ولا سيما الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين، بعبارات فائقة بنيتها على الآيات والأحاديث وأقوال العلماء السابقة، يقنع بها كل من يهمه رضا الله ورسوله واتباع الشريعة،
_________________
(١) وتتمتها: "والصحيح الامتناع لما تقدم من قول علي ﵁ لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر في قلب مؤمن، يعرف ضعف ذلك عقلا ونقلا. وأهل البيت مطهرون مبرؤون لا يصدر عنهم إلا المحبة والمودة. انتهى"
[ ٩١ ]
سواء كان من أهل السنة أو كان من الشيعة. ولا هادي إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
اعلم أيها المسلم المؤمن المصدق بوحدة الله تعالى ورسالة نبيه محمد - ﷺ - سواء كنت من أهل السنة أو من الشيعة أن مقصدنا معاشر المسلمين ومحط نظرنا شيء واحد، وهو هذا الإيمان بالله ورسوله وطاعتهما وكل ما يقرب العبد إلى رضاهما. والمقصود الأصلي هو رضا الله تعالى، وأما رضا الرسول - ﷺ - فهو تابع لرضا الله تعالى، فكل ما يرضي الله يرضيه وكل ما يسخطه تعالى يسخطه - ﷺ -. وكذلك الحق ﷾ يرضى لرضا رسوله ويغضب لغضبه. فرضاهما وسخطهما متلازمان. ولذلك ورد في القرآن كثيرا ذكر الرسول مع الله تعالى كقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١) ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (٢) و﴿آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣) وغير ذلك كثير. وإن كان الأصل هو الله تعالى وطاعته والتابع هو الرسول وطاعته فإن الحق ﷾ هو المقصود بالذات، وإنما خلق الخلق ﷿ ليعرفوه ويعبدوه وأرسل الرسل وسيدهم محمدا - صلى الله
_________________
(١) النساء: ٨٠
(٢) التوبة: ٦٢
(٣) الحديد: ٧
[ ٩٢ ]
عليه وسلم - ليعرفوا به خلقه ويقودهم إلى طاعته وعبادته تعالى. ولا يخفى أن الخلق كلهم خلق الله تعالى؛ فأحبهم إليه وأقربهم لديه أكثرهم معرفة به وطاعة له وتصديقا لرسله عليهم الصلاة والسلام. وتصديق ذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) وقول النبي - ﷺ -: «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى» وقوله ﵊: «يا فاطمة بنت رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا، ولكن لكم رحم سأبلها ببلالها». ولا شك أن نسبتهم له ﵊ تنفعهم نفعا عظيما عند الله تعالى. يدل على ذلك أحاديث كثيرة، ومنها قوله في هذا الحديث «سأبلها ببلالها» أي أصلها بصلتها، وقوله ﵊: «كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي» وقد قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (٢) ولا يرضيه - ﷺ - إلا سعادة أقاربه الأقرب فالأقرب، وإنما قال لهم: «لا أغني عنكم من الله شيئا»
_________________
(١) الحجرات: ١٣
(٢) الضحى: ٥
[ ٩٣ ]
تعظيما لجانب الحق ﷾، كما هو الواقع أن أحدا لا يغني عنده ﷾ شيئا إلا برضاه، فإنه الحاكم المطلق جل وعلا، وليس لأحد معه شرك في ملكه، وقد قال ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (١) وهو ﷾ من فضله يأذن للنبي - ﷺ - بالشفاعة في أقربائه وغيرهم، وهو - ﷺ - أكرم الخلق على الإطلاق، فلا يترك أقرباءه يوم القيامة من دون أن يشفع فيهم شفاعة مخصوصة. كيف وهو قد أعطي الشفاعة في سائر الناس؛ أفيشفع في الأبعدين ويترك أقرباءه المؤمنين؟ هذا مما لا يكون ولا يتصوره عاقل.
ولكن حرضهم - ﷺ - بقوله: «لا أغني عنكم من الله شيئا» على كثرة الطاعات لله تعالى، لئلا يتكلوا على هذه النسبة الشريفة التي لا أشرف منها والقرابة المنيفة التي لا أعلى منها فيعتمدون عليها ويقصرون في عبادة الله تعالى. وهذا من شدة شفقته - ﷺ - على أهل بيته ومحبته لهم ولعلمه ﵊ أن مجرد هذه القرابة الشريفة بلا أعمال صالحة لا تبلغهم أعلى المنازل في الجنة وتقدمهم
_________________
(١) البقرة: ٢٥٥
[ ٩٤ ]
على غيرهم من أكابر أتقياء الأمة لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ نعم إن هذه النسبة الشريفة تكون سببا إن شاء الله تعالى لنجاتهم كيفما كانوا بعد أن يكونوا مؤمنين لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١) قال العلماء: لا رجس أرجس من الكفر. وتأمل عدم اكتفاء الحق ﷾ بقوله: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ حتى أكده بقوله تعالى: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ ولم يكتف بهذا التأكيد بقوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ حتى أكده بالمصدر بقوله تعالى: ﴿تَطْهِيرًا﴾ فإذا تأملت في ذلك تعلم علو منصب أهل بيت النبوة ورفعة قدرهم عند الله تعالى إلى درجة لا يتصورها عقلك، وهذا الكلام إنما هو صادر من الله تعالى الذي في يده كل شيء ويفعل في خلقه ما يريد، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (٢) فلا يقال حينئذ لأي شيء اختصهم بهذا الفضل العظيم، ولو قيل ذلك لكان جوابه سهلا وهو أنه اختصهم به كرامة لحبيبه الرءوف الرحيم عليه أفضل الصلاة والتسليم. وقد قال بعض العلماء كما ذكرته في كتابي الشرف المؤبد
_________________
(١) الأحزاب: ٣٣
(٢) آل عمران: ٢٦
[ ٩٥ ]
لآل محمد - ﷺ - إن هذه الآية الكريمة تدل على أن الله تعالى يطهرهم من الكفر والمعاصي ويتوفاهم على الإيمان والتوبة النصوح الممحصة لجميع الذنوب ويرضي عنهم أخصامهم بفضله وكرمه تعالى كرامة لحبيبه الأعظم - ﷺ -، ولما أراده تعالى لهذا العنصر الطاهر من الكرامة من غير شرط عمل، فهي مبشرة لهم بحسن الخاتمة والوفاة على الإيمان والتوبة النصوح من جميع أنواع العصيان. ومع ذلك فهم والحمد لله جدوا واجتهدوا في طاعة الله تعالى ولم يعتمدوا على هذه النسبة الشريفة والمزية العظيمة التي فاقوا بها جميع الناس سوى النبيين والمرسلين، إذ لم يوجد في القرآن مثل هذه الآية الكريمة في حق غيرهم ﵃، ومع ذلك فهي لم تنسخ حكم قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فهذه آية محكمة حكمها صحيح دائم، كما أن تلك آية محكمة حكمها صحيح دائم. والله تعالى لم يقل إنه قد فضل أهل بيت النبوة على جميع الناس من كل الوجوه، ولكنه ﷾ خصهم بآية التطهير وفضلهم بها على جميع الأمم من جليل وحقير، وفضل أهل
[ ٩٦ ]
التقوى بحسب درجاتهم على الجميع بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ولم يستثن أهل البيت الكرام ولا غيرهم من الأنام.
إذا علمت ذلك تعلم أنه يجوز أن يكون في كل عصر بعض المسلمين من أهل التقوى أكرم عند الله تعالى من بعض أهل البيت الذين قصروا عنهم في تقوى الله تعالى، ولا مانع من ذلك شرعا ولا عقلا لهذه الآية الصريحة التي يجب على كل مؤمن قبولها والإذعان لها والتصديق بها لأنها من كلام الله المجيد الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١) وقد خاطب الله تعالى بها جميع المؤمنين من عهده - ﷺ - إلى يوم القيامة. وإذا كان الأمر كذلك فأصحاب النبي - ﷺ - الذين تشرفوا بصحبته وشاهدوا أنوار طلعته وبذلوا أرواحهم وأموالهم في سبيل نصرته وتأييد دينه وملته هم أولى وأحرى بأن يشملهم هذا التشريف الذي شرف الله به المتقين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ المؤيد بقول النبي - ﷺ -: «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى».
فصل (قد أثنى الله في آيات كثيرة على الأصحاب)
قد أثنى الله
_________________
(١) فصلت: ٤٢
[ ٩٧ ]
تعالى على أصحاب رسول الله - ﷺ - في آيات كثيرة من القرآن. منها قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (١) ومنها قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٢) ومنها قوله تعالى: ﴿لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ (٣) ومنها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٤) ومنها قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله عنهمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٥) ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦) ومنها قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا
_________________
(١) آل عمران: ١١٠
(٢) البقرة: ١٤٣
(٣) التحريم: ٨
(٤) الفتح: ١٨
(٥) التوبة: ١٠٠
(٦) الانفال: ٦٤
[ ٩٨ ]
غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١) ومنها قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢) ومنها قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣)
واعلم أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وطلحة والزبير ﵃ داخلون بيقين في جميع هذه الآيات القرآنية وغيرها مما ذكر في القسم السابق التي أثنى الله بها على أصحاب رسول الله - ﷺ -. والسيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ داخلة أيضا بيقين في أكثرها مما لم يختص بالرجال من أصحاب رسول الله - ﷺ -. ومعاوية وعمرو بن العاص ﵄
_________________
(١) الحشر: ٨ - ١٠
(٢) الفتح: ٢٩
(٣) المائدة: ٥٤
[ ٩٩ ]
لا شك أنهما داخلان في كثير منها مما لم يختص بالسابقين إلى الإسلام من الصحابة ﵃. فيا ليت شعري إذا صرح الملك لجميع رعاياه برضاه عن طائفة منهم وخاطبهم بمدح تلك الطائفة والثناء الجميل عليها، أتراهم إذا أبغضوا تلك الطائفة التي صرح لهم الملك برضاه عنها، وإذا ذموها بعد أن سمعوا منه الثناء الجميل عليها يكونون قد استحقوا بذلك رضا الملك أم سخطه؟ لا شك أنهم يكونون بذلك مستحقين لسخطه التام، ولا يرتاب في هذا أحد من ذوي الأحلام. هذا لو كان ذلك الملك مخلوقا مثل رعاياه، ويجوز عليه أن يكون مخطئا في رضاه عن تلك الطائفة وثنائه عليها بأن يكون صدر ذلك منه لأغراض وافقت هوى نفسه، وهي في الحقيقة غير مستحقة لرضاه وثنائه فيخالفونه لعلمهم من عيوبها وموجبات بغضها وذمها ما لم يعلمه ذلك الملك. فما بالك بملك الملوك رب العالمين وخلاق البرايا أجمعين إذا صرح برضاه عن طائفة من عبيده وأثنى عليها الثناء الجميل هل يمكن أن يكون مخطئا برضاه عنها وثنائه عليها؟ وهل يجب على عبيده تعالى أن يتبعوه بمحبة تلك الطائفة والرضا عنها والثناء عليها؟ أو يجوز لهم بوجه من الوجوه
[ ١٠٠ ]
أو سبب من الأسباب أن يبغضوها بعد أن صرح لهم ﷾ برضاه عنها، ويذموها بعد أن سمعوه بمدحها بأبلغ المدح ويثني عليها بأجمل الثناء؟ هذا مثل أصحاب رسول الله - ﷺ - ومن يحبهم ومن يبغضهم، فمن أي الفريقين تحب أن تكون أيها المسلم الذي يريد نجاة نفسه. أما السني فلا يرد عليه هذا السؤال. وأما الشيعي فلا جواب له عنه بحال من الأحوال إلا بمجرد المكابرة والجدال.
وإذا قال الشيعي أنا أحب أهل بيت رسول الله - ﷺ - وأبغض أصحابه الذين تعدوا عليهم وسلبوهم حقوقهم وأذمهم لأتقرب بذلك إلى رسول الله - ﷺ - وأستجلب رضاه ومحبته لي بمحبتي لأهل بيته وبغضي لمن سلبوهم حقوقهم. أقول في الجواب عن ذلك: قد أعلمتك بنص القرآن الصريح أن الله تعالى قد رضي عنهم وأثنى عليهم الثناء الجميل، وما رضي عنهم إلا لطاعتهم لرسوله - ﷺ - ومبايعتهم، أي معاهدتهم إياه على الموت في سبيل نصرته على أعدائه - ﷺ -، وأثنى عليهم الثناء الجميل في كتابه المجيد، الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ
[ ١٠١ ]
تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فكيف حينئذ يمكن بعد ما ذكر أن يرضى الله تعالى أو رسوله - ﷺ - عمن يبغضهم ويذمهم مهما فعلوا ومهما كان منهم على فرض صحة ما نسب إليهم؟ هذا مستحيل عقلا ونقلا، لأن الرضا عنهم والثناء عليهم من الله تعالى قد ثبت ثبوتا أبديا في كلامه القديم الذي لا ينسخه كلام على ممر الليالي والأيام. والحق ﷾ لا يخفى عليه ما سيصدر منهم من الأفعال مدة حياتهم، ومع ذلك فقد صرح بالرضا عنهم والثناء الجميل عليهم، فيلزمنا أن نقلد الله تعالى بالرضا عنهم والثناء الجميل عليهم ونعتقد أن ما صدر منهم على فرض صدوره هو من الذنوب الداخلة في سعة رحمة الله تعالى ومغفرته، أو نؤول ذلك بما يصرف أفعالهم المعترضة عن ظواهرها كما فعل علماء السنة من السلف والخلف. ويؤيد ذلك الحديث الصحيح الوارد عن النبي - ﷺ - في حق أهل بدر الذين من جملتهم أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير، وكثير ممن تبغضهم الروافض، وهو قوله - ﷺ -: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال لهم:
[ ١٠٢ ]
افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وورد عنه - ﷺ - في حق عثمان بخصوصه مثل ذلك يوم جهز جيش العسرة بسبعمائة جمل بحمولها وأحضر ألف دينار صبها بين يدي النبي - ﷺ - فصار يقلبها بيديه الشريفتين ويقول: "غفر الله لك يا عثمان"، «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم» وهذا من الأمور التي جرت بها العادة، فإنه إذا فعل إنسان فعلا جميلا عظيما عند آخر يصرح له بأنه قد رضي عنه ولا يسخط عليه أبدا في مقابلة ذلك الفعل الجميل حتى يجرون ذلك مع البهائم. قال الشاعر:
وإذا المطي بنا بلغن محمدا * فظهورهن على الرجال حرام
قربننا من خير من وطئ الثرى * فلها علينا حرمة وذمام
وإذا وقع ذلك من كرام الناس في حق البهائم فضلا عن الآدميين، فما بالك برسول الله - ﷺ - وهو أكرم ولد آدم وسيد الخلق أجمعين؟ وما بالك بكرم الله تعالى وسعة فضله الذي لا تدرك حد سعته الأحلام ولا يمكن التعبير عن حقيقته بالألسنة والأقلام، وقد صرح تعالى برضاه عن هؤلاء القوم
[ ١٠٣ ]
الذين صدقوا في خدمته وتأييد دينه وملته ومبايعة نبيه على الموت في نصرته وثنائه عليهم الثناء الجميل في معيته. وقد ذكر صفاتهم الجميلة التي استوجبوا بها الثناء الجميل منه تعالى، وابتدأها بقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ فقد ابتدأها بالجهاد أيضا لما فيه من المشقات العظيمة التي كانوا يحملونها في حب الله تعالى ورسوله، أتراه ﷾ بعد أن صرح لهم برضاه عنهم وشرفهم بذلك وبالثناء عليهم في كلامه القديم يخالف ذلك في المستقبل وهو سبحانه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين؟ أو تراه يرضيه أن يخالف تشريفه لهم بذلك أحد من الخلق أجمعين، سبحانه وتعالى عما يقوله الجاهلون ويعتقده المبطلون، و﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾. ونعوذ بالله تعالى من الخذلان ومن أن نكون منقادين إلى الشيطان وإخوانه من الإنس والجان.
