قال المعترض: «لكن كم لصاحب هذه المقالة من مسائل خرق فيها الإجماع، وفتاوى أباح فيها ما حرّم الله من الإبضاع، وتعرّض لتنقيص الأنبياء، وحطّ من مقادير الصحابة والأولياء، فلقد تجرأ بما ادّعاه وقاله، على تنقيص الأنبياء لا محالة، فتعين مجاهدته والقيام عليه، والقصد بسيف الشريعة المحمدية إليه، وإقامة ما يجب بسبب مقالته نصرة للأنبياء والمرسلين، ليكون عبرة للمعتبرين. وليرتدع به أمثاله من المتمرّدين. والحمد لله رب العالمين». آخر كلامه.
والكلام على هذا من وجوه:
أحدها: أن هذا ليس كلاما في المسألة العلمية التي وقع فيها النزاع، ولا عينت مسألة أخرى حتى يتكلم فيها بما قاله العلماء ودل عليه الكتاب والسنة، وإنما هو دعاوى مجردة على شخص معين. ومعلوم أن مثل هذا غير مقبول بالإجماع، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدّعى عليه» «١».
الوجه الثاني: أن يقال: ثم من المعلوم أنه ما من أهل ضلالة إلا وهم يدّعون على أهل الحق من جنس هذه الدعوى، فاليهود يدّعون أن الرسول ﷺ وأمته أباحوا ما حرّمه الله كالعمل في السبت، ومثل أكل كل ذي ظفر كالإبل والبط والإوز، وكشحم الترائب والكليتين وغير ذلك، والنصارى تقول: إنهم تنقّصوا المسيح والحواريين، فإن الحواريين عندهم رسل الله، وقد يفضّلونهم على إبراهيم وموسى، ويقولون عن المسيح: إنه الله، ويقولون: هو ابن الله، ومن قال إنه عبد الله فقد سبّه وتنقّصه عندهم، والطائفتان يحرّمون التّسري، والنصارى يحرّمون الطلاق، واليهود إذا تزوجت المطلقة حرّمت على المطلّق أبدا، والنصارى قد يحرّمون التزوّج ببنات العم والعمة والخال والخالة، ويحرمون أن يتزوّج الرجل أكثر من واحدة.
فمحمد ﷺ وأمته عند الطائفتين قد أباحوا ما حرّمه الله من الإبضاع على
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٥٥٢) ومسلم (١٧١١).
[ ٢٠٣ ]
زعمهم. فإذا كان مثل هذا الكلام قد يقوله أهل الباطل من الكفار لأهل الإيمان كما قد يقوله أهل الحق بمجرّد دعواه لا يقبل، بل على المدعي أن يبين أن ما ادعاه مما يقوله أهل الحق في أهل الباطل دون العكس.
الوجه الثالث: إن المتنازعين من الأئمة قد يقول أهل البدع منهم والأهواء مثل هذا في أئمة السنة والجماعة، كما يقول الرافضة: إن الصحابة خالفوا نصّ الرسول ﷺ بالخلافة على عليّ وبدّلوه وكتموه، وذلك أعظم من مخالفة الإجماع، ويقولون: إن جمهور المسلمين أباحوا نكاح الكتابيات عندهم مما حرمه الله من الإبضاع. ويقولون: إن الصحابة وجمهور الأمة حطّوا من مقادير أولياء الله عليّ وأئمة أهل بيته، وهم الخلفاء الراشدون وهم عندهم معصومون، وهم غلاة في عصمتهم، وقالوا: إنه لا يجوز عليهم السهو والغلط بحال، وغلوا في عصمة الأنبياء ليكون ذلك تمهيدا لما يدّعونه من عصمة الأئمة أولياء الله، إذ هم عند طائفة منهم أفضل من الأنبياء «١»، وجمهورهم يقولون الناس أحوج إليهم منهم إلى الأنبياء، وإنهم قد يستغنون عن النبي ﷺ ولا يستغنون عن الإمام المعصوم، وذلك واجب عندهم في كل زمان، وقالوا: إنه من حين صغره يكون معصوما، حتى قالوا لأجل ذلك إن النبي يجب أيضا أن يكون قبل النبوة معصوما من الغلط والسهو في كل شيء، وزعم بعضهم أنه لا بدّ أن يكون النبيّ والإمام عارفا بلغة كل من بعث إليهم على اختلاف لغاتهم وكثرتها، ولا بد أيضا أن يكون عالما بالصنائع والمتاجر وسائر الحرف، ليكون مستغنيا بعلمه عن الرجوع إلى أحد من رعيته في دين أو دنيا، وذلك يوجب رجوع المعصوم إلى غير المعصوم وإلى من يجوز عليه الخطأ أو الغلط، ولأن رجوعه إليهم يقتضي نقصه عندهم وحاجته.
وعندهم أن من نفى هذا عن الأئمة والأنبياء فقد تعرّض لتنقيص الأنبياء وحطّ من مقادير الأئمة والأولياء. وعندهم أن من قال ذلك فقد تجرّأ بما ادّعاه وقاله على تنقيص الأنبياء لا محالة، فتعين عندهم مجاهدته والقيام عليه والقصد بسيف الشريعة المحمدية إليه، وإقامة ما يجب بسبب مقالته نصرة للأنبياء والمرسلين ولأولياء الله أئمّة الدين. وبهذا ونحوه استحلّ أهل البدع تكفير جمهور المسلمين وقتالهم، واستحلّوا دماءهم وأموالهم وسبي عيالهم، واستعانوا عليهم بالكفار من النصارى والمشركين
_________________
(١) كما قال صاحب كتاب «الحكومة الإسلامية» (ص ٥٢): «وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل، وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث، فإن الرسول الأعظم ﵌، والأئمة (ع) كانوا قبل هذا العالم أنوارا إلى أن قال: وقد ورد عنهم (ع): إن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل»!!. أقول: «سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم».
[ ٢٠٤ ]
الترك التتار «١» حتى فعلوا بديار الإسلام ما فعلوه بالعراق وخراسان والجزيرة والشام، وغير ذلك. وكذلك فعلوا بمصر والمغرب في دولة العبيديين.
وإذا كان مثل هذا القول يقوله أهل البدع والضلال بل أهل الردة والنفاق، كما يقوله الكفار في أهل الإيمان، وقد يقوله المحقّ فيمن يستحقّه، وأكثر من عرف أن يقوله في أهل العلم هم أهل البدع والنفاق والكفار. ولا ريب أن قول هذا المبتدع الجاهل هو بهم أشبه إذ هو من أهل البدع الجهال، ليس هو ممن يعرف النظر والاستدلال.
الوجه الرابع: أن يقال: علماء المسلمين وأئمة الدين ما زالوا يتنازعون في بعض المسائل فيبيح هذا من الفروج ما يحرّمه هذا، كما يبيح كثير نكاح أم المزني بها وابنتها، ولا يرون الزنا ينشر حرمة المصاهرة، وهو قول الشافعي وغيره. وآخرون يحرّمون ذلك وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، وتنازعوا في الخلية والبرية والبائن والبتة ونحو ذلك من كنايات الطلاق الظاهرة، فقوم يقولون هي واحدة رجعية كما قاله عمر بن الخطاب وغيره، وهو قول الشافعي وغيره. وقوم يقولون هي ثلاث؛ كما نقل عن عليّ، وهو مذهب مالك وغيره. وقوم يقولون واحدة بائنة كما نقل عن ابن مسعود، وهو مذهب أحمد. وأحمد كان يتوقّف في ذلك وترجّح عنده الثلاث ويكره أن يفتي به، وإن نوى واحدة فهي رجعية عنده، ولو نوى بائنة لم تكن إلا رجعية كقول الشافعي، وروي عنه أنها تكون بائنة، كقول أبي حنيفة.
وكما تنازعوا فيما إذا خلعها بعد طلقتين فأباحها ابن عباس وطاوس وعكرمة وغيرهم، وقالوا: الخلع ليس بطلاق، واستدلّوا بالكتاب والسنة وهو أحد قولي الشافعي، وظاهر مذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر وابن خزيمة وغيرهم من فقهاء الحديث، وقيل: بل هي طلقة واحدة كما نقل عن عثمان وغيره من الصحابة، لكن ضعّف أحمد وابن خزيمة وغيرهما كل ما نقل عن الصحابة إلا قول ابن عباس، وهو قول كثير من التابعين، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي في القول الآخر.
وتنازعوا فيما سوى ذلك، وهم كلهم مجتهدون مصيبون بمعنى أنهم مطيعون لله، وأما بمعنى العلم بحكمه في نفس الأمر فالمصيب واحد وله أجران والآخر له
_________________
(١) «كما فعل عدوّ الله النصير الطوسي وابن العلقمي، وكان من أعوانهما على هذه الجرائم ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة، الذي كان ينظم الشعر في تأليه سيدنا علي رضوان الله عليه، ولو كان تحت حكم سيدنا علي لحكم بقتله. انظر «المنتقى من منهاج الاعتدال» ص ٢٠ الذي اختصره الحافظ الذهبي من «منهاج السنة» لشيخ الإسلام» (م).
[ ٢٠٥ ]
أجر، وخطأه مغفور له، لا يطلق القول على أحدهم أنه أحلّ ما حرّم الله وحرّم الله وحرّم ما أحل الله بمعنى الاستحلال والتعمد. وإذا أريد أن ذلك وقع على وجه التأويل فعامة العلماء وقعوا في مثل هذا، والله يأجرهم ولا يؤاخذهم على خطئهم.
