الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا، كما يحب ربنا ويرضى، وبعد وفي نهاية هذا البحث، وبعد أن انتهيت من رحلتي بين أبوابه وفصوله، خلصت إلى نتائج أجملها فيما يلي:
١ - أن لدراسة ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها أهمية بالغة، إذ لا يمكن فهم مراد الآخرين، دون أن نعلم ما يريدونه بألفاظهم واصطلاحاتهم.
٢ - أن أهل السنة والجماعة قد اعتمدوا في مصادرهم لألفاظ العقيدة، ومصطلحاتها، نبعًا أصيلًا هو كتاب الله، وسنة رسوله - ﷺ -، كما اعتمدوا على لغة العرب، والآثار الواردة عن السلف.
٣ - يلتزم أهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها بألفاظ الشرع، ومعاني اللغة ودلالاتها، كما يتجنبون الألفاظ البدعية، والمجملة، ويستفصلون السائل عن مراده بها، كما يتجنبون التشبه بغير المسلمين في ألفاظهم ومصطلحاتهم.
٤ - أن المخالفين لأهل السنة من فلاسفة ومتكلمين، يعتمدون على العقل في مصطلحاتهم العقدية، كما يأخذون من الفلسفة اليونانية، والمنطق الأرسطي، ويأخذون من الديانات والملل الأخرى، بعض مصطلحاتهم، كما يأخذون من الكشف أيضًا.
٥ - أن المخالفين لأهل السنة في ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها لا يلتزمون بألفاظ الشرع، ولا بمعاني اللغة ودلالاتها، ويعملون المجاز والتأويل فيها، ويستعملون ألفاظًا مبتدعة، ومجملة، لا يدرى ما مرادهم بها، إلا بعد السؤال والاستفصال، كما يتشبهون بغير المسلمين في ألفاظهم واصطلاحاتهم.
٦ - أن الاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة، فلم تخالف اللغة والشرع.
٧ - أن الحد يفيد تمييز المحدود عن غيره، لا تصوير حقيقته، وهذا خلاف قول الفلاسفة.
٨ - أنه لا يوجد لأهل السنة معجم مصطلحي شامل لألفاظ العقيدة ومصطلحاتها، يُعنى ببيان معانيها، ويبين مستندها الشرعي، ويوضح وجه غلط الآخرين فيها، فكثير من
[ ٤٦٦ ]
المؤلفات في مصطلحات العقيدة كانت وفق معايير الفلاسفة، والمتكلمين، والصوفية، باستثناء الألفاظ التي يتفقون فيها.
٩ - أن أهل الكلام والفلاسفة أدخلوا في أسماء الله ما ليس منها؛ كلفظ القديم، والموجود، والواجب، ونحوها، وهذه الألفاظ قد يخبر بها عن الله، كما سموه بما لا يصح إطلاقه عليه - سبحانه - كالموجب بالذات، والعلة، ونحوها.
١٠ - أن بعض صفات الربوبية الفعلية؛ كلفظ الخلق، والرزق، والإحياء والإماتة، ونحوها، عرفها المتكلمون بما هو قريب في اللفظ من تعريف أهل السنة، وإن كانوا يجعلونها بائنة عن ذات الرب غير قائمة فيه، ولا تحقق معنى يعود على الذات.
١١ - أن الفلاسفة والمتكلمين أطالوا في الاستدلال لتوحيد الربوبية، وكثير من أدلتهم لم يكن موصلًا للمطلوب، بل وبعضها باطل الدلالة، وكانت بعض مصطلحاتهم في هذه الأدلة محدثة، تحمل معاني باطلة، وما صح من أدلتهم كان فيه إطالة لا داعي لها.
١٢ - أن هناك مصطلحات كثيرة، يستعملها الفلاسفة في توحيد الربوبية، تحمل معنى شركيًا، كمصطلح القدم، والحدوث، والعلة، والعقل، والنفس، والفيض، والصدور، ونحوها.
١٣ - أن هناك مصطلحات بدعية يستعملها الصوفية للدلالة على المرتبة في الولاية، أو على المنازل التي يمر بها الولي، وهي تقدح في توحيد الربوبية، بل تدل على الشرك فيه، كلفظ القطب والغوث والفناء ونحوها.
١٤ - أن هناك كتبًا كثيرة للمتقدمين من أهل العلم، اعتنت بالمصطلحات العقدية، وقد خدمت الباحثين كثيرًا، ولكن يلاحظ قصورها عن بيان معاني ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها عند أهل السنة، وعدم نقد التعريفات التي تحوي معاني باطلة، مما يؤكد ضرورة العمل في هذا المجال، وإيجاد موسوعة مصطلحات لأهل السنة تبين معاني ألفاظ العقيدة ومصطلحاتها عندهم، وموقفهم من تحريف المتكلمين لها.
[ ٤٦٧ ]
ولذلك علينا جميعًا الإسهام في التشجيع على الدراسات المصطلحية، وتقديم المقترحات التي تنهض بهذا العلم وفق منهج أهل السنة والجماعة، ونشر هذه الدراسات لأن الطرف الآخر مغيب عنها.
هذه خلاصة نتائج هذا البحث، وقد بذلت فيه ما بوسعي، والنقص من طبيعة البشر، وآمل أن أكون قد وضعت من خلال هذا البحث لبنة في علم المصطلحات العقدية، وهو بحاجة إلى لبنات أخرى ليكتمل هذا العلم وفق منهج أهل السنة والجماعة. والله - تعالى - أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[ ٤٦٨ ]