وأما قولك أيها الشيعي: إن أصحاب رسول الله - ﷺ - سلبوا أهل بيته حقوقهم؛ فهذا اعتقدته أنت بحسب ما بلغك من الرواة الذين قد يزيدون وينقصون، وبحسب ما فسره لك قوم غافلون أو متغافلون. ومع ذلك نحن لم
[ ١٠٤ ]
ندّع فيهم العصمة من الخطأ والذنوب، ولكن نقول: إن الله تعالى أخبرنا في كتابه الحق الذي اتفق جميع المسلمين من أهل السنة والشيعة على أنه كما قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ بأنه قد رضي ﷾ عنهم وقد أثنى عليهم فيه الثناء الجميل، فإذا وقع منهم بعد ذلك بحسب بشريتهم وعدم عصمتهم كالأنبياء شيء من الذنوب يرجى من كرمه تعالى أن يغفره لهم، بل يتعين ذلك فضلا منه تعالى في حق أهل بيعة الرضوان الذين صرح برضاه عنهم وهم أكثر المهاجرين والأنصار، وفي حق أهل بدر منهم الذين قال فيهم رسول الله - ﷺ -: «وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، فلا يجوز لك أيها الشيعي أن تذمهم وتسخط عليهم بعد تعريف الله تعالى لك بأنه قد رضي عنهم وثنائه الجميل عليهم، ولو فرضنا صحة ما بلغك عنهم من الخطإ والذنوب التي هي إن شاء الله تعالى على فرض صحتها مغفورة، لا سيما وقد صح عنهم عندك وعند جميع المسلمين والناس أجمعين ما بذلوه في تأييد الدين المبين ونصرة سيد المرسلين -صلى الله عليه وعلى آله
[ ١٠٥ ]
وأصحابه أجمعين- من الأفعال المشكورة المبرورة، التي منها بذل الأرواح والأموال ومعاداة الأهل والعيال، وارتكاب المشقات التي لا تتحملها الجبال، فهل لا يستحقون بعدها غفران الذنوب وستر العيوب من الكبير المتعال؟ فأنصف أيها الرجل وانتبه رحمك الله، واعرف لذوي الحقوق حقوقهم، ولا تغتر بزخرفة الألفاظ وتنميق الأكاذيب التي أوحاها الشيطان إلى إخوانه وأعوانه حتى فرقوا كلمة الأمة المحمدية وأوقعوا بينها العداوة التي لا يقدر على إزالتها إلا الله تعالى. وأنت على يقين من أنا معاشر المسلمين جميعا من أهل السنة والشيعة عبيد الله تعالى يجب علينا أن نرضى لرضاه ونسخط لسخطه تعالى، ولا نجعل لهوانا على ديننا وعقلنا سبيلا. ونجزم ونعتقد أن رسول الله - ﷺ - لا يرضيه إلا ما يرضى الله تعالى. وقد بلغنا - ﷺ - عن ربه ﷿ أنه رضي عن أهل بيعة الرضوان، وهم جل أو كل أصحابه المهاجرين والأنصار وقتئذ، فهل يمكن أن رسول الله - ﷺ - لا يرضى عليهم أو على أحد منهم مهما فعلوا بعد أن بلغنا عن ربه ﷿ رضاه المطلق
[ ١٠٦ ]
عنهم الذي لم يقيده بشرط من الشروط ولا زمان من الأزمان. وهل يجوز لنا بعد أن تحققنا رضى الله ورسوله عنهم على هذا الوجه الثابت المحقق الذي لا يتحول ولا يتزلزل أن نسخط عليهم وقد رضي الله ورسوله عنهم ونذمهم وقد أثنى الله ورسوله عليهم؟ أنصف أنت من نفسك أيها المسلم العاقل وافعل ما يقربك إلى مولاك والله يتولى هداك.
أما أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ﵃، فهم مثل أصحابه ﵊ يجوز عليهم الخطأ واقتراف الذنوب، فإنهم مثلهم غير معصومين. ولا يغرك زعم العصمة فيهم عند الشيعة لأن العصمة قد خصها الله تعالى بالنبيين والمرسلين لكونهم مشرعين ومبلغين الدين وأحكامه عن الحق إلى الخلق، فلو لم يكونوا معصومين لجاز عليهم وقوع الخطإ في تبليغ شرائع الله تعالى إلى عباده فيختل حينئذ ذلك الدين ولا يوثق بصحته وبأنه دين الله الحق الذي شرعه لعباده، ولهذا كانت عصمتهم واجبة لازمة لا بد منها. وأما غيرهم من أتباع الأنبياء فليسوا متصفين بهذه الصفة حتى يلزم اعتقاد العصمة فيهم، ولكنهم مهما عظم شأنهم وارتفعت مترلتهم في الفضل والتقوى
[ ١٠٧ ]
والكمال فهم محل للخطأ واقتراف الذنوب بحسب بشريتهم، ولكن الله تعالى من فضله وكرمه يغفر لهم ذنوبهم ويستر لهم عيوبهم. وأولى الناس بمغفرته تعالى آل بيت نبيه وأصحابه - ﷺ - لقوله تعالى في آل البيت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١) ولثنائه الجميل على الصحابة ورضاه عنهم بقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢) وكما يجوز عقلا وشرعا وقوع التعدي من بعض الصحابة على بعض أهل البيت يجوز التعدي من بعض أهل البيت على بعض الصحابة، كما أنه يجوز الخطأ على هؤلاء وهؤلاء بمقتضى البشرية وعدم العصمة. ونحن معاشر المسلمين الواجب علينا محبة الفريقين لنفوز إن شاء الله تعالى بالحسنيين، وننظر بعين الإنصاف إلى ما بلغنا من أحوالهم جميعا وآثارهم في الدين ونفعهم للمسلمين وطاعتهم لرب العالمين وخدمتهم لسيد المرسلين -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين- وما كان أمرهم عليه في حياته وبعد وفاته - ﷺ - ما تحققناه من النقول الصحيحة، ونجعل محط نظرنا رضا الله تعالى ورسوله ونزيل عن قلوبنا وعقولنا حجاب الهوى والميل بمجرد
_________________
(١) الأحزاب: ٣٣
(٢) الفتح: ١٨
[ ١٠٨ ]
التعصب المذموم والتشهي المشئوم، فإن ذلك لا يرضاه لنفسه العاقل إلا إذا طمس الله على بصيرته فلم يفرق بين الحق والباطل.
فصل في خلافة أبي بكر وملخص أوصافه
قد اتفق نقلة الأخبار على أن أبا بكر الصديق كان في الجاهلية من رجال قريش المعدودين أهل الحل والعقد فيهم، وأنه كان أول المسلمين من الرجال، وأنه من ذلك التأريخ كان هو الوزير الأعظم والصديق الأكبر الأكرم للنبي - ﷺ -. وإنما سماه النبي - ﷺ - بالصديق لمبادرته لتصديقه في أول إسلامه في كل ما أخبر به ﵊ من الغيوب ولا سيما في صباح ليلة المعراج حينما كذبته كفار قريش. ولم يزل مرافقا له وموافقا في جمع حالاته مع العسر واليسر والشدة والرخاء والسفر والحضر والحرب والسلم وجميع الأحوال إلى حين وفاته - ﷺ -.
أما الأحاديث التي وردت وصحت عن النبي - ﷺ - في فضله فهي كثيرة مدونة في الكتب ومشهورة على الألسنة، وكثير منها يجري على ألسنة الناس مجرى الأمثال. وكذلك ما ورد في حق عمر وعثمان وعلي وطلحة
[ ١٠٩ ]
والزبير ﵃. وكذلك وردت أحاديث كثيرة في فضل السيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين وسائر أهل البيت الكرام وفضل السيدة عائشة وباقي أمهات المؤمنين وكثير من أفراد الصحابة ومجموعهم ﵃ أجمعين. ولا أريد أن أكثر الكلام هنا بنقلها لأنها معلومة، وكتبها في أيدي الناس مشهورة، وقد جمع منها الإمام ابن حجر في كتاب الصواعق جملة وافرة، وربما أذكر قليلا منها للمناسبة، ومن أرادها فليراجعها في محلها.
ومن المعلوم عند الخصوص والعموم أن أبا بكر ﵁ لم يزل منذ أسلم إلى وفاة رسول الله - ﷺ - هو عنده الوزير الأول والصديق الأكبر الذي عليه في مهماته المعول لا يشبهه ولا يدانيه في ذلك أحد، لا من الصحابة ولا من أهل البيت ﵃ أجمعين، حتى إن رسول الله - ﷺ - لم يسمح له في غزوة بدر بالمبارزة في القتال، وقال له: "أمتعنا بنفسك" وسمح بذلك لسادات أهل بيته وقتئذ وهم علي وحمزة وعبيدة بن الحارث ﵃، واعتمد عليه - ﷺ - في حراسة العريش الذي أقام فيه عليه الصلاة
[ ١١٠ ]
والسلام يدعو الله تعالى وقت الحرب ويستنجزه ما وعده من النصر، ولم يعتمد في ذلك على أحد سواه في هذا الأمر المهم الذي لا أهم منه وقتئذ. كما أنه - ﷺ - لم يثق بأحد يكون رفيقه في هجرته من مكة إلى المدينة سوى أبي بكر ﵁، وقد استأذنه مرارا ليهاجر مع من هاجر قبل ذلك من الصحابة فلم يأذن له ﵊ بذلك وأخره حتى هاجر معه - ﷺ -. وكان مستشاره الأعظم في جميع مهماته - ﷺ - الدينية والدنيوية، ولم يزل كذلك عنده في المحل الأعلى والمترل الأرفع الذي لا يشاركه فيه مشارك ولا يشبهه فيه مشابه، لا من الصحابة ولا من أهل البيت، إلى أن توفي - ﷺ - وهو راض عنه تمام الرضا. ولما توفي رسول الله - ﷺ - اضطربت الصحابة من أهل البيت وغيرهم غاية الاضطراب، حتى جاء هو وقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١) فحينئذ سكن اضطرابهم وعرفوا أن رسول الله - صلى الله عليه
_________________
(١) آل عمران: ١٤٤
[ ١١١ ]
وسلم - قد توفاه الله ونقله من دار الفناء إلى دار البقاء. فكان أبو بكر أعلمهم وأعقلهم وأحزمهم وأفضلهم. ولما كان فضله العظيم وتفوقه عند رسول الله - ﷺ - على الجميع بالتقريب والتعظيم مشهودا لهم معلوما عندهم - وآخر اختصاص خصه به رسول الله - ﷺ - أمره إياه في مرضه أن يصلي بالناس نيابة عنه - اتفقوا بأجمعهم على أن يجعلوه خليفة له ﵊، ولأن تخصيص النبي - ﷺ - له بذلك كالصريح في استخلافه، ولذلك بايعه ﵁ على الخلافة جمهورهم إلا نزرا قليلا من بعض المهاجرين والأنصار، لا لجحدهم فضله واستحقاقه ولكن لأسباب قامت في أنفسهم منعتهم من التعجيل في المبايعة، أهمها عدم مشاورتهم كما صرح بذلك علي والزبير ﵄، ثم بايعوه بعد ذلك. وقد تمت له والحمد لله الخلافة باتفاق الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم.
فاستلم زمامها وتسنم سنامها وقام بحقوقها أحق القيام، حتى كان هو المجدد الأعظم لدين الإسلام بعد رسول الله ﵊، وقد اتفقت على مبايعته والسرور بخلافته والاغتباط بها الأمة المحمدية وقتئذ بأسرها من أهل المدينة المنورة ومكة المشرفة ومن تبعهم من جميع العرب. ولو فرضنا أن المبايعة بالخلافة كانت لغيره لكان المخالفون أكثر بكثير، لأن اعتبار أبي بكر ﵁ عند الأمة
[ ١١٢ ]
جميعها في حياته - ﷺ - كان في الدرجة الأولى بلا خلاف عندهم في ذلك، فالذين ينافسونه على هذا المقام هم بلا شك أقل بكثير ممن ينافسون غيره. وقد ظهر ذلك فيما بعد حينما تركوا وشأنهم بعد قتل عثمان ﵁ في خلافة علي ﵁. ولم يظهر في خلافة عمر لأن أبا بكر استخلفه قبل موته فلم يبق لهم الحق في نصب خليفة من عند أنفسهم حتى تختلف آراء بعضهم. وكذلك عمر حصرها في ستة، ومع ذلك لم يتفقوا على واحد منهم حتى حكموا فيها واحدا منهم وهو عبد الرحمن بن عوف يرضون بمن يعينه منهم بشرط أن لا يعين نفسه، فعين عثمان حين رآه الأصلح للأمر. ثم بعد قتل عثمان صارت الناس فوضى، فبايع أهل المدينة وأهل الحل والعقد وأصحاب السابقة من أصحاب رسول الله - ﷺ - عليا ﵁ لأن الأحقية انحصرت فيه، فإنه مع وجوده بعد عثمان لا يستحق الخلافة معه أحد. ومع ذلك قد خالف بيعته قوم كثير من العرب الصحابة وغيرهم. فمن هنا يظهر لك ظهورا جليا أن اعتبار أبي بكر في نفوس الأمة المحمدية
[ ١١٣ ]
كان أكثر بكثير ممن بعده، ولذلك اتفقت الأمة عليه مع عدم تنصيص النبي - ﷺ - على خلافته صريحا، ومع كونه ليس من أقربائه الأقربين ولا من المعروفين بكثرة العشيرة وكثرة المال والأحزاب، وإنما كان رأس ماله الأعظم قوة دينه وعلو مترلته عند النبي - ﷺ -، فإذن لم يبعث الأمة على الانقياد إليه إلا علمهم بأحقيته وأفضليته وكونه لا يستحق الخلافة مع وجوده أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ -. وقد كان ﵊ قدمه للصلاة بهم في مرضه فقالوا: "نختار لدنيانا من اختاره رسول الله - ﷺ - لديننا" ونعم هذا الاختيار. وقد صح عن إمامنا الشافعي كما في طبقات السبكي أنه مع كونه كان من أجل المحبين لآل البيت ومن بني عمهم وأمه علوية وأبوه من بني المطلب أخي هاشم قال له رجل: كيف تقدم أبا بكر وأنت من بني المطلب؟ فقال له: ليس الأمر كما تظن، ولكنهم حينما توفي رسول الله - ﷺ - نظروا فلم يجدوا تحت أديم السماء أفضل من أبي بكر فولوه عليهم، ولو كان الأمر بالقرابة لكنت أقدم عليا لأنه ابن عمي
[ ١١٤ ]
وجدي لأمي.
