مدخل
الأصل الرابع: الإيمان بالرسل
الإيمان بالرسل أحد أصول الإيمان؛ لأنهم الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ رسالته وإقامة حجته على خلقه، والإيمان بهم يعني التصديق برسالتهم والإقرار بنبوتهم، وأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله، وقد بلغوا الرسالات، وبينوا للناس ما لا يسع أحدًا جهله.
والأدلة على وجوب الإبمان بالرسل كثيرة؛ منها:
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ١. وقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ ٣.
ففي هذه الآيات قرن الله الإيمان بالرسل بالإيمان به - سبحانه - وبملائكته وكتبه، وحكم بكفر من فرق بين الله ورسله؛ فآمن ببعض وكفر ببعض.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ١٧٧. ٢ سورة البقرة، الآية: ٢٨٥. ٣ سورة النساء، الآية: ١٥٠.
[ ١٧٧ ]
وبَعْث الرسل نعمة من الله على البشرية؛ لأن حاجة البشرية إليهم ضرورية؛ فلا تنتظم لهم حال، ولا يستقيم لهم دين؛ إلا بهم، فهم يحتاجون إلى الرسل أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الله - سبحانه - جعل الرسل وسائط بينه بين خلقه، في تعريفهم بالله وبما ينفعهم وما يضرهم، وفي تفصيل الشرائع، والأمر والنهي والإباحة، وبيان ما يحبه الله وما يكرهه؛ فلا سبيل إلى معرفة ذلك إلا من جهة الرسل؛ فإن العقل لا يهتدي إلى تفصيل هذه الأمور، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة.
قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيه﴾ ١.
وحاجة العباد إلى الرسالات أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطبيب؛ فإن غاية ما يحصل بعدم وجود الطبيب تضرر البدن، والذي يحصل من عدم الرسالة تضرر القلوب، ولا بقاء لأهل الأرض إلا ما دامت آثار الرسالة موجودة فيهم، فإذا ذهبت آثار الرسالة من الأرض؛ أقام الله القيامة.
والرسل الذين ذكر الله لأسماءهم في القرآن يجب الإيمان بأعيانهم، وهم خمسة وعشرون، منهم ثمانية عشر ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلًاّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٢، والباقون - وهم سبعة - ذكروا في آيات متفرقة.
ومن لم يسَّم في القرآن من الرسل؛ وجب الإيمان به إجمالًا؛ قال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٢١٣. ٢ سورة الأنعام، الآيات: ٨٣ - ٦٨. ٣ سورة غافر، الآية: ٧٨. ٤ سورة النساء، الآية: ١٦٤.
[ ١٧٨ ]
وهنا مسألة تحتاج إلى بيان، وهي الفرق بين النبي والرسول: فالفرق بين النبي والرسول على المشهور: أن الرسول إنسان ذكر أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي إنسان ذكر أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، وكل من النبي والرسول يوحى إليه، لكن النبي قد بيعث في قوم مؤمنين بشرائع سابقة كأنبياء بني إسرائيل؛ يأمرون بشريعة التوراة، وقد يوحى إلى أحدهم وحي خاص في قضية معينة، وأما الرسل فإنهم يبعثون في قوم كفار؛ يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته؛ فهم يرسلون إلى مخالفين فيكذبهم بعضهم. والرسول أفضل من النبي.
والرسل يتفاضلون؛ قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١.
وأفضل الرسل أولو العزم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ ٣.
وأفضل أولي العزم الخليلان إبراهيم ومحمد عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام، وأفضل الخليلان محمد ﷺ.
هذا؛ والنبوة تفضل واختيار من الله - تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ ٤، وليست النبوة كسبا يناله العبد بالجد، والاجتهاد، وتكلف أنواع العبادات، واقتحام أشق الطاعات، والدأب في تهذيب النفس وتنقية الخاطر وتطهير الأخلاق ورياضة النفس؛ كما
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٢٥٣. ٢ سورة الأحزاب، الآية: ٧. ٣ سورة الشورى، الآية: ١٣. ٤ سورة الحج، الآية: ٧٥.
[ ١٧٩ ]
يقول الفلاسفة ط: أنه يجوز اكتساب النبوة؛ حيث يزعمون أن من لازم المشاهدة بعد كمال ظاهره وباطنه بالتهذيب والرياضة؛ فإنها تنصقل مرآة باطنه، وتفتح بصيرة لبه، ويتهيأ ما لا يتهيأ لغيره.
فللنبوة عند الفلاسفة ثلاث خصائص:
الأولى: القوة العلمية؛ ينال العلم بدون تعلم، بل بطريق القوة.
الثانية: قوى التخيل؛ بحيث يتخيل في نفسه أشكالًا نورانية تخاطبه ويسمع الخطاب منها.
الثالثة: قوة التأثير في الناس، وهي التي يسمونها التصرف في هيولي العالم.
