بلاءٌ أو يكون تحوز. قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذٍ فدخلت فيها. قالت: فرفع الرجل السبغة عن وجهه فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: يا عمرُ! ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز أوالفرار إلا إلى الله ﷿. قالت: ويرمي سعدًا رجلٌ من المشركين يقال له ابن العرقة بسهم له، فقال له، (خذها وأنا ابن العرقة) فأصاب أكخله فقطعه، فدعا الله ﷿ سعدٌ فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قُريظة. قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية. قالت: فرقئ كلمه وبعث الله ﷿ الريح على المشركين، فكفى الله ﷿ المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدرٍ ومن معه بنجدٍ، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع الله ﷺ إلى المدينة، فوضَعَ السلاح وأمر بُقبةٍ من أدم فَضُرِبت على سعدٍ في المسجد. قالت: فجاءه جبريل ﵇ وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أقد وضعت السلاح، والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم.
٦٧١ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباسٍ قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة. ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: "اللهم أنجز لي ما وعدتني. اللهم آتِ ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض". فما زال يهتف بربه، مادًا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، تم التزمه من ورائه،
_________________
(١) = (سبغة): السابغة الدرع الواسعة. (فرقئ): رقأ الدم من باب قطع، أي: انقطع سيلان الدم من الجرح.
(٢) مسلم (٣/ ١٣٨٣) ٣٧ - كتاب الجهاد والسير، ١٨ - باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر.
[ ٢ / ٧٠١ ]
وقال: يا نبي الله [كفاك] مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١). فأمدة الله بالملائكة.
٦٧٢ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله يقول: جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم. وقال بعضهم: إن العين نائمةٌ والقلب يقظان. فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا. قال: فاضربوا له مثلًا. فقال بعضهم: إنه نائم. وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا: مثلة كمثل رجلٍ بنى دارًا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيًا؛ فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يُجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا: أولوها له يفقهها. فقال بعضهم: إنه نائم. وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا: فالدار الجنة والداعي محمد ﷺ، فمن أطاع محمدًا ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا ﷺ فقد عصى الله، ومحمدٌ فَرْقٌ بين الناس".
٦٧٣ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر رسول الله ﷺ الشفاعة فقال: "إن الناس يُعرضون على جسر جهنم وعليه حسكٌ وكلاليب يُخطف الناسُ وبجنبتيه الملائكة يقولون: اللهم سلِّم سلِّم".
٦٧٤ - * روى مسلم عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "يؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمامٍ، مع كل زمامٍ سبعون ألف ملكٍ يجرونها".
_________________
(١) الأنفال: ٩.
(٢) البخاري (١٣/ ٢٤٩) ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، ٢ - باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ. (محمد فرْقٌ بين الناس): يَفْرُق بين المؤمنين والكافرين بتصديق المؤمنين وتكذيب الكافرين له، أو يُفرق بين الحق والباطل.
(٣) أحمد (٣/ ٢٦). وهو في البخاري مطولًا عن أبي هريرة (١١/ ٤٤٤) ٨١ - كتاب الرقاق، ٥٢ - باب الصراط جسر جهنم. وفي مسلم مطولًا عن أبي سعيد (١/ ١٦٧) ١ - كتاب الإيمان، ٨١ - معرفة طريق الرؤية.
(٤) مسلم (٤/ ٢١٨٤) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها، ١٢ - باب في شدة حر جهنم. والترمذي (٤/ ٧٠١) ٤٠ - كتاب صفة جهنم، ١ - باب ما جاء في صفة النار.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
٦٧٥ - * روى أحمد عن عُقبة بن صهبان قال: سمعت أبا بكرة عن النبي ﷺ قال: "يُحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتقادع بهم جنبة الضراط تقادع الفراش في النار" قال: "فينجي الله ﵎ برحمته من يشاء". قال: "ثم يؤذن للملائكة والنبيين والشهداء أن يشفعوا فيشفعون ويخرجون ويشفعون ويخرجون ويشفعون ويخرجون". وزاد عفان مرة فقال أيضًا: "ويشفعون ويخرجون من كان في قلبه ما يزن ذرة من إيمان".
٦٧٦ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الملائكة تنزل في العنان"- وهو السحاب- "فتذكر الأمر قُضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون منها مائة كذبة من عند أنفسهم".
٦٧٧ - * روى البخاري عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعانًا لقوله، كأنه سلسلةٌ على صفوان"، قال عليٌ وقال غيره: "صفوانٍ ينفذهم ذلك. فإذا فُزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربك؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير ".
٦٧٨ - * روى أبو داود عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلةً كجر السلسلة على الصقا، فيصعقون،
_________________
(١) أحمد (٥/ ٤٣). مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٩). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الصغير والكبير بنحوه، ورواه البزار أيضًا، ورجاله رجال الصحيح. (تقادع بهم): تميل.
(٢) البخاري (٦/ ٣٣٨) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.
(٣) البخاري (٨/ ٣٨٠) ٦٥ - كتاب التفسير، ١ - باب: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾. (فُزع عن قلوبهم): كُشِف عنها الفزع.
(٤) أبو داود (٤/ ٢٣٥) كتاب السنة باب في القرآن. والبخاري (١٣/ ٤٥٣) ٦٧ - كتاب التوحيد، ٣٣ - باب قول الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. وهو عنده موقوف علي ابن عباس. (صلصلة) الصلصلة: صوت الأجرام الصلبة بعضها على بعض.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
فلا يزالون كذلك، حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاء فُزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق. فيقولون: الحقَّ الحقَّ".
٦٧٩ - * روى الترمذي عن ابن عباس، أنه قال: لما نزلت آية الدين قال رسول ﷺ: "إن أول من حجد آدم ﵇ أو "أول من حجد آدم، إن الله ﷿ لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو من ذراري إلى يوم القيامة فجعل [أي: الله] يعرضُ ذريته عليه فرأى فيهم رجلًا يزهر فقال: أي ربِّ! من هذا؟ قال: هذا ابنك داود. قال: أي ربِّ كم عمره؟ قال: ستون عامًا. قال: ربِّ زد في عمره. قال: لا، إلا أن أزيده من عمرك. وكان عمر آدم ألف عام فزاده أربعين عامًا. فكتب الله ﷿ عليه بذلك كتابًا وشهاد عليه الملائكة فلما اختصر آدم وأتته الملائكة، لتقبضه قال: إنه قد بقي من عمري أربعون عامًا. فقيل: إنك قد وهبتها لابنك داود. قال: ما فعلت. وأبرز الله ﷿ عليه الكتاب وشهدت عليه الملائكة".
٦٨٠ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أذن لي أن أحدث عن ملكٍ من ملائكة الله من حملة العرش: أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه، مسيرة سبعمائة عام".
٦٨١ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أُذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، رجلاه في الأرض السفلى، وعلى
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٢٦٧) ٤٨ - كتاب التفسير، ٨ - باب ومن سورة الأعراف. وأحمد (١/ ٢٥١). والمستدرك (٢/ ٥٨٦). وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. (يزهر) الأزهر: النير، ورِجل أزهر: أبيض مشرق.
(٢) أبو دواد (٤/ ٢٣٢) كتاب السنة، باب في الجهمية. وإسناده صحيح. ومجمع الزوائد (١/ ٨٠). وقال: رواه أبو داود خلا قوله "سبعين عامًا"، ورواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح. ورواه الضياء في المختارة.
(٣) مجمع الزوائد (١/ ٨٠). وقال رواه الطبراني في الأوسط، وقال: (تفرد به عبد الله بن المنكدر). قلت هو وأبوه ضعيفان.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
قرنه العرش، وبين شحمة أذنيه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام، يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت".
٦٨٢ - * روى أحمد عن صفوان بن عسال ﵁ (رفعه): "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب".
٦٨٣ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقرب الملائكة عيرًا فيها جرس ولا بيتًا فيه جرس".
٦٨٤ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: واعد رسول الله ﷺ جبريل في ساعةٍ أن يأتيه، فجاءت تلك الساعةً، ولم يأته. قالت: وكان بيده عصا، فطرحها من يده، وهو يقول: "ما يُخلف الله وعده، ولا رسله". ثم التفت، فإذا جرو كلبٍ تحت سريرٍ، فقال: "متى دخل هذا الكلب؟ ". فقلت: والله ما دريت به. فأمر به فأخرج، فجاءه جبريل، فقال له رسول الله ﷺ: "وعدتني فجلست لك، ولم تأتني"؟ فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك، إنا لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة.
٦٨٥ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: وعد رسول الله ﷺ جبريل أن يأتيه، فراث عليه، حتى اشتد على رسول الله ﷺ، فخرج، فلقيه جبريل، فشكا إليه، فقال: إنا لا تدخل بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ.
_________________
(١) أحمد (٤/ ٢٣٩). وأبو داود (٣/ ٣١٧) كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم.
(٢) مجمع الزوائد (٥/ ١٧٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. وأحمد (٤/ ٢٣٩). وأبو داود (٣/ ٣١٧) كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم.
(٣) مسلم (٣/ ١٦٦٤) ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ٢٦ - باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
(٤) البخاري (١٠/ ٣٩١) ٧٧ - كتاب اللباس، ٩٤ - باب لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة. (فراث) راث عليه: إذا أبطأ.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
٦٨٦ - * روى مسلم عن ميمونة- زوج النبي ﷺ﵂ أن رسول الله ﷺ أصبح عندها يومًا واجمًا؛ فقالت له: لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم. فقال: "إن جبريل كان وعدني أن يلقاني، فلم يلقني، أما والله ما أخلفني". فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلبٍ تحت فُسطاطٍ لنا، فأمر به فأخرج، ثم أخذ [بيده] ماءً، فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل، فقال رسول الله ﷺ [له]: "كنت وعدتني البارحة؟ " قال: أجل، ولكنا لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة. فأصبح فأمر بقتل الكلاب يومئذ، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير.
وللنسائي (٢) أيضًا في أخرى قالت: إن رسول الله ﷺ قال له جبريل: إنا لا تدخل بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةٌ، فأصبح رسول الله ﷺ يومئذٍ، فأمر بقتل الكلاب، حتى إنه ليأمر بقتل الكلب الصغير.
٦٨٧ - * روى البخاري ومسلم، عن ابن عباسٍ ﵄ قال: سمعت أبا طلحة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلبٌ ولا صورة تماثيل".
٦٨٨ - * روى أبو داود عن عمار ﵁ قال: قدمت على أهلي ليلًا وقد تشققت يداي، فضمخوني بالزعفران، فغدوت على رسول الله ﷺ، فسلمت عليه فلم يرد عليَّ ولم يرحب بي فقال: "اغسل هذا". قال: فذهبت فغسلته، ثم جئت وقد بقي عليّ منه
_________________
(١) مسلم (٣/ ١٦٦٤) ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ٢٦ - باب تحريم تصوير صورة الحيوان. والنسائي (٧/ ١٨٦) ٤٢ - كتاب الصيد والذبائح، ١١ - باب امتناع الملائكة من دخول بيت فيه كلب.
(٢) النسائي (٧/ ١٨٤) ٤٢ - كتاب الصيد والذبائح، ٩ - باب الأمر بقتل الكلاب. (واجمًا) الواجمُ: المُطرِق المفكر من شدة الحزن. (فسطاط) الفسطاط: بيتٌ من شعر.
(٣) البخاري (٦/ ٣١٢) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٧ - باب إذ قال أحدكم "آمين" والملائكة إلخ. مسلم (٣/ ١٦٦٥) ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ٢٦ - باب تحريم تصوير صورة الحيوان. وأحمد (٤/ ٢٨). والترمذي (٥/ ١١٤) ٤٤ - كتاب الأدب، ٤٤ - باب ما جاء أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة ولا كلب.
(٤) أبو داود (٤/ ٧٩) كتاب الترجل، باب في الخلوق للرجال. وأحمد (٤/ ٣٢).
[ ٢ / ٧٠٦ ]
شيء فسلمتُ عليه، فلم يرد عليّ ولم يرحب بي، وقال: "اغسل هذا عنك". فذهبت فغسلته، ثم جئت فسلمت عليه فرد عليّ ورحَّب بي وقال: "إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر ولا المتضمخ بزعفران ولا الجنب" ورخَّص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ.
٦٨٩ - * روى أبو داود عن تميم الداري عن النبي ﷺ قال: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمَّ، كتبت له تامةً، وإن لم يكن أتم، قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوعٍ فتكملون بها فريضته؟ ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك".
٦٩٠ - * روى أحمد عن عبد الله بن عامر الألهاني، قال: دخل السجد حابس بن سعدٍ الطائي من السحر- وقد أدرك النبي- فرأى الناس يصلون في مُقدم المسجد فقال: مُراؤون ورب الكعبة، أرعبوهم فمن أرعبهم فقد أطاع الله ورسوله. فأتاهم الناس فأخرجوهم. قال: فقال: إن الملائكة يصلون من السحر في مقدم المسجد.
٦٩١ - * روى أبو داود عن أبي بن كعب ﵁ قال: صلى بنا أو صلَّى لنا رسول الله ﷺ صلاة الغداة، ثم قال: "أشاهد فلان؟ " مرتين. قلنا: نعم، ولم يشهد الصلاة. ثم قال: "أشاهد فلان؟ " قلنا: نعم، ولم يشهد الصلاة. قال: "إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو تعلمون ما فيهما من
_________________
(١) أبو داود (١/ ٢٢٩) كتاب الصلاة- باب قول النبي ﷺ: "كلا صلاة لا يتمها صاحبها ". وأحمد (٤/ ٣٢٠). وابن ماجه (١/ ٤٥٨) ٥ - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها ٢٠٢ - باب ما جاء في أول ما يحاسب به العبد. والمستدرك (١/ ٢٦٢).
(٢) أحمد (٤/ ١٠٥). مجمع الزوائد (٣/ ١٦)، وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه عبد الله بن عامر الألهاني ولم أجد من ذكره.
(٣) أبو داود (١/ ١٥١) كتاب الصلاة، باب في فضل صلاة الجماعة. والنسائي (٢/ ١٠٤) ١٠ - كتاب الإمامة، ٤٥ - باب الجماعة إذا كانوا اثنين. وأحمد (٥/ ١٤٠). والمستدرك (١/ ٢٤٦).
[ ٢ / ٧٠٧ ]
الرغائب لأتيتموهما، ولو حبوًا، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه، وان صلاتك مع رجلٍ أزكى من صلاتك وحدك، وإن صلاتك مع رجلين أزكى من صلاتك مع رجلٍ، وما اكثرت فهو أحب إلى الله".
٦٩٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: "الملائكة يتعاقبون: ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وفي صلاة العصر، ثم يعرُج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم- وهو أعلم- فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فقالوا: تركناهم يُصلون، وأتيناهم يصلون".
٦٩٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده. فقالوا: اللهم ربنا لك الحمد. فإنه من وافق قوله قول الملائكة عفر له ما تقدم من ذنبه.
٦٩٤ - * روى أحمد عن أبي عبد الرحمن قال سمعت عليًا ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: "إن العبد إذا جلس في مصلاه بعد الصلاة صلت عليه الملائكة، وصلاتهم عليه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. وإن جلس ينتظرُ الصلاة صلت عليه الملائكة، وصلاتهم عليه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه".
٦٩٥ - * روى ابن ماجه عن مطرفٍ بن عبد الله بن الشخير أن نوفًا وعبد الله بن عمروٍ
_________________
(١) البخاري (٢/ ٣٣) ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ١٦ - باب فضل صلاة العصر. مسلم (١/ ٤٣٩) ٥ - كتاب المساجد، ٣٧ - باب فضل صلاتي الصبح والعصر. والنسائي (١/ ٢٤٠) ٥ - كتاب الصلاة، ٢١ - باب فضل صلاة الجماعة. والموطأ (١/ ١٧٠) ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر، ٢٤ - باب جامع الصلاة.
(٢) البخاري (٢/ ٢٨٣) ١٠ - كتاب الأذان، ١٢٥ - باب فضل "اللهم ربنا لك الحمد". مسلم (١/ ٣٠٦) ٤ - كتاب الصلاة، ١٨ - باب التسميع والتحميد والتأمين. والموطأ (١/ ٨٨) ٣ - كتاب الصلاة، ١١ - باب ما جاء في التأمين خلف الإمام.
(٣) أحمد (١/ ١٤٤). مجمع الزوائد (٢/ ٣٦)، وقال: رواه أحمد، وفيه عطاء بن السائب وهو ثقة، لكنه اختلط آخر عمره. وروى البخاري نحوه عن أبي هريرة (١/ ٥٦٤) ٨ - كتاب الصلاة، ٨٧ - باب الصلاة في مسجد السوق.
(٤) ابن ماجه (١/ ٢٦٢) ٤ - كتاب المساجد والجماعات، ١٩ - باب لزوم المساجد وانتظار الصلاة. وهو صحيح. =
[ ٢ / ٧٠٨ ]
اجتمعا، فقال نوفٌ: فذكر الحديث، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: وأنا أحدثك عن النبي ﷺ؛ قال: صلينا مع النبي ﷺ ذات ليلةٍ فعقَّب من عقَّب، ورَجَع من رَجَع، فجاء رسول الله ﷺ قبل أن يثور الناس لصلاة العشاء، فجاء وقد حفزه النفس رافعًا أصبعه هكذا، وعقد تسعًا وعشرين وأشار بأصبعه السبابة إلى الماء وهو يقول: "أبشروا معشر المسلمين، هذا ربكم ﷿ قد فتح بابًا من أبواب السماء يُباهي بكم الملائكة، يقول: ملائكتي، انظروا إلى عبادي أدوا فريضة وهم ينتظرون أخرى".
٦٩٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "إذا كان يوم الجمعة كان على كل بابٍ من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر".
٦٩٧ - * روى البخاري ومسلم عن سالمٍ، عن ابن عمر، قال: كان الرجل في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رؤيا قصَّها على رسول الله ﷺ. فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي ﷺ. قال: وكنت غلامًا شابًا عزبًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ، فرأيت في النوم كأن ملكينٍ أخذاني فذهبا بي إلى النار. فإذا هي مطوية كطي البئر. وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم. فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار. قال: فلقيهما ملكٌ فقال لي: لم ترع. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ، فقال النبي صلى لله عليه وسلم: "نعم الرجل عبد الله! لؤ كان يصلي من الليل".
_________________
(١) = وأحمد (٢/ ١٨٦). (عقب) أي: بقي في المسجد حتى صلى الصلاة اللاحقة. (حفزه): أعجله.
(٢) البخاري (٦/ ٣٠٤) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٦ - باب ذكر الملائكة.
(٣) البخاري (١٢/ ٤١٩) ٩١ - كتاب التعبير، ٣٦ - باب الأخذ على اليمين في النوم. مسلم (٤/ ١٩٢٧) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ٣١ - باب فضائل عبد الله بن عمر. وأحمد (٢/ ١٤٦).
[ ٢ / ٧٠٩ ]
قال سالم: فكان عبد الله، بعد ذلك، لا ينام من الليل إلا قليلًا.
٦٩٨ - * روى البخاري عن أُسيد بن حضير، قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطٌ عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف. وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال له: "اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظُلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها. قال: "وتدري ما ذلك؟ " قال: لا. قال: "تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم".
٦٩٩ - * روى أحمد عن أنس أو غيره أن رسول الله ﷺ استأذن على سعد بن عبادة، فقال: "السلام عليكم ورحمة الله" فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ﷺ، حتى سلم ثلاثًا وردّ عليه سعد ثلاثًا، ولم يُسمعه فرجع النبي ﷺ واتبعه سعد فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما سلمت تسليمةٌ إلا هي بأُذني، ولقد رددت عليك ولم أسمعك، أحببت أن أستكثر من سلامك ومن البركة، ثم أدخله البيت فقرَّب له زبيبًا، فأكل نبي الله ﷺ فلا فرغ قال: "أكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة وأفطر عندك الصائمون".
وفي رواية لأحمد وأبي داود (٣) عن أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ إذا أفطر عند أهل بيت قال: "أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرارُ وتنزلت عليكم الملائكة".
_________________
(١) البخاري (٩/ ٦٣) ٩٦ - كتاب فضائل القرآن، ١٥ - باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن.
(٢) أحمد (٣/ ١٣٨). مجمع الزوائد (٨/ ٣٤).
(٣) أحمد (٣/ ٢٠١).
[ ٢ / ٧١٠ ]
٧٠٠ - * روى مسلم عن صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: أتيت الشام، فدخلت على أبي الدرداء فلم أجده ووجدتُ أم الدرداء فقالت: تريد الحج العام. قال: قلت: نعم. فقالت: فادع لنا بخير فإن النبي ﷺ كان يقول: "إن دعوة المسلم مستجابةٌ لأخيه بظهر الغيب عند رأسه ملكٌ مؤكلٌ كلما دعا لأخيه بخيرٍ قال: آمين، ولك بمثل".
٧٠١ - * روى مسلم عن طلحة بن عُبيد الله بن كريز، قال: حدثتني أم الدرداء، قالت: حدثني سيدي؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثلٍ".
٧٠٢ - (٣) ما روى مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "أن رجلًا زار أخًا له في قريةٍ أخرى. فأرصد الله له على مدرجته ملكًا. فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمةٍ تربها؟ قال: لا. غير أني أحببته في الله ﷿. قال: فإني ژشول الله إليك: بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه".
٧٠٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من يومٍ يُصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا. ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا".
٧٠٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من نفس عن
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٠٩٤) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء، ٢٣ - باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب. وأحمد (٥/ ١٩٥).
(٢) مسلم، الموضع السابق.
(٣) مسلم (٤/ ١٩٨٨) ٤٥ - كتاب البر والصلة، ١٢ - باب في فضل الحب في الله. (تربها): أي تقوم بإصلاحها، وتنهض إليه بسبب ذلك.
(٤) البخاري (٣/ ٣٠٤) ٢٤ - كتاب الزكاة، ٢٧ - باب قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾. مسلم (٢/ ٧٠٠) ١٢ - كتاب الزكاة، ١٧ - باب في المنفق والممسك.
(٥) مسلم (٤/ ٢٠٧٤) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء، ١١ - فضل الاجتماع على تلاوة القرآن.
[ ٢ / ٧١١ ]
مؤمنٍ كُربةً من كرب الدنيا، نفس الله عنة كربةً من كُرب يوم القيامة. ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينةُ، وعشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبته".
٧٠٥ - * روى أحمد عن أبي المدلة مولى أم المؤمنين، سمع أبا هريرة يقول: قلنا: يا رسول الله إنا إذا رأيناك رقت قلوبنا وكنا أهل الآخرة، وإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا وشتمنا النساء والأولاد قال: "لو تكونون" أو قال: "لو أنكم تكونون على كل حالٍ على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم ولولم تذنبوا لجاء الله بقومٍ يذنبون كي يغفر لهم".
٧٠٦ - * روى الترمذي عن أنسٍ عن النبي ﷺ، قال: "من ابتغى القضاء، وسأل فيه شفعاء، وكل إلى نفسه. ومن أكره عليه، أنزل الله عليه ملكًا يسدده".
٧٠٧ - * روى مالك عن سعيد بن المسيب؛ أن عمر بن الخطاب اختصم إليه مسلم ويهودي، فرأى عمر أن الحق لليهودي فقضى له، فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق. فضربه عمر بن الخطاب بالدرة، ثم قال: وما يدريك؟ فقال له اليهودي: إنا نجد أنه ليس قاضي يقضي بالحق، إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملكٌ، يسددانه ويوفقانه للحقِّ- ما دام مع الحق- فإذا ترك الحق عرجًا وتركاه.
_________________
(١) أحمد (٢/ ٣٠٤). وإسناده لا بأس به.
(٢) الترمذي (٣/ ٦١٤) ١٣ - كتاب الأحكام، ١ - باب ما جاء عن رسول الله ﷺ في القاضي. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وهو أصح من حديث إسرائيل عن عبد الأعلى. قال الحافظ في فتح الباري: وله طرق وقد ضعفه بعضهم.
(٣) الموطأ (٢/ ٧١٩) ٢٦ - كتاب الأقضية، ١ - باب الترغيب في القضاء بالحق.
[ ٢ / ٧١٢ ]
٧٠٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "ما جلس قومٌ يذكرون الله، إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده".
٧٠٩ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله؛ فإنها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأي شيطانًا".
٧١٠ - * روى مسلمٌ عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ سُئل: أي الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده".
٧١١ - * روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "تفتح أبواب الجنة في كل اثنين وخميس"- قال معمر وقال غير سهيل- "وتعوض الأعمال في كل اثنين وخميس فيغفر الله ﷿ لكل عبد لا يشرك به شيئًا إلا المتشاحنين، يقول الله للملائكة: ذروهما حتى يصطلحا".
٧١٢ - * روى مسلم عن ابن سيرين: أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم ﷺ: "من أشار إلى أخيه بحديدةٍ، فإن الملائكة تلعنه، حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمه".
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٠٧٤) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء، ١١ - باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن. وأحمد (٣/ ٤٩). والإحسان بترتيب ابن حبان (٢/ ١٠٨).
(٢) البخاري (٦/ ٣٥٠) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١٥ - باب خير مال المسلم غنمٌ إلخ.
(٣) مسلم (٤/ ٢٠٩٣) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء، ٢٢ - باب فضل سبحان الله وبحمده.
(٤) مسلم (٤/ ١٩٨٧) ٤٥ - كتاب البر والصلة، ١١ - باب النهي عن الشحناء. وأحمد (٢/ ٤٠٠). والموطأ (٢/ ٩٠٨) ٤٧ - كتاب حسن الخلق، ٤ - باب ما جاء في المهاجرة. (المتشاحنين) المتعاديين، والمشاحن: المعادي.
(٥) مسلم (٤/ ٢٠٢٠) ٤٥ - كتاب البر والصلة، ٣٥ - باب النهي عن الإشارة بالسلاح. والترمذي (٤/ ٤٦٣) ٣٤ - كتاب الفتن، ٤ - باب ما جاء في إشارة المسلم إلى أخيه بالسلاح.
[ ٢ / ٧١٣ ]
٧١٣ - * روى أبو داود عن أبي هريرة؛ أن رجلًا شتم أبا بكر والنبي ﷺ جالس، فجعل النبي ﷺ يَعْجبُ ويتبسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي ﷺ وقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالسٌ، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت. قال: "إنه كان معك ملكٌ يرد عنك، فلما رددت عنه بعض قوله وقع الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان".
٧١٤ - * روى أبو داود عن عبد الله بن نافع، قال: عاد أبو موسي الاشعري الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، فقال له علي ﵁: أعائدًا جئت أم زائرًا؟ قال: لا، بل جئت عائدًا. قال عليٌّ ﵁: أما إنه ما من مسلم يعودُ مريضًا إلا خرج معه سبعون ألف ملكٍ، كلهم يستغفر له إن كان مصبحًا حتى يمسي، وكان له خريفٌ في الجنة، وإن كان ممسيًا خرج معه سبعون ألف ملك، كلهم يستغفر له حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة.
٧١٥ - * روى الترمذي عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطلت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها
_________________
(١) أبو داود (٤/ ٢٧٤) كتاب الأدب، باب في الانتصار. وفيه محمد بن عجلان صدوق لكن اختلط عليه أحاديث أبي هريرة، ورواه أبو داود مرسلًا أيضًا، وذكرهما البخاري في تاريخه وقال: المرسل أصح. وأحمد (٢/ ٤٣٦).
(٢) أبو داود (٣/ ٨٥) كتاب الجنائز، باب في فضل العبادة على وضوء. وأحمد (١/ ٨١). والمستدرك (١/ ٣٥٠). وهو صحيح. قوله (وكان له خريف في الجنة): قال في النهاية: "المخارف جمع مخرف بالفتح وهو الحائط من النخل؛ أي أن العائد فيما يجوز من الثواب كأنه على نخل الجنة يخترف ثمارها، وقيل: المخارف جمع مخرفة، وهي سكةً بين صفين من نخل يخترف من أيهما شاء: أي يجتني. وقيل: المخرفة الطريق. أي أنه على طريق تؤديه إلى طريق الجنة" أ. هـ.
(٣) الترمذي (٤/ ٥٥٦) ٣٧ - كتاب الزهد. ٩ - باب في قول النبي ﷺ: "لو تعلمون ما أعلم ". وابن ماجه (٢/ ١٤٠٢) ٣٧ - كتاب الزهد، ١٩ - باب الحزن والبكاء. وأحمد (٥/ ١٧٣). والمستدرك (٢/ ٥١٠). وهو حديث حسن.
[ ٢ / ٧١٤ ]
موضع أربع أصابع، إلا وملكٌ واضعٌ جبهته لله تعالى ساجدًا، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفُرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله".
٧١٦ - * روى الترمذي عن زيد بن ثابتٍ ﵁ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال: "طوبى للشام". قيل: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: "إن ملائكة الرحمن باسطةٌ أجنحتها عليه".
٧١٧ - * روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد".
٧١٨ - * روى أحمد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تصلي الملائكة على نائحة ولا على مُرنةٍ".
٧١٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) = (الصعدات): الطرق، وهي جمع، وصُعُد: جمع صعيد. كطريقٍ وطرقٍ وطرقاتٍ.
(٢) الترمذي (٥/ ٧٣٤) ٥٠ - كتاب المناقب، ٧٥ - باب في فضل الشام واليمن. وأحمد (٥/ ١٨٥). والمستدرك (٢/ ٢٢٩). وهو صحيح.
(٣) الترمذي (٣/ ٣٤١) ٨ - كتاب الجنائز، ٣٦ - باب فضل المصيبة إذا احتسب. وهو حديث حسن. وأحمد (٤/ ٤١٥).
(٤) أحمد (٢/ ٣٦٣). مجمع الزوائد (٣/ ١٣). وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه أبو مرانة ولم أجد من وثقه ولا جرحه، وبقية رجاله ثقات. (المرنة) المصوتة.
(٥) البخاري (٦/ ٣١٤) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٧ - باب إذا قال أحدكم "آمين". مسلم (٢/ ١٠٦٠) ١٦ - كتاب النكاح، ٢٠ - باب تحريم امتناعها من فراش زوجها. =
[ ٢ / ٧١٥ ]
"إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح".
٧٢٠ - * روى أحمد عن عقبة بن عامر يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه، فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة: ياربنا، عبدك فلان قد حبسته. فيقول الرب ﷿: اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت".
٧٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري؛ أن نبي الله ﷺ قال: "كان فيمن كان قبلكم رجلٌ قتل تسعةٌ وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم اهل الأرض فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعةً وتسعين نفسًا، فهل له من توبةٍ؟ فقال: لا. فقتله، فكمَّل به مائةً. ثم سأل عن أغلم أهل الأرض فدل على رجل عالمٍ، فقال: إنه قتل مائة نفسٍ، فهل له من توبة؟ فقال: نعم. ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت. فاختضمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؛ فقالت ملائكة الرخمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط. فأتاهم ملكٌ في صورة آدميٍّ فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين؛ فإلى أيتهما كان أدنى، فهو له. فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضثة ملائكة الرحمة".
_________________
(١) = وأحمد (٣/ ١٢٦).
(٢) أحمد (٤/ ١٤٦). والمعجم الكبير (١٧/ ٢٨٤). مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٣). وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام. والمستدرك (٤/ ٣٠٨).
(٣) البخاري (٦/ ٥١٢) ٦٠ - كتاب الأنبياء، ٥٤ - باب حدثنا أبو اليمان. مسلم (٤/ ٢١١٨) ٤٩ - كتاب التوبة، ٨ - باب قبول توبة القاتل.
[ ٢ / ٧١٦ ]
٧٢٢ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالكٍ ﵁ أنه حدثهم أن رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه- وإنه ليسمع قرع نعالهم- أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد ﷺ. فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبذلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراها جميعًا.
قال قتادة: وذُكِر لنا أنه يُفسح له في قبره. ثم رجع إلى حديث أنس قال: "وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقال: لا در يت ولا تليت. ويضرب بمطارق من حديد ضربةً، فيصبيحُ صيحةً يسمعها من يليه غير الثقلين".
٧٢٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله ﷿: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها لة حسنةً ما لم يعمل. فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها. وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها".
وقال رسول الله ﷺ: "قالت الملائكة: ربِّ، ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة (وهو أبصر به) فقال: ارقبوه. فإن عملها فاكتبوها له بمثلها. وإن تركها فاكتبوها له حسنةً. إنما تركها من جرَّاي".
٧٢٤ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله.
_________________
(١) البخاري (٣/ ٢٣٢) ٢٣ - كتاب الجنائز، ٨٦ - باب ما جاء في عذاب القبر. مسلم (٤/ ٢٢٠٠) ٥١ - تاب الجنة، ١٧ - باب عرض مقعد الميت من الجنة. وأحمد (٢/ ١٢٦).
(٢) مسلم (١/ ١١٧) ١ - كتاب الإيمان، ٥٩ - باب إذا هم العبد بحسنة.
(٣) البخاري (١٣/ ١٠١) ٩٢ - كتاب الفتن، ٢٧ - باب لا يدخل الدجال المدينة.
[ ٢ / ٧١٧ ]
٧٢٥ - * روى البخاري عن أبي بكرة عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل المدينة رُعب المسيح الدجال، ولها يومئذٍ سبعة أبوابٍ على كل بابٍ ملكان".
وبعد فإن ما مر معنا من النصوص كافٍ ليعرفنا على أن الملائكة مخلوقات نورانية متميزة، فلا هم ذكور ولا هم إناث ولا هم خناثى. وهم مستغرقون في العبادة والطاعة، ولهم وظائفهم المتعددة. ومن معرفة ما وصف به الملائكة ومن معرفة وظائفهم نعرف دقة الترتيب في المملكة الإلهية، فزيادة على هذا الترتيب الكوني المدهش وعلى هذا النظام الكوني البديع، فهناك عالم الملائكة، وهو جزء قائم بشؤون كثيرة من أمر مملكة الله في الدنيا والآخرة، ولعل ما مر معنا وسير تفصيل لأشياء كثيرة نتعرف بها على الله ومملكته ومالكيته، فلننتقل إلى فصل آخر من فصول الغيب لنرى علما آخر مغيبًا عنا وهو عالم الجن والشياطين.
* * *
_________________
(١) البخاري (١٣/ ٩٠) ٩٢ - كتاب الفتن، ٢٦ - باب ذكر الدجال.
[ ٢ / ٧١٨ ]
الفصل الخامس
في:
الجن والشياطين
وفيه:
مقدمة ونصوص وتلخيص ونقول ووصلان
[ ٢ / ٧١٩ ]
المقدمة
نعقد هذا الفصل ههنا لأن الجن والشياطين من أمر الغيب، واخترنا أن نذكر هذا الفصل هنا؛ لأن الشياطين وهم جزء من الجن على القول الراجح هم الجهة المقابلة للملائكة من بعض الحيثيات؛ فالملائكة تفعل الخير وتأمر به وتثبت عليه، والشياطين تفعل الشر وتأمر به وتثبت عليه.
ومن ملاحظات السيد عبد الرزاق نوفل: (فإن لفظ الملائكة قد تكرر في القرآن الكريم ٦٨ مرةٍ وهو نفس العدد تمامًا الذي تكرر فيه لفظ الشيطان، وأن عدد ما ورد في الآيات الشريفة من مختلف صور لفظ الملائكة كملك ملكا وملكني وملائكة هو ٨٨ مرة، وهو نفس العدد تمامًا أيضًا الذي تكرر فيه مختلف صور لفظ الشيطان كالشياطين وشيطانًا وشياطينهم) ا. هـ. (الجن والملائكة لعبد الرزاق نوفل).
والجن مكلفون كالإنسان، وبالتالي فعندهم قدرة على إدراك الخطاب، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ (٢).
وقد ذكرت بعض كتب العقائد أن الجن يكلفون من لحظة الولادة: لأنهم مؤهلون لإدراك الخطاب منذ اللحظة الأولى.
ومن آثارهم التي يستأنس بها على وجودهم الصرع الذي لم يزل موجودًا، وتكلم الجان على لسان شخص يتلبس به، وظهورهم لبعض الناس ومخاطبتهم إياهم بالوساوس التي يحسها الإنسان في قلبه كأثر منهم.
وعالم الجن فيه الكافر والمؤمن والفاسق، قال تعالى على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ (٣): أي أديانًا مختلفة.
_________________
(١) الذاريات: ٥٦.
(٢) الأنعام: ١٣٠.
(٣) الجن: ١١.
[ ٢ / ٧٢١ ]
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ (١): أي الجائرون.
وهل الكافرون منهم هم الشياطين، أو الشياطين جنس آخر؟ فالجن مخلوقات هوائية والشياطين مخلوقات نارية: قولان للعلماء، والراجح أن الشياطين هم كفرة الجن.
ولا خلاف أن رسول الله محمدًا ﷺ أرسل إلى الإنس والجن، وأنه بلغ الرسالة للإنس والجن، وقد ذكر القرآن ذلك في أكثر من سورة، ولكن هل كان الرسل قبل محمد ﵊ يرسلون إلى الإنس والجن حيث أرسلوا، أو أنه قبل محمد ﵊ كانت ترسل رسل من الجن؟
قولان للعلماء في ذلك؛ فابن عباس وآخرون يرون أنه لم يبعث الله رسولًا من الجن، وقال الضحاك وابن حزم وآخرون: إنه قد ابتعث الله من الجن أنبياء ورسلًا، ويستشهدون على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا (٢).
* * *
وقد ألف أكثر من كتاب في الجن وأحكامها، منها القديم ومنها الحديث، عدا ما قاله المفسرون وشراح السنة بمناسبة ورود شيء من ذلك في سياقه، عدا ما تذكره كتب العقائد في الحديث عنهم على اعتبار أن الجن جزء من عالم الغيب، والإيمان بوجودهم من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة التي يكفر منكرها، وممن أفرد التآليف عن الجن قديمًا: ابن القيم في كتابه: "لقط المرجان في أحكام الجان". والقاضي بدر الدين الشبلي الحنفي في كتابه: "آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان". وقد حاول عبد الرزاق نوفل في كتابه عن "الجن والملائكة" أن يستأنس في بحثه ببعض معطيات عصرنا التي تشير إلى عالم الجن والشياطين، فاستأنس بكلام بعض علماء النفس الذين تحدثوا عن الدوافع الخفية التي تدفع الإنسان إلى اتجاهات معينة، وبكلام بعض علماء الطب بمناسبة العلاج الروحي والنفسي لبعض الأمراض، وتكلم عن معطيات أخرى، وربط الشيخ حسن أيوب بين ما
_________________
(١) الجن: ١٥.
(٢) الأنعام: ١٣٠.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
يجرى في عمليات تحضير الأرواح وعالم الجن.
وعلماء الإسلام سلفًا وخلفًا يذكرون حوادث يقينية كان للجن حضورهم فيها، وهناك أعلام من العلماء تتلمذ عليهم أفراد من الجن، ولابن عابدين -من فقهاء الحنفية- رسالة في تلمذة الجن على شيخه مولانا الشيخ خالد النقشبندي ﵀. وإنه لموضوع حري أن يتتبع وتتبع أخباره في الشرق والغرب، وفي الكتب القديمة والحديثة، فذلك يدحض فرية افتراءات الماديين ويلقم الحجر للمشركين، ويكفي المسلم أن يعرف النصوص الواردة في ذلك أن يفهمها حق الفهم وأن يؤمن بها، وهذا الكتاب مقصور على مثل هذا.
ونحن سنذكر بعض نصوص القرآن في الجن، ثم نعقب ذلك بذكر بعض النصوص النبوية في هذا الشأن، مع شرح ما لابد من شرحه وبعض التعليقات المختصرة، ثم نعقب ذلك بتلخيص إجمالي هذا الموضوع، ثم بنقل بعض أقوال العلماء.
* * *
[ ٢ / ٧٢٣ ]
(١)
بعض نصوص القرآن في الجن والشياطين
يقرر القرآن أن الجن خلقوا من نار، قال تعالى:
﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (١)، والمارج: هو اللهب الأزرق الخالي من الدخان.
﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (٢)، ونار السموم: هي المرتفعة الحرارة التي تنفذ حرارتها إلى الأجسام.
ويقرر القرآن أن إبليس من الجن، فالجن خلقت قبل أبينا آدم ﵇:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٣).
ويذكر القرآن قصة إبليس مع أبينا آدم وما ترتب على ذلك من إهباط كل من إبليس وآدم، وحواء إلى الأرض، والبواعث التي بعثت إبليس على هذا الموقف، ومن ذلك: الكبر والحسد، ويحذرنا الله ﷿ أن نستجيب لوسوسة إبليس وجنوده أو لاتباع خطواته، ويعرفنا القرآن على مآتي الشيطان للإنسان وعلى أنواع إضلاله، وذلك يستغرق حيزًا كبيرًا من القرآن الكريم ومن ذلك:
﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (٤).
﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (٥).
﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي
_________________
(١) الرحمن: ١٥.
(٢) الحجر: ٢٧.
(٣) الكهف: ٥٠.
(٤) الأعراف: ١٧.
(٥) الأعراف: ٢٧.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (١).
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٢).
وتقرر السنة النبوية أنه ما من إنسان إلا وله قرين من الشياطين، ويذكر القرآن موضوع القرين في أكثر من مكان:
﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ (٣).
﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ (٤).
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٥).
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٦)، أي محل أمنيته وهم أفراد أمته.
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ (٧).
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ (٨).
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ (٩).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (١٠).
_________________
(١) الإسراء: ٦٤.
(٢) النساء: ١١٩.
(٣) ق: ٢٧.
(٤) النساء: ٢٨.
(٥) الزخرف: ٣٦.
(٦) الحج: ٥٢.
(٧) الحشر: ١٦.
(٨) الحج: ٣.
(٩) الأنعام: ١٢١.
(١٠) المائدة: ٩٠.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ (١).
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢).
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ (٣).
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي يخوفكم أولياءه ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ (٤).
﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (٥).
﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٦).
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ (٧).
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ (٨).
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩).
﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١٠).
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١١).
ويقرر القرآن أن الشيطان يمكن أن يمس الإنسان فيصيبه بالصرع:
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١٢).
_________________
(١) المائدة: ٩١.
(٢) الإسراء: ٥٣.
(٣) يوسف: ١٠٠.
(٤) آل عمران: ١٧٥.
(٥) الناس: ٥، ٦.
(٦) النور: ٢١.
(٧) البقرة: ٢٦٨.
(٨) العنكبوت: ٣٨.
(٩) الأنعام: ٤٣.
(١٠) الأنعام: ٦٨.
(١١) المجادلة: ١١.
(١٢) البقرة: ٢٧٥.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
ويقرر القرآن أن للشيطان ذرية، وهذا يقتضي أن عالم الشياطين فيه تزاوج وتناسل؛ ففيه الذكر والأنثى:
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ (١).
﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (٢).
وعالم الشياطين جزء من عالم الجن على القول الراجح، والجن كلهم مكلفون ومحاسبون ومجزيون بالجنة أو بالنار:
﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ (٣).
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (٤).
﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ (٥).
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ (٦).
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (٧).
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾، أي الجائرون (٨).
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٩).
فالجن مكلفون، ومحمد ﷺ قد أرسل إلى الإنس والجن بإجماعٍ، وهل أرسل قبل محمد إلى الجن رسل منهم، أو أن رسل الإنس رسل للجن في الوقت نفسه؟ قولان للعلماء: والراجح أنه لم يكن في الجن نبوة ولا رسالة وعلى كل الأحوال فالحجة قائمة عليهم:
_________________
(١) الكهف: ٥٠.
(٢) الرحمن: ٥٦.
(٣) الأعراف: ٢٨.
(٤) الجن: ١، ٢.
(٥) الجن: ١١.
(٦) الجن: ١٣.
(٧) الأحقاف: ٢٩.
(٨) الجن: ١٤.
(٩) الذاريات: ٥٦.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ (١).
وللجن عامة قدرات:
﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (٢).
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ (٣).
وقال تعالى على لسان الجن:
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (٤).
ومن قدراتهم ما ذكره القرآن الكريم بقوله:
﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ (٥).
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ (٦).
﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ (٧).
وينفي القرآن عن الجن معرفة الغيب:
﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (٨).
* * *
_________________
(١) الأنعام: ١٣٠.
(٢) النمل: ١٧.
(٣) الرحمن: ٢٣.
(٤) الجن: ٨، ٩.
(٥) النمل: ٣٨، ٣٩.
(٦) سبأ: ١٣.
(٧) الأنبياء: ٨٢.
(٨) سبأ: ١٤.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
(٢) النصوص النبوية
٧٢٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن مسعودٍ قال استتبعني رسول الله ﷺ. قال: فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا فخط رسول الله ﷺ خطه فقال: "كن بين ظهري هذه لا تخرج منها، فإنك إن خرجت منها هلكت". قال: فكنت فيها. قال: فمضى رسول الله ﷺ فدق أو أبعد شيئًا. أو كما قال. ثم إنه ذكر هنينا كأنهم الزط -قال: أو كما قال عفان إن شاء الله- عليهم ثياب ولا أرى سوءاتهم، طوال، قليل لحمهم. قال: فأتوا فجعلوا يركبون رسول الله ﷺ. قال: وجعل رسول الله ﷺ يقرأ عليهم. قال: وجعلوا يأتون فيحتلون حولي ويعرضون. قال عبد الله: فأرعبت منهم رعبًا شديدًا. قال: فجلست -أو كما قال- فلما انشق عمود الصبح جعلوا يذهبون -أو كما قال- ثم إن رسول الله ﷺ جاء ثقيلا وجعًا أو يكاد أن يكون وجعا مما ركبوه، قال: "إني أجدني ثقيلًا" أو كما قال. قال: ثم إن هنينا أتوا عليهم ثياب بيض طوال -أو كما قال- وقد أغفى رسول الله ﷺ. قال عبد الله: فأرعبت أشد مما أرعبت في المرة الأولى. قال عارم في حديثه: فقال بعضهم لبعضٍ: هلم فلنضرب له مثلًا، أو كما قالوا. قال بعضهم لبعضٍ: اضربوا لهم مثلًا ونولي نحن أو نضرب نحن، وتولون أنتم. فقال بعضهم: مثله كمثل سيدٍ بنى بنيانًا حصينًا ثم أرسل إلى الناس بطعامٍ -أو كما قال- فمن لم يأت طعامه (أو قال لم يتبعه) عذب عذابًا شديدًا (أو كما قال الآخرون) أما السيد فهو رب العالمين، وأما البنيان فهو الإسلام، والطعام الجنة وهو الداعي، فمن اتبعه كان في الجنة -قال عارم في حديثه: أو كما قالوا- ومن لم يتبعه عذب أو كما قال. ثم إن رسول الله ﷺ قال: "ما رأيت يا ابن أم عبدٍ؟ ". قال عبد الله: رأيت كذا وكذا. فقال نبي الله ﷺ: "ما
_________________
(١) الترمذي (٥/ ١٤٥) ٤٥ - كتاب الأمثال، ١ - باب ما جاء في مثل الله لعباده. وروايته له مختصرة. وقال: حسن صحيح غريب. ومسند أحمد (١/ ٣٩٩). مجمع الزوائد (٨/ ٢٦٠). وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عمرو البكالي وذكره العجلي في ثقات التابعين وابن حبان وغيره في الصحابة.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
خفي علي شيء مما قالوا". قال رسول الله ﷺ: "هم نفر من الملائكة". أو قال: "هم من الملائكة". أو كما شاء الله.
٧٢٧ - * روى مسلم عن علقمة ﵀، قال: قلت لابن مسعودٍ: هل صحب النبي ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلةٍ ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير، أو اغتيل. فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل جراء. قال: فقلنا: يا رسول الله، فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قوم. قال: "أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن". قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم، وآثار نيرانهم وسألوه الزاد، فقال: "لكم كل عظمٍ ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرةٍ علف لدوابكم". فقال رسول الله ﷺ: "فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم".
وفي رواية (١) بعد قوله: "وآثار نيرانهم"، قال الشعبي: وسألوه الزاد؟ وكانوا من جن الجزيرة -إلى آخر الحديث، من قول الشعبي مفصلًا من حديث عبد الله.
ورواه الترمذي (٢)، وذكر فيه قول الشعبي، كما سبق في هذه الرواية الآخرة، وزاد فيه: "أو روثةٍ".
_________________
(١) مسلم (١/ ٢٢٢) ٤ - كتاب الصلاة، ٣٣ - باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن.
(٢) مسلم: الموضع السابق.
(٣) الترمذي (٥/ ٣٨٢) ٤٨ - كتاب التفسير، ٤٧ - باب ومن سورة الأحقاف. وقال: حسن صحيح. قال النووي: قال الدارقطني: انتهى حديث ابن مسعود عند قوله: "فآرانا آثارهم، وآثار نيرانهم" وما بعده قول الشعبي، كما رواه أصحاب داود الراوي عن الشعبي، وابن علية، وابن زريع، وابن أبي زائدة، وابن إدريس وغيرهم. هكذا قاله الدارقطني وغيره. ومعنى قوله: إنه من كلام الشعبي. أنه ليس مرويًا عن ابن مسعود بهذا الإسناد، وإلا فالشعبي لا يقول هذا الكلام إلا بتوقيف عن النبي ﷺ. (استطير) أي: طارت به الجن. (اغتيل): قتل سرًا، والغيلة: بكسر الغين، هي القتل خفية. قوله: (لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه)، قال بعض العلماء: هذا لمؤمنيهم. وأما غيرهم فجاء في حديث آخر "أن طعامهم: ما لم يذكر اسم الله عليه".
[ ٢ / ٧٣٠ ]
وفي رواية لمسلم (١) أن ابن مسعود قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ، ووددت أني كنت معه. لم يزد على هذا.
وروى أبو داود (٢) منه طرفًا، قال: قلت لعبد الله بن مسعودٍ: من كان منكم ليلة الجن مع النبي ﷺ؟ فقال: ما كان معه منا أحد. لم يزد على هذا.
٧٢٨ - * روى الطبراني عن الزبير بن العوام قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال: "أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟ " فأسكت القوم فلم يتكلم منهم أحد، قال ذلك ثلاثًا، فمر بي يمشي فأخذ بيدي، فجعلت أمشي معه حتى خنست عنا جبال المدينة كلها، وأفضينا إلى أرض بزار فإذا رجال طوال كأنهم الرماح مستذفري ثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة حتى ما تمسكني رجلاي من الفرق، فلما دنونا منهم خط لي رسول الله ﷺ بإبهام رجله في الأرض خطأ، فقال لي: "اقعد في وسطه". فلما جلست ذهب عني كل شيء كنت أجده من ريبة، ومضى النبي ﷺ بيني وبينهم فتلا قرآنًا رفيعًا حتى طلع الفجر، ثم أقبل حتى مر بي فقال لي: "الحق". فجعلت أمشي معه فمضينا غير بعيد فقال لي: "التفت فانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد؟ ". قلت: يا رسول الله أرى سوادًا كثيرًا. فخفض رسول الله ﷺ رأسه إلى الأرض فنظم عظمًا بروثة ثم رمى به إليهم، ثم قال: "رشد. أولئك مني، وفد قوم هم وفد نصيبين سألوني الزاد فجعلت لهم كل عظم وروثة". قال الزبير: فلا يحل لأحد أن يستنجي بعظم ولا روثة أبدًا.
_________________
(١) مسلم (١/ ٢٢٢) نفس الكتاب والباب السابقين.
(٢) أبو داود (١/ ٢٢) كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ.
(٣) المعجم الكبير (١/ ١٢٥). مجمع الزوائد (١/ ٢٠٩). وقال: إسناده حسن، ليس فيه غير بقية وقد صرح بالتحديث. (خنست) خنس عنه: تأخر، وبابه دخل ونصر. (براز) البراز: الفضاء الواسع.
[ ٢ / ٧٣١ ]
٧٢٩ - * روى مسلم عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ "خلقت الملائكة من نورٍ. وخلق الجان من مارجٍ من نارٍ. وخلق آدم مما وصف لكم".
٧٣٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله (وفي رواية أبي كريب: يا ويلي) أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار".
٧٣١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الملائكة تنزل في العنان" وهو السحاب- "فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون منها مائة كذبةٍ من عند أنفسهم".
٧٣٢ - * روى البخاري: قال ابن عباس ﵄: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث فكانت لمرادٍ، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان. وأما نسر فكانت لحميرٍ، لآل ذي الكلاع. أسماء رجالٍ صالحين من قوم نوحٍ. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت.
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٢٩٤) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق، ١٠ - باب في أحاديث متفرقة. وأحمد (٦/ ١٥٣).
(٢) مسلم (١/ ٨٧) ١ - كتاب الإيمان، ٣٥ - باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة. وأحمد (٢/ ٤٤٣) بلفظ مقارب. وابن ماجه (١/ ٣٣٤) ٥ - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، ٧٠ - باب سجود القرآن.
(٣) البخاري (٦/ ٣٠٤) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ٦ - باب ذكر الملائكة.
(٤) البخاري (٨/ ٦٦٧) ٦٥ - كتاب التفسير، ١ - باب (وذا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق). (دومة): بضم الدال، اسم موضع. قال في لسان العرب: ويسميه أهل الحديث ذومة بالفتح وهو خطأ. وقال ابن الأثير: وقد وردت في الحديث، وتضم دالها وتفتح.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
٧٣٣ - * روى مسلم عن أنس بن مالكٍ: أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﷺ وهو يلعب مع الغلمان. فأخذه فصرعه فشق عن قلبه. فاستخرج القلب. فاستخرج منه علقة. فقال: هذا حظ الشيطان منك. ثم غسله في طستٍ من ذهب بماء زمزم. ثم لأمه ثم أعاده في مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (يعني ظئره) فقالوا: إن محمدًا قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره".
٧٣٤ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: ما سمعت عمر لشيء قط يقول: إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن. بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل فقال عمر: لقد أخطأ ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، علي الرجل. فدعي له، فقال له ذلك. فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم. قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني. قال: كنت كاهنهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يومًا في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها، ويأسها من بعد إنكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها. قال عمر: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجلٍ فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا أنت. فوثب القوم. قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله. فقمت
_________________
(١) مسلم (١/ ١٤٧) ١ - كتاب الإيمان، ٧٤ - باب الإسراء برسول الله ﷺ. وأحمد (٢/ ١٤٩).
(٢) البخاري (٧/ ١٧٧) ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار، ٣٥ - باب إسلام عمر بن الخطاب. (إبلاسها): الإبلاس: التحير والدهش. (يأسها): كأن الجن يأست مما كانت تدركه من بعثة النبي ﷺ. (إنكاسها): انقلابها عن أمرها. (القلاص): جمع القلوص وهي الناقة الشابة. (أحلاسها): الحلس: الكساء الذي يكون على ظهر البعير. (جليح): اسم رجل. (نجيح): النجيح: السريع، أو هو الظفر بالمطلوب من النجاح. (نشبنا): أي لبثنا.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
فما نشبنا أن قيل: هذا نبي.
٧٣٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحدٍ إلا وقد وكل به قرينه من الجن". قالوا: وإياك؟ يا رسول الله! قال: "وإياي. إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير".
غير أن في حديث سفيان "وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة".
٧٣٦ - * روى مسلم: قال عروة: إن عائشة، زوج النبي ﷺ حدثته؛ أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلًا. قالت: فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع. فقال: "مالك؟ يا عائشة! أغرت؟ " فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك فقال ﷺ: "أقد جاءك شيطانك؟ " قالت: يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال: "نعم". قلت: ومع كل إنسانٍ؟ قال: "نعم" قلت: ومعك؟ يا رسول الله! قال: "نعم. ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم".
٧٣٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مراتٍ. فإن الشيطان يبيت على خياشيمه".
٧٣٨ - * روى مسلم عن عبد الله: قال: ذكر عند رسول الله ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح. قال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه". أو قال: "في أذنه".
_________________
(١) = (نشينا): أي لبثنا.
(٢) مسلم (٤/ ٢١٦٧) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، ١٦ - باب تحريش الشيطان إلخ. وأحمد (١/ ٣٨٥).
(٣) مسلم (٤/ ٢١٦٨) الموضع السابق.
(٤) البخاري (٦/ ٣٣٩) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده. مسلم (١/ ٢١٣) ٢ - كتاب الطهارة، ٨ - باب الإيثار في الاستنثار والاستجمار. والنسائي: (١/ ٦٧) ١ - كتاب الطهارة، ٧٣ - باب الأمر بالاستنثار عند الاستيقاظ من النوم.
(٥) مسلم (١/ ٥٣٧) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ٢٨ - باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
قال النووي:
(بال الشيطان في أذنيه) اختلفوا في معناه. فقال ابن قتيبة: معناه أفسده. وقال المهلب والطحاوي وآخرون: هو استعارة وإشارة إلى انقياده للشيطان وتحكمه فيه، عقده على قافية رأسه: عليك ليل طويل. وإذلاله له، وقيل: معناه استخف به واحتقره واستعلى عليه. يقال: لمن استخف بإنسان وخدعه: بال في أذنه. وأصل ذلك في دابة تفعل ذلك بالأسد، إذلالا له. وقال الحربي: معناه ظهر عليه وسخر منه. قال القاضي عياض: ولا يبعد أن يكون على ظاهره قال: وخص الأذن لأنها حاسة الانتباه. ا. هـ.
٧٣٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها ضحك الشيطان".
٧٤٠ - * روى مسلم عن سهيل بن أبي صالح، قال: سمعت ابنا لأبي سعيد الخدري يحدث أبي عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا تثاؤب أحدكم، فليمسك بيده على فيه. فإن الشيطان يدخل".
٧٤١ - * روى مسلم عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر. إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة".
٧٤٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ:
_________________
(١) البخاري (٦/ ٣٣٨) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده. مسلم (٤/ ٢٢٩٣) ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق، ٩ - باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب.
(٢) مسلم: الموضع السابق.
(٣) مسلم (١/ ٥٣٩) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ٢٩ - باب استحباب صلاة النافلة والترمذي (٥/ ١٥٧) ٤٦ - كتاب فضائل القرآن، ٢ - باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي. وقال: حديث حسن صحيح. وأحمد (٢/ ٢٨٤).
(٤) البخاري (٢/ ٨٤) ١٠ - كتاب الآذان، ٤ - باب فضل التأذين. =
[ ٢ / ٧٣٥ ]
"إذا نودي بالصلاة أبدر الشيطان وله ضراط، فإذا قضي أقبل، فإذا ثوب بها أدبر، فإذا قضي أقبل حتى يخطر بين الإنسان وقلبه فيقول: اذكر كذا وكذا. حتى لا يدري أثلاثًا صلى أم أربعًا، فإذا لم يدر ثلاثًا صلى أو أربعًا سجد سجدتي السهو".
٧٤٣ - * روى البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيدٍ الخدري ﵁ قال له: "إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة". قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ.
٧٤٤ - * روى أبو داود عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصفوف كأنها الحذف".
٧٤٥ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه صلى صلاة فقال: "إن الشيطان عرض لي فشد علي يقطع الصلاة علي، فأمكنني الله منه".
٧٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه سلم: "إن عفريتًا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته، فأردت أن
_________________
(١) = مسلم (١/ ٢٩١) ٤ - كتاب الصلاة، ٨ - باب فضل الآذان وهرب الشيطان عند سماعه. ومالك (١/ ٦٩) ٢ - كتاب الصلاة، ١ - باب ما جاء في النداء للصلاة.
(٢) البخاري (٢/ ٨٧) ١٠ - كتاب الآذان، ٥ - باب رفع الصوت بالنداء.
(٣) أبو داود (١/ ١٧٩) كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف. والنسائي (٢/ ٩٢) ١٠ - كتاب الإمامة، ٢٨ - باب حث الإمام على رص الصفوف والمقاربة بينها. وأحمد (٣/ ٢٨٣). وابن حبن (٣/ ٢١٨) كتاب الصلاة -باب فرض متابعة الإمام. وهو حديث صحيح. (الحذف): بفتحتين، غنم سود صفار من غنم الحجاز.
(٤) البخاري (٣/ ٨٠) ٢١ - كتاب العمل في الصلاة، ١٠ - ما يجوز من العمل في الصلاة.
(٥) البخاري (١/ ٥٥٤) ٨ - كتاب الصلاة، ٧٥ - باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
أربطه على ساريةٍ من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فرددته خاسئًا".
٧٤٧ - * روى البزار عن جابر بن سمرة أن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان عرض لي فجعل يلقي علي شرر النار فلولا دعوة أخي سليمان لأخذته".
(دعوة سليمان): قوله تعالى على لسانه: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (١).
٧٤٨ - * روى الطبراني عن جابر عن النبي ﷺ قال: "دخلت البيت فإذا شيطان خلف الباب فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي، فلولا دعوة العبد الصالح لأصبح مربوطًا يراه الناس".
٧٤٩ - * روى أحمد عن عياض قال: قلت لأبي سعيد الخدري: أحدنا يصلي فلا يدري كم صلى. فقال: قال رسول الله ﷺ: "إذا صلى أحدكم فلا يدري كم صلى فليسجد سجدتين وهو جالس، وإذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك قد أحدثت فليقل: كذبت. إلا ما وجد ريحه بأنفه أو سمع صوته بأذنه".
_________________
(١) = مسلم (١/ ٢٨٤) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٨ - باب جواز لعن الشيطان. وأحمد (٢/ ٢٦٨). (عفريت): متمرد من إنس أو جان.
(٢) كشف الأستار: (٣/ ١٣١). مجمع الزوائد (٨/ ٢٢٩). وقال: ورجاله رجال الصحيح.
(٣) ص: ٣٥.
(٤) مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٩).
(٥) أحمد (٣/ ٥١، ٥٣). وأبو داود (١/ ٣٧٠) كتاب الصلاة، باب من قال يتم على أكبر ظنه. والترمذي (٢/ ٢٤٣) أبواب الصلاة، ٢٩١ - باب ما جاء في الرجل يصلي فيشك إلخ. وقال: حديث حسن.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
٧٥٠ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي ﷺ: "إذا مر بين أحدكم شيء وهو يصلي فيلمنعه، فإن أبى فليمنعه فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان".
٧٥١ - * روى البخاري عن عائشة ﵂: سألت النبي ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة أحدكم".
٧٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، يبلغ به النبي ﷺ: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقدٍ إذا نام. بكل عقدةٍ يضرب عليك ليلًا طويلًا. فإذا استيقظ، فذكر الله. انحلت عقدة، وإذا توضأ، انحلت عنه عقدتان. فإذا صلى انحلت العقد. فأصبح نشيطًا طيب النفس. وإلا أصبح خبيث النفس كسلان".
٧٥٣ - * روى مسلم عن عبد الله، قال: لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءًا،
_________________
(١) البخاري (٦/ ٣٣٥) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.
(٢) البخاري (٢/ ٢٣٤) ١٠ - كتاب الأذان، ٩٣ - باب الالتفات في الصلاة. وأبو داود (١/ ٢٢٩) كتاب الصلاة، باب الالتفات في الصلاة. والنسائي (٣/ ٨) ١٣ - كتاب السهو، ١٠ - باب التشديد في الالتفات في الصلاة. وأحمد (٦/ ١٠٦).
(٣) البخاري (٣/ ٢٤) ١٩ - كتاب التهجد، ١٢ - باب عقد الشيطان على فاقية الرأس مسلم (١/ ٥٣٨) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ٢٨ - باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح. وأحمد (٢/ ٢٤٣). قال النووي: (قافية رأس أحدكم): القافية آخر الرأس. وقافية كل شيء آخره. ومنه قافية الشعر. (عليك ليلًا طويلًا): هكذا هو في معظم نسخ بلادنا، بصحيح مسلم. وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين: عليك ليلًا طويلًا، بالنصب على الإغراء. ورواه بعضهم: عليك ليل طويل، بالرفع. أي بقي عليك ليل طويل. واختلف العلماء في هذه العقد. فقيل: هو عقد حقيقي بمعنى عقد السحر للإنسان ومنعه من القيام. قال الله تعالى: (ومن شر النفاثات في العقد). فعلى هذا هو قول يقوله يؤثر في تثبيط النائم كتأثير السحر. وقيل: يحتمل أن يكون فعلًا يفعله كفعل النفاثات في العقد. وقيل: هو من عقد القلب وتصميمه، فكأنه يوسوس في نفسه ويحدثه بأن عليك ليلًا طويلًا، فتأخر عن القيام. وقيل: هو مجاز كنى به عن تثبيط الشيطان عن قيام الليل.
(٤) مسلم (١/ ٤٩٢) ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ٧ - باب جواز الانصراف من الصلاة =
[ ٢ / ٧٣٨ ]
لا يرى إلا حقًا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه. أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله.
٧٥٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين".
٧٥٥ - * روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار. وذلك كل ليلةٍ".
٧٥٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان؛ فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺفذكر الحديث- فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فقال النبي ﷺ: "صدقك وهو كذوب، ذاك شيطان".
٧٥٧ - * روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن
_________________
(١) = قوله: (ينصرف عن شماله) أي: من الصلاة.
(٢) البخاري (٤/ ١١٢) ٣٠ - كتاب الصوم، ٥ - باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان مسلم (٢/ ٧٥٨) ١٣ - كتاب الصيام، ١ - باب فضل شهر رمضان. وأحمد (٢/ ٢٨١).
(٣) الترمذي (٣/ ٦٦) ٦ - كتاب الصوم، ١ - باب ما جاء في فضل شهر رمضان. وابن ماجه (١/ ٥٢٦) ٧ - كتاب الصيام، ٢ - باب ما جاء في فضل شهر رمضان. وابن حبان (٥/ ١٨٣) كتاب الصوم -باب فضل رمضان. والمستدرك (١/ ٤٢١) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين. وهو حديث حسن.
(٤) البخاري (٦/ ٣٣٥) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.
(٥) البخاري (٦/ ٤٠٨) ٦٠ - كتاب الأنبياء، ١٠ - باب حدثنا موسى
[ ٢ / ٧٣٩ ]
والحسين ويقول: "إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطانٍ وهامة، ومن كل عينٍ لامة".
٧٥٨ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "أما إن أحدكم إذا أتى أهله وقال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فرزقا ولدًا، لم يضره الشيطان".
٧٥٩ - * روى البخاري؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته".
٧٦٠ - * روى مالك في الموطأ عن خالد بن الوليد؛ قال لرسول الله ﷺ: إني أروع في منامي. فقال له رسول الله ﷺ: "قل: أعوذ بكلمات الله التامة. من غضبه وعقابه وشر عباده. ومن همزات الشياطين. وأن يحضرن.
٧٦١ - * روى مالك عن يحيى بن سعيد؛ أنه قال: أسري برسول الله ﷺ فرأى عفريتا من الجن، يطلبه بشعلة من نارٍ، كلما التفت رسول الله ﷺ رآه. فقال له جبريل: أفلا أعلمك كلماتٍ تقولهن. إذا قلتهن طفئت شعلته، خر لفيه؟ فقال رسول الله ﷺ: "بلى". فقال جبريل: فقل: أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله
_________________
(١) البخاري (٦/ ٣٣٥) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده. مسلم (٢/ ١٠٥٨) ١٦ - كتاب النكاح، ١٨ - باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع. وأحمد (١/ ٢١٧).
(٢) البخاري (٦/ ٣٣٦) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.
(٣) الموطأ (٢/ ٩٥٠) ٥١ - كتاب الشعر، ٤ - باب ما يؤمر به من التعوذ. وهو مرسل إلا أنه حسن بشواهده. (أروع): أي يحصل لي روع، أي فزع. (التامة): أي الفاضلة التي لا يدخلها نقص. (همزات الشياطين): نزغاتهم بما يوسوسون به. (وأن يحضرون): أي أن يصيبوني بسوء ويكونوا معي في مكان؛ لأنهم إنما يحضرون بالسوء.
(٤) الموطأ (٢/ ٩٥٠) ٥١ - كتاب الشعر، ٤ - باب ما يؤمر به من التعوذ. مرسلًا. وأحمد (٢/ ٤١٩) بمعناه. موصولًا بسند حسن.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
التامات اللاتي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها، وشر ما ذرأ في الأرض وشر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار، إلا طارقًا يطرق بخيرٍ يا رحمن.
٧٦٢ - * روى البخاري عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: قال النبي ﷺ: "الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلمًا يخافه فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لا تضره".
٧٦٣ - * روى مسلم عن أبي قتادة، عن رسول الله ﷺ: أنه قال: "الرؤيا الصالحة من الله. والرؤيا السوء من الشيطان. فمن رأى رؤيا فكره منها شيئًا فلينفث عن يساره، وليتعوذ بالله من الشيطان، لا تضره. ولا يخبر بها أحدًا. فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر. ولا يخبر إلا من يحب".