فإن قلت: بين لي أسباب مخالفة أولئك النفر وعدم مبادرتهم لمبايعة أبي بكر فإن النفس يبقى فيها شيء من هذه المخالفة؟ أقول في الجواب: لم يخالف من الأنصار إلا سعد بن عبادة سيدهم ﵁ وعنهم، ومن المهاجرين سوى بعض أهل البيت ﵃. وقد قدمت لك أن أصحاب رسول الله - ﷺ - كأهل بيته ليس أحد منهم معصوما من الخطإ، فإنهم ليسوا أنبياء ولا ملائكة فيجوز عليهم الذهول ولا يستحيل عليهم الخطأ. أما سبب مخالفة سعد بن عبادة ﵁ فإنه كان سيد الأنصار وهم جمهور الناس في المدينة وأهل البلد. وقد كان قبل قدوم رسول الله - ﷺ - عليهم وهم في جاهليتهم رأوا ما لهم من القوة والثروة والعصبية فأرادوا أن يجعلوا عليهم ملكا عبد الله بن سلول وهو من الخزرج قوم سعد بن عبادة وهم معظم الأنصار، فانتقض ذلك بالإسلام وقدوم النبي ﵊، فلما توفي رسول الله - ﷺ - اجتمع الأنصار ليبايعوا منهم سيدهم سعد بن عبادة ويجعلوه عليهم ملكا، ليس لاعتقادهم أنه أفضل من
[ ١١٥ ]
أبي بكر ولكن لكونهم كانوا قد رتبوا هذا الأمر في الجاهلية لرجل منهم فحال بينهم وبينه وجود النبي - ﷺ -، فلما توفي ﵊ ظهر له أنه لا مانع من ذلك، فأرادوا مبايعة سعد المذكور لاعتقادهم أنه أهل لأن يكون ملكا عليهم وأنهم هم أهل لأن يكون منهم ملك بالنظر إلى كثرتهم وعصبيتهم وشجاعتهم وغناهم وكونهم هم أهل البلد، ولم ترض نفوسهم الأبية أن ينقادوا إلى غيرهم مع استيفاء الشروط فيهم، وإنما كانوا منقادين لرسول الله - ﷺ - بالدين ولم يقصدوا أن يكون واحد منهم خليفة لرسول الله - ﷺ - على الأمة المحمدية بأسرها، ولذلك قالوا للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير. فلما ذهب إليهم أبو بكر وعمر إلى محل اجتماعهم، سقيفة بني ساعدة، خوفا من وقوع الفتنة بين المهاجرين والأنصار، تكلم أبو بكر ووعظهم وذكرهم بما كانوا عنه غافلين، وتكلم عمر وذكرهم بفضائل أبي بكر وما كان له من علو المترلة عند رسول الله - ﷺ -. فتجلى لهم الحق والصواب وأعرضوا عما كانوا قصدوه
[ ١١٦ ]
وبايعوا أبا بكر مع جملة الأصحاب وانقادوا إليه بزمام الدين، مع كونهم كانوا هم أهل البلد والقوة وكانوا يرون مترلة علي وغيره من أهل بيت النبي - ﷺ - وغيرهم، فلو علموا أن أحدا منهم أحب إلى الله ورسوله وأحق في هذا الأمر من أبي بكر لما فسخوا عزيمتهم التي كانوا صمموا عليها وتركوا تمليك واحد منهم الذي يترتب عليه فخرهم وشرف دنياهم وبايعوا أبا بكر، بل كانوا يبايعون ذلك الرجل الذي يرون فيه الأحقية والأولوية، لا سيما إذا كانوا من أهل بيت النبي - ﷺ -. فبهذا ظهر سبب ما وقع من الأنصار من الخلاف وما رجعوا إليه من الإنصاف.
أما سيدتنا فاطمة الزهراء ﵂ فإنها حصل لها من الكرب بوفاة النبي - ﷺ - ما شغلها عن كل شيء ولازمها الكمد حتى توفيت بعد ستة أشهر من وفاته - ﷺ -، ولعلها كانت لعظم ما نزل بها وشدة محبتها لأبيها ﵊ وجلالة قدرة إلى درجة لم يشاركه فيها أحد من الأنام لم تسمح نفسها بأن ترى أحدا من الناس يقوم بعده ذلك المقام فلذلك
[ ١١٧ ]
تأخرت عن مبايعة أبي بكر. وقوى ذلك أنها طلبت منه ﵂ وعنه أن يورثها أرضا تركها النبي - ﷺ - فامتنع، لأنه سمع من رسول الله - ﷺ - قوله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» فبقي في نفسها من ذلك شيء، ولو جاز أن أبا بكر يحابي أحدا بما لا يعتقد جوازه لحاباها بذلك محبة لرسول الله - ﷺ - واستجلابا لرضاها ورضا زوجها وقومها ﵃، فكانت الديانة والسياسة - وهو منهما في المحل الأعلى - يلزمانه بإعطائه إياها تلك الأرض لو لم يسمع من رسول الله - ﷺ - ما سمعه، ومع ذلك فكان يزورها ويخضع لها ويلاطفها غاية الملاطفة لاستجلاب رضاها حتى رضيت عنه.
وأما زوجها علي ﵁ فقد حصل له كذلك من شدة الحزن والكرب لوفاة رسول الله - ﷺ - ما لا تحمله الجبال الراسيات بحيث ضاقت عليه الدنيا ولازم بيته مدة من الزمان. ثم بايع أبا بكر واعتذر عن تأخره عن البيعة بما هو لا شك صادق فيه من ملازمة الأحزان مع اعتقاده أحقية أبي بكر لهذا الشأن ولعدم
[ ١١٨ ]
مشاورته قبل البيعة في سقيفة بني ساعدة. ولو فرضنا أن تأخره عن البيعة لاعتقاده في نفسه أنه مقدم على أبي بكر في استحقاق الخلافة؛ نقول في الجواب: نحن نعلم أن جمهور الصحابة -ولا سيما المقربون منهم إلى رسول الله - ﷺ - كالذين بشرهم بالجنة وخلافهم من أهل بدر وبيعة الرضوان- هم أعلم ممن جاء بعدهم بيقين بمن كان عالي المترلة عند رسول الله - ﷺ - في حياته إلى درجة تخوله حق الخلافة بعد وفاته، وكلهم قد أجمعوا على خلافة أبي بكر. فنضع خطأهم في ذلك بفرض وقوعه في جانب مع خطأ أبي بكر نفسه بقبولها لو فرضناه وخطأ جميع أهل عصرهم من المسلمين الذين أقروهم على ذلك، ونضع في الجانب الآخر خطأ علي في ذلك بفرض تصوره أنه أحق بالخلافة من أبي بكر ونضع أيضا صوابهم في ذلك في جانب وصواب علي على فرض تصوره في جانب، فمن يا ترى أقرب إلى رضا الله تعالى ورسوله؟ أن يكون أبو بكر وجميع الصحابة وغيرهم من المسلمين مخطئين في عملهم ويكون علي وحده مصيبا في تصوره، أو خطأ علي في هذا التصوير وإصابة الأمة
[ ١١٩ ]
بأسرها وقتئذ أقرب إلى رضا الله ورسوله؟ لا أظن أن هذا السؤال يتوجه إلى أحد في قلبه نور إيمان ثم لا يرى أن الصواب مع أبي بكر والأصحاب، لا سيما وقد فرضنا أن عليا ﵁ تصور الخلافة لنفسه، فهذا أقرب للخطأ ممن يتصورها لغيره كباقي الصحابة الذين تصوروها لأبي بكر فإن نفوسهم ليس لها حظ من خلافته إلا اتباع الحق وكونه أولى وأحق. ولو كان أبو بكر بمترلة علي في تصوره لنفسه والصحابة كلهم أو جلهم مع علي لكنا أيضا نكون مع الجمهور، إذ لا قرابة بيننا وبين أبي بكر تحملنا على محاباته، بل لو تساوى أبو بكر وعلي من كل الوجوه لكان المرجح عليه بقرابته من رسول الله - ﷺ -. ولكن قد تحققتا أن رسول الله - ﷺ - نفسه كان عنده أبو بكر مقدما على علي وعلى سائر الأصحاب، فكيف نقدم نحن عليه عليا أو غيره؟ وإنما نحن مع الله ورسوله، لا مع أنفسنا، وهو إنا نحن نعلم حق العلم أن عليا ﵁ كان من أقرب الأقرباء المحبوبين لرسول الله - ﷺ -، ومن أجل الأصفياء المقربين عنده، ومن أنفع
[ ١٢٠ ]
أصحابه له ولدينه وأعظمهم إقداما في نصرته وأكثرهم إلقاء لنفسه في مظان التلف في معارك الحروب، وهو الذي خلفه في فراشه ففداه بنفسه يوم الهجرة، وفوق ذلك أنه زوج ابنته سيدة نساء العالمين وأبو ذريته الطيبين الطاهرين إلى يوم الدين، مع وفرة العلم والفضل والشجاعة والكمال من كل الوجوه؛ ولكنا نعلم مع ذلك بأبي بكر من الفضائل الجمة والمناقب المهمة ما هو أكثر من ذلك وأن المترلة التي كانت له عند رسول الله - ﷺ - لم يصل إليها علي ولا غيره.
وكل الصحابة كانوا يعلمون هذه الفضائل الجليلة لعلي ﵁ ومع ذلك أقدموا على مبايعة أبي بكر على الخلافة مع وجوده، فلا شك أنهم وجدوا أبا بكر أحق بها وأولى. ولو بايعوا عليا لكان جديرا بها، ولكنهم علموا أنهم لو فعلوا ذلك لقدموه على من هو أحق منه فلم يفعلوا.
والله إني أتيقن أن عليا نفسه لم يتخطر أنه مقدم على أبي بكر، وكيف يكون ذلك وهو ﵁ من أتقى الناس وأصدقهم وأكثرهم إنصافا. وقد كان مشاهدا لأحوال أبي بكر مع رسول الله - ﷺ - من البداية إلى
[ ١٢١ ]
النهاية، وقد كان هو صغير السن في ابتداء البعثة ثم كان بعد ذلك من الشبان الأقوياء الشجعان حتى فدى رسول الله - ﷺ - بنفسه وألقى نفسه في الأخطار في محبة الله تعالى ورسوله. ولم نسمع أنه كان من أهل مشورة رسول الله - ﷺ - في مهماته مثل أبي بكر لا سيما في وقت الشدة في أول البعثة. وأبو بكر ملازم للنبي - ﷺ - في ليله ونهاره وحضره وأسفاره، يوالي من والاه ويعادي من عاداه، ولو وصله من ذلك أعظم ضرر يأتي على نفسه وماله وعياله، حتى شاهد المشركين يوما يؤذون النبي - ﷺ - ففداه بنفسه وصار يضربهم ويضربونه، واشتد عليه الأمر حتى أغمي عليه وكاد يموت من كثرة الضرب والجراحات. وكان يطوف معه - ﷺ - على قبائل العرب في المواسم يبلغ رسالة ربه ويدعوهم إلى نصرته، كل ذلك وعلي ﵁ صغير السن وقتئذ. أترى أن الله تعالى ينسى ذلك لأبي بكر، أو ترى أن محمدا - ﷺ - يعدل به بعد هذا أحدا من الناس، أو ترى أن أمته - ﷺ - يخلفونه بما لا يرضيه في شأن هذا
[ ١٢٢ ]
الصاحب الذي كان له عليه كمال الاعتماد وقد فداه بالنفس والمال والأولاد، مع علمهم أنه - ﷺ - لم يكن يعدل به أحدا من خلق الله تعالى مدة حياته حتى توفاه الله تعالى وهو راض عنه كمال الرضى. ومن لم يعلم ذلك فهو من أجهل الجاهلين بأحوال رسول الله - ﷺ - مع أصحابه.