وهذه الصفات عندهم تحصل بالاكتساب.
ولهذا؛ طلب النبوة بعض المتصوفة؛ فهي عندهم صنعة من الصنائع، وهذا قول باطل يرد عليه قول الله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ ٢.
فالنبوة اصطفاء من الله حسب حكمته وعلمه بمن يصلح لها، وليست اكتسابا من قبل العبد.
صحيح أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اختصموا بفضائل يمتازون بها عن غيرهم، ولكن ليست على النحو الذي يقوله الفلاسفة الضلال.
[ ١٨٠ ]
دلائل النبوة:
دلائل النبوة هي الأدلة التي تعرف بها نبوة النبي الصادق، ويعرف بها كذب المدعي للنبوة من المتنبئين الكذبة؛ لأن هذا موضوع مهم جدًّا.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية: ١٢٤. ٢ سورة الحج، الآية: ٧٥.
[ ١٨٠ ]
ودلائل النبوة كثيرة ومتنوعة وغير محصورة:
فمنها: المعجزة، وهي اسم فاعل من العجز المقابل للقدرة.
وفي "القاموس": معجزة النبي ما أعجز به الخصم عند التحدي، والهاء فيها للمبالغة، وهي أمر خارق للعادة، يجريه الله على يد من يختاره لنبوته؛ ليدل على صدقه وصحة رسالته.
ومعجزات الرسل عليهم الصلاة والسلام كثيرة؛ منها الناقة التي أوتيها صالح ﵇ حجة على قومه، وقلب العصا حية آية لموسى ﵇، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى آية لعيسى ﵇، ومنها معجزات نبينا محمد ﷺ، وهي كثيرة، أعظمها القرآن الكريم، وهي المعجزة الخالدة، التي تحدى الله بها الجن والإنس، ومنها الإسراء والمعراج، وانشقاق القمر، وتسبيح الحصا في كفه ﵊، وحنين الجذع إليه، وإخباره عن حوادث المستقبل والماضي.
ودلائل النبوة ليست محصورة في المعجزة كما يقوله المتكلمون، بل هي كثيرة متنوعة.
منها: إخبارهم الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أعدائهم وبقاء العاقبة لهم، فوقع كما أخبروا، ولم يتخلف منه شيء؛ كما حصل لنوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وموسى ونبينا محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، مما قصه الله في كتابه.
ومنها: أن ما جاؤوا به من الشرائع والأخبار في غاية الإحكام والإتقان وكشف الحقائق وهدي الخلق؛ مما يعلم بالضرورة أن مثله لا يصدر إلا عن أعمل الناس وأبرهم.
ومنها: أن الله يؤيدهم تأييدًا مستمرًا، وقد علم من سنته - سبحانه - أنه لا يؤيد
[ ١٨١ ]
الكذاب بمثل ما يؤيد به الصادق، بل لا بد أن يفتضح الكذاب، وقد يمهله الله ثم يهلكه.
ومنها: أن طريقتهم واحدة فيما يأمرون به من عبادة الله، والعمل بطاعته، والتصديق باليوم الآخر، والإيمان بجميع الكتب والرسل؛ فلا يمكن خروج واحد منهم عما اتفقوا عليه؛ فهم يصدق متأخرهم متقدمهم، ويبشر متقدمهم بمتأخرهم؛ كما بشر المسيح ومن قبله بمحمد ﷺ، وكما صدق محمد ﷺ جميع النبيين قبله.
ومن دلائل النبوة: تأييد الله للأنبياء؛ فقد علم من سنة الله وعادته أنه لا يؤيد الكذاب بمثل ما يؤيد الصادق، بل يفضح الكذاب ولا ينصره، يل لا بد أن يهلكه، وإذا نصر ملكا ظالما؛ فهو لم يدع النبوة ولم يكذب عليه، بل هو ظالم سلطه الله على ظالم مثله؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ ١؛ بخلاف من قال: إن الله أرسله، وهو كاذب؛ فهذا لا يؤيده تأييدًا مستمرًا، لكن يمهله مدة ثم يهلكه.
والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما هو دون دعوى النبوة؛ فكيف بدعوى النبوة؟! ومعلوم أن مدعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكمله، وإما أن يكون من أنقص الخلق، ولهذا قال أحد أكابر ثقيف للنبي ﷺ لما بلغهم ودعاهم إلى الإسلام؛ فقال له: "والله لا أقول لك كلمة واحدة، إن كنت صادقا؛ فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذبا؛ فأنت أحقر من أن أرد عليك"؛ فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم؟!.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية: ١٢٩.
[ ١٨٢ ]
وما من أحد ادعى النبوة من الصادقين إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع والخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز؛ فإن الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور ولا بد أن يفعل أمورًا، والكاذب يظهر من نفس ما يأمر به ويخبر عنه ويفعله ما يظهر به كذبه من وجوه كثيرة.