الوجه الخامس: أن يقال: قول القائل فيما يتكلّم فيه العلماء بالأدلة الشرعية، مثل ما إذا قيل: إنه لا يجوز الحلف بالأنبياء ولا النذر لهم، ولا السجود لقبورهم، ولا الحج إليها، ولا اتخاذ قبورهم مساجد ونحو ذلك، أو قيل: إنه لا تجب الصلاة على النبي في الصلاة، كما قاله مالك وأكثر العلماء. أو قيل: إنه يكره الصلاة عليه عند الذبح أو لا يستحب، كما هو قول مالك وأحمد. وقيل: يستحب؛ وهو قول الشافعي. فإذا قال قائل في مثل هذه المسائل: إن هذا تنقيص للأنبياء؛ فإن أراد بذلك أنّ قائل هذا القول قصد التنقيص لهم، والعيب لهم، والطعن عليهم، والشتم؛ فقد كذب وافترى كذبا ظاهرا. وإن قال: إنه نقّصهم عما يستحقونه عند الله فهذا محل النزاع، فصاحب القول الآخر يقول بل أخطأ فيما يستحقونه ولم يقل ما ينقص درجتهم التي يستحقونها، وإن قدّر أنه أخطأ في اجتهاده فلا إثم عليه في ذلك، فكيف إذا كان هو المصيب للصواب المتّبع للكتاب والسنة، ولما كان عليه التابعون مع الأصحاب.
الوجه السادس: أنه إنما يقبل قول من يدعي أن غيره يخالف الإجماع إذا كان ممن يعرف الإجماع والنزاع، وهذا يحتاج إلى علم عظيم يظهر به ذلك، لا يكون مثل هذا المعترض الذي لا يعرف نفس المذهب الذي انتسب إليه، ولا ما قال أصحابه في مثل هذه المسألة التي قد افترى فيها وصنّف فيها، فكيف يعرف مثل هذا إجماع علماء المسلمين مع قصوره وتقصيره في النقل والاستدلال؟
الوجه السابع: أن لفظ «كم» يقتضي التكثير وهذا يوجب كثرة المسائل التي خرق المجيب فيها الإجماع، والذين هم أعلم من هذا المعترض وأكثر اطلاعا اجتهدوا في ذلك غاية الاجتهاد، فلم يظفروا بمسألة واحدة خرق فيها الإجماع، بل غايتهم أن يظنوا في المسألة أنه خرق فيها الإجماع كما ظنه بعضهم في مسألة الحلف بالطلاق، وكان فيها من النزاع نقلا ومن الاستدلال فقها وحديثا ما لم يطّلع عليه.
الوجه الثامن: إن المجيب ولله الحمد لم يقل قط في مسألة إلا بقول قد سبقه إليه العلماء، فإن كان قد يخطر له ويتوجّه له فلا يقوله وينصره إلا إذا عرف أنه قد قال بعض العلماء، كما قال الإمام أحمد: «إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام» فمن كان يسلك هذا المسلك كيف يقول قولا يخرق به إجماع المسلمين، وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين؟ فهل يتصوّر أن يكون الإجماع واقعا في موارد النزاع؟ ولكن من لم يعرف أقوال العلماء قد يظن الإجماع من عدم
[ ٢٠٦ ]
علمه النزاع وهو مخطئ في هذا الظن لا مصيب. ومن علم حجة على من لم يعلم، والمثبت مقدم على النافي.
الوجه التاسع: إن دعوى الإجماع من علم الخاصة الذي لا يمكن الجزم فيه بأقوال العلماء، إنما معناها عدم العلم بالمنازع، ليس معناها الجزم بنفي المنازع، فإن ذلك قول بلا علم، ولهذا رد الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما على من ادّعاها بهذا المعنى، وبسط الشافعي في ذلك القول، وأحمد كان يقول هذا كثيرا، ويقول: من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريه أن الناس لم يختلفوا؟ ولكن يقول: لا أعلم مخالفا. وأبو ثور قال: إن الذي يذكر من الإجماع معناه أنا لا نعلم منازعا، ثم ما يعرف من ادعى الإجماع في هذه الأمور إلا وقد وجد في بعض ما نذكره من الإجماعات نزاعا لم يطّلع عليه، كما قد بسط الكلام على هذا في مواضع. فإذا كان هذا في ادّعاء العلماء الأكابر فكيف بما يدّعيه هذا المعترض من الإجماع، وهو من حين ادعائه الإجماع في هذه المسألة المتنازع فيها- وهو السفر إلى غير المساجد الثلاثة- فجعل السفر لمجرد زيارة القبور أمرا مجمعا عليه وإن من قال بخلاف ذلك فقد تنقّص الأنبياء وجاهرهم بالعداوة؟
والإجماع من علماء المسلمين إنما هو على خلاف ما ظنه هو وأمثاله ممن يتحكمون في الدين بلا علم، فإنهم مجمعون على أن قول رسول الله ﷺ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» متناول لشد الرحال لزيارة القبور، ثم تنازعوا هل موجب الحديث النهي والتحريم أو موجبه نفي الفضيلة والاستحباب؟ فمن قال إنه يستحب شدّ الرحال إلى غير الثلاثة كزيارة القبور؛ فهذا هو الذي خالف الإجماع بلا ريب، مع مخالفته للرسول ﷺ، فهو ممن خالف الرسول والمؤمنين واتبع غير سبيلهم، لكن إذا لم يكن قد تبين له الهدى عرف ما قاله الرسول ﷺ والمؤمنون لم يكفر، فإن الله إنما ألحق الوعيد بمن شاق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين، فقد توعّده بأنه يولّيه ما تولّى ويصليه جهنم وساءت مصيرا.
ومن قال: إن السفر إلى غير الثلاثة كزيارة القبور مستحب، فقد خالف الرسول ﷺ وخالف علماء أمته. وأما السفر إلى مسجده ﷺ فهو سفر إلى أحد المساجد الثلاثة ليس مما نهى عنه، وإذا فعل في مسجده ما شرع من الزيارة الشرعية وصلى عليه وسلم كما أمر الله وعلّم فهو محسن في هذه الزيارة، كما كان محسنا في شد الرحل إلى مسجده، وهذا هو الذي أجمع عليه المسلمون أيضا، كما أجمعوا أنه لا تشدّ الرحال لمجرد زيارة القبور، فذاك الإجماع على شدها إلى مسجده وزيارته الشرعية حق، وهذا الإجماع على أنه لا يستحب شد الرحال إلى غير الثلاثة حق، وكلا الإجماعين معه نص عن الرسول ﷺ. والعالم من اتبع هذا وهذا، ليس هو من
[ ٢٠٧ ]
ترك النص والإجماع من أحد الجانبين وتمسك في الجانب الآخر بألفاظ مجملة يظن الإجماع على ما فهمه منها، ولم تجمع الأمة على ما فهمه، بل ما فهمه قد تكون مجمعة على تحريمه كمن يفهم من الزيارة لقبورهم الحج إليهم ودعاءهم من دون الله، فهذا مجمع على تحريمه، فمن يفهم من الزيارة الحج إليهم ودعاءهم من دون الله فهذا مجمع على تحريمه، والله أعلم.
الوجه العاشر: أن النهي عن شدّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة كزيارة القبور؛ إنما يكون تنقّصا بالنبي لو كانت زيارة القبور المشروعة هي من باب تعظيم الزائر للمزور، والخضوع له، وإنه إنما شرع زيارة قبره لعظم قدره وجاهه عند الله، وعلوّ مرتبته عنده. فإن قيل: إنه لا يزار قبره أو لا يسافر إلى زيارة قبره، كان ذلك غضا ونقصا لمنزلته المذكورة. وليس الأمر في دين الإسلام كذلك، بل زيارة القبور التي شرعها رسول الله ﷺ إذنا فيها وفعلا لها أو ترغيبا فيها؛ إنما المقصود بها نفع الزائر للمزور، وإحسانه إليه بدعائه له واستغفاره له إن كان مؤمنا، وإن كان كافرا.
فالمقصود بها تذكرة الموت، ليس المقصود بما شرعه الله ورسوله ﷺ من زيارة القبور خضوع الزائر للمزور لعلوّ جاهه وقدره. وبهذا يظهر الفرقان بين الزيارة الشرعية والمباحة والمستحبة، وبين الزيارة البدعية المكروهة المنهي عنها. وإذا كان كذلك؛ فمعلوم أن الأنبياء والصالحين إذا كانت زيارة قبورهم إنما هي الدعاء لهم، كما يصلّى على جنائزهم، كزيارة سائر قبور المؤمنين ليست خضوعا من الزائر لهم لعلو جاههم وعظم قدرهم؛ لم يكن في ترك هذه الزيارة تنقّص بهم، ولا غضّ من قدرهم، فترك الإنسان زيارته لكثير من قبور المسلمين لا يكون تنقّصا لهم، ولو كان ترك زيارتهم تنقصا لكان فعلها واجبا. وكذلك إذا نهي عن السفر إليها كما نهي عن السفر لزيارة سائر القبور، فلا يخطر ببال أحد أن ذلك تنقّص بهم، فأن لا يكون ذلك تنقّصا بالأنبياء أولى وأحرى، وإنما ظنّ النهي أو الترك تنقصا من ظن أن الزيارة خضوع لهم لجاههم وعظم قدرهم، كالإيمان بهم وطاعتهم وتصديقهم فيما أخبروا به عن الله.