ثم ماذا كان من خلافة أبي بكر، هل كان منها ضرر على الدين والمسلمين؟ كلا والله، بل كانت كنبوة ثانية، أعز الله بها الإسلام والمسلمين وأيد وشيد قواعد هذا الدين المبين. فقد ارتدت أكثر قبائل العرب بعد وفاة النبي - ﷺ -، فجمعهم ﵁ طوعا وكرها على الإسلام. وفتح بلاد العراق والشام، وجيش جيوش المسلمين للجهاد في سبيل الله الملك العلام، وسيرهم إلى أعداء الدين أقواما بعد أقوام، حتى أظهر الله به دينه غاية الظهور وانتظمت على أحسن حال الأمور. وكان ذلك بعد أن جمع الصحابة، منهم عمر وعثمان وعلي وغيرهم من أكابر أصحاب رسول الله - ﷺ - من المهاجرين والأنصار، واستشارهم في شأن أهل الردة فأشاروا جميعا عليه بتركهم وشأنهم
[ ١٢٣ ]
لأنهم معظم العرب وقتئذ ولا قدرة للمسلمين على محاربتهم لقلتهم بالنسبة إليهم، فكرر عليهم المشورة فكرروا هذا الرأي، وقالوا نعبد الله تعالى حتى نموت، فقال لهم: والله لأن أخر من السماء فتخطفني الطير أحب إلي من أن يكون هذا رأيي، والله لو منعوني عقالا لقاتلتهم عليه ولو انفردت بسالفتي. ووبخ عمر على هذا الرأي بقوله له: أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟ مع أن عمر كان هو المعروف بالشدة في الدين وأبو بكر كان معروفا بالرفق واللين، فانعكس الموضوع في هذا الأمر المهم الذي لم يرد على الإسلام بعد رسول الله - ﷺ - أمر مثله. ثم قام أبو بكر من ذلك المجلس معلنا الحرب على أهل الردة قائلا: ها أنا متوجه بنفسي للجهاد في هؤلاء المرتدين، فمن تبعني فليتبعني. فانقادوا إليه وقالوا له كلهم: نحن معك يا خليفة رسول الله، وقال عمر: فما كان إلا أن شرح الله صدورنا لاتباع أبي بكر وكان فيه الخير والبركة. وقال بعضهم: لولا أبو بكر لما عبد الله تعالى بعد محمد - ﷺ -. فجيش جيشا وأرسله مع خالد بن الوليد، فلم يزل يحاربهم قبيلة بعد قبيلة
[ ١٢٤ ]
ويستعين ببعضهم على بعض إلى أن رجع العرب جميعهم إلى الإسلام وكثرت الجيوش، فجهزها لمحاربة دولتي الفرس والروم في العراق والشام، وهم أعظم دول الدنيا وقتئذ. وتتابعت الفتوحات في مدة خلافته وهي ثلاثة أعوام. وختمها بالعهد إلى عمر بالخلافة ونعم الختام، وكان عمر وزيره الأعظم كما كان هو عند النبي - ﷺ -، فهو على كثرة فضائله وفتوحاته حسنة من حسناته. هذا أبو بكر وهذه خلافته. فهل تراها يا أيها الشيعي جلبت ضررا على المسلمين أو أيدت وشيدت أركان الإسلام إلى يوم الدين. فرحم الله امرءا اتبع حقه وترك هواه و﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾
فصل في خلافة عمر ﵁
وأما عمر بن الخطاب ﵁ فإنه قبل إسلامه كان ذا وجاهة عظيمة في قريش، حتى دعا النبي - ﷺ - الله تعالى بأن يؤيد الإسلام به أو بعمرو بن هشام، يعني أبا جهل. فاستجيبت دعوته - ﷺ - في حق عمر. فلما أسلم دخل بإسلامه سرور عظيم على النبي - ﷺ -
[ ١٢٥ ]
ومن معه من المسلمين، وكانو نحو العشرين وهم مستخفون لا يقدرون على الظهور لكثرة أذية المشركين لهم. فأعلى عمر إسلام نفسه في محافل قريش وحمل النبي - ﷺ - على الظهور فظهر بمن معه وكان ذلك أول يوم أعز الله به الإسلام ولذلك سماه رسول الله - ﷺ - الفاروق لأن الله فرق به بين الحق والباطل. ولم يزل مصاحبا لرسول الله - ﷺ - من حين إسلامه إلى وفاة النبي - ﷺ - في جميع حالاته من شدة ورخاء وسفر وحضر وحرب وسلم ولم يفارقه في جميع غزواته وهو عنده في جميع ذلك صاحب المنزلة العليا والمكانة الزلفى التي لا تفضلها إلا منزلة أبي بكر الصديق ومكانته عند رسول الله - ﷺ - فإنه كان الوزير الأول وعمر الوزير الثاني. ولم يكن لعثمان ولا لعلي ولا لغيرهما هذه المنزلة العلية والرتبة السنية المعروفة عند عموم الأصحاب وغيرهم، حتى أن أبا سفيان جاء إلى المدينة قبل فتح مكة ليطلب من النبي - ﷺ - تجديد مدة الهدنة بينه وبين قريش فلم يقبل فقصد أبا بكر ثم عمر ليشفعا
[ ١٢٦ ]
له عند رسول الله - ﷺ - في تجديد الهدنة فلم يفعلا فقصد بعد ذلك عثمان وعليا فلم يفعلا أيضا. وكذلك كعب بن زهير حينما أهدر النبي - ﷺ - دمه لأسباب أوجبت ذلك قصد أبا بكر ثم عمر ليشفعا له فلم يفعلا ثم قصد عليا فدله على طريق نجاحه. فمن هنا تعلم أن المشركين أيضا كانوا يعلمون تقدم أبي بكر وعمر عند النبي - ﷺ - على سائر أصحابه. وليس ذلك بالأمر الخفي ولا يجهله إلا من لم يكن له اطلاع على سيرته - ﷺ - وتاريخ وقائعه وروابطه مع أصحابه وأحوالهم معه ودرجاتهم عنده. فإن كتب الحديث والسير والتواريخ على الإطلاق متفقة على أن هذين الشيخين كانا مقدمين عنده على سائر الأصحاب وأنه - ﷺ - كان يشاورهما في مهمات أموره قبل جميع أصحابه.
ومن أعظم ما اتفق لعمر في إصابة الرأي أن النبي - ﷺ - شاوره في أسارى بدر فأشار عليه بقتلهم وعدم قبول الفداء منهم وقال: يا رسول الله، هذه أول وقعة نصر الله بها الإسلام فلا ينبغي قبول الفداء لترسخ هيبة المسلمين في قلوب المشركين،
[ ١٢٧ ]
نسلم كل واحد منا قريبه يقتله بيده. وأشار أبو بكر بقبول الفداء منهم وقال: يا رسول الله هم الأهل والعشيرة، وليتقووا بما يأخذونه منهم من الفداء على ما هم بصدده من الجهاد في سبيل الله تعالى، فعمل - ﷺ - براي أبي بكر لميله - ﷺ - إلى الرحمة والشفقة. فنزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
ولم يزل عمر على هذه الحالة السنية والمكانة العلية عند رسول الله - ﷺ - مدة حياته وصار بعده لأبي بكر وزيره الأعظم بمنزلة أبي بكر عند النبي - ﷺ -، فكل ما حصل من الخير للأمة المحمدية في مدة خلافة أبي بكر فعمر له فيه اليد البيضاء والثواب العظيم لأنه كان الركن الأقوى الذي يعتمد عليه أبو بكر في مهمات الدنيا والدين. ولذلك رآه كفؤا كريما للخلافة بعده، فعهد له بها ولم يخالف عليه أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - لعلمهم
[ ١٢٨ ]
أنه بعد أبي بكر أعلاهم منزلة عند رسول الله - ﷺ - وأقدرهم على القيام بأعباء الخلافة من جهة العقل والفضل وحسن التدبير وسياسة الأمور وضبط الجمهور مع الشجاعة التامة والصرامة الكاملة والنفس الأبية القوية التي لا تأخذها في الله لومة لائم وغير ذلك من صفات الكمال التي تقتضيها الخلافة ولم تجتمع في أحد منهم اجتماعها فيه ﵁ وعنهم. وإنما كان بعضهم يخشى منه وقوع الشدة لما كان معروفا به من عدم المداراة والشدة في دين الله فكان الأمر بعد الخلافة بالعكس، فكان أرحم الأمة بالأمة وأشفقها عليها، وظهر منه من الحزم والتدبير وضبط أمور الجماهير والعدل بين الناس على اختلاف طبقاتهم وسياسة الدنيا والدين والرحمة لعموم المؤمنين والشدة على جميع المعتدين وتجيند الجنود والجهاد في سبيل الله وكثرة الفتوحات ما لم يجتمع لغيره باتفاق المؤرخين في دهر من الدهور بحيث هدم أعظم دول العالم وقتئذ وهي دولة الروم في الشام وما والاها ودولة الفرس في العراق وما
[ ١٢٩ ]
والاها ودولة القبط في مصر وما والاها واستولى على بلادهم وعواصم ممالكهم في وقت قصير لا يتسع مثله لبعض هذه الفتوحات فضلا عن كلها لولا قدرة الله تعالى وما أراده من سرعة انتشار دين الإسلام وتعميم رسالة سيدنا محمد ﵊. ولم يزل الإسلام منذ تولى الخلافة يعلو شأنه ومده ويسمو عزه وقدره وتيسع انتشاره ويفيض على البسيطة بحره ويشمل الأمم حكمه حتى انقادت له الأعارب والأعاجم رغبة أو رهبة واتسع نطاق الإسلام اتساعا عظيما كان أساسا متينا لكل ما جاء بعده من الفتوحات الإسلامية. ثم بعد هذا كله لم يعهد بالخلافة لولده عبد الله مع أنه كان في حد ذاته أهلا له لأنه كان من أجلاء الصحابة وأكابر علمائهم. ولم يظهر له الصواب فيمن يكون خليفة بعده كما ظهر لأبي بكر ولو ظهر له ذلك في شخص لعهد إليه، ولكنه أشكل عليه الأمر لشدة ورعه ودقة نظره وشفقته على الأمة المحمدية لأنه كان مع بلوغه في قوة الدين إلى الغاية القصوى كذلك كان بالغا في كمال العقل إلى الذروة العليا، وقد علم أنه لم يجتمع في واحد من الصحابة الموجودين وقتئذ الأوصاف التي
[ ١٣٠ ]
تحصر فيه الخلافة وتحملهم جميعا على الانقياد إليه كما انقادوا إلى أبي بكر وعمر حتى يعهد إليه بها، وقد توجد في الجماعة المؤهلين لها بعض مزايا لا توجد في الآخر. فهذا عمر وهذه سيرته وخلافته.
فكيف تراها أيها الشيعي: هل نفعت الدين المبين أو أضرت بالإسلام والمسلمين؟ سبحان الله ما أعجب هذا الحال، بينما نحن نرى الكفار يفتخرون بذكر عمر وخلافته وكثرة عدله وحسن سيرته في كتبهم ويشهدون له بالانفراد في السياسة والسداد ويلهجون بمدحه والثناء عليه إلى درجة يميزونه بها عن جميع ملوكهم فضلا عن غيرهم، نرى بعكس ذلك بعض المسلمين من الشيعة، ولا سيما الفرس، ولو حفظوا أنسابهم لوجدوا أجدادهم الأقدمين إنما انتقلوا من دين المجوس إلى دين الإسلام بواسطة جيوش عمر التي افتتح بها بلادهم وهدى بها أجدادهم، فله ﵁ أعظم المنن على من أسلموا وعلى ذراريهم إلى يوم القيامة. ومع ذلك فقد نسوا فضله عليهم وعلى أجدادهم خصوصا وعلى الأمة المحمدية عموما. فرحم الله من اتقى الله ونبذ هواه
[ ١٣١ ]
وعرف الحق لأهله فأداه. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فصل في خلافة عثمان ﵁ وسيرته
أما عثمان ﵁ فإنه كان من أعظم أكابر قريش في الجاهلية وكان من السابقين للإسلام، هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين وتزوج بنتي رسول الله - ﷺ - فسماه ذا النورين. ولم يزل من أول الإسلام إلى وفاة النبي ﵊ وهو من أجل المقربين إليه وأعظم المحبين المحبوبين لديه، حتى كان من المعلوم عند جمهور الصحابة تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر عليهم جميعا في الفضل عند رسول الله - ﷺ - كما صح ذلك في حديث البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ وهو من أعلم الصحابة وأورعهم وأتقاهم وأفضلهم أنه قال: كنا في حياة النبي - ﷺ - نفضل بين أصحاب رسول الله - ﷺ - فنفضل أبا بكر ثم عمر ثم عثمان. ولا قرابة بينه وبين واحد منهما، ولو جازت عليه المحاباة لحابى أباه فقدمه على أبي بكر، وحابى عليا لقرابته من رسول الله - ﷺ -. وكان عثمان في الجاهلية من رؤساء قريش،
[ ١٣٢ ]
وقومه بني أمية كانوا مع كثرتهم ورياستهم من أشد أعداء رسول الله - ﷺ -، فخالفهم عثمان وآمن برسول الله - ﷺ - في أول البعثة والإسلام يومئذ جديد في غاية الضعف والخفاء، والشرك حينئذ متين في غاية الظهور والقوة. وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة المنورة. ولم يفارق رسول الله - ﷺ - في أكثر غزواته ومشاهده. وكم له من يد بيضاء في الإسلام في حياة النبي - ﷺ - لم يسد أحد مسده فيها. منها تجهيزه جيش العسرة في غزوة تبوك. ومنها أن النبي - ﷺ - أرسله يوم الحديبية إلى مكة ليطيب قلوب المؤمنين المستضعفين، وكان - ﷺ - أمر بذلك قبله عمر فلم يعفل خوفا من قريش لشدة عداوته لهم وعداوتهم له وقلة قومه ودله على عثمان لقوة عصبيته وكثرة قومه، فذهب وقضى حاجة رسول الله - ﷺ - على أتم وجه وامتنع من الطواف بالبيت لعدم طواف النبي - ﷺ - به في ذلك العام. وقد كان - ﷺ - يستحيي منه فسئل
[ ١٣٣ ]
عن ذلك فقال: "ألا أستحي ممن تستحي منه ملائكة الرحمن". ولم يزل كذلك عند النبي - ﷺ - في المنزلة الزلفى والمكانة العليا والعناية الكبرى إلى أن توفي - ﷺ - وهو راض عنه تمام الرضى. ثم كان عند أبي بكر أيام خلافته كذلك. ثم كان عند عمر أيام خلافته كذلك. ثم لما تولى الخلافة مشى على سنن أبي بكر وعمر في العدل بين الناس والجهاد في سبيل الله، حتى فتح المغرب بأجمعه وكثيرا من بلاد إفريقية، وفتح بلاد أرمينية وخراسان وما والاها حتى وصل إلى حدود الصين واستولى على سائر بلاد الفرس. وكان هلاك كسرى في مدة خلافته. وفتح من جزائر البحر قبرس ورودس وغير ذلك من الفتوحات الكثيرة التي تضاحي فتوحات عمر، وحصل للإسلام في مدته انتشار عظيم في أقطار الأرض. ولم يزل الناس راضين مغتبطين بخلافته إلى أن أكثر من تولية رؤساء بني أمية بالأعمال، فنقم عليه ذلك قوم من فساق أهل مصر والعراق، فخرجوا عن طاعته وأتوا إلى المدينة المنورة فحصروه وقتلوه ظلما ﵁.
