قال المعترض: «أما بعد؛ فإن العبد لما وقف على الكلام المنسوب لابن تيمية المنقول عنه من نسخة فتياه ظهر لي- من صريح ذلك القول وفحواه- مقصده السيئ ومغزاه، وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها ودعواه أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها».
فيقال: هذا الكلام مع قلته فيه من الكذب الباطل، والافتراء ما يلحق صاحبه بالكذّابين المردودي الشهادة، أو الجهال البالغين في نقص الفهم والبلادة. وكان ينبغي له أن يحكي لفظ المجيب بعينه ويبين ما فيه من الفساد، وإن ذكر معناه فيسلك طريق الهدى والسداد. فأما أن يذكر عنه ما ليس فيه ولا يذكر ما فيه فهذا خروج عن الصدق والعدل إلى الكذب والظلم. وذلك أن الجواب ليس فيه تحريم زيارة القبور البتة، لا قبور الأنبياء والصالحين ولا غيرهم، ولا كان السؤال عن هذا، وإنما فيه الجواب عن السفر إلى القبور، وذكر قوليّ العلماء في ذلك.
والمجيب قد عرفت كتبه، وفتاويه مشحونة باستحباب زيارة القبور، وفي جميع مناسكه، يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد، ويذكر زيارة قبر النبيّ ﷺ إذا دخل مسجده، والأدب في ذلك، وما قاله العلماء، وفي نفس الجواب قد ذكر ذلك ولم يذكر قط أن زيارة القبور معصية، ولا حكاه عن أحد، بل كان يعتقد حين كتب هذا الجواب؛ أن زيارة القبور مستحبّة بالإجماع، ثم رأى بعد ذلك فيها نزاعا وهو نزاع مرجوح، والصحيح أنها مستحبة، وهو في هذا الجواب إنما ذكر القولين في السفر إلى القبور، وذكر أحد القولين أن ذلك معصية، ولم يقل إن هذا معصية محرمة مجمع عليها، لكن قال: إذا كان السفر إليها ليس للعلماء فيه إلا قولان: قول من يقول إنه معصية، وقول من يقول إنه ليس بمحرّم؛ بل لا فضيلة فيه وليس بمستحب، فإذن من اعتقد أن السفر لزيارة قبورهم أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك طاعة كان ذلك محرما بالإجماع. فهذا الإجماع حكاه لأن علماء المسلمين الذين رأينا أقوالهم اختلفوا في قوله: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام،
[ ٢١ ]
ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» «١». هل هو تحريم لذلك أو نفي لفضيلته على قولين، وعامة المتقدمين على الأول مع اتفاقهم على أن هذا يتناول السفر إلى القبور.
فإن الصحابة والتابعين والأئمة لم يعرف عنهم نزاع في أن السفر إلى القبور وآثار الأنبياء داخل في النهي، كالسفر إلى الطور الذي كلّم الله عليه موسى وغيره، وإن كان الله سمّاه الوادي المقدّس وسمّاه البقعة المباركة ونحو ذلك، فلم يعرف عن الصحابة نزاع أن هذا وأمثاله داخل في نهي النبيّ ﷺ عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، كما لم يعرف عنهم نزاع أن ذلك منهيّ عنه، وأن قوله: «لا تشدّ الرحال» نهي بصيغة الخبر، كما قد جاء في الصحيح بصيغة النهي، من حديث أبي سعيد الخدريّ عن النبي ﷺ قال: «لا تشدّوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» «٢». فالصحابة ومن تبعهم لم يعرف عنهم نزاع أن هذا نهي منه، فإن لفظه ﷺ صريح في النهي، ولم يعرف عنهم نزاع أن النهي متناول للسفر إلى البقاع المعظمة غير المساجد، سواء كان النهي عنها بطريق فحوى الخطاب، وأنه إذا نهى عن السفر إلى مسجد غير الثلاثة؛ فالنهي عن السفر إلى ما ليس بمسجد أولى، أو كان بطريق شمول اللفظ، فالصحابة الذين رووا هذا الحديث بينوا عمومه لغير المساجد، كما في الموطأ والمسند والسنن عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة:
من أين أقبلت؟ قال: من الطّور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج لما خرجت.
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تعمل المطيّ إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيليا»، أو قال: «بيت المقدس» «٣». وقال أبو زيد عمر بن شبّة النميري «٤»، في كتاب «أخبار المدينة النبوية» «٥»: حدّثنا هشام بن عبد الملك، حدّثنا عبد الحميد بن بهرام، حدّثنا شهر بن حوشب، سمعت أبا سعيد
_________________
(١) حديث صحيح متواتر، مروي عن جمع من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وغيرهم. وانظر تخريج الحديث في «إرواء الغليل» (٧٧٣).
(٢) أخرجه البخاري (١١٨٨، ١١٩٧، ١٨٦٤، ١٩٩٥) ومسلم (٨٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» ٥ - كتاب الجمعة. (٧) باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة (١/ ٦٨/ ١٦) وأحمد (٦/ ٧) والنسائي (٣/ ١١٤) بإسناد صحيح.
(٤) هو: عمر بن شبّة بن زيد النميري البصري، نزيل بغداد، ولد سنة ثلاث وسبعين ومائة، وتوفي سنة اثنتين وستين ومائتين. كان من رواة التاريخ والحفاظ للحديث. انظر «تاريخ بغداد» (١١/ ٢٠٨) و«سير أعلام النبلاء» (١٢/ ٣٦٩).
(٥) هذا هو الصواب في اسم الكتاب، لا كما جاء على لوحة الكتاب المطبوع «تاريخ المدينة» وقد حقّق هذا الشيخ بكر أبو زيد في «طبقات النسابين» ص ٦٦. والشيخ مشهور بن حسن آل سلمان في «كتب حذر منها العلماء» (١/ ٥٧).
[ ٢٢ ]
الخدريّ؛ وذكر عنده الصلاة في الطول فقال: قال رسول الله ﷺ: «لا ينبغي للمطيّ أن تشدّ رحالها إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» «١». فهذا فيه أنه رواه بلفظ مسجد، وبيّن أن النهي متناول للطور وإن لم يكن مسجدا بطريق الأولى، فإن الذين يقصدون الطور ومثله لا يقصدونه لأنه مسجد، بل ولم يكن هناك قرية يتخذ المسلمون فيها مسجدا، وبناء المسجد حيث لا يصلّى فيه بدعة، وإنما يقصدونه لشرف البقعة، فعلم أن النهي عن المساجد نهي عن غيرها بطريق الأولى. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «أحبّ البقاع إلى الله المساجد» «٢». فإذا كان قد حرم السفر إلى أحبّ البقاع إلى الله، غير الثلاثة؛ فما دونها في الفضيلة أولى أن ينهى عنه كما قال الصحابة، ومنهم أيضا ابن عمر.
قال أبو زيد: حدّثنا ابن أبي الوزير، حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طلق، عن قزعة قال: أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور. فقال: «إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى، فدع عنك الطور فلا تأته».
لكن طائفة من المتأخرين قالوا: ليس هذا نهيا بل هو نفي لاستحباب السفر إلى غير الثلاثة ونفي لوجوب السفر بالنذر إلى غير الثلاثة. وهؤلاء يقولون: إن الحديث عام في السفر إلى قبور الأنبياء وآثارهم وغير ذلك.
وقال ابن حزم الظاهري: السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة حرام. وأما السفر إلى آثار الأنبياء فذلك مستحبّ، ولأنه ظاهريّ لا يقول بفحوى الخطاب وهو إحدى الروايتين عن داود الظاهري؛ فلا يقول إن قوله: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ [الإسراء: ٢٣] يدل على النهي عن الضرب والشتم، ولا أن قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء: ٣١]. يدل على تحريم القتل مع الغنى واليسار، وأمثال ذلك مما يخالفه فيه عامة علماء المسلمين، ويقطعون بخطإ من قال مثل ذلك، فينسبونه إلى عدم الفهم ونقص العقل، ومع هذا فلم أجده ذكر ذلك إلا في آثار الأنبياء لا في القبور.