ولا ريب أن من قال لا يجب الإيمان بهم أو لا تجب طاعتهم وتصديقهم أو طعن في شيء مما أخبروا به عن الله أو أمروا به فقد تنقّصهم وهو كافر مرتد إن أظهر ذلك، ومنافق زنديق إن أبطنه. وهذا الموضع منشأ الاشتباه على كثير من الناس، فلفظ زيارة القبور في كلام الرّسول ﷺ وما فعله هو من الزيارة لم يكن شيء منها خضوعا للميت، ولا تعظيما له لجاهه وقدره، بل كان ذلك دعاء له كما يدعى له إذا صلّى على جنازته، وإذا كان الذي يصلّي على جنازته ويزار قبره أعظم قدرا كان الدعاء له أعظم، لكن فرق بين أن يقصد دعاء الله له ليرحمه ويزيده من فضله، وبين أن يقصد دعاؤه وسؤاله والاستشفاع به لجاهه وقدره عند الله. فالزيارة المشروعة من الجنس الأول من جنس
[ ٢٠٨ ]
الأول من جنس الصلاة على الجنازة لا من جنس الثاني، كرغبة الخلق يوم القيامة إلى الرسول ﷺ أن يشفع لهم، وكرغبة أصحابه إليه في حياته أن يدعو لهم ويستسقي لهم، فهذا الطلب منه كان لعلوّ جاهه وعظم منزلته عند الله، ولهذا يأتون يوم القيامة إلى أولي العزم فيردّهم هذا إلى هذا، حتى يردّهم المسيح إليه. وفي حياته كانوا يطلبون منه الدعاء ويتوجّهون به إلى الله، ويتوسّلون إليه بدعائه وشفاعته لجاهه عند الله، ولما مات استسقوا بالعباس عمه وقال عمر: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنا نتوسّل إليك بعمّ نبينا فاسقنا؛ فيسقون» رواه البخاري في صحيحه «١».
ومعنى قوله: كنا نتوسل إليك بنبينا؛ أي: بدعائه وشفاعته، ولهذا توسّلوا بعد موته بدعاء العباس وشفاعته لمّا تعذّر عليهم التوسل به بعد موته، كما كانوا يتوسّلون به في حياته، ولم يرد عمر بقوله: «كنا نتوسّل إليك بنبينا»: أن نسألك بحرمته، أو نقسم عليك به من غير أن يكون هو داعيا شافعا لنا، كما يفعله بعض الناس بعد موته، فإن هذا لم يكونوا يفعلونه في حياته، إنما كانوا يتوسّلون بدعائه، ولو كانوا يفعلونه في حياته لكان ذلك ممكنا بعد موته كما كان في حياته، ولم يكونوا يحتاجون أن يتوسلوا بالعباس. وكثير من الناس يغلط في معنى قول عمر وإذا تدبّره عرف الفرق «٢».
ولو كان التوسل به بعد موته ممكنا كالتوسل به في حياته لما عدلوا عن الرسول ﷺ إلى العباس. وكذلك معاوية لما استسقى توسّل بدعاء يزيد بن الأسود الجرشي «٣». وكذلك نقل عن الضحاك بن قيس «٤». فمن فهم مراد الرسول ﷺ بزيارة القبور وفرّق بين الشرعية والبدعية، تبين له الحق من الباطل.
ونبينا ﷺ أمر الله بالصلاة والسلام عليه، وأمر عند سماع الأذان أن تطلب الوسيلة له، فهذا حقّ له على الأمة، وهو مشروع مأمور به في كل مكان، لا يختص به في مكان عند قبره، فلم يبق في زيارة قبره أمر يختصّ به ذلك المكان بخلاف غيره.
وأيضا فنهى عن اتخاذ بيته عيدا وقال: «لا تتّخذوا قبري عيدا وصلّوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وكذلك السلام، قال: «إن لله ملائكة سيّاحين يبلغوني عن
_________________
(١) رقم (١٠١٠).
(٢) وانظر في ذلك «التوسل» للمحدث الألباني و«التوصل إلى حقيقة التوسل» للشيخ نسيب الرفاعي﵀- و«التوسل حكمه وأقسامه» جمع وإعداد: أبو أنس علي بن حسين أبو لوز- نشر دار ابن خزيمة بالرياض-.
(٣) أخرجه ابن عساكر في «تاريخه» كما «التوسل» ص ٤٥. وصحّح إسناده المحدث الألباني هناك.
(٤) المصدر السابق.
[ ٢٠٩ ]
أمتي السلام». فصلاة الأمة وسلامها يصل إليه من جميع الأمكنة، وقد نهى عن اتخاذ بيته عيدا لئلّا يتّخذ قبره وحدثنا ومسجدا، بخلاف قبور سائر المؤمنين، فإنه إذا دعي لأحدهم عند قبره لم يفض ذلك إلى أن يتّخذ وحدثنا ومسجدا إلا إذا اتّخذ مسجدا.
فلهذا نهى عن اتّخاذ القبور قبور الأنبياء والصالحين مساجد.
فتبين أن الذي يجعل ما أمر الله به ورسوله تنقيصا إنما هو لجهله وشركه وضلاله ونقص علمه وإيمانه بما جاء به الرسول ﷺ، وهو المنقّص للرسول الطاعن عليه، الذام لما جاء به الآمر بما نهى عنه، الناهي عما أمر به، المبدّل لشريعته، وهو أحق بالكفر والقتل، فإنه إن كان المخطئ المخالف للرسول ﷺ في هذه المسألة كافرا يجب قتله؛ فلا ريب أنه المخالف، فيكون كافرا مباح الدم. وإن كان المخطئ معذورا لأنه لم يقصد مخالفة الرسول ﷺ وإنما خفيت عليه سنته، واشتبه عليه الحق؛ لم يكفّر ولم يقتل واحد منهما، لكن المخالف له أقرب إلى الكفر وحلّ الدم، فإما أن يكون الموافق له المتبع لسنته الآمر بما أمر به الناهي عما نهى عنه كافرا مباح الدم، والمخالف له المبدل لدينه الطاعن في شريعته المعادي لسنته المعادي لأوليائه المبلّغين لسنته معصوم الدم؛ فهذا تبديل الدين وقلب لحقائق الإيمان، وهو فعل أهل الجهل والطغيان؛ كالنصارى وعبّاد الأوثان.
الوجه الحادي عشر: أن يقال: الذين يأمرون بالحج إلى القبور ودعاء الموتى والاستغاثة بهم والتضرّع لهم، ويجعلون السفر إلى قبورهم كالسفر إلى المساجد الثلاثة أو أفضل منه؛ هم مشركون من جنس عبّاد الأوثان، قد جعلوا القبور أوثانا.
وهذا هو الذي دعا الرسول ربه فيه فقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». فقبره لا يمكن أحد أن يصل إليه حتى يتخذه وحدثنا، وإنما يصل إلى مسجده، لكن يقصد المسافر إليه أن يتخذه وحدثنا كقبر غيره، أو يظن ذلك ولكن لا يمكنه ذلك، بخلاف قبور غيره فإن فيها ما اتّخذ أوثانا، وقد ثبت بل استفاض عن النبي ﷺ أنه لعن الذين يتخذون قبور الأنبياء مساجد، ونهى أمته عن ذلك، فإذا كان من اتخذها مسجدا يصلّي فيه لله تعالى ويدعو الله ملعونا؛ فالذي يقصدها ليدعو فيها غير الله ويتضرّع فيها لغير الله ويخضع ويخشع فيها لغير الله أحق باللعنة، وإنما لعن الأول لأن فعله ذريعة إلى هذا الشرك الصريح. ومعلوم أن المسافرين لقبور الأنبياء والصالحين يفعلون هذا وأمثاله ويسافرون لذلك. فمن أمر بذلك واستحبه كان آمرا بالشرك بالله واتخاذ أنداد من دونه، آمرا بما حرّم الله ورسوله ولعن فاعله.
والشرك أعظم الذنوب، كما في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن
[ ٢١٠ ]
تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك» «١».
وأنزل الله تصديق ذلك: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان: ٦٨] الآية وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨]. ومعلوم أن الأنبياء إنما وجب تعظيمهم لأنهم صفوة عباد الله، ولأنهم أمروا بتوحيده وعبادته، وبلّغوا أمره ونهيه، قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦] وقال تعالى:
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: ٤٥].
فالغلاة في المخلوقين كالنصارى ونحوهم من أهل البدع صاروا بغلوّهم مشركين، قال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣١] وقال تعالى:
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [النساء: ١٧١] إلى قوله:
فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا [النساء: ١٧٢].
ومعلوم أنه إذا فرض ذنبان أحدهما: الشرك والغلو في المخلوق. والثاني:
نقص رسول من بعض حقه، كمن يعتقد في المسيح أنه صلب مع أنه رسول الله، ومعلوم أن نجاته ورفعه إلى السماء أعظم قدرا من أن يسلّط العدو عليه حتى يصلب، فلو نقصه رجل ذلك واعتقد أنه صلب، ولم يعلم أن القرآن نفى صلبه؛ كان هذا الخطأ دون خطأ من غلا فيه وأشرك به. ولو قال قائل: إنه لا تشرع زيارة القبور بحال لا بسفر ولا غير سفر، وقال آخر: بل يشرع السفر إليهم لدعائهم والتضرع لهم كما يفعله المشركون وأهل البدع؛ لكان هذا الشرك أعظم خطأ وضلالا من ذلك النقص.
فالشرك عند الله أعظم إثما، وصاحبه أعظم عقوبة، وأبعد من المغفرة من المتنقّص لهم عن كمال رتبتهم، فإنه إذا كان كلاهما كافرا، فكفر المشركين أعظم. وكل شرك بالله فهو تكذيب للرسل وتنقّص بهم، وليس كل من كذّب بعض ما جاءوا به يكون مشركا كافرا، مثل كثير من أهل الكتاب، فالشّرك أعظم الذنوب. وهؤلاء الجهال المضاهون للنصارى غلوا في التخلّص من النقص حتى وقعوا في الشرك والغلوّ وتكذيب الرسول الذي هو أعظم إثما، كما أصاب النصارى، فكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار، وكان ما فرّوا إليه من الشرك والغلوّ وتكذيب الرسل وتنقّصهم، أعظم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٤٧٧) - انظر أطرافه هناك- ومسلم (٨٦).