وقد اتفق
[ ١٣٤ ]
جمهور الأمة المحمدية من أهل السنة والجماعة من عصر الصحابة إلى الآن على أن عثمان أفضل من علي. وهذا الاتفاق لا يمكن أن يكون بمجرد التشهي لأن الأمة لا قرابة مخصوصة بينها وبين أبي بكر وعمر، فكما أنها قدمتهما في الفضل عليه وعلى من بعده لما ثبت عندها من أسباب التفضيل كذلك قدمته على علي وعلى من بعده لما ثبت عندها من أسباب تفضيله وإن كانت أسباب تفضيل الشيخين عندنا أظهر من أسباب تفضيله على علي. ونحن يلزمنا اتباع سلفنا الصالح في ذلك لوثوقنا بقوة دينهم ووفرة علمهم وكثرة معرفتهم وورعهم وعدم محاباتهم في الدين أحدا، ولو كانوا يحابون في ذلك لحابوا عليا لقرابته من رسول الله - ﷺ -، وقد اطلعوا على ما لكل منهما من الفضائل على ما ورد في حقهما عن النبي - ﷺ - من المناقب، وشاهد الصحابة منهم حالة قرب كل منهما منه - ﷺ - حال حياته، وبعد هذا كله اتفق جمهورهم على أفضلية عثمان، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين والأئمة
[ ١٣٥ ]
المجتهدين وأتباعهم أجمعين. وليم يخالف في ذلك من الأئمة إلا سفيان الثوري ومالك في أول قوليه، ففضلا عليا على عثمان، ثم ثبت عند مالك تفضيل عثمان فرجع عن قوله الأول ووافق الجمهور في تفضيله على علي. وجرى الأمر على ذلك باتفاق أهل المذاهب الأربعة جيلا بعد جيل، يرويه السلف عن الخلف ويتلقفه المتأخر عن المتقدم وينشر في الكتب ويقرر في العقائد ويقرأ في الدروس ويوعظ به على رؤوس المنابر ويعلن في المجامع الدينية والمحافل الإسلامية من دون نكير ولا تقييد ولا تحجير إلى وقتنا هذا.
إذا علمت هذا أيها المسلم المتحري لدينه المبين التابع لسبيل الهداة المهتدين، فكيف تطيب نفسك أن تعتقد خطأ هذه الأمة العظيمة في سائر الأعصار والأدوار من صحابتها وتابعيها وأوليائها وأتقيائها ومجتهديها، وهم علماء الناس وساداتهم وعقلاؤهم وقاداتهم في أمور دينهم ودنياهم. أترى ذلك يرضي الله تعالى أم تراه يسر رسول الله - ﷺ - أم تراه يطيب للأئمة الأعلام من ساداتنا
[ ١٣٦ ]
أهل البيت الكرام، حاشا وكلا. أما من جهة الخلافة فقد كان إليها علي وعثمان فرسي رهان فسبق عثمان فاتبعه علي، ولو سبقه علي لاتبعه عثمان. والدليل على تقاربهما في الفضل وكون كل منهما فيه الأهلية التامة للخلافة بعد ابي بكر وعمر عدم تخصيص عمر واحدا منهما، ولو علم في أحدهما ما علمه أبو بكر فيه من التقدم على الجميع لعهد إليه بالخلافة ولم يذكر معه غيره بدون محاباة، ولو جازت عليه المحاباة لحابى عليا لأنه أبو زوجته أم كلثوم بنت علي وجد بنيه منها فضلا عن قرابته من رسول الله - ﷺ - وكونه زوج سيدة نساء العالمين وأبا أهل بيت النبوة الطاهرين. فإن قلت قد سمى معهما غيرهما فلا يدل ذلك على معرفة انحصار الأهلية للخلافة فيهما، قلت نعم فعل ذلك مع علمه والله أعلم أن الخلافة منحصرة فيهما لما يعلمه من شدة المنافسة بين بني هاشم وبني أمية، فخاف من وقوع الفتنة بين القبيلتين إذا نص على واحد منهما أو إذا حصرها في الاثنين، فضم معهما غيرهما من ذوي الأهلية بعدهما لتكون شورى بينهم فترضى الأمة
[ ١٣٧ ]
بمن يقع عليه اتفاقهم، وقد كان كذلك ورضيت الأمة والحمد لله بخلافة عثمان وبايعه علي وسائر أهل البيت الكرام وداموا على السمع والطاعة والمعاونة في كل ما يؤيده ويؤيد خلافته إلى أن خرج عليه جماعة من خوارج مصر والعراق فقتلوه شهيدا ﵁، ولم يوجد معهم أحد من الصحابة أهل البيت وغيرهم، بل كانوا من المحامين عنه، إلى أن قضى الله بشهادته وشقاوة قاتليه. فبويع علي بالخلافة لأنها بعد عثمان قد انحصرت فيه وكان موجودا وقتئذ طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص. ولم يخطر في بال أحد من الصحابة أن يبايعهم من وجود علي. ومن هنا تعلم صحة ما ذكرته لك في حكمة ذكر عمر إياهم مع علي وعثمان، وإن لم أر أحدا ذكره من المؤلفين في هذا الشأن. وقد رأيت رؤيا منامية تدل على تفضيل عثمان على علي ﵄ ذكرتها في خاتمة هذا الكتاب، وهي الحكاية الثالثة والعشرون فراجعها هناك والله يتولى هداي وهداك.
فصل في خلافة علي وشأنه مع من بغى عليه من الصحابة ﵁
[ ١٣٨ ]
وعنهم
ثم بعد قتل عثمان مظلوما شهيدا اجتمع أهل الحل والعقد من أصحاب رسول الله - ﷺ - وغيرهم وتوجهوا إلى علي ﵁ فبايعوه بالخلافة لأنها قد انحصرت فيه ولا يستحقها أحد مع وجوده لكثرة فضائله التي لا تحصى. منها أسبقيته للإسلام ولم يعبد وثنا قط وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وابن عم رسول الله - ﷺ - وأخوه بالمؤاخاة وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين وأبو سبطيه الحسن والحسين وجد آله الطاهرين وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين والزهاد المذكورين والخطباء المعروفين وأحد من جمع القرآن وعرضه على رسول الله - ﷺ -. ولما هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة أمره أن يقيم بعده بمكة أياما حتى يؤدي عنه أمانته والودائع والوصايا التي كانت عند النبي - ﷺ - ثم يلحقه بأهله، ففعل ذلك ونام في فراشه الذي كان المشركون يراقبونه فيه ليقتلوه - ﷺ -، ففداه بذلك بنفسه. وشهد مع النبي - ﷺ - سائر المشاهد
[ ١٣٩ ]
إلا تبوك فإنه - ﷺ - استخلفه على المدينة وقال له حينئذ: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» فإن موسى صلوات الله عليه كان خلف هارون ﵇ في قومه لما ذهب إلى المناجاة. وله في جميع المشاهد الآثار المشهورة، ففي غزوة بدر كان في أول المبارزين فقتل من بارزه. وأصابه يوم أحد ست عشرة ضربة. وبارز في غزوة الخندق عمرو بن ود العامري الشهير فقلته. وأعطاه النبي - ﷺ - اللواء في مواطن كثيرة سيما يوم خيبر وأخبر - ﷺ - أن الفتح يكون على يده ووصفه بأنه: «يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» كما في الصحيحين، وكان كذلك، وحمل يومئذ باب حصنها على ظهره حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها، وأنهم جروه بعد ذلك فلم يحمله إلا أربعون رجلا، وفي رواية أنه تترس بباب الحصن عن نفسه فلم يزل يقاتل وهو في يده حتى فتح الله عليه ثم ألقاه فأراد ثمانية أن يلقوه فما استطاعوا. وغير ذلك من الفضائل والمناقب والمفاخر التي تعجز عن حصرها الأقلام والدفاتر. ولكنه مع ذلك لم يهنأ له في الخلافة عيش ولم
[ ١٤٠ ]
يجد فيها راحة، وتوالت عليه أسباب التعب والنصب من كل جانب. ولو قدر الله دخوله للخلافة مع السكون والهدوء واجتماع الأمة كما حصل في خلافة أسلافه لما كان قصر عنهم في تمهيد الأمور وكثرة الفتوحات وزيادة نشر الإسلام في سائر أقطار الأرض كما حصل لهم. ولكنه من حين دخوله الخلافة دخل فيها والأمة في غاية الاختلاف وأمورها في غاية التشويش والاضطراب بسبب قتل عثمان وتحزب الأحزاب واختلاف الآراء واجتماع الجماعات على آراء مختلفة وأغراض متباينة، فكان ﵁ كلما اشتغل بسد خرق من جانب انفتق عليه خرق من جانب آخر، حتى عاداه أعظم من كان يثق بهم.
أما في أول الأمر فمثل طلحة والزبير ﵄ مع السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂، فقد جيشوا عليه جيش وقعة الجمل وصارت بينهم وبينه تلك المحاربة العظيمة للأخذ بثأر عثمان من الذين قتلوه، وكانوا هم وعشائرهم في عسكر الإمام علي ﵁ فامتنع من تسليمهم خوفا من زيادة الفتنة، فكان ما كان من قتل كثير منهم الزبير وطلحة. وأرجع
[ ١٤١ ]
عائشة إلى المدينة المنورة بغاية الإكرام والإعزاز. ولا يخفى أن هؤلاء هم أولى الناس ﵁ وعنهم، ولكن الله إذا قضى شيئا لم ينفع العقل والنظر، وإذا وقع القضاء عمي البصر. ثم بعد أن كاد الفتح يتم له ﵁ في وقعة صفين حصلت مكيدة رفع المصاحف على الرماح وطلب المحكمة إلى كتاب الله، فبطل الحرب ورجع كل إلى مأواه. ثم إن عسكر علي انشقوا فأنكروا التحكيم وخرجوا عليه فاشتغل بحربهم بمن أطاعه من عسكره، ومعاوية يجمع الجموع ويجيش الجيوش في الشام وقد اتفقوا على طاعته في الطلب بدم عثمان، وبقي الأمر كذلك لم يهنأ لعلي أمير المؤمنين عيش ولم ينتظم له أمر حتى قضى الله بقتله شهيدا سعيدا على يد أشقى الآخرين أحد الخوارج المارقين عبد الرحمن بن ملجم. ولهذه الأحوال العجيبة والمصادفات الغريبة حكمة باطنية وسبب ظاهر بحسب ما ظهر لفكري القاصر.
حكمة عدم انتظام الأمور في مدة خلافة أمير المؤمنين علي ﵁
أما الحكمة الباطنية في
[ ١٤٢ ]
عدم انتظام الأمور في خلافة أمير المؤمنين علي ﵁ وكرم وجهه، فهي والله أعلم ما علمه الله تعالى من أنه سيفرط في حبه قوم حتى يعتقدوا فيه الألوهية، كما وقع ذلك من طوائف هم موجودون إلى الآن كطائفة النصيرية فإنهم يعتقدون ألوهيته. وقد ابتدأ هذا الأمر في مدة خلافته ﵁، فلما علم بذلك استحضر الذين بلغه ذلك عنهم واستتابهم فمن لم يتب منهم أحرقه بالنار، فقالوا: الآن زدنا اعتقادا بألوهيتك إذ لا يحرق بالنار إلا رب النار. وقوم أفرطوا في محبته بأنواع شتى ونسبوا له من أوصاف الكمال ما هو مختص بالنبيين أو برب العالمين ﷾، حتى قال بعض شعراء متأخريهم وهو ابن معتوق:
سيد الأوصياء مولى البرايا عروة الدين صفوة الخلاق
مهبط الوحي معدن العلم والأف ضال لا بل مقدر الأرزاق
عالم الغيب والشهادة لا يع زب عنه حساب ذر دقاق
مع أن هذه الأبيات يمكن تأويلها، ولكن ظاهرها يوهم دعوى الألوهية فيه ﵁.
فلما علم الله أنه سيكون في حقه رضي
[ ١٤٣ ]
الله عنه تلك الدعاوى الكاذبة أظهر عجزه في المحل الذي لا يمكن فيه أن يدخر شيئا من قوته لو كانت عنده في ذاته قوة ألوهية كما زعموا، بل كان يهلك أولئك العبيد الذين عارضوه في أموره وشوشوا عليه خلافته. فأظهر عجزه الحق ﷾ عن ضبط ما انتشر من رعاياه وسد ما انفتق عليه من أموره، وكثر المخالفون حتى حاربوه وحاربهم فانتصر على قوم منهم وكاد ينتصر على الآخرين، فلم يتم له الأمر. وتسهلت الأسباب بقدر الله تعالى وقضائه إلى معاوية حتى اجتمع عليه جموع كثيرة من قريش وغيرها من قبائل العرب ودهاتها؛ ولم يزل أمره في انتظام وإقبال وأمر علي ﵁ في تفرق وإدبار إلى أن قتل شهيدا. وكان إذا رأى ما هو فيه من مخالفة عسكره له وطاعة عسكر معاوية له يعض على أصابعه ويقول: أعصى ويطاع معاوية. وهذا الأمر لو حدث به قبل وقوعه لما كاد أحد يصدقه لأن الفرق بينهما عظيم جدا. ولو تركت الخلافة للأحقية بحيث لا يتولاها إلا أهلها لتقدم على معاوية في ذلك العصر ألوف كثيرة من أهل بدر وأحد وبيعة الرضوان
[ ١٤٤ ]
الذين لا يخطر في بال أحد أن معاوية يتقدم على واحد منهم، وعلي كان سيدهم والمقدم عليهم أجمعين باتفاقهم واتفاق الأمة أجمع. ومع كون الأمر كذلك تهيأت الأسباب لمعاوية حتى صار ملكا منصورا. وقُتل الخليفة الحق مقهورا. ومع كل هذا العجز الظاهر الباهر الذي قدره الله تعالى على علي ﵁ ما زال ناس كثيرون يدعون فيه الألوهية إلى زماننا هذا، كطائفة النصيرية في بلاد الشام وغيرها من طوائف بلاد الأعجام. فكيف لو حصل له ﵁ من القوة واجتماع الكلمة وضبط الأمور وفتح الفتوحات ما حصل لأبي بكر وعمر وعثمان، فكان يخشى حينئذ أن يضل باعتقاد ألوهيته كثير من الناس غير من ضلوا. فقد اجتمع فيه من العلوم الزاخرة والأنوار الظاهرة والأسرار السافرة والفصاحة الباهرة ما يدهش العقول ويخيل لبعض الناس أن ذلك لا يمكن اجتماعه في بشر؛ ولذلك ضل فيه بعض الطغام من ضعفاء الأحلام. فهذه والله أعلم هي الحكمة في إظهار عجز هذا الإمام الكبير وقوة معاوية الذي هو
[ ١٤٥ ]
بالنسبة إليه صغير صغير. والله يفعل في خلقه ما يشاء وهو العليم الخبير.