وأما السفر إلى مجرد زيارة القبور؛ فما رأيت أحدا من علماء المسلمين قال إنه مستحب، وإنما تنازعوا هل هو منهي عنه أو مباح، وهذا الإجماع والنزاع لم يتناول المعنى الذي أراده العلماء بقولهم: يستحبّ زيارة قبر النبي ﷺ، ولا إطلاق القول بأنه
_________________
(١) الحديث أخرجه أحمد (٣/ ٦٤، ٩٣) من طريق: عبد الحميد بن بهرام الحماني، حدّثني شهر بن حوشب، قال: سمعت أبا سعيد الخدري .. وذكره. وإسناده ضعيف، عبد الحميد الحماني وشهر بن حوشب فيهما كلام. لكن الحديث له شواهد يصحّ بها، انظرها في «إرواء الغليل» (٧٧٣).
(٢) أخرجه مسلم (٦٧١) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها».
[ ٢٣ ]
يستحب السفر لزيارة قبره كما هو موجود في كلام كثير منهم، فإنهم يذكرون الحج ويقولون يستحب للحاج أن يزور قبر النبي ﷺ.
ومعلوم أن هذا إنما يمكن مع السفر، لم يريدوا بذلك زيارة القريب، بل أرادوا زيارة البعيد، فعلم أنهم قالوا يستحب السفر إلى زيارة قبره؛ لكن مرادهم بذلك هو السفر إلى مسجده، إذ كان المصلون والزوار لا يصلون إلا إلى مسجده لا يصل أحد إلى قبره ولا يدخل إلى حجرته.
ولكن قد يقال: هذا في الحقيقة ليس زيارة لقبره، ولهذا كره من كره من العلماء أن يقال زرت قبره، ومنهم من لم يكرهه. والطائفتان متّفقون على أنه لا يزار قبره كما تزار القبور بل إنما يدخل إلى مسجده. وأيضا فالنية في السفر إلى مسجده وزيارة قبره مختلفة. فمن قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه فهذا مشروع بالنص والإجماع، وإن كان لم يقصد إلا القبر، لم يقصد المسجد فهذا مورد النزاع، فمالك والأكثرون يحرمون هذا السفر، وكثير من الذين يحرمونه لا يجوّزون قصر الصلاة فيه. وآخرون يجعلونه سفرا جائزا وإن كان غير مستحب ولا واجب بالنذر.
وأما من كان قصده السفر إلى مسجده وقبره معا فهذا قد قصد مستحبا مشروعا بالإجماع، وهذا لم يكن في الجواب تعرض لهذا والجواب في السؤال كان عمن سافر لا يقصد إلا زيارة القبور لا يقصد سفرا شرعيا كالسفر إلى مكة وإلى مسجد النبيّ ﷺ والمسجد الأقصى. ولم يكن السؤال ولا الجواب عمّن سافر إلى مسجد النبي ﷺ، وإن قصد مع ذلك السفر إلى قبره، فإن هذا لم تجمع العلماء على أنه سفر غير مستحب، بل أصحاب أحمد لهم في- المسافر إلى القبور هل يقصر الصلاة- أربعة أوجه: قيل: يقصر مطلقا، وقيل: لا يقصر مطلقا، وقيل: لا يقصر إلا إلى قبر نبينا ﷺ، وقيل: إلى قبور الأنبياء مطلقا.
فهذان الوجهان من لم يعرفهما تخبّط في هذه المسائل، فيعرف العمل الممكن المشروع والقصد في ذلك ليظهر له الفرق بين الرسول وبين غيره من جهة الفعل والقصد، فإن السفر المسمى زيارة له إنما هو سفر إلى مسجده.
وقد ثبت بالنص والإجماع أن المسافر ينبغي له أن يقصد السفر إلى مسجده والصلاة فيه، وعلى هذا قد يقال: نهيه عن شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة لا يتناول شدها إلى قبره، فإن ذلك غير ممكن، فلم يبق إلا شدها إلى مسجده، وذلك مشروع بخلاف غيره، فإنه يمكن زيارته فيمكن شد الرحل إليه، لكن يبقى قصد المسافر ونيته ومسمى الزيارة في لغته، هل قصده مجرد القبر أو المسجد أو كلاهما؟
كما قال مالك لمن سأله عمن نذر أن يأتي إلى قبر النبي ﷺ؟ فقال: إن كان أراد مسجد النبي ﷺ فليأته وليصلّ فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء:
[ ٢٤ ]
«لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». فهذا السائل من عرفه أن لفظ زيارة قبر النبي ﷺ يتناول من أتى المسجد وكان قصده القبر ومن أتاه وقصده المسجد، وهذا عرف عامة الناس المتأخرين يسمون هذا كله زيارة لقبره، ولم يكن هذا لغة السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، بل تغير الاصطلاح في مسمى اللفظ والمقصود به، وهو ﷺ لا يشرع للقريب من زيارته ما نهى عنه المسافر الذي يشدّ الرحل بخلاف غيره، فلا يقال: إن زيارته بلا شدّ رحل مشروعة ومع شد الرحل منهي عنها، كما يقال في سائر المشاهد وفي قبور الشهداء وغيرهم من أموات المسلمين، إذ لم يشرع للمقيمين بالمدينة من زيارته ما ينهى عنها المسافرون، بل جميع الأمة مشتركون فيما يؤمرون به من حقوقه حيث كانوا، بل قد قيل: إن الأمر بالعكس، وإنه يستحب للمسافر من السلام عليه والوقوف على قبره ما لا يستحب لأهل البلد، وإذا كان لا يمكن إلا العبادة في مسجده، فهذا مشروع لمن شدّ الرحل، ومن لم يشده تبقى النية كما ذكر مالك، وهذه النية التي يقصد صاحبها القبر دون المسجد قد نص مالك وغيره على أنها مكروهة لأهل المدينة قصدا وفعلا فيكره لهم كلما دخلوا المسجد أو خرجوا منه أن يأتوا القبر. وقد ذكر مالك أن هذا بدعة لم يبلغه عن أحد من السلف ونهى عنها، وقال: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها». فالذي يقصد مجرد القبر ولا يقصد المسجد خالف الحديث والإجماع، فإنه قد ثبت عنه في الصحيح أن السفر إلى مسجده مستحب وأن الصلاة فيه بألف صلاة «١». واتّفق المسلمون على ذلك وعلى أن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام. وقال بعضهم إنه أفضل من المسجد الحرام، ومسجده يستحب السفر إليه، والصلاة فيه مفضّلة لخصوص كونه مسجد الرسول ﷺ الذي بناه هو وأصحابه وكان يصلّي فيه هو وأصحابه، فهذه الفضيلة ثابتة للمسجد في حياة الرسول ﷺ قبل أن يدفن في حجرة عائشة، وكذلك هي ثابتة بعد موته، ليست فضيلة المسجد لأجل مجاورة القبر، كما أن المسجد الحرام مفضّل لا لأجل قبر؛ وكذلك المسجد الأقصى مفضّل لا لأجل قبر؛ فكيف لا يكون مسجد الرسول ﷺ مفضّل لا لأجل قبر؟
فمن ظنّ أن فضيلته لأجل القبر أو أنه إنما يستحب السفر إليه لأجل القبر، فهو جاهل مفرط في الجهل مخالف لإجماع المسلمين، ولما علم من سنة سيد المرسلين ﷺ، وهذا تنقّص بالرسول وبقوله ودينه، مكذب له فيما قاله، مبطل لما شرعه وإن ظن أنه يعظمه، كما أن النصارى يكذبون كثيرا مما أخبر به المسيح عن ربه ﷿ ودينه، ويظنون أن ذلك تعظيما له ولدينه، وإنما تعظيم الرسل بتصديقهم فيما أخبروا
_________________
(١) انظر «صحيح مسلم» رقم (١٣٩٤).
[ ٢٥ ]
به عن الله، وطاعتهم فيما أمروا به، ومتابعتهم ومحبتهم وموالاتهم، لا التكذيب بما أرسلوا به، والإشراك بهم والغلوّ فيهم، بل هذا كفر بهم وطعن فيهم ومعاداة لهم.
[من قصد السفر إلى المدينة فليقصد السفر إلى المسجد]
والمقصود أن كل من قصد السفر إلى المدينة فعليه أن يقصد السفر إلى المسجد والصلاة فيه، كما إذا سافر إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وإذا قصد السفر إلى القبر دون المسجد وجعل المسجد لا يسافر إليه إلا لأجل القبر، واعتقد أن السفر إليه تبع للقبر كما يسافر إلى قبور سائر الصالحين ويصلي في مساجد هناك، فمن جعل السفر إلى مسجد الرسول ﷺ وقبره كالسفر إلى قبور هؤلاء المساجد التي عندهم، فقد خالف إجماع المسلمين وخرج عن شريعة سيد المرسلين، وما سنه لأمته الغرّ الميامين، بخلاف الذي قصد المسجد. وإلا فمن جهة العمل لا يمكن أحدا أن يفعل عند قبره لا سنة ولا بدعة، إنما يفعل ذلك في المسجد، فمن فعل فيه سنة حمد عليها وأجر عليها، ومن فعل فيه بدعة ذمّ ونهي عنها، ففي الصحيحين عنه أنه قال: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» «١».