[ ٢١١ ]
إثما وعقابا مما فروا منه مما ظنوه تنقصا، ولو فروا مما هو نقص لبعض أقدارهم فوقعوا في الشرك كان ما فروا إليه شرا مما فروا منه. والدين الحق دين الإسلام؛ عبادة الله وحده لا شريك له، وتصديق رسله كما يدلّ عليه قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. والله سبحانه جمع بين هذين الأصلين في غير موضع، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا [البقرة: ٢١، ٢٢] الآية. فبدأ بالتوحيد ثم قال: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [البقرة: ٢٣] الآية. وفي أول آل عمران قال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران: ٢] ثم قال: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [آل عمران: ٣، ٤] فذكر التوحيد أولا ثم ذكر النبوات المتضمنة إنزال الكتاب. وفي سورة القصص قال: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ [القصص: ٦٢، ٦٣] إلى قوله: ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٦٥] فذكر مناداتهم لتحقيق التوحيد أولا، ثم مناداتهم ماذا أجابوا المرسلين، وذكر تبرّي المعبودين من العابدين، ثم قال: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ إلى قوله: ما كانُوا يَفْتَرُونَ [القصص: ٧٥] فذكر هناك اعتراف المشركين بالتوحيد، وهنا اعتراف المعبودين، وذكر في سورة يونس نظير ما في البقرة، فقرّر التوحيد أولا ثم النبوة، فقال بعد قوله: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ [يونس: ٢٨] إلى قوله: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس: ٣٢] وذكر أنه ليس معهم إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا. ثم قال: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس: ٣٧] إلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يونس: ٣٨] فقرّر النبوة ثم تحدّاهم بالمعارضة، ليبين عجزهم وعجز جميع الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله، وأنه إنما أنزله الله. وكذلك سورة هود افتتحها بقوله: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١] إلى قوله: ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [هود: ٣] وافتتحها بذكر الكتاب، فإنه الداعي إلى التوحيد، فإن هذه نزلت بمكة ولم يكونوا مقرّين بالتوحيد بخلاف آل عمران فإنها من أواخر ما نزل؛ نزلت لما قدم وفد نجران سنة تسع أو عشر، والخطاب مع النصارى، وكانوا مقرّين بالتوحيد، لكن ابتدعوا شركا وغلوا واتبعوا المتشابه، من جنس الذين يحجّون إلى القبور ويتخذونها أوثانا، ولهذا لما ذكر آية التحدي في هؤلاء قال: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [هود: ١٣] إلى قوله: مُسْلِمُونَ [هود: ١٤] وأظهر عجزهم وإن القرآن منزل من الله بالإيمان بالكتاب والرسول وبالتوحيد قال: فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [هود: ١٤] وقوله بعلمه أي نزل متضمنا لعلمه أخبر فيه بعلمه كما قال: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ
[ ٢١٢ ]
إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء: ١٦٦] فتبين أن الذي تضمّنه هو علم الله، لا علم غيره، ولو كان كلام غيره لكان مضمونه علم ذلك المتكلم. ومن قال: أنزله وهو يعلمه؛ فقوله ضعيف، فإنه يعلم كل شيء وليس كلامه في إثبات علمه، ومثل هذا في القرآن مذكور في مواضع. وقد قال تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ٩٢، ٩٣] قال أبو العالية- وهو من قدماء التابعين-: خلّتان يسأل عنهما الأولون والآخرون؛ ماذا كنتم تعبدون، وماذا أجبتم المرسلين. وقال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ [البقرة: ١٣٦] الآية فجمع في هذه الآية بين الإيمان بما أنزله على أنبيائه وبين عبادته وحده لا شريك له.
وفي الصحيح: أن النبي ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر بهذه الآية، وبآية من آل عمران قوله: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران: ٦٤] الآية «١».
وهذه الآية هي التي كتبها النبي ﷺ إلى قيصر ملك النصارى في كتابه إليه وآية البقرة قد قال قبلها: وَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ [البقرة: ١٣٥] الآية.
وهذا هو التوحيد ثم ذكر في هذه الآية الإيمان بما أنزل على أنبيائه، ثم قال: قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ [البقرة: ١٣٩] الآية. فأفصح في آخر الآيات الثلاث بإخلاص الدين كله لله، مع أن الربوبية شاملة، والأعمال مختصة لكل عامل عمله، والإخلاص يتناول الإخلاص في عبادته والإخلاص في التوكل عليه.
وفي المأثور عن أبيّ الدرداء رواها أبو نعيم في الحلية وغيره أنه كان يقول:
«ذروة الإيمان الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب» «٢». وهذان الأصلان؛ توحيد الرب والإيمان برسله، لا بد منهما، ولهذا لا يدخل أحد في الإسلام حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذا يتضمّن الإسلام والإيمان، وهو الدين الذي بعث الله به جميع النبيين، فكلهم كانوا مسلمين مؤمنين قائمين بهذين الأصلين. وقد بسط الكلام على مسمى الإيمان والإسلام في مواضع، مثل شرح النصوص الواردة في الإسلام والإيمان في الكتاب والسنة وغير ذلك «٣».
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٢٧) من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢١٦) والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٢١٩/ ٢٠٢) واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (٢/ ٧٤٨/ ١٢٣٨) ونعيم بن حماد في زيادات «الزهد» لابن المبارك رقم (١٢٣) وابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله بقضائه» (٥٨). من طريق: بقية بن الوليد، قال: حدّثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، قال: حدّثني يزيد بن مرثد الهمداني، أن أبا الدرداء قال: فذكره.
(٣) وانظر كتاب «الإيمان» للمصنف، طبع المكتب الإسلامي.
[ ٢١٣ ]
[واجب الموحّد تجاه الملائكة والأنبياء]
والمقصود هنا، أن الله أمرنا أن نؤمن بالملائكة والأنبياء، وأمر أن لا نتخذهم أربابا ولا نشرك بهم، ولا نغلو فيهم، ولا نعبد إلا الله وحده، قال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [البقرة: ١٣٦] الآية. فأمرنا أن نؤمن بما أوتي جميع الأنبياء، ولهذا كان الإيمان بجميع ما جاءوا به واجبا، ومن كفر بنبي معلوم النبوة فهو كافر مرتدّ، ومن سبّ نبيا كان مرتدا مباح الدم باتفاق الأئمة، وإنما تنازعوا في قبول توبته. وقد بيّن كفر من يؤمن ببعض ويكفر ببعض، فقال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [النساء: ١٥٠] إلى قوله: أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا [النساء: ١٥١] الآية. وقال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ [البقرة: ٢٨٥] الآية. وقال تعالى:
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة: ١٧٧]. وقال تعالى:
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٤، ٥] ودين الأنبياء واحد وملتهم واحدة، وهي الأمة، وإنما تنوّعت شرائعهم ومناهجهم، كما قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا [المائدة: ٤٨].
وقد افترق اليهود والنصارى، فاليهود جفوا عنهم فكذّبوهم وقتلوهم كما أخبر الله عنهم بقوله: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [البقرة: ٨٧] والنصارى غلوا فيهم؛ فأشركوا بهم حتى كفروا بالله، قال تعالى:
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ [النساء: ١٧١] إلى قوله: فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا [النساء: ١٧٢] الآية. فبالإيمان بهم وتصديقهم وطاعتهم يخرج المسلم عن مشابهة اليهود، وبعبادة الله وحده والاعتراف بأنهم عباد الله، لا يجوز اتخاذهم أربابا ولا الشرك بهم والغلوّ فيهم، يخرج عن مشابهة النصارى. فإن اتخاذهم أربابا كفر، قال الله تعالى: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٨٠]. والنصارى يشركون بمن دون المسيح من الأحبار والرهبان، قال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: ٣١] الآية. فمن غلا فيهم واتخذهم أربابا فهو كافر، ومن كذّب شيئا مما جاءوا به أو سبّهم أو عابهم، أو عاداهم، فهو كافر. فلا بد من رعاية هذا الأصل.
وهذا المعترض وأمثاله التفتوا إلى جانب التعظيم لهم، دون جانب التوحيد لله
[ ٢١٤ ]
والنهي عن الشرك، فوقعوا في الغلوّ والشرك، فبقوا مشابهين للنصارى. وهذا مخالف لدين الإسلام، كما أن من لم يؤمن بهم وبما جاءوا به ومن لم يجعل الطريق إلى الله هو اتباعهم وموالاتهم، ومعاداة من خالفهم، فهو مخالف لدين الإسلام.
الوجه الثاني عشر:
أن يقال: لا ريب أن الجهاد والقيام على من خالف الرسل والقصد بسيف الشرع إليهم وإقامة ما يجب بسبب أقوالهم نصرة للأنبياء والمرسلين، وليكون عبرة للمعتبرين ليرتدع بذلك أمثاله من المتمردين، من أفضل الأعمال التي أمرنا الله أن نتقرّب بها إليه، وذلك قد يكون فرضا على الكفاية وقد يتعيّن على من علم أن غيره لا يقوم به.
والكتاب والسنة مملوءان بالأمر بالجهاد وذكر فضيلته، لكن يجب أن يعرف الجهاد الشرعي الذي أمر الله به ورسوله من الجهاد البدعي بجهاد أهل الضلال الذين يجاهدون في طاعة الشيطان وهم يظنّون أنهم مجاهدون في طاعة الرحمن، كجهاد أهل البدع والأهواء، كالخوارج ونحوهم الذين يجاهدون في أهل الإسلام «١»، وفيمن هو أولى بالله ورسوله منهم من السابقين الأولين والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، كما جاهدوا عليا ومن معه، وهم لمعاوية ومن معه أشد جهادا، ولهذا قال فيهم النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد قال: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق» «٢» فقتلهم عليّ ومن معه، إذ كانوا أولى بالحق من معاوية ومن معه، وهم كانوا يدّعون أنهم يجاهدون في سبيل الله لأعداء الله. وكذلك من خرج من أهل الأهواء على أهل السنة واستعان بالكفار من أهل الكتاب والمشركين والتتر وغيرهم، هم عند أنفسهم مجاهدون في سبيل الله. بل وكذلك النصارى هم عند أنفسهم مجاهدون.