السبب الظاهر لعدم انتظام الأمور في مدة خلافة علي ﵁
أما السبب الظاهر لعدم انتظام خلافة علي ﵁ فهو قتل عثمان ﵁ وما ترتب عليه من الأمور والشرور إلى أن كان ما كان. وتوضيح ذلك أن عثمان كان سيد بني أمية وكانوا مع بني عمهم بني هاشم فرسي رهان في الرياسة في الجاهلية، بل كانت عصبيتهم أقوى من عصبية بني هاشم لكثرتهم وقلة بني هاشم بالنسبة إليهم. فلما بعث رسول الله - ﷺ - حسدوهم على هذه المزية الكبرى والمنقبة العظمى التي لا يمكن أن يصلوا إليها بوجه من الوجوه. ولذلك تأخر أكثرهم عن الإسلام وعاندوا الحق وحاربوا الله ورسوله في بدر وأحد والخندق، وبقوا مصرين على الشرك والعناد مع كثير من عتاة قريش إلى يوم الفتح الأعظم، فتح مكة المشرفة، فسلموا حينئذ قيادهم إلى رسول الله - ﷺ - مغلوبين مقهورين حين لم يبق في القوس منزع ولا في المقاومة مطمع. فوصل
[ ١٤٦ ]
منهم الأرحام وعاملهم معاملة الكرام، فأطلقهم من الإسار وأعطاهم أموالهم وقال لهم: "أنتم الطلقاء" ولو شاء لضرب عليهم الرق فصاروا كلهم عبيدا أرقاء وكانوا مع أموالهم غنيمة له ولجيشه - ﷺ - فقسمهم بين المجاهدين، ولكنه عفا عنهم عند الاقتدار فأسلموا بالاضطرار لا بالاختيار واتبعوه - ﷺ - إلى غزوة حنين فأعطاهم من غنائمها شيئا كثيرا ليتألفهم به ويقوى إسلامهم بمحبته - ﷺ -. وكان من رؤساهم أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية، فأعطى كل واحد منهم مائة من الإبل وأربعين أوقية من الفضة، ولم يعط أحدا من أصحابه السابقين للإسلام من المهاجرين والأنصار لا لفقرائهم ولا لأغنيائهم، وإنما أعطى بعض أكابر قريش ورؤساء القبائل. ولم يزل يتألفهم ويتلطف بهم ويكرمهم حتى قوي إيمانهم وحسن إسلامهم وجاهدوا معه حق الجهاد وفدوه بالنفوس والأموال والأولاد. ومن هنا تعلم أن رسول الله - ﷺ - كان يداريهم ويتألفهم لحرصه على هدايتهم وتمكن الإسلام من قلوبهم لكونهم من
[ ١٤٧ ]
أقاربه الأقربين ورؤساء عشيرته المقدمين ولما يعلمه من ترتب هداية كثير من الناس على هدايتهم وطاعتهم بطاعتهم ممن كانوا ينقادون إليهم في الجاهلية من أقاربهم وحلفائهم وعلائقهم. وقد صح إسلامهم والحمد لله وجاهدوا مع رسول الله - ﷺ - بعد ذلك حق الجهاد ومع أبي بكر وعمر، وظهر منهم في الإسلام والمسلمين آثار جميلة جليلة في حياة النبي - ﷺ - وبعده.
وكان أبو بكر ﵁ يجلهم أيضا ويداريهم اقتداء بالنبي - ﷺ - ويؤمر منهم الأمراء، وهو الذي أمّر يزيد بن أبي سفيان من جملة أمراء الجيوش الكبار في محاربة الروم في بلاد الشام، وبقي إلى خلاافة عمر ومات فولّى عمر مكانه أخاه معاوية، فبقي أمير الشام باقي خلافة عمر ومدة خلافة عثمان عشرين سنة، ولازموا في خلافة أبي بكر وخلافة عمر الطاعة والانقياد وجاهدوا في الله حق الجهاد، وكانوا كذلك بل أعظم من ذلك في خلافة عثمان للقرابة القريبة التي بينهم وبينه، وقد ولاهم الأعمال المهمة وقيادة الجيوش فتمكنوا من فتح الفتوحات الكثيرة
[ ١٤٨ ]
وخدموا الأمة والملة خدمات مشكورة مبرورة، على تخليط كان يقع من بعضهم وعفو الله واسع ولكنهم بذلك أوغروا قلوب كثير من الناس فانتقدوا عليهم زلاتهم الذميمة ولم ينظروا إلى حسناتهم الجسيمة ومنافعهم العميمة وفتوحاتهم العظيمة التي افتتحوها في آسيا وإفريقية وجزائر البحر. وعثمان ﵁ لا يسمع فيهم الملام لأنه شاهد ما قدره الله على أيديهم من انتشار الإسلام والفتوحات العظام فضلا عن كونهم من ذوي قرابته، فانتقلت بذلك كراهة المنتقدين عليهم إلى عثمان فجيشوا عليه الجيوش من مصر والعراق وقدر الله شهادته على أيدي أولئك الخوارج البغاة الفجرة الفساق أهل الشقاق والنفاق، فورد على الأمة بقتله من الشرور وتفريق الكلمة ما لا يمكن وصفه. وفي هذه الحالة المدهشة والفتنة العظيمة المؤلمة جرت مبايعة علي ﵁ على الخلافة، فتشعبت الفتن وكثرت الاختلافات وحصلت حروب وكروب أضرت بالإسلام والمسلمين أضرارا هائلة لا يمكن ملافاتها أبد الآبدين ودهر الداهرين؛ وأعظمها
[ ١٤٩ ]
ما استمر منها إلى الآن وإلى يوم الدين وهو افتراق كلمة الأمة الإسلامية إلى مذاهب وفرق كل واحدة منها تكره الأخرى وتضللها. منهم قوم خرجوا على الإسلام بالكلية كالنصيرية، ومنهم من ضلوا ضلالا مبينا ببغض أعلام الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير والسيدة عائشة أم المؤمنين ﵂. أما الفرقة المفضِّلة، وهي التي تعتقد تفضيل علي على جميع الصحابة ﵁ وعنهم من دون أن تطعن فيهم وتكفرهم فهذه أمرها سهل، ولها بحسب الظاهر عذر. فإن عليا ﵁ كان له من الفضائل الدينية والدنيوية المكتسبة والذاتية ما تعجز عقول أمثالنا عن حصره وعلمه، ولكنه مع ذلك رابع الخلفاء الراشدين؛ ومن قدمه على الثلاثة فهو عند جمهور الأمة المحمدية مبتدع في الدين، ولكن بدعته خفيفة لا تخرجه عن كونه من جملة المسلمين. وإنما كان مبتدعا لأنه قد خالف ما كان عليه في ذلك جمهور السلف الصالح من الصحابة فمن بعدهم. ولا ريب أنهم ﵃ كانوا أعرف من بعدهم بمن كان يقربه رسول الله
[ ١٥٠ ]
- ﷺ - منهم في حياته ويعتمد عليه أكثر من غيره في مهماته، وأعلم بأسباب التفضيل وأورع وأتقى لله تعالى من غيرهم، ولا سيما المهاجرون والأنصار منهم فإنهم كانوا ملازمين لرسول الله - ﷺ - في غزواته وأكثر أوقاته.
ومن ادعى ممن جاء بعدهم أنه أعرف بأحوال رسول الله - ﷺ - مع أصحابه وأعلم منهم بأسباب التفضيل أو أنه أورع وأتقى لله منهم فهو رجل فاسد العقل مخبوع عديم الفضل كثير الفضول.
فصل في فضل شئون أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂
وهي لم يختلف أحد في أنها كانت أحب أزواج رسول الله - ﷺ - إليه. ففي صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - سئل أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: «عائشة». قيل: فمن الرجال؟ قال: «أبوها». فانظر كيف أطلق - ﷺ - تفضيلها في المحبة على كافة الناس ولم يستثن من ذلك أحدا، وهذا من حيث الزوجية. وأما من حيث البنوة فالأحب إليه السيدة فاطمة ﵂. وروى الشيخان البخاري ومسلم عن أبي سلمة أن
[ ١٥١ ]
الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله - ﷺ -، وأن نساء رسول الله - ﷺ - كن حزبين: فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله - ﷺ -، فقال حزب أم سلمة لها: كلمي رسول الله - ﷺ - يكلم الناس فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله - ﷺ - فليهد إليه حيث كان فكلمته فقال لها: «لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب أمرأة إلا عائشة» قالت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله. ثم إنهن دعون فاطمة فأرسلنها إلى رسول الله - ﷺ - فكلمته، فقال: «يا بنية ألا تحبين ما أحب؟» قالت بلى قال: «فأحبي هذه» يعني عائشة. وروى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: أرسل أزواج النبي - ﷺ - فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - إلى رسول الله - ﷺ -، فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي فأذن لها، فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، وأنا ساكتة، قالت: فقال لها رسول الله - ﷺ -: «أي بنية، ألست تحبين ما أحب؟» فقالت بلى قال: «فأحبي هذه»، قالت فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله - ﷺ -، فرجعت إلى أزواج رسول الله - ﷺ - فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول الله - ﷺ -، فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء فارجعي إلى رسول الله - ﷺ -، فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في
[ ١٥٢ ]
ابنة أبي قحافة، فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدا.
وأما الأحاديث الصحيحة الواردة في فضلها فهي كثيرة جدا كقوله - ﷺ -: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»، وكون جبريل أتى النبي - ﷺ - بصورتها على قطعة من حرير الجنة قبل أن يتزوجها، وقوله - ﷺ -: «إن جبريل يقرئك السلام». وقوله - ﷺ - في مرض موته: "إنه ليخفف علي الموت رؤيتي بياض يد عائشة في الجنة". وموته في حجرتها التي دفن فيها، وبين سحرها ونحرها، وهي مستندة على صدرها - صلى
[ ١٥٣ ]
الله عليه وسلم -. وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة الدالة على كثرة فضلها وتكريم النبي - ﷺ - لها وشدة محبته إياها، فمن أرادها فليراجعها.
وأما مناقبها في ذاتها، فهي الصديقة الكبرى بنت الصديق الأكبر، وهي أعلم النساء على الإطلاق، لم يسمع بأمرأة من جميع الأمم جمعت من العلم النافع الديني ونشرته في الأمة مثلها. فإنها كانت في غاية الذكاء والعقل والحرص على اكتساب العلم منه - ﷺ - وتبليغه لأمته. ولازمته ﵊ مدة طويلة، فحفظت عنه من العلم الغزير ما لم يحفظه غيرها، واطلعت من أحكام الشريعة ورقائقها على ما لم يطلع عليه غيرها. وكانت صاحبة فهم ثاقب ومذهب صائب. ولذلك ورد عن النبي - ﷺ -: "خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء" تصغير الحمراء. وقد روت عن النبي - ﷺ - أكثر من ألفي حديث انتفعت بها الأمة نفعا عظيما في الأحكام الشرعية، واستنبط منها الأئمة المجتهدون ما لا يحصى من المسائل الدينية ولا سيما ما يتعلق بالنساء من الأحكام التي لا يطلع عليها الرجال حتى يرووها عنه
[ ١٥٤ ]
- ﷺ -. وروى الترمذي بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: "ما أشكل علينا أصحاب رسول الله - ﷺ - حديث قط فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما". وعن مسروق أحد أكابر التابعين أنه قال: يحلف بالله مسروق لقد رأينا الأكابر من أصحاب رسول الله - ﷺ - يسألون عائشة عن الفرائض. وقال الزهري: لو جمع علم عائشة وجمع علم جميع أزواج النبي - ﷺ - وجميع النساء كان علم عائشة أكثر. نقل هذه الثلاثة الآثار عن أبي موسى ومسروق والزهري العلامة الشبراخيتي المالكي في شرح الحديث الخامس من الأربعين النووية، ونحوه في كتاب أسد الغابة لابن الاثير. وكفاها قوله - ﷺ - في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» فهي ﵂ بالاتفاق أفضل نساء العالمين ما عدا ثلاث سيدات السيدة مريم والسيدة فاطمة والسيدة
[ ١٥٥ ]
خديجة.
فهذه المناقب لو لم يكن منها للسيدة عائشة إلا منقبة واحدة لكانت كافية في لزوم التجاوز عن خطئها في الخروج مع من خرج من أصحاب رسول الله - ﷺ - على سيدنا علي ﵁. ولو لم يكن لها منقبة أصلا سوى أنها زوجة رسول الله - ﷺ - لكفت لمحو ذلك الخطإ، إذ هي أم المؤمنين بمجرد الزوجية بنص القرآن. قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (١) وأنت على علم من التأكيدات الشرعية الواردة في الكتاب والسنة في وجوب بر الأم، وهي بلا شك أعظم من أم النسب وبرها أوجب. كما أن رسول الله - ﷺ - هو أبو المؤمنين، وقد ورد التصريح بهذا اللفظ في قراءة. ونفي الأبوة عنه في الآية الأخرى إنما هو من حيث النسب. قال الإمام ابن حجر في الصواعق: وعلى الأصح فقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ إنما سيق لانقطاع حكم التبني لا لمنع هذا الإطلاق المراد به أنه أبو المؤمنين في الاحترام والإكرام. ولا شك أنه ﵊ أعظم لدى كل مؤمن من أبيه من النسب، وبره - ﷺ - أوجب من بر ذلك الأب، فكذلك زوجاته
_________________
(١) الأحزاب: ٦
[ ١٥٦ ]
أمهات المؤمنين. ولا يتردد في هذا إلا كل من لم يشرح الله صدره بالإيمان، بل لو فرضناها ﵂ أمَة تسرّاها رسول الله - ﷺ - كالسيدة مارية القبطية لوجب على الأمة برها وتأكد عليها إكرامها وتوقيرها لمكانها من رسول الله - ﷺ -. بل لو كانت ﵂ مولاة له من جملة مواليه - ﷺ - ك أم أيمن وأم رافع لكان من المؤكد على جميع الأمة كمال برها وتوقيرها إكراما له - ﷺ -. وقد ورد أن سفينة مولى رسول الله - ﷺ - تعرض له الأسد في برية فقال له: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله - ﷺ -، فخضع وذل لقوله هذا، وأشار إليه أن يتبعه فتبعه حتى دله على الطريق وهو حيوان، فكيف بالإنسان.