٧٦٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب. وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا. ورؤيا المسلم جزء من خمسٍ وأربعين جزءًا من النبوة. والرؤيا ثلاثة: [فالرؤيا] الصالحة بشرى من الله. ورؤيا تحزين من الشيطان. ورؤيا مما يحدث المرء نفسه. فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس".
٧٦٥ - * روى مسلم عن أبي سلمة قال: إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني. قال: فلقيت أبا قتادة، فقال: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الرؤيا الصالحة من الله. فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب. وإن رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثًا، وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها. ولا يحدث بها أحدًا، فإنها لن تضره".
_________________
(١) البخاري (١٢/ ٣٩٣) ٩١ - كتاب التعبير، ١٤ - باب الحلم من الشيطان
(٢) مسلم (٤/ ١٧٧٢) ٤٢ - كتاب الرؤيا، ٣ - وحدثني أبو الطاهر
(٣) مسلم (٤/ ١٧٧٢) ٤٢ - كتاب الرؤيا، ٦ - وحدثني محمد
(٤) مسلم (٤/ ١٧٧٢) ٤٢ - كتاب الرؤيا، ٤ - حدثنا أبو بكر
[ ٢ / ٧٤١ ]
٧٦٦ - * روى البخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥، ٦]. جمعه: سعر. قال مجاهد: الغرور بالشيطان.
٧٦٧ - * روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله. ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطان".
٧٦٨ - * روى البخاري ومسلم عن صفية بنت حيى، قالت: "كان رسول الله ﷺ معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني -وكان سكنها في دار أسامة بن زيدٍ -فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا فقال النبي ﷺ: "على رسلكما، إنها صفية بنت حيي". فقالا: سبحان الله يا رسول الله. قال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في
_________________
(١) البخاري (١١/ ٢٤٩) ٨١ - كتاب الرقاق، ٨ - باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.
(٢) مسلم (٤/ ٢٠٥٢) ٤٦ - كتاب القدر، ٨ - باب الأمر بالقوة وترك العجز وأحمد (٢/ ٢٦٦). قال النووي: (المؤمن القوي خير): المراد القوة، هنا، عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه. وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والصبر على الأذى في كل ذلك. واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبا لها ومحافظة عليها، ونحو ذلك. (وفي كل خير): معناه في كل من القوي والضعيف خير، لاشتراكهما في الإيمان، مع ما يأتي به الضعيف من العبادات. (احرص على ما ينفعك): معناه احرص على طاعة الله تعالى والرغبة فيما عنده، واطلب الإعانة من الله تعالى على ذلك ولا تعجز ولا تكسل عن طلب الطاعة ولا عن الإعانة. ا. هـ النووي. قوله (قدر الله): يحفظها بعضهم بتشديد الدال: قدر الله.
(٣) البخاري (١٣/ ١٥٨) ٩٣ - كتاب الأحكام، ٢١ - الشهادة تكون عند الحاكم مسلم (٤/ ١٧١٢) ٣٩ - كتاب السلام، ٩ - باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليًا
[ ٢ / ٧٤٢ ]
قلوبكما سوءًا" -أو قال-: "شيئًا".
٧٦٩ - * روى مسلم عن جابر؛ أن رسول الله ﷺ رأى امرأة. فأتى امرأته زينب، وهي تمعس منيئة لها. فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال: "إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطانٍ، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله. فإن ذلك يرد ما في نفسه".
٧٧٠ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يشير إلى المشرق فقال: "ها إن الفتنة ها هنا، إن الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان".
٧٧١ - * روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان". أو "الشيطان". لا أدري أي ذلك قال هشام [أحد الرواة].
٧٧٢ - * روى البخاري عن عقبة بن عمرو أبي مسعود قال: أشار رسول الله ﷺ بيده نحو اليمن فقال: "الإيمان يمانٍ ها هنا، ألا إن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر".
٧٧٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى النبي ﷺ برجل قد شرب، قال: "اضربوه". قال أبو هريرة ﵁: فمنا الضارب بيده والضارب
_________________
(١) مسلم (٢/ ١٠٢١) ١٦ - كتاب النكاح، ٢ - باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه (تمعس منيئة): تدبغ إهابًا، والإهاب: الجلد. وأصل المعس: المعك والدلك. وأحمد (٣/ ٢٣٠).
(٢) البخاري (٩/ ٤٣٦) ٦٨ - كتاب الطلاق، ٢٤ - باب الإشارة في الطلاق والأمور.
(٣) البخاري (٦/ ٣٣٥) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.
(٤) البخاري (٦/ ٣٥٠) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١٥ - باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال. (الغدادين): أهل الوبر.
(٥) البخاري (١٢/ ٦٦) ٨٦ - كتاب الحدود، ٤ - باب الضرب بالجريد والنعال.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
بنعله والضارب بثوبه. فلما انصرف قال: بعض القوم: أخزاك الله. قال: "لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان".
٧٧٤ - * روى البخاري عن سعد بن أبي وقاصٍ قال: "استأذن عمر على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريشٍ يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، فأذن له رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله. قال: "عجبت من هؤلاء اللائي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب". قال عمر: فأنت يا رسول الله كنت أحق أن يهبن. ثم قال: أي عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ؟ قلن: نعم، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ. قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجا إلا سلك فجا غير فجك".
٧٧٥ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون، فصاح إبليس، أي عباد الله، أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فنظر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله، أبي أبي. فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: غفر الله لكم. قال عروة: فما زالت في حذيفة منه بقية خير حتى لحق بالله".
٧٧٦ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطًا ثم قال: "هذا سبيل الله". ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله ثم قال: "هذه سبل" قال يزيد: "متفرقة على كل سبيلٍ منها شيطان يدعو إليه". ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
_________________
(١) البخاري (٦/ ٣٣٩) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.
(٢) البخاري (٦/ ٣٣٨) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.
(٣) أحمد (١/ ٤٦٥). والمستدرك (٢/ ٣١٨). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. مجمع الزوائد (٧/ ٢٢). وقال: رواه أحمد والبزار، وفيه عاصم بن بهدلة وهو ثقة وفيه ضعف.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
٧٧٧ - * روى النسائي عن محمد بن حمزة أنه سمع أباه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "على ظهر كل بعير شيطان فإذا ركبتموها فسموا الله ﷿ ثم لا تقصروا عن حاجاتكم".
٧٧٨ - * روى أبو داود عن قطن بن قبيصة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العيافة والطيرة والطرق من الجبت".
٧٧٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ: "لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح. فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار".
٧٨٠ - * روى أحمد عن عياض بن حمار، قال: قلت: يا رسول الله رجل من قومي يشتمني وهو دوني، علي بأس أن انتصر منه؟ قال: "المستبان شيطانان يتهاذيان ويتكاذبان".
٧٨١ - * روى البخاري ومسلم عن هشام بن عامر أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحل لمسلم أن يهجر مسلمًا فوق ثلاث ليالٍ، فإنهما تناكبان عن الحق ما داما
_________________
(١) النسائي في اليوم واليلة. وهو صحيح. وأحمد (٢/ ٤٩٤).
(٢) أبو داود (٤/ ١٦) كتاب الطب، باب في الحظ وزجر الطير، وهو حديث حسن. وأحمد (٢/ ٤٧٧). قال عوف: العيافة زجر الطير، والطرق: الخط يخط في الأرض، والجبت: قال الحسن: إنه الشيطان. (العيافة): زجر الطير والتفاؤل بها، كما كانت العرب تفعله، عاف الطير يعيفه: إذا زجره. (الطرق): الضر بالعصا، وقيل: هو الخط في الرمل، كما يفعله المنجم لاستخراج الضمير ونحوه، وقد جاء في كتاب أبي داود، "أن الطرق: الزجر، والعيافة: الخط". (الجبت): كل ما عبد من دون الله، وقيل: هو الكاهن والشيطان.
(٣) البخاري (١٣/ ٢٣) ٩٢ - كتاب الفتن، ٧ - باب قول النبي ﷺ: "من حمل ". مسلم (٤/ ٢٠٢٠) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٣٥ - باب النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم وأحمد (٢/ ٣١٧).
(٤) أحمد (٤/ ١٦٢).
(٥) البخاري (١٠/ ٤٩٢) ٧٨ - كتاب الأدب، ٦٢ - باب الهجرة وقول رسول الله ﷺ: "لا يحل لرجل ". مسلم (٤/ ١٩٨٤) ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، ٨ - باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي. =
[ ٢ / ٧٤٥ ]
على صرامهما، وأولهما فيئًا يكون سبقه بالفيء كفارة له، وإن سلم فلم يقبل ورد عليه سلامه ردت عليه الملائكة، ورد على الآخر الشيطان، وإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعًا أبدًا".
٧٨٢ - * روى البخاري عن سليمان بن صردٍ قال: "كنت جالسًا مع النبي ﷺ ورجلان يستبان، فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال النبي ﷺ: "إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد". فقالوا له: إن النبي ﷺ قال: "تعوذ بالله من الشيطان". فقال: وهل بي جنون"؟.
أقول: إن الغضب يجر الإنسان من وضع سيء إلى وضع أسوأ، فهذا إنسان أحدث فيه الغضب ما أحدث، ثم استجره الغضب لأن يرد كلام رسول الله ﷺ جهلًا منه، لأنه ربط بين الاستعاذة والجنون، والأمر ليس كذلك، فالاستعاذة من الشيطان مطلوبة في أحوال منها: حالات الغضب؛ لأن للشيطان دوره في الغضب من ناحية، ولأنه بالغضب يستجر الشيطان الإنسان إلى مواقف لا تحمد عقباها دينًا ودنيا.
٧٨٣ - * روى مسلم عن عبيد بن عميرٍ، قال: قالت أم سلمة: لما مات أبو سلمة قلت: غريب وفي أرض غربةٍ، لأبكينه بكاء يتحدث عنه، فكنت قد تهيأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني فاستقبلها رسول الله ﷺ وقال: "أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتًا أخرجه الله منه" مرتين، فكففت عن البكاء فلم أبك.
٧٨٤ - * روى مسلم عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا وقعت لقمة
_________________
(١) = وأحمد (٤/ ٢٠).
(٢) البخاري (١٠/ ٤٦٥) ٧٨ - كتاب الأدب -٤٤ - باب ما ينهى عن السباب واللعن.
(٣) مسلم (٢/ ٦٢٥) ١١ - كتاب الجنائز، ٦ - باب البكاء على الميت. (إن تسعدني): أي تساعدها على النياحة.
(٤) مسلم (٤/ ١٦٠٦) كتاب الأشربة، ١٨ - باب استحباب لعق الأصابع والقصعة قال النووي: (لا تدرون في أيه البركة): معناه، والله أعلم، أن الطعام الذي يحضره الإنسان فيه بركة. ولا يدري أن تلك
[ ٢ / ٧٤٦ ]
أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان. ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أي طعامه البركة".
٧٨٥ - * روى مسلم عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: لا تكونن إن استطعت، أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها. فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته.
٧٨٦ - * روى مسلم عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبليس يضع عرشه على الماء. ثم يبعث سراياه. فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة. يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا. فيقول: ما صنعت شيئًا". قال: "ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته" قال: "فيدنيه منه ويقول: نعم أنت".
٧٨٧ - * روى مسلم عن حذيفة بن اليمان، قلت: يا رسول الله! إنا كنا بشر فجاء الله بخير، فنحن فيه. فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: "نعم". قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: كيف؟ قال: "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي. وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس". قال: قلت: كيف
_________________
(١) = البركة فيما أكله أو فيما بقي على أصابعه، أو فيما بقي في أسفل القصعة، أو في اللقمة الساقطة فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصل البركة. وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير والإمتاع به. والمراد هنا، والله أعلم، ما يحصل به التغذية وتسلم عاقبته من أذى، ويقوي على طاعة الله تعالى، وغير ذلك. (فليمط): معناه يزيل ويمحي. قال الجوهري: حكى أبو عبيد: ماطه وأماطه نحاه، وقال الأصمعي: أماطه، لا غير. ومنه: إماطة الأذى. ومطت أنا عنه، أي تنحيت. (أذى): المراد بالأذى، هنا المستعذر من غبار وتراب وقذى ونحو ذلك. (بالمنديل): معروف. قال ابن فارس في المجمل: لعله مأخوذ من الندل وهو النقل. قال أهل اللغة: يقال: تندلت بالمنديل. قال الجوهري: ويقال أيضًا: تمندلت. قال: وأنكر الكسائي تمندلت ا. هـ.
(٢) مسلم (٤/ ١٩٠٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ١٦ - باب من فضائل أم سلمة
(٣) مسلم (٤/ ٢١٦٧) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، ١٦ - باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه
(٤) مسلم (٣/ ١٤٧٦) ٣٣ - كتاب الإمارة، ١٣ - باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين
[ ٢ / ٧٤٧ ]
أصنع يا رسول الله! إن أدركت ذلك؟ قال: "تسمع وتطيع للأمير. وإن ضرب ظهرك. وأخذ مالك فاسمع واطع".
٧٨٨ - * روى البخاري عن المغيرة عن إبراهيم عن علقمة، قال قدمت الشام، قالوا: أبو الدرداء، قال: أفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه ﷺ وقال: الذي أجاره الله على لسان نبيه ﷺ، يعني عمارًا.
٧٨٩ - * روى مسلم عن المقداد. قال: أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد. فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ، فليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النبي ﷺ فانطلق بنا إلى أهله. فإذا ثلاثة أعنز، فقال النبي ﷺ: "احتلبوا هذا اللبن بيننا". قال: فكنا نحتلب فيشرب كل إنسانٍ منا نصيبه، ونرفع للنبي ﷺ نصيبه. قال: فيجيء من الليل فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا. ويسمع اليقظان. قال: ثم يأتي المسجد فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشرب. فأتاني الشيطان ذات ليلةٍ، وقد شربت نصيبي، فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة. فأتيتها فشربتها. فلما أن وغلت في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل. قال: ندمني الشيطان. فقال: ويحك! ما صنعت؟ أشربت شراب محمد؟ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك. وعلى شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي. وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت. قال: فجاء النبي ﷺ فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى. ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئًا، فرفع رأسه إلى
_________________
(١) البخاري (٧/ ٩٠) ٦٢ - فضائل الصحابة، ٢٠ - مناقب عمار وحذيفة ﵄. (قالوا: أبو الدرداء) أي أنه سأل من هذا، فقالوا: فلان. كما وضحت رواية أخرى، وسأل أبو الدرداء عقمة من أين؟ فقال: من الكوفة. فقال له: أفيكم
(٢) مسلم (٣/ ١٦٣٥) ٢٦ - كتاب الأشربة، ٣٢ - باب إكرام الضيف وفضل إيثاره. (الجهد): بفتح الجيم، هو الجوع والمشقة. (فليس أحد منهم يقبلنا): هذا محمول على أن الذين عرضوا أنفسهم عليهم كانوا مقلين ليس عندهم شيء يواسون به. (ما به حاجة إلى هذه الجرعة): هي بضم الجيم وفتحها، حكاهما ابن السكيت وغيره. والفعل منه جرعت. (وغلت في بطني): أي دخلت وتمكنت منه.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
السماء. فقلت: الآن يدعو علي فأهلك. فقال: "اللهم! أطعم من أطعمني. وأسق من أسقاني". قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها علي. وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله ﷺ، فإذا هي حافلة، وإذا هن حفل كلهن. فعمدت إلى إناءٍ لآل محمدٍ ﷺ ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه. قال: فجلبت فيه حتى علته رغوة فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه سلم فقال: "أشربتم شرابكم الليلة؟ " قال: قلت: يا رسول الله! اشرب. فشرب ثم ناولني، فقلت: يا رسول الله! اشرب. فشرب ثم ناولني. فلما عرفت أن النبي ﷺ قد روي، وأصبت دعوته، ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض. قال: فقال النبي ﷺ: "إحدى سوآتك يا مقداد". فقلت: يا رسول الله! كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا. فقال النبي ﷺ: "ما هذه إلا رحمة من الله. أفلا كنت آذتني، فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها". قال: فقلت: والذي بعثك بالحق! ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك، من أصابها من الناس.
٧٩٠ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم".
٧٩١ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم".
٧٩٢ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل، فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب، فيتفرقون، فيقول الرجل
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢١٦٦) ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، ١٦ - باب تحريش الشيطان وأحمد (٣/ ٢٥٤). وزاد مسلك: في جزيرة العرب. (ولكن في التحريش بينهم): التحريش: الإغراء بين الناس بعضهم ببعض، أي: ولكنه يسمى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن وغيرها.
(٢) البخاري (١٣/ ١٥٨) ١٣ - كتاب الأحكام، ٢١ - باب الشهادة تكون عند الحاكم مسلم (٤/ ١٧١٢) ٢٩ - كتاب السلام، ٩ - باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليا بامرأة وأبو داود (٢/ ٣٣٣) كتاب الصوم، باب المعتكف يدخل البيت لحاجته. وإسناده صحيح.
(٣) مسلم (١/ ١٢) المقدمة، ٤ - باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
منهم: سمعت رجلًا أعرف وجهه، ولا أعرف اسمه، يحدث كذا وكذا.
٧٩٣ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الشيطان لعنه الله لن يسلم مني صاحب المال من إحدى ثلاث، أغدو عليه بهن وأروح بهن: أخذه من غير حله، وإنفاقه في غير حقه، وأحببه إليه فيمنعه من حقه".
٧٩٤ - * روى ابن ماجه عن عثمان بن أبي العاص، قال: لما استعملني رسول الله ﷺ على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي، فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله ﷺ فقال: "ابن أبي العاص"؟ قلت: نعم يا رسول الله قال: "ما جاء بك"؟ قلت: يا رسول الله عرض لي شيء في صلواتي حتى ما أدري ما أصلي. قال: "ذاك الشيطان، ادن" فدنوت منه فجلست على صدور قدمي قال: فضرب صدري بيده وتفل في فمي وقال: "اخرج عدو الله". ففعل ذلك ثلاث مراتٍ، ثم قال: "الحق بعملك". قال: فقال عثمان: فلعمري ما أحسبه خالطني بعد.
٧٩٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال "الجرس مزمار الشيطان".
٧٩٦ - * روى البخاري عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا استجنح الليل" -أو "كان جنح الليل- فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر جينئذٍ، فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم، وأغلق بابك واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وأوك سقاءك واذكر اسم الله، وخمر إناءك واذكر اسم الله".
_________________
(١) مجمع الزوائد (١٠/ ٢٤٥). وقال: رواه الطبراني، وإسناده حسن.
(٢) ابن ماجه (٢/ ١١٧٤) ٢١ - كتاب الطب، ٤٦ - باب الفزع والأرق وما يتعوذ منه. وفي الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. ورواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.
(٣) مسلم (٣/ ١٦٧٢) ٢٧ - كتاب اللباس والزينة، ٢٧ - باب كراهة الكلب والجرس في السفر. وأحمد (٢/ ٢٦٦).
(٤) البخاري (٦/ ٣٣٦) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
٧٩٧ - * روى البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄رفعه- قال: "خمروا الآنية. وأوكوا الأسقية، وأجيفوا الأبواب، وأكفئوا صبيانكم عند المساء، فإن للجن انتشارًا وخطفه، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد فإن الفويسقة ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت".
٧٩٨ - * روى أحمد عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا سمعتم نباح الكلب ونهيق الحمار بالليل فتعوذوا بالله فإنهم يرون ما لا ترون".
* * *
_________________
(١) البخاري (٦/ ٣٥٥) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١٦ - باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم (خمروا): أي غطوا. (الفويسقة): أي الفأرة.
(٢) أحمد (٢/ ٣٥٥). وأخرجه البخاري في الأدب، وهو صحيح.
[ ٢ / ٧٥١ ]
التلخيص
الجن مخلوقات غيبية، ودليل ثبوت وجودهم: الكتاب والسنة وإجماع العلماء، وهم مكلفون كالإنس ومجازون مثلهم، وهم مكلفون منذ النشأة لوجود الإدراك عندهم منذ النشأة، وقد ذكر ابن عبد البر أن الجن عند أهل اللغة على مراتب: فإن ذكروا الجن خالصًا قالوا جني، فإن كان ممن يسكن مع الناس سمي عامرًا والجمع عمار، فإن كان ممن يعرض للصبيان قالوا أرواح، فإن خبث وتمرد قالوا شيطان، فإن زاد على ذلك قالوا مارد، فإن زاد على ذلك وقوي قالوا عفريت والجمع عفاريت، وهناك من ذهب إلى أن الشياطين والجن جنس واحد. فالشياطين منهم من خبث وتمرد وهذا هو الرأي الراجح، ومن العلماء من ذهب إلى أن الجن مخلوقات هوائية، والشياطين مخلوقات نارية، وقد استنبط العلماء من مجموع النصوص أن الجن يتشكلون على خلاف بين العلماء؛ هل يتشكلون بالصور الشريفة كاملة كصورة الإنسان، أو لا يستطيعون التشكل إلا بصورة إنسان فيه نوع نقص أو بصورة مخلوقات أخرى؟ والراجح الأول؛ فهم يتشكلون بالأشكال الحسنة والقبيحة، ويأكلون ويشربون وينامون ويتزوجون ويتناسلون، والشياطين منهم يوسوسون لنبي آدم ويحاولون إغواءهم، فما من أحد من الإنس ذكرًا أو أثنى إلا وله قرين من الشياطين، وقد يصاب الإنسان بسببهم بنوع من الأمراض كالصرع والجنون والتشنج، وقد يصلون إلى بعض الناس بنوع من الأذى، ومن الظواهر المشهورة أنهم قد يتلبسون أجسام بعض الناس وينطقون على ألسنتهم، ولعل بعض مظاهر تحضير الأرواح تكون من ذكل، وقد سخر الله ﷿ عالم الجن لسليمان ﵇ فكان ذلك خصوصية له، وهم لا يعلمون شيئًا عن المستقبل، لكن قد يعرفون بواسطة بعضهم بعضًا ما جرى وما يجري، فلا عجب أن يستطيع بعض من لهم صلة بالجن أن يكتشفوا سرقة أو يعرفوا ما جرى في أمكنة بعيدة، فليس ذلك من علم الغيب.
والتوقي من الجن والشياطين يكون بالذكر والاستعاذة وتلاوة القرآن والصلاة، ومن أصيب بسبب من الجن فبالإمكان معالجته بتلاوة المعوذات وآية الكرسي وقراءة سورة البقرة، ويصح التداوي بكل شيء تجيزه الفتوى، والجن في الجملة وإن كانوا مكلفين فهم في
[ ٢ / ٧٥٢ ]
الكرامة أدنى من بني الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (١)، والجن يستطيعون الصعود إلى طبقات الجو العليا ويرصدون خبر السماء، قال تعالى على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ (٢) ومعنى لمسنا: قصدنا كما فسرها العلماء، وللجن قدرات خارقة نتعرف عليها مما ورد في قصة سليمان ﵇ في القرآن، ولو أن المتتبعين لبعض الظواهر الأرضية نظروا بعين الإنصاف لوجودوا أن كثيرًا من هذه الظواهر لا تعلل إلا إذ أعطينا للجن دورًا في صنعها، فقد قرأت مرة عن منطقة عبدت وصيغت صياغة لا يمكن أن تكون كذلك إلا إذا كانت هنالك جهة تشرف عليها إشرافًا علويًا، وتوجه العاملين على الأرض، ومثل هذا لا تفسير له في الماضي إلا أن يكون للجن صلة بهذا الموضوع، وقصة سليمان ﵇ في القرآن تعطينا دليلًا قطعيًا على أن للجن دخلًا في بعض الأوابد التي أنشأها سليمان ﵇، وبالجملة فإنني أميل إلى أن بعض الأوابد الحاضرة التي لا تعلل بطاقة الإنسان قديمًا، ولا بإمكاناته العلمية، يمكن أن يكون للجن دخل فيها.
ولم تزل البشرية ولا تزال تحدثنا عن ظواهر ليس لها تعليل إلا بوجود عالم من الجن، ولم يزل أفراد يوجدون في كل مكان لهم صلة بالجن، ولم يزل هناك أفراد يشكون من حالات لا تعلل إلا بوجود الجن.
فائدة:
حاول بعض العلماء المربين في هذه الأمة أن يوجدوا قواعد وضوابط لتخريج الوارث الكامل أو الولي المرشد، وقد كتب كثير من العلماء في شروط المرشد الكامل، وما يجب أن يتوافر فيه من كمالات وصفات ومعارف، ولقد كان من رأي أحد شيوخنا أنه لا يكمل المرشد -حتى يكون صالحًا للإرشاد- إلا بمعرفته لآلية عمل الشيطان؛ فإن الذي يعرف أخلاق الشيطان وخطواته ومداخله على النفس البشرية هو الذي يستطيع أن يجنب نفسه وإخوانه مداخل الشيطان، ومثل هذا المرشد هو الذي يعرف الكمالات الإنسانية التي إذا تحقق بها
_________________
(١) الإسراء: ٧٠.
(٢) الجن: ٨.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
الإنسان خرج من أثر الشيطان وكيف يوصل إليها ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (١).
إن فقه مداخل الشيطان على الأنفس من أعظم أنواع الفقه، فإنما يصرف الإنسان عن الله واليوم الآخر الشيطان والنفس والهوى والدنيا.
والشيطان حادي ركب أهل النار.
ولقد حاول شيخنا الذي أشرت إلى فكرته أن يضع سلمًا لمسيرة الإنسان من الحضيض إلى الكمال، ومما ذكره أن الإنسان غير المعصوم إن استوفى كمالاته لم يبق للشيطان عليه مدخل إلا من قبل شهواته الحسية أو المعنوية.
ومن الشهوات المعنوية حب الجاه الدنيوي والتصدر الدنيوي والرئاسة التي لا يقصد بها وجه الله واليوم الآخر.
* * *
_________________
(١) الأعراف: ٢٠١.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
نقول في ما قاله بعض العلماء في الجن
لم تزل أخبار الجن وقصصهم والحديث عنهم ومباشرتهم لخطاب بعض الناس تملأ الكثير من الكتب؛ ففي كتب العهد القديم والجديد وفي كتب الطب القديمة والحديثة وفي كتب العلماء والمحقيين وعند أهل الأديان عامة كلام كثير عن هذا الموضوع، وقد جاءتنا نصوص الكتاب والسنة بالخبر اليقين.
لقد كتب عباس محمود العقاد كتابًا أسماه "إبليس"، والعقاد بشكل عام متأثر في بعض كتبه -ومنها هذا الكتاب- بالدراسات المقارنة، وهي دراسات تخبط في تيه وضياع وتتراوح وجهات النظر فيها كثيرًا بين طرفي الزاوية. وأهم جوانب الكتاب أنه يعطينا تصورًا عن تصورات الأمم عن الشيطان كما وصلت إلينا؛ فهو يحدثنا عن الشيطان في الحضارة المصرية والحضارة الهندية، وحضارات ما بين النهرين، وحضارة اليونان، وعن الشيطان في الديانة اليهودية والديانة النصرانية.
ومن كلامه عن الشيطان في الحضارة المصرية.
(وقد شغل "سيت" وظيفة ضرورية في عهود الأزمات التي تنهزم فيها الدولة وتنضب الثروة ويختل نظام الحكم وتضطرب مرافق المعيشة. فقد كان "سيت" يبوء وحده بجريرة ذلك كله، وكانت عليه وحده تبعة كل آفة لا يستطاع دفعها، ومن هذه الآفات ريح السموم وعوارض الجفاف والقحط وأوبئة المرض، وسائر الأمراض التي كانت تنسب من قديم الزمن إلى الجن والعفاريت، وقد كانت عليه التبعة أيضًا في بقاء السحر والخبيث؛ لأنه كان على علم واسع بفنونه، ولم يكن في وسع الكهان والسحرة أن يعالجوا شروره ويبرئوا المرضى من آفاته بغير وسائله وأسراره، ولهذا كثرت عندهم التمائم والتعاويذ، ومنها ما بقي إلى اليوم في صور الجعل والحشرات والأساور والقلائد التي لا تصنع للزينة ولكنها تقرن بالأدوية والعقاقير طلبًا للشفاء، ويقول الأطباء الذين كانوا يشتغلون بالطب والسحر: إن الدواء هو الذي يشفي ويبرئ من المرض، ولكن التمائم والتعاويذ هي التي تمنع "العكوس" من فعل أرواح الشر وأطياف الظلام.
[ ٢ / ٧٥٥ ]
وقد كان الفراعنة أنفسهم يلجأون إلى السحر لمغالبة الأرواح الخفية، فاستعان رمسيس الثاني بأصحاب التمائم والتعاويذ على مداواة أهل بيته، ولم يفعل ذلك جهلًا منه بالطب ولا تعظيمًا منه لقدر السحر، ولكنه فعله إيمانًا بضرورة اختيار الترياق من جنس المرض، ولك شيء آفة من جنسه كما قيل من قبل، ويقال في كل زمان).
ومن كلام العقاد عن الشيطان في الحضارة الهندية:
(ومن ذلك في هذا الباب عقيدتهم في العفاريت الخبيئة أو العابثة التي يسمونها بالـ "راكشا" وينسبون إليها أعمالًا كأعمال الشياطين في الديانات الأخرى فالشياطين في صورة "الراكشا" هم "الشر" الذي أبغضه الآريون وصوروه لأبنائهم في الصورة التي تنفرهم منه وتحذرهم من كيده
وليس في الديانة الهندية وفروعها المتشعبة شخصية واحدة تشبه شخصية الشيطان. غير الرب الذي يسمونه "المارا" من الموت
وهذا الـ "المارا" هو الذي قيل في قصة "بوذا" إنه وسوس له وألح في وسواسه ليشغله عن النسك ويصرفه عن مسلكه من الحكمة وهو مسلك الزهد والاعتدال). اهـ.
- ومن كلام العقاد عن الشيطان في حضارة ما بين النهرين دجلة والفرات وما جاورهما: تحدث عن "الثنوية" التي تفر من باهرمان وهو الروح الخبيث، وتحدث عن "الزرداشيتة" التي تؤمن بـ (يامة) الذي امتلأت نفسه بالخيلاء فسولت له نفسه أن يناظر الإله وأن يكاذب نفسه بخيلائه.
- إن قضية الشيطان تعتبر قاسمًا مشتركًا في الثقافة الإنسانية وهي من بقايا الحق الذي تحدث عنه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولما حرفت ديانات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بفعل الجهل والهوى والغلو فلقد كان من جملة ما دخل عليه التحريف قضية الشيطان، ونحن لا يهمنا من الدراسات المقارنة إلا إثبات أن هناك قضيا لها أصولها، وأن القرآن جاءنا بالحق اليقين في الأصول والفروع وأعطانا الحق واليقين والصواب مفصلًا في كل شيء.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
- وقد كتب عبد الرزاق نوف عن الجن والشياطين، وكان من كلامه:
وتروي النسخ المتداولة من الأناجيل أن سيدنا عيسى قد أخرج الشيطان من كثير من المرضى الذين كان المس قد أصابهم بحالات مرضية وبجنون أيضًا ففي إنجيل متي نجد النص:
(وفيما هما خارجان إذا إنسان أخرس مجنون قدموه إليه. فلما أخرج الشيطان تكلم الأخرس فتعجب الجموع قائلين: لم يظهر قط مثل هذا في إسرائيل. أما الفريسيون فقالوا برئيس الشياطين يخرج الشياطين).
وفي إنجيل مرقس نجد النص:
(وكان في مجمعهم رجل به روح نجس: فصرخ قائلًا آه ما لنا لك يا يسوع الناصري: أتيت لتهلكنا أنا أعرفك من أنت قدوس الله فانتهره يسوع قائلًا: اخرس واخرج منه. فصرعه الروح النجس وصاح بصوت عظيم وخرج منه).
وفي إنجيل لوقا نجد نصًا يشير إلى أن الإنسان قد يمسه أكثر من شيطان إذ يقول:
(وعلى أثر ذلك كان يسير في مدينة وقرية يكرز ويبشر بملكوت الله معه الاثنا عشر وبعض النساء كن قد شفين من أرواح شريرة وأمراض. مريم التي تدعى المجدلية التي خرج منها سبعة شياطين).
ويمكن أن يستمر مس الشيطان للإنسان سنوات عديدة ففي إنجيل لوقا أن امرأة كان بها روح أضعفها وكانت منحنية بسببها ولم تقدر أن تنتصب ألبتة ثمانية عشرة عامًا فوضع سيدنا عيسى يده عليها فاستقامت وقال: (هذه هي ابنة إبراهيم قد ربطها الشيطان ثماني عشرة سنة أما كان ينبغي أن تحل من هذا الرباط في يوم السبت
فنجد أبو قراط الذي عرف بأي الطب يهتم بوسائل العرافة والسحر ومحاربة الشياطين وهو الذي قال عن الصرع الذي وصفوه بأنه المرض المقدس: إنه خال من القداسة ثم جالين أمير الأطباء حيث يهتم باتخذا الجديد من طرق طرد الشياطين، ثم كرامر واسبرنجر وقد ذاع في زمانهما أنها قاتلا أكثر من سبعين أميرًا من الشياطين وسبعة ملايين وأربعمائة
[ ٢ / ٧٥٧ ]
وخمسة آلاف وأكثر من الشياطين الأقل درجة منهم .. ولقد كانت الفكرة السائدة والتي ظلت فترة طويلة تبلغ مئات السنين هي المسيطرة على كل وسائل العلاج تلك التي كانت تقول بضرب الشيطان لإخراجه من جسد المريض بل وحتى إلى عهد قريب كان الجراح العظيم توماس ويليز من أكبر أطباء التشريح يقرر أن خير علاج لمرضى العقول هو الركل والقيد. ولذلك كان البروفسور كالين ينادي بأن معظم حالات الاضطرابات والتي لا سبب عضوي لها لا تشفى إلا بشدة الوثاق والضرب، وقد نادى الدكتور ريل الألماني والاخصائي في الأمراض العقلية بما يسميه العلاج التعذيبي الذي لا يضر.
ويقول العالم كارنجتون عضو جمعية البحوث النفسية الأمريكية في كتابه "الظواهر الروحية الحديثة" عن حالة المس: (واضح أن حالة المس هي على الأقل حالة واقعية لا يستطيع العلم بعد أن يهمل أمرها ما دامت توجد حقائق كثيرة مدهشة تؤيدها. وما دام الأمر كذلك فإن دراستها أصبحت لازمة وواجبة لا من الوجهة الأكاديمية فقط بل لأن مئات من الناس وألوفًا يعانون كثيرًا في الوقت الحاضر من هذه الحالة ولأن شفاءهم منها يستلزم الفحص السريع والعلاج الفوري. وإذا ما نحن قررنا مكنة المس من الوجهة النظرية انفتح أمامنا مجال فسيح للبحث والتقصي ويتطلب كل ما يتطلبه العلم الحديث والتفكير السيكولوجي من العناية والحذق والجلد).
وفي كتاب "تحليل الحالات غير العادية في علاج العقول المريضة" يقول الدكتور بل: (لدينا الكثير الذي يصح أن نميط عنه اللثام، وعلى الأخص ما كان متعلقًا بحالة المس الروحي باعتباره عاملًا مسببًا للأمراض النفسية والعصبية ولقد ظهر لنا المس الروحي أكثر تعقيدًا مما كان يظن أولا. ولا تتألف الشخصية الماسة من نفس مخلوق غير مجسد من عقله وإرادته فقط بل هما في الواقع شخصية مؤلفة من أشياء كثيرة. والشخصية الماسة المركزية وهي الشخصية التي اصطدمت أولًا بمجمع حواس الشخص الممسوس وهي على وجه العموم قليلة المقاومة لإيحاءات الغير، ومن ثم تصبح هذه الشخصية مطية سهلة لأولئك الذين يرغبون في الاقتراب من أي إنسان بهذه الطريقة التي تبدو كأنها لا شأن لها إلا في الحصول على الترضية الخاصة لمجموع الأرواح الماسة كلها أو بعضها، وبمضي الزمن يزداد التضام في هذه العملية حتى يتم في النهاية تلاشي الشخص الممسوس الذي يعمل إلى مثل هذه الحال
[ ٢ / ٧٥٨ ]
تلاشيًا تامًا .. ويظهر أن للأرواح الماسة ثلاث نقط اصطدام رئيسية هي: قاعدة المخ ومنطقة الضفيرة الشمسية والمركز المهيمن على أعضاء التناسل، وأما الضجة التي لابد أن تحدث بهذا المس وتفاعلات الشخص الممسوس فيمكن دراستها في مستشفيات الأمراض العقلية ومع ذلك فحينما يأتي ممارسو القوة الروحية الحديثون بالعجب العجاب في طرد الشياطين أو الأرواح الماسة ومداواة المرضى والمحزونين فلا يكون نصيبهم من بعض الأطباء إلا نظرة الزراية والاستخفاف).
ويقول الدكتور جيمس هايسلوب في كتابه عن المس: (إنه تأثير خارق للعادة تؤثر به شخصية واعية خارجية في عقل شخص وجسمه ولا يمكن إنكار مكنة حدوث المس) ويرى بعض الأطباء كالدكتور كارل ويكلاند أن الجنون قد ينشأ من استحواذ روح خبيث على الشخص المريض فيحدث اضطرابًا واختلالًا في اهتزازاته وأنه بالكهربائية الاستاتيكية تنظم الاهتزازات وتطرد الشخصية المستحوذة ويعود العقل إلى حالته الطبيعية دون تأثير شخصية ماسة له.
ولذلك فقد اهتم العلم مالحديث بوسائل علاج مثل هذه الحالات وإن اختلفت الألفاظ واللغات التي وردت فيها طرق العلاج من المس فإنها كلها تتفق في الجوهر والأصل، فالدكتور باورز أستاذ الأمراض العصبية في جامعة مينابوليس بأمريكا يقول في بيان هذا العلاج: كنت في أيام شبابي أضحك ساخرًا مستهزئًا بذلك الرأي القائل بأن الأرواح الخبيثة الشريرة المؤذية غير المتجسدة قد تحدث في ظروف خاصة اضطرابات جسيمة أو عقلية خطيرة لبعض الناس، وكنت أحمل في إحدى يدي كتاب بوخنر المسمى: القوة والمادة، وفي اليد الأخرى كتاب هكل المسمى: لغز الكون، وأسخر من الرأي القائل بأن أي روح ابتداء من يسوع المسيح إلى العمة ماريا تستطيع أن تساعد على إزالة بقايا الثوب الطيني الرث البالي الذي نرتديه الآن أو أن تزيل من العقل ذلك السم الروحي الذي يحول التفاعلات العقلية إلى هذيان الأبله المعتوه أو إلى خبل الجنون القاتل أو إلى يأس المالنخوليا المفجع. ولا يستطيع شخص ذكي أن ينكر أن هناك سببًا لمعظم الأمراض التي تصيب الإنسان وآه لو يعرف هذا السبب" ا. هـ من كتاب الجن والملائكة.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
- ولابن عابدين الفقيه الحنفي المشهور -صاحب حاشية ابن عابدين المسماة: "رد المحتار على الدر المختار" وهي أعظم مرجع في فقه الحنفية كتبه المتأخرون- رسالة مطبوعة من رسائل أخرى طبعت تحت اسم "رسائل ابن عابدين" تحدث فيها عن تلمذة بعض الجن على شيخه خالد ﵀ واسم الرسالة "سل الحسام الهندي لنصرة ملنا خالد القشبندي"، ومن كلامه في هذه الرسالة:
(في الطبقات الكبرى عن حرملة أنه قال: سمعت الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن أبطلنا شهادته لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (١) إلا أن يكون الزاعم نبيًا انتهى لكن هذا ينافي ما مر عن شرح المقاصد من حكاية مشاهدتهم عن كثير من العقلاء وأرباب المكاشفات، فإن المتبادر أن المراد المشاهدة بدون تشكل إلا أن يكون ذلك من باب الكرامة، فإن ما صح أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي على ما مر فيه من الكلام مبسوطًا وكلام الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه في غير أصحاب الكرامات عند عدم التشكل، وإلا فلا وجه لمنع رؤيتهم لكل أحد عند التشكل.
وصح عن الأعمش أنه قال: تروح إلينا جني فقلت له: ما أحب الطعام إليكم؟ قال: الأرز. قال: فأتيناهم به فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحدًا وفي آثار وأخبار أخرى أن مؤمنيهم يصلون ويصومون ويحجون ويطوفون ويقرؤن القرآن ويتعلمون العلوم ويأخذونها عن الإنس وإن لم يشعروا بهم وكذا رواية الحديث.
تنبيه: قد تحصل مما ذكرنا سابقًا ولاحقًا جواز رؤية الجن بعد التشكل لكل أحد، وكذا بدون تشكل لمن شاء الله تعالى من عباده فضلًا عن حضورهم في مجالس الذكر وسماع أصواتهم" اهـ.
وقال الشيخ حسن أيوب:
(وذكر صاحب كتاب "آكام المرجان" حكاية عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁:
_________________
(١) الأعراف: ٢٧.
[ ٢ / ٧٦٠ ]
هي أن المتوكل أنفذ إليه صاحبًا له يعلمه أن جارية بها صرع وسأله أن يدعو الله لها بالعافية. فأخرج له أحمد نعلي خشب بشراك - أي رباط - من خوص للوضوء فدفعه إلى صاحب له وقال له: تمضي إلى دار أمير المؤمنين، وتجلس عند رأس هذه الجارية وتقول له (يعني الجني) قال لك أحمد: أيُّما أحبُّ إليك، تخرج من هذه الجارية، أو تصفع هذه النعل سبعين؟ فمضى إليه وقال له مثل ما قال له الإمام أحمد. فقال المارد على لسان الجارية: السمع والطاعة. لو أمرنا أحمد ألا نقيم بالعراق ما أقمنا به. إنه أطاع الله، ومن أطاع الله أطاعه كل شيء. وخرج من الجارية. وهدأت ورزقت أولادًا) ا. هـ. (الإيمان بالرسل والكتب واليوم الآخر).
وذكر الشيخ أبو بكر جابر الجزائري في كتابه: (عقيدة المؤمن) حادثة وقعت في بيت أهله، قال:
إنه كان لي أخت أكبر مني تدعى (سعدية) وكنا يوما ونحن صغار نطلع عراجين التمر من أسفل البيت إلى سطحه بواسطة حبل يربط به القنو (العرجون) ونسحبه إلى السطح ونحن فوقه، فحصل أن أختي سعدية جرت الحبل، فضعفت عنه، فغلبها فوقعت على الأرض على أحد الجنون (١)، فكأنها بوقوعها عليه آذته أذًى شديدًا، فانتقم منها فكان يأتيها عند نومها في كل أسبوع مرتين أو ثلاثًا، أو أكثر فيخنقها، فترفس المسكينة برجليها، وتضطرب كالشاة المذبوحة ولا يتركها إلا بعد أن تصبح أشبه بميتة، ونطق مرةً على لسانها مصرحًا بأنه يفعل بها هذا لأنها آذته يوم كذا في مكان كذا .. ومازال يأتيها ويعذبها بصرعة تأتيها عند النوم فقط حتى قتلها بعد نحو عشر سنوات من العذاب الذي لا يطاق، فصرعها ليلة على عادته فما زالت ترفس برجليها وتضطرب حتى ماتت، غفر الله لها، ورحمها .. آمين.
هذه الحادثة عشتها، وبعيني رأيتها، وما راءٍ كمن سمع!!!) ا. هـ.
_________________
(١) يعني واحدًا من الجن.
[ ٢ / ٧٦١ ]
الوصل الأول
في:
ظاهرة ابن صياد
وفيه:
مقدمة ونقول ونصوص
[ ٢ / ٧٦٣ ]
المقدمة
إنما ذكرنا هذا الفصل هنا لارتباطه بصلة الشيطان بالإنسان، فابن صياد رجل يهودي الأصل ثم أسلم بعد ذلك في الظاهر، وكان تجري على لسانه كلمات كفرية، وكانت له صلة بعالم الجن، فهو يمثل ظاهرة الوحي الشيطاني للإنسان، وقد اشتبه أمره على بعض الصحابة حتى ظنوه المسيح الدجال وليس هو يقينًا لكنه يشبهه وكان أمره ملتبسًا، ولأن هذا اللبس لا يترتب عليه عمل ولا خطر ولا خطأ، فإن رسول الله ﷺ أبقى هذا الاحتمال مفتوحًا لحكمة يعلمها هو ﵊، ونتوقع أن رسول الله ﷺ أراد بذلك أن يفتح لأمته باب الاجتهاد في فهم الأخبار المستقبلية التي أخبر عنها أنها كائنة بعده إذا وجد المجتهد ما يدعوه لذلك الاجتهاد، وكان النص أو الأمر يحتمل ذلك.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (١). وإيحاء الشياطين يظهر بمظاهر شتى منها الوسوسة التي يوسوس القرين - إلا من عصم الله - وهذه يحس بها أهل القلوب وأكثر الخلق عنها غافلون، وإن كان الإنسان لا يخلو عن شعور باطني بدوافع داخلية شريرة، ولذلك تكلم بعض علماء النفس عن أنواع من الدوافع الغريبة التي تلح عليها هذه الدوافع، وقد يأخذ إيحاء الشياطين مظهرًا أكثر انكشافًا لدى صاحبه، وظاهرة ابن صياد تمثل هذا الوضع.
وقد رأينا في البحث السابق أن الجن يمكن أن يتلبسوا جسم الإنسان فيتكلموا على لسانه وهي ظاهرة مرئية مشاهدة، كما رأينا كيف أن بعض الإنس يكون لهم اتصال بعالم الجن، وظاهرة ابن صياد تدخل في هذا الموضوع فهو على اتصال بعالم الشياطين من عالم الجن.
يظهر اضطراب بعض أهل التحقيق في تفسير هذه الظاهرة، وهل ابن صياد هو الدجال الذي يظهر في آخر الزمان أو هو دجال من الدجاجلة؟ والذي نجزم به قطعًا أنه دجال من الدجاجلة أبقى الرسول ﷺ الباب مفتوحًا للتعليل والتحليل في شأنه، فهو ظاهرة مهمة تظهر في الحياة البشرية بأجزاء من هذه الظاهرة أو بها كلها.
وهاك تحقيقًا للإمام النووي حول ابن صياد ننقله من شرحه على صحيح مسلم:
_________________
(١) الأنعام: ١٢١.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
النقول
قال الإمام النووي ﵀:
يقال له ابن صياد وابن صائد وسمي بهما في هذه الأحاديث واسمه صاف، قال العلماء: وقصته مشكلة وأمره مشتبه في أنه: هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره؟ ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة. قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره وإنما أوحي إليه بصفات الدجال وكان في ابن صياد قرائن محتملة فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره ولهذا قال لعمر ﵁: (إن يكن هو فلن تستطيع قتله) وأما احتجاجه هو بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد له هو، وأن لا يدخل مكة والمدينة وأن ابن صياد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة فلا دلالة له فيه؛ لأن النبي ﷺ إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض. ومن اشتباه قصته وكونه أحد الدجاجلة الكذابين: قوله للنبي ﷺ: (أتشهد أني رسول الله)، ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشًا فوق الماء، وأنه لا يكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف موضعه، وقوله: إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن وانتفاخه حتى ملأ السكة، وأما إظهاره الإسلام وحجه وجهاده وإقلاعه عما كان عليه فليس بصريح في أنه غير الدجال. قال الخطابي: واختلف السلف في أمره بعد كبره فروى عنه أنه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس وقيل لهم اشهدوا قال: وكان ابن عمر وجابر فيما روى يحلفان أن ابن صياد هو الدجال لا يشكان فيه فقيل لجابر: إنه أسلم فقال: وإن أسلم. فقيل: إنه دخل مكة وكان في المدينة، فقال: وإن دخل. وروى أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن جابرٍ قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة. وهذا يعطل رواية من روى أنه مات بالمدينة وصلى عليه. وقد روى مسلم أن جابر بن عبد الله حلف بالله تعالى أن ابن صياد هو الدجال وأنه سمع عمر ﵁ يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكره النبي ﷺ. وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يقول: والله، ما أشك أن ابن صياد هو المسيح الدجال. قال البيهقي في كتابه (البعث والنشور): اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافًا كثيرًا هل هو
[ ٢ / ٧٦٦ ]
الدجال؟ قال: ومن ذهب إلى أنه غيره احتج بحديث تميم الداري في قصة الجساسة قال: ويجوز أن توافق صفة ابن صياد صفة الدجال كما ثبت في الصحيح أن أشبه الناس بالدجال عبد العزى بن قطن. وليس كما قال وكان أمر ابن صياد فتنة ابتلى الله تعالى بها عباده فعصم الله تعالى منها المسلمين ووقاهم شرها. قال: وليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ لقول عمر فيحتمل أنه ﷺ كان كالمتوقف في أمره ثم جاءه البيان أنه غيره كما صرح به في حديث تميم. هذا كلام البيهقي، وقد اختار أنه غيره وقد قدمنا أنه صح عن عمر وعن ابن عمر وجابر ﵃ أنه الدجال والله أعلم. فإن قيل: كيف لم يقتله النبي ﷺ مع أنه ادعى بحصرته النبوة؟ فالجواب من وجهين ذكرهما البيهقي وغيره، أحدهما: أنه كان غير بالغ، واختار القاضي عياض هذا الجواب، والثاني: أنه كان في أيام مهادنة اليهود وحلفائهم، وجزم الخطابي في معالم السنن بهذا الجواب الثاني، قال: لأن النبي ﷺ بعد قدومه المدينة كتب بينه وبين اليهود كتاب صلح على أن لا يهاجوا ويتركوا على أمرهم وكان ابن صياد منهم أو دخيلًا فيهم. قال الخطابي: وأما امتحان النبي ﷺ بما خبأه له من آية الدخان فلأنه كان يبلغه ما يدعيه من الكهانة ويتعاطاه من الكلام في الغيب فامتحنه ليعلم حقيقة حاله ويظهر إبطال حاله للصحابة وأنه كاهن ساحر يأتيه الشيطان فيلقي على لسانه ما يلقيه الشياطين إلى الكهنة فامتحنه بإضمار قول الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (١) وقال: (خبأت لك خبيئًا) فقال: هو الدخ أي الدخان وهي لغة فيه فقال له النبي ﷺ: (اخسأ فلن تعدو قدرك) أي لا تجاوز قدرك وقدر أمثالك من الكهان الذين يحفظون من إلقاء الشيطان كلمة واحدة من جملة كثيرة بخلاف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فإنهم يوحي الله تعالى إليهم من علم الغيب ما يوحي فيكون واضحًا كاملًا، وبخلاف ما يلهمه الله الأولياء من الكرامات والله أعلم. ا. هـ.
* * *
_________________
(١) الدخان: ١٠.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
النصوص النبوية في ابن صياد
٧٩٩ - * روى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: إن عمر ابن الخطاب انطلق مع رسول الله ﷺ في رهطٍ من أصحابه قبل ابن صياد، حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده، ثم قال رسول الله ﷺ لابن صياد: (أتشهد أني رسول الله)؟ فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صياد لرسول الله ﷺ: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه رسول الله ﷺ، وقال: (آمنت بالله وبرسله). ثم قال له رسول الله ﷺ: (ماذا ترى)؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. فقال له رسول الله ﷺ: (خلط عليك الأمر). ثم قال له رسول الله ﷺ: (إني قد خبأت لك خبيئًا). فقال ابن صياد: هو الدخ. فقال له رسول الله ﷺ: (اخسأ فلن تعدو قدرك) فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال له رسول الله ﷺ: (إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه، فلا خير لك في قتله).
وقال سالم: سمعت ابن عمر يقول: انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبي بن كعب الأنصارى إلى النخل التي فيها ابن صياد، حتى إذا دخل رسول الله ﷺ النخل طفق يتقي بجذوع النخل، وهو يختل أن يسمع من ابن صيادٍ شيئًا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشٍ في قطيفة له فيها رمرمة أو زمزمة، فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف - وهو اسم ابن صياد - هذا محمد، فثار ابن صياد، فقال رسول الله ﷺ: (لو تركته بين).
قال سالم: قال عبد الله بن عمر: فقام رسول الله ﷺ في الناس، فأثنى على الله بما هو له أهلٌ، ثم ذكر الدجال، فقال: (إني لأنذركموه، ما من نبيٍّ إلا قد أنذره قومه،
_________________
(١) البخاري (١٠/ ٥٦٠، ٥٦١) ٧٨ - كتاب الأدب، ٩٧ - باب قول الرجل للرجل: اخسأ. مسلم (٤/ ٢٢٤٤، ٢٢٤٥) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٩ - باب ذكر ابن صياد. (يختل): الختل: الأخذ عن طريق خفي.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
لقد أنذره نوحٌ قومه، ولكن أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه: تعلموا أنه أعور، وإن الله ﵎ ليس بأعور).
وزاد مسلم (١): قال ابن شهاب: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصارى: أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله ﷺ قال - يوم حذر الناس الدجال -: (إنه مكتوب بين عينه كافرٌ، يقرؤه كل من كره عمله أو - يقرؤه كل مؤمن) - وقال: (تعلموا أنه لن يرى أحدٌ منكم ربه حتى يموت).
وفي رواية الترمذي (٢)، أن رسول الله ﷺ مر بابن صياد في نفرٍ من أصحابه - منهم: عمر بن الخطاب - وهو يلعب مع الغلمان، عند أطم بني مغالة - وهو غلامٌ - فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده .. وذكر الحديث إلى قوله: (خلط عليك الأمر). وقال ثم قال رسول الله ﷺ: (إني قد خبأت خبيئًا). وخبأ له ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] فقال ابن صياد: هو الدخ. فقال رسول الله ﷺ: (اخسأ، فلن تعدو قدرك). قال عمر: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه. فقال رسول الله ﷺ: (إن يك حقًا فلن تسلط عليه، وإن لا يك، فلا خير لك في قتله).
وفي رواية لأبي داود (٣): زاد بعد قوله: (فلن تسلط عليه). قال: يعني الدجال.
٨٠٠ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال لابن صياد: (ما ترى)؟ قال: أرى عرشًا على البحر وحوله الحيتان. قال رسول الله ﷺ: (ترى عرش إبليس).
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٢٤٥)، في الموضع السابق.
(٢) الترمذي (٤/ ٥١٩) ٢٤ - كتاب الفتن، ٦٣ - باب ما جاء في ذكر ابن صائد.
(٣) أبو داود (٤/ ١٢٠) كتاب الملاحم، باب في خبر ابن صائد. (الأطم): البناء المرتفع. (اخسأ): خسأت الكلب: إذا طردته.
(٤) مسند أحمد (٣/ ٦٦، ٩٧، ٣٨٨). مجمع الزوئد (٨/ ٤). وقال: رواه أحمد، وفيه علي بن زيد وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
٨٠١ - * روى البخاري ومسلم عن محمد بن المنكدر، قال: رأيت جابر بن عبد الله ﵄ يحلف بالله: أن ابن صياد الدجال، قال: قلت أتحلف بالله؟ قال: فإني سمعت عمر يحلف بالله على ذلك عند رسول الله ﷺ، فلا ينكره.
وفي رواية لأبي داود بسند حسن (١): أنه قيل لجابر ﵁:
إنه أسلم. فقال: وإن أسلم. فقيل: إنه دخل مكة وكان بالمدينة. فقال: وإن دخل مكة.
٨٠٢ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال رسول الله ﷺ لابن صياد: (ما تربة الجنة)؟ قال: درمكةٌ بيضاء مسك يا أبا القاسم. قال: (صدقت).
وفي رواية (٢): أن ابن صياد سأل النبي ﷺ عن تربة الجنة؟ فقال: (درمكةٌ بيضاء مسك خالصٌ).
والجمع بين الروايتين بأن رسول الله ﷺ أخبره ابتداءً ثم امتحنه بالسؤال ليعرف مدى حافظته.
ونقل القاضي عياض: إن بعض أهل النظر قالوا: الرواية الثانية أظهر.
٨٠٣ - * روى مسلم عن نافع - مولى عبد الله بن عمر - ﵄، قال: لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة، فقال له قولًا أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة،
_________________
(١) البخاري (١٣/ ٣٢٣) ٩٦ - كتاب الاعتصام، ٢٣ - باب من رأى ترك النكير من النبي ﷺ حجةٌ مسلم (٤/ ٢٢٤٣) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٩ - باب ذكر ابن صياد. وأبو داود (٤/ ١٢١) كتاب الملاحم، باب في خبر الجساسة.
(٢) أبو داود (٤/ ١١٩، ١٢٠) كتاب الملاحم، باب في خبر الجساسة.
(٣) مسلم (٤/ ٢٢٤٣) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٩ - باب ذكر ابن صياد.
(٤) مسلم (٤/ ٢٢٤٣) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٩ - باب ذكر ابن صياد. (درمكة بيضاء مسك): معناه أنها في البياض درمكة وفي الطيب مسك، والدرمك هو الدقيق الحواري الخالص البياض.
(٥) مسلم: (٤/ ٢٢٤٦) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٩ - باب ذكر ابن صياد.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
فدخل ابن عمر على حفصة - وقد بلغها - فقالت له: رحمك الله، ما أردت من ابن صياد؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: (إنما يخرج [أي الدجال] من غضبة يغضبها؟).
وفي رواية (١): كان نافعٌ يقول: ابن صياد قال: قال ابن عمر: لقيته مرتين، فلقيته مع قومه، فقلت لبعضهم: هل تحدثون أنه هو؟ قالوا: لا والله. قال: قلت: كذبتموني، والله لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالًا وولدًا، وكذلك هو زعموا اليوم، قال: فتحدثنا، ثم فارقته. قال: فلقيته لقية أخرى، وقد نفرت عينه. قال: فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري. قلت: لا تدري وهي في رأسك؟ قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه. قال: فنخر كأشد نخير حمار سمعت.
قال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصًا كانت معي حتى تكسرت، وأما أنا: فوالله ما شعرت. قالوا: وجاء حتى دخل على أم المؤمنين، فحدثها، فقالت: ما تريد إليه؟ ألم تعلم أنه قد قال: (إن أول ما يبعثه على الناس غضبةٌ يغضبها؟).
٨٠٤ - * روى أبو داود، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة.
٨٠٥ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: صحبت ابن صياد إلى مكة، فقال لي: أما قد لقيت من الناس، يزعمون أني الدجال؟ ألست سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه لا يولد له)؟ قال: قلت: بلى. قال: فقد ولد لي، أوليس سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يدخل المدينة ولا مكة)؟ قال: قلت: بلى. قال: فقد ولدت بالمدينة، وها أنا ذا أريد مكة. ثم قال في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه، وأين هو. قال فلبسني.
_________________
(١) = مسلم (٤/ ٢٢٤٦، ٢٢٤٧) في الموضع السابق.
(٢) أبو داود (٤/ ١٢١) كتاب الملاحم، باب في خبر ابن صياد. وإسناده صحيح. وصحح الحافظ في الفتح إسناده وقال: وهذا يضعف ما تقدم أنه مات بالمدينة، وأنهم صلوا عليه وكشفوا عم وجهه.
(٣) مسلم (٤/ ٢٢٤١، ٢٢٤٢) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٩ - باب ذكر ابن صياد.
[ ٢ / ٧٧١ ]
وفي رواية (١): قال: قال لي ابن صائد - وأخذتني منه ذمامة - هذا عذرت الناس، مالي ولكم يا أصحاب محمد؟ ألم يقل نبي الله: (إنه يهودي). وقد أسلمت. وقال: (لا يولد له). وقد ولد لي. وقال: (إن الله حرم عليه مكة). وقد حججت؟
قال: فما زال حتى كاد أن يأخذ في قوله. قال: فقال له: أما والله إني لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمه. قال: وقيل له: أيسرك أنك ذاك الرجل؟ قال: فقال: لو عرض على ما كرهت.
وفي رواية (٢) قال: خرجنا حجاجًا - أو عمارًا - ومعنا ابن صائد، قال: فنزلنا منزلًا، فتفرق الناس، وبقيت أنا وهو، فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه، قال: وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي، فقلت: إن الحر شديدٌ، فلو وضعته تحت تلك الشجرة؟ قال: ففعل. قال: فرفعت لنا غنم فانطلق فجاء بعس، فقال: اشرب أبا سعيد. فقلت: إن الحر شديدٌ، واللبن حارٌّ، ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده - أو قال: آخذ عن يده - فقال: أبا سعيد، لقد هممت أن آخذ حبلًا فأعلقه بشجرة ثم أختنق مما يقول لي الناس، يا أبا سعيد، من خفي عليه حديث رسول الله ﷺ ما خفي عليكم معشر الأنصار، ألست من أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ؟ أليس قد قال رسول الله ﷺ: (هو كافر)؟ وأنا مسلم. أو ليس قد قال رسول الله ﷺ: (هو عقيم لا يولد له ولد). وقد تركت ولدي بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول الله ﷺ: (لا يدخل المدينة ولا مكة). وقد أقبلت من المدينة، وأنا أريد مكة؟ قال أبو سعيد: حتى كدت أن أعذره، ثم قال: أما والله إني لأعرفه، وأعرف مولده، وأين هو الآن؟ قال: قلت له: تبًّا لك سائر اليوم.
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٢٤٢) في الموضع السابق. (ذمامة): الذمامة، بالذال المعجمة: الحياء والإشفاق من الذم، والمذمة: العار، وبالدال المهملة: قبح الوجه، والمراد الأول.
(٢) مسلم (٤/ ٢٢٤٢، ٢٢٤٣) في الموضع السابق. (العس): قدح ضخم يشرب فيه. (التب): الخسار والهلاك.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
٨٠٦ - * وروى الترمذي الرواية الآخرة إلى قوله: وقد تركت ولدي بالمدينة. وقال: ألم يقل رسول الله ﷺ: (إنه لا تحل له مكة)؟ ألست من أهل المدينة، وهو ذا أنطلق معك إلى مكة؟ قال: فوالله ما زال يجيء بهذا، حتى قلت: فلعله مكذوبٌ عليه. ثم قال: يا أبا سعيد، والله لأخبرنك خبرًا حقًّا، والله إني لأعرفه، وأعرف والده، وأين هو الساعة (أي: الآن) من الأرض؟ فقلت له: تبًّا لك سائر اليوم.
٨٠٧ - * روى أبو داود عن نافع - مولى عبد الله بن عمر - أن ابن عمر ﵄ كان يقول: والله ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد.
٨٠٨ - * وروى أحمد عن أبي ذرٍّ، أنه كان يقول - في ابن صياد - هو الدجال. وقال: قالت أمه: حملته اثنى عشر شهرًا، فلما وقع، صاح صياح ابن شهرين، وكان يشب في اليوم الواحد شباب الصبي لشهرٍ.
روى الطبراني (٤) عن أبي ذر؛ لأن أحلف عشر مراتٍ أن ابن صائد هو الدجال أحب إلى من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به.
أقول: وعلى الفرض أن ابن صياد هو الدجال، فهذه الفترة التي قضاها تمثل ظاهرة لها صلة بالجن والشياطين، لأنها فترة ما قبل خروجه. وإنما جزمت بأن ابن صياد غير الدجال لحديث تميم الداري الذي أقول: وعلى الفرض أن ابن صياد هو الدجال، فهذه الفترة التي قضاها تمثل ظاهرة لها صلة بالجن والشياطين، لأنها فترة ما قبل خروجه. وإنما جزمت بأن ابن صياد غير الدجال لحديث تميم الداري الذي سيمر معنا والذي فيه أنه رأى الدجال في جزيرة من الجزر، فكيف يجتمع ذلك مع أن ابن صياد الدجال، خاصة وقد أقر الرسول ﷺ تميمًا الداري على رؤيته؟.
_________________
(١) الترمذي (٤/ ٥١٦، ٥١٧) ٣٤ - كتاب الفتن، ٦٣ - باب ما جاء في ذكر ابن صائد.
(٢) أبو داود (٤/ ١٢٠) كتاب الملاحم، باب في خبر ابن صائد. وإسناده صحيح.
(٣) مسند أحمد (٥/ ١٤٨). وسنده حسن.
(٤) المعجم الكبير (١٠/ ١٣٤). مجمع الزوائد (٨/ ٤) وقال: إسناده حسن. وصححه الحافظ في الفتح. وقال: ومن حديث ابن مسعود نحوه لكن قال: سبعًا. بدل: عشر مرات.
[ ٢ / ٧٧٣ ]
قال ابن كثير في النهاية:
(قال بعض العلماء: إن ابن صياد كان بعض الصحابة يظنه الدجال وهو ليس به إنما كان رجلًا صغيرًا).
(وقد كان ابن صياد من يهود المدينة ولقبه عبد الله ويقال صاف وقد جاء هذا وهذا وقد يكون أصل اسمه صاف ثم تسمى لما أسلم بابن عبد الله وقد كان ابنه عمارة بن عبد الله من سادات التابعين وروى عنه مالك وغيره وقد قدمنا أن الصحيح أن الدجال غير ابن صياد وأن ابن صياد كان دجالا من الدجاجلة ثم تاب بعد ذلك فأظهر الإسلام والله أعلم بضميره وسيرته).
(والأحاديث الواردة في ابن صياد كثيرة، وفي بعضها التوقف في أمره هل هو الدجال أو لا؟ فالله أعلم ويحتمل أن يكون هذا قبل أن يوحى إلى رسول الله ﷺ في شأن الدجال وتعيينه، وقد تقدم حديث تميم الداري في ذلك وهو فاصل في هذا المقام).
[وقال:] (وسنورد من الأحاديث ما يدل على أنه ليس بابن صياد والله تعالى أعلم وأحكم).
(والمقصود أن ابن صياد ليس بالدجال الذي يخرج في آخر الزمان قطعًا وذلك لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية فإنه فيصل في هذا المقام والله أعلم) ا. هـ. من النهاية.
* * *
[ ٢ / ٧٧٤ ]
الوصل الثاني
في:
تحضير الأرواح
[ ٢ / ٧٧٥ ]
أخذت ظاهرة تحضير الأرواح حيزًا كبيرًا من تفكير الناس في عصرنا وفي القرن الماضي وذلك أن الناس أرادوا أن يتعلقوا بشيء غيبي بعد أن وصلت موجة الدعوة المادية إلى ذروتها وموجة التشكيك إلى غايتها، ولو أن الناس عرفوا حقيقة النبوة والرسالة وعرفوا القرآن والسنة وما فيهما من معجزات وعرفوا الولاية لأهل الولاية لما احتاجوا إلى التمسك بالظنيات والوهميات ولكن وضع العصر وما جرى فيه جعل الكثيرين يهتمون بالظواهر التي تدحض فرية المادية ومن ههنا أقبلوا على تتبع ظاهرة التلباثي وظاهرة التنويم المغناطيسي وظاهرة الأحلام وظاهرة تحضير الأرواح، وكلها ظواهر تثبت أن في الإنسان وفي الكون خفايا غيبية وإن اختلفت في الناس منازع التحليل والتعليل. والذين تحدثوا عن ظاهرة تحضير الأرواح اختلفوا فمنهم: من نفاها كلية واعتبروها شعوذة وكذبًا، ومنهم: من أثبتها وأخذ يتلقى عنها وكأنها وحي معصوم، وهؤلاء وهؤلاء أفرطوا فمن أعطى العصمة في أمر الغيب لغير الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فقد كفر، ومن اعتبر أن هناك جهة يتلقى عنها تشريعًا غير الوحي وما بني عليه باجتهاد من أهله فقد كفر. والظاهر أن مجموع ما يجري في حوادث تحضير الأرواح يثبت أن هناك شيئًا غير عادي يحدث فما هو التعليل الصحيح؟.
يذهب الشيخ حسن أيوب في رسالته: (مع رسل الله وكتبه واليوم الآخر) أن كل ما يظهر من ظواهر في عمليات تحضير الأرواح يمكن أن تعلل بأنها من آثار عمل الجن والشياطين وينفي إمكانية أن تكون روح من أرواح الإنس يمكن أن يكون لها علاقة بهذا الشأن، والذي ذهب إليه هو الذي ترتاح له النفس ويطمئن القلب، ومن كلامه:
(يمكن للجني أن يقلد أية شخصية حية أو ميتة بعد موتها، لأن أعمار الجن تصل أحيانًا إلى مئات السنين، كما ثبت ذلك في بعض الأحاديث والآثار، كما أن تكليم الجني للإنسان على لسان إنسان آخر أمر ثابت وتحريك الجني لقلم يكتب، أو سلسلة ترسم بوساطة قلم، أو لأثاث حجرة ليكسر أو لغير ذلك مما نسمع عنه أمر ممكن وواقع فيما مضى ويقع الآن كثيرًا، والمتتبع لهذا الأمر يجد الغرائب التي لا شك فيها) ا. هـ.