_________________
(١) كما يفعل أذناب الخوارج في عصرنا هذا؛ وهم الجماعات التي تنتسب للإسلام، وتطلق على نفسها: «الجماعة الإسلامية المسلّحة»! أو «المقاتلة»!! وجماعة التكفير والهجرة! وهؤلاء أجهل الناس بالإسلام، والإسلام منهم براء، إذ قاموا بقتل المسلمين في ديارهم، وأفسدوا إفسادا ما بعده فساد، و«الله لا يحب الفساد». فتراهم يحاربون المسلمين ويقتلونهم، ويتركون أعداء الله الأصليين لا يقربونهم، وقادتهم- أي زعماء هذه الجماعات- في بريطانيا وأمريكا ودول الغرب يسرحون ويمرحون!! وهم عن سبيل العلم والدعوة ناكصون!! فأيّ جهاد هذا؟! وانظر يا مريد الخير؛ «مدارك النظر في السياسة الشرعية» للشيخ عبد المالك الرمضاني. وكتاب «تحصيل الزاد في أحكام الجهاد» للشيخ سعيد عبد العظيم. ويسّر الله لنا إتمام كتابنا «إرشاد العباد إلى أحكام الجهاد».
(٢) أخرجه مسلم (١٠٦٥) وغيره. وانظر «خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب» للنسائي ص ١٢١ - وما بعدها.- ط. المكتبة العصرية-.
[ ٢١٥ ]
وإنما المجاهد في سبيل الله من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، كما في الصحيحين عن أبي موسى قال: قيل: يا رسول الله الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حميّة، ويقاتل رياء؛ فأيّ ذلك في سبيل الله؟ قال ﷺ: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» «١». وقد قال الله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [الأنفال: ٣٩] والجهاد باللسان هو لما جاء به الرسول كما قال تعالى في السورة المكية الفرقان: وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ [الفرقان: ٥١، ٥٢] الآية. وإذا كان كذلك، فالجهاد أصله ليكون الدين كله لله، بحيث تكون عبادته وحده هو الدين الظاهر، وتكون عبادة ما سواه مقهورا مكتوما أو باطلا معدوما، كما قال في المنافقين وأهل الذمة، إذا كان لا يمكن الجهاد حتى تصلح جميع القلوب فإن هدى القلوب إنما هو بيد الله، وإنما يمكن حتى يكون الدين ظاهرا دين الله، كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: ٣٣].
ومعلوم أن أعظم الأضداد لدين الله هو الشرك، فجهاد المشركين من أعظم الجهاد، كما كان جهاد السابقين الأولين، وقد قال ﷺ: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».
وكلمة الله؛ إما أن يراد بها كلمة معينة؛ وهي التوحيد لا إله إلا الله، فيكون هذا من نمط الآية. وإما أن يراد بها الجنس أن يكون ما يقوله الله ورسوله فهو الأعلى على كل قول، وذلك هو الكتاب ثم السنة، فمن كان يقول بما قاله الرسول ويأمر بما أمر به وينهى عما نهى عنه، فهو القائم بكلمة الله، ومن قال ما يخالف ذلك من الأقوال التي تخالف قول الرسول؛ فهو الذي يستحق الجهاد.
وهذا المعترض وأمثاله قد خالفوا قول الله ورسوله وسائر أئمة المسلمين، فإنهم متفقون على أن النبي ﷺ قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» وأن شدّ الرحال لزيارة القبور داخل في ذلك، إما بطريق العموم اللفظي، كدخول المساجد، وإما بطريق الفحوى وتنبيه الخطاب. فإنه إذا كان السفر إلى المساجد التي هي أحبّ البقاع إلى الله غير مشروع، فما دونها أولى أن لا يكون مشروعا، ومعلوم أن الصلوات الخمس جماعة وفرادى وقراءة القرآن والاعتكاف والذكر والدعاء هو مشروع في المساجد، وهو في المساجد أفضل منه في القبور، فإذا كان لا يسافر لذلك إلى المساجد فلا يسافر لذلك إلى القبور بطريق الأولى، وإذا لم يسافر لهذه العبادات التي يحبّها الله ورسوله، وهي إما واجبة مستحبة، إذا لم يسافر لها لا إلى المساجد ولا إلى
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢٣، ٢٨١٠، ٣١٢٦، ٧٤٥٨) ومسلم (١٩٠٤).
[ ٢١٦ ]
القبور، فلا يسافر إلى القبور. ولما لم يأمر الله به من الشرك والبدع بطريق الأولى، فهذا أمر معلوم بالاضطرار من دين الرسول، لكن لمن عرف دينه المتفق عليه بين علماء أمته، فمن جعل هذا السفر مستحبا أو مشروعا أو استحلّ عداوة من نهى عنه وعقوبته، فهذا محادّ لله ولرسوله، وهو المستحق للجهاد دون الآمر بما أمر الله به الناهي عما نهى الله عنه، فإنه يجب نصره وموالاته، كما يجب جهاد المخالف له ومعاداة ما أتاه من الباطل. وما استحبه علماء المسلمين وأجمعوا عليه من السفر إلى مسجد الرسول وزيارته على الوجه الشرعي فهذا مستحب بالإجماع لا ينازع فيه أحد، فإن كانوا يجاهدون من نهى عن هذا فهذا لا وجود له.
وإن جاهدوا أهل النزاع من المسلمين، فمسائل النزاع إما أن لا يكون فيها جهاد بل جدال وبيان وحجة وبرهان، وهذا جهاد باللسان، وإما أن يكون فيها جهاد، فيكون لمن خالف السنة والرسول، لا من اتبع الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة.
وحينئذ فعلى كل تقدير قد تبين أن المعترض وأمثاله من أهل البدع والضلال والكذب والجهل وتبديل الدين وتغيير شريعة الرسل هم أولى بأن يجاهدوا باليد واللسان بحسب الإمكان، وإنهم فيما استحلّوه من جهاد أهل العلم والسنة من جنس الخوارج المارقين، بل هم شر من أولئك، فإن أولئك لم يكونوا يدعون إلى الشرك ومعصية الرسول، وظنهم أنهم ينصرونهم ظن باطل لا ينفعهم، كظن النصارى أنهم ينصرون المسيح ورسل الله، وقد اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:
٣١]. وقد قال النبي ﷺ لعدي بن حاتم لما قال له ما عبدوهم قال: «إنهم أحلّوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم» «١». رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما وصححه.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٠٩٥) وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٦/ ١٧٨٤/ ١٠٠٥٧) وابن جرير الطبري في «تفسيره» (١٠/ ٨١/ ٦١٦٣٢) وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٣/ ٤١١) والبيهقي في «السنن» (١٠/ ١١٦) والطبراني في «الكبير» (١٧/ رقم: ٢١٨ - ٢١٩) والمزي في «تهذيب الكمال» (٢٣/ ١١٨) والخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١٢٩ - ١٣٠/ ٧٥٣) وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٩٧٥ - ٩٧٦/ ١٨٦٢) - معلقا-. من طريق: عبد السلام بن حرب، حدثنا غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم به مرفوعا. وإسناده ضعيف. قال الترمذي: «هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث». قلت: غطيف بن أعين الجزري المحاربي روى عنه عبد السلام بن حرب، وأسد بن عمرو البجلي،-
[ ٢١٧ ]
فقد أخبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى أن رءوسهم لما أحلّوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فأطاعوهم، كانت تلك الطاعة عبادة لهم وشركا بالله، وهذا يتناول ما إذا أحلوا أو حرموا، معتمدين للمخالفة أو متأولين مخطئين، لا سيما وعلماء النصارى هم عند أنفسهم لم يفعلوا إلا ما يسوغ لهم فعله، كالرؤساء إذا قدّر أنهم اجتهدوا وأخطئوا يغفر لهم، فإن من اتبعهم مع علمه بأنهم أخطئوا وخالفوا الرسول ﷺ فقد عبد غير الله وأشرك به.
ومثل هذا المعترض يريد ممن يبيّن له سنة الرسول ﷺ وشرعه وتحليله وتحريمه أن يدع ذلك ويتّبع غيره، وهذا حرام بإجماع المسلمين، فقد أجمعوا على أن من تبين له ما جاء به الرسول ﷺ لم يجز له أن يقلد أحدا في خلافه «١». وأما العاجز عن الاجتهاد فيجوز له التقليد عند الأكثرين، وقيل: لا يجوز بحال، وأما القادر على الاجتهاد فمذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه لا يجوز له التقليد، وذهب طائفة إلى جوازه، وقيل: يجوز تقليد الأعلم، ويروى هذا عن محمد بن الحسن وغيره. فمن عاب من اتبع ما تبين له من سنة الرسول ﷺ ولم يستحلّ أن يخالفه ويتبع غيره فهو مخطئ مذموم على عيبه له بإجماع المسلمين، فكيف إذا كان يدعو إلى ما يفضي إلى الشرك العظيم، من دعاء غير الله، واتخاذهم أوثانا، والحج إلى غير بيت الله، لا سيما مع تفصيل الحج إليها على حج بيت الله، أو تسويته به، أو جعله قريبا منه، فهؤلاء المشركون والمفترون مثل هذا المعترض وأمثاله المستحقّين للجهاد، وبيان ما دعوا إليه من الضلال والفساد، وما نهوا عنه من الهدى والرشاد، ولتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
_________________
(١) - وإسحاق بن أبي فروة، والقاسم بن مالك المزني. فانتفت جهالة عينه. وقد وثقه ابن حبان! لكن ضعفه الدارقطني والحافظ ابن حجر وغيرهما. والحديث حسّنه المصنف في كتاب «الإيمان» ص ٥٨. وضعّفه الشيخ الدوسري﵀- في «النهج السديد» ص ٥٣. وحسّنه المحدث الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٢٤٧١) و«غاية المرام» (٦). ومن حسّنه باعتبار شاهد رواه حذيفة بن اليمان ﵁ موقوفا. أخرجه ابن جرير (١٠/ ٨١) وابن أبي حاتم (٦/ ١٧٨٤/ ١٠٠٥٨) والبيهقي (١٠/ ١١٦) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ١٣٠ - ١٣١/ ٧٥٥) وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢/ ٩٧٧/ ١٨٦٤) وغيرهم. تنبيه: ١ - أكثر المفسرين الذين ذكروا الحديث عزوه لأحمد في «المسند» كما فعل المصنف هنا، ولم أجده فيه في مسند عدي بن حاتم.