والحاصل أنها ﵂ لو كانت منسوبة إليه - ﷺ - أضعف نسبة ولو خادمة من جملة خدمه لكان يلزم عموم الأمة برها لأجله ﵊، فما بالك وقد جمعت من المناقب والفضائل ما لم يجمعه أمرأة غيرها على الإطلاق ولم يفضلها سوى تلك السيدات الثلاث. أترى
[ ١٥٧ ]
كل ذلك لا يقاوم خطأها مع سيدنا علي ﵁ مع أنه هو نفسه أكرمها غاية الإكرام لعلمه بفضلها ومكانتها من رسول الله - ﷺ -. ويا ترى تكريمنا إياها وتوقيرها وتعظيمها يسر رسول الله - ﷺ - ويرضيه أو يسوؤه ويغضبه؟ ويا ترى بغضنا إياها وعدم توقيرنا لها يسر رسول الله - ﷺ - ويرضيه أو يسوؤه ويغضبه؟ لا شك أن من الأمور البديهية الطبيعية التي استوى في معرفتها العلماء والجهلاء أن توقيرها ﵂ والثناء عليها بجميل مناقبها وجليل فضائلها يرضي النبي - ﷺ - كثيرا ويسره - ﷺ - سرورا عظيما عظيما، وعكس ذلك يسوؤه إساءة بليغة بليغة ويغضبه غضبا شديدا شديدا. ومن زعم بقلة عقله وفساد ذوقه واختلال دينه واعتلال يقينه أن رسول الله - ﷺ - لا يبالي بها ولا يؤثر فيه مدحها وذمها يلزمه أن يجدد إيمانه، لأن ذلك من أقبح العيوب التي يجل قدر رسول الله - ﷺ - عنها، فإن من لا يهتم في شئون حرمه ولا يؤثر به مدحها
[ ١٥٨ ]
وذمها لا يعد من كرام الناس. ومعلوم أنه - ﷺ - أكرم العالمين وأكمل الخلق أجمعين بكل وصف جميل وخلق جليل، ولا يرتاب أحد في أن الكريم من الناس يهمه أمر حرمه مثل أقاربه بل أكثر. وقد صح عنه - ﷺ - من حديث البخاري ومسلم وغيرهما أنه لما وقعت قصة الإفك في حقها ﵂ وتولى كبره رأس المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول قام رسول الله - ﷺ - وصعد المنبر وقال: «يا معشر المسلمين من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فو الله ما علمت على أهل بيتي إلا خيرا» فقام سعد بن معاذ ﵁ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس قبيلتنا ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. والحديث طويل. قال ابن الأثير في أسد الغابة: ولو لم يكن لعائشة ﵂ من الفضائل إلا قصة الإفك لكفى بها فضلا وعلو مجد، فإنها نزل فيها من القرآن ما يتلى إلى يوم القيامة، ولولا خوف التطويل لذكرناها بتمامها. اه.
ومن شك في براءتها ﵂ فهو كافر لتكذيبه
[ ١٥٩ ]
القرآن. (١)
إذا علمت ذلك أيها الشيعي وكان عندك ذرة من الإنصاف والإيمان الصحيح وحب النبي - ﷺ - الذي يقتضي وجوب محبتك له ولكل من يحبه وكراهتك لكل من يكرهه، تعلم يقينا أن توقير السيدة عائشة ﵂ والثناء عليها من أوجب الواجبات الدينية التي ترضي الله تعالى ورسوله - ﷺ -، وهو الموافق للحقيقة ونفس الأمر؛ والعكس بالعكس. فدع ما نشأت عليه في شأنها ﵂ فإنه مخالف كل المخالفة لحكم العقل والنقل والذوق السليم، واتبع في محبتها والثناء عليها رب العالمين وسيد المرسلين وجميع المؤمنين ترض ربك ونبيك وأحبابك أهل البيت الكرام، ولا سيما ساداتهم العظام. فوالله الذي لا إله إلا هو إنهم لا يرضون إلا بذلك ويعلمون أن كل من أبغض السيدة عائشة أو ذمها فهو هالك. وكيف يرضيهم كراهة حرم جدهم الأعظم - ﷺ - وأحب نسائه إليه وأعزهم عليه، وهي عرضه - ﷺ - الذي يعود إليه كل ما وجه إليها من مدح أو ذم. وهل يرضى منك
_________________
(١) النور: ٢٦ ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾
[ ١٦٠ ]
بذلك أحد من أمته - ﷺ - المؤمنين، فضلا عن أهل بيته الطاهرين، ﵃ أجمعين، فاقتد بهم وبعلي ﵁ الذي أنت تكرهها لأجله، فهو كان أعرف منك وأتقى لله وأعلم بما يرضيه ويرضي رسوله الأعظم - ﷺ -، وقد أكرمها ﵂ غاية الإكرام وتجاوز عن كل ما صدر منها من الخطإ في ذلك المقام. وإذا لم يكن ذلك لأجل فضلها فهو لأجله - ﷺ -، "* ولأجل عين ألف عين تكرم *"
فصل في شئون رؤساء الأصحاب الذين خالفوا عليا ﵁ وعنهم وهم طلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص
لا يخفاك أيها المؤمن العاقل المنصف أنا إنما نحب عليا ﵁ لله ورسوله، وكذلك نحب سائر أهل البيت وجميع الأصحاب لله ورسوله. ولذلك كانت محبتنا لهم لا على السوية، بل نفاضل بينهم بالمحبة بحسب درجات فضلهم عند الله ورسوله على ما رواه لنا الأئمة وتناقلته الأمة الخلف عن السلف. فنقدم أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليا ثم
[ ١٦١ ]
باقي العشرة المبشرين بالجنة، ومن أكابرهم الزبير وطلحة المؤهلان للخلافة بعد علي، وهما من المهاجرين الأولين السابقين في الإسلام، ثم باقي أهل بدر ومن أكابرهم الزبير وطلحة، ثم أهل أحد ومن أكابرهم الزبير وطلحة، ثم من أسلم قبل فتح مكة ومن أكابرهم الزبير وطلحة ومنهم عمرو بن العاص، ثم من أسلم بعد الفتح ومنهم معاوية، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (١) فمعاوية ممن وعدهم الله الحسنى، وهي الجنة، وهو وإن كان من القسم الأخير من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وهو مفضول بالنظر إلى الأقسام السابقة، إلا أنه هو وجميع الصحابة ممن أسلم بعده أيضا أفضل من جميع من جاء بعدهم من هذه الأمة المحمدية، ففضله من هذه الجهة أي جهة الصحبة وحدها إذ اعتبرته تجده عظيما عظيما عظيما إلى درجة لا تقدر على تصورها، لأنك تعلم أنه قد جاء في هذه الأمة بعد الصحابة من أكابر الأئمة
_________________
(١) الحديد: ١٠
[ ١٦٢ ]
والعلماء والأولياء من لا يمكن استيفاء مناقبهم وفضائلهم بوجه من الوجوه. فمعاوية مع تأخره في الفضل عن معظم الصحابة هو أفضل من التابعين ومن بعدهم أجمعين، لتشرفه بصحبة سيد المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وكتابته له الوحي في بعض الأحيان، وجهاده معه أهل الشرك والطغيان، فضلا عما اتصف به في حد ذاته من الفضائل والمزايا الكثيرة. وخدماته بعد رسول الله - ﷺ - الخدمات الدينية المشكورة. فقد جاهد في سبيل الله مدة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وبعد أن استقل بالأمر، فإنه بقي في الشام مدة طويلة ثمانيا وأربعين سنة، منها نحو ست سنوات تحت راية أخيه يزيد، ومنها اثنان وعشرون سنة أميرا مجاهدا ضابطا لبلاد الشام وهي حدود الروم وقتئذ، ومنها عشرون سنة ملكا مجاهدا، حتى فتح فتوحات كثيرة ووصل جيشه إلى القسطنطينية وكان معه أبو أيوب الأنصاري، فمات هناك ودفن فيها وقبره إلى الآن ظاهر يزار. وهو مع كل فضائله التي لا يماثلها ولا يقاربها
[ ١٦٣ ]
فضائل أحد من غير الصحابة نسبته في الفضل إلى علي كنسبة الدرهم من الفضة مثلا إلى القناطير المقنطرة من الذهب، بل من الجواهر النفيسة العظيمة التي جلت عن أن تقوم بقيمة. كما قلت في قصيدتي "سعادة المعاد في موازنة بانت سعاد" في مدح سيد العباد - ﷺ -:
كالشمس في الأفق الأعلى أبو حسن ومن معاوية في الأرض قنديل
واعلم أن هذا ليس من قبيل المبالغة والتخيل في الشعر فقط بدون أن يكون موافقا للحقيقة، بل الفرق بينهما في الحقيقة والله أعلم كذلك أو أعظم من ذلك. قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ فخالد بن الوليد أسلم قبل الفتح، ومعاوية بعد الفتح، وقد قال رسول الله - ﷺ - لخالد حين اختلف مع سلمان الفارسي: «دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» وقد صرح القرآن بأن خالدا وأمثاله ممن أسلموا قبل الفتح أعظم درجة من
[ ١٦٤ ]
معاوية وأمثاله، ومقدار فضل هذه الدرجة لا يعلمه إلا الله تعالى، فقد تكون الدرجات التي استفادوها بأعمالهم في جميع أعمارهم لا تعادل تلك الدرجة، وقد صرح رسول الله - ﷺ - مع القسم العظيم بأن خالدا وأمثاله ممن تأخر إسلامهم عمن سبقهم لو أنفق أحدهم مثل جبل أحد ذهبا ما بلغ مقدار مدّ أو نصف مد من الطعام ينفقه مثل سلمان الفارسي من السابقين للإسلام، وسبق علي لسلمان بالإسلام أعظم من سبق سلمان لخالد، فإن عليا كان من السابقين الأولين بل كان أول المسلمين أو من أولهم، وسلمان إنما أسلم بعد الهجرة، هذا فضل عن الفضائل الكبرى الأخرى التي امتاز بها علي عن سلمان وغيره من كبار الصحابة فضلا عن غيرهم. وبهذا تعلم أن درجة الفرق بين علي ومعاوية في الفضل لا يمكن أن نتصورها بأفهامنا ولا من هو أعظم منا.
وأقيم لك على ذلك دليلا آخر، وهو أن رسول الله - ﷺ - حينما أعطى بعض المؤلفة قلوبهم في غزوة حنين مقادير وافرة من الغنائم قبل القسمة: منهم أبو سفيان وولداه يزيد ومعاوية، قال له بعض
[ ١٦٥ ]
أصحابه: يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري، وهو في غاية الاحتياج والفاقة. وكان من أهل الصفة فقيرا لا يملك شيئا، فقال - ﷺ -: "أما والذي نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، ولكني تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة لإسلامه" ومعنى طلاع الأرض ملؤها حتى يطلع عنها ويسيل كما قاله ابن الأثير في النهاية. ولا يخفاك أن الفرق بين علي ومعاوية ليس أقل من الفرق بين عيينة وجعيل، بل الأمر أعظم والله أعلم.
فصل (قال الله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)
قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (١) قال البيضاوي: وقرئ وهو أب لهم، أي في الدين، فإن كل نبي أب لأمته من حيث أنه أصل فيما به الحياة الأبدية، ولذلك صار المؤمنون إخوة، ثم قال عند قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ على الحقيقة فيثبت بينه وبينه ما بين الوالد وولده من حرمة المصاهرة وغيرها، ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ وكل رسول أبو أمته لا مطلقا بل من حيث أنه شفيق ناصح لهم واجب التوقير
_________________
(١) الأحزاب: ٦
[ ١٦٦ ]
والطاعة عليهم. انتهى كلام البيضاوي.
إذا علمت ذلك تعلم أن عليا ومن بغى عليه من الصحابة وغيرهم من المؤمنين كلهم بمترلة أولاد النبي - ﷺ -، ولا شك أنه - ﷺ - لو وقع الخلاف بينهم في حياته وتحاكموا لديه لحكم لعلي عليهم ولكره محاربتهم له وخروجهم عليه؛ ولكنه مع ذلك لا يتبرأ منهم، لأن شفقته عليهم أعظم من شفقة آبائهم الحقيقيين، بل أعظم من شفقتهم على أنفسهم بنص الآية المذكورة: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ مع جزمنا بأنه يقدم عليا ويفضله لأسباب كثيرة. منها كونه أكثر منهم فضائل من وجوه شتى كالعلم والشجاعة وسبقه للإسلام وغير ذلك. ومنها كونه ابن عمه أبي طالب شقيق والده عبد الله الذي ربى النبي - ﷺ - صغيرا ونصره على أعدائه كبيرا. ومنها أن النبي - ﷺ - رباه في بيته صغيرا حتى كان بمترلة ولده. ومنها أنه زوجه ابنته سيدة نساء العالمين السيدة فاطمة أحب أولاده إليه - ﷺ -. ومنها أنه أبو سبطيه الحسن والحسين وجد ذريته
[ ١٦٧ ]
الطاهرة. ومنها أنه صاحب الحق في الخلافة ومن حاربوه كانوا بغاة عليه. ومنها أنهم بمحاربتهم له شغلوه وشغلوا أنفسهم وجميع الأمة إذ ذاك عن الجهاد في سبيل الله وتسببوا لقتل ألوف كثيرة من المسلمين من جماعتهم وجماعته، وهم كلهم مؤمنون بمترلة أولاده - ﷺ -. فلا شك أن ما وقع منهم لا يرضيه ﵊، ومع ذلك فكل إنسان منصف إذا تصور حالة نفسه مع أولاده الذين يبغي بعضهم على بعض يتحقق أن النبي - ﷺ - وإن آلمه بغي بعض أصحابه على علي، فهو لا يريد هلاكهم بل يحب عفو الله عنهم وشمول مغفرته وسعة كرمه إياهم، وهذا مما لا شك فيه. ويدل عليه عفو النبي - ﷺ - عن أعدائه نفسه الذين حاربوه ونصبوا له حبائل الكيد والمكر من أول بعثته إلى فتح مكة من صناديد قريش حتى أسلموا وتألفهم بما قدر عليه من اللطف والعطاء الكثير حتى حسن إسلامهم. وكان الله تعالى قبل الهجرة أرسل إليه ملكا فخيره في هلاكهم وهم كفار فلم يختر ذلك قائلا: "عسى أن يخرج الله من أصلابهم من
[ ١٦٨ ]
يوحده"، فهذه كانت معاملته - ﷺ - مع أعدائه الكافرين، فكيف تكون معاملته مع أحبابه المؤمنين الذين هم بمترلة أولاده إذا أخطئوا بمحاربة علي، لا شك أن هؤلاء هم أولى بالعفو بكثير. ولا يخطر ببال عاقل منصف خلاف ذلك. والله أعلم.