ومن كلام الشيخ سعيد رمضان البوطي في كبرى اليقينيات عن تحضير الأرواح:
[ ٢ / ٧٧٧ ]
(وكما أن في الناس أشرارًا دأبهم الكذب والتلاعب بعقول الناس، فإن في الجن أيضًا كذلك، فمن أين لك أن الذي يناجيك أو يكتب لك جواب أسئلتك من قاع السلة، ليس شيطانًا مريدًا جاء ليلبس عليك دينك ويلهو بمخادعتك ويلتذ بالكذب عليك؟ أو لم تقرأ أن أكثر أسباب الحاقة في المنحرفين أو المجانين الذين ادعوا أنهم أنبياء أو عظماء إنما هو هواجس من هؤلاء الشياطين، إذ هتفوا في أعماق أفئدتهم أو على طبلة آذانهم أنهم أحباء الله وعظماؤه .. وأن الله قد أكرمهم بإسقاط تكاليفه عنهم، فربا الغرور في أوداجهم وثقلت رؤوسهم الفارغة بالخديعة وراحت تهتز منهم الأعطاف). اهـ.
* * *
[ ٢ / ٧٧٨ ]
الفصل السادس
في:
الإيمان بالكتب
وفيه:
مقدمة ووصل
[ ٢ / ٧٧٩ ]
المقدمة
- الإيمان بالكتب التي أنزلها الله ﷿ هو الركن الثالث من أركان الإيمان، والكتب التي أنزلها الله ﷿ غير محصورة بعدد معروف، لكن القرآن الكريم نص على أربعة منها، ونص على صحف إبراهم وموسى، فكا أن الرسل عليهم الصلاة والسلام غير محصورين بعدد على القول الراجح، لكنه - أي القرآن - حدثنا عن خمسة وعشرين منهم تفصيلًا فكذلك الكتب، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (١).
قال الفخر الرازي عند هذه الآية نقلًا عن القاضي: (ظاهر الآية يدل على أنه لا نبي إلا معه كتاب منزل فيه بيان الحق طال ذلك الكتاب أم قصر، ودون ذلك الكتاب أم لم يدون، وكان ذلك الكتاب معجزًا أم لم يكن، كذلك لأن كون الكتاب منزلًا معهم لا يقتضي شيئًا من ذلك). ا. هـ.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ - أي بالمعجزات على القول الراجح - ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٢). وأخبرنا ﷻ عن المسيح ﵇: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٣)، فسر بعض العلماء الكتاب في الآية الأخيرة بالكتابة والخط واحتل لها تفسيرًا آخر أنه المفروض؛ أخذًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٤): أي فريضة مؤقتة بوقت، فالكتاب يأتي بمعنى المكتوب وهو المفروض، والحكمة معناها وضع الأمور في مواضعها، فقد آق الله ﷿ المسيح علم المفروضات على العباد، وأوتي الحكمة في الأقوال والأفعال، وأوتي التوراة حفظًا وفهمًا، وأنزل عليه الإنجيل كتابًا متميزًا.
والرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم يعرفون فرائض الله بتعريف الله إياهم،
_________________
(١) البقرة: ٢١٣.
(٢) الحديد: ٢٥.
(٣) المائدة: ١١٠.
(٤) النساء: ١٠٣.
[ ٢ / ٧٨١ ]
وكذلك كتابهم سواء دون أو لم يُدوّن، كبيرًا كان أو صغيرًا، تقل إلى الناس باللفظ والمعنى أو بالمعنى دون اللفظ.
لكن القرآن خص بالذكر التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وصحف إبراهم وموسى؛ فهذه لفظها ومعناها من الله ﷿، وخص القرآن من بينها بأنه معجز، كما خص بخصائص أخرى، منها أن الله تولى حفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١). وقامت هذه الأمة بتوفيق الله لها بحفظ كتابها، بينما كلف أهل الكتب الأخرى بأن يتولوا حفظها فلم يقوموا بحق الله ﷿: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (٢).
- والظاهر أن الأسفار الخمسة الأولى من أسفار العهد القديم - وهي تعتبر عند اليهود التوراة - قد اختلطت فيها صحف موسى مع التوراة مع السيرة الذاتية لموسى ﵇ مع قومه ومع فرعون، وهذا واضح من أدنى قراءة لهذه الأسفار، هذا مع التبديل والتحريف والزيادة والنقص مما تدل عليه أدلة كثيرة، وفي كتابنا الرسول ﷺ، وفي تفسيرنا برهنا على ذلك من خلال نصوص هذه الأسفار، ويكفينا ما شهد به القرآن عنهم: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (٣)، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ (٤)، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٥) وهناك شيء آخر غير التوراة أنزل بمناسبات أخرى.
- والظاهر أن الأناجيل الحالية قد أختلط فيها كذلك ما هو من الإنجيل وما هو سيرة ذاتية للمسيح ﵊ مع التحريف والتبديل، فالأناجيل المعتمدة عند نصارى اليوم مكتوبة بأقلام مدرسة بولس الذي حرف دين المسيح، وهناك أناجيل أخرى لم تُعقد واندرست، وكل ما وصلنا مما يسمى إنجيلًا نجده وكأنه سيرة ذاتية للمسيح ﵊ فيه مقاطع؛ نحس بأنه بالإمكان أن تكون من الإنجيل، ولكنا لا نستطيع الجزم.
_________________
(١) الحجر: ٩.
(٢) المائدة: ٤٤.
(٣) النساء: ٤٦.
(٤) المائدة: ٤١.
(٥) البقرة: ٧٩.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
- والظاهر أن الزبور الحالي قد اختلط فيه ما هو وحي رباني هو إنشاد لداود بما هو قصائد أخرى قالها غير داود، يظهر ذلك بأدنى تأمل، فهنا مزامير لا تذكر نسبتها وهناك مزامير تذكر أن داود قالها بمناسبات، وهناك مزامير أخرى تنسب لقائليها.
- والراجح أن هناك بقية من صحف موسى في الأسفار الخمسة مخلوطة بغيرها.
ومن ههنا نعرف ﵀ ﷿ إذ خص محمدًا ﷺ بكتابه الحاكم والمهيمن والمعجز والمحفوظ لتفيء البشرية إليه، ويكون حجة على المكلفين، وجعل فيه من الخصائص مالا يحاط به.
وتوجد عند أمم كثيرة غير اليهود والنصارى أسفار دينية قد تكون بعض أصولها مروية عن الأنبياء، ولكن ذلك لا نستطيع الجزم به، وإن كنا نجزم أنه ما من أمة إلا وقد أرسل لها من يلفها دعوة الله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١). وهؤلاء الرسل جميعًا بعثوا بتبيان المفروض على الناس، وتعليم الحكمة في التعامل مع الخالق والخلوق، وبعثوا بتزكية الأنفس: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ (٢)، ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ (٣).
وهذا كله يتم عبر تبليغ الوحي؛ سواء أشبه هذا الوحي الأحاديث القدسية في شريعتنا، أو أشبه السنة النبوية ثم سجله الناس عن أنبيائهم وحرفوه فيا بعد، ويحتمل أن يكون الله ﷿ قد أنزل كتبًا أخرى غير الذي ذكره لنا؛ فقد قال الله ﷿: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ (٤)، قال الفخر الرازي: (وللوحي خصائص وللكتب السماوية خصائص وسمات وخص القرآن بمزيد من هذه الخصائص والسمات)، وقد ذكرت في القرآن الكريم خصائصه وصفاته فهو: محكم، مثاني، حق، عدل، مفصل، يفرق بين الحق والباطل، يبين كل شيء يحتاجه المكلف في أمر دنياه وأخراه وفيه الهداية والرحمة، وآياته على نوعين: محكمة ومتشابهة، وفيه عرض لآيات الله في الكون والنفس، وفيه علم الساعة، وهو أعلى كتاب، وأحكم كتاب، وفيه الإنذار
_________________
(١) فاطر: ٢٤.
(٢) النازعات: ١٨، ١٩.
(٣) البقرة: ١٢٩.
(٤) البقرة: ٢١٣.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
والتبشير، وهو الحكم الفصل لكل ما أختلف فيه الناس، وهو شفاء لما في الصدور من أمراض وشكوك وأسئلة وحَيْرةٍ، وهذا وغيره تجده في القرآن الكريم مما وصف الله ﷿ كتابه، كما سنرى ذلك.
وكلمة الإنجيل تعني البشارة، والنصوص القرآنية تذكر أن عيسى ﵇ جاء مبشرًا برسول اسمه أحمد، وقد وصف الله ﷿ رسالة عيسى بصفات تنطبق ضرورة على الإنجيل، كما وصف الإنجيل بصفات، ومن خلال ذلك تتحدد معالم الإنجيل: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (١)، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢)، ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٣).
وأما الزبور فلم يأت له وصف قرآني ولكن اسمه يوحي بأنه أقرب إلى الأنشودة والتذكير، قال ﷺ: (لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود) (٤). والمراد بالمزمار هنا: الصوت الحسن.
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٥).
والمزامير الموجودة الآن في العهد القديم منها ما هو منسوب لداود ومنها ما هو منسوب لغيره، ويظهر من قراءتها وكأن بعضها عليه طابع الوحي، وبعضها نشيد لداود، نفسه وبعضها نشيد لغيره، والله أعلم.
_________________
(١) الصف: ٦.
(٢) المائدة: ٤٦.
(٣) آل عمران: ٤٩.
(٤) البخاري (٩/ ٩٢) - ٦٦ - كتاب فضائل القرآن - ٣١ - باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن. ومسلم (١/ ٥٤٦) - ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - ٣٤ - باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن. والترمذي (٥/ ٦٩٣) - ٥٠ - كتاب المناقب - ٥٦ - باب في مناقب أبي موسى الأشعري ﵁. وقال: هذا حديث غريب. والنسائي: (٢/ ١٨٠) - ١١ - كتاب الافتتاح - ٨٣ - باب تزيين القرآن بالصوت.
(٥) الأنبياء: ١٠٥.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
وأما التوراة فقد وصفت في القرآن بأوصاف جامعة:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ (١)، ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ (٢).
وأما صحف إبراهم وموسى فقد ذكر بعض ما فيها بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (٣).
وقد وردت إشارة إلى بعض ما في صحف إبراهيم بقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٤).
ولم تصلنا كل أخبار الرسل السابقين وما أنزل عليهم وما بلغوه أقوامهم إلا ما جاء في القرآن والسنة، أما ما سوى ذلك فالأدلة الواضحات والتحقيقات القاطعات تشهد على التحريف والتبديل، ومن ههنا تكفل الله ﷿ بحفظ القرآن الكريم ليبقى الحجة القطعية على الخلق في كل ما بعث به الرسل عليهم الصلاة والسلام، فقد تضمن ذلك كله الآيات والمفروض والحكمة وتزكية النفس وزاد على ذلك، وقد جعله الله معجزًا لتقوم به الحجة على الخلق جيعًا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٥).
وقد جاء بالأحكام التي تسع الزمان والمكان وخفف فيه عن المكلفين ما شدد على أمم سابقة عقوبة لهم: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٦).
* * *
_________________
(١) المائدة: ٤٤.
(٢) الأعراف: ١٤٥.
(٣) الأعلى: ١٤ - ١٩.
(٤) النجم: ٣٧، ٣٨.
(٥) المائدة: ٤٨.
(٦) الأعراف: ١٥٧.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
والإيمان بالقرآن يدخل فيه الإيمان بحروفه وقراءاته ومضمونه، ويدخل فيه الإيمان بالسنة شارحة الكتاب: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
- وأسهل طريقة لنتعرف على خصائص القرآن أن نعرف ما وصف الله ﷿ به كتابه، أو ما سماه به، أو ما وصف به رسول ﷺ الله كتاب الله وسماه به، وقد أحصى الإمام الزركشي في كتابه (البرهان) ثمانية وأربعين اسمًا؛ من ذلك أنه روح: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ (٢)، ومن ذلك النور: ﴿جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (٣)، ومن ذلك الذكر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤)، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (٥)، ومن ذلك الهدى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٦)، ومن ذلك حبل الله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٧)، ومن ذلك الحق: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ (٨)، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (٩). ومن ذلك الشفاء: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (١٠)، ومن ذلك الموعظة والرحمة: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١)، ومن ذلك المبين: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا﴾ (١٢)، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١٣) ومن ذلك أحسن الحديث: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١٤)، ومن ذلك المحكم: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ
_________________
(١) النحل: ٤٤.
(٢) الشورى: ٥٢.
(٣) المائدة: ١٥.
(٤) الحجر: ٩.
(٥) طه: ١٢٤.
(٦) الإسراء: ٩.
(٧) آل عمران: ١٠٣.
(٨) الرعد: ١.
(٩) فصلت: ٤٢.
(١٠) فصلت: ٤٤.
(١١) يونس: ٥٧.
(١٢) المائدة: ١٥.
(١٣) النحل: ٨٩.
(١٤) الزمر: ٢٣.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
خَبِيرٍ﴾ (١). فكتاب اجتمعت فيه هذه الخصائص وغيرها مع عجز البشر أن يأتوا بأقصر سورة من سوره أو ثلاث آيات من آياته ففيه دليل أنه من الله ﷿.
- إنك عندما تنظر إلى القرآن ككل تجده مدهشا بما اجتمع فيه من تناسق وتوافق وتكامل وبما فيه من كل في الأسلوب والفصاحة والمعاني: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢).
- والقرآن فيه إعجاز ومعجزات، فإعجازه قدر مشترك فيه، وذلك وحده معجزة محسة قامت بها الحجة على العالمين، إذ عجز الخاطبون وهم عاجزون إلى الأبد أن يأتوا بسورة من مثله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٣). فالعجز عن الإتيان بأدنى سورة من سوره هو مظهر إعجازه، وهناك زيادة على الإعجاز معجزات تظهر حيثما وجدت شيئًا يستحيل أن يكون مصدره بشريًا كالآيات التي تتحدث عن كونيات لم يكتشفها الإنسان إلا مؤخرًا، وكإخباره عن الغيوب السابقة واللاحقة، وأسرار وحدته إلى غير ذلك من أمور أطنب الكتاب في شرحها وتحدثنا عن بعضها في كتابنا (الرسول) ﷺ وفصلنا الكثير منها في التفسير.
- والحديث عن أسباب الإعجاز يطول وقد لا يدرك كل إنسان هذه الأسباب ولكن الحجة قائمة على البشر بالعجز وفي ذلك الكفاية، والأسهل على الخلق أن يتعرفوا على معجزاته، فقيام الحجة بها على العرب والعجم وكل مكلف لا يتمارى فيه، فمن معجزاته أنه قدم للمكلفين هداية كاملة في العقائد والعبادات والتشريع والأخلاق والآداب ومن معجزاته أنه قدم تصورًا عجيبًا عن الكون والحياة وعن الزمان والكان بما لم تعرف أبعاده إلا في عصرنا: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٤)، ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا
_________________
(١) هود: ١.
(٢) النساء: ٨٢.
(٣) البقرة: ٢٣، ٢٤.
(٤) الحج: ٤٧.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
لَمُوسِعُونَ﴾ (١)، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (٢)، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٣) ومن معجزاته ما حدثنا به عن كونيات لم تعرف إلا في عصرنا، ومن معجزاته ما أخبر به عن مستقبلٍ ووقع، ومن معجزاته ما أخبر به عن أمم سالفة ولم يكن العرب يعرفونها، ومن معجزاته تضمنه لكل ما في كتب أهل الكتاب من معان مع أن محمدًا ﷺ كان أميًا، ومن معجزاته التناسب في جميع ما تضنه ظاهرًا وباطنا من غير اختلاف فيه، ومن معجزاته وفاؤه بحاجات البشر في الهداية في كل شيء، ومن معجزاته التصرف في الأمثال والتصوير مما لا يخطر على قلب بشر: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٤).
- ولا شك أن لمعاني القرآن دخلًا في إعجازه، ومع المعاني اجتمعت فصاحة لا مثيل لها، وبلاغة لا مثيل لها، وأسلوب لا مثيل له، ونظم لا مثيل له، وجزالة لا تصح من مخلوق بحال، وحسن بيان بالغ ذروة الكمال، وتصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي حتى يقع منهم الاتفاق على إصابته في وضع كل كلمة وكل حرف في موضعه، هذا مع ما اجتمع فيه من خصائص وصفات مع ما وجد فيه من روح وحياة كل ذلك عوامل في الإعجاز، والأمر أوسع من ذلك.
وبعد، فالإيمان بالكتب يشمل:
- الإيمان الإجمالي بكل كتاب أنزله الله ﷿ على كل نبي ورسول، والإيمان التفصيلي بما سماه الله ﷿ لنا وذكره، وهي: القرآن وهو أفضلها ثم التوراة وهي تالية له بالفضل ثم الإنجيل ثم الزبور ثم صحف إبراهيم وموسى.
- ومقتضى الإيمان بالكتب الاعتقاد بأنها وحي من الله ﷿ للرسل الذين أنزلت عليهم هذه الكتب.
_________________
(١) الذاريات: ٤٧.
(٢) الواقعة: ٧٥، ٧٦.
(٣) الأنبياء: ٣٠.
(٤) الكهف: ١٠٩.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
- وأن الكتب السابقة على القرآن ضاعت أو خرقت أو بدلت أو غيرَت أو اختلطت بغيرها وجاء القرآن مؤكدًا لثوابتها وذاكرًا التكليفات المستمرة وناسخا للأحكام الخاصة.
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (١).
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ (٢).
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٣).
- الإيمان بالقرآن يقتضي الإيمان بعموم الخطاب فيه للمكلفين من الإنس والجن جميعًا ويقتضي الإيمان بخلود هذا الخطاب وأن المكلفين من الإنس والجن مخاطبون به حتى يرث الله الأرض ومن عليها وأنه شامل كامل، وأنه الكتاب الوحيد الذي لم يداخله تغيير ولا تبديل، وأنه حاكم وناسخ لكل كتاب سابق.
هذا وقد مرت معنا نصوص في القسم الأول من هذا الكتاب عن القرآن وستأتي نصوص في أقسام لاحقة في سياقاتها فلنكتف بما ذكرناه هنا كي لا يخلو هذا القسم من تذكير بكل ما يلزم في باب العقائد.
* * *
_________________
(١) المائدة: ٤٨.
(٢) النساء: ١٣١.
(٣) الأعراف: ١٥٧.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
الوصل
في:
التعريف على كتب بعض أهل الأديان
وفيه:
مقدمة وتعريفات ونصوص
[ ٢ / ٧٩١ ]
المقدمة
لقد رأينا فيما مر اتجاها نقله الفخر الرازي ﵀ يفيد أنه ما من رسول إلا وأنزل معه كتاب، وذلك قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (١).
كما أن ظاهر قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٢)؛ فإذا أخذنا بظاهر هذا القول وعرفنا أنه ما من أمة إلا وقد أرسل لها رسول أو أكثر، فالمفروض أن تكون هناك كتب كثيرة ذات أصل سماوي، وقد خص القرآن بالذكر التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وصحف إبراهم وصحف موسى، فكان القول الذي ذكره الفخر الرازي إن تخصيص هؤلاء بالذكر لا ينفي أن تكون هناك كتب أخرى، هذا مع أن الآيتين اللتين صدرنا بها هذا الوصل يمكن أن يحملا على محامل أخرى، كأن يراد بالكتاب المكتوب بمعنى المفروض، فيكون المعنى: وأنزل معهم المفروضات على أمهم، إلا أن المتتبع للدراسات المقارنة الحديثة يرجح أن تكون هناك كتب أخرى ذات أصول سماوية، ولكن هل هي كتب أنزلت من السماء ككتب، أو أنها الوحي الذي أنزل على رسل جمعه أقوامهم في كتب، فيكون المعنى الثاني هو المراد؟ الأمر يحتمل.
وأيا كان الأمر فليس هناك كتاب ديني في العالم يستطيع أصحابه أن يدّعوا أنه منقول تواترًا من هذا العصر إلى صاحب رسالة إلا القرآن الكريم، ومن ههنا كان القرآن هو الحجة على كل التراث المنسوب إلى الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.
ولا شك أن كل كتاب قام عليه دين بعد القرآن الكريم فإنه مكذوب على الله ﷿ لأن محمدًا ﷺ خاتم النبيين بنص القرآن: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٣)، وإذ جعل الله ﷿ القرآن مفصلًا لكل شيء، ومصدقًا للوحي الحق الذي سبقه، ومهيمنًا عليه، فإنه يغني عن كل كتاب سابق، ويشهد ببطلان كل ما خالفه من أخبار، وينسخ
_________________
(١) البقرة: ٢١٣.
(٢) الحديد: ٢٥.
(٣) الأحزاب: ٤٠.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
كل تشريع لم يقره، أما الأخبار التي لا تعارضه فليس على المسلم أن يصدقها أو يكذبها إذا كان مما يدخل في دائرة إمكانية القبول، أما التشريعات السّابقة على تشريعنا حتى ولو صحت نسبتها إلى نبي - وأنى يكون ذلك - فلا تدخل ضمن دائرة التكليف ولو سكت عنها شرعنا، إلا إذا نص عليها، وحتى في ذلك فإن الأصوليين مختلفون فيا لو قصر الله علينا شرع غيرنا دون أن ينسخه، هل يعتبر شرعًا لنا أو لا؟ والقول المشهور أن شرع من قبلنا شرع لنا مالم ينسخه شرعنا ولكن بشرط أن يأتينا عن طريق الوحي المنزل على رسولنا ﵊.
ولكي يكون عند المسلم تصور عن الكتب الدينية القديمة فإننا نذكر شيئًا عنها:
أ - التعريف بكتب الهند الدينية
١ - كتب (الفيدا)، وهي أقدم الكتب الدينية عند اليهود، وهي أربعة كتب: (الريج فيدا) و(الياجور فيدا) و(الساما فيدا) و(أنار فيدا) وهذه الكتب هي أصول الديانة الهندوسية، ولا يعرف من وضعها، وهذا نموذج مترجم عن السنسكريتية من الكتاب الأول يتحدث عن الإله الأعلى:
(هو الأعلى من كل شيء وهو الأسنى إله الآلهة ذو القوة العليا الذي أمام قدرته الغالبة ترتعد الأرض والسماوات العالية أبها الناس استمعوا لشعري إنما هو إندرا إله الكون. هو الذي قهر الشياطين في السحاب، وأجرى الأقمار السبعة الصافية الكبار، واقتحم كهوف الكآبة والأكدار، وأخرج البقرات الجميلة من الأرحام، وأضاء النار القديمة من البرق في الغمام. ذلك هو إندرا البطل الجسور الجيش المتقدم للهيجاء يناديه للنصرة يوم الحرب الأعزاء بصيته الذائع يهتفون، والأذلاء يذكرون اسمه بشفاههم وهمسون. وقائد الجيش على العجلة الحربية يدعو ويستنصر إندرا إله الحرب. الأرض والسماء تعترفان بسلطانه وكله، والجبال المرتعدة تخرُ له وتسجد لجلاله. هو الذي يرسل صواعق السماء على أعدائه فلتهد إليه السكائب المقدسة فإنه يقبل هذه الخمر: خمر سوما ويستمع للشعر وأغاني الولاء له. البقرات وأفراس الوغي له القرى والمساكن وعجلات الحرب هو يرفع الشمس بيده
[ ٢ / ٧٩٤ ]
اليمنى ويفتح الأبواب الحر من شفق الفجر فيزق السحاب الأحمر تمزيقًا ويرسل شآبيب المطر لنصدق به تصديقًا) (١) ا. هـ.
ويعتقد الباحثون أن (الفيدا)، جاءت مع الشعوب الآرية التي غزت الهند، وهناك خلاف بين الباحثين حول منشأ الآريين الغزاة للهند، هل هو تركستان أو أوربا، وفي كلا الحالتين فإن الاحتمال الأكبر أن تكون الأصول السماوية الصحيحة للفيدا قد نزلت على هذه الجازم فيمن هو رسول وفيما هو وحي سماوي.
٢ - (قوانين مانو) وهي التي سجل فيها أقسى نظام طبقي في العالم، وهذا نسقة (بوذا) بعد ذلك في ديانته.
٣ - (المهابهارتا) وهي قصيدة طويلة، ومؤلفها شخص اسمه (وياس)، وهي أشبه بالإلياذة والأوديسة عند اليونان.
٤ - (كينا) وهو منسوب إلى رجل اسمه (كرشنة) وكرشنة عند الهنود كالمسيح عند المسيحيين بعد تحريف ديانتهم، حتى إن كثيرًا مما وصف به المسيح ﵇ موصوف به كرشنة مما يعتقد معه أن أحد الجانبين أخذ من الآخر، ومن كلام كرشنة في هذا الكتاب:
(لقد أضلت كلمات ويدا عقلك، فصرت لا تفهم قيمة الفرض وما يتبعه من الواجبات، والذين يتمسكون بألفاظ ويدا واحدها، ويرونها كل شيء، يركبون شططًا، نهم إنما يجرون وراء أهوائهم النفسية، يمنون أنفسهم بالجنة، لأنهم حريصون على لذائذ الحياة، فيقومون بطقوس يرونها تضمن لهم الجنة، ولذلك تبلبلت عقولهم، وتشعبت سُبلهم، وضلت أعمالهم، فهم في حيرة وارتباك، يجرون وراء شهواتهم، ولا يستطيعون حصر أفكارهم في نقطة واحدة).
(أما أنت، فكن فوق القشور الويدية. لا تقلقك أفكار الراحة أو التعب، النجاح أو الخيبة، بل كن مطمئنًا منشرحًا في روحك، والعاقل الذي وصل إلى الحقيقة، ليست
_________________
(١) (أديان الهند الكبرى) للدكتور/ أحمد شلبي.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
الكتب الويدية له إلا كبير في مكان ذي أنهار، فعليك أن تقوم بواجبك، لأنه واجب عليك، واجمع عقلك على هذه النقطة وحدها ..).
(اعلم أن أشد أعداء الإنسان اثنتان: الشهوة والغضب. وهما اللذان يدفعانه إلى الذنوب، وكما يغطي الدخان النار، ويكدر الغبار صفاء المرأة؛ كذلك الشهوة والغضب يغطيان عقل الإنسان، فعلى الإنسان أن يقتل هذين العدوين).
(والذي يقوم بواجبه كما قلت، يبزغ نور العرفان في داخله كما تبزغ الشمس في السماء، فيرى ربه بعين قلبه، ويسعد بالنجاة بعد أن تذهب ذنوبه وتحل محلها الحسنات) ا. هـ.
٥ - (بوجاواسفسها) ولا يعرف مؤلف هذا الكتاب، وهو منظومة شعرية تحتوي على أربعة وسبعين ألفًا من الأبيات.
٦ - (رامابانا) ولا يعرف مؤلفه ولا تاريخ تأليفه، وهو أقرب إلى أن يكون كتابا في أنظمة الحك. هذه هي أهم كتب الديانة الهندوسية (٢).
أما الديانة البوذية، فالمعروف أنها لم تسجل في حياة بوذا، وقد ظهر الاختلاف الكبير بين أتباعه فعقدوا مجلسا كبيرا بعد زمن من وفاته عام (٤٨٣ ق م)، وطلبوا من ثلاثة من أكبر تلامذته أن يتحدثوا عن موضوع رئيسي من تعاليم بوذا، فتحدث أحدهم عن العقائد وآخر عن الشريعة وآخر عن الحكايات، وهي مع ذلك بقيت تتناقل شفهيا حتى عهد الإمبراطور آسوكا عام (٢٤٢ ق م) ومن ههنا فإننا لا نستطيع الثقة بما سجل بعد هذه السنين الطويلة، وكان التحريف والتبديل والجهل عوامل انتقلت بالبوذيين من اعتبار بوذا حكيا ابتداء إلى تأليهه في النهاية، فحدث عندم ما حدث عند النصارى بينا يروى اتباعه عنه هذه الحكاية: (أن أحد تلاميذه قال له مرة: إنني أيها السيد أؤمن بكل قلبي أنه لم يوجد قط، ولا يوجد الآن، ولن يوجد إلى آخر الدهر مرشد أعظم قدرًا وأكثر عقلا من مرشدنا المبارك.
_________________
(١) (أديان الهند الكبرى) للدكتور/ أحمد شلبي.
(٢) راجع (أديان الهند الكبرى) لأحمد شلبي.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
فأجاب بوذا: هل أنت قد عرفت كل العارفين الذين سبقوني؟ وهل عرفت كل العارفين الذين يأتون بعدي؟
- فأجاب التلميذ: لا يا سيدي فلم يتيسر لي ذلك.
قال بوذا: هل عرفتني كل المعرفة؟ وتوغلت في نفسي كل التوغل؟
فقال التلميذ: لا يا سيدي وكيف لي ذلك؟
فقال بوذا: فلم إذًا أسرفت في قولك وجعلتني خير الناس وأنت لا تعرفني ولا تعرف الناس؟) (١) ا. هـ.
ب- التعريف ببعض كتب الصين الدينية
لانعرف شيئًا عن أديان الصين القديمة إلا عن دينين لازالا موجودين حتى الآن: الطاوية المنسوبة لـ (لوتس) والكونفوشيوسية المنسوبة (لكونفوشيوس)، وقد جُمِعَت آراء لوتس وأحاديثه في كتاب اسمه (كتاب الأخلاق) وهو يدعو إلى القناعة والزهد والتسامح المطلق ومقابلة السيئة بالحسنة، وقد اجتمع به كونفوشيوس في أخريات حياته، ويدعي أنه لم يوافقه على بعض آرائه، والكونفوشيوسية أكثر انتشارًا وقد جمع تلاميذ كونفوشيوس آراءه في كتاب (الحوار) وهو مترجم إلى اللغة العربية.
والمعروف عنه أنه لخص كثيرا من الكتب الصينية القديمة، ولا نعرف أنه ترجم منها شيء إلى اللغة العربية، فلربما استطاع الدارس أن يلمح فيها شيئًا يوصل إلى استئناس في شأن أديان الصين القديمة.
ج- التعريف ببعض كتب الفرس الدينية
المشهور من كتب الفرس الدينية كتاب (الزندافستا) المنسوب إلى (زردشت)، ويذكر أبو الكلام أزاد في رسالته عن ذي القرنين أن الرواية الفارسية تذكر أن صحيفة زرادشت
_________________
(١) المرجع السابق.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
ثانيا: التلمود
الدينية دونت في جلود اثني عشر ألف ثور بحبر من الذهب، واحترقت أيام حرب الإسكندر، فيقول أبو الكلام:
(ولما تأسست الإمبراطورية الساسانية بعد خمسمائة سنة من الإسكندر، حاول الفرس لم شعث الدين الزرادشتى من جديد، فكما جمع عزرا التوراة بعد أسر بابل، كذلك يقال إن أردشير بايكان أمر يجمع كتاب أوستا من جديد إلا أن خصوصيات الدين الحقيقية كانت قد تحرفت بتغيرات وإضافات كثيرة، ومسخت حقيقتها، فالدين الزرادشتى في شكله الجديد، لم يكن دينا خالصا، بل أصبح خليطا من المجوسية القديمة، واليونانية، والزردشتية. وقد زاد الطين بلة الموبذون والمفسرون بحواشيهم وشروحهم وتفاسيرهم التي ذهبت بالدين بعيدا عن أصله) (١) ا. هـ.
ويقول البستاني في دائرة معارفه: (ولزرادشت كتاب آخر في الرؤيا صنعته علماء القرن الثاني والأول قبل الميلاد). اهـ.
أقول: وفيما تبقى من (الزندافستا) الحالية بشارة واضحة برسولنا ﵊ ذكرها العقاد في كتابه مطلع النور ونقلناها في كتابنا (الرسول ﷺ) وهذا يشهد لرسالة زرادشت والله أعلم.
د- التعريف ببعض الكتب اليهودية الدينية
الكتب الدينية لليهود قبل المسيح ﵇ تتألف من قسمين رئيسيين:
أولًا: أسفار العهد القديم.
ثانيًا: التلمود، وتختلط في أسفار العهد القديم السير الذاتية للأنبياء بنصوص الوحي بالتاريخ اليهودي. ويكاد المؤرخون والمحققون يجمعون أن أكثر أسفار العهد القديم كتبت بعد مئات السنين من تاريخ أحداثها أو وجودها يقول (ويل ديورانت): (ويبدو أن أسفار التوراة الخمسة قد أخذت صورتها الحاضرة حوالي عام ٣٠٠ ق - م)، ويقرر (ويلز)
_________________
(١) رسالة ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
(أن أسفار العهد القديم جمعت لأول مزة في بابل وظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد).
وقد جمعت هذه الأسفار من الروايات الشفهية المتوارثة ولذلك داخلها الخلط والخبط وأكبر مثال على ذلك أنك تجد زبور داود مختلطا بما هو وحي ليس منسوبا لأحد وبما هو قصائد منسوبة لداود قالها في مناسبات وبما هو قصائد منسوبة لغير داود.
وأما التلمود فهو الروايات الشفهية التي تناقلها الحاخامات جيلًا بعد جيل وقد ابتدأ تدوين التلمود بعد مائة وخسين سنة من عهد المسيح نم تكامل تدوينه من بعد ويعتبره بعض اليهود أقوى إلزامًا من التوراة ومن هذا كله ندرك صعوبة معرفة ما هو وحي صحيح من مجموع هذا التراث (١).
هـ- التعريف ببعض كتب النصارى الدينية
أنزل الله على المسيح ﵇ إنجيلًا واحدًا، وكان للمسيح ﵇ سيرة ذاتية، والأناجيل الحالية المعتمدة عند النصارى يختلط فيها ما هو سيرة ذاتية للسيح بعظاته بما يمكن أن يعتبر من الإنجيل بما زاده المحرفون وكل ذلك من خلال رواية مدرسة بولس الذي حرف دين المسيح واختلف مع الحواريين وخالفهم ويكن هو من تلاميذ السيح ﵇. وهذه الأناجيل الأربعة كتبت بعد سنة ٦٣ ميلادية، وكانت هناك أناجيل أخرى ورسائل للحواريين وكل ذلك ألغاه جمع نيقية عام ٣٢٥ ميلادية حيث تغلب فكر بولس ومدرسته القائلين بألوهية المسيح، جاء في كتاب المسيحية لأحمد شلي عن أسفار العهد الجديد بما في ذلك الأناجيل الأربعة:
(إن هذه السبعة والعشرين سفرا أو الرسالة الموضوعة من قبل ثمانية كتاب لم تدخل في عداد الكتب المقدسة باعتبار مجموعة هيئتها بصورة رسمية إلا في القرن الرابع بإقرار جمع نيقية العام وحكمه (سنة ٣٢٥ م) لذلك لم تكن أي من هذه الرسائل مقبولة ومصدقة لدى الكنيسة وجميع العالم العيسوي قبل التاريخ المذكور، ثم جاء من الجماعات العيسوية في الأقسام المختلفة من كرة الأرض ما يزيد على ألفي مبعوث روحانيٍّ ومعهم عشرات الأناجيل
_________________
(١) راجع (اليهودية) لأحمد شلبي.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
ومئات الرسائل إلى نيقية لأجل التدقيق، وهناك تم انتخاب الأناجيل الأربعة من أكثر من أربعين أو خمسين إنجيلًا وتم انتخاب الرسائل الإحدى والعشرين من رسائل لا تعد ولا تحصى وصودق عليها، وكانت الهيئة التي اختارت العهد الجديد هي تلك الهيئة التي قالت بألوهية المسيح. وكان اختيار كتب العهد الجديد على أساس رفض الكتب المسيحية المشتملة على تعاليم غير موافقة لعقيدة نيقية وإحراقها كلها حتى عمل بهذه الأناجيل الأربعة، مع أنه لو صح نسبة الأناجيل إلى أصحابها لكانت أسبق من الرسائل، ويؤكد هذا الكاتب: أن الأناجيل الأربعة لم تكن موجودة في زمن الحواريين الخمسة أو الستة الذين كتبوا تلك الرسائل لأن الرسائل لا تبحث عن محتويات هذه الأناجيل قطعًا ولا تشير إليها) (١) ا. هـ.
و- التعريف ببعض كتب الصابئة الدينية
وعند صابئة العراق الحاليين كتاب يتكتمون عليه ويدعون نسبته إلى شيث بن آدم وإدريس ﵈.
هذا العرض السريع لبعض الكتب الدينية المعروفة في العالم ترينا أنه لا يوجد غير القرآن كتابًا إلهيّا قطعي النسبة إلى الله ومنقول لنا نقلًا قطعيّا، قال تعالى عن القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) فقد تعهد ﷻ بحفظ القرآن وكلف بحفظه المسلمين، أما غير القرآن فقد كلف أصحابه بحفظه ولم يتعهد بحفظه فقصر أصحابي ذلك بالحفظ بل بدلوا وغيروا.
فائدة:
ذكر القرآن الكريم صحف إبراهم ﵇ وقد تعرض لذلك الشيخ عبد الرحمن حبنكة في كتابه العقيدة الإسلامية فذكر ما يلي:
(لقد أخبرنا القرآن بأخباره الصريحة عن الصحف الأولى وذكر منها صحف إبراهم عليه
_________________
(١) (المسيحية)، للدكتور أحمد شلبي.
(٢) الحجر: ٩.
[ ٢ / ٨٠٠ ]
السلام ولكن هذه الصحف مفقودة فلا يعرف منها شيء إلا بعض حقائق في الدين، أشار القرآن إلى أنها مما تضمنته هذه الصحف.
أ - فمن ذلك قوله تعالى في سورة (النجم):
﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ (١). أقنى: أعطى من الرزق والأموال ما يقتنى ويدخر، الشعرى: نجم وضاء يقال له: قرى قوم لوط، وسميت هذه القرى مؤتفكة لأنها ائتفكت بأهلها، أي انقلبت. أهوى: أي أوقعها وأسقطها - بعد رفعها عن أماكنها - من الأرض إلى الفضاء.
فهذه الحقائق الدينية التي أعلنتها هذه الآيات مما أنزله الله في صحف إبراهم وموسى؛ كما هو ظاهر في مدلول الآيات.
ب- ومن ذلك قوله تعالى في سورة (الأعلى):
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (٢).
وننهي هذا الوصل بذكر نصوص تحدد الوقف من روايات اليهود والنصارى ومن باب أولى غيرهم ونذكر فيها بأدب المسلم في التمسك بالقرآن الكريم وإهمال ما عداه إلا لضرورة الخدمة الإسلامية:
_________________
(١) النجم: ٣٦ - ٥٤.
(٢) الأعلى: ١٤ - ١٩.
[ ٢ / ٨٠١ ]
(النصوص)
٨٠٩ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تُصَدّقوا أهل الكتاب بما يُحَدّثونكم عن الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا، لأن الله تعالى أخبر أنهم كتبوا بأيديهم، وقالوا: هذا من عند الله).
وفي رواية (٢) قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال النبي ﷺ: (لا تصدّقوا أهل الكتاب ..) وذكر الحديث.
٨١٠ - * روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵂ قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء؟ وكتابك الذي أنزل الله على نبيّكم أحدث الكتُب بالله، تقرؤونه محضًا لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله، وغيرُوه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هذا من عند الله، ليشتروا به ثمنًا قليلًا؟ أفلا ينهاك ما جاءك من العلم عن مَسألتهم؟ ولا والله، ما رأينا منهم رجلًا قط يسألك عن الذي أنزل عليكم.
٨١١ - * روى البخاري عن خميد بن عبد الرحمن ﵀، قال: سمعت معاوية ﵁ يحدّث رهطًا من قريش بالمدينة - وذكر كعب الأحبار - فقال: إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب.
أقول: إن كعبًا من الثقات إلا أن الكذب يطرأ على رواياته عن أهل الكتاب بسبب كذبهم هم. لا أنه كان يتعمد الكذب عليهم أو على غيرهم.
_________________
(١) البخاري (١٣/ ٣٣٣) - ٩٦ - كتاب الاعتمام بالكتاب والسنة - ٢٥ - باب قول النبي ﷺ: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء).
(٢) البخاري (٨/ ١٧٠) - ٦٥ - كتاب التفسير - ١١ - باب ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾.
(٣) البخاري (١٢/ ٣٣٣) - ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - ٢٥ - باب قول النبي: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيءٍ).
(٤) البخاري، الوضع السابق.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
٨١٢ - * روى أحمد عن ابن أبي نملة الأنصاري، أن أباه أبا نملة الأنصاري أخبَرَهُ أنه بَيْنَما هُوَ جالس عند رسول الله ﷺ جَاءه رجلٌ من اليهود، ومر بجنازةٍ، فقال: يا مُحمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله ﷺ: (الله أعلمُ). فقال اليهودي: إنها تتكلم، فقال رسول الله ﷺ: (ما حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم، ولا تُكذِّبُوهُمْ، وقولوا: آمنا بالله وكتُبهِ وَرُسُله، فإن كان باطلًا لم تُصَدَّقُوه، وإن كان حقًا لم تكذبوه).
قال البغوي: وهذا أصل في وجوب التوقف عما يشكل من الأمور والعلوم. فلا يقضى فيه بجواز ولا بطلان، وعلى هذا كان السلف. ا. هـ.
٨١٣ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ حين أتاه عمر، فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها. فقال: (أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى، لقد جئتكم بها بيضاء نقيةً، ولو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي).
قال البغوي: قوله: (أمتهوكون) أي: متحيرون أنتم في الإسلام، لا تعرفون دينكم حتى تأخذوه من اليهود والنصارى!!
وقوله: (بيضاء نقية) أراد الملة، لذلك جاء بالتأنيث، كقوله ﷾:
_________________
(١) أحمد (٤/ ١٣٦). وأبو داود (٣/ ٣١٨) - كتاب العلم - باب رواية حديث أهل الكتاب. وشرح السنة (١/ ٢٦٨). قال الشيخ شعيب محقق شرح السنة: (وابن أبي نملة، وثقه ابن حبان، وأخرج حديثه في (صحيحه: رقم (١١٠) موارد، ويشهد له حديث أبي هريرة عند البخاري [الذي سبق] فيتقوى به. ا. هـ.
(٢) أحمد (٣/ ٣٨٧). وشرح السنة (١/ ٢٧٠). قال الشيخ شعيب محقق شرح السنة: حديث حسن [وفيه] مجالد ضعيف، وله شاهد بنحوه من حديث عبد الله بن شداد عند أحمد ٣/ ٤٧٠، ٤٧١ وفي سنده جابر الجعفي، وآخر من حديث عمر عند أبي يعلى، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وهو ضعيف، وانظر (مجمع الزوائد) ١/ ١٧٣، ١٧٤. ا. هـ.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١) أي: تفسير الملة القيمة الحنيفية.
وروي (٢) أن كعب الأحبار جاء إلى عُمَرَ بمصحف، فقال: يا أمير المؤمنين في هذا التوراة، أفأقرؤها؟ فقال: إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلت على موسى يوم طور سيناء فاقرأها، وإلا فلا.
أقول:
لم ننقل هاهنا كثيرًا من النصوص الحديثية المتعلقة بالقرآن لأنها ستأتي معنا في القسم اللاحق: قسم العبادات الرئيسية أثناء الكلام عن تلاوة القرآن وتفسيره فلتراجع هناك.
* * *
_________________
(١) البينة: ٥.
(٢) شرح السنة (١/ ٢٧١).
[ ٢ / ٨٠٤ ]
الفصل السابع
في:
الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام
وفيه:
مقدمة ونصوص ومسائل وفوائد ووصلان
[ ٢ / ٨٠٥ ]
المقدمة
معرفة الرسل هي التي تتحقق بها معرفة الله ﷿ فالم يعرف الإنسان الرسل عليهم الصلاة والسلام ويؤمن بهم ويسلم لهم ويطيعهم فإنه لا يعرف الله ﷿، ولا يقوم بحقوقه، ولذلك نجد آية في كتاب الله أقامت بيعة الرسول مقام بيعة الله، كما نجد آية أخرى أقامت طاعة الرسول ﷺ مقام طاعة الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (١). ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢).
لقد ذكرنا أن الله ﷿ له الصفات العليا والأسماء الحسنى وله الربوبية والألوهية والمالكية ولا نعرف مقتضيات وتفصيلات حقوق هذه المعاني إلا من خلال الرسل عليهم الصلاة والسلام:
فالعبادة والعبودية، والتشريع، والطريق إلى رضوان الله تعالى لا سبيل إلى معرفتها إلا بالرسل عليهم الصلاة والسلام:
﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٣).
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤).
ومن ههنا وغيره فإن الذين لا يؤمنون برسل الله ليسوا مؤمنين، بل الكفر بواحد من الرسل كفر بالله وكفر بالرسل بأن واحد:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (٥).
ولذلك كان الإيمان بالرسل هو الركن الرابع من أركان الإيمان وكان الدخول في الإسلام بالنطق بمجموع الشهادتين، وإنما يعرف الرسول ﷺ بصفاته وبالمعجزات التي يظهرها الله
_________________
(١) الفتح: ١٠.
(٢) النساء: ٨٠.
(٣) النحل: ٢.
(٤) الأنبياء: ٢٥.
(٥) النساء: ١٥٠، ١٥١.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
على يديه والتي قد يكون منها النبوءات التي تتحقق، وبالثمرات الطيبة الخيرة، ورسولنا ﷺ كان له من الصفات أرقاها ومن المعجزات أكثرها وأخلدها وأظهرها ومن النبوءات ما يتحقق في الجيل بعد الجيل ومن الثمرات أحلاها وأطيبها وأعذبها، وقد بشرت به الرسل السابقون وقد تعرضنا لذلك تفصيلا في كتابنا (الرسول) صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
وقد أعطانا القرآن الكريم تصورًا كاملًا عن موضوع الرسل عليهم الصلاة والسلام.
- مما ذكره أن النبوة والرسالة قائمة على الاصطفاء فليس للكسب فيها مدخل، وإن كان الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أصفى الناس قلبًا وأعلام استعدادًا قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١)، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ (٢)، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (٣). وقال في حق إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ (٤) وقال في حق إبراهيم ﵇: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٥)، وقال في حق موسى ﵇: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٦) ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (٧).
- وبما ذكره القرآن أنه ما من أمة إلا وقد أرسل لها رسول ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٨) ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٩)، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ (١٠)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (١١).
_________________
(١) الأنعام: ١٢٤.
(٢) الحج: ٧٥.
(٣) النحل: ٢.
(٤) ص: ٤٧.
(٥) البقرة: ١٣٠.
(٦) الأعراف: ١٤٤.
(٧) طه: ١٣.
(٨) النحل: ٣٦.
(٩) فاطر: ٢٤.
(١٠) القصص: ٥٩.
(١١) إبراهيم: ٤.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
وقد ختم الله النبوة والرسالة بمحمد ﷺ وجعله رسولًا للعالمين من الإنس والجن ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢)، وكما أنه رسول الله إلى كافة الإنس فهو رسول إلى الجن: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤) ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٥) ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٦).
- ومما ذكره القرآن أنه لم يقصص علينا نبأ المرسلين فقال: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (٧).
﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٨).
والقول الراجح عند العلماء أن عدد الرسل الذين ذكروا في القرآن خمسة وعشرون على خلاف في ذي الكفل والراجح أنه رسول.
والرسل الذين ذكرهم القرآن هم:
آدم - إدريس - نوح - هود - صالح - إبراهم - لوط - إسماعيل - إسحاق - يعقوب - يوسف - أيوب - شعيب - موسي - هارون - يونس - داود - سليمان - إلياس - اليسع - ذو الكفل - زكريا - يحيي - عيسي - محمد - عليهم الصلاة والسلام جميعًا.
- وصف القرآن بعض الرسل بأنهم أولوا عزم لكثرة ما صبروا وتحملوا وما قاموا به قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٩) وهم المخصوصون بالذكر في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى
_________________
(١) الأحزاب: ٤٠.
(٢) سبأ: ٢٨.
(٣) الأحقاف: ٢٩.
(٤) التكوير: ٢٧.
(٥) الأعراف: ١٥٨.
(٦) آل عمران: ٨٥.
(٧) غافر: ٧٨.
(٨) النساء: ١٦٤.
(٩) الأحقاف: ٣٥.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (١).
وهم في الفضل عند أهل العلم على الترتيب التالي:
محمد - إبراهيم - موسي - عيسي - نوح عليهم الصلاة والسلام.
ومما ميز الله به الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام الوحي:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٢).
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٣).
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (٤).
- والوحي الذي خص به النبيون والمرسلون هو كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه مخاطبًا به ذلك النبي بأنه نبي، وطرائق ذلك ما ذكره القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (٥)، فهناك الإلقاء المباشر في قلب الرسول ﷺ وهناك الكلام المباشر من الله ﷿ من وراء حجاب وهناك الوحي بواسطة الملك، وصور الملك بالوحي كثيرة والرسول الرئيسي المكلف بالوحي هو جبريل ﵇: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٦).
- والعقل والنقل متضافران على أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لابد أن يتصفوا بأربع صفات رئيسية: الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة.
والصدق هو مطابقة الخير للواقع، قال تعالى: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (٧).
وقال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (٨).
_________________
(١) الأحزاب: ٧.
(٢) الكهف: ١١٠.
(٣) النساء: ١٦٣.
(٤) الأنبياء: ٧.
(٥) الشورى: ٥١.
(٦) الشعراء: ١٩٣، ١٩٤.
(٧) الأحزاب: ٢٣.
(٨) الحاقة: ٤٤ - ٤٧.
[ ٢ / ٨١٠ ]
﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (١).
وأما الأمانة فهي العصمة ومعناها حفظ ظواهرهم وبواطنهم عن التلبس بمعصية فهي في اصطلاح العلماء القيام بالتكليف وهو الأمانة بمعناها العام: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ (٢).
واتصافهم بالأمانة هو مقتضى التكليف الإلهي باتباعهم والاقتداء بهم:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣).
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٤).
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٥).
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (٦).
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (٧).
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (٨).
ومعنى الفطانة القدرة على إقامة الحجة وما يستتبع ذلك من وفور عقل وقوة فهم وسرعة بديهة لأن مهمتهم إقامة الحجة بدين الله على المكلفين من خلق الله:
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٩).
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ (١٠).
﴿يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ (١١).
_________________
(١) الأنعام: ٣٣.
(٢) الأحزاب: ٧٢.
(٣) آل عمران: ٣١.
(٤) النساء: ٦٤.
(٥) الأحزاب: ٢١.
(٦) الممتحنة: ٤.
(٧) هود: ٨٨.
(٨) الأنبياء: ٩٠.
(٩) النساء: ١٦٥.
(١٠) الأنعام: ٨٣.
(١١) هود: ٣٢.
[ ٢ / ٨١١ ]
ومعنى التبليغ إيصال رسالات الله إلى من أمروا بتبليغهم إياها:
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (١).
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢).
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣).
- ومن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (٤) أخذ العلماء أنه لم تكن نبوة ولا رسالة في جنس الإناث، أما خطاب الملائكة لمريم ﵍ فلم يكن بوصف النبوة بل كان كرامة لها من الله بوصف الصديقية، قال تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ (٥)، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ (٦)؛ فيحتمل أنه إلهام أو خطاب بواسطة ملك ولكن ليس بوصف النبوة بل هو كرامة وولاية.
- وقد جعل الله ﷿ العلامة على صدق الرسول هي المعجزة الخارقة للعادة التي يعجز المخاطبون عن الإتيان بمثلها قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (٧) فما من رسول إلا وقد أوتي معجزة تقوم بها الحجة على المخاطبين برسالته وقد يكون للرسول معجزة واحدة وقد تكون له معجزات كثيرة، والمعجزة الرئيسية لرسولنا ﷺ هي القرآن، وهي معجزة فيها معجزات، ولكنه مع القرآن أوتي معجزات أخرى كثيرة ﵊.
ومن وظائف الرسل عليهم الصلاة والسلام:
١ - إقامة العدل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٨).
٢ - الدعوة إلى الله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٩).
_________________
(١) الأحزاب: ٣٩.
(٢) المائدة: ٦٧.
(٣) النحل: ١٢٥.
(٤) الأنبياء: ٧.
(٥) المائدة: ٧٥.
(٦) القصص: ٧.
(٧) الحديد: ٢٥.
(٨) الحديد: ٢٥.
(٩) يوسف: ١٠٨.
[ ٢ / ٨١٢ ]
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (١).
٣ - تعليم الكتاب والحكمة وتزكية الأنفس وتعليم الناس ما لا يعلمونه إلا بواسطة الوحي مما يحتاجون إليه:
﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ (٢).
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
- شرح الكتاب للناس:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤).
٥ - التبشير والإنذار:
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٥).
- والرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يتفاضلون عند الله، قال تعالى:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٦).
﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٧).
- كما أن أمم المرسلين تتفاضل: فقد فضل الله بني إسرائيل على عالم زمانهم:
﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٨).
- وقد جعل الله ﷿ أمة محمد خير الأمم:
_________________
(١) النحل: ١٢٥.
(٢) البقرة: ١٢٩.
(٣) البقرة: ١٥١.
(٤) النحل: ٤٤.
(٥) النساء: ١٦٥.
(٦) البقرة: ٢٥٣.
(٧) الإسراء: ٥٥.
(٨) الدخان: ٣٢.
[ ٢ / ٨١٣ ]
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١).
- وببعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام تقوم الحجة على المكلفين فيطالبون بالأصول والفروع ويستحقون العذاب في الدنيا والأخرة إذا عاندوا:
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢).
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٣).
﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ (٤).
- ومن قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ (٥).
وأمثال ذلك بحث العلماء موضوع ما يجوز على الرسل عليهم الصلاة والسلام من أحكام البشرية:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (٦).
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (٧).
- ودعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام واحدة هي الدعوة إلى التوحيد والعبادة والعبودية والاستسلام لله ﷿ فيما أوحاه إلى أنبيائه.
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٨).
_________________
(١) آل عمران: ١١٠.
(٢) النساء: ١٦٥.
(٣) الإسراء: ١٥.
(٤) طه: ١٣٤.
(٥) الأنبياء: ٧، ٨.
(٦) الفرقان: ٢٠.
(٧) الرعد: ٣٨.
(٨) الشورى: ١٣.
[ ٢ / ٨١٤ ]
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١).
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢).
﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣).
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٤).
ولكن تفصيلات العبودية لله قد تختلف من شريعة إلى شريعة والشريعة الخاتمة والناسخة لما خالفها هي شريعة محمد ﷺ:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٥).
وأعظم مظاهر الرحمة الإلهية إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام وأعظم ما تمثلت به هذه الرحمة بعثته لمحمد ﷺ:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٦).
ومن مظاهر هذه الرحمة تخليص الإنسان من عبودية غير الله وتعريفه للناس كيف يتعاملون وتعريفه للناس على الحق والعدل ومكارم الأخلاق وتعريفه للناس على ما يصلحهم ويذرون ما يضرهم وتعريفه للإنسان على مكانته وعلى ظواهر الوجود وبواطنه وعلى ما غاب عنه وتحقيقه بما يستأهل به الجنة ويقيه عذاب النار وبمحمد ﷺ وجدت القدوة الكاملة للإنسان.
- ونصوص الكتاب والسنة التي تتحدث عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كثيرة
_________________
(١) البينة: ٥.
(٢) الأنبياء: ٢٥.
(٣) يوسف: ٣٨.
(٤) يوسف: ٤٠.
(٥) المائدة: ٤٨.
(٦) الأنبياء: ١٠٧.
[ ٢ / ٨١٥ ]
وهي تأتي في سياقات متعددة وقد ذكرنا لك أمهات من معاني القرآن وها نحن نعرض عليك بعض نصوص السنة الواردة في الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهناك نصوص أخرى تأتي في سياقاتها من هذا الكتاب.
* * *
[ ٢ / ٨١٦ ]
النصوص النبوية في ذكر الأنبياء
٨١٤ - * روى أحمد عن أبي ذر قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فجلست فقال: (يا أبا ذر هل صليت؟) فقلت: لا: قال: (قم فصل). قال: فقمت فصليت ثم جلست. فقال): (يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن). قال: قلت: يا رسول الله للإنس شياطينٌ؟ قال: (نعم). قلت: يا رسول الله الصلاة؟ قال: (خيرٌ موضوعٌ، من شاء أقل ومن شاء أكثر). قال: قلت يا رسول الله فالصوم؟ قال: (فرضٌ مجزيٌّ وعند الله مزيدٌ). قلت: يا رسول الله فالصدقة؟ قال: (أضعافًا مُضاعفة). قال: قلت: فأيها أفضل؟ قال: (جُهدٌ من مقلٍّ أو سرٍّ إلى فقير). قلت؟ يا رسول الله: أي الأنبياء كان أول؟ قال: (آدم). قلت: يا رسول الله ونبي كان؟ قال: (نعم نبي مكلمٌ). قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: (ثلاثمائةٍ وبضعة عشرَ جما غفيرًا). أو قال مرة: (خمسة عشر). قلت: با رسول الله، آدم نبي؟ قال: (نعم مكلم). قال: قلت يا رسول الله! أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: (آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾) (١).
٥١٨ - * روى الطبراني عن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله أنبيًا كان آدم؟
مجمع الزوائد (٨/ ٢١٠). وقال: رجاله رجال الصحيح غير أحمد بن خليد الحلبي وهو ثقة: قلت: ورواه ابن حبان (٢٠٨٥)، وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ١٠١): وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه. وقال في المجمع (١/ ١٩٦): ورجاله رجال الصحيح. بعد أن نسبه إلى الأوسط. ا. هـ.
_________________
(١) أحمد (٥/ ١٧٨). وروى النسائي صدره (٨/ ٢٧٥) - ٥٠ - كتاب الاستعاذة - ٤٨ - باب الاستعاذة من شر شياطين الإنس. وموارد الظمآن (٥٠٨) - ٣٤ - كتاب علامات النبوة. - ١ - باب في عدد الأنبياء والرسلين وما نزل من الكتب. وذكره مطولًا الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٩٧). وسكت عنه. قال الذهبي: فيه السعدي وليس بثقة. أقول: وإخراج الحاكم وابن حبان للحديث يفيد تصحيحها للحديث، لكن الذهبي تعقب الحاكم وذكر أن أحد رواة الحديث ليس بثقة، ومن العلماء من حكم بضعف الحديث وبعضهم حكم بوضعه. والقول الراجح عند العلماء أن تؤمن بالأنبياء والمرسلين دون تقييد ذلك بعدد حتى لا تخرج أحدًا منهم أو تدخل أحدًا فيهم بسبب التقييد مادام ثبوت النصوص الواردة في ذلك محل خلاف.
(٢) البقرة: ٢٥٥.
(٣) المعجم الكبير (٨/ ١٣٩). مجمع الزوائد (٨/ ٢١٠). وقال رجاله رجال الصحيح غير أحمد بن خليد الحلبي وهو ثقة. قلت: ورواه ابن حبان (٢٠٨٥)، وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ١٠١) وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه. وقال في المجمع (١/ ١٩٦): ورجاله رجال الصحيح. بعد أن نسبه إلى الأوسط. أ. هـ.
[ ٢ / ٨١٧ ]
قال: (نعم). قال: كم كان بينه وبين نوح؟ قال: (عشرة قرون). قال: كم كان بين نوحٍ وإبراهيم؟ قال: (عشرة قرون). قال: يا رسول الله كم كانت الرسل؟ قال: (ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر).
أقول: هذا حديث آحاد، لا يكفي لتحديد ما أطلقه المتواتر أو سكت عنه، سواء في ذلك عدد الرسل، أو الزمن بين الرسل عليهم الصلاة والسلام، والقرن قد يراد به الجيل وقد يراد به مئة سنة، والظاهر أن المراد بالقرن هنا هو الجيل، لأن الناس كانوا يعمرون كثيرا في أول حياة البشرية كما رأينا من قبل، لذلك - وعلى كل حال - فالذي رجحه أئمة علماء العقائد وهم أئمة هذا الشأن أنه لا يحد الرسل ولا الأنبياء بعدد، كي لا نرتكب خطيئة إدخال أحد من الرسل ليس منهم، أو إخراج أحدٍ وهو منهم بحديث آحاد قد يكون وهم راويه أو نسي إلى غير ذلك مما يحتمل في حديث الآحاد.
٨١٦ - * روى البزار عن أبي موسى رفعه: (لما أخرج الله آدم من الجنة زوده من ثمار الجنة، وعلمه صنعة كل شيء، فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه تغير، وتلك لا تغير).
٨١٧ - * روى الطبراني عن عمران بن حصين وسمرة بن جندب أن الني ﷺ قال: (ولد نوحٍ ثلاثةٌ؛ فسامٌ أبو العرب، وحامٌ أبو الحبشة، ويافث أبو الروم).
٨١٨ - * روى البخاري ومسل عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولا الله ﷺ: (اختتن إبراهيم بالقدوم). وقال بعضهم: مخففًا، وقال أبو الزناد: (القدوم) مشددة: موضع
_________________
(١) كشف الأستار (٣/ ١٠٢). قال في المجمع (٨/ ١٩٧): رواه البزار والطبراني ورجاله ثقات.
(٢) الطبراني (١٨/ ١٤٥). قال في المجمع (١/ ١٩٣): رجاله موثوقون. والمستدرك (٢/ ٥٤٦) وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وضعفه بعضهم.
(٣) البخاري (١١/ ٨٨) - ٧٩ - كتاب الاستئذان - ٥١ - باب الختان بعد الكبر ونتف الإبط. مسلم (٤/ ١٨٣٩) - ٤٣ - كتاب الفضائل - ٤١ - باب من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ. (بالقدوم): القدوم - بالتخفيف -: آلة النجار معروفة، وبالتشديد: اسم موضع، وقيل: هو بالتخفيف أيضًا.
[ ٢ / ٨١٨ ]
وزاد في رواية (١)، قال: (اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة).
٨١٩ - * روى البزار عن أبي هريرة رفعه: (إن في الجنة قصرًا من درةٍ، لا صدع فيه ولا وهن، أعده الله لخليله إبراهيم نزلًا).
٨٢٠ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن إبراهيم ﵇ يرى أباه يوم القيامة، عليه الغبرة والقترة).
وفي رواية (٢): قال: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترةٌ وغبرةٌ، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب، إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي حزيٍ أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فنظر، فإذا هو بذيخٍ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه، فيلقى في النار).
٨٢١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (رحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديدٍ، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف، ثم أتاني الداعي، لأجبت).
وللبخاري (٣) أيضًا أنه ﷺ قال: (يغفر الله للوطٍ، إن كان ليأوي إلى ركنٍ شديدٍ).
_________________
(١) البخاري: الموضع السابق.
(٢) كشف الأستار (٣/ ١٠٢). مجمع الزوائد (٨/ ٢٠١) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والبزار بنحوه، ورجالهما رجال الصحيح.
(٣) البخاري (٨/ ٤٩٩) - ٦٥ - كتاب التفسير - ١ - باب ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.
(٤) البخاري (٦/ ٣٨٧) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٨ - باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾. (القترة): غبرة معها سواد. (بذيخ) الذيخ: ذكر الضباع، والأنثى: ذيخة.
(٥) البخاري (٦/ ٤١٨) - ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء - ١٩ - باب قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾. مسلم (١/ ١٣٣) - ١ - كتاب الإيمان - ٦٩ - باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة.
(٦) البخاري (٦/ ٤١٥) - ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء - ١٥ - باب ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾.
[ ٢ / ٨١٩ ]
٨٢٢ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود، قال أعطي يوسف وأمه ثلثي حسن الناس في الوجه والبياض وغير ذلك. فكانت المرأة إذا أتته غطى وجهه مخافة أن تفتتن.
٨٢٣ - * روى أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس الخبر كالمعاينة إن الله ﷿ أخبر موسى ﵇ بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت).
٨٢٤ - * روى البخاري عن أبي بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن موسى ﵇ قال لفتاه: آتنا غداءنا. قال: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره. ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به).
٨٢٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أرسل ملك الموت إلى موسى، فلما جاءه صكة ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت، فرد الله إليه عينه، فقال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثورٍ فله بكل ما غطت يده من شعرةٍ سنةٌ، قال:
_________________
(١) = والترمذي نحوه (٥/ ٢٩٣) - ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ١٣ - باب (ومن سورة يوسف).
(٢) المعجم الكبير (٩/ ١١١). قال في المجمع (٨/ ٢٠٣): رواه الطبراني موقوفًا ورجاله رجال الصحيح.
(٣) أحمد (١/ ٢٧١). وكشف الأستار (١/ ١١١). مجمع الزوائد (١/ ١٥٣). وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله رجال الصحيح وصححه ابن حبان.
(٤) البخاري (٦/ ٣٣٦) - ٥٩ - كتاب بدء الخلق - ١١ - باب صفة إبليس وجنوده. (النصب): التعب.
(٥) البخاري (٣/ ٢٠٦) - ٢٣ - كتاب الجنائز - ٦٨ - باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها. مسلم (٤/ ١٨٤٢) - ٤٣ - كتاب الفضائل - ٤٢ - باب من فضائل موسى ﷺ. والنسائي (٤/ ١١٨) - ٢١ - كتاب الجنائز - ١٢١ - باب نوع آخر. (الصك): الضرب باليد، كاللطم ونحوه. (فقأ): عينه: إذا بخصها وقلعها.=
[ ٢ / ٨٢٠ ]
أي ربّ، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من ألأرض المقدسة رميةً بحجرٍ). قال رسول الله ﷺ: (فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر).
ولمسلم (١) قال: (جاء ملك الموت إلى موسى، فقال له: أجب ربك، قال: فلطم عين ملك الموت، ففقأها ) ثم ذكر معناه.
قال الحافظ في الفتح: قال ابن خزيمة: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وقالوا: إن كان موسى عرفه فقد استخفا به، وان كان لم يعرفه فكيف لم يقتص له من فقأ عينه، والجواب أن الله تعالى لم يبعث ملك الموت لموسى وهو يريد قبض روحه حينئذ، وإنما بعثه إليه اختبارًا، وإنما لطم موسى ملك الموت، لأنه رأى آدميًا دخل داره بغير إذنه، ولم يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الشارع فقاء عين الناظر في دار المسلم بغير إذن ا. هـ وانظر بقية كلام الحافظ في (الفتح).
٨٢٦ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إنما سمي الخضر، لأنه جلس على فروةٍ بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء).
أقول:
ذكرنا هذه الرواية هنا لأن هناك من يذهب إلى أن الخضر ﵇ كان نبيًا، والخلاف في شأنه معروف، فهناك من رجّح ولايته وهناك من رجح نبوته وهناك من يرى أنه لا زال حيًا وهناك من يرى أنه لا تصح هذه الدعوة والبخاري من هؤلاء وبنى ذلك على بعض النصوص العامة التي تنفي بقاء أحد ممن على وجه الأرض بعد فترة حددها
_________________
(١) = (الكثيب): المجتمع من الرمل.
(٢) مسلم، الموضع السابق.
(٣) البخاري (٦/ ٤٣٣) - ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء - ٢٧ - باب حديث الخضر مع موسى ﵉. والترمذي (٥/ ٣١٣) - ٤٨ - كتاب تفسير القرآن - ١٩ - باب (ومن سورة الكهف). وقال: هذا حديث حسن صحيح. (فروة): الفروة: قطعة نبات مجتمعة يابسة.
[ ٢ / ٨٢١ ]
رسول الله ﷺ.
٨٢٧ - * روى البزار عن أبي الدرداء قال وكان رسول الله ﷺ إذا ذكر داود ﷺ قال: (كان أعبد البشر).
٨٢٨ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (خفف على داود القرآن، فكان يأمُرُ بدوابه أن تسرج، فيقرؤه قبل أن تسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عَمَل يديه).
وفي رواية (١) مختصرًا قال: (إن داود ﵇ كان لا يأكل إلا من عمل يديه).
قوله (خفف على داود القرآن): قال ابن حجر:
قيل المراد بالقرآن القراءة، والأصل في هذه اللفظة الجمع وكل شيء جمعته فقد قرأته، وقيل المراد الزبور وقيل التوراة، وقراءة كل نبي تطلق على كتابه الذي أوحي إليه، وإنما ترددوا بين الزبور والتوراة لأن الزبور كله مواعظ، وكانوا يتلقون الأحكام من التوراة. قال قتادة: كنا نتحدث أن الزبور مائة وخمسون سورة كلها مواعظ وثناء، ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، بل كان اعتماده على التوراة، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره. وفي الحديث أن البركة قد تقع في الزمن اليسير حتى يقع فيه العمل الكثير ا. هـ. (الفتح).
(لا يأكل إلا من عمل يده): دليل على أنه أفضل المكاسب، فكان ينسج الدروع ويبيعها ولا يأكل إلا من ثمن ذلك مع كونه كان من كبار الملوك.
٨٢٩ - * روى الطبراني عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: (لقد قبض
_________________
(١) مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٦) وقال: رواه البزار في حديث طويل، وإسناده حسن.
(٢) البخاري (٦/ ٤٥٣) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٣٧ - باب قوله تعالى ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
(٣) البخاري (٤/ ٣٠٣) - ٣٤ - كتاب البيوع - ١٥ - باب كسب الرجل وعمله بيده.