والله سبحانه قد فرق بين قبر رسوله وقبر غيره، فإنهم دفنوه بالحجرة لم يبرزوا قبره كما كانوا يبرزون قبورهم خوفا أن يتخذ مسجدا، ثم إنهم منعوا الناس من زيارته كما يزورون القبور، فلم يكونوا يمكنون الناس من الدخول إلى قبره لزيارته، ثم إنهم سدوا باب الحجرة وبنوا عليها حائطا آخر، فلم يبق أحد متمكنا من زيارته كما تزار القبور.
ولهذا لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بهذا الاسم في حقه، فقال:
تستحبّ زيارة قبره أو لا تستحب أو نحو ذلك، ولا علق بهذا الاسم حكما شرعيا.
وقد كره من كره من العلماء التكلم به، وذلك اسم لا مسمى له ولفظ لا حقيقة له، وإنما تكلّم به من تكلّم من المتأخرين، ومع هذا فلم يريدوا به ما هو المعروف من زيارة القبور، فإنه معلوم أن الذاهب إلى هناك إنما يصل إلى مسجده، ليس هناك زيارة تفعل في غير مسجده، ولو قدّر أنه وقف في الطريق من جهة المشرق وفعل ما فعل لم يكن هناك سنة عند أحد من العلماء، وإذا كان لا بدّ للزائر من المسجد فالمسجد نفسه يشرع إتيانه سواء كان القبر هناك أو لم يكن، وكل ما يشرع فيه من العبادات فإنه مشروع سواء كان القبر هناك أو لم يكن، وسواء تعلق بالرسول كالصلاة والسلام عليه وسؤال الله له الوسيلة والثناء عليه والمحبة والتعظيم والتوقير وغير ذلك من حقوقه ﷺ، أو لم يتعلق بالرسول كالصلاة والاعتكاف، مع أنه لا بد في ذلك من ذكر
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٨٧٠) ومسلم (١٣٧٠).
[ ٢٦ ]
الرسول بالشهادة له والسلام عليه وكذلك الصلاة عليه، وهذه العبادات وغيرها وحقوقه وغير حقوقه هي مشروعة في جميع المساجد وإن لم يكن هناك قبره بل في جميع البقاع إلا ما استثناه الشرع.
وإذا كان السفر الذي يسمى زيارة لقبره إنما هو سفر إلى مسجده لا إلى غيره، وكان ما شرع فيه مشروعا في ذلك المسجد وفي غيره، وإن لم يكن القبر هناك لم يكن شيء من ذلك مشروعا لأجل القبر ولا مختصا بها.
وأما ما يفعله بعض الناس من البدع المختصّة بالقبر فذلك ليس بمشروع بل هو منهيّ عنه.
فتبيّن أنه ليس في الشريعة عمل يسمّى زيارة لقبره، وأن هذا الاسم لا مسمّى له، والذين أطلقوا هذا الاسم إن أرادوا به ما يشرع فالمعنى صحيح، لكن عبروا عنه بلفظ لا يدل عليه، ولهذا كره من كره أن يقال لمن سلم عليه هناك زرت قبر النبي ﷺ، وإن أرادوا ما لا يشرع فذاك المعنى خطأ مفهوم ومع هذا فليس هو زيارة، فلو قدّر أن بعض الناس أشرك في مسجده به، واتخذه إلها، وسجد للقبر وطاف به سبعا واستلمه وقبله، لم يكن شيء من ذلك زيارة لقبره، وإن كان محرّما فهذا لفظ لا حقيقة له. بل يقال لمن أطلقه: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ [النجم: ٢٣].
وهذا بخلاف قبر غيره فإنه ليس على الناس من حقوقه في سائر البقاع ما عليهم من حق النبي ﷺ ولا أمروا أن يصلوا عليهم ويسلموا عليهم حيث كانوا كما أمروا بذلك في حق الرسول ﷺ مع أنهم حيث صلوا وسلموا عليه بلغه صلاتهم وسلامهم، لا يختص بيته بذلك، كما جاءت بذلك الأحاديث. وغيره يستحب أن يزار فيوصل إلى قبره فيدعى له. والصلاة على القبر مشروعة لمن لم يصل على الميت عند أكثر العلماء كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، وهم متنازعون: إلى كم يصلي على القبر، وأحد القولين في مذهب الشافعيّ وأحمد أنه يصلي عليه أبدا.
واتفقوا على أن قبر النبي ﷺ لا يصلى عليه كما لم يصلّ عليه أحد من المسلمين بعد أن دفن، فهذا لعلوّ قدره لا لخفضه عن غيره، فإنه قد شرع في حقه من الصلاة والسلام عليه في كل مكان ما هو أعظم من الصلاة عليه عند القبر، والصلاة عليه عند القبر يخاف فيها أن يتّخذ قبره وثنا وعيدا. والرسول ﷺ ينبغي أن تكون محبة المؤمن له وتعظيمه له وصلاته وسلامه عليه وسائر حقوقه موجودا معه في جميع البقاع لا يختص القبر بشيء من حقوقه، فمن خصّ القبر بشيء من حقوقه وقصر فيه عند غير القبر فهو مقصر في حق الرسول ﷺ مريد لما نهى عنه من اتخاذ قبره عيدا، وذلك يفضي إلى أن يقصر الناس في حقوقه في سائر البقاع، وكذلك ما يفعل عند قبر
[ ٢٧ ]
غيره من الزيارة، وعند قبره ليس بمأمور ولا مقدور لعلوّ قدره واختصاصه بما ميزه الله على غيره ﷺ كما خص بأن دفن في الحجرة ولم يبرزوا قبره.
فتبين أن ما في الجواب من قول المجيب السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء، هل هو محرم أم مباح؟ ونحو ذلك لا يتناول قبر النبي ﷺ إلا بالنية فقط كما قال مالك، وإلا فذلك أمر ليس بمقدور. وما ليس بمقدور فهو بالضرورة ليس بمشروع ولا مأمور به.
وأما السفر المشروع إلى هناك فهذا لا يدخل في هذا اللفظ قطعا فإنه ليس سفرا لمجرد زيارة قبره لا من جهة الفعل ولا من جهة القصد. ومما يبين هذا أن جميع من يسافر لزيارة قبره إنما يصل إلى مسجده ويصلي فيه، لكن من الذين يسافرون إلى هناك من لا يعلم أن الدخول هو إلى المسجد وأن القبر محجوب، ومنهم من قد عرف ذلك لكن قد يظن أن المسجد بني لأجل القبر كما يبنى على بعض القبور مساجد لأجلها فيأتي الزائر فيصلي فيها أولا تحية المسجد أو غيرها، والمقصود هو القبر، وهؤلاء منهم من لا يعرف أن مسجده محترم معظم يقصد لنفسه لا لأجل القبر، ومنهم من لا يعرف أن الصلاة فيه بألف صلاة، ولا أن السفر مشروع إليه كما يشرع إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى، بل يظن كثير منهم أن السفر إنما هو لأجل القبر، ولا يعلم أن السفر إلى مسجده مشروع مستحب مرغب فيه، وأنه أفضل المساجد بعد المسجد الحرام أو مطلقا وأن الصلاة فيه بألف صلاة سواء كان عنده القبر أو لم يكن، كما كانت هذه الفضيلة ثابتة له في حياة الرسول ﷺ، بل كان الذين يصلون فيه إذ ذاك أفضل من غيرهم، وكانت الهجرة واجبة له في حياة الرسول قبل فتح مكة على المسلمين أن يهاجروا إلى المدينة دار الهجرة ودار السنة ودار النصرة.
