قال الله ﵎: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا) من الآية (٥٥ /٢٤)، وقال تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتو الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر) من الآية (٤١ /٢٢)، وأثنى الله تعالى على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، وعلى أهل بيعة الرضوان، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار ﵃ أجمعين في مواضع كثيرة، وأثنى على أهل بيعة الرضوان فقال تعالى
[ ٢٥١ ]
: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) من الآية (١٨ /٤٨) الآية، وقد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق ﵁ وسموه خليفة رسول الله ﷺ وبايعوه وانقادوا له، وأقروا له بالفضل، وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي، وسياسة الأمة وغير ذلك.
دليل آخر من القرآن على إمامة أبي بكر الصديق ﵁
دليل آخر من القرآن على إمامة الصديق ﵁:
وقد دل الله تعالى على إمامة أبي بكر الصديق ﵁ في سورة براءة فقال تعالى للقاعدين عن نصرة نبيه ﷺ والمتخلفين عن الخروج معه
[ ٢٥٢ ]
: (فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) من الآية (٨٣ /٩)، وقال تعالى في سورة أخرى: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله) من الآية (١٥ /٤٨) يعني قوله: (لن تخرجوا معي أبدا) من الآية (٨٣ /٩)، ثم قال تعالى: (كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) من الآية (١٥ /٤٨)، وقال تعالى: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا) من الآية (١٦ /٤٨) يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم إلى قتالهم (كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما) من الآية (١٦ /٤٨)
[ ٢٥٣ ]
والداعي لهم إلى ذلك غير النبي ﷺ الذي قال الله ﷿ له: (قل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) من الآية (٨٣ /٩)، وقال تعالى في سورة الفتح: (يريدون أن يبدلوا كلام الله) من الآية (١٥ /٤٨) فمنعهم الخروج مع نبيه ﷺ وجعل خروجهم معه تبديلا لكلامه، فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه ﷺ، وقد قال الناس: هم أهل فارس، وقالوا: أهل اليمامة، فإن كانوا أهل اليمامة فقد قاتلهم بعد نبيه ﷺ أبو بكر الصديق
[ ٢٥٤ ]
﵁، وإن كانوا الروم فقد قاتلهم الصديق أيضا، وإن كانوا أهل فارس فقد قوتلوا في أيام أبي بكر ﵁، وقاتلهم عمر ﵁ من بعده وفرغ منهم.
وإذا وجبت إمامة عمر ﵁ وجبت إمامة أبي بكر ﵁، كما وجبت إمامة عمر ﵁؛ لأنه العاقد له الإمامة، فقد دل القرآن على إمامة الصديق ﵁ والفاروق ﵁.
وإذا وجبت إمامة أبي بكر ﵁ بعد رسول الله ﷺ وجب أنه أفضل المسلمين.
دليل آخر من الإجماع على إمامة أبي بكر ﵁:
ومما يدل على إمامة الصديق ﵁ أن المسلمين جميعا بايعوه وانقادوا لإمامته، وقالوا له: يا خليفة رسول الله ﷺ.
[ ٢٥٥ ]
ورأينا عليا والعباس ﵄ بايعاه ﵁ وأقرا له بالإمامة، وإذا كانت الرافضة يقولون: إن عليا ﵁ هو المنصوص على إمامته، والراوندية تقول: العباس هو المنصوص على إمامته، ولم يكن للناس في الإمامة إلا ثلاثة أقوال:
من قال منهم: إن النبي ﷺ نص على إمامة أبي بكر الصديق ﵁، وهو الإمام بعد رسول الله ﷺ.
وقول من قال: نص على إمامة علي ﵁.
وقول من قال: الإمام بعده العباس.
وقول من قال: هو أبو بكر الصديق ﵁، هو بإجماع المسلمين والشهادة له بذلك.
ثم رأينا عليا ﵁ والعباس ﵁ قد بايعاه
[ ٢٥٦ ]
وأجمعا على إمامته، فوجب أن يكون إماما بعد النبي ﷺ بإجماع المسلمين.
ولا يجوز لقائل أن يقول كان باطن علي والعباس خلاف ظاهرهما، ولو جاز هذا لمدعيه لم يصح إجماع، وجاز لقائل أن يقول ذلك في كل إجماع للمسلمين.
وهذا يسقط حجة الإجماع؛ لأن الله تعالى لم يتعبدنا في الإجماع بباطن الناس، وإنما تعبدنا بظاهرهم، وإذا كان كذلك فقد حصل الإجماع والاتفاق على إمامة أبي بكر الصديق ﵁.
وإذا ثبتت إمامة الصديق ﵁، ثبتت إمامة الفاروق ﵁؛ لأن الصديق ﵁ نص عليه وعقد له الإمامة، واختاره لها.
وكان أفضلهم بعد أبي بكر ﵁.
وثبتت إمامة عثمان ﵁ بعد عمر ﵁ بعقد
[ ٢٥٧ ]
من عقد له الإمامة من أصحاب الشورى؛ الذين نص عليهم عمر ﵁، فاختاروه ورضوا بإمامته، وأجمعوا على فضله وعدله.
وتثبت إمامة علي ﵁ بعد عثمان ﵁ لعقد من عقدها له من الصحابة ﵃ من أهل الحل والعقد، ولأنه لم يدعها أحد من أهل الشورى غيره في وقته، وقد اجتمع على فضله وعدله، وأن امتناعه عن دعوى الأمر لنفسه في وقت الخلفاء قبله كان حقا؛ لعلمه أن ذلك ليس بوقت قيامه، وأنه قلما كان لنفسه في وقت الخلفاء قبله
[ ٢٥٨ ]
، ثم لما صار الأمر أظهر وأعلن ولم يقصر حتى مضى على السداد والرشاد، كما مضى من قبله من الخلفاء، وأئمة العدل من السداد والرشاد متبعين لكتاب ربهم وسنة نبيهم.
هؤلاء هم الأئمة الأربعة المجمع على عدلهم وفضلهم ﵃ أجمعين.
وقد روى شريح بن النعمان قال: ثنا حشرج بن نباته عن سعيد بن جمهان، قال ثني سفينة قال: قال رسول الله ﷺ: (الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك)، ثم قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان، ثم أمسك خلافة علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين،
[ ٢٥٩ ]
قال فوجدتها ثلاثين سنة.
فدل ذلك على إمامة الأئمة الأربعة ﵃ أجمعين.
فأما ما جرى من علي والزبير وعائشة ﵃ أجمعين، فإنما كان على تأويل واجتهاد، وعلي الإمام، وكلهم من أهل الاجتهاد، وقد شهد لهم النبي ﷺ بالجنة والشهادة، فدل على أنهم كلهم كانوا على حق في اجتهادهم، وكذلك ما جرى بين سيدنا علي ومعاوية ﵄، فدل على تأويل واجتهاد.
وكل الصحابة أئمة مأمونون غير متهمين في الدين، وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم، وتعبدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم، والتبري من كل من ينقص أحدا منهم ﵃ أجمعين.
وقد قلنا في الأبرار قولا وجيزا، والحمد الله أولا وآخرا.
تم كتاب الإبانة عن أصول الديانة، ولله الحمد
[ ٢٦٠ ]