(٤) مجمع الزوائد (١/ ١٩١) وقال: رواه الطبراني ورجاله موثقون.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
الله روح داود ﵇ من بين أصحابه فما فتنوا ولا بدّلوا ولقد مكث أصحاب المسيح على سننه وهديه مائتي سنةٍ).
أقول:
قوله: (من بين أصحابه) لا يشترط فيها أنه أثناء القبض كان أصحابه حوله بل يفيد أن أصحابه لم يغيروا بعد أن قبض من بينهم.
وقوله (مكث أصحاب المسيح على سننه وهديه مائتي سنة): هذا يفيد أن الغلبة بقيت للدين الصحيح للمسيح ﵇ عند المنتسبين إليه مائتي سنة بعد رفعه إلى السماء ثم بعد ذلك تغلبت مدرسة بولس الذي حرف دين المسيح ومن يومها حتى الآن فإن الغلبة لمدرسة بولس، وقد فرضت ديانة بولس من خلال أباطرة الرومان على النصارى فرضًا.
ولاحقوا مخالفيها حتى لم يبق منهم إلا القليل وقد لقي سلمان الفارسي آخرهم قبل أن يأتي إلى المدينة المنورة.
٨٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رَضي الله عنة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (كانت امرأتان معها ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقّه بينهما. فقالت الصغرى: لا تفعل رحمك الله، هو ابنها. فقضى به للصغرى).
قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية.
٨٣١ - * روى البخاري ومسلم عن أي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
_________________
(١) البخاري (٦/ ٤٥٨) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٤٠ - باب قوله تعالى ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾. مسلم (٣/ ١٣٤٤) - ٣٠ - كتاب الأقضية - ١٠ - باب بيان اختلاف المجتهدين. والنسائي (٨/ ٢٣٤) - ٤٩ - كتاب القضاة - ١٤ - باب الحاكم بعلمه.
(٢) البخاري (٦/ ٤٥١) - ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء - ٣٥ - باب قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
(قال الله تعالى: لا ينبغي لعبدٍ لي) - وفي رواية: (لعبدي أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى).
وللبخاري (١): أن رسول الله ﷺ قال: (من قال: أنا خيرٌ من يونس بن متى. فقد كذب).
قال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ وقال ههنا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ يعني موسى ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم وكذلك آدم كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذر ﵁ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ كما ثبت في حديث الإسراء حين رأى النبي ﷺ الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله ﷿ (فإن قيل) فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين عن أي هريرة قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي فقال: أي خبيث؟ وعلى محمد ﷺ؟ فجاء اليهودي إلى النبي ﷺ فاشتكى على المسلم فقال رسول الله ﷺ: (لا تفضلوني على الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ فلا تفضلوني على الأنبياء). وفي رواية: (لا تفضلوا بين الأنبياء). فالجواب من وجوه (أحدها): أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل وفي هذا نظر. (الثاني): أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع. (الثالث): أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر. (الرابع): لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية. (الخامس): ليس مقام التفضيل إليك وإنما هو إلى الله ﷿ وعليك الانقياد والتسليم له والإيمان به). ا. هـ. (تفسير القرآن العظيم).
_________________
(١) = مسلم (٤/ ١٨٤٦) - ٤٣ - كتاب الفضائل - ٤٣ - باب في ذكر يونس ﵇.
(٢) البخاري (٨/ ٢٦٧) - ٦٥ - كتاب التفسير - ٢٦ - باب ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
٨٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة: بينا يهودي يعرض سلعته أعطي بها شيئًا كرهه، فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجلٌ من الأنصار فقام فلطم وجهه، وقال: تقول والذي اصطفى موسى على البشر، والنبي ﷺ بين أظهرنا؟ فذهب إليه فقال: يا أبا القاسم: إن لي ذمةً وعهدًا، فما بال فلانٍ لطمني؟ فقال: (لم لطمُت وجهه)؟ فذكره، فغضب ﷺ حتى رئي في وجهه، ثم قال: (لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم يُنفَخ فيه أخرى، فأكون أول من يُبعث، فإذا موسى آخذٌ بالعرش، فلا أدري أحوسبة بصعقة الطور أم بعث قبلي؟ ولا أقول إن أحدًا أفضل من يونس بن متى).
قال ابن كثير في النهاية: (فقوله أم جوزي [وفي رواية: أحوسب وهي عندنا] بصعقة الطور يدل على أن هذا الصعق الذي يحصل للناس يوم القيامة، سببه تجلي الرب تعالى لعباده لفصل القضاء؛ فيصعق الناس من العظمة والجلال، كما صعق موسى يوم الطور. حين سأل الرؤية. ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾؛ فموسى ﵊ يوم القيامة إذا صعق الناس، إما أن يكون جُوزي بتلك الصعقة الأولى فما صعق عند هذا التجلي، وإما أن يكون صعق أخف من غيره، فأفاق قبل الناس كلهم. والله أعلم.) ا. هـ.
٨٣٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (بينما أيوب يغتسل عريانًا خرّ عليه رجل جرادٍ من ذهب، فجعل يحثي في
_________________
(١) البخاري (١١/ ٣٦٧) - ٨١ - كتاب الرقاق - ٤٣ - باب نفخ الصور. مسلم (٤/ ١٨٤٤) - ٤٣ - كتاب الفضائل - ٤٢ - باب من فضائل موسى ﷺ. وأبو داود (٤/ ٢١٧) - كتاب السنة - باب في التخيير بين الأنبياء. والترمذي (٥/ ٣٧٣) - ٤٨ - كتاب التفسير - ٤١ - باب (ومن سورة الزمر).
(٢) البخاري (٦/ ٤٢٠) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٢٠ - باب قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾. والنسائي (١/ ٢٠١) - ٤ - كتاب الغسل - ٧ - باب الاستتار عند الاغتسال. (حر): إذا سقط من فوق. (رجل جرادٍ): الرجل: القطيع من الجراد. (يحثي): يجمع.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك).
٨٣٤ - * روى البزار، عن أنس بن مالكٍ أن رسول الله ﷺ قال: (إن نبي الله أيوب كان في بلائه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلان من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان إليه. فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب ذنبًا ما أذنبه أحدٌ. قال صاحبه وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يُرحَمُة الله فيكشف الله عنه. فلما راحا إليه لم يطير الرجل حتى ذكر ذلك له. قال أيوب: ما أدري ما تقول إلا أن الله يعلم كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنها كراهية أن يُذكر الله إلا في حقٍّ). قال: (وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ. فلما كان ذات يومٍ أبطأ عليها وأوحي إلى أيوب في مكانه أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فاستبطأته فتلقته تنظرُ وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، والله على ذلك ما رأيت أحدًا أشبه به مذ كان صحيحًا منك. قال: فإني أنا هو. وكان له أبدران أبدر القمح وأبدرُ الشعير، فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداها على أبدر القمح فرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى على أبدر الشعير الورق حتى فاض).
٨٣٥ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا أدري: تُبَعَ العين هو؟) - وفي نسخة: (اللعين هو - أم لا؟ ولا أدري عزيرٌ نبيٌّ هو، أم لا؟).
_________________
(١) كشف الأستار (٣/ ١٠٧). مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٨) - وقال: رواه أبو يعلى والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح. (الأبدر): البيدر. وهو المكان الذي يفصل فيه الحب عن قشه بواسطة الدياس قديمًا. (الورق): الفضة.
(٢) أبو داود (٤/ ٢١٨) - كتاب السنة - باب في التخيير بين الأنبياء وسنده صحيح.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
ومما نسبه ابن الأثير في جامعه إلى عبد الله بن عباس ﵂ هذا القول - الذي يدخل تحت قوله ﷻ: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾:
(إن أهل فارس لما مات نبيهم: كتب لهم إبليس المجوسية).
وقد نسب ابن الأثير في جامعه هذا النص لأي داود والظاهر أنه موجود في نسخة من نسخ كتاب أبي داود ولا يوجد في كل نسخه.
٨٣٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: وما من بني آدم من مولود إلا نخسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من نخسه إيّاه، إلا مريم وابنها).
وفي رواية (١): (إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها). ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢).
وللبخاري (٣) قال: (كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعيه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب).
ولمسلم (٤) قال: (كل بني آدم يمسّه الشيطان يوم ولدته أمه، إلا مريم وابنها).
٨٣٧ - * روى الترمذي عن آبى هريرة ﵁ قال: يلقى عيسى حجته، لقاه
_________________
(١) البخاري (٦/ ٤٦٩) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٤٤ - باب قوله الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾. مسلم (٤/ ١٨٣٨) - ٤٣ - كتاب الفضائل - ٤٠ - باب فضائل عيسى ﵇.
(٢) البخاري (٨/ ٢١٢) - ٦٥ - كتاب التفسير - سورة آل عمران؛ ٢ - باب ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا﴾. مسلم، الموضع السابق.
(٣) آل عمران: ٣٦.
(٤) البخاري (٦/ ٣٣٧) - ٥٩ - كتاب بدء الخلق - ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.
(٥) مسلم، الموضع السابق. (فيستهل صارخًا): الاستهلال صياح المولود عند الولادة، والصراخ: الصياح والبكاء. وقوله: (فطعن في الحجاب) أي: في المشيمة، وهي التي يكون فيها المولود.
(٦) الترمذي (٥/ ٢٦٠) - ٤٨ - كتاب التفسير - ٦ - باب (ومن سورة المائدة) وهو حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٨٢٧ ]
الله في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال أبو هريرة عن النبي ﷺ: (فلقاه الله ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾) الآية كلها (١).
٨٣٨ - * روى مسلم عن أي هريرَة؛ قال: قال النبي ﷺ: (حين أسري بي لقيت موسى ﵇، فنعته النبي ﷺ (فإذا رَجُلٌ) حسبته قال: (مضطربٌ رجل الرّأس. كأنه من رجال شنوءة). قال: (وَلقيت عيسى) فنعته النبي ﷺ (فَإِذَا رَبعةٌ أحمرٌ كأنما خرج من ديماس) (يعني حمامًا) قال: (ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه. وأنا أشبه ولده به. قال: (فأتيت بإناءين في أحدهما لبنٌ وفي الآخر خمرٌ. فقيل لي: خذ أيهما شئت. فأخذت اللبن فشربته. فقال: هديت الفطرة) أو (أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك).
٨٣٩ - * روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال: لا والله، ما قال النبي ﷺ لعيسى أحمر، ولكن قال: (بينما أنا نائمٌ أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سبط الشعر يهادى بين رجلين ينطف رأسه ماءً) أو (يهراق رأسه ماءً - فقلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم. فذهبت فإذا رجلٌ أحمر جسيمٌ جعد الرأس أعور عينه اليمنى كأن عينه عنبةٌ طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا الدجال. وأقرب الناس به شبهًا ابن قطن). قال الزهري: رجلٌ من خزاعة هلك في الجاهلية.
_________________
(١) المائدة: ١١٦.
(٢) مسلم (١/ ١٥٤) - ١ - كتاب الإيمان - ٧٤ - باب الإسراء برسول الله ﷺ. (مضطرب): هو مفتعل من الضرب. صرح به ابن الأثير في النهاية. (رجل الرأس): أي رجل الشعر أي قد سرحه ودهنه. قوله: (فإذا ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس): قال النووي: أما الربعة فيقال: رجل ربعة ومربوع أي بين الطويل والقصير. وأما الديماس فقال الجوهري في صحاحه في هذا الحديث: قوله خرج من ديماس، يعنى في نضارته وكثرة ماء وجهه كأنه خرج من كن. لأنه قال في وصفه: كأن رأسه يقطر ماء. ا. هـ.
(٣) البخاري (١٢/ ٤١٧) - ٩١ - كتاب التعبير - ٣٣ - باب الطواف بالكعبة في المنام. مسلم (١/ ١٥٦) - ١ - كتاب الإيمان - ٧٥ - باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
قال ابن حجر: قوله (رجل الشعر) بكسر الجيم أي قد سرحه ودهنه، وفي رواية مالك (له لمة قد رَجّلها فهي تقطر ماء) وقد تقدم أنه يحتل أن يريد أنها تقطر من الماء الذي سرحها به أو المراد الاستنارة وكنى بذلك عن مزيد النظافة والنضارة، ووقع في رواية سالم الآتية في نعت عيسى (أنه آدم سبط الشعر) وفي الحديث الذي قبله في نعت عيسى (أنه جعد) والجعد ضد السبط فيكن أن يجمع بينهما بأنه سبط الشعر ووصفه لجعودة في جسمه لا شعره والمراد بذلك اجتماعه واكتنازه، وهذا الاختلاف نظير الاختلاف في كونه آدم أو أحمر، والأحمر عند العرب الشديد البياض مع الحرة، والآدم الأسمر، ويمكن الجمع بين الوصفين بأنه أحمر لونه بسبب كالتعب وهو في الأصل أسمر، وقد وافق أبو هريرة على أن عيسى أحمر فظهر أن ابن عمر أنكر شيئًا حفظه غيره، وأما قول الداودي إن رواية من قال (آدم) أثبت فلا أدري من أين وقع له ذلك مع اتفاق أبي هريرة وابن عباس على مخالفة ابن عمر. وقد وقع في رواية عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة في نعت عيسى (أنه مربوع إلى الحرة والبياض). والله أعلم
قوله: (لا والله ما قال رسول الله ﷺ لعيسى أحمر) اللام في قوله (لعيسى) بمعنى عن وهي كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ وقد تقدم بيان الجمع بين ما أنكره ابن عمر وأثبته غيره، وفيه جواز البين على غلبة الظن لأن ابن عمر ظن أن الوصف اشتبه على الراوي وأن الموصوف بكونه أحمر إنما هو الدجال لا عيسى، وقرب ذلك أن كلا منهما يقال له المسيح وهي صفة مدح لعيسى وصفة ذم للدجال كما تقدم، وكأن ابن عمر قد سمع سماعًا جزمًا في وصف عيسى أنه آدم فساغ له الحلف على ذلك لما غلب على ظنه أن من وصفه بأنه أحمر واهم. ا. هـ.
٨٤٠ - * روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رَسُول الله ﷺ: (لقد رأيتني في الحجر، وَقرَيش تسألني عَن مسراي، فسألتني عَنْ أشياء
_________________
(١) البخاري (٨/ ٣٩١) - ٦٥ - كتاب التفسير - ٣ - باب ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾. ولفظه مختصر عن جابر. مسلم (١/ ١٥٦) - ١ - كتاب الإيمان - ٧٥ - باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال. واللفظ له.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربةً م اكربت مثله قط). قال: (فرفعه الله لي أنظر إليه. ما يسألوني عن شيءٍ إلا أنبأتهم به. وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء. فإذا موسى قائمٌ يصلي. فإذا رجلٌ ضربٌ جعدٌ كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى ابن مريم ﵇ قائمٌ يصلي. أقرب الناس به شبهًا عروة بن مسعودٍ الثقفي. وإذا إبراهيم ﵇ قائمٌ يصلي. أشبه الناس به صاحبكم) (يعني نفسه) (فحانت الصلاة فأممتهم. فلما فرغت من الصلاة قال قائلٌ: يا محمد! هذا مالكٌ صاحب النار فسلم عليه. فالتفت إليه فبدأني بالسلام).
٨٤١ - * روى البخاري ومسلم، عن ابن عباسٍ ﵄ قال: قال النبي ﷺ: (رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمرٌ جعدٌ عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيمٌ سبطٌ كأنه من رجال الزط).
٨٤٢ - * روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، وإمامًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحدٌ، وحتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها).
٨٤٣ - * روى الطبراني، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (ينزل عيسى ابن مريم فيمكث في الناس أربعين سنة).
٨٤٤ - * روى أحمد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إني لأرجو إن طال بي
_________________
(١) البخاري (٦ - ٤٧٧) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٤٨ - باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾. مسلم (١/ ١٥٣) - ١ - كتاب الإيمان - ٧٤ - باب الإسراء برسول الله ﷺ. والرواية في مسلم مختلفة، وليس فيها ذكر عيسى ﵇. (الزط): جيل أسمر من السند، له خصائص مميزة عن البشر.
(٢) البخاري (٤/ ٤١٤) - ٣٤ - كتاب البيوع - ١٠٢ - باب قتل الخنزير. مسلم (١/ ١٣٥) - كتاب الإيمان - ٧١ - باب نزول عيسى ابن مريم.
(٣) مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٥). وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات.
(٤) أحمد (٢/ ٢٩٨). =
[ ٢ / ٨٣٠ ]
عمرٌ أن ألقى عيسى ابن مريم ﷺ فإن عجل بي موت فمن لقيه منكم فليقرئه مني السلام).
٨٤٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبيٌّ، والأنبياء إخوةٌ، أبناء علاتٍ، أمهاتهم شتى ودينهم واحدٌ).
٨٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد رفعه: (لا تخيروا بين الأنبياء).
أقول:
الإجماع منعقد على أن محمدًا ﷺ أفضل النبيين والمرسلين، والنصوص في ذلك كثيرة والقرآن نص على تفضيل بعض المرسلين على بعض: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (١). وما ورد في المنع من ذلك فهو محمول على التواضع وهضم النفس أو على ما يفهم من انتقاص المفضل عليه أو على ما يفهم من عصبية للمفضل على المفضل عليه، أو عندما لا يكون هناك نص يذكر التفضيل أو ما يوهم نقص مرتبة المفضل عليه.
٨٤٧ - * روى البزار عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون).
_________________
(١) = مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٥). وقال: رواه أحمد مرفوعًا وموقوفًا، ورجالهما رجال الصحيح.
(٢) البخاري (٦/ ٤٧٨) - ٦٠ - كتاب الأنبياء- ٤٨ - باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾. مسلم (٤/ ١٨٣٧) - ٤٣ - كتاب الفضائل- ٤٠ - باب فضائل عيسى ﵇. وأبو داود (٤/ ٢١٩) - كتاب السنة- باب في التخيير بين الأنبياء. وهو عنده مختصر. (أبناء علات): إذا كان الإخوة لأب واحدٍ، وأمهاتٍ شتى، كانوا أبناء علاتٍ، وإذا كانوا لأم واحدة وآباءٍ شتى، فهم أبناء أخياف. وإذا كانوا لأب واحد، وأم واحدة، فهم أعيان.
(٣) البخاري (١٢/ ٢٦٣) - ٨٧ - كتاب الديات- ٣٢ - باب إذا لطم المسلم يهوديًا. مسلم (٤/ ١٨٤٥) - ٤٣ - كتاب الفضائل- ٤٢ - باب من فضائل موسى وأبو داود (٤/ ١ - ٢١٧)، الموضع السابق. وهو عنده مختصر.
(٤) الإسراء: ٥٥.
(٥) كشف الأستار (٣/ ١٠٠). مجمع الزوائد (٨/ ٢١١) وقال: رواه أبو يعلى والبزار، ورجال أبي يعلى ثقات. =
[ ٢ / ٨٣١ ]
المسائل والفوائد
- بعض العلماء يعتبر مقام الرسالة والنبوة واحدًا، فكل نبي رسول وكل رسول نبي، وبعضهم جعل وصف الرسالة فيه معنى زائد على معنى النبوة فالنبوة تحصل بمجرد الوحي على إنسان اصطفاه الله ﷿ للنبوة وأعلمه أنه نبي أما الرسالة فتكون بعد الأمر بالإنذار والتبليغ وهل هناك أنبياء يقتصر تكليفهم على أنفسهم؟ هناك من جوز ذلك. وهناك تعريفات أخرى تحدد صفات من ينطبق عليه وصف النبوة والرسالة بآن واحد فيتصف بالنبوة من كان تابعًا لرسول ولم يأت بإنذار جديد أو تبليغ جديد ولو نزل عليه وحي، فالنبي مهمته العمل والفتوى بشريعة رسول سابق له.
- الوحي الذي تثبت به النبوة هو ما كان خطابًا مباشرًا من الملك أو من الله ﷿ في حالة اليقظة أما ما كان من رؤى أو إلهامات قبل ذلك فلا تثبت به النبوة وأما بعد النبوة فالرؤى والإلهامات من جملة الوحي.
- من مباحث علماء التوحيد: ما يجب للرسل وما يستحيل في حقهم وما يجوز عليهم.
ويخصون بالذكر مما يجب عليهم: الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة، ويخصون بالذكر مما يستحيل عليهم أضداد الصفات الكذب والمعصية والكتمان والغفلة والبلادة، ويذكرون من الجائزات في حقهم الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية، مما لا يخالف شرعًا ولا مروءة معتبرة شرعًا ولا مما يتناقض مع مقامهم، فيجوز في حقهم الأكل والشرب وإتيان النساء الحلال والنوم بعيونهم لا بقلوبهم والأمراض غير المنفرة، ومما مر ندرك أن المراد بالأمانة العصمة عن التلبس بمنهيّ عنه ولو نهي كراهة أو خلاف الأولى فأفعالهم وأقوالهم وأحوالهم دائرة بين الواجب والمندوب وهم قبل النبوة معصومون عن كل ما ينفر عنهم، فهم معصومون عن الكبائر وعن المنفرات.
من شروط النبوة والرسالة: الحرية فلم يعرف أن الله ابتعث نبياّ غير حر- والذكورة والبشرية: فلم يبعث الله ﷿ رسلًا من الجن لا للبشر ولا للجن ولم يبعث رسولًا من الملائكة إلى البشر ليعيش معهم كما يشترط أن يكون النبي أو الرسول خاليًا من
[ ٢ / ٨٣٢ ]
الأمراض المنفرة لأن وجود هذه أو هذه يمنع من الإفادة منه ويمنع من القربى منه وذلك يتناقض مع الحكمة من إرسال الرسل وبعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلا يصح أن تتلبس امرأة نبي أو رسول بالزنى، وما ورد من اسرائليات في حق أيوب تصفه بالمرض المنفر فذلك غير صحيح، ومن شروط الرسالة أن يكون الرسول أعلم من جميع من بعث إليهم بأحكام الشريعة المبعوث بها أصلية أو فرعية:
﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (١)، ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٢).
- وإرسال الرسل ليس واجبا على الله كما زعم قوم ولا مستحيلًا كما زعم قوم، بل هو جائز في حقه وقد اختار أن يرسل فأرسل فوجب الإيمان.
- وما ورد في الكتاب والسنة من كلام حول مؤاخذة الله الرسل عليهم الصلاة والسلام على بعض أعمال عملوها أو تصرفات فعلوها، فبعضها محمول على أنه كان قبل النبوة، وبعضها محمول على أنه من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، وبعضها محمول على أنه كان اجتهادًا منهم حيث جاز لهم الاجتهاد ولم يوافقوا الصواب عند الله ﷿، فأخبرهم الله ﷿ بما هو الصواب عنده، وعلى هذا فالمسلم مكلف أن ينفي المعصية عن الرسل عليهم الصلاة والسلام بالمعنى الذي تحمل عليه في بقية الخلق، وأن يفهم النصوص على ضوء ذلك.
- قد يخص بعض الأنبياء بخصوصية لا تقتضي أفضلية، وقد يخصون بخصوصية مع الأفضلية، ومما خص به رسولنا ﵊ أفضليته على جميع الخلق، وعموم رسالته إلى الإنس والجن، وأنه خاتم النبيين والمرسلين، وأن شريعته مهيمنة وحاكمة على الشرائع قبلها وناسخة لكل ما ناقضها، ومما خصه الله به نصره بالرعب مسيرة شهر بسير الإبل، وجعله الأرض له ولأمته مسجدًا وطهورًا، وحل الغنائم له ولأمته وإعطاؤه الشفاعة العظمى يوم القيامة.
نزول المسيح ﵇ في آخر الزمان لا يتناقض مع ختم النبوة بمحمد ﷺ؛ لأنه
_________________
(١) مريم: ١٢.
(٢) آل عمران: ٤٨.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
﵊ يأتي تابعًا لشريعة محمد ﷺ، فهو من هذه الحيثية واحد من أمته، ومن أهم الكتب التي ألفت في نزول المسيح ﵇ آخر الزمان كتاب "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" للشيخ أنور الكشميري جمع فيه الشيخ (٧٥) حديثًا في رفع عيسى ونزوله، وأضاف محققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة عشرة أحاديث سكت عنها المؤلف وخمسة وعشرين أثرًا عن الصحابة، فمن أنكر نزوله ﵊ فقد كفر لأن نزوله متواتر.
- التحقيق أن الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل من الملائكة بإطلاق بمن في ذلك رؤساء الملائكة كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك ورضوان
- المعجزة هي التي تثبت صدق الرسول ومن تعريفات العلماء للمعجزة:
أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي الذي هو دعوى الرسالة أو النبوة مع عدم المعارضة وقال السعد: هي أمر يظهر بخلاف العادة على يد مدعي النبوة عن تحدي المنكرين على وجه يعجز المنكرين عن الإتيان بمثله فحقيقة الإعجاز إثبات العجز.
وقال الشيخ أبو الحسن: هي فعل من الله أو قائمة مقام الفعل يقصد بمثله التصديق.
فخرج بذلك السحر والكهانة والشعوذة والعاديات العجيبة لأنها من عالم الأسباب وخرج بذلك الكرامة للأولياء، والمعونة للعوام والاستدراج للفساق، والإهانة وهي ما يظهر على يد الفاسق أو الكافر تكذيبًا له، ويخرج بذلك الخارقة التي لا توافق دعوى النبوة بل ترافقها دعوى واضحة البطلان كما يحدث للدجال، ومن أخطاء أهل العصر وصف ما يجري على يد غير الرسل عليهم الصلاة والسلام بالمعجزات.
- المعجزة الرئيسية لرسولنا ﵊ هي القرآن وله معجزات أخرى كثيرة منها: نبع الماء من بين أصابعه، وانشقاق القمر، وحنين الجذع، وتكثير الطعام القليل، وشفاء المرضى والمصابين واستجابة الدعاء والإخبار عن مغيبات كثيرة وقعت ومنها إسراؤه ومعراجه، ومعجزات أخرى كثيرة ذكرنا بعضها في قسم السيرة من هذا الكتاب وكثير منها مثبوت في هذا الكتاب أثناء سياقات أبحاثه فقد كانت أدلة رسالته وأعلام نبوته ظاهرة في أموره كلها ﵊.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
الوصل الأول
في:
رفع خطأ التوهم بأن الرسل لم يبعثوا إلا في
بقعة من الأرض وإلى بعض الأمم
وفيه:
مقدمة ونقول
[ ٢ / ٨٣٥ ]
المقدمة
قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١).
لقد ذكرت الآية التي صدرنا بها هذا البحث أنه ما من أمة إلا بعث الله لها رسولًا، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٣).
فدل هذا على أن الأمة ذات اللسان الواحد أرسل لها رسول بلسانها ثم ختم الله الرسالات بمحمد ﷺ الذي أرسله إلى الناس كافة بهذا القرآن المعجز ليكون حجة الله على العالمين ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٤)، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٥)، بعض هؤلاء الرسل قص الله علينا من أخبارهم وبعضهم لم يقصص علينا من أخبارهم، قال تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (٦).
والأمم التي أرسل لها رسول كثيرة، قال ﵊: (إنكم تتمون سبعين أمة أنت خيرها وأكرمها على الله «٧) وعلم الآثار والحفريات الحديثة ودراسة التاريخ القديم والتعرف على الأديان البائدة والباقية كشف لنا عن بقايا من أديان حق اختلط بها باطل كثير وضلال كثير.
وليس عندنا ميزان نتعرف به على الحق في الأديان البائدة أو الباقية إلا هذا القرآن وإلا السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ، فالقرآن منقول عن رسولنا تواترًا ينقله جيل عن جيل، وقد تولى الله حفظه، والسنة النبوية الثابتة منقولة لنا بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى رسول الله ﷺ دون انقطاع مع دقة في التحقيق تشمل السند والمتن، لذلك عرفوا
_________________
(١) فاطر: ٢٤.
(٢) النحل: ٣٦.
(٣) إبراهيم: ١.
(٤) الأحزاب: ٤٠.
(٥) إبراهيم: ١.
(٦) غافر: ٧٨.
(٧) أحمد (٥/ ٣). والترمذي (٥/ ٢٢٦) ٤٨ - كتاب التفسير ٤ - باب: ومن سورة آل عمران. ابن ماجه (٢/ ١٤٣٣) ٣٧ - كتاب الزهد ٣٤ - باب صفة محمد ﷺ. وهو حديث حسن.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
الحديث الصحيح بأنه: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى رسول الله ﷺ، وسلم من الشذوذ والعلة. والشذوذ: هو أن يخالف الثقة من هو أوثق منه أو أن يخالف الثقة الثقات، والعلة هي عيب خفي يدركه الحذاق في الرواية وذلك شيء انفرد به دين محمد ﷺ بأن نصوصه محفوظة منقولة بأسانيد متصلة، بينما لا يستطيع أهل أي دين أن يثبتوا أن لهم أسانيد متصلة إلى المصدر الأول لدياناتهم. فمن المعروف تاريخيًا أن اليهود أعادوا كتابة كتبهم من مروياتهم الشفهية بعد السبي إلى بابل، وأن الأناجيل المعتمدة عند النصارى لا يوجد منه واحد متصل السند إلى المسيح ﵇، وأن آثار بوذا سجلت حوالي سنة (٣٥٠) قبل الميلاد، بينما كان ميلاد بوذا على القول الراجح حوالي سنة (٥٦٠) قبل الميلاد (أبو زهرة - مقارنات الأديان).
والمعروف أن آثار زرادشت أحرقها الإسكندر المقدوني: (دائرة معارف البستاني)، وليس عند البراهمة أسانيد متصلة إلى رسول، وهكذا قل في كل دين من الأديان، ومن ههنا نقول: إن الميزان الذي نعرف به ما إذا كان هناك بقية من حق في دين من الأديان إنما هو القرآن والسنة النبوية، ووجود شيء من ذلك في دينٍ لا يعني بالضرورة أن هذا الدين أصوله سماوية بل قد يكون تسلل إليه من دين سماوي، والملاحظ أن الدراسة المتعمقة لكثير من نصوص الديانات المندثرة أو الباقية تثبت وجود بعض الموافقات لبعض معاني القرآن والسنة وهذا يؤكد شيئين:
الشيء الأول: أن أصول هذه الديانات كانت سماوية.
والشيء الثاني: أن كل أمة قد أرسل لها رسول، إلا أننا لا نستطيع أن نجزم برسالة أحد ونبوته إلا إذا جاءنا ذلك عن طريق الكتاب والسنة، وذلك لاحتمالات أن يكون بعض من نسب إليهم بقايا الحق هذه من المجددين أو من المتأثرين بآثار الأنبياء أو من أهل الباطل الذين حاولوا إنشاء ديانات هي مزيج من أفكار ومن بقايا أديان متوارثة قديمة.
ومن أجل أن يكون عندك تصور ما عن بقايا حق توافق بعض نصوص الكتاب والسنة في بعض الديانات المندثرة أو الباقية، فإننا ننقل لك بعض النقول عن الديانات المصرية والهندية والفارسية والصينية، أما النصرانية واليهودية فقد أكثرنا من أمثال هذه النقول عن كتبها في التفسير:
[ ٢ / ٨٣٨ ]
النقول
١ - الديانات المصرية القديمة
نجد في الديانات المصرية القديمة فكرة الروح وخلودها وعودتها إلى الجسد مرة أخرى وفكرة اليوم الآخر والحساب.
ومن كلام أحد المتتبعين لتاريخ الديانات المصرية القديمة وهو (ماسيبرو):
(وكان إله المصريين واحدًا فردًا، كاملًا، عالمًا، بصيرًا، لا يدرك بالحس، قائما بنفسه، حيًا، له الملك في السموات والأرض، لا يحتويه شيء، فهو أب الآباء، وأم الأمهات، لا يفنى، ولا يغيب يملأ الدنيا، ليس كمثله شيء، ويوجد في كل مكان) اهـ (مقارنات الأديان للإمام أبي زهرة).
ومما ورد في كتاب الموتى وهو كتاب مقدس عند المصريين القدماء: ( إنني حامل الحقيقة، إنني لم أخن أحدًا، ولم أغدر بأحد، ولم أجعل أحدًا من ذوي قرابتي في ضنك، ولم أقم بدنية في موئل الحقيقة، ولم أمازج عملي بشر قط، وجافيت الضر والأذى، ولم أعمل باعتباري رئيس أسرة ما ليس من عمل ربها، ولم أكن سببًا في خوف خائف، ولا إعواز معوز، ولا ألم متألم، ولا يؤس بائس، لم أقدم على ما لا يليق بالآلهة فلم أجع أحدًا، ولم أبك أحدًا، ولم أقتل نفسًا، وما حرضت أحدًا على قتل أو خيانة، ولم أكذب، ولم أسلب المعابد ذخائرها، ولا المومياء طعامها. ولم أرتكب أمرًا لا يليق مع كاهن في كهنوته، ولم أغل في الأسعار ولم أطفف الكيل والميزان، ولم أسرق الماشية من مرعاها، ولم أصد طير الآلهة، ولم أدفع الماء في عهد الفيضانات، ولم أحول مجرى ترعة، ولم أطفئ الشعلة في ساعتها، ولم أخدع الآلهة في قرابينها المختارة، فأنا نقي، أنا نقي، أنا نقي) اهـ (مقارنات الأديان لأبي زهرة).
أقول: لاشك أن بعض الكلام الذي مر معنا عن الديانة المصرية القديمة لا يتفق مع الكتاب والسنة، ولكن قسمًا منه يتفق مع نصوص الكتاب والسنة من حيث المعنى، وهذا كافٍ للتدليل على ما ذكرناه ولقد حدثنا القرآن عن رسالتين في مصر: رسالة يوسف ورسالة
[ ٢ / ٨٣٩ ]
موسى ﵉، ومما قال في يوسف ﵇ على لسان مؤمن آل فرعون:
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ (١) راجع (مقارنات الأديان لأبي زهرة).
وواضح من نصوص القرآن أن الوثنية والشرك وادعاء الألوهية من قبل بعض حكام مصر كان موجودًا وواضح من الدراسات التاريخية والآثار وجود الشرك والوثنية في الديانات المصرية القديمة كما مر معنا من قبل، ولكن ما ذكرناه من موافقات مع نصوص الكتاب والسنة في الآثار المصرية وما نسب إلى "أخناتون" من كلمات توحيدية يشير إلى ما ذكرناه من وجود رسالات سماوية خوطبت بها مصر.
٢ - بعض الديانات الهندية
أ- الديانة البرهمية:
أقدم الديانات الهندية المعروفة ذات النصوص هي: (الديانة البرهمية) التي ترجع إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وفي أحد كتبها وهو (السامافيدا) بشارة برسولنا محمد ﷺ كما حقق ذلك (عبد الحق فديارتي) في كتابه: "محمد في الأسفار الدينية العالمية" ونقله "العقاد" في كتابه: (مطلع النور) ونقلناه في كتابنا: (الرسول ﷺ).
ومن أشهر من تتبع الديانة البرهمية بحق وفهم ودراسة لنصوصها: "أبو الريحان البيروني" من المؤرخين المسلمين وهو حجة بإجماعٍ فيها، ومن تحقيقاته عن أصول الديانة البرهمية قبل أن يطرأ عليها ما طرأ ما ذكره بقوله:
(واعتقاد الهند في الله ﷾ أنه الواحد الأزلي، من غير ابتداء ولا انتهاء، المختار في فعله القادر الحكيم الحي المحيي المدبر. المنفرد في ملكوته عن الأضداد والأنداد، لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء، ولنورد لك شيئًا من كتبهم لئلا تكون حكايتنا كالشيء المسموع فقط، قال السائل في كتاب باتنجل من هذا المعبود الذي ينال التوفيق بعبادته؟.
_________________
(١) غافر: ٣٤.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
قال المجيب: هو المستغني بأزليته ووحدانيته عن فعل، لمكافأة عليه براحة تؤمل وترتجى، أو شدة تخاف وتتقى، والبريء عن الأفكار، لتعاليه عن الأضداد المكروهة والأنداد المحبوبة، والعالم بذاته سرمدًا، إذ العلم الطارئ يكون ما لم يكن بمعلوم، وليس الجهل بمتجه عليه في وقت ما أو حال، ثم يقول السائل بعد ذلك: فهل له من الصفات غير ما ذكرت؟ فيقول المجيب: العلو التام في القدر لا المكان، فإنه يجل عن التمكن، وهو الخير المحض التام الذي يشتاقه كل موجود، وهو العلم الخالص عن دنس الهوى والجهل. قال السائل: أفتصفه بالكلام، أم لا؟ قال المجيب: إذا كان عالمًا فهو لا محالة متكلم.
قال السائل: فإن كان متكلمًا لأجل علمه، فما الفرق بينه وبين العلماء الحكماء الذين تكلموا من أجل علومهم؟ قال المجيب: الفرق بينهم هو الزمان فإنهم تعلموا فيه وتكلموا بعد أن لم يكونوا عالمين ولا متكلمين، ونقلوا بالكلام علومهم إلى غيرهم، فكلامهم وإفادتهم في زمان، إذ ليس للأمور الإلهية بالزمان اتصال، فالله ﷾ عالم متكلم في الأزل، وهو الذي كلم براهم وغيره من ألأوائل على أنحاء شتى، فمنهم من ألقى إليه كتابًا، ومنهم من فتح له بواسطة بابًا، ومنهم من أوحى إليه فنال بالفكر ما أفاض عليه. قال السائل: فمن أين له هذا العلم؟ قال المجيب: علمه على حاله في الأزل، وإذ لم يجهل قط فذاته عالمة، لم تكتسب علمًا لم يكن له، كما قال في (بيذ) الذي أنزل على براهم: احمدوا وامدحوا من تكلم ببيذ، وكان قبل بيذ.
قال السائل: كيف تعبد من لم يلحقه الإحساس؟ قال المجيب: تسميته تثبت أنيته فالخبر لا يكون إلا عن شيء، والاسم لا يكون إلا لمسمى، وهو إن غاب عن الحواس فلم تدركه، فقد عقلته النفس، وأحاطت بصفاته الفكرة.
وهذه هي عبادته الخالصة، وبالمواظبة عليها تنال السعادة.). ا. هـ. (مقارنات الأديان لأبي زهرة).
أقول:
إن الكلام الذي مر معنا ما يعترض عليه، ولكن فيه الكثير مما يوافق الكتاب
[ ٢ / ٨٤١ ]
والسنة، وفيه ما يدل على أن براهما قد أنزل عليه كتاب، فإذا صح النقل فإن براهما يكون رسولًا قد غلا فيه قومه، ألهوه كما فعل النصارى بالمسيح ابن مريم ﵇.
ويؤكد (فريد وجدي) في دائرة معارفه ما ذكره (البيروني) مستدلًا بذلك على أن فكرة التثليث الموجودة حاليًا عند البراهمة ليس لها وجود في الكتب البرهمية القديمة.
ب- الديانة البوذية:
ومن الديانات الهندية القديمة: (الديانة البوذية) التي جاءت كما يبدو لتصحيح ما حدث من انحراف في الديانة البرهمية، والمتكلمون عن بوذا يصفونه بصفات الأنبياء ابتداء بنزول الوحي عليه، ثم يغلون فيه غلو النصارى في المسيح ابن مريم ﵇ حتى إن أبا زهرة في كتابه (مقارنات الأديان) أثبت التوافق بين كثير من عبارات البوذيين في بوذا وعبارات النصارى في المسيح ابن مريم ولا نستطيع أن نعتمد على الروايات المأثورة عن بوذا لأنها كما قلنا سجلت بعد وفاته بفترة طويلة ولا نستطيع أن نجزم بشيء في أمره لكن بعض ما نسب إليه يتفق مع الوحي الذي أنزله الله ﷿ على رسولنا ومن ذلك مثلًا:
أن من تعاليم بوذا: أن على الإنسان أن يكون مقيدًا نفسه بثمانية أمور:.
(أ) الاتجاه الصحيح المستقيم: بأن يتجه إلى أي أمر يريده اتجاهًا صحيحًا مستقيمًا خاليًا من كل سلطان للشهوة واللذة وما تبعثه من أماني وأحلام فاسدة، فيجتهد عند الاتجاه إلى أي أمر في أن يخلص إرادته من شائبة اللذات أو الشهوات، وما يتصل بها من آمال تبعثها وأحلام تثيرها، وفي الجملة ينقي نفسه من كل ما يتصل باللذة عند الاتجاه.
(ب) الإشراق الصحيح المستقيم: وذلك أن الإنسان عند الاتجاه إلى أمر من الأمور اتجاهًا مستقيمًا خاليًا من شوائب اللذات، تعتريه نورانية تجعله يستطيع الوصول إلى حقائق الأشياء من غير أن يرنق نظره أي درن من أدران اللذة، ولا يرين على عقله ما تثيره من أهواء.
(ج) التفكير الصحيح المستقيم: وذلك أن العقل إن خلا من شوائب اللذة، ونال الإشراق الصحيح كان تفكيره مستقيمًا، وكانت العمليات العقلية التي يقوم بها في التفكير في
[ ٢ / ٨٤٢ ]
هذا الأمر مستقيمة لا تؤثر فيها نزعة هوى، ولا جموح شهوة، ولا اضطراب الأماني والأحلام في قلبه.
(د) ولا شك أن هذه المستقيمات الثلاثة السابقة: الاتجاه المستقيم والإشراق المستقيم، والتفكير المستقيم يترتب عليها أمر رابع مستقيم، وهو اطمئنان العقل والقلب إلى فكرة خاصة من بين ما يعرض لها من الأفكار والآراء والأنظار. وذلك هو الإيمان المستقيم، أو الاعتقاد المستقيم الذي يصحبه ارتياح واطمئنان، وبه يصير القلب في روح وريحان من النعيم المعنوي.
(هـ) والذي يتمم الأمور الأربعة السابقة لفظ مستقيم، وذلك بأن يكون نطق الإنسان بما انتهى إليه من فكره مطابقًا تمام المطابقة لاعتقاده، ولما ارتاح إليه، وعمر قلبه بالسرور به.
(و) السلوك المستقيم: وذلك هو الأمر السادس الذي لابد منه لسلوك الممر الوسط، والسلوك المستقيم ما يكون مطابقًا لكل ما قام بالقلب من اعتقاد فيكون العمل على وفق العلم، فلا مجافاة بينهما، ولا مناقضة، بل يكون كل منهما مؤكدًا للآخر أو متممًا له.
(ز) الحياة الصحيحة: بأن يكون قوامها هجر اللذات هجرًا تامًا وأن يكون كل ما يجري فيها متطابقًا مع السلوك القويم، والعلم الصحيح، ولا يشذ فيها شيء عن مقتضى هذا السلوك وأحكامه.
(ح) الجهد الصحيح: وذلك بأن تكون كل الجهود التي يبذلها الإنسان في سبيل أن تكون الحياة مستقيمة سائرة على مقتضى السلوك، والعلم والحق، ومنع كل ما له صلة باللذات، أو من شأنه أن يثير دواعيها. ويحفز إليها.
هذه هي الأمور التي لو تمت على وجه مستقيم سار الشخص على الجادة، وسلك الممر الوسط الذي يوصل إلى حياة سعيدة خالية من الآلام خلوها من دواعيها، وهي الشهوات واللذات. ا. هـ. (مقارنات الأديان لأبي زهرة).
[ ٢ / ٨٤٣ ]
ومن وصايا بوذا:
(أ) لا تقتل أحدًا؛ ولا تقض على حياة حي.
(ب) لا تأخذ مالًا لا يقدم إليك، فلا تسرق ولا تغصب.
(ج) لا تكذب، ولا تقل قولًا غير صحيح.
(د) لا تشرب خمرًا، ولا تتناول مسكرًا ما.
(هـ) لا تزن، ولا تأت أي أمر يتصل بالحياة التناسلية إذا كان محرمًا.
(و) لا ترقص، ولا تحضر مرقصًا ولا حفل غناء. أ. هـ (مقارنات الأديان - لأبي زهرة).
ومن الروايات عنه كما نقل ذلك فريد وجدي في دائرة معارفه:
(كما أنه لا فرق بين جسم الأمير وجسم المتسول الفقير كذلك لا فرق بين روحيهما كل منهما أهل لإدراك الحقيقة والانتفاع بها في تخليص نفسه ).
(ومما يريك مذهب البوذية في صورته الحقيقية ما حدث من المحاورة بينه وبين أحد تلامذته، وكان ذلك التلميذ أراد التحول إلى قبيلة (سرونا بارانتا) للمكث بين طهرانيهم ودعوتهم للبوذية، فعلم البوذة أن تلك القبيلة المشهورة بالشراسة وسوء الجوار لا يلينها إلا الثابت الضليع فأراد أن يحول تلميذه عن عزمه، فقال له:
إن رجال قبيلة (سرونا بارانتا) الذين تود أن تسكن بين ظهرانيهم متحمسون قساة سريعو الغضب، وأهل حمية وجحود، فإذا اتفق يابورنا ووجه إليك أولئك الناس ألفاظًا بذيئة خشنة وقحة ثم غضبوا عليك وسبوك فماذا كنت قائلًا؟
فأجابه: أقول لا شك أن هؤلاء قم طيبون لينو العريكة لأنهم لم يضربوني بأيديهم ولم يرجموني بالأحجار.
فقال البوذة: وإن ضربوك بأيديهم ورجموك بالأحجار فماذا كنت قائلًا؟
[ ٢ / ٨٤٤ ]
قال التلميذ: أقول إنهم طيبون لينون إذ لم يضربوني بالعصي ولا بالسيوف.
فقال البوذة: وإن ضربوك بالعصي والسيوف فماذا كنت قائلًا؟
قال التلميذ: أقول إنهم طيبون لينون إذ لم يحرموني الحياة نهائيًا.
فقال البوذة: وإن حرموك الحياة فماذا كنت قائلًا؟
قال التلميذ: أقول إنهم طيبون لينون إذ خلصوا روحي من سجن هذا الجسد السيئ بلا كبير ألم.
فقال له البوذة عند ذلك: أحسنت يا بورنا إنك تستطيع بما أوتيته من الصبر والثبات أن تسكن في بلاد قبيلة سرونا بارانتا فاذهب إليهم يا بورنا! وكما تخلصت فخلصهم وكما وصلت إلى الساحل فأوصلهم معك. وكما تعزيت فعزهم معك وكما وصلت إلى مقام النيرفانا الكاملة فأوصلهم إليها مثلك.
فذهب بورنا إليهم وكانت النتيجة أن آمنوا كلهم بالبوذة واتبعوا مذهبه) ا. هـ. وجدي.
أقول: وقد خالط الديانة البوذية ما خالطها ولكن الشذرات التي نقلناها توحي بأن لهذه التعاليم صلة برسالة سماوية.
٣ - الديانة الزرادشتية:
يرجع (أبو الكلام أزاد) في كتابه عن (ذي القرنين) أن زرادشت قد عاصر ذا القرنين الذي يرجح أنه (قورش) الفاتح الفارسي المشهور، وأن قورش كان على ديانة زرادشت، وعلى هذا فإن ظهور زرادشت يكون في القرن السادس قبل الميلاد، ويفرق أبو الكلام أزاد بين الزرادشتية والمجوسية فالمجوسية أقدم من الزرادشتية، وقد جاء زرادشت ليخرج الناس من ضلالها، ولكنها في النهاية امتزجت مع الديانة الزرادشتية وأفسدتها، ويذكر أبو الكلام أزاد أن أساسا الدين الزرادشتي:
(صدق النية وصدق القول وصدق العمل) وذلك يتفق مع الوحي الذي أنزله الله على
[ ٢ / ٨٤٥ ]
رسولنا ﵊ ومما يذكره أبو الكلام أزاد عن الدين الزرادشتي: الإيمان باليوم الآخر، ويذكر أبو الكلام شهادة المؤرخين على بعد الزرادشتية عن الوثنية، ويؤكد أبو الكلام أن الزرادشتية لا تقول بإلوهية اثنين بل تقول بإلوهية الله وتحارب الشيطان أما الثنوية فطرأت طروءًا بعد ذلك على الديانة الفارسية.
وقد نقل أبو الكلام بعض الكتابات المنحوتة في الصخر والتي لازالت موجودة حتى الآن والتي سجلها دارايوش خليفة قورش وابن عمه والذي يعتقد أنه كان على دين زرادشت الصحيح ما نصه:
(إن الإله العلي، أهورامزدا، هو الذي خلق الأرض، ورفع السماء، وفتح سبل السعادة على البشر، وهو الذي أقام دارايوش وحده حاكمًا على الكثيرين، وجعله واضع الشرائع لهم).
ويقول في كتابه أخرى: (يعلن دارايوش للناس قاطبة بأن أهورا مزدا، قد وهبني الملك بفضله ورحمته، وقد نجحت بتوفيقه تعالى في تدعيم الأمن والسلام في الأرض، وإني أبتهل إلى أهورامزدا إلهي، أن يرعاني أنا، وأسرتي، وجميع البلاد التي جعلني حاكمًا عليها. يا رب، أهورامزدا، اسمع دعائي واستجبه!).
الدعوة إلى الصراط المستقيم:
وكذلك يقول الملك:
(يأيها الإنسان، أمرك أهو رامزدا ألا تخوض قط في الشر، ولا تحيد عن الصراط المستقيم أبدًا، واحذر الإثم في جميع الأحوال) ا. هـ. (ويسألونك عن ذي القرنين).
ويدلل أبو الكلام على أن أصول الزرادشتية سماوية: أن المسلمين عاملوا المجوس معاملة أهل الكتاب باستثناء الزواج منهم وأكل ذبائحهم.
[ ٢ / ٨٤٦ ]
٤ - الديانات الصينية
لا تزال في الصين ديانتان رئيسيتان هما الكونفوشيوسية والطاوية والكونفوشوسية نسبة إلى كونفوشيوس، والطاوية؛ نسبة إلى لوتس الذي أدركه كونفوشيوس في أخريات حياته ولا نستطيع الجزم بشيء حول الرجلين هل هما تابعان لرسالة سابقة أو لهما دور آخر، ولكن الثابت أن كثيرًا مما روي عن كونفوشيوس يتفق مع معان إسلامية فهل كان ذلك أثرًا عن دين سماوي استفاد منه كونفوشيوس أو كان هو له وضع ما؟ لا نستطيع الجزم بشيءٍ، والمعروف من سيرته تجواله لنشر دعوته والتزامه بالعبادة وتمسكه بالعدل والفضيلة وقد دون تلاميذه آراءه ولا ندري هل السند متصل أو لا، أو كانت هذه كل آرائه، وهل كان النقل دقيقًا وقد ترجم أهم الكتب التي تدرون آراءه تحت اسم الحوار إلى اللغة العربية، ترجمه محمد مكين، والمعروف أن كونفوشيوس لخص كثيرًا من الكتب السابقة عليه التي تمثل معارف الصين، ومما نسب إلى كونفوشيوس:
(انصرفت إلى طلب العلم، وأنا في الخامسة عشرة من سني، وفى الثلاثين التزمت جادة الفضيلة، وفي الأربعين لم يكن في نفسي أي ريب في حقائق الأشياء وعلمت القضاء والقدر وأنا في الخمسين، وأصغت أذني إلى كل الحق عارفًا فاهمًا له وأنا في الستين، ولم أتجاوز حدود السلوك القويم وأنا في السبعين).
(السياسة هي الإصلاح فإن جعلت صلاح نفسك أسوة حسنة لرعيتك، فمن الذي يجترئ على الفساد)؟.
(إن أخلاق الرؤساء كالريح، وأخلاق المرءوسين كالعشب، وإلى أية جهة هبت الريح مال العشب).
(من يعلم الحق دون من يولع بطلبه؛ ومن يولع بطلبه دون من يطمئن إليه دائمًا) فالمراتب عنده ثلاث:
(١) معرفة للحق مجردة (٢) وشوق إلى الحق ومحبة له (٣) وعمل به وارتياح النفس إلى العمل به، مهما يكتنفها في العمل به من صعاب وشدائد ثم يقسم الناس بالنسبة للمعرفة
[ ٢ / ٨٤٧ ]
إلى أربع درجات: الدرجة الأولى درجة رجل وهبته السماء المعرفة، وأوتي الإلهام، وهي أعلى الدرجات، والثانية درجة رجل لم يؤت إلهامًا ولكن فيه ذكاء؛ فتعلم ووصل إلى أقصى ما يتعلمه من لم يؤت إلهامًا، والدرجة الثالثة درجة الرجل الذي لم يؤت ذكاء، بل فيه غباء، يطلب المعرفة، وينال منها بمقدار طاقته، والدرجة الدنيا وهي الدرك الأسفل. رجل حائر بائر في غباء وبلادة فلم يعرف ولم يحاول معرفة).
(الرجل الكامل الخلق يطلب الفضيلة؛ والرجل الناقص الخلق يطلب اللذة، والرجل الكامل الخلق يفكر في اجتناب الرذيلة وأداء الواجب، والرجل الناقص يفكر في كسب المنافع والرجل الكامل الخلق واقف على البر، والرجل الناقص الخلق واقف على الربح).
(الرجل غير الفاضل لا يستطيع أن يبقى في الفاقة أو الثروة طويلًا، أما ذو الفضيلة فهو مستريح في فضيلته، حريص عليها).
(ذو الفضيلة يستبشر بالماء الجاري؛ وذو الفضيلة يستبشر بالجبل الراسي؛ وذو الفضيلة نشيط، ورزين، ومعمر. فالفضيلة عنده روضة فيها الراح والريحان، والسر والاطمئنان، أما ذو الرذيلة فهو في شقاء وبلبال مستمر؛ وينزل عليه غضب السماء جزاء ما قدمت يداه واقترفت نفسه؛ ولذا يقول: (يولد الإنسان مستقيمًا فمن فقد الاستقامة واستمر حيًا؛ فنجاته من الموت من حسن حظه).
(انظر إلى أعمال الناس، ولاحظ بواعثها، وراقب ما إليه يستريحون فأين يخفي الناس سرائرهم!! أين يخفي الناس سرائرهم!! ..).
ولقد قال أحد تلاميذه: (أراقب نفسي وأسألها كل يوم هل خانت عندما تولت شئون الناس؟ هل كذبت عندما عاملت؟ هل كانت غافلة عن العمل بما تلقته من العلوم؟).
(إذا عزم المتعلم على طلب الطريقة الموافقة للفطرة السليمة وهو يأبى الملبس الخَلِق، والمطعم الجشب فهو خليق بأن يُحاضرَ).
( ثمرة الآداب حسن العشرة، وإنما تستحسن سنة السلف الصالح لاشتمالها على هذه
[ ٢ / ٨٤٨ ]
الصفة التي تراعى في جميع الشئون صغيرها وكبيرها، ولكن لو روعي حسن المعاشرة من غير أن يضبط بالفضيلة ما استقامت الأمور).
(الرجل الفاضل لا يتحيز، والرجل الفاضل لا يتعصب).
(واجب الولد البر بأبويه إذا كان داخل المنزل، والاحترام لذوي الأسنان إذا كان خارجه، والصدق في أقواله، والرحمة بالناس في كل أفعال، وأن يتقرب إلى الفضلاء وإذا كان لديه فراغ من الوقت زجاه في كتب الأخلاق).
(من الناس من نستطيع محادثته في العلم، ولا يمكن أن نحمله على السير معنا بمقتضى الفطرة، ومنهم من نستطيع أن نسير بهم على الفطرة من غير أن يكونوا ذوي قدم ثابتة فيها، منهم من يكون ذا خلق قويم شديد التمسك بالفطرة والكمال الإنساني، ولكن لا يمكننا مشاورته في تقدير الشئون).
( يقول في وصف آراء أستاذه وأثرها في نفسه: (إذا رفعت إلى آراء الأستاذ النظر رأيتها أعلي مما كنت أعتقد، وهي ملء نفسي، وتحيط بي، وتستغرق كل حسي، والأستاذ يرشد الناس بالتدريج إرشادًا حسنًا، وقد وسع بالعلوم مجال فكري. وضبط بالآداب سلوكي، حتى أني لو رغبت في ترك آرائه ما طاوعتني نفسي).
(أتظنون أني أخفي عليكم شيئًا، ما من أمر أعمله إلا فيه إرشادكم، وهذه هي طريقتي في التربية).
(لا يمكن أن أعاشر الطيور والوحوش، فلو لم أعاشر هذه الأمة، فمن الذي أعاشره؟ لو كانت البلاد تحت سيادة عادلة ما كنت في حاجة إلى محاولة لإعادة نظامها).
(إذا كان واجب كل شخص من آحاد الأمة أن يعتزل في كهف من الكهوف، فمن الذي يبقى في المدن يعمرها، وفى الأرض يفلحها ويزرعها، وفي الصنائع يمر فيها، ومن الذي ينسل ويعمل ليبقى الكون عامرًا ببني الإنسان؟ وإذا كان الاعتزال مقصورًا على الحكماء والفضلاء فمن الذي يربي الإنسان ويؤدبه؟ أم يترك الناس حائرين لا هادي ولا مرشد).
[ ٢ / ٨٤٩ ]
(إن في الفصل بين المتخاصمين كغيري من الناس، ولكن السياسة الحكيمة أن تهذب الرعية، حتى لا تكون مخاصمة).
(إن الحاكم إذا شغف بالآداب الفاضلة لا يجترئ أحد من رعيته على إهانة غيره، وإذا شغف بالصدق لا يجترئ أحد على الكذب، ومن هذه حاله أقبل عليه الناس حاملين أولادهم على ظهورهم).
(إن كان سلوك الرئيس مستقيمًا أطاعه المرءوسون من غير أن يأمرهم، وإن كان غير مستقيم لم يطيعوه ولو أمرهم ).
(الرعية إذا قدتها بالأحكام الصارمة والعقوبات الزاجرة فستحاول التخلص منها وهي غير مستحية من مخالفتها، وإذا قدتها بالفضائل وأصلحتها بالآداب تستحي من ارتكاب الجرائم وهي صالحة).
سأله أحد تلاميذه عن ضروريات السياسة فقال: "من ضروريات السياسة الأقوات الكافية وذخائر الحرب الواقية، وثقة الرعية".
فقال التلميذ: (لو اضطررنا إلى حذف واحد من هذه الثلاثة فبأيها نبتدئ بالحذف؟ قال: (احذفوا ذخائر الحرب) قال: (لو اضطررنا إلى حذف أحد هذين الأمرين فأيهما تحذف؟ وأيهما تبقى؟).
قال: (احذفوا الأقوات، فإن الموت حظ الإنسان منذ الغابر من الأزمان، ولكن السياسة لا تقوم إلا بثقة الرعية).
سأله أحد تلاميذه قائلًا: كيف يجعل الحاكم رعيته يجلونه ويثقون به مخلصين ويتواصون بالخير فيما بينهم؟.
فقال مجيبًا: (إذا قابلهم بالسمت والوقار أجلوه. وإذا كان بارًا بوالديه شفيقًا على قومه أخلصوا له، وإذا رفع الصالحين وأعان العاجزين تواصوا بالخير).
ولقد سأله أمير مقاطعته قائلًا: (كيف تكتسب طاعة الرعية؟) فأجابه بقوله: (إذا أعلي الصالحون وأبعد الطالحون أطاعت الرعية، وإذا أقصى الصالحون، وأدنى الطالحون
[ ٢ / ٨٥٠ ]
عصت الرعية ).
( لو تداولت أيدي الصالحين شئون الدولة لمدن قرن واحد لتهذب الظالمون جميعًا، ولاستغنى الحاكم عن عقوبة الإعدام ).
(آمن بالحق، وأحب العلم، واتبع الفطرة، ولا تقم في مملكة سادتها الفوضى واطلب المنصب إذا كانت البلاد محكومة بسياسة حكيمة، واعتزل إذا كانت تحت سياسة غاشمة، فمن العار أن تفتقر وتبتعد، والبلاد تحت سياسة عادلة، ومن العار أن تغنى وتعتز والبلاد تحت سياسة غاشمة).
(لا يكن همك أن تتولى المنصب، بل ليكن همك ما يؤهلك لهذا المنصب، ولا تهتم بجهل الناس قدرك، بل اهتم بالفضل الذي تريد أن يعرفوك به).
(من يخدم الأمراء فليجعل العناية بأداء الواجب في المحل الأول، وأمر الراتب في المحل الثاني).
ذكر أحد تلاميذه أن وزيرًا من الوزراء تولى رياسة الوزارة ثلاث مرات، فلم يظهر على وجهه أمارة الابتهاج في واحدة منها، واستقال ثلاث مرات، فلم يبد في واحدة منها على وجهه الاكتئاب بل كان يخبر الوزير الجديد بجميع ما حصل في شئون الدولة في عهده، فقال كونفوشيوس: (قد كان مخلصًا).
ناقشته تلاميذه في اعتزاله مناصب الدولة قال لهم: (لماذا يهمكم أن يفقد أستاذكم منصبه!! إن البلاد قد خلت من العدل والاستقامة من زمن بعيد، وستتخذ السماء أستاذكم ناقوسًا ).
قال فيه أحد تلاميذه: (إن رتبة الأستاذ (كونفوشيوس) لا يمكن أن يصل إليها أحدكما، إن السماء لا يمكن أن يصعد إليها أحد: لو كان للأستاذ حظ من الإمارة أو الرياسة لصدق عليه قول القائل: إن أقام الرعية قاموا سراعا وإن هداهم سارعوا وإن أراحهم آووا منه إلى ظل وارف وإن عاش عاش جليلًا وإن مات لقيت بموته النفوس حسرات فكيف يمكن أن يصل إلى رتبته غيره!!) ا. هـ. (مقارنات الأديان لأبي زهرة).
[ ٢ / ٨٥١ ]
٥ - ديانات ما بين الرافدين
لقد بعث نوح ﵇ في بلاد ما بين الرافدين، وبعث إبراهيم ﵇ في مدينة أور من بلاد الرافدين ثم هاجر إلي بلاد الشام، وقد بعث يونس ﵇ في الموصل من بلاد ما بين الرافدين، ولا زال في بلاد ما بين الرافدين أصحاب دين يسمون الصابئة، وهم يزعمون أنهم ينتسبون إلى إدريس ﵇، وإدريس كان قبل نوح ﵇ ولذالك فغن من المستبعد أن تسلم لهم هذه النسبة، على أن القرآن ذكر الصابئة القدماء في جملة أهل الأديان السماوية ابتداء، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١).
على أن العلماء التفسير مختلفون هل المراد بالصابئة هنا قدماء صابئة أهل العراق ممن كانوا على دين صحيح، أو المراد بهم كل من ترك الدين الباطل إلى الدين الحق، ولعله من المفيد استكمالًا لأخذ تصور عام أن نذكر شيئًا قدمته الحفريات الأثرية عن رسالة نوح علية السلام وعن بعض ما قيل في الصابئة كأهل دين:
أ- بعض ما تذكره الحفريات عن نوح ﵇ وقصة الطوفان:
إن كثيرًا من الكتب الدينية السابقة قد تحدثت عن قصة نوح ﵇ وقصة الطوفان، كما أن قصة الطوفان ذكرت في الكثير من الألواح التي عثر عليها أثناء التنقيب عن الآثار ولا زالت المحاولات حتى يومنا هذا جادة في محاولة الثور على بقايا سفينة نوح على جبل أرارات.
ولكن الألواح التي تحدثت عن الطوفان كتبت بعد آلاف السنين من حادثة الطوفان. وقد رأينا أن الحفريات تثبت أن بين ساراجون الملك ونوح ﵇ قد حكم بعض الأسر في بلاد الرافدين خمسة وعشرين ألفًا من السنين، ومع عدم الثقة فى دقة ما تقدمه لنا ألواح الحفريات، فإن هناك قاسمًا مشتركًا بينهم وهو إثبات حادثة الطوفان، كنموذج على ذلك ننقل ما كتبه العقاد في كتابه إبراهيم ﵇ قال:
_________________
(١) البقرة: ٦٢.
[ ٢ / ٨٥٢ ]
(وتؤلف قصة الطوفان البابلية من اثني عشر فصلًا على حسب البروج: وراوي القصة يسمى (اسدبار) وقد عبر بحر الموت ليصعد إلى السماء ويلقى زستور الذي ارتفع إليها بعد نجاته من الطوفان، والباقي من ألواح هذه القصة في المتحف البريطاني يحكيها على هذا المثال:
(ابن بيتًا واصنع سفينة تحفظ النبات والحيوان، واخزن البذور واخزن معها بذور الحياة من كل نوع تحمله السفينة، وليكن طولها ستمائة قدم في ستين عرضًا .. وتدخل السفينة وتحكم وإغلاقها، وتضع في وسطها الحبوب المتاع والأزواد والخدم والجند، وتضع فيها كذلك أجناس الوحش لحفظ ذريتها
وقال الله ليلًا: إني سأرسل السماء مدرارًا، فادخل إلى جوف السفينة، وأغلق عليها بابها. وتغطي وجه الأرض وهلك كل ما عليه من الأحياء، وفار الماء حتى بلغ السماء، ولم ينتظر أخ أخاه ولم يعرف جار جاره. ستة أيام وست ليال، والرياح تعصف والأنواء تطغى، ثم كان اليوم السابع فانقطع المطر وسكنت العاصفة التي ماجت كموج الزلزال. سكنت العاصفة وانحسر البحر وانتهى الطوفان، وحج البحر بعد ذلك عجيجة، واستحال الناس طينا وطفت أجسادهم على وجه الماء.
ثم استوت السفينة على جبل نيزار .. وأرسلت أنا الحمامة فذهبت وعادت ولم تجد من مقر تهبط عليه، فأرسلت عصفور السمانة فعاد وما هبط على مكان، وأرسلت الغراب فراح ينهش الجثث الطافية فلم يرجع، ثم أطلقت الحيوانات في الجهات الأربعة وبنيت على رأس الجبل مذبحا فقربت لدية قربانا وفرقته في أنية سبعة وفرشت حوله الريحان ..).
وقد علم المنقبون أن هذه القصة منسوخة من مصدر قديم أقدم منها، فهذه الألواح لا يقل تاريخها عن ألفين وخمسمائة سنة، والمصدر الذي نقلت منه يرجع إلى أوائل الألف الثالثة قبل الميلاد.
وعلم المنقبون في جميع آثار الأرض التي كشفت في العالم القديم أو العالم الجديد إن قصة الطوفان عامة لا تنفرد بها الآثار البابلية، ولا يقل تاريخها في القدم عن تاريخه) اهـ. العقاد (إبراهيم أبو الأنبياء).
[ ٢ / ٨٥٣ ]
ب- الصابئة:
حاول الأستاذ عبد الرحمن حبنكة أن يعطينا تصورًا عن صائبة العراق في كتابه: (العقيدة الإسلامية) فقال.
(يقول المؤرخون: إن أمة السريان أقدم الأمم، وملتهم هي ملة الصابئين -نسبة لصابي أحد أولاد شيث-، ويذكر الصابئون أنهم أخذوا دينهم عن شيث وإدريس، وأن لهم كتابًا يعزونه إلى شيث ويسمونه: (صحف شيث)، ويتضمن هذا الكتاب على ما يذكرون الأمر بمحاسن الأخلاق، والنهي عن الرذائل.
وأصل دينهم التوحيد وعبادة الخالق جل وعلا. وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة بالعمل الصالح في الدنيا، والحض على الزهد في الدنيا، والعمل بالعدل.
قالوا: وللصابئين عبادات منها: سبع صلوات في اليوم والليلة: خمس صلوات منهن توافق صلوات المسلمين، والسادسة صلاة الضحى، والسابعة صلاة يكون وقتها في الساعة السادسة من الليل. وصلاتهم تشبه صلاة المسلمين من حيث النية وعدم خلطها بشيء من غيرها.
ولهم صلاة على الميت بلا ركوع ولا سجود.
وعندهم صيام شهر قمري من السنة ويصومون من ربع الليل الأخير حتى غروب قرص الشمس.
ويعظمون بيت مكة.
قال ابن حزم: والدين الذي انتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر، وقد كان الغالب على الدنية إلى أن أحدثوا فيه الحوادث) ا. هـ. (العقيدة الإسلامية).
وقد تحدث العقاد في كتابه: (إبراهيم أبو الأنبياء ﵇) عن الصابئة، وكان من كلامه:
تدين بعقائد الصابئة ملة يبلغ عدد أبناؤها ستة ألاف بين رجل وامرأة وطفل، ولا يجوز بها المبالغ في عددها عشرة آلاف.
وهي على قلة عددها تستقل بلغة (مقدسة) خاصة، [عندهم] ولهم كتابة أبجدية خاصة، وأحكام دينية في معيشتها ولا تشبه في جملتها دينًا واحدًا ولكنها تشبه في بعض
[ ٢ / ٨٥٤ ]
أجزائها كل دين.
ومن ثم كان لها شأن في الدراسات الدينية.