(٢) بعض العلماء الذين ذكروا الحديث ينقلون تصحيح أو تحسين الترمذي للحديث، وهو في المطبوعة الموجودة بين أيدينا إنما استغربه فقط- يعني ضعّفه-. والله تعالى أعلم بالصواب.
(٣) انظر أقوالهم في ذلك في مقدمة كتاب «صفة صلاة النبي ﷺ» للمحدث الألباني.
[ ٢١٨ ]
[الفرقان بين الحق والباطل]
ونختم الكلام بخاتمة في بيان الفرقان بين الحق والباطل يظهر بها طريق الهدى من الضلال، وذلك أن الله سبحانه كما تقدم التنبيه عليه أمرنا أن نؤمن بالأنبياء وما جاءوا به، وفرض علينا طاعة الرسول الذي بعث إلينا ومحبته وتعزيره وتوقيره والتسليم لحكمه، وأمرنا أيضا أن لا نعبد إلا الله وحده ولا نشرك به شيئا، ولا نتخذ الملائكة والنبيين أربابا، وفرق بين حقه الذي يختص به الذي لا يشركه فيه لا ملك ولا نبي، وبين الحق الذي أوجبه علينا لملائكته وأنبيائه عموما، ولمحمد خاتم الرسل وخير مرسل الذي جاءه بالوحي خصوصا، فإن الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، فاصطفى من الملائكة جبريل لرسالته، واصطفى من البشر محمدا ﷺ، وأخبر أن هذا القرآن الذي نزل به هذا الرسول إلى هذا الرسول مبلغا له عن الله، قال تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة: ٩٧] وقال: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] كما قال في الآية الأخرى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ [النحل: ١٠١] إلى قوله: عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: ١٠٣] وقوله: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ إلى قوله: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ [النحل: ١٠٢] يبيّن أن روح القدس نزل بآيات القرآن من ربه، وبعض الكفار لما زعم أنه يتعلّم من بشر، قال الله تعالى: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ [النحل: ١٠٣]- أي: يضيفون إليه التعليم-: أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ فدل على أن هذا اللسان العربي المبيّن تعلّمه من الملائكة، ولم يتعلمه من بشر، ولا من تلقاء نفسه، بل جاءه به روح القدس، وروح القدس هو جبريل، وهو الروح الأمين، فإنه أخبر أن جبريل نزله على قلبه، وأخبر أن الروح الأمين نزل به عليه، فعلم أن جبريل وهو الروح الأمين. وقال هاهنا: نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ فعلم أنه روح القدس وقال في سورة التكوير: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ١٩ - ٢١] ثم قال: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٢، ٢٣]. كما ذكر ذلك في سورة النجم. وقال في سورة الحاقة: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ [الحاقة: ٣٨، ٣٩] إلى قوله: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [الحاقة: ٤٣] إلى قوله: حاجِزِينَ [الحاقة: ٤٧].
فهذا محمد كما يدل عليه الكلام كله، وهذا قول عامة العلماء، وقد غلط بعض من شذّ فزعم أن جبريل غلط كما غلط من هو أعظم غلطا منه فزعم أن التي في التكوير في محمد ﷺ وهو ﷾ إنما أضافه إلى هذا تارة وإلى هذا تارة بلفظ الرسول ﷺ ليبيّن أنه قول رسول بلّغه عن مرسله لم يحدث منه شيئا من تلقاء نفسه.
ولا منافاة بين أن يكون ذلك الرسول بلّغه إلى هذا وهذا بلّغه إلى الإنس والجن، فهو
[ ٢١٩ ]
قول هذا وقول هذا، وقد غلط بعض الناس فظن أنه أضافه إلى الرسول لأنّه أحدث القرآن العربي وعبّر به عن المعنى الذي فهمه، وهذا باطل من وجوه. إذ لو كان هذا حقا تناقض الخبران، فإن كون هذا أحدث القرآن العربي يناقض كون الآخر أحدثه، فإنه إذا أحدثه أحدهما امتنع كون الآخر هو الذي أحدثه، بخلاف ما إذا بلّغه فإنه يبلّغه هذا إلى هذا، وهذا إلى الناس، والناس يبلّغونه بعضهم إلى بعض، كما قال تعالى:
لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ١٩] وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» «١». وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا؛ أن الله أوجب علينا الإيمان بمحمد ﷺ خصوصا وبالملك الذي جاءه بالقرآن، فإن سائر الأنبياء علينا أن نؤمن بهم مجملا، وأما محمد ﷺ فعلينا أن نطيعه في كل ما أوجبه وأمر به، وأن نصدّقه في كل ما أخبر به، وغيره من الأنبياء ﵈ علينا أن نؤمن بأن كل ما أخبروا به عن الله فهو حقّ، وأن طاعتهم فرض على من أرسلوا إليهم، ومحمد ﷺ أمرنا بما أمرتنا به الرسل من الدين العام؛ مثل عبادة الله وحده لا شريك له، والإيمان بالملائكة والنبيين وحمل الشرائع، بعد ما ذكره في سورة الأنعام وسبحان «٢»، بل وعامة السّور المكية، فإن ذلك مما اتفق عليه الرسل، ولكن بعض الأمور التي يقع في مثلها النسخ؛ مثل يوم السبت، وحلّ بعض الأطعمة وحرمتها، واتخاذ منسك هم ناسكوه، وهو مما تنوعت فيه الشرائع وخصّ الله محمدا ﷺ بأفضل الشرائع والمناهج، وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا، أن الله تعالى أمرنا بالإيمان بالأنبياء كلهم، وبجميع ما أوتوا، كما قال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى [البقرة: ١٣٦] الآية. وقال تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة: ١٧٧] وقال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥] وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء: ١٣٦] إلى قوله: وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١٥٢].
فالأنبياء وسائط بين الله ﷿ وبين عباده في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، وما أخبر به عن نفسه وملائكته، وغير ذلك مما كان وسيكون. وأما محمد ﷺ فهو الذي أرسل إلينا وإلى جميع الخلق، وقد ختم الله به الأنبياء، وآتاه من
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤٦١).
(٢) أي: سورة الإسراء.
[ ٢٢٠ ]
الفضائل ما فضّله به على غيره، وجعله سيد ولد آدم، وخصائصه وفضائله كثيرة وعظيمة، لا يسعها هذا الموضع.
وهو سبحانه مع هذا قد نهانا عن الشرك بهم والغلو فيهم، وميّز بين حقه تعالى وحقهم، فقال تعالى: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٩] إلى قوله: مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٨٠] فهذا بيان أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر، مع وجوب الإيمان بهم ما لم يحصل بعبادة الأوثان، فإن الأوثان تستحق الإهانة وأن تكسر كما كسّر إبراهيم الأصنام، وكما حرّق موسى العجل ونسفه، وكما كان نبينا ﷺ يكسر الأصنام ويهدم بيوتها، وقد قال تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨] فإهانتها من تمام التوحيد والإيمان.
والملائكة والأنبياء بل الصالحون يستحقون المحبة والموالاة والتكريم والثناء مع أنه يحرّم الغلوّ فيهم والشرك بهم، فلهذا صار بعض الناس يزيد في التعظيم على ما يستحقّونه فيصير شركا، وبعضهم يقصّر عما يجب لهم من الحق فيصير فيه نوع من الكفر.
والصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهو القيام بما أمر الله به ورسله في هذا وهذا. والله تعالى يميز حقه من حق غيره ففي الصحيحين عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: «يا معاذ أتدري ما حقّ الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري يا معاذ ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أن لا يعذّبهم» «١». وقد قال تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف: ٢٦] وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا [القصص: ٧٥] الآية. فالرسل كلهم، نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم يبينون أن العبادة التقوى حق لله وحده، وحق الرسل طاعتهم؛ قال نوح ﵇: يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح: ٢، ٣] وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وقال تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء: ١٠٥ - ١٠٨]. وكذلك قال سائر الرسل هود وصالح وشعيب، كل يقول: «فاتقوا الله وأطيعون» وكذلك في رسالة محمد ﷺ قال الله تعالى:
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ [النور: ٥٢] فجعل الطاعة لله
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ٢٢١ ]
والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده. وقال: وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ [النحل: ٥١] إلى قوله: أَفَلا تَتَّقُونَ [الأعراف: ٦٥] فأنكر سبحانه أن يتّقى غيره كما أمر ألا يرهب إلا إيّاه.