ومن كان بها كان عليه أن يصلي في المسجد النبوي ولو لم يكن إلا الجمعة، فإن الجمعة فرض على الأعيان باتفاق الأمة، ولم يكن على عهده بالمدينة مسجد يصلي فيه الجمعة إلا مسجده، وهو أول مسجد أسس على التقوى، وأول مسجد أذّن فيه وأقيم فيه الصلاة. فمن علم فضيلته وفضيلة الصلاة فيه وفضيلة السفر إليه وهو يريد السفر إلى القبر ويعلم أنه إنما يصل إلى مسجده فهذا لا بد إن كان مؤمنا بما جاء به الرسول ﷺ أن يقصد السفر إلى مسجده وإن قصد مع ذلك القبر لا يتصور من المؤمن به العالم بشريعته العالم أن المسافر إلى هناك يصل إلى مسجده لا يتصور مع هذا العلم والمعرفة والإيمان أن لا يقصد السفر إلى مسجده بل لا يقصد إلا مجرد القبر، بل الذي يسافر ولا يقصد إلا مجرد القبر إما أن يكون جاهلا بشريعته وفضيلة السفر إليه أو جاهلا بالحال لا يعلم أنه إنما يصل إلى مسجده، أو لا يعلم أن مسجده مؤسس على التقوى مقصود معظم قبل حصول القبر، فإنه لم يبن لأجل القبر ولا حرمته وفضيلته وعظمته لأجله، فلا يتصور أن يقصد مجرد القبر إلا من يكون جاهلا
[ ٢٨ ]
بهذا أو بهذا أو بهذا، وإن كان عالما بذلك كله، مع هذا ليس قصده إلا السفر إلى القبر كما يسافر إلى قبر من يعظمه من الصالحين وغيرهم، والسفر إلى المسجد ليس له عنده حرمة ولا يعتقد فضيلته ولا يقصد السفر إليه مع علمه أن الرسول ﷺ رغّب في ذلك وبين فضل مسجده. فهذا لا يكون إلا كافرا بالرسول، ومثل هذا يقع من المشركين الذين يرون قصد القبور المعظّمة أولى من قصد المساجد، والحج إليها أفضل من الحج إلى مكة، ودعاء الخلق أفضل من دعاء الخالق، والدعاء عندها أفضل من الدعاء في المساجد والمشاعر. ومنهم من يجعل استقبالها في الصلاة أولى من استقبال الكعبة ويقول: هذه القبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة.
ومعلوم أن هذا من الكفر بالرسول وبما جاء به الرسول، ومن الشرك بربّ العالمين، لا يفعل هذا من يعلم أن الرسول جاء بخلافه وأن الرسول جاء بالحق الذي لا يسوغ خلافه، بل إنما يفعل هذا من كان جاهلا بسنة الرسول، أو من يجعل له طريقا إلى الله غير متابعة الرّسول، مثل من يجعل الرسول مبعوثا إلى العامة وأنه أو شيخه من الخاصة الذين لا يحتاجون إلى متابعة الرسول، أو أن لهم طريقا أفضل من طريقة الرسول ونحو ذلك! وهؤلاء كلهم كفار، وإن عظّموا قبر الرسول كما يعظمون قبور شيوخهم، ومنهم من يجعل قبر شيخه أعظم من قبر الرسول، ومنهم من يجعل قبر الرسول أعظم ولكن يعظم أصحاب القبور من جهة أنه يعبدهم ليقربوه إلى الله زلفى، لا يعظم الرسول من جهة أنه رسول الله الذي أوجب على جميع الخلق اتباعه وطاعته وسلوك سبيله واتباع ما جاء به، وهذا نعت المؤمن به، والمؤمنون به لا يعرضون عن قصد السفر إلى مسجده مع علمهم أنهم يصلّون إلى مسجده إلا بجهلهم بسنته. فإذا عرفوها دعاهم الإيمان به إلى متابعته ﷺ تسليما. والمجيب إنما ذكر النزاع في السفر لمجرد زيارة القبور، فلم يدخل في هذا السفر إلى مسجد الرسول ﷺ وهو المراد بالسفر لزيارة قبره، فهل يمكن هذا المعترض أن يحكي عن إمام من أئمة المسلمين أنه قال: يستحب السفر لمجرد زيارة القبور، أو أنه يستحب السفر إلى زيارة قبره بدون الصلاة في مسجده، أو بدون دخوله، هل قال هذا أحد؟
أو أنه يستحبّ السفر إلى القبر دون قصد المسجد؟ مع أنه إنما يصل إلى المسجد، والسفر إليه مستحب بالنص والإجماع والصلاة فيه مفضلة، فهل قال مسلم إن هذا المستحب بالنص والإجماع مع فعل الإنسان له إذا لم يقصده البتة، وإنما قصد مجرد القبر يكون هذا السفر مستحبا بنص أو إجماع، أو هل قال ذلك إمام من أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في الدين؟ وإن لم يكن هنا نصّ ولا إجماع.
وهل يترك قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه مع كونه يعلم أنه إنما يصل إلى مسجده إلا من هو جاهل بدينه أو كافر بما جاء به؟ فإن هذا ليس عليه في النية كلفة
[ ٢٩ ]
أصلا، فإنه إذا كان لا بد له من الوصول إلى المسجد ومن ثم الصلاة فيه لم يبق إلا أنه يقصد ذلك في ابتداء السفر. فإذا لم يقصده فإنه يكون جاهلا بأن ذلك مستحب مشروع كما يوجد عليه كثير من الجهّال يظنّون أن المشروع إنما هو السفر إلى القبر والسفر إلى المسجد تبع للقبر، فإذا عرّف الجاهل بسنته المعلومة عند جميع علماء أمته ثم من بعد ذلك يشاقّ الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين؛ فإن الله يولّيه وما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا. فإذا لم يعرف أن إماما من أهل الاجتهاد قال: إنه يستحبّ السفر إلى مجرد القبر دون المسجد وإن كان المسافر يعلم أنه إنما يصل إلى المسجد وإن سفره مشروع، ثم لا يقصد ذلك فيكون سفره مشروعا مستحبا، هذا مما يقطع بأنه لا يقوله عالم. فإذا لم يثبت ذلك سلم الإجماع المذكور، وإن قدر أن هذا قول ثالث كان ذلك قولا خفيا قاله بعض المتأخرين لم يبلغ المجيب، والمجيب ذكر إجماع العلماء الذين عرفت أقوالهم في هذا الحديث وفي هذه المسألة، وهذا مبسوط في مكان آخر.
والمقصود هنا أن ما حكاه عن المجيب أنه يحرم زيارة قبور الأنبياء وزيارة القبور كذب بيّن على المجيب ليس في الجواب، وإنما فيه السفر خاصة. وكلام المجيب فيما لا يحصيه إلا الله يبين كذب النقل وأنه يستحب زيارة قبور المؤمنين عموما فضلا عن الصالحين والأنبياء، بل نفس السفر الذي ذكر فيه القولين، لم يذكر أنه يختار أحد القولين بل ذكر حجة هؤلاء وهؤلاء، فكيف يجوز أن يحكي عنه أنه حرم زيارة قبور الأنبياء والصالحين وسائر القبور، وأنه ادّعى أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها؟ من المعلوم لكلّ من قرأ شيئا من العلم ما في كتب العلماء من إباحة زيارة القبور للرجال أو استحباب ذلك، وذكر النزاع في زيارتها للنساء.
هذا موجود في الكتب الصغار والكبار، وقد قرأه المجيب وقرئ عليه مرات لا يحصيها إلا الله، وليس هذا مما يخفى على آحاد الطلبة الذين يحضرون عنده. فكيف يحكي إجماع المسلمين على أن زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور معصية محرمة؟
ولو كان لهذا القاضي نوع عقل وحكي له ذلك عن آحاد الطلبة لم يصدقه وقال:
هل في الإسلام من ينتسب إلى أدنى علم يقول: إن زيارة القبور معصية محرمة مجمع عليها؟ فهل في الإسلام شخص يحكي الإجماع على تحريم زيارة القبور مطلقا؟ وإذا كان هذا ما يعلم انتفاؤه عن جميع المسلمين كان انتفاؤه عن المجيب أولى؛ فكان الواجب عليه أن يكذّب ناقل ذلك فضلا عن أن يكون هو الناقل عن جواب قد رآه الناس وعلموا أنه ليس فيه ذلك، وإنما فيه ذكر الخلاف في السفر إليها، والسفر إليها مسألة وزيارتها بلا سفر مسألة.