ففيها ولا شك عقائد سابقة لجميع الأديان الكتابية، وعقائد سابقة لدين الخليل. بل فيها - على رأي بعض الباحثين- بقية من الديانتين المختلفتين في عصر الخليل، لأن الصائبة يدينون بمذاهب مختلفة يرد بعضها على بعض، ولا سيما مذاهب الكواكب والأصنام، مما تواترت الأخبار بالاختلاف عليه بين قوم إبراهيم ومن حاربوهم واضطروهم إلى الهجرة من بلادهم
ويقول رايت wright صاحب كتاب المطالعة العربية إن حروفهم الأبجدية تشبه الحروف النبطية، وإن لغتهم تشبه لغة التلمود الذي كتب في بابل، ويقولون هم إن لغتهم الأولى سريانية وإنهم كانوا بمصر على عهد الفراعنة الأول وتلقوا ديانتهم الأولى عن أحبارهم ثم هجروها حين تحول أهلها عن الدين القويم.
والمحقق من أمرهم أنهم يرجعون إلى أصل قديم، لأن استقلالهم باللغة الدينية والكتابة الأبجدية، لم ينشأ في عصر حديث ولهذا يفهم الدارسون للأديان أن تحقيق لغتهم وكتابتهم يؤدي إلى جلاء الغوامض عن كثير من تاريخ الكلدان في الزمن الذي قام فيه الخليل بدعوته، ويؤكد هذا الفهم أن هؤلاء الصابئة يقيمون في الأقاليم الجنوبية من العراق حيث أقام الخليل في رواية العهد القديم، ومنهم فئة تحج إلى حاران التي هاجر إليها، وينسب إليها الصابئة الحرانيون
ومع استقلال الصابئة باللغة الدينية والكتابة الأبجدية، يشتركون مع أصحاب الأديان في شعائر كثيرة، ولا يعرف دين من الأديان تخلو عقيدة الصابئة من مشابهة له في إحدى الشعائر. . فهم يشبهون البراهمة والمجوس والأورفيين أصحاب النحل السرية، كما يشبهون اليهود والنصارى والمسلمين، أو كما يشبهون الفلاسفة وأصحاب المذاهب العقلية في تفسير الوجود والموجودات.
وهم كما يشبهون الجميع يخالفون الجميع.
فمن مشابهتهم للبراهمة أنهم يتحرجون من ملامسة غيرهم، ويتطهرون إذا لمسوا غريبًا في
[ ٢ / ٨٥٥ ]
حالة من حالات العبادة.
ومن مشابهتهم لأصحاب العقائد الأورفية - أو السرية - أنهم يكتمون كتبهم أشد الكتمان، ولا يباشرون شعائرهم مع الغرباء، ويتقاسمون الخبز المقدس علامة على الأخوة الروحية، ويعتقدون أن الكون كونان وأن الخلق خلقان. فالكون الظاهر غير الكون الباطن، ولكل مخلوق في العلانية صورة محجوبة في عالم الغيب .. حتى آدم وبنوه منهم أهل ظاهر وأهل باطن لا يراهم من يعيشون في العلانية.
ومن مشابهتهم للمجوس أنهم يتوجهون إلى قطب الشمال وإلى الكواكب عامة، ولكنهم لا يعبدونها، بل يحسبونها من مظاهر الروحانيات التي لا تبرز للعيان ..
ومن مشابهتهم للمسيحين أنهم يدينون بالعماد، ويبجلون يوحنا المعمدان أو يحي المغتسل. ولكن التعميد أعم عندهم من التعميد في المسيحية، ويندر منهم من يسكن بعيدًا من الأنهار لحاجتهم كل يوم إلى العماد، وإلى التطهر بالماء.
ومن مشابهتهم للمسلمين أنهم يقيمون الصلاة مرات في اليوم، ويقولون إنها فرضت عليهم سبعًا ثم أسقطها يوحنا عنهم وأدخل بعضها في بعض واكتفى منها بثلاث، ولكنهم لا يسجدون في صلاتهم بل يكتفون بالقيام والركوع، وهو يتوضأون قبل الصلاة ويغتسلون من الجنابة. ويعرفون نواقض الوضوء ولكنهم يغالون فيها.
وعندهم ذبائح كذبائح اليهود، ويوم في ختام السنة كيوم اليهود. ولكنهم يحرمون الختان ولا يبنون لهم هيكلًا قائمًا، بل يبنون الهيكل من القصب كما تبنى الخيام، موقوتًا عند الحاجة إليه في الأعياد. فكأنها بقية أو أصل لعيد الظلال وللهيكل المنقول.
ومنهم من يحرم الطعام الذي حرمه أتباع فيثاغورس كالبصل، ويضيفون إليه أنواعًا من الخضر كالكرنب ولحوم الحيوان ذي الذنب، لأنهم يستوحون الغيب في الرؤيا، وهذه الأطعمة تمنع الرؤيا الصادقة.
والمشهور عن الصابئة أنهم يوقرون الكعبة في مكة، ويعتقدون أنها من بناء هرمس أو إدريس ﵇، وأنها بيت زحل أعلى الكواكب السيارة، وينقل عنهم عارفوهم أنهم قرأوا صفة محمد ﵇ في كتبهم، ويسمونه عندهم ملك العرب، لأن الشائع فيهم أنهم
[ ٢ / ٨٥٦ ]
لا يؤمنون بالأنبياء إلا فرقة واحدة تذكر شيئًا وإدريس وإبراهيم ويحيى المغتسل، ويحسبونهم تارة من الأنبياء وتارة من عباد الله الخلص الذين وصلوا بالرياضة والعبادة إلى مقام الزلفى والإلهام.
وقد كان الباحثون يعجبون لتنويه القرآن الكريم بهذه الملة مع قلة عددها وخفاء أمرها، ولكن الدراسات الحديثة بينت للباحثين العصريين شأن هذه الملة في دراسات الأديان كافة، فعادوا يبحثون عن عقائدهم الآن وعقائدهم في عصر الدعوة الإسلامية، وثبت لهم أنها تؤمن بالله واليوم الآخر، وتؤمن بالحساب والعقاب، وأن الأبرار يذهبون بعد الموت إلى عالم النور (آلمي دنهورو) وأن المذنبين يذهبون إلى عالم الظلام (آلمي دهشوخا) ويلبثون فيه زمنًا على حسب ذنوبهم، ثم ينقلون منه إلى عالم النور ..
ولهم كتاب يسمونه (كنزة) ولعله من مادة الكنز التي تفيد معنى النفاسة والكتمان، لأنهم يقدسونه ويخفونه فلا يطلعون أحدًا على أسراره ..
إلا أن المتفق عليه أن اللغة التي كتب بها كتاب الكنزة وغيره من الكتب المقدسة عندهم هي لفة سامية الأصل قريبة من السريانية، وتكفي نظرة في مصطلحاتهم للجزم بهذه التقية ويوجبونها، ومن ذاك أنهم يحرمون الصيام باطنًا كما اشتهر عنهم، ولكنهم يصومون جهرًا، ويروي ابن النديم في الفهرست أنهم يصومون ثلاثين يومًا مفرقة على أشهر السنة، وقد يتنفلون بصيام أيام النسيء الخمسة، ويروى عنهم أنهم يصومون خمسة أسابيع يأكلون فيها الطعام نهارًا وليلًا ويجتنبون أكل اللحوم المباحة لهم وهي غير ذات الذنب، ويقال إن الصيام بنوعيه قديم عندهم ويرجع إلى أيام البابليين. ا. هـ. (إبراهيم أبو الأنبياء).
وبعد:
لقد ذكرنا هذا الوصل ليكون القارئ على بصيرة في فهم موضوع الرسالة، فلقد غلب على عض الناس فهم أن الرسالات لم تكن إلا في منطقتنا من هذا العالم، وهذا غلط، كما أن هناك ناسًا قد يسارعون في نسبة النبوة والرسالة إلى أحد دون تحقيق ودون عرض على
[ ٢ / ٨٥٧ ]
النصوص، كما أن هناك ناسًا يغالطون ويغلطون فيذكرون أن عقيدة التوحيد كانت نتيجة تطور، وهم بذلك ينفون رسالات الله إلى الأمم، وينسون أن أول رسول هو آدم ﵇، فالتوحيد هو الأصل دائمًا يحدث الانحراف.
ومما يذكر في هذا الوصل وغيره، ندرك رحمة الله ونعمته على البشرية إذ أرسل محمدًا ﵌ بهذا الكتاب، وبهذا الدين الكامل الذي أخرج الناس جميعًا بما في ذلك بقايا أهل الأديان من الظلمات إلى النور.
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ (١).
لقد قلنا من قبل: إن الله ﷿ قد بعث محمدًا ﷺ ليكسر استمرارية أهل الأديان وغيرهم على الكفر، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (٢).
ومن هذا الإرسال وقيام الحجة به بهذا القرآن الخالد المعجز فإن الكثيرين لازالوا مستمرين على ما ورثوه من كفر وضلال، ولذلك حكمته.
ومن حكمته: أن الله ﷿ خلق النار وخلق لها أهلها، وقال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٣).
ومن حكمته: أن يزداد أهل الإيمان يقينًا عندما يقارنون ويدرسون ويكتشفون أن حقائق القرآن هي التي ترجع الناس إلى فطرهم وحقائق أديانهم قبل التحريف والتبديل.
ولكن إذا كان في استمرارية أهل الكفر على كفرهم حكم فهذا شيء، وأن نقوم بحق الله في الدعوة إلى دينه الحق شيء آخر، فقد أوجب الله ﷿ علينا أن ندعو وأن نبلغ،
_________________
(١) إبراهيم: ١ - ٣.
(٢) البينة: ١ - ٣.
(٣) السجدة: ١٣.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
وأعلمنا أن أهل الكتاب في شك من أمرهم ولذلك فإن علينا أن ندعوهم ونقيم الحجة عليهم، والشأن شأنهم أن يختاروا الجنة على النار، أو النار على الجنة. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ (١).
* * *
_________________
(١) الشورى: ١٣ - ١٥.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
الوصل الثاني
في:
وراثة الأنبياء وكرامات الأولياء
وفيه:
مقدمة ونصوص
[ ٢ / ٨٦١ ]
المقدمة
إن قلب المؤمن يحتاج إلى تثبيت مستمر، ولقد قال الله ﷿: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (١)، قال الله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (٢). وتثبيت فؤاد المؤمن إنما يكون بملازمة الذكر والطاعات، وبالاجتماع على القرآن والذكر، والكينونة مع أهل العلم والصدق، وتلقي الهداية على الأولياء المرشدين، ورؤية كرامات الأولياء وسيما الصالحين والانتساب لأهل الحق والعدل، إلى غير ذلك من وسائل جعلها الله أسبابًا لتثبيت أفئدة المتقين.
ومن أهم ما يصلح به حال الإنسان. ويقوم به دين الله أن يوجد الوراث الكاملون للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، الذين أجتمع لهم علم وولاية وإرشاد، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٣)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (٤)، فهذه الآية تدل على أن الغاية في الهداية هو الولي المرشد، فإذا ما وجد الوارث الكامل أصبح بالإمكان أن يتخرج على يديه النماذج العليا من البشر وهم الصديقون والشهداء والصالحون، وفي هذا الجو توجد كرامات والمعونات وتوجد الأجواء الإسلامية الصافية، ومن ههنا كان من أهم ما يحرص عليه المسلم أن يكون وارثًا نبويًا كاملا، بأن يكون عالما وليا مرشدا، ومن أهم ما يحرص عليه المسلم أن يتتلمذ على أمثال هؤلاء، وأن يعيش في أجوائهم وأن يحبهم هو وإخوانهم في الله، وقد حسن الهيثمي الحديث الذي يقول: "كن عالمًا أو متعلمًا أو محبًا ولا تكن الخامسة فتهلك: أن تبغض العلم وأهله" (٥).
إن النبوة قد انقطعت وإنما يصلح حال البشر بوجود وراث الأنبياء وكرامات الأولياء، فبذلك تستمر أحوال الأنبياء ظاهرة في الأمة، وعن ذلك ينبثق كل خير، وبقدر ما يتولى وراث الأنبياء قيادة الأمة وريادتها وتلقين الناس آيات الله وتفهيمهم إياها، وتلقينهم
_________________
(١) الفرقان: ٢٢.
(٢) هود: ١٢٠.
(٣) آل عمران: ٧٩.
(٤) الكهف: ١٧.
(٥) مجمع الزوائد: (١/ ١٢٢).
[ ٢ / ٨٦٣ ]
الحكمة، لأنفس الناس وتعليم الناس الفقهين الكبير والأكبر فإن الأمر يكون مستقيمًا.
أما إذا آل أمر الدعوة والتعليم والإرشاد إلى من ليس له في الوراثة الكاملة قدم فإن أمر الإسلام ينقص بقدر نقصان مقام الوراثة، والوراثة الكاملة كما قلنا علم وولاية وإرشاد.
إن الأمة الإسلامية بحاجة إلى أن تجدد أمر الإسلام في حياتها وفي أنفسها وعلى كل مستوى، ومن تجديد أمر الإسلام أن نجدد حياة وحيوية كثير من المعاني التي ذكرها القرآن، ومفتاح ذلك كله هو وجود الوارث الكامل. فكما حدثنا القرآن الكريم عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وعن معجزاتهم فقد حدثنا عن الصفوة المختارة من أتباعهم، فحدثنا عن الربانيين وعن الحواريين والسابقين، وعن أهل اليمين وعن الصديقين والمحسنين والشاكرين، كما حدثنا عن كرامات تجري لهؤلاء أو على أيديهم، وبالكلام عن هؤلاء تستكمل الصورة المضيئة للحياة البشرية ولحياة القدوة والصفوة.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ (١).
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٢).
﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (٣).
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (٤).
_________________
(١) آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨.
(٢) آل عمران: ٧٩.
(٣) المائدة: ٤٤.
(٤) النساء: ٦٩.
[ ٢ / ٨٦٤ ]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١).
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ (٢).
﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (٣).
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٤).
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٥).
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٦).
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ (٧).
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٨).
﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٩).
إن من علامات الإسلام وحيويته أن يوجد أمثال هؤلاء الذين ذكرتهم هذه الآيات، وكما قلنا من قبل فإن مفتاح وجودهم هو الوارث الكامل الذي اجتمع له علم وولاية وإرشاد، فعلم بلا ولاية ولا إرشاد لا يفترق فيه صاحبه كثيرًا عن علماء القانون وهواة الدارسين إلا إذا صحت نيته فإنه مأجور، وعلم وإرشاد بلا ولاية مفيد ولكن لا تحيا به القلوب، وإرشاد بلا علم وولاية ضلال وتضليل، وولاية وعلم بلا إرشاد ولاية قاصرة إن كان
_________________
(١) الحديد: ١٩.
(٢) العنكبوت: ٩.
(٣) الكهف: ١٧.
(٤) يونس: ٦٢، ٦٣.
(٥) الذاريات: ١٥ - ١٩.
(٦) الواقعة: ١٠ - ١٢؟
(٧) الواقعة: ٨٨، ٨٩.
(٨) المؤمنون: ٥٧ - ٦١.
(٩) الفجر: ٢٧ - ٣٠.
[ ٢ / ٨٦٥ ]
لصاحبها عذر في ترك الإرشاد، وإلا فلا ولاية في هذه الحالة.
ومقام الولاية مقام ذكره القرآن وذكرته السنة ولعله من المناسب أن نقف وقفة نتحدث فيها عن الأولياء - نفعنا الله بهم - وكراماتهم، والأولياء هم الذين تحققوا بسلامة اعتقاد وحسن عمل على ضوء علم صحيح واتباع صحيح.
وفي الحديث الذي رواه البخاري (١): "من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحيه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعادني لأعيذنه". فالذي يقوم بالفرائض الظاهرة والباطنة ويكثر من النوافل هو مظنة استجابة الدعاء وتلبية الحاجات ومظنة أن يعاقب مؤذيه في الدنيا والآخرة، وهو مظنة تنزل الرحمات عليه وعلى من يحبط به قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (٣)، وهم مكرمون بالبشارات ومؤيدون بالرؤى المبشرات ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٤).
روى الطبراني، عن حذيفة بن أسيد قال: قال رسول الله ﷺ: "ذهبت النبوة فلا نبوة بعدس إلا المبشرات: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له" (٥).
وفي رواية لابن ماجه (٦): "ذهبت النبوة وبقيت المبشرات".
وليس كل من ظهرت على يده خوارق العادة أو استجيب دعاؤه وليًا، فقد يستجيب
_________________
(١) البخاري (١١/ ٣٤٠) ٠ - ٨١ - كتاب الرفاق - ٣٨ - باب التواضع.
(٢) الأعراف: ٥٦.
(٣) الأعراف: ١٥٦، ١٥٧.
(٤) يونس: ٦٢ - ٦٤.
(٥) المعجم الكبير (٣/ ١٧٩). وهو حديث حسن. مجمع الزوائد (٧/ ١٧٣). وقال: رواه الطبراني والبزار، ورجال الطبراني ثقات.
(٦) ابن ماجه (٢/ ١٢٨٣) - ٣٥ - كتاب تعبير الرؤيا - ١ - باب الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له. وهو عنده عن أم كرز.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
الله لكافر أو فاسق: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (١)، ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ (٢)، وإنما نصف بالكرامة من اجتمع له صلاح واستقامة، فعندئذ إذا ظهرت على يده خارقة أو حدث توفيق خاص أو استجيب دعاؤه فذلك في حقه كرامة، فوصف الكرامة يتحقق إذا اجتمع بصاحبها صفات معينة ولذلك قالوا في تعريفها: (الكرامة هي أمر خارق للعادة يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح يلتزم بمتابعة النبي ﷺ مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح).
والمعونة عندهم صفة لتوفيق إلهي أو تفريج كرب أو خرق لعادة إذا ظهرت على يد عبد مستور الحال، فإذا ما ظهرت الخارقة على يد فاسق أو كافر فعي استدراج، فالعبرة للموصوف في إعطاء الصفة للخارقة. وقد حدث لبس في موضوع الولاية، فإذا ظهرت خارقة على يد إنسان فهناك من يعطيه صفة الولاية، ويرتب عليها عصمة وطاعة ومتابعة بصرف النظر عن الالتزام الشرعي أو العلم بالشريعة، ولذلك نجد كثيرًا من الناس طمحت أبصاره ليعرفوا بالولاية فيكون لهم احترام وتصدر جاه وإتباع، فالتبس الأمر على العامة، مع أنه في الأصل قد يكون الإنسان وليًا وليس كاملًا من كل الجهات، وقد يكون وليا ولكن لا يتجاوز به مقامه في العلم والمتابعة. ألا ترى إلى مالك ﵀ يقول: "إن من شيوخي من أستسقي الله به ولا أقبل حديثه".
وقال ابن عطاء: ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه.
فالولاية ثابتة بنصوص الكتاب والسنة ولكن من هو الولي؟.
إنه الذي يتولى الله في العبادة والطاعة من غير تخلل معصية، مع جوازها عليه، ويتولاه الله بالرعاية والعناية، فهو عارف بالله وصفاته، مواظب على الطاعات مجتنب للمعاصي، غير منهمك باللذات والشهوات المباحة، وإذا ارتكب معصية أو حدثت له غفلة أحدث توبة.
والكرامة ثابتة بنصوص الكتاب والسنة، فهذا القرآن يذكر لنا عن مريم ﵍:
_________________
(١) النمل: ٦٢.
(٢) الإسراء: ٦٧.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١).
ويذكر قصة صاحب سليمان إذ أتى بعرش بلقيس قبل أن يرتد طرف سليمان إليه، ويذكر قصة أصحاب الكهف ونومتهم الطويلة وبقاء حياتهم بلا طعام ولا شراب، وهذه السنة الثابتة تذكر حادثة عمر مع سارية، وإضاءة العصا لأسيد بن حضير وعباد بن بشر، وما رزق الله خبيثًا من الرزق وهو أسير بمكة، ولكن لا تصف أحداُ بالكرامة إلا إذا كان مظهرًا للاستقامة.
ومع وجود الكرامة والولاية فلا يتجاوز بالولي مقامه ومؤهلاته، فإن كان أهلًا للإمامة قدم، وإن كان أهلًا للعلم أخذ منه، وما يظهر منه أو له يوزن بميزان الشريعة. فالشريعة معصومة، ومن سوى الأنبياء فليس بمعصوم: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
لقد كان للخضر مقامه العظيم في الولاية على رأي من يقول بولايته، ولكن الإمامة والرسالة كانت لموسى ﵇، فهو الذي طولب قومه بإتباعه والتلقي عنه والأخذ منه، وهذا شيء، وأن تقدم لمن عرفناه بالولاية أو من هو مظنتها الاحترام والأدب والتوقير شيء آخر، فأدبنا مع أمثال هؤلاء مؤكد واحترامنا لهم مطلوب، والمسلم الحكيم يضع كل شيء في محله.
وإذا فما نعرف به الولي: استقامته وظهور الكرامة على يده، وشيء آخر هو حب أهل الصلاح له وثناؤهم عليه.
ولنعد إلى ما بدأنا به هذا الوصل: فالمطلوب هو الوارث الكامل، الذي في صفاته الولاية، ومن صفاته الأخرى العلم والإرشاد، والقيام بمهام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبذلك تستقيم الحياة البشرية.
_________________
(١) آل عمران: ٣٧.
(٢) الجاثية: ١٨.
[ ٢ / ٨٦٨ ]
النصوص
٨٤٨ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: إن أصحاب الصفة كانوا ناسًا فقراء، وإن النبي ﷺ قال مرة: "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة، فليذهب بخامس، بسادس" - أو كان قال - وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي ﷺ بعشرة، قال: فهو أنا وأبي وأمي - ولا أدري هل قال: وامرأتي - وخادم [بين] بيتنا وبيت أبي بكر، وإن أبا بكر تعشى عند النبي ﷺ، ثم لبث حتى صلى العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول الله ﷺ - وفي رواية: حتى نعس رسول الله ﷺ - فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك - أو قالت: ضيفك-؟ فقال أو ما عشيتيهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، وقد عرضوا عليهم [فغلبوهم]. قال: فذهبت أنا فاختبأت، فقال: يا غنثر. فجدع وسب، وقال: كلوا، لا هنيئا. وقال: والله لا أطعمه أبدًا. قال: ويم الله، ما كنا نأخذ من لقمة إلا ريا من أسفلها أكثر منها، حتى شبعوا، وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر، فإذا هي كما هي، أو أكثر، فقال لامرأته: يا أخت بني فراس، ما هذا؟ قالت: لا، وقرة عيني، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات. فأكل منها أبو بكر وقال: إنما كان ذلك من الشيطان - يعني يمينه -. ثم أكل منها لقمة، ثم حملها إلى النبي ﷺ، فأصبحت عنده. قال: وكان بيننا وبين قوم عهد، فمضى الأجل فتفرقنا اثني عشر رجلًا، مع كل رجلٍ منهم أناس - والله أعلم كم مع كل رجل؟ - فأكلوا منها أجمعون. أو كما قال.
_________________
(١) البخاري (٢/ ٧٥) - ٩ - كتاب مواقيت الصلاة - ٤١ - باب السمر مع الضيف. مسلم (٣/ ١٦٢٧، ١٦٢٨) - ٣٦ - كتاب الأشربة - ٣٢ - باب إكرام الضيف وفضل إيثاره. (غنثر): روي بضم الغين وفتحها، وهو من الغثارة، وهي الجهل. وقيل: هو من الغنثرة، وهي شرب الماء من غير عطش، وذلك من الحمق، وقيل: "غنثر" كلمة يقولها الغضب إذا ضاق صدره من شيء جرى على غير ما أراده، قال بعض أهل اللغة: أحسبه الثقيل الوخم. وقد ذكر الزمخشري: إنها رويت بالعين المهملة مفتوحة والتاء المعجمة بنقطتين: وهو الذباب الأزرق، شبهه به تحقيراُ له، ويجوز أن يكون شبهه به لكثره أذه". (فجدع): المجادعة: المخاصمة. (ربا): الشيء يربو: إذا زاد وارتفع.
[ ٢ / ٨٦٩ ]
وفي رواية (١) قال: جاء أبو بكر يضيف له - وأضاف له - فأمسى عند النبي ﷺ، فلما جاء، قالت له أمي: احتبست عند ضيفك - أو أضيافك - الليلة. فقال: أما عشيتيهم؟ فقالت: عرضنا عليه - أو عليهم - فأبوا. (أو أبى). فغضب أبو بكر، فسب وجدع، وحلف لا يطعمه، فاختبأت أنا فقال: با عنثر، فحلفت المرأة لا تطعمه، فحلف الضيف - أو الأضياف - أن لا يطعمه - أو لا يطعموه - حتى يطعمه، فقال أبو بكر: هذه من الشيطان. فدعا بالطعام فأكل وأكلوا، فجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ربت من أسقلها أكثر منها، فقال: يا أخت بني فراس، ما هذا؟ فقالت: وقرة عيني إنها الآن لأكثر [منها] قبل أن تأكل. فأكلوا، وبعث بها إلى النبي ﷺ، فذكر أنه أكل منها.
وفي أخرى (٢): أنا أبا بكر تضيف رهطًا، فقال لعبد الرحمن: دونك أضيافك، فإني منطلق إلى النبي ﷺ، فافرغ من قراهم قبل أن أجيء. فانطلق عبد الرحمن، فأتاهم بما عنده، فقال: اطعموا. فقالوا: أين رب منزلنا؟ قال: اطعموا. قالوا: ما نحن بآكلين حتى يجيء رب منزلنا. قال: اقبلوا عنا قراكم، فإنه إن جاء ولم تطعموا لنلقين منه. فأبوا، فعرفت أنه يجد علي، فلما جاء تنحيت عنه، قال: ما صنعتم؟ فأخبروه، فقال: يا عبد الرحمن فسكت، فقال: يا غنثر، أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لما جئت. فخرجت فقلت: سل أضيافك. فقالوا: صدق، أتانا به. فقال: إنما انتظرتموني، والله لا أطعمه الليلة. فقال الآخرون: والله لا نطعمه حتى نطعمه. قال: لم أر في الشر كالليلة، ويلكم، ما لكم لا تقبلون عنا قراكم؟ هات طعامك. فجاء به فوضع يده، فقال: بسم الله، الأولى للشيطان. فأكل وأكلوا.
زاد في رواية (٣): فلما أصبح غدا على النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، بروا وحنثت. قال: وأخبره، فقال: "بل أنت أبرهم وأخيرهم" قال: ولم تبلغني كفارة.
_________________
(١) البخاري (١٠/ ٥٣٥) - ٧٨ - كتاب الأدب - ٨٨ - باب قول الضيف لصاحبه: والله لا آكل حق تأكل.
(٢) البخاري (١٠/ ٥٣٤) - ٧٨ - كتاب الأدب - ٨٧ - باب ما يكره من الغضب والجزع عند الضيف. ومسلم (٣/ ١٦٢٩) - ٣٦ - كتاب الأشربة - ٣٢ - باب إكرام الضيف.
(٣) مسلم: الموضع السابق. (بر): الرجل فهو بار؛ إذا صدق. (حنث) في اليمين: إذا نقض ما حلف عليه وخالفه.
[ ٢ / ٨٧٠ ]
وفي رواية أبي داود (١) قال: نزلنا بنا أضياف لنا، وكان أبو يتحدث عند رسول الله ﷺ، فقال: لا أرجعن إليك حتى تفرغ من ضيافة هؤلاء، ومن قراهم. فأتاهم بقراهم، فقالوا: لا نطعمه حتى يأتي أبو بكر. فجاء فقال: ما فعل أضيافكم؟ أفرغتم من قراهم؟ قالوا: لا. قلت: قد أتيتهم بقراهم، فقالوا: لا نطعمه حتى يجيء. فقالوا: صدق، قد أتانا به، فأبينا حتى تجيء. قال: فما منعكم؟ قال: مكانك. قال: فوالله لا أطعمه الليلة. قال: فقالوا: ونحن، والله لأطعمه حتى تطعمه. قال: ما رأيت في الشر كالليلة قط. قال: قربوا طعامكم. قال: فقرب طعامهم، ثم قال: بسم الله، فطعم وطعموا، فأخبرت أنه أصبح، فغدا على النبي ﷺ، فأخبره بالذي صنع وصنعوا، فقال: "بل أنت أبرهم وأصدقهم".
زاد في رواية (٢) قال: ولم يبلغني كفارة.
* * *
_________________
(١) أبو داود (٣/ ٣٢٧) - كتاب الأيمان والنذور - باب فيمن حلف على طعام.
(٢) مسلم (٣/ ١٦٣٠): الموضع السابق.
[ ٢ / ٨٧١ ]
الفصل الثامن
في:
القصص النبوي
وفيه:
مقدمة وفقرتان
[ ٢ / ٨٧٣ ]
المقدمة
مناسبة هذا الفصل للذي قبله واضحة، وأما مناسبته لباب الإيمان بالغيب فلأن القصص النبوي يشبه القصص القرآني والله ﷿ قال عن قصة نوح في القرآن: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (١)، وقال تعالى عن قصة الاقتراع على كفالة مريم: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (٢) فما قصه الله ﷿ من أنباء الأولين هو من فصول الإيمان بالغيب، وكذلك ما قصه عليما رسول الله ﷺ، وكما أن القصص القرآني تجتمع فيه الحقيقة والتربية والتثبيت والقدوة: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (٣)، فإن القصص النبوي تجتمع فيه هذه المعاني كلها.
وسنذكر في هذا الفصل فقرتين:
الفقرة الأولى: في الموقف من القصص بإطلاق وما يراد به.
الفقرة الثانية: في القصص النبوي.
_________________
(١) هود: ٤٩.
(٢) آل عمران: ٤٤.
(٣) هود: ١٢٠.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
الفقرة الأولى
في:
الموقف من القصص بإطلاق وما يراد به
وفيه:
مقدمة ونصوص
المقدمة
تطلق كلمة القصص ويراد بها قص القصة أي التحديث بها، وهذا لا حرج فيه، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (١) وهناك خلاف بين الفقهاء حول جواز قراءة القصص المخترع، فقد أجاز فقهاء الحنفية قراءة قصة عنترة وأشباهها، وتطلق كلمة القصص في الاصطلاح الشرعي ويراد بها الوعظ، وتطلق ويراد بها التوجيه مطلقًا، وتطلق ويراد بها خطبة الجمعة، وتطلق ويراد بها التصدر للفتوى لأنها تستتبع محادثة وقصة.
ولا شك أن ضبط القصص بالمعاني الأربعة الأخيرة مطلوب شرعًا لما يترتب عليه من آثار حسنة أو شيئة، فقد يعظ الناس من هو مبتدع، وقد يوجه إنسان الناس إلى ما هو فتنة، وخطبة الجمعة قد يقوم بها مبتدع أو خطيب فتنة، وخطبة الجمعة قد يقوم بها مبتدع أو خطيب فتنة، وإذا لم يتعين الخطيب، فقد يؤدي ذلك إلى الفوضى، والتصدر لإفتاء الناس من غير أهله قد يؤدي إلى إضلالهم، وكل ذلك يجب أن يحتاط له ومن ههنا أوجب الشارع ألا يقص بهذه المعاني الأربعة إلا صاحب الحق في ذلك، وهو الأمير بحق أو من أمره الأمير بحق.
والأصل في الإمرة في الإسلام أن تكون عن فقه، قال عمر بن الخطاب ﵁: تفقهوا قبل أن تسودوا.
فإذا انفصلت الإمرة عن الفقه فمن الأمير حكما؟ هل هو الفقيه؟ أم ولي الأمر الجاهل؟
_________________
(١) يوسف: ٣.
[ ٢ / ٨٧٦ ]
مذهب ابن عباس: أن أولي الأمر في الأمة الإسلامية حكما هم الفقهاء.
ولذلك تقول بمناسبة موضوعنا: إنه إذا ولي الأمر العالم الفقيه العادل، فإنه هو الذي يضبط أمر الوعظ والتوجيه وخطب الجمعة، والتصدر للإفتاء، يضبط ذلك: بأن يقوم هو بنفسه في هذه الشؤون أو يعين لها من يقوم بها، فإذا لم يوجد مثل هذا الأمير، فالأصل أن يقوم العلماء المجازون عن أشياخهم بهذا الشأن، ومن ثم وجدت الإجازة عند العلماء وهي بمثابة الأمر لمن يأخذها بالقيام بالوعظ والتوجيه، والخطبة والإفتاء، ومنذ فقدت الخلافة الراشدة تنازع هذا الحق أولياء الأمور والعلماء. فولي الأمر يعتبر أن من حقه التدخل في هذه الشؤون بسيف السلطة، والعلماء يعتبرون أن هذا الحق لهم بسيف الحق.
والذي نراه من وجهة النظر الشرعية أنه حيثما كان تدخل ولي الأمر في هذه الشؤون بالعدل والحق فهو نافذ الأمر، ولمن عينه أن يقوم بهذه الشؤون مبرورًا مأجورًا.
ولمن أجيز من أشياخ الحق والعدل والعلم والعمل أن يقوم بهذه الشؤون إذا فتح لهم طريق ذلك، وإجازتهم له تكون من باب الأمر له من أهله.
وبذلك يدخل في الحديث: "لا يقص على الناس إلا أمير أو مأمور" (١)، فهو بعد الإجازة من شيوخه أمير ومأمور معًا.
وأما فيما سوى هذه الشؤون الأربعة فكل مسلم مجاز من الشارع نفسه، بل مأمور أن يعلم ما تعلمه من الحق، وأن يبلغ عن الشارع ولو آية، وأن يدعو إلى الله على بصيرة، وأن يأمر بمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الخير، فهذا كله مطلوب من المسلم لا يحتاج فيه إلى إذن ولا استئذان.
وحصر حق القصص بمعانية الأربعة بالأمير والمأمور في كل من المعاني التي ذكرناها نوع من التأديب للمجتمع الإسلامي، فلا يتطاول إنسان لغير مقامه فيسيء الأدب، ويعرف كل إنسان حدوده، وتضبط الأنفس فلا تدفعها الهوى إلى الكلام وما يجره ذلك من رغبة في التصدر والرياء، ويحال بذلك بين الغلط وتسربه إلى الناس.
_________________
(١) أبو داود (٢/ ٢٢٣) - كتاب العلم - باب في القصص. وابن ماجه (٢/ ١٢٣٥) ٣٣ - كتاب الأدب - ٤٠ - باب القصص.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
النصوص
٨٤٩ - * روى أبو داود عن عوف عن مالك الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقص إلا أمير، أو مأمور، أو مختال".
قال ابن الأثير: (لا يقص إلا أمير أو مأمور الخ) أراد بهذا الخطب، وذلك: أن الأمراء كانوا يتولونها بأنفسهم، فيقصون فيها على الناس ويعظونهم، فأما المأمور: فهو من يقيمه الأمير ويختاره الأئمة، فينصبونه لذلك، ولا يكادون يختارون إلا رضيا من الناس، فاضلًا، وما سوى ذلك فلا يكاد ينتدب له من الناس إلا مراء مختال، فإن المختال ينصب نفسه لذلك من غير أن يأمره أحد من أولي الأمر، طلبًا للرياسة، فهو يرائي بذلك ويختال وقيل: أراد به الفتوى في الأحكام. اهـ.
أقول: لقد قال ﷿: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ (١) فهذا يدل على أن من فقه عليه أن يفقه، ولا يحتاج ذلك إلى إذن، ويدل عليه حديث الأشعريين الذي يأتي في جزء العلم: "ما بال أقوام لا يفقون جيرانه " (٢) كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (٣). فقد أخذ الله العهد على العالم أن يعلم، وعلى الجاهل أن يتعلم وهذا لا يحتاج إلى إذن أحد، وقد يحتاج إلى إجازة من العلماء من أجل أن يعرف أن القائم بذلك ثقة مأمون، وكما أن العلم والتعليم من أهلها لا يحتاجان إلى إذن فإن الدعوة إلى الله لا تحتاج إلى إذن من أحد، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٤)، وقال رسول الله ﷺ: "بلغوا عني ولو آية" (٥)، ولذلك فإن الكثير من شراح الحديث خصصوا هذا
_________________
(١) أبو داود (٣/ ٢٢٣) - كتاب العلم - باب في القصص. وهو حديث صحيح.
(٢) التوبة: ١٢٢.
(٣) مجمع الزوائد (١/ ١٦٤). وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفيه بكير بن معروف: قال البخاري: ارم به. ووثقه أحمد في رواية وضعفه في أخرى، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
(٤) آل عمران: ١٨٧.
(٥) آل عمران: ١٠٤.
(٦) البخاري (٦/ ٤٩٦) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٥٠ - باب ما ذكر عن بني إسرائيل. والترمذي (٥/ ٤٠) - ٤٢ - كتاب العلم - ١٣ - باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
الحديث بأن المراد به خطبة الجمعة أو التصدر للفتوى. أقول: وهذا التخصيص يحتاج إلى تخصيص؛ لأن ذلك إنما يكون عندما تكون حكومة إسلامية راشدة وعدل وقسط ورغبة في تعميم الإسلام صافيًا تقيًا، أما إذا اختلط الأمر فحتى هذا التخصيص يجب أن ينقل إلى ورثة الأنبياء من العلماء فعنهم تؤخذ الإجازة وعنهم يتلقى الأمر، لكن هذا قد يحدث فوضى، فما جاء من قبل السلطة الرسمية مما يدخل في باب المعروف الأصل أن تقبله، وما كان فيه شذوذ أو باطل أو دعوة إلى ضلالة وأمكن لعلماء الإسلام أن يقولوا كلمة الحق فهم أصحاب الأمر والإجازة في كل شيء، ومع أننا نرى أن العلم والدعوة لا يحتاجان إلى إذن بشر فإننا نفضل إحياء سنة العلماء في الإجازة فلا يتصدر أحد لعلم أو تربية أو دعوة أو إفتاء أو خطبة إلا بإجازة من عالم ثقة، ولا يدخل في ذلك الحالات العفوية والطارئة واليومية العابرة وحالات الضرورة وحالات وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحالات وجوب التبليغ، فالواجب لا يحتاج إلى إذن أو إجازة من أحد.
٨٥٠ - * روى الطبراني: عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: "لا يقص إلا أمير أو مأمور أو متكلف".
٨٥١ - * روى أحمد عن عبد الجبار الخولاني، قال: دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ المسجد فإذا كعب يقص، قال: من هذا؟ قالوا: كعب يقص. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال". قال: فبلغ ذلك كعبًا فما رئي بعد يقص.
أقول: كعب عالم ومن حقه أن يقص ولكن ترك اجتهاده خوف اللبس.
٨٥٢ - * روى ابن ماجه عن ابن عمر قال: لم يكن القصص في زمن رسول الله ﷺ ولا زمن أبي بكر ولا زمن عمر.
_________________
(١) مجمع الزوائد (١/ ١٩٠). وقال: رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن.
(٢) أحمد (٤/ ٢٣٣). مجمع الزوائد (١/ ١٩٠). وقال: رواه أحمد، وإسناده حسن.
(٣) ابن ماجه (٢/ ١٢٣٥) - ٣٣ - كتاب الأدب - ٤٠ - باب القصص. وإسناده حسن.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
(القصص) المراد بالقصص هنا: الوعظ، فكأن مجالس الوعظ لم تكن في تلك العهود إلا ما كان يقوم به رسول الله ﷺ والخليفتان من بعده من توجيه.
٨٥٣ - * روى البخاري عن ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي معتمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
٨٥٤ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال: لا تملوا الناس فيملوا الذكر.
٨٥٥ - * روى أحمد، عن الشعبي قال: قالت عائشة لابن أبي السائب قاص أهل المدينة: ثلاثًا لتتابعني عليهن أو لأناجزنك. قال: وما هن، بل أتباعك أنا يا أم المؤمنين. قالت: اجتنب السجع في الدعاء، فإن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا لا يفعلون ذلك. وقص على الناس في كل جمعة مرة، فإن أبيت فثنتين، فإن أبيت فثلاث ولا تملن الناس هذا الكتاب ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديثهم، ولكن اتركهم فإذا حدوك عليه وأمروك به فحدثهم.
_________________
(١) البخاري (٦/ ٤٩٦) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٥٠ - باب ما ذكر عن بني إسرائيل.
(٢) المعجم الكبير (٩/ ١٣٥). مجمع الزوائد (١/ ١٩١). وقال: رواه الطبراني في الكبير، وإسناده صحيح.
(٣) أحمد (/٢١٧). مجمع الزوائد (١/ ١٩١). وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، رواه أبو يعلى بنحوه. (قاص أهل المدينة): المراد بقاص المدينة هنا: واعظها.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
الفقرة الثانية
في:
القصص النبوي
وفيها:
نصوص
٨٥٦ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي عنهما قال: كان نبي الله ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح، ما يقوم إلا إلى عظم صلاة.
٨٦٧ - * روى أحمد عن عمران بن حصين قال: كان رسول الله ﷺ يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل لا يقوم إلا إلى عظم صلاة.
ورواه ابن خزيمة وقال: "فالنبي ﷺ قد كان يحدثهم بعد العشاء عن بني إسرائيل ليتعظوا مما قد نالهم من العقوبة في الدنيا مع ما أعد الله لهم من العقاب في الآخرة لما عصوا رسولهم ولم يؤمنوا، فجائز للمرء أن يحدث بكل ما يعلم أن السامع ينتفع به من أمر دينه بعد العشاء، إذ النبي ﷺ قد كان يسمر بعد العشاء في الأمر من أمور المسلمين مما يرجع إلى منفعتهم عاجلًا وآجلًا، دينًا ودنيا، وكان يحدث أصحابه عن بني إسرائيل لينتفعوا بحديثه، فدل فعله ﷺ على أن كراهة الحديث بعد العشاء بما لا منفعة فيه دينا ولا دنيا، ويخطر ببالي أن كراهته ﷺ الاشتغال بالسمر لأن ذلك يثبط عن قيام الليل، لأنه إذا اشتغل أول الليل بالسمر ثقل عليه النوم آخر الليل فلم يستيقظ، وإن استيقظ لم ينشط للقيام" اهـ.
٨٥٨ - * روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله. فقال له الملك: قل إن شاء الله. فلم يقل ونسي، فأطاف بهن، ولم تلد
_________________
(١) أبو داود (٣/ ٢٢٢) - كتاب العلم - باب الحديث عن بني إسرائيل.
(٢) أحمد (٤/ ٤٣٧). مجمع الزوائد (٨/ ٢٦٤). قال: وفي رواية يعني الفريضة المكتوبة. رواه أحمد وإسناده حسن.
(٣) البخاري (٩/ ٢٣٩) - ٦٧ - كتاب النكاح ١١٩ - باب قول الرجل: لأطوفن.
[ ٢ / ٨٨١ ]
منهن إلا امرأة نصفه إنسان".
قال النبي ﷺ: "لو قال إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته".
٨٥٩ - * روى مسلم عن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إلي غلامًا أعلمه السحر. فبعث إليه غلامًا يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي. وإذا خشيت أهلك، فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم: الساحر أفضل، أو الراهب أفضل؟ فأخذ حجرًا، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، حتى يمضي الناس. فرماها، فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني، أنت اليوم أفضل مني، وقد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلي، فإن ابتليت فلا تدل علي. وكان الغلام يبرئ الأكمة والأبرض، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك - كان قد عمي - فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني. قال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله ﷿، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك. فآمنت بالله فشفاك. فآمن به، فشفاه الله، فأتى الملك، فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله. فأخذه، فلم يزل يعذبه، حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني، قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمة والأبرص، وتفعل وتفعل؟ قال: فقال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله. فأخذه. فلم يزل يعذبه، حتى ذل على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى، فدعا بالمنشار، فوضع المنشار على مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك، فقيل له ارجع
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٢٩٩) - ٥٣ - كتاب الزهد والرقاق - ١٧ - باب قصة أصحاب الأخدود. (بالمنشار) أشرت الخشبة بالمنشار: إذا شققتها، ووشرتها بالميشار - غير مهموز - لغة فيه - والميشار والمنشار سواء. =
[ ٢ / ٨٨٢ ]
عن دينك. فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفر من أسحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه. فذهبوا به، فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور، وتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه، وإلا فاقذفوه. فذهبوا به، فقال: اللهم اكفينهم بما شئت. فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهمًا من كنانتي، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارم، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، وأخذ سهمًا من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام. ثم رماه، فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه، في موضع السهم، فمات فقال الناس: آمنا برب الغلام. آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأتى الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناش. فأمر بالأخدود بأفواه السكك، فخدت، وأضرم فيها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها - أو قيل له: اقتحم. (١)
_________________
(١) = (قرقور) القرقور: سفينة صغيرة. (فانكفأت) السفينة، أي: انقلبت، ومنه: كفأت القدر: إذا كببتها. (الصعيد): وجه الأرض، وأراد: أنه جمعهم في أرض واحدة منبسط ليشاهدوه. (من كنانتي) الكنانة: الجعبة التي يكون فيها النشاب. (كبد القوس): وسطها، والمراد به: موضع السهم من الوتر والقوس. (بالأخدود) الأخدود: الشق في الأرض، وجمعه الأخاديد. (السكك): جمع سكة، وهي الطريق. (أضرمت): النار: إذا أوقدتها وأثرتها. (اقتحم): الاقتحام: الوقوع في الشيء من غير روية ولا تثبت.
[ ٢ / ٨٨٣ ]
ففعلوا، حتى جاءت امرأة، ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمه، اصبري، فإنك على الحق".
وفي رواية الترمذي (١) قال: كان رسول الله ﷺ: إذا صلى العصر همس - والهمس في بعض قولهم: تحرك شفتيه، كأنه يتكلم - فقيل له: يا رسول الله، إنك إذا صليت العصر همست؟ قال: "إن نبيا من الأنبياء كان أعجب بأمته، قال: من يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله إليه: أن خيرهم بين أن أنتقم منهم، وبين أن أسلط عليهم عدوهم. فاختاروا النقمة، فسلط الله عليهم الموت، فمات في يوم سبعين ألفًا".
وكان إذا حدث بهذا الحديث الآخر، قال: "كان ملك من الملوك، وكان لذلك الملك كاهن يكهن له، فقال الكاهن: انظروا لي غلامًا فهما - أو قال: فطنا - لقنا فأعلمه علمي هذا، فإني أخاف أن أموت، فينقطع منكم هذا العلم، ولا يكون فيكم من يعلمه". قال: "فنظروا له على ما وصف، فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن، وأن يختلف إليه، فجعل يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهب في صومعة" قال معمر [أحد رواة الحديث]: أحب أن أصحاب الصوامع كانوا يومئذ مسلمين - قال: "فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب كلما مر به، فلم يزل حتى أخبره، فقال: إنما أعبد الله". قال: "فجعل الغلام ويمكث عند الراهب، ويبطئ عن الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام: أنه لا يكاد يحضرني. فأخبر الغلام الراهب بذلك، فقال له الراهب: إذا قال لك الكاهن: أين كنت؟ فقل: عند أهلي. وإذا قال لك أهلك: أين كنت؟ فأخبرهم أنك كنت عند الكاهن". قال: "فبينما الغلام على ذلك، إذ مر بجماعة من الناس كثير، قد حبستهم دابة - فقال بعضهم: إن تلك الدابة كانت أسدًا - فأخذ الغلام حجرًا، فقال: اللهم إن كان ما يقول الراهب حقا فأسألك أن أقتله. ثم رمى به، فقتل الدابة، فقال الناس: من قتلها؟ فقالوا: الغان. ففزع الناس،
_________________
(١) = (فتقاعست) التقاعس: التأخر والمشي إلى وراء.
(٢) الترمذي (٥/ ٤٣٧) - ٤٨ - كتاب التفسير - ٧٧ - باب "ومن سورة البروج". (الهمس): الكلام الخفي الذي لا يكاد يسمع. (اللقين): الرجل الفهم الذكي.
[ ٢ / ٨٨٤ ]
وقالوا: قد علم هذا الغلام علمًا لم يعلمه أحد". قال: "فسمع به أعمى، فقال له: إن أنت رددت بصري، فلك كذا وكذا. قال: لا أريد منك هذا، ولكن أرأيت إن رجع إليك بصرك أتؤمن بالذي ررده عليك؟ قال: نعم". قال: "فدعا الله، فرد عليه بصره، فآمن الأعمى، فبلغ الملك أمرهم، فدعاهم، فأتي بهم، فقال: لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه. فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى، فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله، وقتل الآخر بقتلة أخرى، ثم أمر بالغلام، فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا، فأبقوه من رأسه. فانطلقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انتهوا إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه، جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل، ويتردون، حتى لم يبق منهم إلا الغلام، ثم رجع، فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه، فانطلقوا به إلى البحر، فغرق الله الذين كانوا معه، وأنجاه، فقال الغلام للملك: إنك لا تقتلني حتى تصلبني وترميني، وتقول إذا رميتني: بسم الله رب هذا الغلام. قال: فأمر به فصلب، ثم رماه فقال: بسم الله رب هذا الغلام". قال: "فوضع الغلام يده على صدغه حين رمي، ثم مات، فقال الناس، لقد علم هذا الغلام علما ما علمه أحد، فإنا نؤمن برب هذا الغلام". قال: "فقيل للملك: أجزعت أن خالفك ثلاثة؟ فهذا العالم كلهم قد خالفوك". قال: "فخذ أخدودا ثم ألقى فيها الحطب والنار، ثم جمع الناس، فقال: من رجع عن دينه تركناه ومن ثم يرجع ألقيناه في النار. فجعل يلقيهم في تلك الأخدود" قال: "يقول الله ﵎: (قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود) حتى بلغ - (العزيز الحميد) (١). قال "فأم الغالم: فإنه دفن". قال: فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه، كما وضعها حين قتل.
أقول: قوله: "إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر"؛ يفيد أنه في حالة قسوة الظروف وفي الأحوال الصعبة
_________________
(١) (التهافت): الوقوع في الشيء مثل التساقط.
(٢) البروج: ٤ - ٨.
[ ٢ / ٨٨٥ ]
الاستثنائية يتوسع في الكلام ليحمي الإنسان نفسه. وقوله: "فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب"، مع أن الراهب أوصاه ألا يدل عليه، يفيد أنه تحت العذاب يمكن أن يفشي أصدق الصديقين الأسرار المؤتمن عليها بما يؤدي إلى قتل الأولياء، وهو في ذلك معذور، بدليل أن الغلام لم ينقص مقامه عند الله فبقيت الكرامات تجري على يده بعد ذلك.
وفي الحديث عبر كثيرة في فقه الدعوة خاصة في مثل الظروف والأوضاع الموجودة في كثير من البلدان. اهـ.
٨٦٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجلًا عابدًا، فاتخذ صومعة، فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جريج. فقال: يارب، أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته، فانصرفت، فلما كان من الغد، أتته وهو يصلي، فقال: يا جريج. فقال: يارب، أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته، فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج. فقال: يارب، أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات. فتذاكر بني إسرايل جريجًا وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم لأفتننه [لكم] ". قال: "فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها، فوقع عليها، فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج. فأتوه، فاستنزلوه، وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي، فولدت منك. فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به، فقال: دعوني أصلي. فصلى، فلما انصرف أتى الصبي قطعن في بطنه، وقال: يا غلام، من أبوك؟ فقال: فلان الراعي". قال: "فأقبلوا على جريج يقبلونه، ويتمسحون به،
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٩٧٦) - ٤٥ - متاب البر والصلة - ٢ - باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها. (المومسات): الزواني: جمع موسة، وهي الفاجرة، والمياميس كذلك. (والبغي): الزانية أيضًا. (يتمثل بحسنها): أي يعجب به، ويقال: لكل من يستحسن: هذا مثل فلانة في الحسن.=
[ ٢ / ٨٨٦ ]
وقالوا: نبني صومعتك من ذهب. قال: لا، أعيدوها من لبن كما كانت. ففعلوا وبينا صبي يرضع من أمه، فمر رجل راكب على دابة فارهةٍ وشارة حسنةٍ، فقالت أمه: اللهم اجعل ابني مثل هذا. فترك الثدي وأقبل إليه، فنظر إليه، فقال: اللهم لا تجعلني مثله. ثم أقبل على ثديه، فجعل يرتضع" - قال: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السبابة في فيه، فجعل يمصها قال: "ومروا بجارية وهم يضربونها، ويقولون: زنيت، سرقت. وهي تقول: حسبي الله، ونعم الوكيل. فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها. فترك الرضاع ونظر إليها، فقال: اللهم اجعلني مثلها. فهناك تراجعا الحديث، فقالت: حلقي! مر رجل حسن الهيئة، فقلت: اللهم اجعل ابني مثله. فقلت: اللهم لا تجعلني مثله. ومروا بهذه الأمة وهو يضربونها، ويقولون: زنيت، سرقت، فقلت: اللهم لا تجعل ابني مثلها. فقلت: اللهم اجعلني مثلها! فقالت: إ'ن ذلك الرجل كان جبارًا، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله. وإن هذه يقولون لها: زنيت، ولم تزن. وسرقت، ولم تسرق. فقلت: اللهم اجعلني مثلها".
٨٦١ - * روى أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كان ببني إسرائيل تاجر وكان ينقص مرة ويزيد أخرى، فقال: ما في هذه التجارة خير، لألتمسن تجارة هي خير من هذه. فبنى صومعة وترهب فيها".
٨٦٢ - (٢) ورى الترمذي عن أبي وائل ﵀ عن رجل من ربيعة - وهو الحارث بن يزيد البكري - قال: قدمت المدينة، فدخلت على رسول الله ﷺ والمسجد غاص بأهله،
_________________
(١) = (والشارة الحسنة): جمال الظاهر في الهيئة والملبس والمركب ونحو ذلك. قوله: (فقالت: حلقى): أي أنها خطبت نفسها داعية أن يصيبها بوجع في حلقها: أي هي حلقى، وليس المراد الدعاء وإنما هو التقديم لمساءلة ابنها. (الجبار): العاتي للتكبر القاهر للناس.
(٢) أحمد (٢/ ٤٣٤). مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٦).
(٣) الترمذي (٥/ ٣٩١) - ٤٨ - كتاب التفسير - ٥٢ - باب "ومن سورة الذاريات". وهو حديث حسن.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
وإذا رايات سود تخفق، وإذا بلال متقلد السيف بين يدي رسول الله ﷺ، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: رسول الله ﷺ يريد أن يبعث عمرو بن العاص نحو ربيعة، فقلت: أعوذ بالله أن أكون مثل وافد عادٍ. فقال رسول الله ﷺ: "وما وافد عاد؟ " فقلت: على الخبير سقطت، إن عادًا لما أقحطت بعثت قيلًا يستسقى لها، فنزل على بكر ابن معاوية، فسقاه الخمر، وغنته الجرادتان، ثم خرج يريد جبال مهرة، فقال: اللهم إني لم آتك لمرضٍ فأداويه، ولا لأسير فأفاديه فاسق عبدك ما كنت مسقيه، واسق معه بكر ابن معاوية- يشكر له الخمر الذي سقاه-. فرفع له ثلاث سحائب: حمراء وبيضاء، وسوداء، فقيل له: اختر إحداهن، فاختار السوداء منهن، فقيل له: خذها رمادا رمددا لا تذر من عادٍ أحدًا. فقال رسول الله ﷺ: "إنه لم يرسل [من الريح] إلا مقدار هذه الحلقة يعني حلقة الخاتم. ثم قرأ: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾ الآية (١).
٨٦٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر رجلًا من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم. فقال: كفى بالله شهيدًا. قال: فائتني بالكفيل. قال: كفى بالله كفيلًا. قال: صدقت. فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبه يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبًا، فاتخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار، وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر، فقال: اللهم إنك تعلم آني تسلفت فلانًا دينار، فسألني كفيلًا. فقلت: كفى بالله كفيلًا، فرضي
_________________
(١) = (خفقت) الرايات: إذا حركها الهواء وجاء صوتها. (قحط) القحط: الغلاء، وأصله من انقطاع المطر، وهو سبب الغلاء. (رمادًا): الرماد معروف، (والرمدد): أدق ما يكون منه، ويقال: رماد رمدد، أي: هالك، جعلوه صفة له. (الريح العقيم) هي التي لا تلقح الشجر، ولا تأتي بالمطر.
(٢) الذاريات: ٤١، ٤٢.
(٣) البخاري (٤/ ٤٦٩) - ٣٩ - كتاب الكفالة - ١ - باب الكفالة في القرض. (زجج): موضعها: أي، سوى موضع النقر وأصلحه، من تزجيج الحواجب، وهو حذف زوائد الشعر، ويحتمل أن يكون مأخوذًا من الزج بأن يكون النقر في طرف الخشبة، فيشد عليه زجًا ليمسكه ويحفظ ما في جوفه.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
بك، وسألني شهيدًا. فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبًا أيعث إليه الذي له، فلم أقدر، وإني استودعتكما. فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، وأتى بألف دينار، فقال: والله مازلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي جئت به. قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثته في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشدًا.
٨٦٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم، حتى آواهم المبيت إلى غارٍ، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي طلب شجرٍ يومًا، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما، حتى برق الفجر" - زاد بعض الرواة: "والصبية يتضاغون عند قدمي - فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة. فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج". قال النبي ﷺ: "قال الآخر: اللهم كانت لي ابنة عم، كانت أجب الناس إلي فأردتها على نفسها، وامتنعت مني، حتى ألمت بنها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار، على أن تخلي بيني وبين نفسها،
_________________
(١) البخاري (٤/ ٤٤٩) - ٣٧ - كتاب الإجازة ١٢ - باب من استأجر أجيرًا الخ. مسلم (٤/ ٢٠٩٩) - ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء - ٢٧ - باب قصة أصحاب الغار الثلاثة. (الغبوق): شراب آخر النهار، والمراد: إنني ما كنت أقدم عليهما في شراب حظهما من اللبن أحدًا. (يتضاعون): أي: يضجون ويصيحون من الجوع. (السنة): الجدب والقحط. (ألمت بها): بها: إذا قرب منها ودنا الجدب. (فأردتها): أي راودتها وطلبت منها أن تمكنني من نفسها.=
[ ٢ / ٨٨٩ ]
ففعلت حق إذا قدرت عليها، قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه. فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها". قال النبي ﷺ: "وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء، وأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحدٍ، ترك الذي له وذهب، فثمرت أجرة حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله، أد إلي أجري. فقلت: كل ما ترى من أجرك، من الإبل، والبقر والغنم، والرقيق. فقال: يا عبد الله، لا تستهزئ بي. فقلت: إني لا أستهزئ بك. فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون".
وفي رواية (١): أن رسول الله ﷺ قال: "بينما نفر ممن قبلكم يمشون، إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار، فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه. فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز، فذهب وتركه، وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره إلى أن اشتريت منه بقرًا، وإنه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فسقها. فقال لي: إنما لي عندك فرق من أرز. فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنها من ذلك الفرق. فساقها، فإن كنت تعلم إني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا. فانساحت عنهم الصخرة ".
وذكر باقي الحديث بقريب من معنى ما سبق.
_________________
(١) = (تفض الخاتم): كناية عن الجماع والوطء. (التحرج): الهرب من الحرج، وهو الإثم والضيق.
(٢) البخاري (٦/ ٥٠٥) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٥٣ - باب حديث الغأر. (فرق): الفرق: مكيال يسع ستة عشر رطلًا. أي حوالي خمسة كيلو غرامات ونيقًا. (فانساحت) بالحاء المهملة، أي: انفسحت وتنحت.
[ ٢ / ٨٩٠ ]
ولهما روايات بنحو ذلك.
ورواه أبو داود (١) مجملًا، وهذا لفظه؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:؟ "من استطاع منكم أن يكوم مثل صاحب فرق الأرز فليكن مثله". قالوا: ومن صاحب فرق الأرز يا رسول الله؟ فذكر حديث الغار حين سقط عليهم الجبل، "فقال كل واحد منهم: اذكروا أحسن عملكم". قال: "فقال الثالث: اللهم إنك تعلم أني استأجرت أجيرًا بفرق أرز، فلما أمسيت عرضت عليه حقه، فأبى أن يأخذه، وذهب فثمرته له، حتى جمعت له بقرا ورعاءها، فلقيني، فقال: أعطني حقي. فقلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها، فخذها. فذهب فاستاقها".
٨٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس". قال: "فمسحه فذهب عنه قذره، وأعطى لونًا حسنًا، وجلدًا حسنًا. قال: فأي المال أحب إليظ؟ قال: الإبل" - أو قال: "البقر" شك إسحاق: إلا أن الأبرص والأقرع قال أحدهما: الإبل. وقال الآخر" البقر - قال: "فأعطي ناقة عشراء، فقال: بارك الله لك فيها". قال: "فأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس". قال: "فمسحه فذهب عنه". قال: "وأعطي شعرًا حسنًا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر. فأعطي بقرةً حاملًا، قال: بارك الله لك فيها". قال: "فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك. قال: أن يرد الله إلي بصري فأبصر
_________________
(١) أبو داود (٣/ ٢٥٦) - كتاب البيوع - باب في الرجل يتجر في مال الرجل. والحديث في روايته مختصر.
(٢) البخاري (٦/ ٥٠٠) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٥١ - باب حديث أبرص وأعمى وأقرع. مسلم (٤/ ٢٢٧٥) - ٥٣ - كتاب الزهد - ١٠ - باب حدثنا شيبان بن فروخ الخ. (ناقة عشراء) إذا كانت حاملا، وقيل: إذا عليها لحملها عشرة أشهر.
[ ٢ / ٨٩١ ]
به الناس". قال: "فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والدًا، فأنتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم". قال: "ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، قد انقظعت بي الجبال، في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرًا أتبلغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرًا فأعطاك الله؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر. فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت". قال: "وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثلما قال لهذا، فرد عليه مثل مارد على هذا، فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت". قال: "وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسكينٌ، وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلوغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلى بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي عنك، وسخط على صاحبيك".
٨٦٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة الله عنه قال: قال النبي ﷺ: "اشترى رجل من رجلْ عقارًا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره
_________________
(١) = (شاة والدا) الشاة الوالد: هي التي قد عرف منها كثرة الولد والنتاج. (فأنتج) أنتجها، أي: افتقدها عند الولادة - هكذا جاء لفظ الحديث "أنتج" - وإنما يقال: نتجت الناقة أنتجها، والناتج للنوق كالقابلة للنساء وقوله: "وولد هذا" أي فعل في شاته كما فعل ذلك في إبله وبقره. (الحبال): جمع حبل، وهو العهد والذمام والأمان والوسياة، وكل ما يرجو منه خيرًا أو فرجًا، أو يستدفع به ضررًا، والحبل: السبب، فكأنه قال: انقطعت بي الأسباب. (فلا بلاغ): أي ليس لي ما أبلغ به غرضي. (كابرًا بي كابر): أي: ورثته عن آبائي وأجدادي. (لا أجهدك): أي: لا أشق عليك في الأخذ والامتنان.
(٢) البخاري (٦/ ٥١٢) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٥٤ - باب حدثنا أبو اليمان. مسلم (٣/ ١٣٤٥) - ٣٠ - كتاب الأقضية - ١١ - باب استحباب إصلاح الحاكم بين الخصمين. وابن ماجه (٢/ ٨٣٩) ١٨ - كتاب اللقطة، ٤ - باب من أصل ركازًا.=
[ ٢ / ٨٩٢ ]
جرة فيها ذهب: فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب. وقال الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها. فتحاكما إلى جلٍ، فقال الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها. فتحاكما إلى رجلٍ، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام. وقال الآخر: لي جارية. قال: أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه، وتصدقا".
٨٦٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "فقدت أمة من بني إسرائيل، لا يدرى ما فعلت؟ وإني لا أرها إلا الفأر، ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وضع لها ألبان الشاء شرت؟ " قال أبو هريرة: فحدثت كعبا بهذا، فقال: أنت سمعت النبي ﷺ يقوله؟ قلت: نعم. فقال لي مرارًا، فقلت: أأقرأ التوراة؟
قال ابن حجر:
"قوله: (وإني لا أراها إلا الفأر) فإسكان الهمزة، وعند مسلم من طريق أخرى عن ابن سيرين بلفظ "الفأرة مسخ، وآية ذلك أنه يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه، ويوضع بين يديها لبن الإبل فلا تشربه".
قوله: (فحدثت كعبًا) قائل ذلك هو أبو هريرة، ووقع في رواية مسلم: فقال له كعب أنت سمعت هذا.
قوله: (فقلت: أفأقرأ التوراة) هو استفهام إنكار، وفي رواية مسلم: أفأنزلت علي التوراة. وفيه أن أبا هريرة لم يكن يأخذ عن أهل الكتاب، وأن الصحابي الذي يكون إذا أخير بما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه يكون للحديث حكم الرفع، وفي سكوت كعب عن الرد على أبي هريرة دلالة على تورعه، وكأنها جميعًا لم يبلغهما حديث ابن مسعود، قال: وذكر عبد النبي ﷺ القردة والخنازير فقال: "إن الله لم يجعل للمسخ نسلًا ولا عقبًا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك". وعلى هذا يحمل قوله ﷺ: "لا أراها إلا الفأر". وكأن كان يظن ذلك ثم أعلم بأنها ليست هي" اهـ.
_________________
(١) البخاري (٦/ ٣٥٠) - ٥٩ - كتاب بدء الخلق - ١٥ - باب خير مال المسلم غنم. مسلم (٤/ ٢٢٩٤) - ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق - ١١ - باب في الفأر وأنه مسخ.
[ ٢ / ٨٩٣ ]
أقول: وحديث ابن مسعود صحيح، فإن الله لم يمسخ أمة إلا أماتها بعد ذلك، فأنواع الحيوانات كلها أمم بعينها ليس منها شيء ممسوخ؛ وبعد أن تبين هذا عن رسول الله ﷺ فإنه يدل على أنه جاءه اليقين بأن الفأرة وغيرها ليست ممسوخة، لأن كلامه في الأصل مبني على قياس واجتهاد منه ﵊.
٨٦٨ - * روى أحمد عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: "انتسب رجلان من بني إسرائيل على عهد موسى ﷺ أحدهما مسلم والآخر مشرك، فانتسب المشرك فقال: أنا فلام بن فلان. حتى عد تسعة آباء، ثم قال لصاحبه: انتسب لا أم لك. فقال: أنا فلان بن فلان وأنا بريء مما وراء ذلك. فنادى موسى في الناس فجمعهم ثم قال: قد قضي بينكما، أما أنت الذي انتسبت إلى تسعة آباء فإنك توفيهم العاشر في النار، وأما أنت الذي انتسب إلى أبويه فأنت امرؤ من أهل الإسلام".
٨٦٩ - * روى عبد الله بن أحمد عن أبي بن كعب قال: انتسب رجلان على عهد رسول الله ﷺ فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان فمن أنت لا أم لك؟ فقال رسول الله ﷺ: "انتسب رجلان على عهد موسى ﷺ فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان - حتى عد تسعة - فمن أنت لا أم لك؟ فقال: أنا فلان بن فلان ابن الإسلام" قال: "فأوحى الله تعالى إلى موسى ﷺ: إن هذين المنتسبين أما أنت أيها المنتمي أو المنتسب إلى تسعة في النار فأنت عاشرهم، وأما أنت يا هذا المنتسب إلى اثنين في الجنة فأنت ثالثهما في الجنة".
٨٧٠ - * روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كان رجلان في بني إسرائيل متواخيان، وكان أحدهما مذنبًا، والآخر مجتهدًا في
_________________
(١) أحمد (٥/ ٢٤١). والمعجم الكبير (٢٠/ ١٣٩). مجمع الزوائد (٨/ ٨٥). وقال: رواه الطبراني، وأحمد موقوفًا على معاذ، وأحد أسانيد الطبراني رجاله رجال الصحيح، وكذلك رجال أحمد.
(٢) أحمد (٥/ ١٢٨). مجمع الزوائد (٨/ ٨٥). وقال: رواه عبد الله بن أحمد. ورجاله الصحيح، غير يزيد بن زياد بن أبي الجعد وهو ثقة.
(٣) أحمد (٢/ ٣٢٣).=
[ ٢ / ٨٩٤ ]
العبادة، وكان لا يزال المجتهد يرى على الآخر على الذنب، فيقول: أقصر. فوجده يومًا على ذنبٍ، فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبًا؟! فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لت يدخلك الله الجنة. فقبض روحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما، أو كنت على ما في يدي قادرًا؟! وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار".
أقول: إنما عذب المجتهد لأنه تألى على الله وليس لأنه أنكر على المذنب، فالإنكار عليه واجب، ومن هنا نأخذ أدبًا أن ننكر على المذنب ولا نفتات على الله بما سيفعله.
٨٧١ - * روى البخاري عن خباب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كان الرجل قبلكم يؤخذ فيحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين، ما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظمٍ أو عصبٍ، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".
٨٧٢ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود أن رجلًا لم يعمل من الخير شيئًا قط إلا التوحيد فلما حضرته الوفاة قال لأهله: إذا أنا مت فخذوني فاحرقوني حتى تدعوني حممه ثم اطحنوني ثم ذروني في البحر في يوم راحٍ. قال: ففعلوا به ذلك، فإذا هو في قبضة الله ﷿. فقال الله ﷿: ما حملك على ما صنعت. قال: مخافتك. قال: فغفر الله ﷿ له.