وقال تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [البقرة: ١٥٠] الآية. وقال تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ١٨]. فقد أمر الله تعالى في غير موضع بأن يخشى ويخاف ولا يخشى ويخاف غيره، وقال:
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ [التوبة: ٥٩] الآية. ففي الإيتاء قال: ما آتاهم الله ورسوله. كما قال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] لأن الحلال ما حلّله الله ورسوله، والحرام ما حرّمه الله ورسوله، فما أعطاه الرسول للناس فهو حقّهم بالقول والعمل؛ كالفرائض التي قسمها الله وأعطى كل ذي حق حقه، وكذلك من الفيء والصدقات ما أعطى فهو حقه، وما أباحه له فهو المباح، وما نهاه عنه فهو حرام عليه، فلهذا قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ [التوبة: ٥٩] ولم يقل هنا ورسوله لأن الله تعالى وحده حسب عبده، أي: كافيه، لا يحتاج الرب فيه كفايته إلى أحد لا رسول ولا نبي، ولهذا لا تجيء هذه الكلمة إلا لله وحده، كقوله: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران: ١٧٣] الآية. وقال تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: ١٢٩] وقال تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ إلى قوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٢ - ٦٤]. أي: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين، كما قاله جمهور أهل العلم. ومن قال: إن الله ومن اتبعك حسبك، فقد غلط ولم يجعل الله وحده حسبه، بل جعله وبعض المخلوقين حسبه، وهذا مخالف لسائر آيات القرآن. وقال:
أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦] فهو وحده كاف عبده. وقال تعالى: يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣] فلهذا قال تعالى: وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ ولم يقل ورسوله، ثم قال: إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ [التوبة: ٥٩] ولم يقل: ورسوله، بل جعل الرغبة إليه وحده، كما قال: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: ٧، ٨] فالرغبة تتضمن التوكل، وقد أمر أن لا يتوكّل إلا عليه، كقوله: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا [المائدة: ٢٣] وقوله: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل: ٩٩] فالتوكل على الله وحده، والرغبة إليه وحده، والرهبة منه وحده ليس لمخلوق لا للملائكة ولا الأنبياء في هذا حق، كما ليس لهم حق في العبادة.
ولا يجوز أن نعبد إلا الله وحده ولا نخشى ولا نتقي إلا الله وحده، كما قال
[ ٢٢٢ ]
تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢].
فإذا قال القائل: لا يجوز التوكل إلا على الله وحده، ولا العبادة إلا لله وحده، ولا يتّقى ويخشى إلا الله وحده؛ لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم، كان هذا تحقيقا للتوحيد ولم يكن هذا سبا لهم ولا تنقصا بهم ولا عيبا لهم، وإن كان فيه بيان نقص درجتهم عن درجة الربوبية، فنقص المخلوق عن الخالق من لوازم كل مخلوق، ويمتنع أن يكون المخلوق مثل الخالق والملائكة والأنبياء كلهم عباد لله يعبدونه، كما قال تعالى: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [النساء: ١٧٢] وقال تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ إلى قوله: كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩] فإذا نفى عن مخلوق ملك أو نبي أو غيرهما ما كان من خصائص الربوبية، وبيّن أنه عبد لله، كان هذا حقا واجب القبول، وكان إثباته إطراء للمخلوق، فإن دفعه عن ذلك كان عاصيا بل مشركا، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الذي في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنّما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله» «١». والله تعالى قد وصفه بالعبودية حين أرسله وحين تحدّى وحين أسرى به، فقال تعالى:
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ [الجن: ١٩] وقال: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [البقرة:
٢٣] وقال: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١]. وأهل الباطل يقولون لمن وصفهم بالعبودية إنه عابهم وسبّهم ونحو ذلك، كما ذكر طائفة من المفسرين أن وفد نجران قالوا: يا محمد؛ إنك تعيب صاحبنا وتقول إنه عبد فقال النبي ﵇:
ليس بعيب لعيسى أن يكون عبد الله، فنزل: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [النساء: ١٧٢] أي لم يأنف المسيح من ذلك، ولم يتعظم من جعله عبدا لله. فعند النصارى الغلاة أنه سبّه وعابه. ولهذا لما سأل النجاشي جعفر بن أبي طالب: ما تقول في المسيح عيسى؟ فقال: هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، رفع النجاشي عودا، وقال: ما زاد المسيح على ما قلت هذا العود، فنخرت بطارقته، فقال: وإن نخرتم «٢». فهم يجعلون قول الحق في المخلوق سبا له،
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) القصة أخرجها ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٣٤) وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ١١٥) وفي «دلائل النبوة» (١٩٤) وأحمد (١/ ٢٠١ - ٢٠٢ و٥/ ٢٩٠ - ٢٩٢) والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٣٠١ - ٣٠٣). من طريق: محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن أم سلمة زوج النبي ﵌. وإسناد القصة حسن؛ صرّح ابن إسحاق فيها بالتحديث عند أحمد وغيره.-
[ ٢٢٣ ]
وهم يسبّون الله ويصفونه بالنقائص والعيوب، كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله: شتمني ابن آدم، وما ينبغي له ذلك، وكذّبني وما ينبغي له ذلك. فأما شتمه إياي فقوله: إني اتخذت ولدا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. وأما تكذيبه إيّاي فقوله: إنه لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته» «١». رواه البخاري من حديث ابن عباس «٢» فقد أخبر سبحانه أن هؤلاء يسبّونه، وقد كان معاذ بن جبل يقول عن النصارى: «لا ترحموهم فقد سبّوا الله سبّة ما سبّه إياها أحد من البشر». وهذا نظير ما ذكره الله تعالى عن المشركين بقوله:
وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: ٣٦] أي يعيبها وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ [الأنبياء: ٣٦]. فكانوا ينكرون على محمد ﵇ أن يذكر آلهتهم بما تستحقه، وهم يكفرون بذكر الرحمن ولا ينكرون ذلك، كما قال تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: ١٠٨].
وهكذا من فيه شبه من اليهود والنصارى والمشركين تجده يغلو في بعض المخلوقين من المشايخ والأئمة والأنبياء وغيرهم، إذا ذكروا بما يستحقونه أنكر ذلك ونفر منه وعادى من فعل ذلك، وهو وأصحابه يستخفّون بعبادة الله وحده وبحقّه وبحرماته وشعائره، ولا ينكر ذلك. ويحلف أحدهم بالله ويكذّب، ويحلف بمن يعظّمه ويصدّق، ولا يستجيز الكذب إذا حلف به، وهؤلاء من جنس النصارى والمشركين. وكذلك قد يعيبون من نهى عن شركهم؛ كالحج إلى القبور التي يحجّون إليها عادة، وهم يستخفون بحرمة الحج إلى بيت الله ويجعلون الحج إلى القبور أفضل منه. وقد ينهون عن الحج اعتياضا إلى القبور، ويقولون: هذا الحج الأكبر، وهؤلاء من جنس المشركين وعبّاد الأوثان. وكذلك هذا المعترض وأمثاله يرون النهي عن الحج إلى قبور الأنبياء والصالحين إخلالا بحقهم، ومعاداة لهم، ونحو ذلك. وهم لا يرون الشرك بالله ودعاء غيره واتخاذ عباده من دونه أولياء؛ إخلالا بحقه ومعاداة له.
ومعلوم أن المشركين من أعظم أعداء الله ﷿، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة: ١] إلى قوله: حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: ٤] فأمر بالتأسي بإبراهيم ومن معه لما تبرّءوا من المشركين وما يعبده المشركون، وأظهروا لهم العداوة والبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده. فالمشرك
_________________
(١) - وانظر «المجمع» (٦/ ٢٤ - ٢٧). وتحقيق العلامة محمد شاكر على «المسند» رقم (١٧٤٠) و«فقه السيرة» بتخريج الشيخ الألباني (ص ١١٥).
(٢) أخرجه البخاري (٣١٩٣، ٤٩٧٤، ٤٩٧٥). ولم يخرجه مسلم، فعزوه للصحيحين وهم، والله أعلم.
(٣) برقم (٤٤٨٢).
[ ٢٢٤ ]
والآمر بالشرك والراضي به، معاد لله، ومن عادى الله فقد عادى أنبياءه وأولياءه.
وأما من أمر بما جاءت به الرسل، فلم يعادهم ولم يعاندهم. قال الله تعالى:
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [الكافرون: ١] إلى آخر السورة.
وهنا موضع يشكل وذلك أنه قال ﵇ في الحديث الصحيح: «أصدق كلمة قد قالها شاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل» «١» وذلك مثل قوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ [الحج: ٦٢]. فالمراد بالباطل؛ ما لا ينفع، وكل ما سوى الله لا تنفع عبادته، كما في الأثر: «أشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار أرضك باطل إلا وجهك الكريم» فإن هذا يدخل فيه كل ما عبد من دون الله من الملائكة والأنبياء، وهؤلاء قد سبقت لهم من الله الحسنى، فكيف يدخلون في الباطل؟ وكذلك قوله: فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يونس: ٣٢]؟ فيقال: إن المراد عبادتهم والعمل لهم باطل، وقد يقال عن الشيء إنه لا شيء لانتفاء المقصود منه ليس بشيء، وكما قال ﵇ عن الكهان لما سئل عنهم، فقال: «ليسوا بشيء». فقالوا: إنهم يحدّثون بالشيء فيكون حقا، فذكر:
«أن ذلك من الجن تخطف الكلمة من الحقّ ويزيدون فيها من الكذب مائة كذبة» «٢». فهم ليسوا بشيء؛ أي: لا ينتفع بهم فيما يقصد منهم، وهو الاستخبار عن الأمور الغائبة، لأنهم يكذبون كثيرا، فلا يدرى ما قالوه أهو صدق أم كذب، وهم مع ذلك موجودون يضلّون ويضلّون. فقوله: «ليس بشيء» مثل قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وقوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ [الحج: ٦٢] فهو من جهة كونه معبودا باطل لا ينتفع به، ولا يحصل لعابده مقصود العبادة، وإن كان من جهة أخرى هو شمس وقمر ينتفع بضيائه ونوره، وهو يسجد لله ويسبّحه. وكذلك الملائكة والأنبياء إذا نفي عنهم كونهم آلهة معبودين تبيّن أن عبادتهم عمل باطل لا ينتفع به لم ينف ذلك ما يستحقونه من الإجلال والإكرام، وعلوّ قدرهم عند الله تعالى، والتبرّي من عبادتهم، وكونهم معبودين، لا من موالاتهم والإيمان بهم، وقولهم: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الممتحنة: ٤] أي: ومن عبادتهم ومن كونهم معبودين، كما قال الخليل ﵇: يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٧٨] فهو بريء من كل شريك لله من جهة كونه جعل شريكا وندا لله، ولم يبرأ منه من
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٨٤١، ٦١٤٧، ٦٤٨٩) ومسلم (٢٢٥٦).