وأما قبر النبيّ ﷺ فالسفر إلى زيارته هو السفر إلى مسجده، والسفر إلى مسجده
[ ٣٠ ]
مستحبّ بالإجماع ليس من مسائل النزاع، وكل من علم أنه إنما يصل إلى مسجده وعلم أنه مسجده الذي يصلي فيه هو وأصحابه وأنه أفضل المساجد بعد المسجد الحرام أو مطلقا وأنه ﷺ جعل الصلاة فيه بألف صلاة وأنه قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» ونحو ذلك، وهو مؤمن بالرسول ﷺ، فلا بد أن يقصد إذا سافر إلى هناك السفر إلى مسجده لا يمكن مع علمه بذلك وإيمانه بالرسول ﷺ أن لا يقصد السفر إلى مسجده، فلا يقصد السفر إلى القبر دون المسجد إلا جاهل أو كافر، لكن كثير من الناس قد عرفوا فضيلة مسجده والسفر إليه فهم يقصدون ذلك ويقصدون السفر إلى القبر أيضا، ثم منهم من يستوي عنده القصدان ومنهم من يكون قصد المسجد أقوى عنده، ومنهم من يكون قصد القبر أقوى عنده. وهؤلاء يظنون أن قصد السفر إلى قبره من المحبة له والتعظيم، وأن ذلك أعظم من قصد السفر إلى مسجده، وهم غالطون في ذلك، فإن السفر إلى المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم والتأسي بإبراهيم فيما كان يفعله هناك من الحج أفضل من زيارة قبر إبراهيم بالكتاب والسنة والإجماع، بل الحج كما حج إبراهيم قد فرضه الله على عباده والسفر إلى غير المساجد الثلاثة قد نهى عنه، وكذلك السفر إلى بيت المقدس هو أفضل من السفر إلى قبر سليمان الذي بناه بعد إبراهيم، وكذلك السفر إلى مسجد نبينا ﷺ والتأسي به فيما كان يفعله فيه من العبادات وفعل ما رغب في فعله في المسجد هو الذي يصدر عن الإيمان بالرسول ﷺ ومحبته وتعظيمه دون السفر إلى مجرد قبره، ولو قدر أن شخصا سافر إلى قبر إبراهيم ولم يسافر إلى مسجده- المسجد الحرام- وهو الحج واعتقد أنهما سواء وأن السفر إلى قبره أفضل كان كافرا. وكذلك بيت المقدس من اعتقد أن السفر إلى قبر سليمان أفضل من السفر إليه أو هما سواء كان كافرا، كذلك السفر إلى النبي ﷺ من اعتقد أن السفر إلى مجرد القبر أفضل من السفر إلى المسجد أو مثله فهو إما جاهل بشريعة الرسول ﷺ وإما كافر به. وهؤلاء نظير الذي يعتقد أن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين مثل الحج أو أفضل من الحج. وهذا لا يعتقده إلا جاهل مفرط في الجهل بدين الإسلام أو كافر مشاقّ للرسول ﷺ من بعد ما تبين له الهدى متّبع غير سبيل المؤمنين. فمن لم يفرّق بين السفر المشروع إلى مسجد الرسول ﷺ وزيارة قبره السفر الشرعي والزيارة الشرعية المجمع على استحبابها وبين السفر إلى قبر غيره فهو إما جاهل بما جاء به الرسول ﷺ وإما كافر بالرسول ﷺ.
فإن قيل: كيف يزور قبره مع كونه كافرا به؟
قيل: كثير من الناس يعظّمون الرسول ﷺ ويعتقدون أنه من أفضل الناس، ولكن يقولون إنهم ما يجب عليهم اتباعه وطاعته بل لهم طريق إلى الله تغنيهم عنه، وقد يقولون: إن طريقهم أفضل من طريقه، كما يعتقد كثير من اليهود والنصارى أنه
[ ٣١ ]
كان مبعوثا إلى الأميين لا إليهم، فهم يعظّمونه ظاهرا وباطنا، لكن يقولون لا يجب علينا اتباعه؛ وهؤلاء كفّار بإجماع المسلمين.
وكذلك كثير ممن يظهر الإسلام يثبتون نبوته على رأي الفلاسفة، وأنه كان صاحب قوة قدسية، وقد يفضّلونه على جميع الخلق، ومع هذا لا يقرّون بما جاء به ولا يوجبون على أنفسهم اتّباعه ظاهرا وباطنا، ويقولون هو رسول إلى العامة أو إلى الجميع في الشرائع الظاهرة دون الحقائق الباطنة والحقائق العقلية، كما يقول مثل هذا كثير ممن يظهر الإسلام، وهؤلاء من أشدّ الناس تعظيما للقبور والسفر إليها ودعاء أصحابها، ولهم في ذلك كلام ذكرناه في غير هذا الموضع، وهؤلاء وأمثالهم قد يقولون إن زيارة قبره وقبر من هو دونه أفضل من الحج إلى البيت الحرام ومن صلاة الجمعة والجماعة في مسجده وغير مسجده.
[الفرق بين زيارة مسجد النبي ﷺ وبين زيارة قبره]
والمقصود أن هذا المعترض وأمثاله لم يفرقوا بين السفر إلى مسجد رسول الله ﷺ وزيارته المجمع على استحبابها وبين السفر إلى زيارة قبر غيره، وإن كان عنده مسجد فإن ذلك مجمع على عدم استحبابه بل سووا بين المستحب بالنص والإجماع، وبين ما ليس بمستحب بالنص والإجماع، وظنوا أن المجيب سوى بينهما في نفي الاستحباب فقابلوه بأن سووا بينهما في الاستحباب فوقعوا في أنواع من الباطل المخالف للكتاب والسنة والإجماع.
ولو قال قائل: إن إتيان المساجد لا يستحب ولا يشرع كان كافرا حلال الدم، ولو قال لا يسافر إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد لكان قد قال ما قاله الرسول ﷺ وقاله علماء المسلمين، فمن لم يفرق بين هذا وهذا كان أجهل الناس.
وكذلك لو قال: لا يستحب السفر إلى مسجد الرسول ﷺ وزيارته المشروعة في المسجد كالصلاة والسلام كان مخالفا للإجماع. لكن من العلماء من لا يسمّي هذا زيارة لقبره ويكره هذه التسمية وهذا القول أشبه بالمعقول والمنقول. ولو قال يستحبّ السفر إلى جميع القبور والصلاة في المساجد المبنية عليها لكان مخالفا للنص والإجماع.
وهب أن المعارض سوى بينهما في نظره، وجوابه كيف يحلّ له أن يكذب على غيره ويحكي عنه التسوية بينهما في التحريم ويقول إنه حكى إجماع المسلمين على تحريم الزيارة مطلقا بسفر وغير سفر؟ ونحن نحكي لفظ الجواب الذي اعترض عليه لينظر ما نقله عنه وأبطله منه هل هو صدق وعدل، أم لا؟
ولفظ السؤال: ما تقول السادة العلماء في رجل نوى زيارة قبور الأنبياء والصالحين مثل قبر نبينا ﷺ وغيره، فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة؟ وهل
[ ٣٢ ]
هذه الزيارة شرعية أم لا؟ وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من حج ولم يزرني فقد جفاني» «١» «ومن زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي» «٢». وروي عنه ﷺ أنه قال:
«لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا».
ولفظ الجواب: الحمد لله «٣»، أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين.
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٧/ ٢٤٨٠) وابن حبان في «المجروحين» (٢/ ٧٣) وابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٥٩٧/ ١١٦٨). من طريق: محمد بن محمد بن النعمان بن شبل، قال: حدّثنا جدّي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا. قال ابن حبان في ترجمة «النعمان بن شبل» من «المجروحين»: «يأتي على الثقات بالطامات، وعن الأثبات بالمقلوبات». والحديث حكم عليه بالوضع كل من ابن الجوزي والذهبي في «ميزان الاعتدال» (٣/ ٢٣٧) والشوكاني في «الفوائد المجموعة» ص ١١٨ والألباني في «الضعيفة» (٤٥).