_________________
(١) = وأبو داود (٤/ ٢٧٥) - كتاب الآداب - باب في النهي عن البغي. وهو صحيح.
(٢) البخاري (٦/ ٦١٩) - ٦١ - كتاب المناقب - ٢٥ - باب علامات النبوة. وأحمد (٥/ ١٠٩).
(٣) أحمد (١/ ٣٩٨). مجمع الزوائد (١٠/ ١٩٤). وقال: رواه أحمد، وإسناد ابن مسعود حسن. (حممة): فحمة. (يوم راح): أي ذي ريح.
[ ٢ / ٨٩٥ ]
أقول: وقد روي هذا الحديث روايات متعددة، وبعض رواياته عند مسلم، وللعلماء كلام كثير في هذا الحديث: والظاهر أن هذا الرجل لم يبلغه من هدي الأنبياء على الكمال والتمام ما تقوم به حجة كاملة عليه، بل بلغه من بقايا هدي الأنبياء ما جعله يتوهم في حق الله ﷿ ما لا يصح، مع وجود أصل الإيمان بالله، فغفر الله ﷿ له توهمه بسبب من حسن نيته في الخوف من الله وبسبب من أنه لم يبلغه شرع الله ﷿ كاملًا عن طريق صحيح، والله أعلم. وبعض روايات الحديث لا تدل على التوهم، فليس فيها إشكال.
٨٧٣ - * روى أبو يعلى عن عبد الله قال: كان رجل كثير المال لما حضره الموت قال لأهله: إن فعلتم ما أمرتكم به أورثتكم مالًا كثيرًا. قالوا: نعم. قال: إذا مت فاحرقوني ثم اطحنوني، فإذا كان يوم ريحٍ فارتقوا فوق قلة جبلٍ فاذروني، فإن الله إن قدر علي لم يغفر لي. ففعل ذلك به، فاجتمع في يدي الله فقال: ما حملك على ما صنعت. قال: يارب مخافتك. قال: فاذهب فقد غفرت لك. وفي رواية: كان الرجل نباشًا فغفر له خوفه.
أقول: إن قول الرجل وفعله يدلان علة جهل بالله، فلعله كان من أهل فترة عنده بقايا من دين صحيح، فعامله الله ﷿ برحمته على ما عنده من بقايا خيرٍ، وهو خوفه من الله ﷿.
٨٧٤ - * روى البزار عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ: "إن نبي إسرائيل استخلفوا خليفة عليهم بعد موسى ﷺ فقام يصلي ذات ليلة فوق بيت المقدس في القمر، فذكر أمورًا كان صنعها، فخرج فتدلى بسبب، فأصبح السبب معلقًا في المسجد وقد ذهب". قال: "فانطلق حتى أتى قومًا على شط البحر، فوجدهم يضربون لبنا، فسألهم: كيف تأخذون على هذا اللبن؟ " قال: "فأخبروه فلبن
_________________
(١) مجمع الزوائد (١٠/ ١٩٤). وقال: رواه أبو يعلى بسندين، ورجالها رجال الصحيح. أحمد (٥/ ٣٨٣) وهو عنده عن معاوية بن خيدة. ورجاله ثقات. (قلة جيل): أعلاه.
(٢) كشف الأستار (٤/ ٢٦٧). والمعجم الكبير (١٠/ ٢١٦). مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٨). وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير، وإسناده حسن. (تدلى بسبب): تدلى بحبل.=
[ ٢ / ٨٩٦ ]
معهم، فكان يأكل من عمل يده، فإذا كان حين الصلاة قام يصلي، فرفع ذلك العمال إلى دهقانهم، أن فينا رجلًا يفعل كذا وكذا، فأرسل إليه، فأبى أن يأتيه ثلاث مرات، ثم إنه جاء" [أي: الدهقان] "يسير على دابته، فلما رآه فر" [أي: الملك] "فاتبعه فسبقه، فقال: أنظرني أكلمك". قال: "فقام حتى كلمه. فأخبره خبره، فلما أخبره أنه كان ملكًا وأنه فر من رهبة ربه قال: إني لأظنني لاحقًا بك". قال: "فاتبعه، فعبدا الله، حتى ماتا برميلة مصر". قال عبد الله: لو أني كنت ثم لاهتديت إلى قبريهما بصفة رسول الله ﷺ التي وصف لنا.
٨٧٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانًا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبًا فسأله، فقال له: ألي توبة؟ قال: لا. فقتله، فجعل يسأل، فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت فنأى بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه: أن تقربي، وأوحى الله إلى هذه: أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجداه إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له".
٨٧٦ - * روى الطبراني عن أبي عبد رب أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر يحدث أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن رجلًا أسرف على نفسه فلقي رجلًا فقال: إن الآخر قتل تسعًا وتسعين نفسًا كلهم ظلما فهل لي من توبة؟ قال: لا. فقتله وأتى آخر فقال: إن الآخر قتل مائة نفسٍ كلها ظلمًا فهل تجد لي من توبةٍ؟ فقال: إن حدثتك على أن الله لا يتوب على من تاب كذبتك. ههنا قوم يتعبدون فائتهم تعبد الله معهم. فتوجه إليهم فمات على ذلك. فاجتمعت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فبعث الله إليهم ملكًا فقال: قيسوا ما بين
_________________
(١) = (جهقانهم): الدهقان رئيس القرية.
(٢) البخاري (٦/ ٥١٢) - ٦٠ - كتاب الأنبياء - ٥٤ - باب حدثنا أبو اليمان. مسلم ٢١١٩ - ٤٩ - كتاب التوبة - ٨ - باب قبول توبة القاتل.
(٣) مجمع الزوائد (١٠/ ٢١١). وقال: رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، غير أبي عبد رب وهو ثقة، ورواه أبو يعلى بنحوه كذلك.
[ ٢ / ٨٩٧ ]
المكانبن فأيهم كان أقرب فهو منهم. فوجوده أقرب إلى دير التوابين بأنملة فغفر له".
أقول: ينبغي في كل حال أن يكون للمسلم إخوانه في الله، وأن يكون له انتساب للعلماء الأولياء الصادقين لتتم له فضيلة الأخوة الخالصة في الله والكينونة مع أهل الله، ويتأكد هذا المعنى حين غلبة الشر، وكثرة الفتن، فعلى المسلم في هذه الحالة أن يلجأ إلى البيئات الفاضلة العابدة، فذلك هو معتصمه بعد الله، وليحذر أن يختلط عليه الأمر، فيلجأ إلى بيئة يظنها عابدة صالحة وهي على شذوذ في الاعتقاد أو على بدعة في العمل أو على فتور في العبادة أو على دعوى عريضة في اللسان ويكذب ذلك أفعالها.
* * *
[ ٢ / ٨٩٨ ]
الفصل التاسع
في:
الإيمان باليوم الآخر
وفيه:
مقدمة ووصول
[ ٢ / ٨٩٩ ]
المقدمة
في الإسلام تنبثق الفروع عن أصول، والأصول نفسها ترجع إلى أصول أجمع وأكثر كلية، وهكذا فمرجع الإسلام كله إلى الشهادتين، فالشهدتان تنطوي فيهما أركان الإيمان وعنهما ينبثق الإسلام، ويمكن أن نرجع الإسلام والإيمان إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، فمن عرف الله عرف أنه عادل، ومن تمام عدله أن يكون هناك يوم آخر، ومن تمام عدله ألا يحاسب ويعاقب إلا على شيء قد تقدم به إلى الناس، ومن ههنا يأتي الوحي والرسالة، والوحي والرسالة تتنزل بها الملائكة.
وهكذا نجد أن فروع الإسلام ترجع في النهاية إلى أصول قليلة، ولكن ينبثق عن هذه الأصول ما لا يعد من فروع وشعب للفروع.
والتركيز على الإيمان بالله واليوم الآخر هو باب الإيمان والتقوى والإحسان والشكر والعمل، فهذان الركنان هما محل التركيز المستمر في هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولذلك كان الحديث عنهما في الكتاب والسنة كثيرًا، بينما قل الحديث عنهما في كلام الناس في عصرنا مما ينبغي أن يتلافى.
إنه عن الإيمان بالله واليوم الآخر ينبثق الإخلاص والتوكل والزهد والمحبة والصدق، كما أن الإيمان باليوم الآخر يستدعي المحاسبة والتأمل والتفكر والاعتبار والخوف والرجاء.
وعن الغفلة عن الله واليوم الآخر يتفرع الخبث كله من كفر ومعصية وخيانة وحسد وعجب وكبر ورياء.
إنك إذا تأملت القرآن الحكيم فإنك لا تجد صفحات إلا وفيها حديث عن الله ﷿ أو عن اليوم الآخر أو عن الله واليوم الآخر، وعندما ندرس نصوص السنة نجد كثرة النصوص المترتبطة بهذا أو بهذا؛ لأن ذلك هو محور الرسالة، قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١).
_________________
(١) العنكبوت: ٣٦.
[ ٢ / ٩٠١ ]
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١). والطريقة الأساسية للرسل في البلاغ هي التبشير والإنذار: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢).
والتبشير والإنذار إنما هما تبشير برضوان الله الذي ينال أهله الجنة، وإنذار بسخط الله الذي يستأهل أهله النار، ولو أنك تأملت النصوص ثم تأملت الواقع لرأيت أنه لا صلاح للنفس البشرية ولا للحياة البشرية ولا لهذا العالم إلا بالإيمان واليوم الآخر وأن تظهر ثمرة ذلك على السلوك. وتأمل هذه النصوص:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٣).
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٤).
﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (٥).
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (٦).
﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٧).
﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ (٨).
وتتوضع حول الإيمان باليوم الآخر موضوعات كثيرة تتصل به بشكل مباشر أو غير مباشر، منها:
_________________
(١) الأحزاب ٢١.
(٢) النساء: ١٦٥.
(٣) الماعون: ١ - ٣.
(٤) المجادلة: ٢٢.
(٥) التوبة: ١٨.
(٦) التوبة: ٤٤.
(٧) الأنعام: ٩٢.
(٨) ص: ٤٥، ٤٦.
[ ٢ / ٩٠٢ ]
الإيمان بالموت وبالحياة البرزخية، والساعة وأشراطها، وما يكون بعد الساعة من حشر ونشر وحساب وجنة ونار إلى غير ذلك، ويرتبط بهذا كله موضوعات متعددة كثيرة وكلها مرتبطة بالإيمان بالغيب.
* * *
وقد تولى القرآن الكريم مناقشة الكافرين باليوم الآخر والشاكين فيه بما لا مزيد عليه، ولا ينبغي للمؤمن أن يمر عليه دون أن يطالع كتاب الله ﷿ لكي يتزكى قلبه فيمتلئ يقينًا ويتأمل، ويتذكر حين يمر على هذه المعاني وقد كررها القرآن كثيرًا لتثبت وتستقر كدأب القرآن في عرضه للقضايا الأكثر أهمية فهو يكرر القضية بحسب احتياج القلب البشري إليها.
وموضوع اليوم الآخر يحتاجه القلب كثيرًا ولذلك فإن القرآن يكاد يكون كله وصفًا لليوم الآخر حتى إن بعضهم فسر (الضمير) في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (١) بالقرآن، أي: وإن القرآن علم للساعة.
إن أدلة وجود الله أكثر من أن تحصى، ومن عرف الله ﷿ وعرف صفاته العليا وأسماءه الحسنى آمن باليوم الآخر وعرف حقيقة وجوده واستغرب إنكاره، فمن عرف قدرة الله ﷿ لم يستغرب أن يقيم الله ﷿ القيامة وأن يعيد خلق الإنسان وغيره مما شاء، ومن عرف علم الله لا يستغرب الإعادة مع تفرق الأجزاء، ومن عرف عدل الله آمن بما أخبره عن وجود يوم ودار يكون فيهما الحساب والجزاء.
- ومن عرف الرسل عليهم الصلاة والسلام، وعرف صدقهم وكمالاتهم ومعجزاتهم، وعرف أنهم أخبروا وبشروا وأنذروا باليوم الآخر أعطاه ذلك يقينًا.
- ومن عرف ما في القرآن من إعجاز ومعجزات، وعرف أن هذا القرآن أخبر عن الساعة وما يكون بعدها من حشر ونشر، أيقن باليوم الآخر.
_________________
(١) الزخرف: ٦١.
[ ٢ / ٩٠٣ ]
- ومن عرف أن رسول الله ﷺ أخبر عن مئات الأحدث التي ستقع بعده، وأن قسمًا كبيرًا مما أخبر عنه قد وقع، عرف أن ما لم يقع واقع لا محالة، ومن ذلك ما يكون بين يدي الساعة وما يكون بعدها.
- ومن عرف قصة أهل الكهف وأن الحكمة في فعل الله بأصحابها إثبات البعث زاده ذلك يقينًا.
- ومن تأمل كثرة البشارات والإنذارات في بقايا الوحي الإلهي الذي تقل لنا عن الرسل السابقين - على ما خالطه من تغيير وتبديل - أدرك أن التبشير باليوم الآخر، والإنذار مما يكون فيه كان قاسمًا مشتركًا في هداية الرسل عليهم الصلاة والسلام.
- ولو أنك تأملت سورة الروم في القرآن لوجدت أن الله ﷿ يدلل على صدق موعوده بغلبة الروم على الفرس بصدق موعوده بأن اليوم الآخر كائن، وهذا يجعلنا نفطن لأهمية ما أخبرنا به رسول الله ﷺ عن واقعات ستقع بعده وقد وقعت لنتحقق بذلك أن ما أخبرنا عنه واقع، سواء في ذلك ما يكون من أحداث قبل قيام الساعة أو ما يكون بعدها، ومن ههنا سيكون الوصل الأول في هذا الفصل في الحديث عن بعض ما أخبرنا عنه رسول الله ﷺ كم أحداث بين يدي الساعة، قد وقع بعضها، وبعضها لم يقع وهو واقع لإخبار الله في كتابه أو لإخبار الرسول ﷺ في سنته أو لورود الخبر في الكتاب والسنة معاص، وسيكون الوصل الثاني في هذا الفصل عن الموت والحياة البرزخية، وسيكون الوصل الثالث عن الساعة وعما سيكون بعدها.
* * *
[ ٢ / ٩٠٤ ]
الوصول
الوصل الأول: بين يدي الساعة
الوصل الثاني: الموت والحياة البرزخية
الوصل الثالث: الساعة وما يأتي بعدها
[ ٢ / ٩٠٥ ]
الوصل الأول
بين يدي الساعة
وفيه:
مقدمة وفقرات
[ ٢ / ٩٠٧ ]
المقدمة
تحدث رسول الله ﷺ عما يكون بين يدي الساعة من أحداث كبرى وأحياناُ عن أحداث صغيرة لكنها مهمة، وذلك من معجزاته المتجددة على مدى القرون، فما من عصر تقريبًا إلا ولرسول الله ﷺ أخبار عن غيب تراه هذه الأمة فيه، فيكون معجزة له وعاملًا من عوامل تجديد الإيمان وتعميق اليقين وتثبيت الأفئدة.
إن بعض الأحداث التي مرت أو ستمر في تاريخ العالم أو على الأمة الإسلامية تزلزل القلوب من هولها وفظاعتها، فعندما يكون عند المسلم علم غنها فإنه يتلقاها باليقين بدلًا من أن تكون سببًا لزعزعة هذا اليقين.
وفي ذكر بعض الأحداث إيجاد نوع من الجاهزية عند المسلم للتعامل مع هذه الأحداث إذا وقعت، ثم إن بعض هذه الأحداث لها أحكام شرعية فاقتضى ذلك بيانًا، وبعض هذه الأحكام يقاس عليه أشباهه، وفي ذلك إغناء للشريعة وتنوير للمسلم.
وهناك الدعوات الكافرة أو الضالة التي يدعو إليها مرتدون أو كافرون أو ضالون، وبعض هذه الدعوات تستند إلى شبه في زعمهم، فأن تجيء في أهلها نصوص فذلك قطع لدابر التردد في شأنها عند أهل الإنصاف والهدى.
وفي كثير من الأحيان تأتي حوادث ظالمة مظلمة يظن الناس أنها أبدية، فتأتي النصوص لتوضح جليتها أو توقيتها فيكون ذلك باعثًا على الأمل والعمل.
وهناك حالات ينبغي أن تقطع الدعاوى في شأنها فأن يدعي ممر من المعمرين أنه رأى رسول الله ﷺ، ذلك يترتب عليه ما يترتب، فجاءت النصوص لتحدد عمر الجيل الذي عايش رسول الله ﷺ ورآه.
ثم إن قيام القيامة يعني نهاية نظام هذا العالم هو أعظم الأحداث بعد خلق العالم، فما هي مقدماته الكبرى أو الصغرة ليعرف ذلك للمسلمون ويبنوا عليه ما ينبغي البناء.
هذا بعض الحكم في ذكر ما يحدث بين يدي الساعة بواسطة الوحي.
* * *
[ ٢ / ٩٠٩ ]
إن النصوص التي تتحدث عما يكون بين يدي الساعة على أنواعها: فمنها ما يتحدث عن دعوات الكفر أو الضلال والفرق التي ستنشق عن جسم الأمة الإسلامية بكفر أو ابتداع.
ومنها ما يتحدث عن بشارات وانتصارات لهذه الأمة. ومنها ما يتحدث عن أحوال ضعف تعتري هذه الأمة. ومنها ما يتحدث عن حالات مرضية تصيب بعض أجيال هذه الأمة. ومنها ما يتحدث عن صراعات كبرى تخوضها هذه الأمة تغلب فيها أو تغلب.
ومنها نصوص تتحدث عن أشخاص بأعيانهم أو أحداث بأعيانها. ومنها النصوص التي تتحدث عن أشراط الساعة الكبرى التي تكون بين يدي الساعة مباشرة.
* * *
وقسم من هذه الشؤون قد مر معنا من قبل أو سير معنا في سياقات موضوعات هذا الكتاب، فقد ذكرنا بابا في قسم السيرة عن بعض ما أخبرنا عنه رسول الله ﷺ من غيوب وقعت. ومر معنا أثناء الكلام عن الفرق الإسلامية بعض مما له علاقة بهذا الموضوع. ومر معنا أثناء الكلام عن الصحابة كثير مما أخبر به ﷺ ووقع. وستمر معنا بعض النصوص بمناسبة الكلام عن مكة والمدينة، أو أثناء الكلام عن الخلافة. وقد نضطر في هذه الشئون لشيء من التكرار، وفي كتابنا الرسول ﷺ تحدثنا عن عدد من الحوادث المستقبلية التي ستقع بعده وقد وقعت ومنها الذي وقع في عصرنا فليراجع.
* * *
لقد ركز رسول الله ﷺ بوحي من الله على معانٍ كثيرة فيما يأتي بعده، فتحدث عن الشقاق والخلاف والنزاع والقتال والفتن التي تكون بين أبناء الأمة الإسلامية، وذلك ليعرفها المسلمون فلا يشاركوا في الخطأ، وليتوبوا إذا شاركوا وليعتبروا فلا يكرروا.
وبشر رسول الله ﷺ بالفتوحات التي ستكون بعده ليندفع المسلمون في عملية الفتح، وليعرفوا أن ذلك من الله فيشكروا، وإذا حدثت انتكاسة فلا ييأسون ولا يستسلمون.
وركز رسول الله ﷺ على الدعوات الباطلة بعده، سواء جاءت من مدعي نبوة كاذبين أو دعاة ضلالة ليحذر المسلمون وليجتنبوا. وركز على ضعف الالتزام وأنواع من الانحرافات
[ ٢ / ٩١٠ ]
سيقع فيها بعض المسلمين؛ ليعرفها الصالحون فيعالجوها ويتجنبوها، وليتخذوا الموقف الصحيح من أهلها إذا وقعت. وركَّز على علامات الساعة الصُّغرى ليستأنس المسلمون بذلك فيعرفوا المرحلة التي هم فيها، فعلى ضوء الأحداث التي لم تقع بعد مما أخبر عنه رسول الله ﷺ يستطيع المسلمون أن يعملوا ويخطِّطوا، وفي الأصل فقد ربَّانا رسول الله ﷺ على العمل حتى لو علمنا أن الساعة مصبحة أو ممسية.
وركَّز على أشراط الساعة الكبرى كأهم شيء يتقدَّم تغيير نظام العالم.
وركَّز على أن الساعة تقوم على شِرار الخلق ليُعْرَف للمسلم فضله وفضيلة وجوده، فما دام في الأرض مسلم صالح فلا تقوم الساعة، فوجود المسلم أمانٌ لأهل الأرض جميعًا.
* * *
[ ٢ / ٩١١ ]
الفقرات
الفقرة الأولى في: أنَّ رسول الله ﷺ أخبر عما سيكون بين يدي الساعة.
الفقرة الثانية في: قُرْب الساعة نسبيًَّا.
الفقرة الثالثة في: مدَّة قرن النبوَّة.
الفقرة الرابعة في: بعض أحداث المرحلتين الراشدة والأمويَّة مما أخبر عنه رسول الله ﷺ أنه كائن بين يدي الساعة.
الفقرة الخامسة في: حديث جامع.
الفقرة السادسة في: فتح القسطنطينيَّة الأولى.
الفقرة السابعة في: قتال التتار والمغول والأتراك قبل إسلامهم.
الفقرة الثامنة في: تمزقات الأمَّة الإسلاميَّة وصراعاتها.
الفقرة التاسعة في: التجديد والمجدِّدين.
الفقرة العاشرة في: نار الحجاز.
الفقرة الحادية عشر في: استقلال أقطار الأمَّة الإسلاميَّة عن بعضها وانفراط عقد الوحدة الإسلاميَّة.
الفقرة الثانية عشر في: غربة الإسلام.
الفقرة الثالثة عشر في: مدَّعي النبوَّة والدجالين.
الفقرة الرابعة عشر في: أعلام وأشراط متفرقة تكون بين يدي الساعة وقد وقعت.
الفقرة الخامسة عشر في: أشراط صغرى لم تقع بعد.
الفقرة السادسة عشر في: انحسار الفرات عن جبل من ذهب.
الفقرة السابعة عشر في: أشراط الساعة الكبرى.
[ ٢ / ٩١٣ ]
الفقرة الثامنة عشر في: المهدي ﵇.
الفقرة التاسعة عشر في: الدَّجَّال.
الفقرة العشرون في: صفة المسيح بن مريم ﵇ ونزوله.
الفقرة الحادية والعشرون في: يأجوج ومأجوج.
الفقرة الثانية والعشرون في: لا تقوم الساعة إلا على شِرار الخلق.
الفقرة الثالثة والعشرون في: نار عدن.
[ ٢ / ٩١٤ ]
الفقرة الأولى
في:
أن رسول الله ﷺ أخبر عما سيكون بين يدي الساعة
٨٧٧ - * روى مسلم عن عَمْرو بن أخطبَ الأنصاري عنه، قال: صَلَّى رسول الله ﷺ يومًا الفجرَ، وصَعِدَ على المِنْبَرِ، فَخَطَبَنَا حتى حَضَرتِ الظهرُ، فنزلَ فصلَّى، ثمَّ صَعِدَ المنبر، فخطبنا حتى حضرتِ العصرُ، ثمَّ نزل فصلَّى، ثمَّ صَعِدَ المنبر حتى غَرَبَتِ الشمسُ، فأخبرنا بما [كان، وبما] هو كائن إلى يومِ القيامةِ، قال: فأعلَمنا أحفظَنا.
٨٧٨ - * روى أبو داود حُذيْفَة بنِ اليمان ﵄، وقال: والله ما أَدْرِي أنَسي أصحابي أَم تناسَوْا؟ والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائدٍ فتنةٍ إلى انقضاء الدنيا، يَبلغُ مَن معه ثلاثَمائة فصاعدًا، إلا قد سمَّاه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته.
٨٧٩ - * روى مسلم عن أبي ادريس الخولاني قال: قال حذيفةُ ﵁: والله إني لأُعَلِّم الناس بكلِّ فِتنَةٍ هي كائنةٌ فيما بيني وبين الساعة، وما بي أن يكون رسول الله ﷺ في ذلك شيئًالم يُحدِّثه غيري، ولكنَّ رسول الله ﷺ قال يومًا- وهو في مجلسٍ يَتَحَدَّثُ فيه عَنِ الفتن ويَعُدُّهُنَّ-: (منها ثلاثٌ لا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شيئًا، ومنها فِتَنٌ كرياح الصيفِ، منها صِغارٌ، ومنها كِبارٌ) فذهب أُولئِكَ الرَّهْطُ الذين سَمِعُوه معي كلهم غيري.
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٢١٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة.
(٢) أبو داود (٤/ ٩٥) كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها، وإسناده حسن.
(٣) مسلم (٤/ ٢٢١٦) - كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة. (كرياح الصيف): يريد أن فيها بعض الشدة، وإنما خص الصيف لأن رياح الشتاء أقوى.
[ ٢ / ٩١٥ ]
الفقرة الثانية
في:
قُرب الساعة نسبيًّا
٨٨٠ - * روى الطبراني في الثلاثة عن ابنِ عمْرَان أن رسول الله ﷺ قال: "إنما أَجَلَكم فيما خَلا من الأمم كما بين صلاةِ العصر إلى مَغْرِبِ الشمسِ"
٨٨١ - * روى أبو داود عن سعد بن أبي وقَّاص ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إني لأرجو أن لا يُعجِزَ اللهُ أُمَّتي عند ربِّها: أن يُؤَخِّرَهم نِصفَ يوم".
قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال خمسُمائة سنةٍ.
وأقول: في الحديث إشارة إلى أن رسول الله ﷺ لم يكن يعلم الزمن المحدد لقيام الساعة، وكان يعلم قربها لذلك رجا الزمن المذكور وقد بارك الله لهذه الأمَّة أجلها ليكثر أتباع رسول الله ﷺ، والمرجو أن يبارك فيما يأتي فلم تزل كثير من إخبارات رسول الله ﷺ عما هو كأئن قبيل الساعة لم تقع.
٨٨٢ - * روى الطبراني عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ: "اقْتَرَبَتِ الساعَةُ ولا تَزْدادُ منهم إلا بُعدًا".
_________________
(١) المعجم الكبير (١٢/ ٣٢٨). والروض الداني إلى المعجم الصغير للطبراني (١/ ٥٤). مجمع الزوائد (١٠/ ٢١١). وقال: رواه الطبراني في الثلاثة إلا أنه قال في الكبير: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ والشمس على قُعَيْقِعَانَ بعد العصر فقال: "ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقى من هذا النهار فيما مضى منه". ورجال الصغير والأوسط رجال الصحيح، وفي أحد إسنادي الكبير شريك وقد وثق، بقيَّة رجاله رجال الصحيح. (قُعَيْقِعَان): جبل بمكَّة، سُمِّي بذلك لأن جُرْهُمَا لما تحاربوا كثرت قعقة السلاح هناك.
(٢) أبو داود (٤/ ١٢٨) كتبا الملاحم، باب قيام الساعة. وإسناده صحيح.
(٣) المعجم الكبير (١٠/ ١٥). مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣١). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير الشيخ الطبراني وهو ثقة ثبت.
[ ٢ / ٩١٦ ]
أقول:
قوله: (ولا تزداد منهم إلا بُعدًا): إشارة إلى غفلة الناس عن الساعة كلما تقارب وقوعها.
٨٨٣ - (١) عن بريدَة قال سمعت النبي ﷺ يقول: "بُعِثْتُ أنا والساعة جميعًا إن كادت لتسْبِقَني".
٨٨٤ - * روى البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ المسلمين واليهود والنَّصارى، كمَثَلِ رجلٍ اسْتَأجَرَ قومًا يعملون له عملًا إلى الليل على أجرٍ معلومٍ، فعَمِلا له إلى نِصفِ النهارِ، فقالوا: لا حاجةَ لنا إلى أَجْرِكَ الذي شَرَطْتَ لنا، وما عَمَلِنَا باطلٌ. فقال: لا تفعلوا، أكملوا بقيَّة عَمَلِكُم، وخُذوا أجْرَكم كاملًا. فَأَبَوْا وتَرَكُوا، واستأجَرَ آخَرِين بعدَهم، فقال: أَكْمِلوا بقيَّةَ يومِكم، ولكم الذي شَرَطْتُ لهم من الأَجْرِ. فَعَمِلُوا حتى إذا كان حين صَلاةِ العصر، قالوا: لك ما عَمِلْنَا باطلٌ، ولك الأجْرُ الذي جَعَلْتَ لنا. فقال أَكْمِلُوا بقيَّة عَمَلِكم، فإنَّ ما بَقِيَ من النهار شيءٌ يسير. فَأَبَوْا، فاسْتأجَرَ قومًا أن يَعْمَلوا بَقيَّةَ يومِهم، حتَّى غَابَتِ الشَّمس، فاسْتَكْمَلوا أجْرَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهما، فذَلِك مَثَلُهم ومَثَلُ ما قَبِلوا من هذا النُّورِ".
٨٨٥ - * روى البخاري عن عبدِ اللهِ بن عُمَرَ ﵄، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ وهو قائمٌ على المِنْبَر يقول: "إنما بَقاؤُكم فيمن سَلَفَ قَبلَكم من الأُمم، كما بين صلاة العصر إلى غُرُوب الشمسِ، أُوتِيَ أهلُ التوراةِ التوراةَ فعمِلوا بها حتى انتصفَ النهارُ، ثمَّ عَجَزوا، فأعْطوا قِيراطًا قِيراطًا. ثمَّ أُوتِيَ أهلُ الإنجيل الإنجيلَ، فعمِلوا
_________________
(١) مسند أحمد (٨/ ٢٤٨). مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣١). وقال: رواه أحمد والبزار إلا أنه قال: "بُعثتُ أنا والساعة كهاتين" وضمَّ أصبَعَيه السَّبَّابة والوسطى، ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٢) البخاري (٤/ ٤٤٧) ٢٧ - كتاب الإجارة- باب الإجارة من العصر إلى الليل.
(٣) البخاري (١٢/ ٤٤٦) ١٧ - كتاب التوحيد- ٣١ - باب في المشيئة والإرادة.
[ ٢ / ٩١٧ ]
إلى صلاة العصر فَعَجَزوا، فأُعْطوا قِيراطًا قِيراطًا. ثم أُوتينا القرآن، فَعمِلْنا إلى غُروبِ الشمسِ، فأُعطينا قِيراطين قِيراطين. فقال أهلُ الكتابين: أيْ ربّنا، أعطيتَ هؤلاء قِيراطين قِيراطين، وأعطيتَنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كُنَّا أكثرَ عملًا؟! قال الله ﷿: هل ظَلَمْتُكم من أَجْرِكم من شيءٍ؟ قالوا: لا. قال فهو فَضلي أُوتِيه مَن أشاء".
وفي رواية (١) قال: قال رسول الله ﷺ: "مَثَلْكُم وَمَثَلُ أهلِ الكِتابَين كمثل رجل استأجَر أُجَرَاء، فقال: مَنْ يَعْمَلُ لي من غَدْوَةٍ إلى نصف النهارِ على قِيراطٍ؟ فعملَتِ اليهودُ. ثم قال: مَنْ يَعْمَلُ لي من نصفِ النهارِ إلى صلاةِ العصر على قِيراطٍ؟ فَعَمِلت النصارى. ثم قال: مَنْ يَعْمَل لي من العصر إلى أن تغيبَ الشمسُ على قِيراطين؟ فأنتم هم، فَغَضِبَت اليهود والنصارى، فقالوا: مالنا أكثرُ عَمَلًا، وأقلُّ عطاءً؟ قالَ: هل نَقَصْتُكُم من حَقِّكُم؟ قالوا: لا. قال: فذلك فَضْلي أُؤتيه مَن أَشاءُ".
وفي أخرى (٢) قال: "إنما أجلْكم في أجَلِ مَن خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنَّما مثلُكم ومثلُ اليهود والنصارى، كرجل استعمل عُمَّالًا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط " فذكر نحوه، وفي آخره: "ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس، ألا لكم الأجْرُ مرتين، فغضبَتِ اليهود والنصارى" وذكر نحو ما قبله.
* * *
_________________
(١) البخاري (٤/ ٤٤٥) ٢٧ - كتاب الإجازة ٨ - باب الإجازة إلى نصف النهار.
(٢) البخاري (٦/ ٤٩٥) ٦٠ - كتاب حديث الأنبياء ٥٠ - باب ما ذكر عن بني إسرائيل.
[ ٢ / ٩١٨ ]
الفقرة الثالثة
في:
مُدَّة قرن النُّبُوَّة
٨٨٦ - * روى مسلم عن أبي الزُّبَيْرِ، أنه سمع جابرًا ﵁ يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول- قبل أن يموت بشهر: "تسألوني عن الساعة؟ وإنَّما عِلمُها عند اللهِ، وأُقْسِمُ باللهِ ما على الأرضِ من نَفْسٍ منفوسةٍ اليومَ يأتي عليها مائةُ سنةٍ وهي حيَّةٌ يومئذٍ". قال: فسَّرها عبدُ الرحمن صاحبُ السِّقَايةِ، قال بعضُهم: هو نَقْصُ العُمْرِ.
وفي رواية للترمذي (١) قال: قال رسول الله ﷺ: "ما مِنْ نفسٍ منفوسةٍ تبلُغُ مائةَ سنةٍ" -قال سَالمٌ بن أبي الجَعْدِ وتذاكرنا ذلك عنده-: إنما هي نفسٌ مخلوقةٌ يومئذٍ.
ولهما وللبخاري وأبي داود عن أبي عمر بنحوه (٢)، وفيه: يريد بذلك أنْ ينخرم ذلك القرن.
٨٨٧ - (٤) ري ومسلم عن عائشة ﵂، قالت: كان الأعرابُ إذا قَدِمُوا على رسول الله ﷺ سألوه عن السَّاعة، متى السَّاعة؟ فينظر إلى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٩٦٦) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة ٥٣ - باب قوله ﷺ: "لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسةٍ اليوم".
(٢) الترمذي (٤/ ٥٢٠) - كتاب الفِتَن ٦٤ - باب حدثنا هناد. وقال: حسن.
(٣) مسلم (٤/ ١٩٦٥) نفس الكتاب والباب السابقين. الترمذي: في الموضع السابق. والبخاري (٢/ ٧٤) ٩ - كتاب مواقيت الصلاة ٤٠ - باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء. وأبو داود (٤/ ١٧٥) كتاب الملاحم، باب قيام السَّاعة. (نفس منفوسة) النفس المنفوسة: هي المولودة، نفست المرأة بفتح النون وضمها- إذا ولدت، والمعنى في الحديث: أن كل من هو موجود الآن، يعني ذلك الوقت إلى انقضاء ذلك الأمد اللعين: يكونون قد ماتوا؛ ولا بقي منهم على الأرض أحد، فتكون قيامة أهل ذلك العصر قد قامت. أقول: وعلى هذا الحديث استدلّ البخاري وغيره، وأَنَّ الخَضِرَ ليس حيّاَ بعد تلك المئة.
(٤) البخاري (١١/ ٢٦١) ٨١ - كتاب الرقاق، ٤٢ - باب سكرات الموت. مسلم (٤/ ٢٦٩) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٢٧ - باب قرب الساعة
[ ٢ / ٩١٩ ]
منهم، فيقولُ: "إن يَعش هذا: لَم يُدرِكْه الهَرمُ، حتى قامتْ عليكم الساعةُ". قالَ هشامٌ: يعني موتَهم.
٨٨٨ - * روى مسلم عن أنَس بن مالكٍ ﵁، أنَّ رجلًا سأل رسول الله ﷺ متى الساعة؟ فَسَكَتَ رسولُ الله ﷺ هُنَيْهَةً، ثم نظر إلى غُلام بين يديه من أَزْدِ شَنُوءة، فقال: "إنَّ عُمُرَ هذا الغُلامَ: لم يُدْرِكْهُ الهرَمُ حتى تقوم الساعةُ". قال أنس: وذلك الغلامُ من أترابي يومئذٍ.
وفي رواية (١): وعنده غلام من الأنصار، يقال له: محمد وذكر الحديث.
أقول:
قوله: لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة: أي ساعة المخاطَبِين: أي موتهم. وذلك من التذكير للمُخاطَبِ بالأهم في حقه.
قال ابن كثير في النهاية:
وذلك أن من مات فقد دخل في حُكْم يوم القيامة؛ فعالم البرزخ قريب من عالم يوم القيامة. وفيه من الدنيا أيضًا، ولكن هو أشبه بالآخرة، ثم إذا تناهت المدة المضروبة للدنيا، أمر الله بقيام الساعة. فُيجمع الأولون والآخرون لميقات يوم معلوم. أ. هـ.
* * *
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٧٠) ٥٢ - كتاب الفِتَن وأشراط السَّاعة، ٢٧ - باب قرب الساعة.
(٢) مسلم (٤/ ٢٢٩) نفس الكتاب والباب السابقين.
[ ٢ / ٩٢٠ ]
الفقرة الرابعة
في:
بعض أحداث المرحلتين: الراشِدة والأمويَّة
مما أخبرنا عنه رسول الله ﷺ أنه كائن بين يدي الساعة.
٨٨٩ - روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليَمانِ ﵄، قال: كنا عند عُمَر، فقال أَيُّكم يَحفظُ حديثَ رسول الله ﷺ في الفتنة؟ فقلت: أنا أَحْفَظُهُ كما قال. قال: هاتِ، إِنَّكَ لَجَرِيءٌ، وكيف قال؟ قلتُ: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "فِتْنَةُ الرجل في أهلِه ومالِه ونفسٍه وولدِه وجارِه، يكفِّرها الصيامُ والصلاةُ والصدقةُ، والأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ". فقال عُمَر: ليسَ هذا أريدُ، إنما أريدُ التي تموجُ كموج البحر. قال: قلتُ: مالكَ ولها يا أميرَ المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابًا مُغْلَقًَا. قال: فَيُكْسَرُ الباب أو يُفْتَح؟ قال: قلتُ: لا، بل يُكْسَر، قال: ذاك أَحْرَى أن لا يُغْلَق أبدًا. قال: فقلنا لحُذَيْفة: هل عمر يَعْلَم مَنِ البابُ؟ قال: نعم، كما يعلم أن دُون غَدٍ الليلة، إنِّي حَدَّثته حديثًا ليس بالأغاليطِ. قال: فَهِبْنا أن نسألَ حذيفة: مَنِ البابُ؟ فقلنا لمسروقٍ: سَلْهُ. فسأله، فقال: عُمَر.
ورواه الترمذي (١) إلى قوله: بل يُكْسَرُ. قال: إذًا لا يُغْلَق إلى يوم القيامة. قال أبو وائل: فقلت لمسروق، سَلْ حُذَيْفة عن الباب. فسأله فقالَ: عُمَر.
أقول: هذا الحديث من معجزاته ﵊، إذ فيه تصريح باستشهاد عمر وما سيحدث بعد ذلك من فِتَن.
_________________
(١) البخاري (٢/ ٨) ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ٤ - باب الصلاة كفَّارة. مسلم (١/ ١٢٨) ١ - كتاب الإيمان، ٦٥ - باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا
(٢) الترمذي (٤/ ٥٢٤) ٢٤ - كتاب الفتن، ٧١ - باب حدثنا محمود بن غيلان .. وقال: هذا حديث صحيح. (لَجريء) الجرأة: الإقدام على الأمر العظيم. (بالأغاليط) جمع أغلوطة، وهي المسائل التي يغلَّط بها، والأحاديث التي تذكر للتكذيب.
[ ٢ / ٩٢١ ]
٨٩٠ - * روى الحاكم عن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إِذَا افْتَتَحْتُمُ مِصْرَ فاسْتَوْصُوا بالقِبْطِ". وفي رواية: "فَاستَوصُوا بِأَهلِهَا خَيْرًَا فإنَّ لهم ذِمَّة وَرَحِمًا".
٨٩١ - * روى مسلم عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ: "إنكم سَتَفْتَحُونَ أرضًا يُذكَر ُ فيها القِيراطُ فاسْتَوصوا بأهلها خيرًا فإن لهم ذمةً ورحمًا".
وقال ﷺ فيما ثبت عنه في الصحيحين (١): "إذا هَلَكَ قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بعده وإذا هلك كِسْرَى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده ليُنْفِقُنَّ كنوزهما في سبيل الله".
أقول: استؤصلت دولة الأكاسرة سنة اثنتين وثلاثين للهجرة ولم تعد ولن تعود بإذن الله تعالى، واستؤصلت دولة القياصرة بفتح القسطنطينيَّة على يد محمد الفاتح ﵀، فبعد أن سقط كسرى لم يظهر كسرى بعده، وبعد أن سقط قيصر لم يظهر قيصر بعده.
٨٩٢ - * روى مسلم عن عامر بنِ سعدِ بنِ أبي وقَّاص: كتبتُ إلى جابرِ بن سَمُرةَ مع غلامي نافعٍ: أن أخبرني بشيءٍ سمعتَهُ من رسول اللهِ ﷺ. فكتب إليَّ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ في يوم جمعة، عَشِيَّةَ رَجِمَ الأسلميُّ، قال: "لا يزال الدِّين قائمًا حتى تقوم الساعةُ، أو أن يكونَ عليكُم اثنا عَشَرَ خليفةً؛ كُلُّهم مِن قُرَيشٍ". وسمعته يقول: "عُصَيبة من المسلمين يفتتحون البيتَ الأبيضَ: بَيْتَ كِسرى- أو آل كِسرى". وسمعتُه يقول: إنَّ بينَ يدي الساعة كذَّابِين، فاحذروهم". وسمعته يقول: "إذا أعطى اللهُ
_________________
(١) المستدرك (٢/ ٥٥٣). وقال: صحيح على شرط الشيخين. ومجمع الزوائد (١/ ٦٢). وقال: رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح. (ذمة): الحق والحُرمة، وهي هنا بمعنى الذمام. (رَحِمًا) الرَّحِم: لكَوْنِ هاجر أم إسماعيل منهم. وقد افتتحها عمرو بن العاص في سنة عشرين أيام عمر بن الخطاب ﵄.
(٢) مسلم (٤/ ١٩٧٠) ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ٥٦ - باب وصية النبي ﷺ بأهل مصر.
(٣) البخاري (٦/ ٦٢٥) ٦١ - كتاب المناتب، ٢٥ - باب علامات النُّبوَّة في الإسلام. مسلم (٤/ ٢٢٢٦) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٧ - باب لا تقوم الساعة
(٤) مسلم (٢/ ١٤٥٣) ٣٣ - باب الإمارة، ١ - باب الناس تبع لقريش =
[ ٢ / ٩٢٢ ]
أحدَكم خَيْرًَا فليبدأَ بنفسهِ وأهلِ بيته". وسمعته يقول: "أنا الفَرَطُ على الحوضِ".
وفي رواية سِماكِ بن حربٍ (١) عن جابرِ بنِ سَمُرةَ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لَتَفْتَحَنَّ عِصابةٌ من المسلمين أو المؤمنين كَنْزَ آلِ كِسْرى الذي في الأبيض".
وفي رواية أخرى (٢) قال: "لَنْ يَبْرَح هذا الدِّين قائمًا يقاتِل عليه عِصابةٌ من المسلمين حتى تقوم الساعةُ".
أقول: قد وجد من خلفاء أمته القريشين الكثير، فالخلفاء الراشدون والخلفاء الأمويون والخلفاء العباسيون كلهم قرشيون، وتخصيص الإثنى عشر خليفة بالذكر إشارة إلى خلفاء يكون لقيام الدين في عصرهم شان خاص، فإذا كان المراد بالحديث الإثنى عشر خليفة الأوَّل في تاريخ لأمَّة الإسلاميَّة، والذين يستكملون بعمر بن عبد العزيز ﵀، فالمراد بذلك قيامُ الدِّينِ بسبب من قوَّة اليقين عند الصحابة وكبار التابعين، وفي الرواية أكثر من مُعْجِزةٍ وقَعتْ كفتحِ المدائِن وبعضها قائمٌ، وهو أن هذا الدين لا تزال طائفة تحمله.
٨٩٣ - * روى البخاري ومسلم عن أَبي هُرَيرَة ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "لَاتَقُومُ السَّاعةُ حَتَّى تَقْتَتِل فِئَتَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقتلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ".
أقول: الظاهر أن في الحديث إشارة إلى ما وقع بين علي ﵁ من جهة وبين عائشة وطلحة والزبير من جهة أخرى، فكل من الجهتين كانت دعواه نصرة الحق، فالجهتان مجتهدات والصواب مع علي ﵁، أو ما جرى بين علي ومعاوية ﵄
_________________
(١) = (الفَرَط): الذي يتقدَّم الورَّاد، فيهيئ لهم الجبال والدِّلاء والحياض ويستقي لهم، وهو فَعَل بمعنى فاعل، يقال: رجل فَرَطٌ، وقوم فرط.
(٢) مسلم (٤/ ٢٢٢٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل إلخ.
(٣) مسلم (٣/ ١٥٢٤) ٣٣ - كتاب الإمارة، ٥٣ - باب قوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق " إلخ.
(٤) البخاري (١٣/ ٨١) ٩٢ - كتاب الفتن، ٢٥ - باب حدَّثنا مسدد حدثنا يحيى إلخ. مسلم (٤/ ٢٢١٤) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٤ - باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما.
[ ٢ / ٩٢٣ ]
فكلاهما كان يدعي نصرة الحق، والصواب كان مع علي، وما جرى بين علي والآخرين وردت فيه نصوص كثيرة وكلها من معجزاته ﵊، وقد ذكرناها في القسم الأول من هذا الكتاب.
٨٩٤ - * روى الترمذي عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده لا تقومُ السَّاعةُ حتى تَقْتُلُوا إِمَامكم، وتَجتَلِدُوا بأَسْيَافكم، ويَرِثُ دُنياكم شِرارُكم".
أقول: في الحديث إشارة إلى قتل عثمان ﵁، وقد وردت في ذلك نصوص صريحة ذكرناها في القسم الأول، وكلها من معجزاته ﵊.
٨٩٥ - * روى أبو داود عن سعيد بنِ زيدٍ ﵁، قال: كنَّا عندَ رسول الله ﷺ، فذكر فتنةٌ عَظُمَ أَمْرَهَا، فقلنا- أو قالوا-: يا رسولَ الله، لئن أّدْرَكَتْنَا هذه لَنَهْلِكنَّ. فقال رسول الله ﷺ: "كَلَّا إنّ بِحَسْبِكم القتل".
قال سعيد: فرأيت إخواني قُتِلوا.
٨٩٦ - * روى أبو يعلي عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ: "تَزْعُمون أني من آخِرِكم وفاةً ألا وإني من أولكم وفاة وَلَتتَّبِعُني أفنادًا يَضْرِبُ بعضُكم رقابَ بعض".
وفي لفظ الطبراني عن معاوية بن أبي سفيان، قال: كنا جلوسًا في المسجد إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "إنكم تتحدثون أني من آخركم وفاة ألا وإني من أولكم وفاة وَلَتتَّبِعُني أفنادًا يَضْرِبُ بعضُكم بعضًا" ثم نَزَع بهذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ
_________________
(١) الترمذي (٤/ ٤٦٨) ٣٤ - كتاب الفتن، ٩ - باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال: هذا حديث حسن. وابن ماجه (٢/ ١٣٩٤) ٢٩ - كتاب الفتن، ٢٥ - باب أشراط الساعة.
(٢) أبو داود (٤/ ١٠٥) -كتاب الفتن والملاحم، باب ما يرجى في القتل. إسناده صحيح. (بحسْبكم القتلَ) أي: إنَّ القتل كافيكم ومقنعكم.
(٣) مجمع الزوائد: (٧/ ٢٠٦). وقال: رواه أبو يعلي والطبراني في الأوسط والكبير ولفظه فيه عن معاوية ..، ورجالهما ثقات. (أفنادًا): جماعات متفرقين قومًا بعد قوم.
[ ٢ / ٩٢٤ ]
يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (١). ثم قال: "لا تبرح عِصابة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين لا يبالون خُذلان من خَذَلهم ولا من خالَفهم حتى يأتي أمر الله على ذلك". ثم نَزَع بهذه الآية: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٢).
٨٩٧ - * روى مسلم عن نافع بن عتبة أن رسول الله ﷺ قال: "تغزون جزيرة العرب فيفتحُها الله ثم فارسَ فيفتحها الله ثم تغزون الرومَ فيفتحها اللهُ ثم تغزون الدجالَ فيفتحه الله".
أقول: في الحديث أكثر من معجزة، منها الإشارة إلى فتح قبرص، وقد كان ذلك، وافتتحها المسلمون في زمن عثمان ﵁.
٨٩٨ - * روى البخاري عن سعيد بن المسيِّب ﵀ قال: وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الأولى- يعني مقتلَ عثمانَ- فلم يبقَ ن أصحاب بدرِ أحدٌ، ثم وقعت الفتنةُ الثانية- يعني الحرةَ، فلم يبق من أصحاب الحُديْبِيَّة أحدٌ، ثم وقعت الفتنة الثالثة، فلم ترتفعُ وبالناس طَبَاخٌ.
٨٩٩ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "تَدُورُ رَحَى الإسلام لخمسٍ وثلاثين- أو سِتٍّ وثلاثين، أو سبعٍ وثلاثين- فإن يَهْلِكُوا
_________________
(١) الأنعام: ٦٥، ٦٦، ٦٧.
(٢) آل عمران: ٥٥.
(٣) مسلم (٤/ ٢٢٢٥) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٢ - باب ما يكون من فتوحات المسلمين قبل الدجال.
(٤) البخاري (٧/ ٢١٣) ٦٤ - كتاب المغازي، ١٢ - باب حدثني خليفةُ حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري إلخ. (طَبَّاخ) أصل الطَّبَّاخ: القوَّة والسِّمَنُ، ثم استعمل في غيره، فقيل: فلان لا طباخ له، أي لا عقل له ولا خير عند، المراد: أنها لم تبقِ في الناسِ من الصحابة أحدًا.
(٥) أحمد (١/ ٣٩٠). وأبو داود (٤/ ٩٨) - أول كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها. وإسناده صحيح. وابن حبان (٨/ ٢٣١). وصححه في المستدرك (٤/ ٥٢١). وقال هذا حديث الإسناد. ووافقه الذهبي.
[ ٢ / ٩٢٥ ]
فسبيلُ مَنْ هَلَكَ، وإن يَقُم لهم دينهم: يَقُمْ لهم سَبعين عامًا". قال: قلت: أَمِمَّا بقى، أو مما مضى؟ قال: "مما مضى".
قال ابن الأثير:
تدور رَحى الإسلام، يُقال: دارت رَحى الحرب: إذا قامت على ساقها، والمعنى فيما قيل: إن الإسلام عند قيام أمره على سُنن الإستقامة، والبعد من أحداث الظُّلمة إلى أن تنقضي هذه المدة التي ذكرها وهي خمس وثلاثون سنة، ووجهه: أن يكون قاله وقد بقي عمره ﷺ خمس سنين أو ست سنين، فإذا انضمَّت إلى مدَّة خلافة الخلفاء الراشدين- وهي ثلاثون سنة- كانت بالغة ذلك المبلغ، وإن كان أراد خمس وثلاثين سنة من الهجرة، ففيها خرج أهل مصر وحصروا عثمان، وإن كانت سنة ست وثلاثين، ففيها كانت وَقْعَة الجمل، وإن كانت سنة سبع وثلاثين، ففيها كانت وَقْعَة صِفِّين. أ. هـ.
أقول:
وأما قوله: (يقم لهم سبعين عامًا): فقد يكون المراد به قيام الدين على سنن الاستقامة، وغلبة أهل الحق على أهل الأهواء والبِدع، حتى تقوم الحجَّة وتوجد الأسس التي يستمر بها الدين الحق على كثرة أهل الضلالة والمنحرفين.
٩٠٠ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "تعوذوا بالله من رأس السَّبعينَ ومن إمارةِ الصبيانِ". وقال: "لا تذهبُ الدنيا حتى تصيرَ لِلُكَعٍ ابنِ لُكَعٍ".
أقول:
وكان أبو هريرة ﵁ يستعيذ من أن تدركه سنة ستين وإمرة الصبيان، وسنة ستين هي السنة التي تأمَّر فيها يزيد بن معاوية، وبعد وفاته أمَّر ابنه معاوية وكان صغيرًا
_________________
(١) أحمد (٢/ ٣٢٩). ورجاله رجال الصحيح غير كامل بن العلاء وهو ثقة وقال في التقريب: صدوق يخطئ. وكشف الأستار (٤/ ١٢٦). مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٠). وقال: رواه احمد والبزار ورجال أحمد رجال الصجحيح غير الكامل بن العلاء وهو ثقة. وقال في التقريب: صدوق يخطئ. (اللُكَع): العبد، واستعمل في الحمق والذم.
[ ٢ / ٩٢٦ ]
ولكنه استقال واعتزل، ثم كانت الفتنة والقتال بين ابن الزبير وبني أُميَّة، فسنة سبعين كانت سنة سبقتها إمرة الصبيان.
٩٠١ - * روى ابن ماجه عن أبي موسى؛ حدَّثَنَا رسول الله ﷺ: "إنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعة لَهَرْجًَا". قال: قلتُ: يا رسولَ الله، ما الهَرْجُ؟ قال: "القَتْلُ". فقال بعضُ المسلمين: يا رسول الله، إِنَّا نَقتُل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا. فقال رسول الله ﷺ: "ليس بقتل المشركين ولكن يقتل بعضكم بعضًا، حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته". فقال بعض القوم: يا رسول الله، ومعنا عقولنا، ذلك اليوم؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا. تنزع عقول أكثر ذلك الزمان. ويخلف له هباء من الناس لا عقول لهم".
ثم قال الأشعري: وأيْم الله، إنِّي لأظنها مدركتي وإيَّاكُم. وأيم الله، مَا لي ولكم مِنْها مخرج، إن أدركتنا فيما عَهِد إلينا نبينا ﷺ، إلا أن نخرج كما دخلنا فيها.
أقول: في الحديث إشارة إلى وقعة الحرة، وما بعدها من قتال على الملك والعصبيَّة دون تعقُّل. والله أعلم.
٩٠٢ - * روى ابن ماجه عن أبي ذرِّ؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنت يا أبا ذرّ، وموتًا يُصيب الناسَ حتى يقومَ البيتُ بالوصيفِ؟ ". (يعني القبر).
_________________
(١) ابن ماجه (٢/ ١٣٠٩) كتاب الفتن، ١٠ - باب التثبيت في الفتنة. والحديث صحيح. ونحوه أحمد (٢/ ٢٩٤). (لا) أي لا عقل معكم ذلك اليوم، ثمَّ بين ذلك بقوله: تنزع: أي لا يكون ذلك مع عقولكم بل تنزع عقول أكثر ذلك ذلك الزمان، لشدة الحرص والجهل. (هباء) الهباء الذرات التي تظهر في الكوة بشعاع الشمس. والمراد: الحثالة مع الناس. (إني لأظنها) أي تلك الحالة.
(٢) ابن ماجه (٢/ ١٣٠٨) ٣٦ - كتاب الفتن، ١٠ - باب التثبيت في الفتنة. وأبو داود (٤/ ١٠١) كتاب الفتن والملاحم، باب في النهي عن السعي في الفتنة. وهو حسن. (حتى يقوِّم): من التقويم، أي يقوم البيت بالوصيف. (بالوصيف): المراد بالبيت القبر، وبالوصيف الخادم والعبد. أي يكون العبد قيمة القبر بسبب كثرة الأموال. وقيل: المراد بالبيت المتعارف. والمعنى أن البيوت تصير رخيصة لكثرة الموت وقلَّة من يسكنها، فيباع البيت بعبدٍ. =
[ ٢ / ٩٢٧ ]
قُلْتُ: مَا خَارَ اللهُ لِي وَرَسُولُهُ. (أَوْ قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ). قَالَ: "تَصَبَّرْ" قَالَ: "كَيْفَ أَنْتَ وَجُوعًَا يُصِيبُ النَّاسَ حَتَّى تَأْتِي مَسْجِدَكَ فَلَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى فِرَاشِكَ، وَلَا تَسْتَطِيعَ أَنْ تَقُومَ مِن ْ فِرَاشِكَ إِلَى مَسْجِدِك؟ " قَالَ: قُلْتُ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. (أَوْ مَا خَارَ اللهُ لِي وَرَسُولُهُ). قَالَ: "عَلَيْكَ بِالْعِفَّةِ". ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ أَنْتَ وَقَتْلًَا يُصِيبُ النَّاسَ حَتَّى تَغْرَقَ حِجَارَةُ الزَّيْتِ بِالدَّمِ؟ " قُلْتُ: مَا خَارَ اللهُ لِي وَرَسُولُهُ. قَالَ: "الحَقْ بِمَنْ أَنْتَ مِنْهُ". قَالَ؛ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا آخُذُ سَيْفِي فَأَضْرِبَ بِهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذًَا! فَإِنْ دَخَلَ بَيْتِي؟ قَالَ: "إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَك شُعَاعُ السَّيْف، فَأَلْقِ طَرَف رِدَائِكَ عَلَى وَجْهِكَ فَيَبُوءَ بِإِثْمِه وإِثْمِكَ، فَيَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ".
أقول: في الحديث إشارة إلى الطاعون الذي أصاب جيش الصَّحابة في الشَّام، وفيه إشارة إلى المجاعة التي حدثت في زمن عُمَر وسُمِّي عامها عام الرمادة، وفيه إِشارة إلى وقعة الحرة. وكل ذلك قد وقع، ففي الحديث معجزات متعددة وفي الحديث التالي ذِكر لبعض مما مر في هذا الحديث.
٩.٣ - * روى أبو داود عن أبي ذر الغِفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أبا ذَرٍّ". قلتُ: لَبَّيْك يا رسول الله وسعديك فذكر الحدث. كذا قال أبو داود، ولم يذكر لفظه، وقال فيه: "كيف أنت إذا أَصابَ الناسَ موتٌ يكون البيت فيه بالوَصيف؟ " قلتُ: الله ورسوله أعلم- أو قال: ما خارَ اللهُ لي ورسولُه- قال: "عليك بالصبر"- أو قال: "تَصَبَّر"- ثم قال لي: "يا أَبا ذَرٍّ". قلت: لبيك
_________________
(١) = (حجارة الزيت) موضع بالمدينة في الحرة سمي بها لسواد الحجارة، كأنها طُلِيَّت بالزيت، أي الدم يعلو حجارة الزيت ويسترها لكثرة القتلى وهذا إشارة إلى وقعة الحرة التي كانت في زمن يزيد. (بمن أنت منه) أي بأهلك وعشيرتك. (إن خشيت أن يُبْهِرك شعاع السيف) أي إن غلبك ضوء السيف وبريقه، فَغَطِّ وجهك حتى يقتلك. (يبوء) باء بالإثمِ يبوء: إذا رجع حاملًا له.
(٢) أبو داود (٤/ ١٠١) كتاب الفتن باب النهي عن السَّعي في الفتنة، وهو حديثٌ حسن.
[ ٢ / ٩٢٨ ]
وسعديك. قال: "كيف أنتَ إذا رأيتَ أحجارَ الزيت قد غَرِقَتْ بالدَّم؟ " قلت: ما خار الله لي ورسوله. قال: "عليك بمن أنتَ منه". قلتُ: يا رسول الله، أفلا آخذ سيفي فأضَعْهُ على عاتقي؟ قال: "شاركتَ القومَ إذًا". قلت: فما تأمُرْني؟ قال: "تَلْزَمُ بَيْتَكَ". قُلت: فإن دَخل عليَّ بيتي؟. قال: "إن خشيت أن يَبْهَرَك شعاعُ السَّيف، فألقِ ثوبك على وجهك، يبوء بإثمِكَ وإثمِهِ".
٩٠٤ - * روى البخاري عن سعيد بن عَمْرو بن سعيد ين العاص، قال: كنتُ مع مَرْوَانَ وأبي هُريرة في مسجد النبي ﷺ، فسمعتُ أبا هُريرة يقول: سمعتُ الصادقَ الصدوقَ يقول: "هَلاكُ أُمَّتي على يَدَي أُغَلْلِمةٍ من قريش". فقال مروان: غِلْمَةٌ. قال أبو هريرة: إن شئت أن أُسَمِّهم بني فلانٍ وبني فلان.
وفي رواية (٢): قال عَمرو بن يحيى بنِ سعيد: أخبرني جدِّي قال: كنتُ جالسًا مع أبي هُريرة في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة ومَعَنا مروانُ، فقال أبو هريرة: سمعتُ الصادق الصدوق يقول: "هَلَكَةُ أُمَّتي على يَدَيِّ غِلْمَةٍ من قُرَيْشٍ". قال مروانُ: لعنةُ الله عليهم غِلْمَةً؟ فقال أبو هريرة: لو شئتُ أن أقولَ: بنو فلانٍ لَفَعَلْتُ. قال: فكنتُ أخْرُجُ مع جدي سعيد إلى الشام، حين مَلَكَهُ بنو مروانَ، فإذا رآهم غِلمانًا أحداثًا، قال لنا: عسى هؤلاء الذين عَنى أبو هُريرة، فقلت: أنتَ أعلمُ.
٩٠٥ - * روى الطبراني عن عُمَيْرِ بنِ سعيدٍ، قال: كنا جلوسًا مع ابن مسعود، وأبو موسى عندَه، وأخذ الوالي رجلًا فَضَرَبَهُ وحَمَلَهُ على جملٍ. فجعل الناسُ يقولون الجملُ الجملُ. فقال رجلٌ: يا أبا عبدِ الرحمن هذا الجملُ الذي كنَّا نسمعُ. قال: فأينَ البَارقةُ.
_________________
(١) البخاري (٦/ ٦١٢) ٦١ - كتاب المناقب، ٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام. (الصادق الصدوق): هو النبي ﷺ، وصَدَق في قوله وما أخبر به، وصدَّق فيما جيء به إليه من الوحي. (أَغْيْلِمة) تصغير: أغلمة في التقدير
(٢) البخاري: (١٣/ ٩) ٩٣ - كتاب الفتن، ٣ - باب قول النبي ﷺ: "هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء".
(٣) مجمع الزوائد (٧/ ٣٢٧). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
[ ٢ / ٩٢٩ ]
أقول:
تشير الرواية إلى أن الصحابة كان عندهم علم عن رسولهم ﵊ بأن أمراءَ سيستعملون أنواعًا من العقوبات؛ منها عقوبة التشهير بإركاب المعاقَب على جملٍ والتشهير به. والبارقة: السيوف.
٩٠٦ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "في ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ".
قال الترمذي: ويقال: الكذَّاب: المختارُ بن أبي عُبَيْد، والمبير: الحجَّاج بن يوسفَ.
٩٠٧ - * روى البخاري عن الزبير بن عُدَي، قال: دَخَلْنا على أنس بن مالك فَشَكَوْنا إليه ما نَلْقي من الحَجَّاجِ، فقال: "اصْبِرُوا، لا يأتي عليكم زمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلْقَوْا ربَّكم". سمعتُ هذا من نبيكم.
أقول:
قوله: "حتى تلقوا ربكم": هل المراد جيل الصحابة أو المراد الأمة الإسلامية بإطلاق؟ أرجع الأول للحديث الحسن: "أُمَّتي كالمطر لا يُدرى أوَّله خيرٌ أم آخره".
وقد حمله بعضهم على العموم، واعتبر ما يحدث من تجديد في القرون، وما يحدث من انتعاشات وانتصارات للإسلام لا يتنافى مع إطلاق الحديث، فالحديث لا ينفي أنه لا يوجد خير بعد الزمن الأول، ولكن الخيريَّة نسبيَّة فهي تتضاءل بمجموعها في الزمن اللاحق بالنسبة للزمن السابق. وأرجح أن الحديث خاص بجيل الصحابة.
_________________
(١) الترمذي (٤/ ٤٩٩) ٢٤ - كتاب الفتن، ٤٤ - باب ما جاء في ثقيف كذاب ومبير. وهو حديث صحيح. (المبير): المهلك، من البوار: الهلاك.
(٢) البخاري (١٣/ ١٩) ٩٢ - كتاب الفتن، ٦ - باب لا يأتي إلا بعده شر منه. والترمذي (٤/ ٤٩٢) ٢٤ - كتاب الفتن، ٢٥ - باب "منه". وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٩٣٠ ]
٩٠٨ - * روى أحمد عن الشعبي قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو مستند إلى الكعبة، وهو يقول: ورب الكعبة لقد لعن رسول الله ﷺ فلانًا وما ولد من صلبه.
أقول:
اللعنة تنصبُّ على الكافرين من أبناء الحكم، وهذا التخصيص لا بد منه؛ لأن من أسلم من ذريَّة الحكم لا تنصب عليه اللعنة إلا إذا كان في قلبه نفاق أو عمل أعمالًا يستحق بها اللعنة.
٩٠٩ - * روى البزار عن عبد الله البَهيِّ مولى الزبير قال: كنتُ في المسجد ومروان يَخطبُ فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: والله ما استخلف [أي رسول الله ﷺ] أحدًا من أهله. فقال مروان: أنت الذي نزلت فيك: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ (١). فقال عبد الرحمن: كَذّبْتَ ولكن رسول الله ﷺ لَعَنَ أباك.
٩١٠ - * روى احمد عن عبد الله بن عمرو قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ وقد ذهب عمرو بن العاص يلبس ثيابه ليلحقتي فقال ونحن عنده: "ليدخلن عليكم رجلٌ لعين". فوالله ما زلت وجلًا أتشوف خارجًا وداخلًا حتى دخل فلان (يعني الحكم).
وعن أبي هريرة (٢) أن النبي ﷺ رأى في منامِهِ كأنَّ بني الحكم يَنْزَونَ على مِنْبَرِهِ
_________________
(١) أحمد (٤/ ٥). وكشف الأستار (٢/ ٩٤٧). والمعجم الكبير (٤/ ٤٨١). مجمع الزوائد (٥/ ٢٤١) وقال: رواه أحمد والبزار إلا أنه قال: لعن الله الحكم وما ولد على لسان نبيه ﷺ، والطبراني بنحوه وعنده رواية كرواية أحمد، ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٢) كشف الأستار (٢/ ٢٤٧). مجمع الزوائد (٥/ ٢٤١) وقال: رواه البزار وإسناده حسن.
(٣) الأحقاف: ١٧.
(٤) أحمد (٢/ ١٦٣). وكشف الأستار (٢/ ٢٤٧). مجمع الزوائد (٥/ ٢٤١) وقال: رواه أحمد والبزار إلا أنه قال: دخل الحكم بن أبي العاص، والطبراني في الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٥) مجمع الزوائد (٥/ ٢٤٣). وقال: رواه أبو يعلي ورجاله رجال الصحيح غير مصعب بن عبد الله بن الزبير وهو ثقة.
[ ٢ / ٩٣١ ]
ويَنزِلون، فأَصْبَحَ كالْمُتَغَيِّظِ، وقال: "مالي رأيتُ بني الحكم يَنْزَونَ على منبري نَزَوُّ القِرَدَةِ". فما رأيته ﷺ مُسْتَجْمِعًَا ضاحِكًا بعدَ ذلك حتى مات.
٩١١ - * روى الترمذي عن هشام بن حسَّان، قال: أُحْصِي ما قَتلَ الحجَّاج صَبْرًَا، فَوُجِدَ مائةَ ألفٍ وعشرين ألفًا.
٩١٢ - * روى أحمد عن عمر بن الخطاب قال: وُلِدَ لأخي أم سلمةَ زوج النبي ﷺ غلامٌ فسَمَّوْهُ الوليدَ فقال النبي ﷺ: "سميتُموه باسم فَراعِنَتِكُم لِيَكونَنَّ في هذه الأمة رجل يقال له الوليدُ لهو أشرُّ على هذه الأمةِ من فرعون لِقومِهِ"
أقول: لعل المراد بالحديث هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكان من شأنه أن استغرق باللهو وظهرت عليه أمارات الجبروت، وقد قتله بنو أُميَّة أخيرًا.
وكان الأوزاعي يحمل هذا الحديث على ما ذكرناه كما أورده ابن الحجر في الفتح. وذكر له ابن حجر شاهدًا عن أم سلمة أخرجه إبراهيم الحربي في "غريب الحديث" من رواية محمد ابن إسحق عن محمد بن عمرو عن عطاء عن زينب بنت أم سلمة عن أمها قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ وعندي غلام من آل المغيرة اسمه الوليد، فقال: "من هذا؟ " قلت: الوليد، قال: "قد اتخذتم الوليد حنانا، غيروا اسمه فإنه سيكون في هذه الأمة فرعون يقال له الوليد" (١).
_________________
(١) = (يَنْزَوْن): يُقَال نَزَوْتُ عَلَى الشَّيْءِ أَنْزُو نَزْوًَا، إذا وَثَبْتُ عليه. ويقال: نَزَا يَنْزُو نَزَاءٌ ونَزْوًَا ونَزْوَانًا.