(٢) أخرجه البخاري (٥٧٦٢) ومسلم (٢٢٢٨) من حديث عائشة ﵂.
[ ٢٢٥ ]
جهات أخرى فإبراهيم لم يبرأ من الشمس والقمر والكواكب من جهة كونها مسخّرة لمنافع العباد، وكونها تسجد لله وتسبّحه، وكونها من آياته العظيمة، بل من جهة كونها شركا لله، وقوله: إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ وإن كان يقال: ما يعبدونه، إن من شرككم فقد صرح في قوله: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي بريء من المعبودين من دون الله، وكذلك قوله: أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧].
أما الأوثان ونحوها فتعادى مطلقا، والشمس والقمر والملائكة والكواكب تعادى عبادتها وكونها آلهة معبودة، فتبغض من هذه الجهات وتعادى مع وجوب الإيمان بالملائكة، وإذا قيل للنصارى نحن براء من شرككم ومما تعبدون من دون الله، وقد قال تعالى: قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [المائدة: ٧٦] هذا بعد قوله تعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [المائدة: ٧٥] فقد عبد المسيح وغيره، فالبراءة من كل معبود سوى الله؛ كالبراءة من كل إله سوى الله، وذلك براءة من الشرك ومن كون ما سوى الله معبودا، وليس هو براءة من المسيح من جهة كونه رسولا كريما وجيها عند الله، بل براءة مما قيل فيه من الباطل لا من الحق، والمسيح والملائكة وغيرهم يتبرّءون ممن عبدوهم، ويعادونهم ولا يوالونهم، قال الله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ إلى قوله تعالى: أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ: ٤٠، ٤١] وقال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الفرقان: ١٧] الآية. وقال تعالى: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص: ٦٢] الآية. وقال تعالى: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ [الكهف: ١٠٢] وقال تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُ [الشورى: ٩] وقال تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا [الأنعام: ١٤] الآية. وهو سبحانه لم ينه عن موالاتهم دونه، فمن أحبهم ووالاهم لله فهو موحّد، ومن جعلهم أندادا أحبهم كما يحب الله فهو مشرك، فالحب لله توحيد وإيمان، والحب كما يحبّ الله شرك وكفر. وكذلك الشفاعة، قال تعالى:
ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ [السجدة: ٤] وقال تعالى: لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام: ٧٠] وقال ﷿: ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يونس: ٣] وقال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥] وقال تعالى: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٣] فتبيّن أنه لا تنفع شفاعة الملائكة والأنبياء ولا غيرهم إلا لمن أذن له، حتى إذا قضي بالأمر ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله تعالى كأنه سلسلة على صفوان، وصعقوا فلا يعلمون ما قال: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ
[ ٢٢٦ ]
رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: ٢٣] فحينئذ يعلمون ما قضى به «١». فكيف يشفعون بدون إذنه.
قال الله تعالى: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧] وقال: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا [الزمر: ٤٣] الآية. وأوجه الشفعاء وأول شافع يوم القيامة محمد ﷺ، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أحاديث الشفاعة أن الناس يوم القيامة إذا ذهبوا إلى آدم ليشفع لهم يردهم إلى نوح، ونوح إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى المسيح، والمسيح إلى محمد صلى الله عليهم أجمعين، فيقول: اذهبوا إلى محمد فإنه عبد غفر له الله ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، قال ﷺ: «فيأتوني فأذهب إلى ربي فإذا رأيت ربّي خررت ساجدا، وأحمد ربي بمحامد يفتحها عليّ لا أحسنها الآن، وحينئذ فيقول تعالى: أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفّع، قال: فأقول: أي ربّ أمتي فيحدّ لي حدا فأدخلهم الجنة» «٢». وكذلك ذكر في الثانية والثالثة وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قلت: «يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال ﷺ: يا أبا هريرة ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» «٣». فقد بيّن أوجه الشفعاء أنه إذا أتى يبدأ بالسجود لله والحمد لله، لا يبدأ بالشفاعة حتى يؤذن له، فإذا أذن له فحينئذ يشفع، فإذا شفع حدّ له حدا فيدخلهم الجنة.
وبيّن أن أولى الناس بشفاعته من كان أعظم إخلاصا وتوحيدا لا من كان سائلا وطالبا منه أو من غيره، فالأمر كله لله وحده لا شريك له، هو الذي يأذن في الشفاعة وهو الذي يقبل شفاعة الشفيع فيمن يختار، فربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون. فالذين يخالفون شريعة الأنبياء ويغلون فيهم ويقولون إنهم يحبونهم ويوالونهم ويعظمونهم بذلك؛ فالأنبياء يتبرّءون منهم، ومحمد ﷺ بريء من عمل من يخالف أمره وسنّته، قال الله تعالى: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء: ٢١٦] ولا ينفع من عصى الرسول أن يقول: قصدي تعظيمهم، فإنه إنما أمر بطاعتهم، ولم يؤمر أن يعبد الله بالظن وما تهوى الأنفس، قال الله تعالى:
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ إلى قوله: شَهِيدٌ [المائدة: ١١٦، ١١٧]. فقد أخبر أنه لم يقل لهم إلا ما أمره الله به؛ أن يعبدوا الله وحده، وكذلك سائر الأنبياء، قال الله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ
_________________
(١) كما في «صحيح البخاري» (٤٧٠١، ٤٨٠٠، ٧٤٨١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) تقدم
(٣) أخرجه البخاري (٩٩، ٦٥٧٠).
[ ٢٢٧ ]
أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]. وهو سبحانه إنما يعبد بما شرع من الدين، لا يعبد بما شرع من الدين بغير إذنه فإن ذلك شرك، قال الله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] وقال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا إلى قوله: ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [الشورى: ١٣] والدين الذي شرعه إما واجب، وإما مستحب، فكل من عبد عبادة ليست واجبة في شرع الرسول ولا مستحبة؛ كانت من الشرك والبدع. والحجّ إلى القبور ليس من شرعه، لا واجبا ولا مستحبا، فإنه لا يقدر أحد أن ينقل عنه حديثا صحيحا في استحباب ذلك، ولا عن أصحابه، ولا علماء أمته، وإنما ينقل في ذلك أحاديث مكذوبة، فهي من الإفك والشرك. وإنما السفر إلى المساجد الثلاثة لأنه سفر إلى بيوت الله التي بنتها الأنبياء لعبادته، واحدها يجب الحج إليه، والآخر أن يستحب السفر إليهما.
والحج الواجب كما يختص بذلك المكان فهو يختص بأعمال لا تشرع في غيره، كالطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى، ورمي الجمار، وسوق الهدي إلى هناك، وغير ذلك.
وأما المسجدان الآخران فلا يشرع فيهما إلا من جنس ما يشرع لسائر المساجد؛ كالصلاة والذكر والدعاء والاعتكاف، لكن للعبادة فيهما فضيلة على العبادة في سائر المساجد أوجبت تلك الفضيلة أن يشرع السفر إليهما.
وقبر النبي ﷺ مجاور مسجده فإذا أتى مسجده فعل فيه ما يشرع له من حق الرسول من الصلاة والسلام وغير ذلك، وكل ما يفعله من ذلك في مسجده فهو مشروع في سائر المساجد والأمكنة، لكن مسجده أفضل، فالصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. وهذا الفعل المشروع في حقه، كالصلاة والسلام هل يسمى زيارة لقبره، ويطلق ذلك عليه؟ على قولين معروفين. فإنه لا يوصل إلى قبره ويزار الزيارة المعروفة في حق غيره، بل قد منع الناس من ذلك، فما بقي المشروع هناك كالمشروع من الزيارة لسائر القبور، إذا كان الله قد خص نبيه بالأمر بالصلاة والسلام عليه في كل مكان وزمان، وخصّ بالدفن في حجرته، فلا يصل أحد إليه لئلا يتّخذ قبره مسجدا ووثنا وعيدا. وكلما تدبر الإنسان ما أمر به وشرعه تبين له أنه جمع في شرعه بين كمال توحيد الربّ وإخلاص الدين له، وبين كمال طاعة الرسل وتعزيرهم ومحبتهم وموالاتهم ومتابعتهم، فأسعد الناس في الدنيا والآخرة أتبعهم للرسول باطنا وظاهرا، ﷺ تسليما، والحمد لله وصلواته وسلامه على محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ٢٢٨ ]
وجد في آخر الأصل ما نصه: «آخر كتاب الرد على الأخنائي قاضي المالكية، واستحباب زيارة خير البرية الزيارة الشرعية لا البدعية». لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية. أنهاه بقلمه راجي عفو ربه وكرمه الفقير إلى رحمة ربه الولي حسين بن حسن بن حسين بن علي غفر الله له ولوالديه ولكافة المسلمين. جعله الله نافعا من قرأه ومن نظر فيه ومن سأل لوالدي المغفرة، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غرة جمادى الآخرة سنة ١٣٠٣ هـ» «١».
_________________
(١) قال أبو عبد الله- عفا الله عنه-: وقد انتهيت من تحقيقه والتعليق عليه في عصر يوم الأربعاء، العاشر من رمضان المبارك، عام واحد وعشرين وأربعمائة وألف لهجرة المصطفى ﵌.
[ ٢٢٩ ]