(٢) أخرجه الدارقطني في «سننه» (٢/ ٢٧٨/ ١٩٣) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤٨٨/ ٤١٥١) من طريق: هارون أبي قزعة، عن رجل من آل حاطب، عن حاطب، قال: قال رسول الله ﵌، فذكره. وهذا إسناد ضعيف؛ هارون بن قزعة، ضعفه يعقوب بن شيبة، وذكره العقيلي والساجي وابن الجارود في «الضعفاء» وقال البخاري: «لا يتابع عليه» «لسان الميزان» (٦/ ٢٣٨). بل قال الأزدي: «متروك». أضف إلى ذلك جهالة الرجل من آل حاطب. ومع هذا فقد قام أحد المشوهين لعلم الحديث- وهو المدعو: محمود سعيد ممدوح في كتابه المتهافت «رفع المنارة بتخريج أحاديث التوسل والزيارة» بمحاولة يائسة لتحسين الحديث والاعتبار به. فقال ص ٢٧٤ بعد أن نقل كلام العلماء في تضعيف هارون، «لكن ذكره ابن حبان في «الثقات» (٧/ ٥٨٠)»!!. قلت: وهذا تلبيس وتدليس، فإن ابن حبان ذكره في «الثقات» ولكنه قال: «يروي عن رجل من ولد حاطب المراسيل». ثم هب أن ابن حبان وثقه؛ فمتى كان يعتد بتوثيقه إذا خالفه كبار المجرحين، بل حتى ولو انفرد بالتوثيق؟ وهذا مما اتفق عليه أهل الاصطلاح والحديث. وأغرب من ذلك قوله: «فالرجل ممن يعتبر بحديثه ويستشهد به»!!. ثم قال: «وقد قال الحافظ الذهبي: أجودها- كذا- (أي أحاديث الزيارة) إسنادا حديث حاطب». قلت: وهذا كذب وتدليس أيضا، فإن الذهبي إنما قال: «أجودهما حديث حاطب هذا». يعني أجود الحديثين (حديث ابن عمر السابق وحديث حاطب) هو حديث حاطب. وكذا قال شيخ الإسلام قبله. وهذا من حيث اعتبار الإسناد، لا يعني تجويد الحديث كما هو واضح. والله المستعان. ولمزيد من الفائدة انظر «السلسلة الضعيفة» (١٠٢١).
(٣) في «مجموعة الفتاوى» (٢٧/ ١٠٤): «الحمد لله رب العالمين».
[ ٣٣ ]
أحدهما: وهو قول متقدمي العلماء الذين لا يجوّزون القصر في سفر المعصية، ويقولون إن هذا سفر معصية؛ كأبي عبد الله بن بطة «١»، وأبي الوفاء بن عقيل «٢»، وطوائف كثيرين «٣» من العلماء المتقدمين؛ أنه لا يجوز القصر في مثل هذا السفر، لأنه سفر منهي عنه. ومذهب الشافعي ومالك وأحمد أن السفر المنهي عنه لا تقصر فيه الصلاة.
والقول الثاني: أنه يقصر فيه الصلاة وهذا يقوله من يجوّز القصر في السفر المحرم كأبي حنيفة، ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوّز السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، كأبي حامد الغزالي، وأبي محمد المقدسي، وأبي الحسن بن عبدوس الحراني، وهؤلاء يقولون: إن هذا السفر ليس بمحرم لعموم قوله: «فزوروا «٤» القبور» «٥». وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبي ﷺ كقوله: «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي» رواه الدارقطني. وأما ما يذكره بعض الناس من قوله ﷺ: «من حج ولم يزرني فقد جفاني». فهذا لا يرويه أحد من العلماء، وهذا مثل قوله: «من زارني وزار أبي [إبراهيم] في عام واحد ضمنت له على الله الجنة» «٦». فإن هذا أيضا باطل باتفاق العلماء لم يروه أحد، ولم يحتج به أحد، وإنما يحتج بعضهم بحديث الدارقطني. وقد زاد فيها المجيب حاشية بعد ذلك، ولكن هذا وإن كان لم يروه أحد من العلماء في كتب الفقه والحديث لا محتجا به ولا معتضدا به، ولكن ذكره أبو أحمد بن عديّ في كتاب «الضعفاء» ليبين به ضعف راويه، فذكره من حديث النعمان بن شبل الباهلي المصري
_________________
(١) هو: الإمام أبو عبد الله؛ عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان بن عمر، المعروف بابن بطة، العكبري الحنبلي. ولد سنة أربع وثلاثمائة، في «عكبرا» وهي بليدة على نهر دجلة فوق بغداد. له من المصنفات: «الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية» و«الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة» و«إبطال الحيل» وغيرها. توفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. انظر: «تاريخ بغداد» (١٠/ ٣٧٢١) و«طبقات الحنابلة» (٤/ ١٥٣) و«البداية والنهاية» (١١/ ٣٢١) و«سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٥٢٩).
(٢) هو: علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظّفري، أبو الوفاء الحنبلي. ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، كان من كبار علماء الحنابلة، وله تصانيف كثيرة، أهمها كتاب «الفنون» الذي يقع في أربعمائة مجلد- ولا يزال هذا الكتاب في عالم المخطوطات-. توفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. انظر ترجمته في: «طبقات الحنابلة» (٢/ ٢٥٩) و«سير أعلام النبلاء» (١٩/ ٤٤٣) و«شذرات الذهب» (٤/ ٣٥ - ٤٠).
(٣) في «مجموعة الفتاوى»: «وطوائف كثيرة».
(٤) في «مجموعة الفتاوى»: «زوروا القبور».
(٥) أخرج مسلم في «صحيحه» (٩٧٧) من حديث بريدة الأسلمي قال: قال رسول الله ﵌: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها .. الحديث».
(٦) هو حديث موضوع، انظر «الضعيفة» (٤٦).
[ ٣٤ ]
عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من حج ولم يزرني فقد جفاني».
قال ابن عدي: لم يروه عن مالك غير هذا، يعني وقد علم أنه ليس من حديث مالك، فعلم أن الآفة من جهته. قال موسى بن هارون: كان النعمان هذا متهما. وقال أبو حاتم ابن حبان: يأتي عن الثقات بالطامات. وقال الدارقطني: الطعن في هذا الحديث من محمد بن محمد لا من النعمان.
وأما الحديث الآخر: «من زارني وزار أبي [إبراهيم] في عام واحد ضمنت له على الله الجنة»؛ فهذا ليس في شيء من الكتب لا بإسناد موضوع ولا غير موضوع، وقد قيل:
إن هذا لم يسمع في الإسلام حتى فتح المسلمون بيت المقدس في زمن صلاح الدين، فلهذا لم يذكر أحد من العلماء لا هذا ولا هذا لا على سبيل الاعتقاد ولا على سبيل الاعتماد، بخلاف الحديث الذي تقدم فإنه قد ذكره جماعة ورووه، وهو معروف من حديث حفص بن سليمان الغاضري القاري صاحب عاصم، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي» «١». وقد اتفق أهل العلم بالحديث على الطّعن في حديث حفص هذا دون قراءته. قال البيهقي في: «شعب الإيمان» «٢»: وقد روى حفص بن أبي داود وهو ضعيف، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من حجّ فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي». قال يحيى بن معين في حفص هذا: ليس بثقة. وهو أصح قراءة من أبي بكر بن عياش وأبو بكر أوثق منه.
وفي رواية عنه: كان حفص أقرأ من أبي بكر وكان أبو بكر صدوقا وكان حفص كذّابا.
وقال البخاري: تركوه. وقال مسلم بن الحجاج: متروك. وقال علي بن المديني:
ضعيف الحديث تركته على عمد. وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال مرة: متروك. وقال صالح بن محمد البغدادي: لا يكتب حديثه وأحاديثه كلها مناكير.
وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم الرازي: لا يكتب حديثه وهو ضعيف الحديث لا يصدق متروك الحديث. وقال عبد الرحمن بن خراش: هو كذاب متروك، يضع الحديث. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث. وقال ابن عدي:
عامة أحاديثه عمن روى عنه غير محفوظة.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٢/ ٣١٠/ ١٣٤٩٧) والدارقطني (٢/ ٢٧٨) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ٢٤٦) وفي «شعب الإيمان» (٣/ ٤٨٩/ ٤١٥٤ - ٤١٥٥) وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٧٩٠). وإسناده ضعيف جدا؛ ليث بن أبي سليم، ضعيف من جهة حفظه. وحفص بن سليمان القارئ؛ «متروك الحديث» كما في «التقريب». وانظر «السلسلة الضعيفة» للألباني (٤٧) ففيها بحث ماتع حول هذا الحديث.
(٢) . (٣/ ٤٨٩).
[ ٣٥ ]
وفي الباب حديث آخر رواه البزار والدارقطني وغيرهما من حديث موسى بن هلال: حدّثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» «١».