(٢) الترمذي (٤/ ٤٩٩) ٢٤ - كتاب الفتن، باب ما جاء في ثقيف .. إلخ. وإسناد الترمذي إلى هشام بن حسَّان صحيح (صبرًا) قتلته صبرًا: إذا حبسته على القتل، فكل من فتل في غير حرب ولا اختلاس- كمن يُضرب عنقه، أو يُحبَس إلى أن يموت، أو يُصلَب، أو نحو ذلك من هيئات القتل- فهو مقتول صبرًا.
(٣) أحمد (١/ ١٨). مجمع الزوائد (٧/ ٣١٣). وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.
(٤) انظر فتح الباري (١٠/ ٥٨٠/٥٨١).
[ ٢ / ٩٣٢ ]
٩١٣ - * روى أحمد عَنْ أَبِي بُرْدَةَ؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بنِ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ وفُرْقَةٌ واخْتِلَافٌ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَاتِ بِسَيْفِكَ أُحُدا، فَاضْرِبْهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ. ثمَّ اجْلِسْ فِي بَيْتِكَ حَتَّى تَأْتِيكَ يَدٌّ خَاطِئَةٌ، أَوْ مَنِيَّةٌ قَاِضيَةٌ".
فَقَدْ وَقَعَت. وَفَعَعلْتُ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
أقول: ما أخبر عنه رسول الله ﷺ قد وقع وشارك بعض الصحابة في قتال مجتهدين وبعضهم اعتزل، وكان ممن اعتزل محمد بن مسلمة، والسؤال كيف لم يعتزل بقية الصحابة مع وجود مثل هذه الروايات؟ والجواب أنه بالإمكان حمل مثل هذه الرواية على أنها فتوى خاصة لأناس مخصوصين.
٩١٤ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول وهو على المنبر: "ألا إن الفتنةَ هاهُنا" ويُشِيرُ إلى المشرق. "من حيثُ يطلَع قَرْنُ الشَّيْطَانِ" وفي رواية قال- وهو مستقبِل المشرق: "هَا، إن الفتنة هاهنا" ثلاثًا- وذكره. وفي أخرى (١) أنه سمع النبي ﷺ- وهو مستقبِل المشرق- يقول: "ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلعُ قرنُ الشيطان".
وللبخاري (٢) قال: قام النبي ﷺ خطيبًا، فأشار نحو مسكنِ عائشةَ، فقال: "هنا الفتنة- ثلاثًا- من حيث يطلع قرن الشيطان".
وللبخاري (٣) بزيادة في أوله: أن النبي ﷺ قال: "اللهم بارِكْ لنا في شامِنا، اللهم بارِك لنا في يَمنِنا". قالوا: وفي نَجْدِنا، قال: " اللهم بارِكْ لنا في شامِنا،
_________________
(١) أحمد (٣/ ٤٩٣). وابن ماجه (٢/ ١٣١٠) ٣٦ - كتاب الفتن، ١٠ - باب التثبيت في الفتنة. وهو حديث صحيح.
(٢) البخاري (١٢/ ٤٥) ٩٢ - كتاب الفتن، ١٦ - باب قول النبي ﷺ: "الفتنة من قِبَل المشرق". مسلم (٤/ ٢٢٢٨)، ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٦ - باب الفتنة من المشرق
(٣) البخاري (١٣/ ٤٥) ٩٢ - كتاب الفتن، ١٦ - باب قول النبي ﷺ: "الفتنة من قِبَل المشرق".
(٤) البخاري (٦/ ٢١٠) ٥٧ - كتاب فرض الخمس، ٤ - باب ما جاء في بيوت أزواج النبي
(٥) البخاري (١٣/ ٤٥) ٩٢ - كتاب الفتن، ١٦ - باب قول النبي ﷺ: "الفتنة من قِبَل المشرق"
[ ٢ / ٩٣٣ ]
اللهم بارِك لنا في يَمنِنا". قالوا: وفي نجدِنا؟ قال: "اللهم بارِكْ لنا في شامِنا، اللهم بارِك لنا في يَمنِنا". قالوا: يا رسول الله، وفي نجدِنا؟ فأظنه قال في الثالثة: "هنالك الزَّلازِلُ والفِتَنُ، ومنها يطلِعُ قَرْنُ الشَّيطَان". وقد اختُلف على ابن عَوْنٍ فيهِ، فروى عنه مسندًا، وروى عنه موقوفًا على ابن عمر من قوله.
وله في رواية أخرى (١) قال: رأيت النبي ﷺ يشير إلى المشرق، ويقول: "ألا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان".
ولمسلم (٢) قال: خرج رسول الله ﷺ من بيت عائشة، فقال: "رأسُ الكُفْرِ من ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان".
وفي أخرى له (٣) عن سالم: أنه قال: يا أهل العراق، ما أَسْأَلَكُم عن الصغيرة، وأَرْكَبَكُم للكبيرة!! سمعتُ أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الفتنة تجيء من ها هنا"- وأومأَ بيده نحو المشرق- "من حيث يطلعُ قَرْنُ الشيطان". وأنتم يَضرِبُ بعضكم رِقابَ بعضٍ، وإنما قَتَل موسى الذي قَتَلَ من آل فرعون خطأً، فقال الله له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ طه: ٤٠.
وفي أخرى (٤) له أنَّ رسول الله ﷺ قام عند باب حفصةَ- وقال بعض الرواة: عند باب عائشةَ- فقال بيده، نحو المشرق: "الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان"- قالها مرتين أو ثلاثًا.
٩١٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "رأسُ الكُفْرِ نَحْو المَشرقِ، والفَخْرُ والخُيلاءُ في أهل الخيْلِ والإبلِ: الفَدَّادينَ
_________________
(١) البخاري (٦/ ٢٢٦) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده.
(٢) مسلم (٤/ ٢٢٢٩) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٦ - باب الفتنة من المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان
(٣) مسلم: الموضع السابق.
(٤) مسلم: الموضع السابق.
(٥) البخاري (٦/ ٢٥٠) ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١٥ - باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال. مسلم (١/ ٧٢) ١ - كتاب الإيمان، ٢١ - باب تفاضل أهل الإيمان. =
[ ٢ / ٩٣٤ ]
أهلِ الوبرِ، السكينةُ في أهل الغنم".
ولمسلم (١) أنه قال: "الإيمانُ يمانٍ، والكفرُ قِبَلُ المشرق، والسكينةُ في أهل الغنم، والفخر والرياءُ في الفدَّادين أهلِ الخير والوبر".
٩١٦ - (٢) اري عن ابن مسعودٍ البَدْري ﵁، يبلُغُ به النبي ﷺ قال: "من ها هنا جاءتِ الفتنُ نحو المَشرقِ، والجَفاءُ والقسوةُ وغِلَظُ القلوبِ في الفدَّادين، أهلِ الوبَر عند أصولِ أذناب الإبل والبقر، في ربيعةَ ومُضَرَ".
أقول: في النصوص التي مرَّت آنفًا ذِكر المشرق بإطلاق، وذكرت نجد والعراق: إن كان المراد بنجد نجدًا المعروفة ففي النص إشارة إلى مسليمة الكذَّاب وفتنة القرامطة وأمثال ذلك، وأمَّا العراق فقد ظهرت فيها الخارجيَّة وفتنة الحجَّاج، وفي كل الأحوال ففي النصوص معجزة وقعت.
تعقيب: لقد كثرت الأحاديث التي تتحدَّت عما سيكون بعده ﵊ في جيل الصحابة، وعن مرحلة الخلافة الراشدة والأمويَّة، فإنك تجد مئات المعجزات أخبر رسول الله ﷺ أنها كائنة ووقعت.
ولقد مرَّ معنا في هذا القسم الكثير منها أثناء الكلام عن الفرق والفتن خاصة فتنة الخوارج، أمَّا القسم الأكبر منها فقد مرَّ معنا في قسم السيرة النبويَّة أثناء الكلام عن النبوءات وعن تراجم الأزواج والآل والخلفاء الراشدين وبعض الصحابة مما يعتبر كله جزءًا من هذه الفقرة، فليراجع رسالته ﵊، فكيف وأعلام رسالته أكثر من أن يُحاط بها.
* * *
_________________
(١) =والموطأ (٢/ ٩٧٠) ٥٤ - كتاب الاستئذان، ٦ - باب ما جاء في أمر الغنم.
(٢) مسلم (١/ ٧٢) ١ - كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان.
(٣) البخازي (٦/ ٥٢٦) ٦١ - كتاب المناقبظن ١ - باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾. (الجفاء): الغِلظة والقسوة والصلابة.
[ ٢ / ٩٣٥ ]
الفقرة الخامسة
حديث جامع
٩١٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعةُ حتى يَقْتَتِل فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، يكون بينهما مُقْتَلَةٌ عظيمةٌ دعواهما واحدةٌ، وحتى يُبْعَثُ دجَّالون كذَّابون، قريبٌ من ثلاثين، كلُّهم يزعم أنه رسولُ الله، حتى يُقْبَضَ العلمُ، وتكثُرَ الزلازلُ، ويتقاربَ الزمانُ، وتظهرَ الفِتَنُ، ويكثُرَ الهَرْجُ"- وهو القتْلُ القتْلُ- "وحتى يكثُرَ فيكم المالُ فَيَفيضَ حتى يُهِمَّ ربّ المال مَن يقْبَلُ صَدَقَتَه، وحتى يعرضَه، فيقولَ الذي عرَضَه عليه: لا أرَب لي فيه، وحتى يَتَطَاول الناسُ في البُنْيَان، وحتى تَطْلُعَ الشمسُ من مَغْرِبها، فإذا طلعتْ ورآها الناسُ آمنوا أجمعون، فذلك حينَ لا ينفعُ نفسًا إِيمانُها لم تكنْ آمنتْ من قَبلُ، أو كسبَت في إيمانها خيرًا، ولتقومنَّ الساعةُ وقد نَشَرَ الرجلان ثوبَهما بينهما، فلا يَتَبايَعانه، ولا يَطويانه، ولتقومنَّ الساعةُ وقد انصرفَ الرجلُ بَلبنِ لِقْحَتِهِ، فلا يَطعَمَهُ، ولتقومنَّ الساعةَ وهو يَليطُ حوضَهُ فلا يَسقِي فيه، ولتقومَنَّ الساعةَ وقد رَفَعَ أكلته إلى فِيهِ، فلا يطْعَمْها".
ولمسلم (١) في رواية: أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعةُ حتى يخرجَ قريبٌ من ثلاثين كذَّابينَ دجَّالين، كلهم يقول: إنه نبيّ. ولا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، ويؤمن الناس أجمعون، فيومئذٍ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكنْ آمنتْ من قَبل أو كسبت من إيمانها خيرًا، ولا تقوم الساعةُ حتى تقاتلوا اليهودَ، فيفرَّ اليهوديّ وراء الحجر، فيقولُ: يا عبدَ الله، يا مسلم، هذا يهوديٌّ ورائي.
* * *
_________________
(١) البخاري (٦/ ٦١٦) ٦١ - كتاب المناقب. ٢٥ - باب علامات النبوَّة. مسلم (٤/ ٢٢١٤) ٥٢ - كتاب الفتن، ٤ - باب إذا تواجه المسلمان بسيفهما.
(٢) مسلم (٤/ ٢٢٤٠) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل (يليطه): لاط الحوض يليطه ويلوطه لَيْطًَا ولُوطًَا: إذا لطخه بالطين وأصلحه به. (أكلته): الأُكلة بضمّ الهمزة: اللقمة.
[ ٢ / ٩٣٦ ]
ولا تقوم الساعةَ حتى تقاتلوا قومًا نِعالهم الشَّعَر".
وله (١) في أخرى قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعةُ حتى يكثر فيكم المال ويَفيضَ، وحتى يَخرجَ الرجل بزكاة ماله، فلا يجدُ أحدًا يَقبلها منه، وحتى تعود أرضُ العربِ مُرُوجًا وأنهارًا".
وفي أخرى (٢) قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى يكثُر فيكم المالُ ويفيضَ، حتى يَهِمُّ ربَّ المال منْ يقْبَلَهث منه صدقةً، يدعو إليه الرجلَ، فيقول: لا أرَبَ لي فيه".
أقول: في الحديث معجزات كثيرة ففيه شيء رأته الأمة وفيه شيء نراه الآن. ومما نرى بداياته الآن: قوله ﵊: "وحتى تعود بلاد العرب مروجًا وأنهارًا".
فنحن الآن نشهد بدايات ذلك.
وقوله ﵊: "حتى تعود" إشارة إلى أنها كانت كذلك، وهذا الذي تدل عليه الدراسات الحديثة كما يدل عليه وجود البترول. ففي هذه العبارة وحدها معجزتان من معجزاته، وعصرنا يشهد كثرة الزلازل، وشهد الحربين العالميتين، ولا زال يشهد كثرة القتل، كما يشهد عصرنا تطاول الناس في البنيان بأكثر مما شهده أي عصر سابق.
_________________
(١) مسلم (٢/ ٧٠١) ١٢ - كتاب الزكاة، ١٨ - باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها.
(٢) مسلم: الموضع السابق.
[ ٢ / ٩٣٧ ]
الفقرة السادسة
في:
فتح القسطنطينيَّة الأول
٩١٨ - * روى الدارمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: بينما نحن عند النبي ﷺ نكتب، إِذ سُئِل: أي المدينتين تُفْتَحُ أوَّلًا: قسطنطينيَّة أو روميَّة؟ فقال: "لا بل مدينةُ هَرقَلَ أولًا".
أقول: في هذا الحديث بشارتان: بشارة بفتح القسطنطينيَّة، وبشارة بفتح روما، وقد فتحنا القسطنطينية ولم نفتح روما. وفي ذلك ما يُعْطينا أنه لا يزال بيننا وبين الساعة أمدٌّ نسبيًَّا. فهناك أمور أخبرنا رسول الله ﷺ عن حدوثها قبل قيام الساعة لم تقع بعد، ومن جملتها: ظهور الإسلام على العالم كله تحقيقًا لقوله ﵊ في الحديث.
٩١٩ - * روى أحمد عن المقداد بن الأسود يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلامِ بعزِّ عزيزٍ أو ذُلِّ ذليلٍ إما يُعِزِّهم لله ﷿ فيجعلهم من أهلها أو يُذِلَّهم فَيَدِنون لها".
وفي رواية لأحمد أيضًا (١): عن تميم الداري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بِعِزِّ عزيز أو بِذُلِّ ذليل عِزًَّا يُعِزّ الله به الإسلامَ وذُلًَّا يُذِلُّ الله به الكُفْر". وكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي؛ لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعزّ، وقد أصاب من كان منهم كافرًا الذُّلّ والصغار والجزية.
فهذا الحديث يشير إلى أنَّ هذا الظهور يكون قبل نزول المسيح ﵇، لأن
_________________
(١) الدارمي (١/ ١٢٦) المقدمة، ٤٢ - باب من رخص في كتابة العلم. وهو حديث صالح.
(٢) أحمد (٦/ ٤). وهو حديث صحيح.
(٣) أحمد (٤/ ١٠٣).
[ ٢ / ٩٣٨ ]
المسيح لا يقبل الجزية، وفي الحديث إشارة إلى الجزية، وسنرى أن هناك نصوصًا تتحدَّث عن فتح آخر للقسطنطينيَّة يكون بين يدي ظهور الدَّجال مباشرة، وأنَّ القائمين بذلك من غير العرب، وسنرى نصوصًا تتحدَّث عن أنَّ العرب يوم ظهور الدَّجَّال يكونون قليلين، وأنَّ الخلافة الإسلاميَّة حين ظهور المسيح الدَّجَّال ونزول عيسى بن مريم تكون بالقدس، والقول المشهور عند العلماء إن المهدي ﵇ يكون في زمن عيسى ﵇، وكل ذلك يشير إلى أن بيننا وبين علامات الساعة الكبرى أمدًا نسبيًَّا. والله أعلم.
كما أن هذه النصوص فيها إشارات ضمنيَّة من جملة إشاراتٍ كثيرة نجدها متفرقة في النصوص تدل، على أن اليهود الذين وفدوا إلى فلسطين وقامت لهم دولة في عصرنا ليسوا هم اليهود الذين يقاتلهم المسلمون عند نزول المسيح ﵇، إنما هم الذين يفدون مع المسيح الدَّجال. فعاصمة الخلافة وقت ذلك تكون القدسن وقبل ذلك ستكون دولة إسلاميَّة عالميَّة، وكل ذلك يتنافى مع بقاء السلطان الحالي لليهود في فاسطين.
* * *
[ ٢ / ٩٣٩ ]
الفقرة السابعة
في:
قتال التتار والمغول والأتراك قبل إسلامهم
٩٢٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هُريْرَة ﵁، أنَّ النبي ﷺ قال: "لا تقوم السَّاعة حتى تُقَاتِلوا قوْمًا نِعالهم الشَّعَر، ولا تقُوم الساعةُ حتَّى تُقَاتلوا قومًا كأن وجوهم المجانُ للمطرقةُ".
قال سفيان: زاد فيهِ في روايةٍ (١): "صِغَارَ الأعينِ ذُلْفَ الأُنُوفِ، كأنّ وجوههم المجان المطرقة".
وفي رواية قال (٢): قال رسول الله ﷺ: "تقاتلون بين يدي الساعة قومًا نعالهم الشَّعَر، كأنَّ وجوههم المجان المطرقة، حُمْرُ الوجوهِ، صِغار الأعْيُنِ".
وللبخاري (٣) عن قيس بن أبي حازم قال: أتينا أبا هُرَيْرة، فقال: صحبتُ رسول الله ﷺ ثلاث سنين، لم أكن في سنِّي أحرص على أن أعي الحديثَ مِنِّي فيهنَّ، سَمِعتُه يقول- وقال هكذا بيده-: "بين يدي الساعةِ تقاتلون قومًا نعالهم الشعر، وهو هذا البارزُ". قال سفيان مرة: وهم أهلُ البازرِ، ويعني بأهل البازر أهلَ فارس، كذا هو بلغتهم.
وللبخاري أيضًا (٤): وزاد في آخره "وتجدن خيرَ الناس أَشدَّهم كراهيَّةً لهذا الأمر، حتى يقع فيه، والنَّاس معادنُ، خِيارُهم في الجاهليَّة خِيارُهم في الإسلام،
_________________
(١) البخاري (٦/ ١٠٤) ٥٦ - كتاب الجهاد، ٩٦ - باب قتال الذين ينتعلون الشعر. مسلم (٤/ ٢٢٢٣) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل .. إلخ.
(٢) البخاري: الموضع السابق.
(٣) مسلم (٤/ ٢٢٢٣): الموضع السابق.
(٤) البخاري (٦/ ٦٠٤) ٦١ - كتاب المناقب، ٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام. (والبازر سوق الفسوق الذي لهم)
(٥) البخاري: الموضع السابق.
[ ٢ / ٩٤٠ ]
إذا فقهوا، وليأتِيَنَّ على أحدكم زمانٌ لأَن يراني أحبُّ إليه من أن يكون له مثلُ أهلِهِ ومالِه".
وله أيضًا (١): قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقومُ الساعةُ حتى تقاتلوا خُوزًَا وكِرمانَ من الأعاجم، حُمْرَ الوجوه، فُطْسَ الأنوفِ، صِغارٍ الأعين، وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر".
ولمسلم (٢): أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يُقَاتِل المسلمون التُّركَ، قومًا وجوهمم كالمجان المطرقة، يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر".
أقول: المراد من الترك هنا: ما هو أعمُّ من الشعب التركي بدليل الأوصاف، فكأن المراد: الترك ومن وراءهم من المغول والتتار الذين تنطبق عليهم الأوصاف التي وردت في الحديث.
٩٢١ - * روى البخاري عن عمرو بن تغلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ من أشراط الساعة: أن تُقَاتِلوا قومًا يَنْتَعِلون نِعال الشَّعَرِ، وإنَّ من أَشراط الساعة: أن تقاتلوا قومًا عِراض الوجوهِ، كأَنَّ وجوههم المجان المطرقة".
قال في الفتح: قوله (ينتعلون نعال الشعر) [الظاهر من الحديث]:
أن الذين ينتعلون الشعر غير لترك. وقد وقع للإسماعيلي من طريق محمد بن عباد
_________________
(١) البخاري: الموضع السابق.
(٢) مسلم (٤/ ٢٢٢٣): الموضع السابق. (المجان لمطرقة): المجان جمع مجن، وهو الترس. والمطرقة، بإسكان الطاء وتخفيف الراء من أطرق. هذا هو الفصيح المشهور في الرواية وفي كتب اللغة العربية والغريب. وحكي فتح الطاء وتشديد الراء، من طَرَّق، والمعروف الأول. قال العلماء: هي التي ألبست العقب وأُطرقت به طاقة فوق طاقة. قالوا: ومعناه تشبيه وجوه الترك في عرضها وتلوُّن جنانها بالترسة المطرقة. (ذلف الأنوف): جمع أذلف، كأحمر، ومعناه فطس الأنوف، وقصارها مع انبطاح. وقيل: هو غلظ في أرنبة الأنف. وقيل\: تطامن فيها. وكله متقارب. (يلبسون الشعر ويمشون في الشعر): معناه ينتعلون الشعر. كما صرَّح به في الرواية الأخرى: نعالهم الشعر.
(٣) البخاري (٦/ ١٠٣، ١٠٤) ٥٦ - كتاب الجهاد، ٩٥ - باب قتال الترك.
[ ٢ / ٩٤١ ]
قال: بلغني أن أصحاب بابك كانت نعالهم الشعر. قلت [أي ابن حجر]: بابك بموحدتين مفتوحتين وآخره كاف يقال له الخُرَّمي بضم المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، وكان من طائفة من الزنادقة استباحوا المحرمات، وقامت لهم شوكة كبيرة في أيَّام المأمون، وغلبوا على كثير من بلاد لعجم كطبرستان والري، إلى أن قتل بابك المذكور في أيام المعتصم، وكان خروجه في سنة إحدى ومائتين أو قبلها، وقتله في سنة اثنتين وعشرين" أ. هـ ابن حجر.
أقول: لقد قاتل المسلمون زنادقة انطلقوا من بلاد فارس، وقاتلوا قبائل انطلقوا من أرض الترك، وقاتلوا الأتراك قبل دخولهم في الإسلام، وقاتلوا قبائل انطلقوا مما وراء بلاد الترك كالمغول والتتار، وفي أحاديث هذه الفقرة ما يشير إلى ذلك كله، وذلك من معجزاته ﵊.
٩٢٢ - * روى أحمد عن بريدة قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فسمعتُ النبي ﷺ يقول: "إن أمتي يسوقُها قومٌ عِراض الوجوه صِغار الأعين كأن وجوههم الجُحَفُ ثلاث مرات حتى يُلْحِقوكم بجزيرة العرب؛ أما السائقة الأولى فينجو مَنْ هرب منهم، وأمَّا الثانية فينجو بعضٌ ويهلِكُ بعضٌ، وأمَّا الثالثة فيصطلمون من بقي منهم". قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: "الترك، أمَّا والذي نفسي بيده لَيَربُطَنَّ خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين". قال: وكان بريدةُ لا يفارقه بعيران أو ثلاثةٌ ومتاعٌ السفر والأسقيَّة، ويُعِدُّ ذلك للهرب مما سُمِع من النبي ﷺ من البلاء من الترك.
أقول: هذا الحديث أشبه بأن يكون محمولًا على قتال التتار والمغول، والظاهر أن كلمة الترك تطلق في النصوص بأوسع ممَّا هو متعارف عليه الآن في تعريف الأتراك، ولذلك حمل
_________________
(١) أحمد (٥/ ٢٤٨). وكشف الأستار (٤/ ١٢٨). مجمع الزوائد (٧/ ٢١١) وقال: رواه أحمد والبزار باختصار ورجاله رجال الصحيح. (الجُحْف): بمعنى الترس. (يصطلمون): يقطعون
[ ٢ / ٩٤٢ ]
شرَّاح السنّة بعض الروايات المذكورة في هذه الفقرة على المأساة التي وقعت للمسلمين على يدي المغول والتتار.
قال في عون المعبود شرح سنن أبي داود (المجلد الرابع):
قال النووي: معناه ينتعلون الشعر كما صرح به في الرواية الأخرى نعالهم الشعر، وقد وجدوا في زماننا هكذا- انتهى. قلت: رواية مسلم بلفظ يلبسون الشعر ويمشون في الشعر تدل دلالة واضحة على أنه يكون لباسهم أيضًا من الشعر، كما أن نعالهم تكون من الشعر، وهو الظاهر لما في بلادهم من ثلج عظيم لا يكون في عيرها على ما قال ابن دحية وغيره.
وقال القرطبي في التذكرة: والحديث الأوَّل، أي حديث أحمد على خروجهم وقتالهم للمسلمين وقتلهم، وقد وقع ذلك على نحو ما أخبر به ﷺ، فخرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلا الله ولا يردهم عن المسلمين إلا الله حتى كأنهم يأجوج ومأجوج، فخرج منهم في جمادى الأولى سنة سبع عشر وست مائة جيش من الترك يقال له الططر [أي التتر] عظم في قتله الخطب والخطر، وقُضِي له في قتل النفوس المؤمنة الوَطر، فقتلوا ما وراء النهر وما دونه من جميع بلاد خراسان ومحوا رسوم ملك بني سامان، وخربوا البنيان وأطلقوا الماء على المدينة من نهر جيجان، فغرق منها مباني الدار والأركان ثم وصلوا إلى بلاد نهشان، فخربوا مدينة الري وقزوين ومدينة أرديل ومدينة مراغة كرسي بلاد أذربيجان وغير ذلك، واستأصلوا ساقة من هذه البلاد من العلماء والأعيان واستباحوا قتل النساء وذبح الولدان، ثم وصلوا إلى العراق الثاني وأعظم مدنه مدينة أصبهان ودَور سورها أربعون ألف ذراع في غاية الارتفاع والإتقان، وأهلها مشتغلون بعلم الحديث فحفظهم الله بهذا الشأن أنزل عليهم مواد التأييد والإحسان فتلقوهم بصدور هي في الحقيقة صدور الشجعان، وحققوا الخبر بأنها بلاد الفرسان واجتمع فيها مائة ألف إنسان وأبرز الططر [أي التتار] القتل في مضاجعهم وساقهم القدر المحتوم إلى مصارعهم، فمرقوا عن أصبهان مروق السهم من الرمي منهم فرار الشيطان في يوم بدر وله حصاص ورأوا أنهم إن وقفوا لم يكن لهم
[ ٢ / ٩٤٣ ]
من الهلاك خلاص، ووصلوا السير بالسير إلى أن صعدوا جبل أربد فقتلوا جميع من فيه من صلحاء المسلمين وخربوا ما فيه من الجنات والبساتين، وكانت استطالتهم على ثلثي بلاد المشرق الأعلى وقتلوا وخربوا ما فيه من الخلائق ما لا يُحصى وقتلوا في العراق الثاني عدةً يبعد أن تحصى، ربط خيولهم إلى سواري المساجد والجوامع كما جاء في الحديث المنذر بخروجهم- إلى أن قال-: وقطعوا السبيل وأخافوها وجاسوا خلال الديار وطافوها، وملأوا قلوب المسلمين رُعبًا وسحبوا ذيل الغلبة على تلك البلاد سحبًا، ولا شكَّ أنهم هم المنذر بهم في الحديث وأن لهم ثلاث خرجات يصطلمون في الأخيرة منها. وقال القرطبي: فقد كملت بحمد الله خرجاتهم ولم يبق قتلهم وقتالهم فخرجوا عن العراق الثاني والأول كما ذكرنا، وخرجوا من هذا الوقت على العراق الثالث بغداد وما اتصل بها من البلاد وقتلوا من فيها من الملوك والعلماء والفضلاء والعباد، واستباحوا جميع من فيها من المسلمين وعبروا الفلاة إلى حلب وقتلوا جميع من فيها وخربوا إلى أن تركوها خالية، ثم أَوْغَلوا إلى أن ملكوا جميع الشام في مدة يسيرة من الأيام وفلقوا بسيوفهم الرؤوس والهام، ودخل رعبهم الديار المصريَّة ولم يبق إلا اللحوق بالديار الأخروية فخرج إليهم من مصر الملك المظفَّر الملقَّب بظفر ﵁ بجميع من معه من العساكر وقد بلغت القلوب الحناجر، إلى أن التقى بهم بعين جالوت فكأن له عليهم من النصر والظفر كما كان لطالوت، فقتل منهم جمع كثير وعدد غزيز وارتحلوا إلى الشام من ساعتهم ورجع جميعه كما كان للإسلام وعدوا الفرات منهزمين ورأوا ما لم يشاهدوه من زمان ولا حين، وراحوا خائبين وخاسئين مدحورين أذلاء صاغرين انتهى كلام القرطبي باختصار. وقال الإمام ابن الأثير في الكامل: حادثة التتار من الحوادث العظمى والمصائب الكبرى التي عمقت الدهور عن مثلها، عمَّت الخلائق وخصّت المسلمين فلو قال قائل: (إن العالم منذ خلقه الله تعالى إلى الآن لم يبتلوا بمثلها) لكان صادق فإن التواريخ لم تتضمَّن ما يقاربها .. انتهى. وقال الذهبي: وكانت بليَّة لم يُصَب الإسلام بمثلها .. انتهى.
قال النووي في شرح مسلم: وهذه كلها معجزات لرسول الله ﷺ، فقد وجد قتال هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها ﷺ، فوجدوا بهذه الصفات كلها في زماننا وقاتلهم المسلمون مرات، وقتالهم الآن ونسأل الله الكريم إحسان العاقبة للمسلمين. انتهى مختصرًا. أ. هـ.
[ ٢ / ٩٤٤ ]
نقلا عن (عون المعبود).
فائدة: يلاحظ أن النصوص التي تتحدَّث عن خوز وكرمان وعن الترك، تتحدَّث عن أقوام لهم صفات واحدة وهي الصفات التي تنطبق على المغول والتتار، وذلك أنه جرت العادة أن يُطلق اسم الترك على الشعوب التي تقطن وراء جبال القفقاس، وقد قاتل المسلمون بعض هذه الشعوب على أرضها، وأسلمت بعض هذه الشعوب، وبعض هذه الشعوب هربت أمام موجات التتار والمغول وهي مسلمة، فجاءت إلى الشرق كبني عثمان، والظاهر أن النصوص التي تصف الأقوام الغازية بأنهم من خوز وكرمان وتُرْك إنما تريد التتار والمغول، بل إن ابن كثير يذهب في كتابه "النهاية" إلى أن يأجوج ومأجوج هم من التُّرك كما سنرى، وذلك كما قلنا أّخْذٌ من الاصطلاح الذي أشرنا إليه، وينقل ابن كثير في مقطع من كتابه "النهاية" ثلاثة نصوص، نصًّا يتحدَّث عن قتال الترك ويصفهم، ونصًّا يتحدَّث عن خوز وكرمان ويصفهم، ونصًّا مطلقًا يذكر بعض الأوصاف، ثم يعلق ذلك بما يفيد أن هؤلاء جميعًا هم الترك.
وأقول: إن المراد بالترك هنا عندهم هم أهل منطقة ما وراء جبال القفقاس مع أن وراء هذه المنطقة شعوبًا متعدِّدة، والذين تنطبق عليهم الأوصاف التي وردت في الأحاديث هم المغول والتتار وهو الذين فعلوا بالمسلمين الأفاعيل، بينما نجد شعوبًا أُخرى ممن يُطلَق عليهم اسم الترك دخلوا في الإسلام وحملوه. صحيح أن المسلمين قاتلوا ابتداء هذه الشعوب، لكن لم يدم ذلك طويلًا، وعلى ضوء ما قلناه، فلنفهم من هذه الصفحة من كلام ابن كثير في "النهاية" ومرادنا من نقلها لنثبت ما ذكرنا آنفًا.
قال ابن كثير في النهاية: عن أبي هُرَيْرة أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزًا وكرمان من الأعاجم حمر الوجوه فطس الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة نعالهم الشعر" أخرجه الجماعة سوى النسائي.
عن أبي هريرة فذكر نحوه. قال سفيان بن عيينة: وهم أهل البارز- كذا يقول سفيان- ولعل البارز هو سوق الفسوق الذي لهم. وقال أحم حدَّثنا عفَّان حدَّثنا جرير بن حازم سمعتُ الحسن حدَّثنا عمرو بن ثعلب سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:
[ ٢ / ٩٤٥ ]
"إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا عِراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة". ورواه البخاري من حديث جرير بن حازم، والمقصود أن الترك قاتلهم الصحابة فهزموهم وغنموهم وسبوا نساءهم وأبناءهم، وظاهر هذا الحديث يقتضي أن يكون هذا من أشراط الساعة، فإن كانت أشراط الساعة لا تكون إلا بين يديها قريبًا، فقد يكون هذا أيضًا واقعًا مرَّة أخرى عظيمة بين المسلمين وبين الترك حتى يكون آخر ذلك خروج يأجوج ومأجوج كما سيأتي ذكر أمرهم، وإن كانت أشراط الساعة أعمُّ من أن تكون بين يديها قريبًا منها، فإنها تكون مما يقع في الجملة ولو تقدَّم قبلها بدهر طويل إلا أنه مما وقع بعد زمن النبي ﷺ، وهذا هو الذي ظهر بعد تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب). أ. هـ
(النهاية في الفتن والملاحم).
[ ٢ / ٩٤٦ ]
الفقرة الثامنة
في:
تمزقات الأمة الإسلاميَّة وصراعاتها
٩٢٣ - * روى الترمذي عن خبَّاب بن الأرَتّ ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاةً فأطالها، فقالوا: يا رسول الله، صليْتَ صلاةً لم تكن تُصلِّيها؟ قال: "أجل، إنها صلاةُ رغبةٍ ورهبةٍ، إنِّي سألتُ الله ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدةً، سألتُه أنه لا يُهلك أمَّتي بِسَنَةٍ، فأعطانيها، وسألتُه أن لا يُسلِّط عليهم عدوًَّا من غيرهم، فأعطانيها، وسألتُه أن لا يُذيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ، فمنعنيها".
وفي رواية النسائي (١)؛ أنَّ خبايَّا رَقَبَ رسول الله ﷺ في ليلةٍ صلَّاها، فلمَّا فَرَغَ من صلاتِه جاءه خبَّابٌ فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمِّي، لقد صلَّيْتَ الليلة صلاةً ما رأيتُك صلَّيْتَ نحوها؟ قال رسول الله ﷺ: "أجل؛ إنها صلاةُ رَغَبٍ ورَهَبٍ، سألتُ ربِّي ﷿ ثلاث خِصال، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدةً، سألتُ ربِّي: أن لا يُهلِكنا بما أَهْلَكَ به الأُممَ، فأعطانيها، وسألتُ ربِّي: أن لا يُظهِر علينا عدوًَّا من غيرنا، فأعطانيها، وسألتُ ربِّي أن لا يُلبِسَنا شِيَعًا، فَمَنَعَنِيها".
أقول: لقد بدأ الصراع بين المسلمين منذ الفتنة الكبرى التي وقعت زمن عثمان ﵁ وأدَّت إلى قتله، ومن يومها حتَّى يومنا هذا لم تهدأ الصراعات بين المسلمين، وفي عصرنا نجد
_________________
(١) الترمذي (٤/ ٤٧٦) ٢٤ - كتاب الفتن، ١٤ - باب م جاء في سؤال النبي ﷺ ثلاثًا في أمته. وقال: حديث حسن صحيح، قال محقق الجامع: وهو كما قال.
(٢) النسائي (٣/ ٢١٦) ٢٠ - كتاب قيام الليل وتطوُّع النهار، ١٦ - باب إحياء الليل. (رغبة): الرَّغب: الرغبة، هو حبُّ الشيء وإيثاره. (والرهَب): الرهبة، وهو الخوف. (يُلبِسنا): أي يختلط أمرنا خلط اضطراب واختلافَ أهواءٍ. (شِيَعًَا): الشِّيَع: الفِرَق جمع شيعة.
[ ٢ / ٩٤٧ ]
ذلك على أشُدِّه، فما ذكرته من نصوص هذه الفقرة من أعلام نُبُوَّته ﵊.
٩٢٤ - (١) راني عن نافع بن خالد الخَزَاعِي عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى والناسُ حَوْله صلى صلاةً خفيفةً تامة الركوع والسُّجود، فجلسَ يومًا فأطال السجودَ حتى أَوْمأَ بعضنا إلى بعضٍ أن اسكتوا فإن رسول الله ﷺ يُوحَى إليه. فلمَّا فَرَغَ قال بعض القوم: يا رسول الله أطَلْتَ الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض أنَّه يُنَزَّل عليكَ. قال: "لا، ولكنها صلاةُ رغبةٍ ورهبةٍ سألتُ الله فيها ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألته أن لا يُعذِّبَكُم بعذابٍ عَذَّب به من كان قبلكم، وسألته أن لا يُسلِّط على عامتكم عدوًَّا يَستَبيحها، فأعطانيهما، وسألته أن لا يَلْبِسَكُم شيعًا ويُذيق بعضكم بأسَ بعضٍ فمنعنيها". قلتُ له: أبوك سَمِعها من رسول الله ﷺ. قال: نعم، سمعته يقول إنه سمعها من رسول الله ﷺ عدد أصابعي هذه العشرِ الأصابع.
٩٢٥ - * روى مسلم عن عامر بن سعد أبي وقَّاص ﵀ عن أبيه، أنَّه أقْبَل مع النبيّ ﷺ ذات يومٍ من العَاليةِ، حتى إذا مرَّ بمسجدِ بني معاويةَ دَخَلَ فركعَ فيه ركعتين، وصَلَّيْنا معه، ودعا ربَّه طويلًا، ثمّ انصرف إلينا فقال: "سألتُ ربِّي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدةً، سألتً ربي أن لا يُهلِكَ أُمَّتي بالسِّنَّة فأعطانيها، وسألته أن لا يُهلِك أمتي بالغَرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأْسَهم بينهم، فَمَنَعَنِيها".
أقول: الغرق الجزئي لأجزاء في الأرض الإسلاميَّة لا يدخل في الحديث، وكذلك المجاعة الجزئيَّة فالمنفى هو استئصال الأمَّة الإسلاميَّة كلها بغرق أو مجاعة أو غير ذلك، وكذلك التسليط على الأمَّة الإسلاميَّة من غيرها لا يكون شاملًا، أمَّا التسليط الجزئي فغير منفي في النصوص، ولو أنَّك تأمَّلت أشدَّ مراحل الضعف التي مرَّت بها الأمَّة الإسلاميَّة
_________________
(١) المعجم (٤/ ١٩٤). كشف الأستار (٤/ ٩٩). مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٢، ٢٢٣). وقال: رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح غير نافع بن خالد وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه أحد ورواه البزار.
(٢) مسلم (٤/ ٢٢١٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٦ - باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة.
[ ٢ / ٩٤٨ ]
فإنك لا تجد مرحلة تسلط بها الكافرون على كل شبر من الأرض الإسلاميَّة، ففي موجة التتار بقيت أقطار إسلاميَّة كمصر وما وراءها والجزيرة العربيَّة بعيدة عن سيطرتهم، وفي الحروب الصليبية لم تستعمر إلا أقطار محدودة، وفي مرحلة الإستعمار الحديث بقيت أقطار إسلاميَّة لم يستعمرها الكافرون كاليمن والحجاز ونجد. ففي النصوص بشارة وهي من أعلام نبُوَّته ﵊.
٩٢٦ - * روى مسلم عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله زَوَى لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوى لي منها، وأُعطِيتُ الكنْزين الأحمر والأبْيض، وإنِّي سألتُ ربِّي لأمَّتي؛ أن لا يُهلِكها بِسَنَةٍ عامَّةٍ، وأن لا يسلِّط عليهم عدوًَّا من سوى أنفسهم، فيستبيحَ بَيْضَتَهم، وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيتُ قضاءٌ فإنه لا يرَدُّ، وإني أعطيتك لأُمتك: أن لا أُهْلِكاهم بِسَنَةٍ عامَّةٍ، ولا أُسلِّط عليهم عدُوًّا [من] سوى أنفسهم يستبيحُ بيضتَهم، ولو اجتمع عليهم مَنْ بأقطارها- أو قال: مَن بين أقطارِها- حتَّى يكون بعضهم يُهلِكُ بعضًا، ويَسبي بعضهم بعضًا".
وفي رواية (١): أنَّ النبي ﷺ قال: "إن الله زَوَى لي الأرض حتى رأيتُ مشارقها ومغاربها، وأعطاني الكَنْزَين: الأحمر والأبيض" ثمَّ ذكر نحوه.
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٢١٥) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٥ - باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض. قال ابن الأثير: (بِسَنَةٍ عَامَّةٍ) السَّنة: الجذب والشِّدَّة، والعامَّة: التي تَعُمُّ الكل. (زوى لي): رَوَيْت الشيء لفلان، أي جمعته له وضممته إليه، وقوله: "وإن مُلكَ أُمَّتي سيبلغُ ما زُوِيَ لي منها" من معجزاته ﷺ، لأنّ مُلك أمته بلغ من المشارق والمغارب كثيرًا واسعًا. وأمَّا جهة الجنوب وجهة الشَّمال: فلم يبلغ ملك الأمة الإسلامية فيهما كثيرًا مبلغه من جهتي الشرق والغرب، فكان هذا منه ﷺ إخبارًا عمَّا يقع في المستقبل. (بيضة الناس): مجتمعهم ومعظمهم، وبيضة البلد، وسطه ومعظمه، و"استباحهم": جعلهم مُباحًا، يأخذهم أسرًا وقتلًا، ويتصرَّف فيهم كيف شاء. أهـ. ابن الأثير (جامع الأصول).
(٢) مسلم: الموضع السابق.
[ ٢ / ٩٤٩ ]
وزاد أبو داود (١): "وإنما أخاف على أمَّتي الأئمَّة المُضلِّين، وإذا وُضِع السَّيف في أمَّتي لم يُرفَع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تَلْتَحِق قبائِلٌ من أمَّتي بالمشركين، وحتَّى تَعْبُدَ قبائل من أمَّتي الأوثان، وإنَّه سيكون في أُمَّتي كذَّابون ثلاثون، كُلُّهم يزعُم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، ولا نبي بعدي ولا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الحق ظاهرين لا يَضرُّهم من خالفهم حتَّى يأتي أمرُ الله".
وقد روى مسلم (٢) بعض هذه الزيادة عن ثوبان، وهي قوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين " إلى آخرها.
وروى الترمذي (٣) الزيادة كلها مفردة.
أقول: إنّ أعظم منابع الثروة في العالم موجود في العالم الإسلامي، وفي الحديث إشارة إلى ذلك، وذلك من أعلام نبوَّتِه ﵊، وفي الحديث بِشارة باستمرار وجود من يحمل الإسلام كلما وقع وذلك من أعلام نبوَّته ﵊، وفي الحديث بِشارة بالتوسُّع المطَّرِد للإسلام وهة حاصل، ونحن الآن نشهد بداية مدٍّ إسلامي جديد نرجو أن يكون مآله سيطرة الإسلام على العالم تحقيقًا لقوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، وتحقيقًا لبشارته ﵊ بذلك.
٩٢٧ - * روى أحمد عن شداد بن أَوسٍ أنّ النبي ﷺ قال: "إنَّ الله زَوَى لي الأرض فرأيت مَشارِقَها ومَغَارِبَها وإني أعطِيتُ الكنزين: الأبيضَ والأحمرَ،
_________________
(١) أبو داود (٤/ ١٧) كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفِتَن ودلائلها.
(٢) مسلم (٢/ ١٥٢٣) ٢٣ - كتاب الإمارة، ٥٣ - باب قوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمَّتي "
(٣) الترمذي (٤/ ٥٠٤) ٣٤ - كتاب الفتن، ٥١ - باب ما جاء في الأئمَّة المضلين. وقال: حديث صحيح.
(٤) أحمد (٥/ ٢٤٨). وكشف الأستار (٤/ ١٠٠). ومجمع الزوائد (٧/ ٢٢١). وقال: رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح. (زوى): جمع. =
[ ٢ / ٩٥٠ ]
وإني سألت ربي ﷿: أن لا يهلك أمتي بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا فيهلكهم بعامة، وأن لا يلبسهم شيعًا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض. فقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا بعامة فيهلكوهم بعامة، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا وبعضهم يقتل بعضًا وبعضهم يسبي بعضًا". قال: وقال رسول الله ﷺ: "إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين. وإذا وضع السيف في أمتي لا يرفع عنهم إلى يوم القيامة".
٩٢٨ - * روى الطبراني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "سألت ربي لأمتي أربع خلال فمنعني واحدة وأعطاني ثلاثا: سألته أن لا يكفر أمتي صفقةَ وحدةً فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم هدوًا من غيرهم فأعطاينها، وسألته أن لا يعذبهم بما يعذب به الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها".
٩٢٩ - * روى الطبراني عن أبي بردة قال: خرجت من عند عبيد الله بن زياد فرأيته يعاقب عقوبة شديدة، فجلست إلى رجل من أصحاب النبي ﷺ فقال: قال رسول الله ﷺ: "عقوبة هذه الأمة بالسيف".
٩٣٠ - * روى أبو داود عن عوف بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لن يجمع لله على هذه الأمة سيفين: سيفًا منها، وسيفًا من عدوها".
أقول: في الحديث إشارة وبشارة، فعندما يكون المسلمون قائمين بالجهاد يقاتلون عدوًا أو يقاتلهم عدو فيتحدون وتتوجه قلوبهم لجهاد غيرهم، فإذا ركد سوق الجهاد لأعداء الله
_________________
(١) = (بسنة): السنة: القحط والمجاعة. (بعامة): العامة: التي تعم الكل.
(٢) مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٢) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات. ورواه البزار إلا أنه قال: سألت ربي ثلاثًا. وكشف الأستار (٤/ ٩٩).
(٣) مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٥). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٤) أبو داود (٤/ ١١٢) كتاب الملاحم، باب ارتفاع الفتنة في الملاحم. وإسناده حسن.
[ ٢ / ٩٥١ ]
قاتلوا بعضهم.
ومن فقه أبي بكر ﵁ أنه بعد أن أنهى الردة حرك المسلمين باتجاه فارس والروم، وكذلك فعل عمر، فلما خفت المشاركة بالجهاد المشاركة بالجهاد زمن عثمان على كثرة الفتوح وقعت الفتنة.
* * *
[ ٢ / ٩٥٢ ]
الفقرة التاسعة
في:
التجديد والمجددين
٩٣١ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".
قال ابن الأثير: (من يجدد لها دينها) قد تكلم العلماء في تأويل هذا الحديث، كل واحد في زمانه، وأشاروا إلى القائم الذي يجدد للناس دينهم على رأس كل مائة سنة، وكأن كل قائل قد مال إلى مذهبه، وحمل تأويل الحديث عليه، والأولى أن يحمل الحديث على العموم، فإن قوله ﷺ: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" ولا يلزم منه أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلًا واحدًا، وإنما قد يكون واحدًا، وقد يكون أكثر منه؛ فإن لفظة "من" تقع على الواحد والجمع، وكذلك لا يلزم منه أن يكون أراد بالمبعوث: الفقهاء خاصة، كما ذهب إليه بعض العلماء، فإن انتفاع الأمة بالفقهاء، وإن كان نفعًا عاما في أمور الدين، فإن انتفاعهم بغيرهم أيضًا كثير مثل أولي الأمر، وأصحاب الحديث والقراء والوعاظ، وأصحاب الطبقات من الزهاد، فإن كل قوم ينفعون بفن لا ينفع به الآخر، إذ الأصل في حفظ الدين حفظ قانون السياسة، وبث العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء ويتمكن من إقامة قوانين الشرع، وهذا وظيفة أولي الأمر، وكذلك أصحاب الحديث ينفعون بضبط الأحاديث التي هي أدلة الشرع، والقراء ينفعون بحفظ القراءات وضبط الروايات، والزهاد ينفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا، فكل واحد ينفع بغير ما به الآخر، لكن الذي ينبغي أن يكون المبعوث على رأس المائة: رجلًا مشهورًا معروفًا، مشارًا إليه في كل فن من هذه الفنون، فإذا حمل تأويل الحديث على هذا الوجه كان أولى، وأبعد من التهمة، وأشبه بالحكمة، فإن اختلاف الأئمة رحمة، وتقرير أقوال المجتهدين متعين، فإذا ذهبنا إلى تخصيص
_________________
(١) أبو داود (٤/ ١٠٩) كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة. وإسناده صحيح. والمستدرك (٤/ ٥٢٢). وصحح الحاكم ووافقه الذهبي.
[ ٢ / ٩٥٣ ]
القول على أحد المذاهب، وأولنا الحديث عليه، بقيت المذاهب الأخرى خارجة عن احتمال الحديث لها، وكان ذلك طعنا فيها.
فالأحسن والأجدر أن يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعة من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة سنة، يجددون للناس دينهم، ويحفظون مذاهبهم التي قلدوا فيها مجتهد يهم وأئمتهم. اهـ. (جامع الأصول).
أقول: رأس القرن أوله، والظاهر المتبادر من الحدي أن القائم بالتجديد في كل قرن واحد، وهو الذي يغلب على كلام العلماء، ولكن كلام ابن الأثير وجيه، والموضوع يحتاج إلى تحقيق من خلال الواقع، وهذا بحث يستأهل أن يتفرغ له، فتحديد الذين أثروا في تاريخ الإسلام مجددين للهدى وعلى الهدى يضع بيد الأمة ثروة هائلة من القدوة والسوابق، وإذا كان التحديد لا يحتمل المقام هاهنا لكثرة الاختلاف في أهل التجديد، فإننا نكتفي بالقول؛ إن تجديد الإسلام قائم وحاصل يدل على ذلك: وصول هذا الدين إلينا نقيًا صافيًا، وانتشاره في الأرض طولًا وعرضًا على كثرة الكوارث والأعداء، ونحب أن نلفت نظر الراغبين في التجديد في هذا القرن إلى بعض الملاحظات:
إن على القائمين بالدعوة إلى الله أن يلحظوا ما يحتاجه كل قرن من تجديد، فتجديد كل قرن على حسبه، ولكل قرن جديده الذي يحتاج إلى عمل مكافئ ومناسب، فهناك تجديد علوم الإسلام وهناك التجديد في أساليب العمل لإحياء أسهم الإسلام ومقاماته ومفاهيمه وقيمة، وهناك التجديد الذي تحتاجه المستجدات، فإقامة الجهاد في عصرنا تحتاج من الوسائل والأساليب ما فرضته مستجدات العصر، وإقامة فروض العين وفروض الكفاية تحتاج من الجهد والأساليب والإحاطة والتعبئة ما تقضيه مستجدات كل عصر، وكثيرون من الناس يسيرون على معالم تجديد المجددين في قرون سابقة دون أن يلحظوا المتغيرات والمستجدات والزمان والمكان والبيئة والمعطيات والمتغيرات ونفسيات الناس.
وبعد هذه الملاحظات لابد من الإشارة إلى أن في الحديث معجزة ظاهرة، فلم يزل على رأس كل قرن يظهر من نوابغ الإسلام ومن الحركات الإسلامية والتحركات الجادة لنصرة الإسلام بتأييد الحق والرد على أهل الباطل وإضعافهم ما هو ظاهر واضح، ولكثرة ظهور
[ ٢ / ٩٥٤ ]
هذا الأمر في كثيرين، تجد العلماء يختلفون من هو المجدد الأول أو الأقوى أو الأوحد في كل قرن وما كان الاختلاف إلا بسبب الوجود، ومذهب ابن الأثير يقلل من الخلاف حتى يجعله في حده الأدنى.
* * *
[ ٢ / ٩٥٥ ]
الفقرة العاشرة
في:
نار الحجاز
٩٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل ببصري".
قال الحافظ ابن حجر: "قوله (حتى تخرج نار من أرض الحجاز) قال القرطبي في "التذكرة": قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادي الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم عليها سور محيط عليه شراريف وأبراج ومآذن، وترى رجالًا يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق له دوي كدوي الرعد يأخذ الصخور بين يديه وينتهي إلى محط الركب العراقي، واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر، وقال لي بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رؤيت من مكة ومن جابل بصري. وقال النووي: تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام. وقال أبو شامة في "ذيل الروضتين": وردت في أوائل شعبان سنة أربع وخمسين كتب من المدينة الشريفة فيها شرح أمر عظيم حدث بها في تصديق لما في الصحيحين، فذكر هذا الحديث، قال: فأخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب، فمن الكتب .. فذكر نحو ما تقدم، ومن ذلك أن في بعض الكتب: ظهر في أول جمعة من جمادى الآخرة في شرقي المدينة نار
_________________
(١) البخاري (١٢/ ٧٨) ٩٢ - كتاب الفتن، ٢٤ - باب خروج النار. مسلم (٤/ ٢٢٢٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٤ - باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز.
[ ٢ / ٩٥٦ ]
عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم انفجرت من الأرض وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد. وفي كتاب آخر: انبجست الأرض من الحرة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد المدينة وهي براي العين من المدينة، وسال منها واد يكون مقداره أربع فراسخ وعرضه أربع أميال يجري على وجه الأرض ويخرج منه مهاد وجبال صغار. وفي كتاب آخر: ظهر ضوؤها إلى أن رأوها من مكة، قال ولا أقدر أصف عظمها، ولها دوي. قال أبو شامة: ونظم الناس في هذا أشعارًا، ودام أمرها أشهرا، ثم خمدت. والذي ظهر لي أن النار المذكورة في حديث الباب هي التي ظهرت بنواحي المدينة كما فهمه القرطبي وغيره، وأما النار التي تحضر الناس فنار أخرى. وقد وقع في بعض بلاد الحجاز في الجاهلية نحو هذه النار التي ظهرت بنواحي المدينة في زمن خالد بن سنان العبسي، فقام في أمرها حتى أخمدها ومات بعد ذلك في قصة له ذكرها أبو عبيدة معمر بن المثنى في "كتاب الجماجم" وأوردها الحاكم في "المستدرك" من طريق يعلى بن مهدي عن أبي عوانة عن أبي يونس عن عكرمة عن ابن عباس: أن رجلًا من بني عبس يقال له خالد بن سنان قال لقومه إني اطفي عنكم نار الحدثان فذكر القصة وفيها فانطلق وهي تخرج من شق جبل من حرة يقال لها حرة أشجع فذكر القصة في دخوله الشق والنار كأنها جبل سقر فضربها بعصاه حتى أدخلها وخرج. وقد أوردت لهذه القصة طرفًا من ترجمته في كتابي في الصحابة. قوله (تضيء أعناق الإبل ببصري) قال ابن التين: يعني من آخرها يبلغ ضوؤها إلى الإبل التي تكون ببصري وهي من أرض الشام.
وبصري بضم الموحدة وسكون المهملة مقصور بلد بالشام وهي حوران. وقال أبو البقاء: أعناق بالنصب على أن تضيء متعمد، والفاعل النار أي تجعل على أعناق الإبل ضوءًا، قال: ولو روي بالرفع لكان متجهًا أي تضيء أعناق الإبل به كما جاء في حديث آخر "أضاءت له قصور الشام" وقد وردت في هذا الحديث زيادة من وجه آخر أخرجه ابن عدي في الكامل من طريق عمر بن سعيد التنوخي عن ابن شهاب عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن جزم عن أبيه عن عمر بن الخطاب يرفعه: "لا تقوم الساعة حتى يسيل واد من أودية الحجاز بالنار تضيء له أعناق الإبل ببصري" وعمر ذكره ابن حبان في الثقات ولينه
[ ٢ / ٩٥٧ ]
ابن عدي والدارقطني، وهذا ينطبق على النار المذكورة التي ظهرت في المائة السابعة. وأخرج أيضًا الطبراني في آخر حديث حذيفة بن أسيد الذي مضى التنبيه عليه: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من رومان أو ركوبة تضيء منها أعناق الإبل ببصري" قلت: وركوبة ثنية صعبة المرتقي في طريق المدينة إلى الشام مر بها النبي ﷺ في غزوة تبوك ذكره البكري، ورومان لم يذكره البكري ولعل المراد رومة البئر المعروفة بالمدينة، فجمع في هذا الحديث بين النارين وأن إحداهما تقع قبل قيام الساعة مع جملة الأمور التي أخبر بها الصادق ﷺ؛ والأخرى هي التي يعقبها قيام الساعة بغير تخلل شيء آخر، وتقدم الثانية على الأولى في الذكر لا يضر والله أعلم" اهـ. (فتح الباري: ١٣/ ٧٩).
أقول: المراد بالنار الثانية التي أخبر عنها رسول الله ﷺ هي النار التي تخرج من حضرموت، وسيأتي الكلام عنها في فقرة لاحقة.
* * *
[ ٢ / ٩٥٨ ]
الفقرة الحادية عشر
في:
استقلالية أقطار الأمة الإسلامية عن بعضها
وانفراط عقد الوحدة الإسلامية
٩٣٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم". شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه.
وفي رواية أبي داود (٢) قال: "منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، ثم عدتم من حيث بدأتم" ثم قالها زهير ثلاث مرات، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه.
قال ابن الأثير: " (منعت) وأما قوله: "منعت" فله معنيان، أحدهما: أن النبي ﷺ أخبر أنه سيسلمون وسيسقط ما وظف عليهم بإسلامهم، فصاروا بإسلامهم مانعين ما كان عليهم من الوظائف، واستدل على هذا بقوله: "وعدتم من حيث بدأتم" لأن بدءهم في علم الله وفي قضائه وقدره: أنهم سيسلمون، فعادوا من حيث بدؤوا، والوجه الثاني: أنهم يرجعون عن الطاعة، ويعضده الحديث الذي أورده البخاري في "صحيحه" عن أبي هريرة قال: كيف أنتم إذا لم تجبوا دينارًا ولا درهمًا؟ فقيل: كيف ترى ذلك كائنًا؟ قال: إي والذي نفسي بيده عن قول الصادق المصدوق قيل: عم ذاك؟ قال: تهتك حرمة الله، وذمة رسوله فيشد الله على قلوب أهل الذمة فيمنعون ما في أيديهم". اهـ
أقول: في الحديث إشارة إلى ماجد في زماننا حيث عادت الدعوة الإسلامية إلى بداياتها بعد الردة الهائلة وبعد أن لم تعد للمسلمين خلافة مركزية يخضعون لها وتقودهم وتسوسهم.
٩٣٤ - * روى مسلم عن جابر ﵁ قال: يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم، قال أبو نضرة: قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذاك، ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مدي، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم، ثم سكت هنية، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: "يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيًا، لا يعده عدًا" قال: قلت لأبي نضرة، وأبي العلاء: أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ قالا: لا.
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٢٢٠) ٥٢ - كتاب الفتن وإشراط الساعة ٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يحسر إلخ.
(٢) أبو داود (٣/ ١٦٦) كتاب الإمارة، باب في إيقاف أرض السواد وأرض العنوة.
[ ٢ / ٩٥٩ ]
أقول: لقد كان العراق حاضرة الأمة الإسلامية وعاصمتها أكثر من مرة واستعصت عليه جهات كثيرة من المعجم، ولقد كان الشام حاضرة للأمة الإسلامية وعاصمتها واستعصى عليه الروم الجيران الشماليون له وقتذاك أكثر من مرة ومنعوه الجزية، وفي الحديث إشارة إلى الخلافة الراشدة في آخر الزمان والتي تكون بعد الملك الجبري كما نصت على ذلك نصوص منها:
٩٣٥ - * روى أحمد عن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٢٣٤) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل .. (المدي): مكيال لأهل الشام يسع خمسة وأربعين رطلًا، و"القفيز" لأهل العراق ثمانية مكاكيك، و"الإردب" لأهل مصر أربعة وستون منًا وأربعة وعشرون صاعًا على أن الصاع خمسة أرطال وثلث. (الصاع) = ٢٧٥١ غم على رأي الشافعية. (ويساوي أيضًا) = ٣٨٠٠ غم على رأي الأحناف. (القفيز) = ١٢ صاع. (المدي) = ٥ ر ٢٢ صاع (الإردب) = ٢٤ صاع و= ٦٤ منًا. (المن): = رطلان. والرطل البغدادي ٤٠٨ غم.
(٢) أحمد (٤/ ٢٧٣). وكشف الأستار (٢/ ٢٣١). مجمع الزوائد (٥/ ١٨٨) وقال: رواه أحمد في ترجمة النعمان والبزار أتم منه والطبراني ببعضه في الأوسط ورجاله ثقات.
[ ٢ / ٩٦٠ ]
أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" ثم سكت.
أقول: إن أحاديث هذه الفقرة قد وقعت وذلك من أعلام نبوته ﵊، وعصرنا يشهد استقلالية الأقطار الإسلامية عن بعضها وذلك خلاف الأصل، فلابد أن تكون للمسلمين وحدتهم وخليفتهم، وعل علماء المسلمين أن يعلموا لذلك بالقدر المتاح والممكن، وأن يقترحوا الصيغ الأكثر تطويرًا لتحسين العلاقات وتمتين أواصر الأخوة والوحدة وذلك من واجبات العصر.
* * *
[ ٢ / ٩٦١ ]
الفقرة الثانية عشرة
في:
غربة الإسلام
٩٣٦ - * روى مسلم عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها".
٩٣٧ - * روى الطبراني عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ: "بدأ الإسلام غيرًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبي للغرباء". قالوا يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: "الذين يصلحون عند فساد الناس".
٩٣٨ - * روى أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الإيمان بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبي يومئذ للغرباء إذ فسد الناس والذي نفس أبي القاسم بيده ليأرزن الإيمان إلى بين هذين المسجدين كما تأرز الحية إلى حجرها".
٩٣٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ (رفعه): "إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبي للغرباء".
_________________
(١) مسلم (١/ ١٣١) ١ - كتاب الإيمان، ٦٥ - باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، وإنه يأرز بين المسجدين.
(٢) المعجم الكبير (٦/ ١٦٤). والروض الداني (١/ ١٨٣). مجمع الزوائد (٧/ ٣٧٨) وقال: رواه الطبراني في الثلاثة ورجاله رجال الصحيح غير بكر بن سليم وهو ثقة.
(٣) أحمد (١/ ١٨٤). (ليأرزن): أي ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض. وكشف الأستار (٤/ ٩٨). مجمع الزوائد (٧/ ٢٧٧) وقال: رواه أحمد والبزار وأبو يعلى ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح.
(٤) مسلم (١/ ١٣١) ١ - كتاب الإيمان، ٦٥ - باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، وإنه يأرز بين المسجدين. =
[ ٢ / ٩٦٢ ]
أقول: هذه الأحاديث من أعلام نبوته ﵊، ولقد شهدنا غربة الإسلام في عصرنا وما سبقه، وكانت مظاهر غربة الإسلام كثيرة، فقد طغت على أرض الإسلام الأفكار العلمانية والإلحاد وكثرت الأحزاب الكافرة والفلسفات والأفكار الفاسدة وظهرت أنواع من المؤسسات تنشر الكفر والتشكيك، ومرت فترات كنت لا تجد في الجامعات والمدارس من يصلي وإذا صلى صلى مستخفيًا حتى لا يهزأ به أو يشكك في عقله، ونحن نشهد الآن في بداية القرن الخامس عشر الهجري شيئًا من التحسن في بعض الأقطار واستشراء للردة في أقطار أخرى، والمرجو من فضل الله وكرمه أن تنتهي موجة غربة الإسلام. (١)
* * *
_________________
(١) = وابن ماجه (٢/ ١٣٢٠) ٣٦ - كتاب الفتن، ١٥ - باب بدأ الإسلام غريبًا.
[ ٢ / ٩٦٣ ]
الفقرة الثالثة عشرة
في:
مدعي النبوة والدجالين
٩٤٠ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى يبعث كذابون دجالون، قريبًا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله".
وفي رواية أبي داود (١): "حتى يخرج ثلاثون دجالون كلهم يزعم أنه رسول الله". وفي أخرى (٢) "حتى يخرج ثلاثون كذابًا دجالًا، كلهم يكذب على الله وعلى رسوله".
ويف رواية عبيدة السلماني بهذا الخبر (٣) ..، فقلت له: أترى هذا معهم؟ يعني: المختار- فقال عبيدة: أما إنه من الرؤوس.
قال محقق الجامع: ليس المراد بالبعث الإرسال المقارن للنبوة، بل هو كقوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٤) وليس المراد أيضًا من ادعى النبوة مطلقًا، فإنهم لا يحصون كثرة، لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة وبدت لهم شبهة. اهـ.
٩٤١ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن بين يدي الساعة كذابين". وفي رواية: "فاحذروهم" (٥).
_________________
(١) الترمذي (٤/ ٤٩٨) ٣٤ - كتاب الفتن، ٤٣ - باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) أبو داود: (٤/ ١٢٠) كتاب الملاحم، باب في خبر ابن صائد.
(٣) أبو داود: الموضوع السابق.
(٤) أبو داود: الموضع السابق.
(٥) مريم: ٨٣.
(٦) مسلم (٤/ ٢٢٣٩) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل . وأحمد (٥/ ٨٦).
(٧) مسلم: الموضع السابق.
[ ٢ / ٩٦٤ ]
٩٤٢ - * روى أحمد عن حذيفة أن نبي الله ﷺ قال: "في أمتي كذابون ودجالون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي".
٩٤٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم".
وفي رواية: (١) "يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتوكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنت ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم".
٩٤٤ - * روى أحمد عن أبي بكرة قال: أكثر الناس في شأن مسيلمة قبل أن يقول رسول الله ﷺ فيه شيئًا فقام رسول الله ﷺ خطيبًا فقال: "أما بعد ففي شأن هذا الرجل الذي قد أكثرتم فيه وإنه كذاب من ثلاثين كذابًا يخرجون بين يدي الساعة وإنه ليس من بلد إلا يبلغها رعب المسيح".
أقول: إن هذه الأحاديث من أعلام نبوته ﵊ فقد ابتدأت سلسلة مدعي النبوة بمسيلمة وسجاح والأسود العنسي وآخر من ظهرت له فتنة منتشرة منهم غلام أحمد القادياني الذي ادعى النبوة وأعلن نسخ الشريعة المحمدية.
٩٤٥ - * روى أبو يعلى عن أبي الجلاس قال: سمعت عليا يقول لعبد الله السبئي: ويلك والله ما أفضى إلى بشيء كتمه أحدًا من الناس ولكن سمعته يقول: "إن بين يدي
_________________
(١) أحمد (٥/ ٣٩٦). والمعجم الكبير (٣/ ١٦٩). وكشف الأستار (٤/ ١٣٢). مجمع الزوائد (٧/ ٣٣٢). وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والبزار. ورجال البزار رجال الصحيح.
(٢) مسلم (١/ ١٢) المقدمة، ٤ - باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها.
(٣) مسلم: الموضع السابق.
(٤) أحمد (٥/ ٤١). مجمع الزوائد: (٧/ ٣٣٢). وقال: رواه أحمد والطبراني، وأحمد أسانيد أحمد والطبراني رجاله رجال الصحيح. (المسيح): المراد بالمسيح هنا: المسيح الدجال.
(٥) مجمع الزوائد (٧/ ٣٣٣). وقال: رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.
[ ٢ / ٩٦٥ ]
الساعة ثلاثين كذابًا". وإنك لأحدهم.
أقول: عبد الله السبئي هو المشهور بابن السوداء، وهو يهودي أظهر الإسلام وقاد الفتنة الكبرى فكريًا وتخطيطًا ودعويًا ضد عثمان، ولم يزل يلقي بالأفكار المكفرة تحت شعار محبة علي ﵁، وتعتبر أفكار غلاة الشيعة والباطنيين منهم خاصة امتدادًا لأفكاره، والرواية التي مرت معنا تحدثنا عن موقف علي ﵁ منه، وتشير الرواية إلى أن فهم علي ﵁ لقضية الكذابين والدجالين أنه لا يشترط حتى يطلق على واحد منهم هذا اللقب أن يدعي النبوة، وما أكثر الدجالين والكذابين في عصورنا المتأخرة الذين يدعون أنهم مسلمون ويدعون إلى الكفر البواح.
* * *
[ ٢ / ٩٦٦ ]
الفقرة الرابعة عشرة
في:
أعلام وأشراط متفرقة تكون بين يدي الساعة وقد وقعت
٩٤٦ - * روى البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش أن رسول الله ﷺ قال: "لا إله إلا الله، ويل للعرب، من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" وخلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، فقلت: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث".
أقول: قد وقع هذا بموجتي التتار والمغول وما أحدثاه من آثار مدمرة في الأرض الإسلامية عامة والأرض العربية خاصة، وكارثة بغداد معروفة.
٩٤٧ - * روى الترمذي عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف". فقال له رجل من المسلمين: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: "إذا ظهرت القيان والمعارف وشربت الخمور".