فصل (في أن معاوية وسائر الصحابة الخارجين على علي كانوا مجتهدين)
اعلم أن معاوية في مذهبنا معاشر أهل السنة كسائر الصحابة الذين خرجوا على علي ﵁ وعنهم كانوا مجتهدين فيما فعلوه من ذلك، ولكن عليا كان هو المصيب وكان الخارجون عليه مخطئين. والمجتهد مأجور لا مأزور، المصيب له عشر حسنات والمخطئ له حسنة واحدة بنيته، ونياتهم كانت صحيحة لقصدهم القصاص من قتلة عثمان، وقد ظهر لهم أن في ذلك موافقة الشرع الشريف والمصلحة للأمة لئلا يتجرأ الفجار على الأئمة الأخيار، وهكذا كانت نياتهم وهو ما أداهم إليه اجتهادهم المخطئ، ولذلك لم يخل خروجهم عليه في عدالتهم وتقواهم، فلم يتطرق بذلك خلل في أخذ الدين عنهم، ﵃. ولنفرض أن بعضهم كمعاوية كما يقول الشيعة وبعض الجهلة الفساق من غيرهم
[ ١٦٩ ]
بناء على ما قرءوه في التواريخ الكاذبة إنما حارب عليا لأغراضه النفسية وشهواته الدنيوية. فنحن نسلم لهم ذلك جدلا ونقول: هو بشر وليس بمعصوم، ولكن هذا المقدار لا يكفره، وإنما يجعله عاصيا ﴿والله غفور رحيم﴾ وله حسنات كثيرة عظيمة في خدمة الدين وصحبة سيد المرسلين وجهاده معه - ﷺ -، وفي مدة خلفائه الراشدين ومرابطته ومجاهدته في بلاد الشام أيام أبي بكر وعمر وعثمان، ثم بعد أن تم الأمر له اشتغل بالغزو والجهاد وفتح كثيرا من البلاد حتى وصلت جيوشه القسطنطينية. أترى أن الله تعالى مع كرمه وعدله ينسى له كل هذه الحسنات لأجل خطئه في محاربة علي. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١) وقال - ﷺ - «أتبع السيئة الحسنة تمحها» فيلزم كل مسلم أن ينصف ويعتقد أن معاوية أساء غاية الإساءة بمحاربة علي وأنه أحسن كل الإحسان بالإيمان بالله ورسوله وصحبته والجهاد معه ومع خلفائه الراشدين وحينما أفضى إليه الأمر بحق أو بباطل، فإنه ولو كان مبطلا في
_________________
(١) هود: ١١٤
[ ١٧٠ ]
الطريق التي توصل بها إلى عمل الحسنات بعد رسوله إلى مقصوده لا يجعل باطله ذلك تلك الحسنات سيئات، فإن السيئة في نفسها سيئة، والحسنة في نفسها حسنة، وكرم الله تعالى يقتضي العفو عن السيئات والمكافأة على الحسنات. ثم إن هذا الرجل -أعني معاوية- قد آذى عليا أعظم الأذى فلعلي عليه أكبر الحق، وعدل الله تعالى يقتضي الاقتصاص له ممن آذاه يوم القيامة، وقد صح في الحديث أنه يؤخذ يوم القيامة من حسنات المسيء وتعطى للمساء إليه، فإذا فرغت الحسنات أو لم تكن يؤخذ من سيئات المساء إليه وتلقى على المسيء ويلقى في النار، أما السيئات فلا نعتقد أن لعلي سيئة غير مغفورة، فإنه من أكابر أهل بدر الذين قال رسول الله - ﷺ - في شأنهم: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وأما الحسنات فعلي لا يحتاج في ذلك اليوم إلى حسنات معاوية حتى يأخذ منها شيئا، ولو كشف الحجاب واطلعنا على الحقيقة لرأينا -والله أعلم- أن معاوية مع جلالة قدره هو بالنسبة إلى علي بمترلة شرطي فقير حقير وعلي بمترلة ملك غني عظيم، أترى الملك الغني
[ ١٧١ ]
العظيم يرضى أن يقتص له من الشرطي الفقير ويأخذ شيئا من ماله في مقابلة إساءته إليه؟ حاشا وكلا، لا يتصور ذلك عاقل.
هذا مع أنك إذا نسبت معاوية إلى من بعده ممن لم يحز فضل صحبة رسول الله - ﷺ - لوجدته بمترلة الملك العظيم، وذلك الرجل الذي يحوز فضل الصحبة مهما كان كبيرا بالنسبة إليه بمترلة الشرطي الفقير. ومعاوية مع فضل الصحبة له حسنات كثيرة لا تعد ولا تحد من أجلها جهاده في سبيل الله إما بنفسه وإما بجيوشه حتى فتحت بلاد كثرة وصارت دار إسلام بعد أن كانت دار كفر. وبسببه دخل إلى الإسلام ألوف ألوف كثيرة ممن أسلموا على يده ويد جيوشه ومن ذراريهم إلى يوم القيامة، فله مثل حسناتهم أجمعين. وقال - ﷺ -: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة».
وها أنا أذكر لك شيئا تتحقق معه أن عليا يعفو عن معاوية يوم القيامة بلا شك، إذ لا يبقى في نفوس المؤمنين فضلا عن أكبر أكابرهم وأعظم أئمتهم مثل علي حقد إذ ذاك. قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ
[ ١٧٢ ]
مُتَقَابِلِينَ﴾ (١) وقد صح عنه ﵁ أنه قال: والله إني لأرجو أن أكون أنا والزبير وطلحة ممن قال الله فيهم ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ وقد ذكر سيدي عبد الوهاب الشعراني في المنن الكبرى عن نفسه أنه يشفع يوم القيامة في أعدائه قبل أحبابه إظهارا للفتوة. ونقل مثل ذلك عن سيدي محيي الدين بن العربي. أترى أن عندهما من الفتوة أكثر مما عند أبي الحسن ﵁ وكرم الله وجهه؟ حاشا ثم حاشا، وما المناسبة بينهما وبينه. ولا ريب أن عفوه عن معاوية وحزبه من المؤمنين يسر رسول الله - ﷺ - لكونهم بمترلة أولاده في الشفقة، فلو لم يكن إلا هذا السبب لكفى في حمل علي على العفو عنهم بل والشفاعة لهم.
ولكن أنت أيها الرجل تطالع التأريخ، فترى تلك الأعمال الفظيعة المنسوبة إلى معاوية وحزبه في شأن علي، فيحملك الغيظ على كراهتهم، وتتصور أنك لو عمل معك أحد مثل ذلك العمل لا تعفو عنه أبدا، وتقيس عليا على نفسك فتظن أنه هو أيضا لا يعفو أبدا. فقد أخطأت بذلك خطأ عظيما. أين أنت من
_________________
(١) الحجر: ٤٧
[ ١٧٣ ]
علي؟ أين الصعلوك من الملوك؟ بل أين الشياطين من الملائكة؟ لا تقسه على نفسك، رحمك الله، وقدر أنه لو كان ملء الأرض مثل معاوية، وكلهم اجتمعوا على إساءة أبي الحسن لا يعظم على سعة بحر مكارمه أن يفيض عليهم عفوه عن إسائتهم إليه، ولا يؤاخذهم بتعديهم عليه، شأن الكريم العظيم الذي لا يتنازل للانتقام من عدوه، ولا سيما إذا كان عدوه غير كفء له كمعاوية. بل والله الذي أعتقده وأجزم به أنه لو أساء إليه أهل الأرض جميعا لعفا عنهم، لا سيما والعفو هو الذي يرضي الله ورسوله. قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
فصل (في أن عمرو بن العاص له من العذر ما لمعاوية)
وأما عمرو بن العاص ﵁: فهو مثل معاوية في جميع ما قدمته، بل هو أفضل منه لأنه أسلم قبل الفتح وهاجر إلى النبي - ﷺ - مع خالد بن الوليد. فقابله - ﷺ - مقابلة حسنة وأمره على جيش فيه أبو بكر وعمر، وكان من أجلاء الصحابة وعقلائهم المنظور إليهم في عهد رسول الله - ﷺ -. فمهما تقدم في شأن معاوية وكثرة فضله بالنسبة إلى من بعده
[ ١٧٤ ]
من غير الصحابة نقوله في حق عمرو بن العاص، وزيادة أنه أفضل منه. قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ وتأمل قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ تجد معاوية وأباه وأخاه وغيرهم ممن أسلموا بعد الفتح داخلون في هذا الوعد من الله تعالى بالحسنى، فضلا عن غيرهم ممن أسلموا قبل الفتح كعمرو بن العاص وكثير من بني أمية الذين كانوا مع معاوية، وفضلا عمن هم خير منهم من السابقين للإسلام والمبشرين بالجنة كعائشة وطلحة والزبير، وفضلا عمن هم خير من هؤلاء، وهم أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين. فهؤلاء جميعهم وعدهم الله الحسنى، وهي الجنة. وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾.
فصل (في بيان أن من أحب عليا وكره مخالفيه هل يثاب أم يعاقب)
فإن قلت: هل يؤاخذ من أحب عليا وكره مخالفيه؟ قلت: يثاب على محبته ويؤاخذ أشد المؤاخذة على كراهتهم إلا أن يكره وصف بغيهم عليه ومحاربتهم إياه لخطئهم وإصابته، كما يكره صدور فعل قبيح من أبيه أو ابنه
[ ١٧٥ ]
أو ممن يحب. فإن خروجهم عليه وإن كان باجتهاد منهم فقد ظهر ظهور الشمس خطؤهم فيه، فيكره وقوع ذلك الخطأ منهم لا أنه يكرههم أنفسهم. كما أن بعضهم لما ظهر له خطؤه ترك محاربته كما وقع للزبير ﵁ فإنه لما ظهر له أنه مخطئ بذلك ترك الحرب وانصرف من المعركة ولم يصر على خطئه. وقد ظهر لنا معاشر الأمة خطأ جميعهم في ذلك فنكره منهم ذلك الخطأ، ولا يجوز لنا أن تتعدى كراهتنا إلى ذواتهم الشريفة ككراهة العدو الذي يتمنى هلاك عدوه على كل حال، بل نحبهم كمحبتنا إلى آبائنا وأبنائنا أو أشد لأوصافهم الجميلة التي لا تعد ولا تحصى، وأعظمها الإيمان بالله ورسوله وصحبتهم للنبي - ﷺ - ومجاهدتهم معه في سبيل الله وتأييدهم دين الله ونصرتهم إياه - ﷺ - في الشدة والرخاء ومعاداتهم لأجله أعداءه وأعداء دينه من البعداء والأقرباء حتى الآباء والأبناء فضلا عن غيرهم. فهذه الأوصاف الجميلة إذا لم نحبهم لأجلها فلسنا مسلمين حقيقة، وإذا أحببناهم لأجلها فقد أرضينا الله تعالى ورسوله
[ ١٧٦ ]
والمؤمنين، وفي مقدمتهم سيدنا علي وسائر أهل البيت الطيبين الطاهرين، رضي الله تعالى عنهم وعن أصحاب رسول الله أجمعين.
ولا يخفى أن عصمة النبيين غير متفق عليها عند جميع الفرق الإسلامية. بل قال بعض الخوارج والمعتزلة بعدم عصمتهم في سوى التحريف والخيانة بالتبليغ، فهم معصومون منهما بالإجماع صلوات الله عليهم لظواهر الآيات والأحاديث الواردة بارتكابهم بعض الذنوب، وإن كان المحققون من أئمة العلماء أهل السنة والشيعة أيضا متفقين على عصمتهم من جميع الذنوب الكبائر والصغائر قبل النبوة وبعدها، وأوّلوا جميع ما ورد في حقهم من ذلك. نعم مذهب جمهور أهل السنة عدم عصمتهم من الذنوب قبل النبوة، ويحملون معظم ما ورد من ذلك في حقهم على وقوعه منهم قبل النبوة. ولا شك أن الصحابة ليسوا بأعلى مقاما من الأنبياء قبل النبوة، فيجوز عليهم ما جاز عليهم. ومهما عظم خطأ من أخطأ منهم بالخروج على علي ﵁ وعنهم فهو لا يتعاظم عفو الله تعالى ورحمته التي وسعت كل شيء، فهي لا تضيق عنهم. ولا ينكر
[ ١٧٧ ]
عاقل منصف من المسلمين وغيرهم ما لهم ﵃ من كثرة الفضائل والمحاسن التي لا تعد ولا تحد، ومهما ادعوا لأنفسهم أو ادعى لهم محبوهم من علو المقام بصحبة خير الأنام، فتلك الدعاوي عند كل مؤمن منصف صحيحة مسلمة لا تجحد ولا ترد. وهل يقول مسلم سليم الدين والقلب إن كثرة تلك المحاسن لا تقوى على محو ذلك الذنب، حاشا وكلا وأهلا بمحبتهم وسهلا.
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع
وقد أطلت لك الكلام يا أخي ونوعت لك أساليب الإقناع لأخفف عنك ما تجده في نفسك من شدة الغيظ على معاوية ومن كان على شاكلته كلما طالعت تأريخا فيه تلك الوقائع التي أضرت بعموم الأمة المحمدية من السابقين واللاحقين في دينهم ودنياهم. فخفف يا أخي عليك ولا تجعل للشيطان عليك سبيلا، والزم الأدب مع من هم أعظم وأجل وأفضل وأتقى لله تعالى منك بألف ألف ألف على عدد الأنفاس مرات. واجتنب مطالعة هذه الوقائع وذكرها والخوض فيها فإن ذلك حرام لما
[ ١٧٨ ]
يترتب عليه من الوقوع في بعضهم. وكثير من تلك العبارات المنفرة مكذوبة مختلقة لا أصل لها. وتأدب يا أخي بآداب الله تعالى التي علمنا إياها في كتابه العزيز، وقل ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
هذا العمل غير مكتمل. تستطيع المساعدة بإضافة الصفحات الناقصة. انظر صفحات المساعدة ودليل الأسلوب.
[ ١٧٩ ]