قال البيهقي- وقد روى هذا الحديث- ثم قال: «وقد قيل عن موسى عن عبيد الله، قال: وسواء قال عبد الله أو عبيد الله فهو منكر عن نافع عن ابن عمر، لم يأت به غيره». وقال العقيلي في موسى بن هلال هذا: لا يتابع على حديثه. وقال أبو حاتم الرازي: هو مجهول. وقال أبو زكريا النووي في «شرح المهذب» «٢» لما ذكر قول أبي إسحاق: ويستحب زيارة قبر النبي ﷺ، لما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» قال النووي: أما حديث ابن عمر فرواه أبو بكر البزار والدارقطني والبيهقي بإسنادين ضعيفين جدا. هذا آخر الحاشية.
قال المجيب في تمام الجواب: وقد احتجّ أبو محمد المقدسي على جواز السفر لزيارة القبور والمساجد بأنه كان يزور قباء ويزور القبور وأجاب عن حديث «لا تشد الرحال»؛ بأن ذلك محمول على نفي الاستحباب.
وأما الأولون فإنهم يحتجّون بما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحّته والعمل به. فلو نذر الرجل أن يصلّي بمسجد أو مشهد أو يعتكف فيه ويسافر إليه غير المساجد الثلاثة؛ لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة. ولو نذر أن يسافر إلى المسجد الحرام بحج أو عمرة وجب عليه ذلك باتفاق
_________________
(١) حديث ضعيف جدا؛ أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٧٨) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤٩٠/ ٤١٥٩ - ٤١٦٠) وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٣٥٠) والدولابي في «الكنى» (٢/ ٦٤). من طريق: موسى بن هلال العبدي، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا. وإسناده ضعيف جدا؛ موسى بن هلال العبدي؛ قال أبو حاتم: مجهول، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وقال الحافظ: «أنكر ما عنده حديثه عن عبد الله بن عمر عن نافع». فذكره وانظر «الجرح والتعديل» (٨/ ٧٣٤) و«لسان الميزان» (٦/ ١٧٣). وللحديث طريق أخرى عند البزار (٢/ ٥٧/ ١١٩٨) كشف، عن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعا. قال البزار: «عبد الله بن إبراهيم لم يتابع على هذا، وإنما يكتب ما يتفرّد به». قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢): «رواه البزار، وفيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري وهو ضعيف». وقال الحافظ في «التقريب»: «متروك، ونسبه ابن حبان للوضع». وفي الإسناد أيضا، عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ ضعيف جدا. فالحديث ضعيف جدا، وانظر «إرواء الغليل» رقم (١١٢٨).
(٢) انظر «المجموع» (٨/ ٢٧٢).
[ ٣٦ ]
العلماء، ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ﷺ أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد، ولم يجب عليه عند أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع.
وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة لما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» «١». والسفر إلى المسجدين طاعة فلهذا وجب الوفاء به.
وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليها إذا نذره، حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من الثلاثة، مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة، لأن ذلك ليس بشد رحل كما في الحديث الصحيح: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة» «٢». وهذا الحديث رواه أهل السنن كالنسائي وابن ماجه والترمذي «٣» وحسنه، وقالوا: لأن السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر بها رسول الله ﷺ ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة، وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة في «الإبانة الصغرى» من البدع المخالفة للسنة.
وبهذا يظهر ضعف حجة أبي محمد المقدسي لأن زيارة النبي ﷺ لمسجد قباء لم تكن بشدّ رحل، والسفر إليه لا يجب بالنذر.
وقوله في قول النبي ﷺ: «لا تشد الرحال»، محمول على نفي الاستحباب عنه؛ جوابان: أحدهما: أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا هو من الحسنات. فإذن من اعتقد السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع وإذا سافر لاعتقاده أنها طاعة كان ذلك محرما بإجماع
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٦٩٦) وأحمد (٦/ ٣٦/ ٤١، ٢٢٤) وأبو داود (٣٢٨٩) والنسائي في «الكبرى» (٣/ ١٣٤/ ٤٧٤٨ - ٤٧٤٩ - ٤٧٥٠)، والترمذي (١٥٢٦) وابن ماجه (٢١٢٦) وغيرهم.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ: ابن ماجه (١٤١٢) من حديث سهيل بن حنيف. وأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٩٦) وأحمد (٣/ ٤٨٧) والنسائي (٢/ ٣٧) وفي «الكبرى» (١/ ٢٥٨/ ٧٧٨) والحاكم (٣/ ١٢) والطبراني في «الكبير» (٦/ ٧٥/ ٥٥٦١ - ٥٥٦٢). من طريق: محمد بن سليمان الكرماني، قال سمعت أبا أمامة سهل بن حنيف قال: قال أبي: فذكره مرفوعا، بنحو من هذا اللفظ. ومحمد بن سليمان الكرماني «مقبول» كما في «التقريب». وقد تابعه عليه يوسف بن طهمان كما في «مسند عبد بن حميد» (٤٦٩). فالحديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (١١٦٠).
(٣) لم أجده في «سنن الترمذي» المطبوع، فلعله في نسخة أخرى، والله أعلم.
[ ٣٧ ]
المسلمين، فصار التحريم من هذه الجهة. ومعلوم أن أحدا لا يسافر إليها إلا لذلك.
وأما إذا قدّر أن الرجل سافر إليها لغرض مباح فهذا جائز وليس من هذا الباب.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم.
وما ذكره السائل من الأحاديث في زيارة قبر النبي ﷺ فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة لم يخرج أحد من أهل السنن المعتمدة شيئا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها، بل مالك إمام أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل زرت قبر النبي ﷺ. ولو كان هذا اللفظ معروفا عندهم أو مشروعا أو مأثورا عن النبي ﷺ لم يكرهه عالم المدينة.
والإمام أحمد أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ما من رجل يسلم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ ﵇» «١». وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه.
وكذلك مالك في الموطأ روى عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال:
«السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت» ثم ينصرف «٢».
وفي سنن أبي داود عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» «٣». وفي «سنن سعيد بن منصور» أن الحسن بن
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٧) وأبو داود (٢٠٤١) والبيهقي (٥/ ٢٤٥) وإسناده حسن كما في «الصحيحة» (٢٢٦٦).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» ٩ - كتاب: قصر الصلاة، ٢٢ - باب: ما جاء في الصلاة على النبي ﷺ (١/ ١٠٧/ ٦٨) والبيهقي (٥/ ٣٤٥) والقاضي إسماعيل الجهضمي في «فضل الصلاة على النبي ﷺ» ص ٨٣، ٨٤ رقم (٩٨، ٩٩، ١٠٠). من طريقين إسنادهما صحيح، كما قال الألباني في «تحقيقه على فضل الصلاة».
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٧) وأبو داود (٢٠٤٢) وابن فيل في «جزئه» كما في «جلاء الأفهام» لابن القيم ص ١٠٧ والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤٩١/ ٤١٦٢). من طريق: عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعا. وهذا إسناد حسن، عبد الله بن نافع في حفظه لين. وقد حسن إسناده العلامة الألباني في «أحكام الجنائز» ص ٢٨٠ و«تحذير الساجد» ص ٩٦ - ٩٧. وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب ﵁: أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٤/ ٣٤٥). وأبو يعلى في «مسنده» (١/ ٣٦١ - ٣٦٢/ ٤٦٩). والبزار (١/ ٣٩٩ - ٣٤٠/ ٧٠٧) كشف. والبخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ١٨٦). وعبد الرزاق في «مصنفه» (٣/ ٥٧٧/ ٦٧٢٦). والقاضي إسماعيل الجهضمي في «فضل الصلاة على النبي ﷺ» (٢٠).
[ ٣٨ ]
الحسن بن علي بن أبي طالب رأى رجلا يختلف إلى قبر النبي ﷺ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذّر ما فعلوا، قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا» «١». وهم دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء لئلا يصلي أحد عند قبره ويتخذه مسجدا فيتخذ قبره وثنا.
وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد إلى زمن الوليد بن عبد الملك؛ لا يدخل أحد إلى عنده لا لصلاة هناك ولا لتمسّح بالقبر ولا دعاء هناك، بل هذا جميعه إنما يفعلونه في المسجد. وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلّموا على النبي ﷺ وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة لم يستقبلوا القبر.
وأما وقوف المسلّم عليه، فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة أيضا لا يستقبل القبر.