٩٤٨ - * روى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف" قالت: قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا ظهر الخبث".
أقول: قد وقع بعض هذا في الأمة، وأشهر أحداث الخسف في عصرنا خسف أغادير في المغرب إذ خسف بها كاملة خلال أربع ثوان، وما حدث في منطقة الأصنام في الجزائر وما حدث في منطقة ذمار في اليمن وأشهر أحداث القذف في عصرنا ما حدث في بعض القرى
_________________
(١) البخاري (١٣/ ١١) ٩٢ - كتاب الفتن، ٤ - باب قول النبي ﷺ: ويل للعرب من شر قد اقترب مسلم (٤/ ٢٢٠٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١ - باب اقتراب الفتن، وفتح ردم يأجوج ومأجوج.
(٢) الترمذي (٤/ ٤٩٥) ٣٤ - كتاب الفتن، ٣٨ - باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف. وقال: حديث غريب. وهو حديث حسن يشهد له الذي بعده.
(٣) الترمذي (٤/ ٤٧٩) ٣٤ - كتاب الفتن، ٢١ - باب ما جاء في الخسف. وقال: حديث غريب. وهو حديث حسن يشهد له الذي قبله.
[ ٢ / ٩٦٧ ]
التركية إذ جاءها عذاب من فوقها ومن تحتها.
أما المسخ الباطني فما أكثره فلقد شهدنا قلوب الشياطين في جثمان إنس، وقلوب الذئاب في لبوس الضأن، وكلها معان تحدثت عنها النصوص.
٩٤٩ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال -عند قرب وفاته: ألا أحدثكم حديثًا عن رسول الله ﷺ، لا يحدثكم به أحد عنه بعدي؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقوم الساعة" -أو قال: "إن من أشراط الساعة -: أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويفشو الزنا، ويذهب الرجال، ويبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد".
وفي رواية (١): "يظهر الزنا، ويقل الرجال، ويكثر النساء".
أقول: قوله ﵊ (أن يرفع العلم): يفسره الحديث الذي يذكر أن رفع العلم يكون بموت العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا، وقد ظهر مثل هذا في عصرنا والمراد بالعلم: العلم الشرعي، ولكن المرجو أن نكون على أبواب نهضة علمية يتلافى فيها مثل هذا، وقد يتكرر ظهور مثل هذا الشأن.
وقوله ﵊ (حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد): ذكرنا أن مثل هذا وقع في بعض الأقطار أثناء الحرب العالمية الأولى ويحتمل أن ذلك كائن فيما بعد.
وقد قلت بمناسبة هذا الحديث بمناسبة ما يلي: لقد أصبح الخمر في أكثر بلدان الإسلام مرخصًا به من أكثر الحكومات وأصبحت قوانين أكثر البلدان الإسلامية تعتبر الزنا جريمة من النوع الثالث أو الرابع، وأصبح الزنا بالتراضي كثيرًا شائعًا، بل وجد المتخصصون في المتاجرة بالزنا.
_________________
(١) البخاري (١/ ١٧٨) ٣ - كتاب العلم، ٢١ - باب رفع العلم وظهور الجهل. مسلم (٤/ ٢٠٥٦) ٤٧ - كتاب العلم، ٥ - باب رفع العلم وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان. والترمذي: (٤/ ٤٩١) ٣٤ - كتاب الفتن، ٣٤ - ما جاء في أشراط الساعة. وقال حديث: حسن صحيح. (قيم واحد) قيم المرأة: زوجها، لأنه يقوم بأمرها، وبما يحتاج إليه من نفقة وغيرها.
(٢) البخاري (١٢/ ١١٣، ١١٤) ٨٦ - كتاب الحدود، ٢٠ - باب إثم الزناة.
[ ٢ / ٩٦٨ ]
وفي الحرب العالمية الأولى لم يبق إلا القليل من الرجال في كثير من بلدان العالم الإسلامي حيث سحب الرجال إلى الحرب وشهدت تلك الفترة نفسها ندرة العلم حتى إنك لا تجد في الحي الواحد من يحسن الكتابة، ولا زالت الأمية بالإسلام وانتشار الزنا وشرب الخمر وفشو الربا مما نعاني منه حتى كتابة هذه السطور.
٩٥٠ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: "إن بين يدي الساعة أيامًا ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج، والهرج: القتل".
وللبخاري (١)، أن أبا موسى قال لعبد الله: أتعلم الأيام التي ذكر فيها النبي ﷺ أيام الهرج؟ فذكر نحوه.
وقال عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله علي وسلم يقول .
ورواه الترمذي (٢) عن أبي موسى وحده قال: قال رسول الله ﷺ: "إن من ورائكم أيامًا يرفع فها العلم، ويكثر فيها الهرج" قالوا: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: "القتل".
أقول: قوله ﵊ (ويكثر فيها الهرج، والهرج: القتل): قد مر منه كثيرًا، وفي كل عام تسمع عن مذابح المسلمين، لقد ذهب في عصرنا في الجزائر حوالي مليون شهيد، وفي أفغانستان لا نعرف إلى أي حد سيبلغ عدد القتلى، ومذبحة حماة وغيرها من المدن السورية ومذابح لبنان عامة وطرابلس خاصة، ومذابح الصراع في المغرب، ومن قبل صراعات المسلمين الكثيرة فيما بينهم، ومذابح التتار والصليبيين والمستعمرين.
٩٥١ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) البخاري (١٣/ ١٣) ٩٢ - كتاب الفتن، ٥ - باب ظهور الفتن. مسلم (٤/ ٢٠٥٦) ٤٧ - كتاب العلم، ٥ - باب رفع العلم وقبضته وظهور الجهل والفتن ف آخر الزمان.
(٢) البخاري (١٣/ ١٤): الموضع السابق.
(٣) الترمذي (٤/ ٤٨٩) ٣٤ - كتاب الفتن، ٣١ - باب ما جاء في الهرج والعبادة فيه. وقال: حديث صحيح.
(٤) البخاري (٢/ ٥٢١) -١٥ - كتاب الاستسقاء، ٢٧ - باب ما قيل في الزلازل والآيات. =
[ ٢ / ٩٦٩ ]
"إن من أشراط الساعة أن يقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج" قالوا: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: "القتل القتل".
وفي رواية (١) "أن يرفع العلم، ويثبت الجهل"- أو قال: "ويظهر الجهل".
وفي رواية أبي داود (٢) قال: قال رسول الله ﷺ: "يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج" قيل: يا رسول الله أيم هو؟ قال: "القتل، القتل".
أقول: قوله ﵇ (يتقارب الزمان): قد يكون فيه إشارة إلى المواصلات الحديثة ووسائل الاتصال حتى ليقضى في الزمان القليل ما كان يحتاج إلى أزمنة متطاولة.
٩٥٢ - * روى الطبراني عن أبي أمية الجمحي رفعه: "إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر".
أقول: إن جيلنا شهد حالة عجيبة وهي أنه قد غلب اليأس على كثير من العلماء فلم يعودوا يتصدرون للدعوة والإرشاد والتعليم، ونشط للدعوة الشباب فأصبحوا هم الذين يتصدرون لمثل هذه الشؤون، والتف الكثيرون حولهم حتى إذا ما جلس كبار العلماء لم يجدوا من يسمع منهم، وللمسألة استثناءاتها.
٩٥٣ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال له رسول الله ﷺ: "يوشك إن طالت بك مدة أن ترى قومًا في أيديهم مثل أذناب البقر يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله".
_________________
(١) = مسلم (/ ٤/ ٢٠٥٧) ٤٧ - كتاب العلم، ٥ - باب رفع العلم وظهور الجهل والفتن، في آخر الزمان.
(٢) مسلم (٤/ ٢٠٥٦): الموضع السابق.
(٣) أبو داود (٤/ ٩٩) كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها.
(٤) مجمع الزوائد (١/ ١٣٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف.
(٥) مسلم (٤/ ٢١٩٣) ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٣ - باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء.
[ ٢ / ٩٧٠ ]
وفي رواية: (١) "إن طالت بك مدة أوشكت أن ترى قومًا يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر".
أقول: إن من عرف ما يجري في دوائر المخابرات في كثير من بلدان العالم الإسلامي عرف مضمون هذا الحديث.
٩٥٤ - * روى أحمد عن طارق بن شهاب قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا فجاء رجل فقال: قد أقيمت الصلاة، فقام وقمنا معه فلما دخلنا المسجد رأينا الناس ركوعًا في مقدم المسجد فكبر وركع وركعنا ومشينا وصنعنا مثل الذي صنع، فمر رجل يسرع فقال: عليك السلام أبا عبد الرحمن فقال: صدق الله ورسوله وبلغت رسله. فلما صلينا ورجعنا ودخل إلى أهله جلسنا فقال بعضنا: أما سمعتم رده على الرجل: صدق الله ورسوله وبلغت رسله أيكم يسأله؟ فقال طارق: أنا أسأله فسأله حين خرج، فذكر عن النبي ﷺ: "إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حين تعين المرأة زوجها وقطع الأرحام وشهادة الزور وكتمان شهادة الحق وظهور العلم".
وفي رواية (٢) قال رسول الله ﷺ: "إن من أشراط الساعة أن يسلم الرجل لا يسلم إلا للمعرفة". والبزار (٣) ببعضه وزاد "وأن يجتاز الرجل بالمسجد فلا يصلي فيه" والطبراني (٤) إلا أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقوم الساعة حتى يكون السلام على المعرفة" وإن هذا عرفني من بينكم فسلم علي "وحتى تتخذ المساجد طرقًا فلا يسجد لله فيها وحتى يبعث الغلام الشيخ بريدًا بين الأفقين وحتى يبلغ التاجر بين الأفقين فلا يجد ربحًا" وفي رواية (٥) عنده: "وأن تغلو النساء والخيل ثم ترخص فلا تغلوا إلى يوم القيامة وأن يتجر الرجل والمرأة جميعًا".
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢١٩٣): الموضع السابق.
(٢) أحمد (١/ ٤٠٧).
(٣) أحمد: الموضع السابق.
(٤) كشف الأستار (٤/ ١٤٧).
(٥) ، (٥)، مجمع الزوائد (٧/ ٣٢٩). وقال: رواه أحمد، والبزار ببعض والطبراني إلا أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقوم الساعة " وفي رواية عنده "وأن تغلو النساء ". ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح.
[ ٢ / ٩٧١ ]
أقول: في الحديث معجزات كثيرة منها: (حتى يبعث الغلام الشيخ بريدًا بين الأفقين) وكأن في ذلك إشارة إلى الطيران واستخدام الأصغر سنًا من هو أكبر منه.
ومنها:
(وفشو التجارة حين تعين المرأة زوجها).
(وأن يتجر الرجل والمرأة جميعًا).
ومن رأى في عصرنا كثرة المحلات التي تشارك في أعمالها المرأة رأى مصداق ذلك.
٩٥٥ - * روى أحمد عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: رسول الله ﷺ: "عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار عصابة تغزو الهند وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم".
أقول: وقد غزا المسلمون الند وحكموها حوال ثمانمائة سنة وها هي دولة باكستان ودولة البنغال قائمتان والمسلمون في الهند كثيرون والحمد لله.
٩٥٦ - * روى البزار عن عمرو بن عوف قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "إن بين يدي الساعة سنين خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة" قيل: يا رسول الله وما الرويبضة؟ قال: "الامرؤ التافه يتكلم في أمر العامة" قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن دينار عن أنس عن النبي ﷺ قال بنحوه.
أقول: وهذا عصرنا يشهد ما ذكره رسول الله ﷺ تفصيلًا.
_________________
(١) أحمد (٥/ ٢٧٨). والنسائي (٦/ ٤٢) كتاب الجهاد، ٤١ - باب غزوة الهند. مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٢). وقال: رواه الطبراني في الأوسط وسقط تابعيه والظاهر أنه راشد بن سعد، وبقية رجاله ثقات.
(٢) كشف الأستار (٤/ ١٣٢). مجمع الزوائد (٧/ ٢٨٤). وقال: رواه البزار. وقد صرح ابن إسحاق بالسماع من عبد الله بن دينار وبقية رجاله ثقات.
[ ٢ / ٩٧٢ ]
٩٥٧ - * روى الطبراني عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم تسلك بعضهم على بعض".
٩٥٨ - * روى أحمد عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي فكسروا قسيكم وقطعوا أوتاركم واضربوا بسيوفكم الحجارة فإن دخل على أحدكم فليكن كخير ابني آدم".
أقول: إن دقة الوصف في هذا الحديث لمعجزة، فقد مرت عصور في الماضي كان الرجل يمسى مؤمنًا ويصبح كافرًا بسبب كثرة دعاة الباطل كالزنادقة والقرامطة والباطنية، ولقد شهد عصرنا كذلك مثل هذه المرحلة إذ تجد المسلم يصبح على إسلام ويمسى على مذهب حزب كافر وفكرة كافرة، وقد مر معنا من قبل موقف المسلم من الفتن، فالأحاديث التي تطالب المسلم بالاستسلام لقاتله أو بالعزلة الكاملة محمولة على أوضاع لها خصوصياتها كأن يكون القاتل مسلمًا، والفتنة تدفعه إلى القتل.
أما إذا غزيت دار الإسلام فقد وجب على المسلم القتال، وعلى كل الأحوال فالمسلم تحكمه الفتوى البصيرة من أهلها في كل ظروفه وأحواله، فلا يصح لمسلم أن يعتمد على بعض النصوص العامة، فيعطل واجبًا تفرضه الفتوى من أهلها.
٩٥٩ - * روى الطبراني عن عبد الله بن يزيد الحطمي قال: قال رسول الله ﷺ: "عذاب أمتي في دنياها".
_________________
(١) مجمع الزوائد (١٠/ ٢٣٧). وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. (المطيطاء): وهي مشية بتبختر ومد اليدين، ومططت بمعنى: مددت. أقول: وقد خدمت هذه الأمة فارس والروم، ووقعت الحروب فيما بين هذه الأمة.
(٢) أحمد (/ ٤/ ٧٧٢). وأبو داود (٤/ ١٠٠) كتاب الفتن والملاحم، باب في النهي عن السعي في الفتنة. وابن ماجه (٢/ ١٣١٠) ٣٦ - كتاب الفتن، ١٠ - باب التثبيت في الفتنة. والمستدرك (٤/ ٤٤٠). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. ولم يخرجاه.
(٣) الروض الداني (٢/ ١٢٣).=
[ ٢ / ٩٧٣ ]
٩٦٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من اقتراب الساعة أن ترفع الأشرار ويوضع الأخيار ويقبح القول ويخزن العمل وتتلى في القوم المثناة". قلت: وما المثناة؟ قال: "ما كتب سوى كتاب الله".
قال ابن الأثير في النهاية:
(المثناة): قيل: هي أن أحبار بني إسرائيل وضعوا كتابًا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله. ا. هـ.
أقول: والمعروف أن عند اليهود أكثر من كتاب ضم كلام علمائهم وأشهر هذه الكتب هو التلمود.
وقد ذكر العقاد في كتابه: "إبراهيم ﵇" أن أهم الراجع الإسرائيلية بعد التوراة هي كتب المشنا القديمة. ومن المشنا التلمود في نشأته الأولى.
وأصل مادة الكلمة من شنا: أي كرر. وهي تقابل في العربية مادة ثني أي: أعاد ثانية (١).
أقول: وفي الحديث أكثر من معجزة يشهدها عصرنا من علو الأشرار على الأخيار، ومن عرف ما يدعو إليه التقدميون عرف بعض مضمونات هذه المعجزة، ومن عرف تساتير الأحزاب الكافرة والمواثيق السياسية المحاربة للإسلام وكثرة الكتب المضللة التي تنشر في أرض الإسلام رأى مصداق ما ورد في الرواية:
وما المثناة؟ قال: ما كتب سوى كتاب الله.
_________________
(١) = والمستدرك (/ ١/ ٥٠). مجمع الزوائد (٧/ ٢٢٤). وقال: رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله ثقات.
(٢) مجمع الزوائد (٧/ ٣٢٦) ولفظه " ويحسن العمل وتفري في القوم المساءة" قلت وما المساءة؟ قال: "ما كتب سوى كتاب الله". وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٣) انظر: كتاب (إبراهيم أبو الأنبياء) ص: ٣٦.
[ ٢ / ٩٧٤ ]
٩٦١ - * روى أحمد عن حذيفة قال: ذكر الدجال عند رسول الله ﷺ فقال: "لأنا لفتنة بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجال ولن ينجو أحد مما قبلها إلا نجا منها، وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال".
٩٦٢ - * روى البزار عن سمرة أن رسول الله ﷺ كان يقول لنا: "إنكم توشكون أن تكونوا في الناس كالملح في الطعام ولا يصلح الطعام إلا بالملح".
٩٦٣ - * روى الترمذي عن حذيفة بن اليمان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع".
٩٦٤ - * روى الطبراني عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يزداد الأمر إلا شدة ولا يزداد الناس إلا شجًا ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس".
٩٦٥ - * روى البخاري عن واقد بن محمد ﵀ عن أبيه عن ابن عمر -أو ابن عمرو -قال: شبك النبي ﷺ أصابعه، وقال: "كيف أنت يا عبد الله بن عمرو، إذا بقين في حثالة قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا"، قال: فكيف أصنع يا رسول الله؟ قال: "تأخذ ما تعرف، وتدع ما تنكر، وتقبل على خاصتك، وتدعهم وعوامهم".
_________________
(١) أحمد (٥/ ٣٨٩). وكشف الأستار (٤/ ١٤٠). مجمع الزوائد (٧/ ٣٣٥). وقال: رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح.
(٢) كشف الأستار (٣/ ٢٩١). والمعجم الكبير (٧/ ٢٦٨). مجمع الزوائد (١٠/ ١٨). وقال: رواه البزار والطبراني وإسناد الطبراني حسن.
(٣) الترمذي (٤/ ٤٩٣) -٣٤ كتاب الفتن، ٣٧ - باب منه. وقال: حديث حسن غريب. (لكع بن لكع): الحقير التافه، وهي في الأصل: العبد أو اللئيم أو القذر.
(٤) مجمع الزوائد (٨/ ١٣، ١٤). وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٥) البخاري (١/ ٥٦٤) ٨ - كتاب الصلاة، ٨٨ - باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره. قال ابن حجر .. "وقد ساقه الحميدي في الجمع بين الصحيحين نقلًا عن أبي مسعود، وزاد هو "قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فصاروا هكذا". وهذه الزيادة ليست في أحاديث الباب.
[ ٢ / ٩٧٥ ]
وفي (١) حديث عاصم بن محمد بن زيد قال: سمعت هذا من أبي، فلم أحفظه، فقومه لي واقد عن أبيه، قال: سمعت أبي وهو يقول: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ: "يا عبد الله بن عمرو، كيف أنت إذا بقيت" .. وذكر الحديث.
وفي رواية أوردها رزين (٢)، أن رسول الله ﷺ قال: "كيف بكم وبزمان تغربل الناس فيه غربلة، ثم تبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا هكذا" -وشبك بين أصابعه -قالوا: كيف بنا يا رسول الله؟ قال: "تأخذون ما تعرفون، وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصتكم، وتذرون أمر عامتكم".
وفي أخرى (٣)، بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ، إذ ذكر الفتنة، فقال: "إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا" -وشبك بين أصابعه -قال ابن عمرو: فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك، جعلني الله فداك؟
قال: "ألزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك ودع عنك أمر العامة".
٩٦٦ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنت يا عبد الله بن عمرو وإذا كنت في حثالة من الناس" قال: فذاك ما هو يا رسول الله؟
_________________
(١) البخاري: (١/ ٥٦٤) الموضع السابق. قال محقق الجامع: قال الحافظ في الفتح: وصلة إبراهيم الحربي في غريب الحديث له، أقول: [أي المحقق] واللفظ الذي أورده المصنف رواه أحمد في المسند وهو حديث صحيح. ا. هـ. (حثالة): الحثالة: ما يسقط من قشر الشعير والأرز والتمر، وكل ذي قشر إذا نقي، وحثالة الدهن، وكأنه الرديء من كل شيء. (المرج): الاختلاط والاختلاف، مرجت عهودهم: إذا اختلفت. (غربلة): الناس: إماتة الأخيار، وبقاء الأشرار، كما ينقي الغربال من حثالة ما يغربله ورديئه.
(٢) قال محقق الجامع: هذه الرواية عند ابن ماجه ورواه أيضًا أحمد في المسند. وهو حديث صحيح. ا. هـ.
(٣) قال محقق الجامع: هذه الرواية رواها أبو داود وأحمد والحاكم وصححها ووافقه الذهبي وهو كما قالا. ا. هـ.
(٤) مجمع الزوائد (٧/ ٢٨٣). وقال: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصحيح. وابن ماجه (٢/ ١٣٠٧) -٣٦ كتاب الفتن -١٠ باب التثبيت في الفتنة. وهو عنده بلفظ "كيف بكم وبزمان .. " والباقي نحوه.
[ ٢ / ٩٧٦ ]
قال: ذاك إذا مرجت أماناتهم وعهودهم فصاروا هكذا" وشبك بين أصابعه، قال: كيف أصنع يا رسول الله؟ قال: "تعمل بما تعرف وتدع ما تنكر وتعمل بخاصة نفسك وتدع عوام الناس".
أقول:
في عصرنا كل حزب يأخذ عهدًا ومن يتصدر لإمرة الجماعات الإسلامية والمشيخة يأخذون عهودًا، وكل حكم جديد يأخذ عهدًا وتختلط العهود ويصبح العهد وكأنه لا قيمة له، ففي الأحاديث معجزة وقعت وتقع، وفيها تعريف للمسلم كيف يتصرف في مثل هذه الأحوال وعلى علماء المسلمين أن يكثروا دائرة الخواص، وأن يكون فيما بينهم تواص وتواصل وتشاور فيما ينبغي.
٩٦٧ - * روى البزار عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله، وحتى يمطر الناس مطرًا ولا تنبت الأرض وحتى يكون للخمسين امرأة القيم الواحد وحتى تمر المرأة بالنعل فتقول لقد كان لها مرة رجل".
أقول:
القسم الأول من الحديث يكون بعد وفاة المسيح ﵊ ووفاة المؤمنين جميعًا، ولقد مرت على بعض المسلمين في الحرب العالمية الأولى الصورة التي ذكرتها تتمة الحديث إذ حشر الرجال للحرب ولم يبق إلا النساء. وقوله ﵇: (وحتى تمر المرأة بالنعل): معناه أن المرأة ترى نعال الرجال ولا تجد أصحابها فتذكر أن هذه النعال كان يلبسها ناس ذهبوا.
٩٦٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) كشف الأستار (٤/ ١٥٠). مجمع الزوائد (٧/ ٣٣١). وقال: في الصحيح بعضه. رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.
(٢) مسلم (٤/ ٢٢٢٨) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة -١٥ - باب سكنى المدينة وعمارتها قبل الساعة.
[ ٢ / ٩٧٧ ]
"ليست السنة بأن لا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا، ولا تنبت الأرض شيئًا".
أقول: من المظاهر التي شهدناها أن ينزل مطر غزير ثم يكون جفاف كثير ثم ينزل مطر غزير ثم يكون جفاف كثير، فلا كثير، فلا تستفيد الأرضون من هذا المطر.
٩٦٩ - * روى أحمد عن حذيفة قال: سئل رسول الله ﷺ عن الساعة، قال: "علمها عند ربي ولا يجعلها لوقتها إلا وهو ولكن أخبرك بمشاريطها وما يكون بين يديها إن بين يديها فتنة وهرجًا" قالوا يا رسول الله الفتنة قد عرفناها فما الهرج؟ قال: "بلسان الحبشة القتل" قال: ويلقى بين الناس التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحدًا".
أقول: من مظاهر التناكر في عصرنا أنك تجد أصحاب البناية الواحدة لا يعرف بعضهم بعضًا ولا يزور بعضهم بعضًا.
٩٧٠ - * روى مسلم عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد، فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ جالس في ظل الكعبة، والناس مجتمعون إليه، فأتيتهم، فجلست إليه، فقال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فنزلنا منزلًا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ، فقال: "إنه لم يكن نبي قبلي، إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيزلق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح
_________________
(١) = (السنة): الجذب والقحط.
(٢) أحمد (٥/ ٣٨٩). مجمع الزوائد (٧/ ٣٠٩) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٣) مسلم (٣/ ١٤٧٣) ٣٣ - كتاب الإمارة، ١٠ - باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول.
[ ٢ / ٩٧٨ ]
عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم والآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" قال: فدنوت منه، فقلت: أنشدك الله، أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه، وقال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل وتقتل أنفسنا، والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فسكت عني ساعة، ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله.
(ينتضل) الانتضال: الرمي بالسهام.
(جشره) الجشر: المال بمن المواشي التي ترعى أمام البيوت والديار، وقال: "حشر يرعى في مكانه لا يراجع إلى أهله" يقال: جشرنا دوابنا: أخرجناها إلى المرعى نجشرها جشرًا، ولا نروح إلى أهلنا.
(فيزلق) أزلقت بعضها بعضًا: دفع بعضها بعضًا، كأن الثانية تزحم الأولى، لسرعة ورودها عليها، ويزلق بعضها بعضًا: يعجلها، والإزلاق: الإعجال. اهـ.
٩٧١ - * روى أبو داود عن أبي البختري ﵀ قال: أخبرني من سمع النبي ﷺوفي رواية: حدثني رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "لن يهلك الناس، أو يعذروا من أنفسهم".
٩٧٢ - * روى ابن ماجه عن أبي الدرداء ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نذكر الفقر ونتخوفه. فقال "الفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لتصبن
_________________
(١) أبو داود (٤/ ١٢٥) -كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي. وإسناده حسن. وفيه: "لن يهلك الناس حتى يعذروا أو يعذروا من أنفسهم".
(٢) ابن ماجه (١/ ٤) المقدمة، ١ - باب اتباع سنة رسول الله ﷺ. (لتخوفه): أي نظهر الخوف. (الفقر) بمد الهمزة على الاستفهام. وهو مفعول مقدم. =
[ ٢ / ٩٧٩ ]
عليكم الدنيا صبًا حتى لا يزيغ قلب أحدكم إزاعة إلا هيه، وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء".
قال أبو الدرداء: صدق، والله، رسول الله ﷺ تركنا، والله، على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء.
٩٧٣ - * روى البزار عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت فاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت، ولا منع قوم قط الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر".
٩٧٤ - * روى أحمد عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يوشك أن يملأ الله ﷿ أيديكم من العجم ثم يكونون أسدًا لا يفرون، فيقتلون مقاتلتكم ويأكلون فيئكم".
أقول:
لقد حدث هذا بعد موجات كثيرة من الفتح، يظهر ذلك في مثل معركة بواتيه التي قتل فيها عبد الرحمن الغافقي ﵀، وفي استعصاء أوروبا على الغزو العثماني، ثم مقاومة هذا الغزو حتى انحسر، ثم انتقال الكافرين من دور الدفاع إلى الهجوم فأخذوا إسبانيا، واستولوا على أقسام من الأرض في موجات، نشهد في هذا العصر منها الكثير.
٩٧٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمشي كافرًا، ويسمي
_________________
(١) (إلا هيه): هي، ضمير الدنيا. والهاء في آخره للسكت. أي لا يميل قلب أحدكم إلا الدنيا. (على مثل البيضاء): المعنى: على قلوب بيضاء نقية عن الميل إلى الباطل، لا يميلها عن الإقبال على الله تعالى السراء والضراء.
(٢) كشف الأستار (٤/ ١٠٤). مجمع الزوائد (٧/ ٢٦٩). وقال: رواه البزار. ورجاله رجال الصحيح غير رجاء بن محمد، وهو ثقة.
(٣) أحمد (٥/ ١١). وكشف الأستار (٤/ ١٢٨). مجمع الزوائد (٧/ ٣١٠). وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني. ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٤) مسلم (١/ ١١٠) ١ - كتاب الإيمان، ٥١ - باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن.
[ ٢ / ٩٨٠ ]
مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا".
٩٧٦ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا".
أقول:
إن ظهور ما ورد في هاتين الروايتين في عصرنا بين فإنك تجد الإنسان مؤمنًا في الصباح ويمسي على شيوعية أو وجودية أو قومية جاهلية أو حزبية كافرة أو ولاء كافر أو انتساب لأنواع من الكفر وأهله، ونجده مؤمنًا في المساء ويصبح على شيء مما ذكرناه في الصباح من أجل مصلحة أو منفعة لا تساويان شيئًا.
٩٧٧ - * روى البزار عن نهيك بن صريم السكوني قال: قال رسول الله ﷺ: "لتقاتلن المشركين حتى يقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن أنت شرقيه وهم غربيه ولا أدري أين الأردن يومئذ".
أقوال: الظاهر أن الدجال الوارد في هذا الحديث ليس هو الدجال الأكبر، لأن الدجال الأكبر يقتله المسيح في باب لد بفلسطين نفسها وتكون القدس عاصمة الخلافة فلا يتصور وقتذاك أن يكون المسلمون شرقي النهر والدجال غربيه، فالحديث فيه إشارة إلى الوضع الحالي للمسلمين حيث سيطر اليهود وهم جند الدجاجلة على فلسطين فأصبحوا غرب النهر والمسلمون شرقية، وقد حدثت معركة الكرامة بين المسلمين واليهود عندما تجاوز اليهود النهر واندحروا.
_________________
(١) = والترمذي (٤/ ٤٨٧) ٣٤ - كتاب الفتن، ٣٠ - باب ما جاء ستكون فتن كقطع الليل المظلم. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) الترمذي (٤/ ٤٨٨) ٣٤ - كتاب الفتن، ٣٠ - باب ما جاء ستكون فتن كقطع الليل المظلم. وقال: هذا حديث غريب، (كقطع): قطع الليل: طائفة منه.
(٣) كشف الأستار (٤/ ١٣٨). مجمع الزوائد: (٧/ ٣٤٨). وقال: رواه الطبراني والبزار ورجال البزار ثقات.
[ ٢ / ٩٨١ ]
٩٧٨ - * روى أحمد عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن" قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: "حب الدنيا، وكراهية الموت".
٩٧٩ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لثوبان: "كيف بك يا ثوبان إذا تداعت عليكم الأمم كتداعيكم على قصعة الطعام تصيبون منه". قال ثوبان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أمن قلة بنا؟ قال: "لا أنتم يومئذ كثير ولكن يلقى في قلوبكم الوهن" قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: "حبكم الدنيا وكراهيتكم القتال".
أقول: في هذا الحديث معجزة كبرى من معجزاته ﵊، ومن عرف مرحلة وقوع العالم الإسلامي في براثن الاستعمار حتى أصحبت لكثير من الدول الكافرة مستعمراتها، ولا زالت بعض البلدان الإسلامية مستعمرة، ومن عرف موقف الدول الكافرة مما أمسى بمسألة الرجل المريض ويريدون بذلك الدولة العثمانية أدرك مصداق ذلك، وقد ذكر الحديث العلاج، فالعلاج للخلاص من الغثائية: العلم والذكر والخصائص والتخصص، ومن أهم الخصائص الزهد في الدنيا وحب الشهادة في سبيل الله.
٩٨٠ - * روى أحمد عن أبي مويهبة مولى رسول الله ﷺ قال: بعثني رسول الله ﷺ فقال: "يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي"،
_________________
(١) أحمد (٥/ ٢٧٨). وأبو داود (٤/ ١١١) كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على الإسلام. وهو حديث صحيح. (تداعى): التداعي: التتابع، أي: يدعو بعضها بعضًا فتجيب. (الأكلة): جمع آكل. (غثاء): الغثاء: ما يلقيه السيل.
(٢) أحمد (٢/ ٣٥٩). مجمع الزوائد (٧/ ٢٨٧). وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط بنحوه. وإسناد أحمد جيد.
(٣) أحمد (٣/ ٤٨٩).=
[ ٢ / ٩٨٢ ]
فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم قال: "السلام عليكم يا أهل المقابر ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه لو تعلمون ما نجاكم الله منه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها الآخرة شر من الأولى". ثم أقبل علي فقال: "يا أبا مويهبة: إني قد أوتيت خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي ﷿ والجنة" قال: قلت بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها ثم الجنة قال: "لا والله يا أبا مويهبة: لقد اخترت لقاء ربي ثم الجنة" ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف، فبدأ رسول الله ﷺ في وجعه النذي قبضه الله ﷿ حين أصبح وفي رواية (١) عنه أيضًا قال: أمر رسول الله ﷺ أن يصلي على أهل البقيع فصلى عليهم رسول الله ﷺ ثلاث مرات فلما كانت الثالثة قال: "يا أبا مويهبة أسرج لي دابتي" قال فركب ومشيت حتى انتهى إليهم فنزل عن دابته وأمسكت الدابة.
٩٨١ - * روى مسلم عن حذيفة بن اليمان ﵄، قال: أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا وقد سألته إلا أني لم أسأله: ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟
أقول: لقد جلا أهل المدينة المنورة عنها في الحرب العالمية الأولى.
٩٨٢ - * روى الطبراني عن ميمونة قالت قال نبي الله ﷺ لنا ذات يوم: "ما أنتم إذا مرج الدين وسفك الدماء وظهرت الزينة وشرف البنيان واختلف الإخوان وحرق البيت العتيق" وفي رواية: "واختلف الأحبار" بدل الإخوان.
_________________
(١) = (١) أحمد الموضع نفسه. مجمع الزوائد: (٩/ ٢٤). وقال: رواه أحمد والطبراني بإسنادين ورجال أحدهما ثقات إلا أن الإسناد الأول عن عبيد بن حنين عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي مويهبة، والثاني عن عبيد بن حنين عن أبي مويهبة.
(٢) مسلم (٤/ ٢٢١٧) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة -٦ باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة.
(٣) المعجم الكبير (٢٤/ ١٠). مجمع الزوائد (٧/ ٣١٠). وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
[ ٢ / ٩٨٣ ]
أقول:
إن بعضًا مما ورد في الحديث نراه في عصرنا عيانًا. وقد رمي البيت العتيق يوم حاصر الحجاج ابن الزبير.
٩٨٣ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنا قعودًا عند رسول الله ﷺ، فذكر الفتن، فأكثر في ذكرها، حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول الله، وما فتنة الأحلاس؟ قال: "هي هرب وحرب، ثم فتنة السراء، دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي، يزعم أنه مني، وليس مني، وإنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على جل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء، لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمةً، فإذا قيل انقضت تماذت، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين، فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه، أو من غده".
أقول: (الدهيماء): تصغير الدهماء، وقد أصبحت تطلق كلمة الدهماء على العامة، وبين كلمة العامة والدهماء صلة واضحة، فلم تزل كلمة سواد الناس تطلق على العامة.
الظاهر أن فتنة الدهماء هو ما نحن فيه، فإنها هي الفتنة التي لم يسلم أحد من ضربة من
_________________
(١) أبو داود (٤/ ٩٤) كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها. (الأحلاس): قال ابن الأثير في النهاية: الأحلاس: جمع جلس، وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، شبهها به للزومها ودوامها. ا. هـ. (وحرب): الحرب بفتح الراء: ذهاب المال والأهل، يقال: حرب الرجل، فهو حريب: إذا سلب أهله وماله. (دخنها): إثارتها وهيجها، شبهها بالدخان الذي يرتفع، أي أن أصل ظهورها من هذا الرجل. وقوله "من تحت قدمي رجل" يعني: أنه يكون سبب إثارتها. (كورك على ضلع): مثل، أي أنه لا يستقل بالملك، ولا يلائمه، كما أن الورك لا تلائم الصلع. (فتنة الدهيماء): أراد بالدهيماء: السوداء المظلمة. (فسطاطين): الفسطاط: الخيمة الكبيرة، وتسمى مدينة مصر: الفسطاط، والمراد به في هذا الحديث: الفرقة المجتمعة المنحازة عن الفرقة الأخرى، تشبيهًا بانفراد الخيمة عن الأخرى، أو تشبيهًا بانفراد المدينة عن الأخرى، حملًا على تسمية مصر بالفسطاط، ويروى بضم الفاء وكسرها.
[ ٢ / ٩٨٤ ]
ضرباتها بشكل من الأشكال، إما فكريًا وإما روحيًا وإما اقتصاديًا وإما سياسيًا، وإما أخلاقيًا وإما اضطهادًا إلى آخر ما يحسه كل فرد من أفراد هذه الأمة في هذا العصر أنه قد ضرب ضربة من هذه الفتنة. ولكن بعض الناس تكون ضربتهم مميتة وبعضهم تكون ضربتهم طويلة، وبعضهم يصحو بسرعة. وإني لأعرف خيارًا من الناس قد فتنوا بشيء ما، ثم فاؤوا.
ولم أذكر شيئًا عن فتنة السراء مع غلبة الظن أنها وقعت، لأن تعيين القائم بها مختلف فيه. فقد كان شيخنا الحامد ﵀ يعينه، وكنت أرى رأيًا آخر، وكلا الرأيين أحتفظ به لأسباب شتى.
٩٨٤ - * روى البخاري عن أسامة بن زيد ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء".
أقول:
لم تظهر فتنة النساء كما ظهرت في عصرنا، إذ ظهرت النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات اللواتي ذكرهن الحديث الصحيح الذي هو من أعلام نبوته ﵊.
٩٨٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "صنفان من أهل النار، لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا.
_________________
(١) البخاري (٩/ ١٣٧) ٦٧ - كتاب النكاح، ١٧ - باب ما يتقى من شؤم المرأة وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾. مسلم (٤/ ٢٠٩٧) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ٢٦ - باب بيان أكثر أهل الجنة إلخ. والترمذي (٥/ ١٠٣) ٤٤ - كتاب الأدب، ٣١ - باب ما جاء في تحذير فتنة النساء. وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) مسلم (٣/ ١٦٨٠) ٣٧ - كتاب اللباس والزينة، ٣٤ - باب النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات.
[ ٢ / ٩٨٥ ]
قال ابن الأثير: (كاسيات عاريات): المعنى: أنهن يكشفن بعض أجسامهن، ويسدلن الخمر من ورائهن، فيكشفن صدورهن، فهن كاسيات عاريات، إذ بعض ذلك منكشف، وقيل: هو أن يلبسن ثيابًا رقاقًا تصف ما تحتها، فهن كاسيات في ظاهر الأمر، عاريات في الحقيقة.
(مائلات مميلات): مائلات، أي: زائغات عن طاعة الله وعما يلزمهن من حفظ الفروج، ومميلات: يعلمن غيرهن: الدخول في مثل فعلهن، وقيل: مائلات، أي: متبخترات في مشيهن، مميلات، أي: يملن أعطافهن وأكتافهن وقيل: مائلات إلى الشر، مميلات للرجال إلى الفتنة.
(رؤوسهن كأسنمة البخت): أراد تشبيه رؤوسهن بأسنمة البخت بما يكبرن رؤوسهن به من المقانع والخمر والعمائم، أو بصلة الشعور. ا. هـ.
أقول:
ما ذكرناه من شرح للحديث هو بعض ما شرحه به ابن الأثير ﵀، ولكن الشرح الحقيقي للحديث هو ما نراه في عصرنا هذا، سواء في ذلك وجود رجال مهمتهم تعذيب خلق الله بالباطل ووجود نساء يتصفن بما ذكره رسول الله ﷺ في الحديث حتى إن دقة الوصف في الحديث لما نشاهده عند كثير من نساء عصرنا لهو وحده معجزة من أكبر المعجزات فلقد تفنن كثير من النساء بأنواع من اللباس يظهر معه عري الجميل من الجسد، كما تفنن في أنواع تسريحات الشعر وتقليعات الرؤوس، حتى إن بعض التقليعات سميت في عصرنا بتسريحة السد العالي إشارة إلى نوع من تسريحات الشعور يرتفع بها شعر المرأة فوق رأسها كسنام الجمل، وكل ذلك تفعله الكثيرات وتخرج به أو تظهر به أمام أجهزة الإعلام.
أما المشاهد الأكثر ابتذالًا من ظهور المرأة "بالمايوه" الذي يكشف ما سوى السوأتين في كثير من الأحوال وعرض ذلك في وسائل الإعلام فحدث عنه ولا حرج، فالواقع: الأمر أكبر من أن يصور بالكلمة.
[ ٢ / ٩٨٦ ]
٩٨٦ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".
٩٨٧ - * روى أحمد عن عبد الله بن بسر قال: لقد سمعت حديثًا منذ زمان إذا كنت في قوم عشرين رجلا أو أقل أو أكثر فتصفحت وجوههم فلم تر فيهم رجلًا يهاب في الله ﷿ فاعلم أن الأمر قد رق.
٩٨٨ - * روى أحمد عن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله ﷺ قال: "لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضًا الحكم وآخرهن الصلاة".
٩٨٩ - * روى أحمد عن سلمة بن نفيل السكوني قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ إذ قال قائل: يا رسول الله هل أتيت بطعام من السماء؟ قال: "نعم، أنزل علي طعام في مسخنة". قال: فهل كان فيها فضل عنك؟ قال: "نعم". قال: فما فعل به قال: "رفع وهو يوحى إلى أني مكفوت غير لابث فيكم ولستم لابثين بعدي إلا
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٠٩٨) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار -٢٦ باب أكثر أهل الجنة الفقراء إلخ. وابن ماجه (٢/ ١٣٢٥) ٣٦ - كتاب الفتن، ١٩ - باب فتنة النساء. (مستخلفكم فيها): أي: جاعلكم خلفاء من القرون الذين قبلكم، فينظر هل تعلمون بطاعته، أم بمعصيته وشهواتكم. (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء): أي احذروا الافتتان بهما.
(٢) أحمد (٤/ ١٨٨). مجمع الزوائد (٧/ ٢٧٦). وقال: رواه أحمد والطبراني، وإسناد أحمد جيد.
(٣) أحمد (٥/ ٢٥١). ورجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد (٧/ ٢٨١). وقال: رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح، إلا أن في الأصل عن حبيب بن سليمان عن أبي أمامة وصوابه سليمان بن حبيب المحاربي فإنه روى عن أبي أمامة وروى عنه عبد العزيز بن إسماعيل بن عبيد الله.
(٤) أحمد (٤/ ١٠٤). والمستدرك (٤/ ٤٤٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الذهبي: لم يخرجا لأرطاة وهو ثبت والخبر من غرائب الصحاح. مجمع الزوائد (٧/ ٢٠٦) وقال: رواه أحمد والطبراني والبزار وأبو يعلي ورجاله ثقات. (مسخنة): قدر كالتور، يسخن فيها الطعام -والتور: إناء يشرب فيه.
[ ٢ / ٩٨٧ ]
قليلًا حتى تقولوا متى وستأتوني أفنادًا يفني بعضكم بعضًا وبين يدي الساعة موتان شديد وبعده سنوات الزلازل".
أقول:
قوله ﵊ (بين يدي الساعة موتان شديد وبعده سنوات الزلازل) يحتمل أن يكون فيه إشارة إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية وما أعقبهما من كثرة الزلازل حتى إنك كثيرًا ما تسمع عن وقوع زلزلة في مكان ما، وقد يكون فيه إشارة إلى حرب عالمية أخرى يكثر فيها الفناء والبلاء والاحتمال الأكبر إذا وقعت حرب عالمية ثالثة ألا يبقى في الأرض أحد إلا قليلًا.
٩٩٠ - * روى أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد".
٩٩١ - * روى أبو داود عن يزيد بن عميرة، وكان من أصحاب معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: كان لا يجلس مجلسًا للذكر، إلا قال حين يجلس: الله حكم قسط، هلك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يومًا: إن وراءكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والعبد والحر، والصغير والكبير، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ وما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإنما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال: قلت لمعاذ: وما تدري رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق يقول كلمة
_________________
(١) = (موتان): بضم الميم، موتان على وزن بطلان،: وهو الموت الكثير الوقوع.
(٢) أحمد (٣/ ١٣٤). وابن ماجه (١/ ٢٤٤) ٤ - كتاب المساجد والجماعات، ٢ - باب تشييد المساجد. والحديث صحيح.
(٣) أبو داود (٤/ ٢٠٢) كتاب السنة، باب لزوم السنة. (القسط): العدل. (زيغة الحكيم): الزيغ، وأراد به: الميل عن الحق، والحكيم: العالم العارف، أراد به: الزلل والخطأ الذي يعرض للعالم العارف، أو يتعمده لقلة دينه.
[ ٢ / ٩٨٨ ]
الحق؟ قال: بلى: اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال: ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعله يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا.
وفي أخرى قال: بلى، ما تشابه عليك من قول الحكيم، حتى تقول: ما أراد بهذه الكلمة؟
٩٩٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: بينا رسول الله ﷺ في مجلس يحدث القوم، إذ جاءه أعرابي، فقال؛ متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ في حديثه، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكرة ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه، قال: "أين السائل عن الساعة؟ " قال: هاأنا ذا يا رسول الله، قال: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" قال: وكيف إضاعتها؟ قال: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".
٩٩٣ - * روى البخاري عن أبي مالك -أو أبي عامر -الأشعريين ﵄ قال عبد الرحمن بن غنم الأشعري: حدثني أبو عامر -أو أبو مالك الأشعري -والله ما كذبني، سمع النبي ﷺ يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم تروح عليهم سارحة لهم، فيأتيهم رجل لحاجة، فيقولن: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة".
وفي رواية أبي داود (١): أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير" .. وذكر كلامًا، قال: "يمسخ منهم آخرين قردة
_________________
(١) البخاري (١/ ١٤٢) ٣ - كتاب العلم، ٢ - باب من سئل علمًا وهو مشتغل إلخ. (وسد الأمر إلى غير أهله): إذا أسند إليه، هذا كناية عن استقامة الناس وانقيادهم إليه واتفاقهم عليه وهو غير أهل لذلك.
(٢) البخاري (١٠/ ٥١) ٧٤ - كتاب اللباس، ٦ - باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه. (الحر): الفرج. (العلم): الجبل وما يهتدي به في البرية، من بناء أو جدار أو غير ذلك.
(٣) أبو داود (٤/ ٤٦) كتاب اللباس، باب ما جاء في الخز. وهو حديث صحيح، ومن ضعفه كابن حزم في المحلى وغيره فما أصاب.
[ ٢ / ٩٨٩ ]
وخنازي إلى يوم القيامة".
أقول:
لقد ظهر استحلال الفروج والحرير والخمر والمعازف في هذه الأمة بأكثر من صورة، فالقائلون بسقوط التكليف يستحلون ذلك، وبعض طوائف الباطنية يستحلون ذلك، وكثير من العامة لا يبالون في ارتكاب هذه المحظورات، وبعضهم يتكلم كلام المستحل.
أما ما ورد من تهديد لأمثال هؤلاء فلا نعرف أنه وقع حتى الآن، وإن كان المسخ المعنوي حاصلًا.
٩٩٤ - * روى الطبراني عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "يأتي على الناس زمان يتمنون فيه الدجال". قلت يا رسول الله بأبي وأمي مم ذاك قال: "مما يلقون من العناء والعناء".
أقول: لقد مرت على الأمة الإسلامية أحداث ولا زالت تمر تجعل المسلم يتمنى قيام الساعة، ولا تقوم الساعة قبل أن يظهر الدجال لذلك يتمنون ظهور الدجال وما يكون بين يديه من ظهور المهدي ﵇ وما يعقب ظهوره من نزول المسيح عيسى بن مريم ﵇، وهانحن اليوم نجد كثيرًا من المسلمين يتطلعون إلى ظهور المهدي ﵇ كمخرج للإنقاذ، ولكن الظاهر من النصوص أن بيننا وبين ظهوره أمدًا كما سنرى والله أعلم.
٩٩٥ - * روى ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثًا من الموالي هم أكرم العرب فرسًا وأجوده سلاحًا يؤيد الله بهم الدين.
_________________
(١) مجمع الزوائد (٧/ ٢٨٤) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات، ورواه البزار بنحوه ورجاله ثقات. وكشف الأستار (٤/ ١٤٠).
(٢) ابن ماجه (٢/ ١٣٦٩) ٣٦ - كتاب الفتن، ٣٥ - باب الملاحم. وفي الزوائد: إسناده حسن، وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه. والمستدرك (٤/ ٥٤٨). وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، وقال الذهبي: على شرط مسلم وضعفه بعضهم وفي رواية الحاكم: "بعثًا من الموالي من دمشق".
[ ٢ / ٩٩٠ ]
أقول:
الظاهر أن المراد بالملاحم هنا ما حدث من غزو الصليبيين والتتار، فلقد قام أيام هذه الملاحم وبعدها بنصرة الإسلام شعوب غير عربية كالأكراد والأتراك والبربر فيوسف بن تاشفين بربري وصلاح الدين كردي ونور الدين الشهيد تركي، ثم ظهرت دولة آل عثمان فقامت بدور كبير، وهؤلاء وأمثالهم قاموا بحق الله عليهم وبعضهم كان مقره دمشق وبعضهم كان مقره في غيرها، ولا ننسى أن قطزًا صاحب معكرة عين جالوت وبيبرس الذي كان له دور كبير في الجهاد من الموالى، ولا ننسى أن دمشق كانت حاضرة لنور الدين وصلاح الدين وبيبيرس.
٩٦٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "تبلغ المساكن إهاب أو يهاب".
قال زهير: قلت لسهيل وكم ذلك من المدينة قال: كذا وكذا مثلًا.
٩٩٧ - * روى مسلم عن موسى بن علي عن أبيه، قال: قال المستورد القرشي عند عمرو ابن العاص سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تقوم الساعة والروم أكثر الناس" فقال له عمرو: أبصر ما تقول قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ: قال لئن قلت ذاك فإن فيهم لخصالًا أربعًا: إنهم لأحكم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة؛ وأوشكهم كرةً بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك.
أقول: تطلق كلمة الروم ويراد بها النصارى، والمعروف أن روسيا القيصرية وأوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية كلها واستراليا كلها نصارى، ولا زالت خريطة العالم فيها أكثرية من الروم إذا اعتبرنا سكان أوروبا والقسم الآسيوي من الاتحاد السوفياتي وأمريكا الشمالية والجنوبية يشكلون بالنسبة للعالم حجمًا لا بأس به.
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٢٢٨) ٥٢ - كتاب الفتن، ١٥ - باب في سكنى المدينة وعمارتها قبل الساعة. (إهاب): اسم مكان قريب من المدينة. أقول: ومن رأى النهضة العمرانية الموجودة في زمننا في المدينة المنورة، وامتداد العمران المتصاعد فيها رأى مصداق الحديث.
(٢) مسلم (٤/ ٢٢٢٢) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٠ - باب تقوم الساعة والروم أكثر الناس.
[ ٢ / ٩٩١ ]
الفقرة الخامسة عشرة
في:
أشراط صغرى لم تقع بعد
٩٩٨ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى تكلم السباغ الإنس، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده".
أقول: شهد عصرنا إمكانية تسجيل ما يجري من أحاديث بوسائل كهربائية دقيقة قد يبلغ حجمها حجم عذبة السوط أو أقل، وأصبح بالإمكان التنصت على ما يجري داخل الأبواب وفي الاجتماعات بوسائل دقيقة جدًا ومع ذلك لا نستطيع حمل هذا الحديث على هذا الذي يجري لأن الظاهر أن ما أخبر عنه الحديث سيكون بشكل خارق للعادة والله أعلم.
٩٩٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يقوم رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه".
أقول: يجمع النساب العرب على أن الأكراد أصولهن عربية قحطانية، وممن حكم من الأكراد ودان له الناس السلطان صلاح الدين الأيوبي العالم المجاهد العابد، فهل هو المراد بالحديث أو غيره؟ الله أعلم.
وقد ذهب بعضهم إلى أن الحديث لم يقع وإنما وقوعه قبيل قيام الساعة بعد وفاة المسيح ﵇.
_________________
(١) الترمذي (٤/ ٤٧٦) ٣٤ - كتاب الفتن، ١٩ - باب ما جاء في كلام السباع. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهو كما قال. (عذبة سوطه): السير المعلق في طرفه.
(٢) البخاري (١٣/ ٧٦) ٩٢ - كتاب الفتن، ٢٣ - باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان. مسلم (٤/ ٢٢٣٣) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل إلخ. (يسوق الناس بعصاه): لم يرد العصا نفسها، وإنما ضربها مثلًا لطاعتهم، واستيلائه عليهم.
[ ٢ / ٩٩٢ ]
١٠٠٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، لا ترم الدنيا حتى يمر الرجل بالقبر فيتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين، ما به إلا البلاء".
وفي رواية (١): قال: "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه".
١٠٠١ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تذهب الليالي والأيام حتى يملك رجل من الموالي، يقال له: الجهجاه" وفي نسخة: الجهجل.
١٠٠٢ - * روى مسلم عن أبي هريرة؛ أن النبي ﷺ قال: "سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ " قالوا: نعم. يا رسول الله! قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق فإذا جاؤها نزلوا. فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر. فيسقط أحد جانبيها".
قال ثور: لا أعلمه إلا قال: "الذي في البحر. ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر. ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر. فيفرج لهم. فيدخلوها فيغنموا. فبينما هم يقتسمون المغانم، إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج. فيتركون كل شيء، ويرجعون".
أقول: في هذا الحديث كلام عن الفتح الثاني للقسطنطينية، وأن هذا الفتح سيكون
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٢٣١): الموضع السابق.
(٢) البخاري (١٣/ ١٧) ٩٢ - كتاب الفتن، ١٢ - باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور. ومسلم (٤/ ٢٢٣١): الموضع السابق.
(٣) مسلم (٤/ ٢٢٣٣): الموضع السابق.
(٤) مسلم (٤/ ٢٢٢٨): الموضع السابق.
[ ٢ / ٩٩٣ ]
بخارق للعادة، وأن القائمين ليسوا عربًا في أصولهم بل أصولهم من بني إسحاق، والمعروف أن إسحاق له أكثر من ولد، فله غير يعقوب جد بني إسرائيل. وحول قوله من بني إسحاق قال القاضي:
كذا هو في جميع أصول مسلم: "من بني إسحاق". قال: قال بعضهم: المعروف المحفوظ: "من بني إسرائيل"، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه لأنه إنما أراد العرب، وهذه المدينة هي القسطنطينية. ا. هـ.
١٠٠٣ - * روى الطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "إنكم ستفتحون مدينة هرقل أو قيصر وتقتسمون أموالها بالترسة ويسمعهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في أهاليهم فيلقون ما معهم ويخرجون فيقاتلون".
أقول:
لقد مر معنا إخبار رسول الله ﷺ بفتح القسطنطينية قبل روما، وقد حدث هذا الفتح، وههنا تشير النصوص إلى فتح آخر للقسطنطينية يكون قبل الدجال مباشرة، وهذا يفيد تغير ما سيطرأ على الوضع الدولي قبيل ظهور المسيح الدجال، تكون القسطنطينية فيه دار كفر، وكون القسطنطينية اليوم لا يحكمها الروم فذلك من جملة العلامات على أن بيننا وبين المهدي زمنًا، لأن المهدي يجتمع والمسيح ابن مريم ﵇.
١٠٠٤ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق -أو بدابق -فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله، كيف نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم؟ فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويقتل ثلثهم
_________________
(١) مجمع الزوائد: (٧/ ٣٤٩). وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات. (الترسة): جمع ترس.
(٢) مسلم (٤/ ٢٢٢١) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب.
[ ٢ / ٩٩٤ ]
أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يفتنون أبدًا، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هو يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذا صاح فيهم الشيطان: إن المسيح الدجال قد خلفكم في أهاليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبينا هم يعدون للقتال، يسوون صفوفهم، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم، فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء فلو تركه لا نذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده -يعني المسيح -فيريهم دمه في حربته".
قوله: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق) قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة:
(الشك من الراوي. قال العلامة ياقوت الحموي في "معجم البلدان": "الأعماق جاء بلفظ الجمع، والمراد به العمق، وهي كورة -أي ناحية -قرب دابق بين حلب وأنطاكية". ثم قال: "دابق: قرية قرب حلب من أعمال عزاز، بينها وبين حلب أربعة فراسخ"). ا. هـ (التصريح بما تواتر في نزول المسيح).
(خلفكم) خلفت الرجل في أهله: إذا قمت فيهم مقامه، وخلفهم العدو: إذا طرقهم وهم غائبون عنهم.
قوله: (فإذا جاءوا الشام خرج): قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: (أي إذا جاءوا من قسطنطينية إلى بلاد الشام ودخلوا القدس -كما في رواية -خرج حينئذ المسيح الدجال. ا. هـ. (التصريح بما تواتر في نزول المسيح).
أقول:
قوله ﵇ (قد علقوا سيوفهم بالزيتون): يحتمل أن يكون المراد بالسيوف: الأسلحة، كما سيذكر نصًا في رواية ستأتي بعد قليل، ومن المعروف أن البندقية الحالية وهي أداة المقاتل الرئيسية لا تنفك عن الحربة التي هي سيف مصغر، ويحتمل أن يكون المراد بالسيوف: السيوف المعروفة، وهذا يقتضي أن طوارئ ستطرأ على الأوضاع الحالية
[ ٢ / ٩٩٥ ]
للحضارة يرجع الناس فيها إلى أدوات القتال المعروفة قديمًا، ومن المعلوم أن كثيرين من العسكريين يتوقعون إذا قامت حرب عالمية ثالثة أن تفنى هذه الحضارة وأن توجد معطيات جديدة، وفي الحديث إجمال ستفصله نصوص أخرى، فالمسيح ﵇ ينزل في المنارة البيضاء شرقي دمشق ثم يذهب إلى القدس، وتكون القدس عاصمة الخلافة الإسلامية وقتذاك، وعلى أرض فلسطين يقتل المسيح ﵇ المسيح الدجال، ويقتل المسلمون اليهود الذين يأتون مع المسيح الدجال، وعلى هذا يحمل الحديث: " إن الحجر والشجر يقولان: يا عبد الله يا عبد الرحمن هذا يهودي فاقتله". وهذا كله يدل على أن دولة اليهود القائمة الآن وجودها عارض.
١٠٠٥ - * روى مسلم عن يسير بن جابر -أو أسير -﵁، قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجيرى إلا: يا عبد الله بن مسعود، جاءت الساعة، قال: فقعد -وكان متكئًا -فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة، ثم قال بيده هكذا -ونحاها نحو الشام -فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام، قلت: الروم تعني؟ قال: نعم، ويكون عند ذلكم القتال ردة شديدة، فيتشرط المسلمون شرطة للموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يتشرط المسلمون شرطة للموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء، وهؤلاء، كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يتشرط المسلمون شرطة للموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب، وتفنى الشرطة، فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام، فيجعل الله الدائرة عليهم، فيقتتلون مقتلة -إما قال: لا يرى مثلها، وإما قال: لم ير مثلها -حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم، فما يخلفهم
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٢٢٣) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١١ - باب إقبال الروم في كثرة القتل عند خروج الدجال. (هجيرى): هجيراه، أي: عادته وديدنه. (شرطة): الشرطة: أول طائفة من الجيش يشهد الوقعة، والتشرط: تفعل منه. (نهد): الجيش لقتال العدو: إذا نهضوا إليه.
[ ٢ / ٩٩٦ ]
حتى يخر ميتًا، فيتعاد بنو الأم كانوا مائة فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح، أو أي ميراث يقسم؟ فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ: إن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما بأيديهم، ويقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة، قال رسول الله ﷺ: "إني لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ" أو قال: "من خير فوارس".
أقول:
في هذا الحديث تفصيل للملحمة التي تكون بين يدي الساعة، وكلمة الروم تطلق على النصارى في عصر النبوة، فالملحمة الكبرى ستكون بين النصارى والمسلمين ويكون النصر للمسلمين ثم يتابعون النصر فيفتحون القسطنطينية التي تكون وقتذاك بيد النصارى مرة ثانية -والذي يبدو أن ذلك سيكون بعد قيام دولة الإسلام العالمية التي تحدثنا عنها من قبل -ثم يظهر الدجال وينزل عيسى بن مريم فيقتله في فلسطين عند باب لد الشرقي.
١٠٠٦ - * روى البخاري عن عوف بن مالك ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة أدم، فقال: "أعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم، كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال، حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا".
_________________
(١) = (فيتعاد): التعاد: تفاعل من العد، أي يعد بعضهم بعضًا. (البأس): الخوف والشدة.
(٢) البخاري (٦/ ٢٧٧) ٥٨ - كتاب الجزية والموادعة، ١٥ - باب ما يحذر من الغدر. (موتان): الموتان بضم المليم: وهو الموت الكثير الوقوع. (القعاس): داء يأخذ الغنم، لا يلبثها أن تموت، وقد حدث هذا في الطاعون الذي وقع في بلاد الشام زمن عمر ﵁. (غاية): الغاية: بالغين المعجمة: الراية، ومنه غاية الخمار، وهي خرقة يرفعها على بابه، ومن رواه بالباء: =
[ ٢ / ٩٩٧ ]
أقول:
بعض ما ورد في هذا النص وقع، وبعضه لم يقع، ومنه الفتنة التي لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، والتي سيكون بعدها قيام دار العدل يلجأ إليها المسلمون، وهذه الدار تكون في هدنة مع النصارى، ويبدو كما سنرى في نص آخر أنه يعقب ذلك تحالف مع النصارى على قتال عدو ولا يبعد أن تكون هذا العدو هو الشيوعيين، فينتصر المسلمون والنصارى عليهم ثم يغدر النصارى ويكون النصر للمسلمين في المال فيتابعون الحرب حتى تفتح لهم القسطنطينية.
١٠٠٧ - * روى مسلم عن جابر بن سمرة. عن نافع بن عتبة قال: قال رسول الله ﷺ: "تغزون جزيرة العرب، فيفتحها الله ثم فارس، فيفتحها الله. ثم تغزون الروم، فيفتحها الله. ثم تغزون الدجال، فيفتحه الله" قال فقال نافع: يا جابر لا ترى الدجال يخرج حتى تفتح الروم.
أقول:
هذا الحديث يوضح ما مر معنا من قبل أن ردة ستقوم يقضي عليها أهل الإسلام وعلى رأسهم خليفة المسلمين في بيت المقدس، والظاهر أنه المهدي ﵇ فإن مركز الخلافة أيام هذه الأحداث هو القدس كما سيمر معنا.
١٠٠٨ - * روى أحمد عن ذي مخبر (رفعه): "ستصالحون الروم صلحًا آمنا فتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائهم، فتسلمون وتغنمون، ثم تنزلون بمرج ذي تلول فيقوم رجل من الروم فيرفع الصليب، ويقول: غلب الصليب! فيقوم إليه رجل من المسلمين فيقتله، فيغدر القوم، وتكون الملاحم".
_________________
(١) = فإنه أراد الأجمة: شبه كثرة رماح العسكر بها.
(٢) مسلم (٤/ ٢٢٢٥) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ١١ - باب ما يكون من فتوحات المسلمين قبل الدجال.
(٣) أحمد (٤/ ٩١). وأبو داود (٤/ ١٠٩) كتاب الملاحم، باب ما يذكر من ملاحم الروم. وابن ماجه (٢/ ١٣٦٩) ٣٦ - كتاب الفتن، ٣٥ - باب الملاحم. وهو حديث صحيح.
[ ٢ / ٩٩٨ ]
وفي رواية (١): "ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتلون، فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة".
أقول: هذا النص هو الذي أشرنا إليه من قبل من أن المسلمين يكونون في هدنة مع النصارى ثم في تحالف على قتال عدو ثم في صراع مع المسلمين ثم يكون الدجال، كما أنه هو الحديث الذي يذكر كلمة (الأسلحة) وهو الذي جعلنا نحتمل أن كلمة السيوف التي وردت في حديث مسلم يمكن أن يراد بها الأسلحة.
١٠٠٩ - * روى أبو داود عن أبي الدرداء، أن رسول الله ﷺ قال: "إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام".
١٠١٠ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة، حتى يكون أبعد مسالحهم: سلاح" قال الزهري: سلاح قريب من خيبر.
(مسالحهم): المسالح جمع مسلحة، وهم قوم ذوو سلاح، والمسلحة أيضًا كالثغر والمرقب يكون فيه أقوام يرقبون العدو لئلا يطرقهم، فإذا رأوه: أعلموا أصحابهم ليتأهبوا له.
١٠١١ - * روى البخاري ومسلم عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم". قالت، قلت: يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم!؟ قال: "يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم".
_________________
(١) أبو داود: (٤/ ١١٠) الموضع السابق.
(٢) أبو داود (٤/ ١١١) كتاب الملاحم، باب في المعقل من الملاحم. وهو صحيح.
(٣) أبو داود: الموضع السابق. وهو صحيح.
(٤) البخاري (٤/ ٣٣٨) ٣٤ - كتاب البيوع، ٤٩ - باب ما ذكر في الأسواق. واللفظ له. مسلم (٤/ ٢٢٠٩). ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة، ٢ - باب الخسف بالجيش الذي يؤم البيت.
[ ٢ / ٩٩٩ ]
١٠١٢ - * روى أبو داود عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: "عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية؛ وفتح القسطنطينية خروج الدجال" قال: ثم ضرب بيده على فخذ إلي حدثه أو منكبه ثم قال: "إن هذا لحق مثل ما إنك ها هنا أو كما أنك قاعد".
١٠١٣ - * روى ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان؛ قال: قال رسول الله ﷺ "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب. حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة. وليسرى على كتاب الله، ﷿، في ليلة. فلا يبقى في الأرض منه آية. وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز. يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله. فنحن نقولها" فقال له صلة: ما تغنى عنهم: لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثًا. كل ذلك يعرض عنه حذيفة. ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة! تنجيهم من النار. ثلاثًا.
أقول:
الظاهر أن هذا سيكون بعد نزول المسيح ﵇.
* * *
_________________
(١) أبو داود (٤/ ١١٠) كتاب الملاحم باب في أمارات الملاحم. والحديث رواه أبو داود عن عباس العنبري عن أبي النضر هاشم بن القاسم به، وقال: هذا إسناد جيد وحديث حسن.
(٢) ابن ماجه (٢/ ١٣٤٤) ٣٦ - كتاب الفتن، ١٤ - باب ذهاب القرآن والعلم. وفي الزوائد: إسناده صحيح. ورجاله ثقات. والمستدرك (٤/ ٤٧٣) وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. (يدرس الإسلام): من درس الرسم دروسًا، إذا عفا وهلك. ومن درس الثوب درسًا إذا صار عتيقًا. (وشي الثوب) نقشه. (وليسرى على كتاب الله) أي يذهب بالليل.
[ ٢ / ١٠٠٠ ]
الفقرة السادسة عشرة
في:
انحسار الفرات عن جبل من ذهب
١٠١٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، فيقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا أنجو".
وفي رواية: (١) قال: قال رسول الله ﷺ: "يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا".
وفي رواية لأبي داود (٢) مثل الثانية وقال: "عن جبل من ذهب".
١٠١٥ - * روى مسلم عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ﵁، قال: كنت واقفًا مع أبي بن كعب، فقال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا، قلت: أجل، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يوشك الفرات أن يحسر عن جبل ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله" قال: "فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون".
_________________
(١) البخاري (١٣/ ٧٩) ٩٢ - كتاب الفتن. ٢٤ - باب خروج النار. مسلم (٤/ ٢٢١٩) ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة. ٨ - باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب.
(٢) مسلم (٤/ ٢٢٢٠) الموضع السابق. وأبو داود (٤/ ١١٥) كتاب الملاحم، باب حسر الفرات عن كنز. والترمذي (٤/ ٦٩٨) ٣٩ - كتاب صفة الجنة، ٢٦ - باب حدثنا أبو سعيد الأشج .. وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) أبو داود: الموضع السابق.
(٤) مسلم: الموضع السابق.
[ ٢ / ١٠٠١ ]
وفي رواية: وقفت أنا وأبي بن كعب في ظل أطم حسان.
أقول:
لقد مر معنا أن الملحمة الكبرى يقتل فيها من المسلمين من كل مائة تسعة وتسعون وههنا ترد النصوص لتذكر أنه بسبب ظهور ذهب الفرات يقتل من كل مائة تسعة وتسعون فهل لذهب الفرات علاقة بغدر النصارى وهو عامل في طمعهم وقتالهم أو المسلمين أنفسهم يقتتلون على ذهب الفرات حتى يفني بعضهم بعضًا ويكون ذلك سابقًا على مرحلة الملحمة الكبرى كأن تتنازع الدول التي يمر فيها الفرات على ما يظهر في مجراه؟ الأمر محتمل.
* * *
[ ٢ / ١٠٠٢ ]
الفقرة السابعة عشرة
في:
أشراط الساعة الكبرى إجمالًا
وفي:
بعض أشراط أخرى تكون بين
يدي الساعة