وقال أكثر الأئمة: بل يستقبل القبر عند السلام عليه خاصة. ولم يقل أحد من الأئمة أنه يستقبل القبر عند الدعاء، أي الدعاء الذي يقصده لنفسه، إلا في حكاية مكذوبة تروى عن مالك، ومذهبه بخلافها.
واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي ﷺ ولا يقبّله وهذا كله محافظة على التوحيد «٢». فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد، كما قال طائفة من السلف في
_________________
(١) - من طرق: عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده مرفوعا. وله طريق أخرى عن سهل بن أبي سهيل أنه رأى قبر النبي ﷺ، فالتزمه وتمسح به، قال: فحصبني حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، فقال: قال رسول الله ﷺ: فذكره. أخرجه القاضي إسماعيل في «فضل الصلاة» (٣٠) وابن أبي شيبة (٤/ ٣٤٥) وعبد الرزاق (٣/ ٥٧٧/ ٦٦٩٤) وانظر «تحذير الساجد» ص ٩٥ - ٩٧. وسيأتي تخريج الأحاديث مرة أخرى في الكتاب.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٣٠، ١٣٩٠، ٤٤٤١) ومسلم (٥٢٩) وغيرهما.
(٣) قال العلامة محمد بن سلطان المعصومي الحنفي في كتابه: «المشاهدات المعصومية عند قبر خير البرية»: ويجب على الزائر أن يجتنب لمس الجدار وتقبيله والطواف به والصلاة إليه. قال النووي: لا يجوز أن يطاف بقبره ﷺ، ويكره إلصاق البطن والظهر بجدار القبر، قاله الحليمي وغيره. ويكره مسحه باليد وتقبيله، ومن ظن أن المسح باليد ونحوه أبلغ فيه البركة، فهو من جهالته وغفلته، لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع اه. وفي «الإحياء»: مس المشاهد وتقبيلها عادة النصارى واليهود ويجب اجتناب الانحناء للقبر عند التسليم. قال ابن جماعة: «إنه من البدع المنكرة، ويظن من لا علم له أنه من شعار التعظيم، وأقبح منه تقبيل أرض القبر، فإنه لم يفعله السلف الصالح، والخير كله في اتباعهم، وليس عجبي ممن جهل ذلك فارتكبه، بل عجبي ممن أفتى لتحسينه مع علمه بقبحه ومخالفته لعمل السلف» اه. من كتاب «المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد» لمحمد بن عبد الرحمن الخميس ص ٢٦٧.
[ ٣٩ ]
قوله تعالى: وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح: ٢٣] قالوا:
هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. وقد ذكر بعض هذا المعنى البخاري في صحيحه لما ذكر قول ابن عباس: إن هذه الأوثان صارت إلى العرب، وذكره ابن جرير الطبريّ وغيره في التفسير عن غير واحد من السلف «١». وذكره وثيمة وغيره في قصص الأنبياء من عدة طرق. وقد بسطت الكلام على هذه المسائل في غير هذا الموضع.
[أول من وضع أحاديث زيارة المشاهد]
وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور أهل البدع من الروافض ونحوهم الذين يعطّلون المساجد ويعظّمون المشاهد التي يشرك فيها ويكذّب فيها ويبتدع فيها في دين الله ما لم ينزل الله به سلطانا، فإن الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد دون المشاهد كما قال تعالى: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف: ٢٩] وقال:
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: ١٨] وقال: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ١٨] وقال: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ [البقرة: ١٨٧] وقال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: ١١٤].
وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يقول: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» «٢». والله تعالى أعلم.
فهذه ألفاظ المجيب، فليتدبّر الإنسان ما تضمّنته، وما عارض به هؤلاء المعارضون مما نقلوه عن الجواب، وما ادّعوا أنه باطل؛ هل هم صادقون مصيبون في هذا أو هذا، أو هم بالعكس؟
والمجيب أجاب بهذا من بضع عشرة سنة بحسب حال السائل واسترشاده، ولم يبسط القول فيها ولا سمّى كلّ من قال بهذا القول، ومن قال بهذا القول بحسب ما تيسّر في هذا الوقت، وإلا فهذان القولان موجودان في كثير من الكتب المصنفة في مذهب مالك والشافعي وأحمد وفي شروح الحديث وغير ذلك. والقول بتحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة وإن كان قبر نبينا ﷺ وهو قول مالك وجمهور أصحابه، وكذلك أكثر أصحاب أحمد؛ الحديث عندهم معناه: تحريم السفر إلى غير الثلاثة، لكن منهم من يقول: قبر نبينا ﷺ لم يدخل في العموم.
_________________
(١) انظر «صحيح البخاري» (٤٩٢٠).
(٢) جزء من حديث أخرجه مسلم في «صحيحه» (٥٣٢) من حديث جندب بن عبد الله البجلي﵁-.
[ ٤٠ ]
ثم لهذا القول مأخذان: أحدهما: أن السفر إليه سفر إلى مسجده، وهذا المأخذ هو الصحيح وهو موافق لقول مالك وجمهور أصحابه.
والمأخذ الثاني: أن نبيّنا لا يشبّه بغيره من النبيّين، كما قال طائفة من أصحاب أحمد: إنه يحلف به، وإن كان الحلف بالمخلوقات منهيا عنه، وهو رواية عن أحمد.
ومن أصحابه من قال في المسألتين: حكم سائر الأنبياء كحكمه، قاله بعضهم في الحلف بهم، وقاله بعضهم: في زيارة قبورهم، وكذلك أبو محمد الجويني ومن وافقه من أصحاب الشافعي على أن الحديث يقتضي تحريم السفر إلى غير الثلاثة.
وآخرون من أصحاب الشافعي ومالك وأحمد قالوا: المراد بالحديث نفي الفضيلة والاستحباب، ونفي الوجوب بالنذر لا نفي الجواز، وهذا قول الشيخ أبي حامد وأبي علي وأبي المعالي والغزالي وغيرهم، وهو قول ابن عبد البرّ وأبي محمد المقدسي ومن وافقهما من أصحاب مالك وأحمد.
فهذان القولان الموجودان في كتب المسلمين ذكرهما المجيب، ولم يعرف أحدا معروفا من العلماء المسمّين في الكتب أنه يستحبّ السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين. ولو علم أن في المسألة قولا ثالثا لحكاه، لكنه لم يعرف ذلك، وإلى الآن لم يعرف أن أحدا قال ذلك، ولكن أطلق كثير منهم القول باستحباب زيارة قبر النبي ﷺ، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك. وهذا مما لم يذكر فيه المجيب نزاعا في الجواب، فإنه من المعلوم أن مسجد النبي ﷺ يستحبّ السّفر إليه بالنص والإجماع، فالمسافر إلى قبره لا بدّ إن كان عالما بالشريعة أن يقصد السفر إلى مسجده، ولا يدخل ذلك في جواب المسألة، فإن الجواب إنما كان عمّن سافر لمجرد زيارة قبورهم، والعالم بالشريعة لا يقع في هذا؛ فإنه يعلم أن الرسول ﷺ قد استحب السفر إلى مسجده والصلاة فيه، وهو يسافر إلى مسجده، فكيف لا يقصد السفر إليه؟
وكل من علم ما يفعله باختياره فلا بدّ أن يقصده. وإنما ينتفي القصد مع الجهل؛ إما مع الجهل بأن السفر إلى مسجده مستحبّ لكونه مسجده، لا لأجل القبر، وإما مع الجهل بأن المسافر إنما يصل إلى مسجده. فأما مع العلم بالأمرين فلا بدّ أن يقصد السفر إلى مسجده، ولهذا كان لزيارة قبره حكم ليس لسائر القبور، من وجوه متعددة كما قد بسط في مواضع.
وأهل الجهل والضلال يجعلون السفر إلى زيارته كما هو معتاد لهم من السفر إلى زيارة قبر من يعظمونه؛ يسافرون إليه ليدعوه ويدعوا عنده، ويدخلون إلى قبره ويقعدون عنده، ويكون عليه أو عنده مسجد بني لأجل القبر، فيصلون في ذلك المسجد تعظيما لصاحب القبر.
[ ٤١ ]
وهذا مما لعن النبيّ ﷺ أهل الكتاب على فعله ونهى أمته عن فعله، فقال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذّر ما فعلوا». وهو في الصحيحين من غير وجه. وقال قبل أن يموت بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» رواه مسلم.
فمن لم يفرق بين ما هو مشروع في زيارة القبور، وما هو منهي عنه لم يعرف دين الإسلام في هذا الباب.
[ ٤٢ ]