هذا؛ وربما يسأل سائل عن الفرق بين دلائل النبوة وخوارق السحرة والكهان، وعجائب المخترعات التي ظهرت اليوم.
والجواب: أن هناك فوارك كثيرة بين دلائل النبوة وخوارق السحرة والكهان والاختراعات الصناعية:
منها: أن أخبار الأنبياء لا يقع فيها تخلف ولا غلط؛ بخلاف أخبار الكهنة والمنجمين؛ فالغالب عليها الكذب، وإن صدقوا أحيانا في بعض الأشياء؛ بسبب ما يحصل عليه الكهان من استراق شياطينهم للسمع.
ومنها: أن السحر والكهانة والاختراع أمور معتادة معروفة، ينالها الإنسان بكسبه وتعلمه؛ فهي لا تحرج عن كونها مقدورة للجن والإنس، ويمكن معارضتها بمثلها؛ بخلاف آيات الأنبياء؛ فإنها لا يقدر عليها جن ولا إنس؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ١؛ فآيات الأنبياء لا يقدر عليها الخلق، بل الله هو الذي يفعلها آية وعلامة على صدقهم؛ كانشقاق القمر، وقلب العصا حية، وتسبيح الحصا بصوت يسمع، وحنين الجذع، وتكثير الماء والطعام القليل؛ فهذه لا يقدر عليها إلا الله.
ومنها: أن الأنبياء مؤمنون مسلمون، يعبدون الله وحده بما أمر، ويصدقون جميع ما جاءت به الأنبياء، وأما السحرة والكهان والمتنبئون الكذبة؛ فلا يكونون إلا مشركين مكذبين ببعض ما أنزل الله.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية: ٨٨.
[ ١٨٣ ]
ومنها: أن الفطر والعقول توافق ما جاء به الأنبياء ﵈، وأما السحرة والكهان والدجالون والكذابون؛ فإنهم يخالفون الأدلة السمعية والعقلية والفطرية.
ومنها: أن الأنبياء جاؤوا بما يكمل الفطر والعقول والسحرة والكهان والكذبة يجيئون بما يفسد العقول والفطر.
ومنها: أن معجزات الأنبياء لا تحصل بأفعالهم هم، وإنما يفعلها الله - ﷿ - آية وعلامة لهم؛ كانشقاق القمر، وقلب العصا حية، والإتيان بالقرآن، والإخبار بالغيب الذي يختص الله به؛ فأمر الآيات إلى الله، لا إلى اختيار المخلوق؛ كما قال الله لنبيه عندما طلبوا منه أن يأتي بآية؛ قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ١، وأما خوارق السحرة والكهان والمخترعات الصناعية؛ فإنها تحصل بأفعال الخلق.
والفوارق بين آيات الأنبياء وخوارق الكهان كثيرة واضحة، ومن أراد المزيد؛ فليراجع كتاب (النبوات) لشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -.
[ ١٨٤ ]
معجزات القران
معجزة القرآن:
إن أعظم معجزات نبينا محمد ﷺ هو القرآن العظيم؛ لأن كل نبي تكون معجزته مناسبة لحال قومه، ولذلك لما كان السحر فاشيا في قوم فرعون؛ جاء موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة، لكنها تلقفت ما صنعوا؛ فاحتاروا، وانفجعوا، وعلموا أن ما جاء به موسى هو الحق، وليس من السحر؛ كما قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ٢، ولم يقع ذلك بعينه لموسى ﵇، ولما كان الزمن الذي يعيش فيه عيسى ﵇ قد فشا فيه الطب؛ جاء المسيح بما حير الأطباء؛ من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص من الداء
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت، الآية: ٥٠. ٢ سورة السعراء، الآيات: ٤٦ - ٤٨.
[ ١٨٤ ]
العضال القبيح، وخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله؛ فطاشت عقول الأطباء، وأذعنوا أن ذلك من عند الله - ﷿ - ولما كانت العرب أرباب الفصاحة والبلاغة وفرسان الكلام والخطابة؛ جعل الله - سبحانه - معجزة نبينا محمد ﷺ هي القرآن الكريم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١، وهو المعجزة الباقية الخالدة على مر العصور؛ فقد اختار الله هذه المعجزة الباهرة لخاتمة الرسالات السماوية العامة للناس أجمعين.
فالقرآن معجزة يطلع عليها الأجيال في كل زمان ويتلونه، فيعلمون أنه كلام الله حقا، وليس كلام البشر، وقد تحدى الله الإنس والجن أن يأتوا بمثله أو بعشر سور منه، أو بسورة منه؛ فما استطاع أحد منهم منذ بعثة محمد ﷺ إلى عصرنا هذا؛ وإلى الأبد، أن يأتي أحد بكتاب مثله، أو بمثل سورة منه، على الرغم من وجود أعداء كثيرين للرسول ﷺ ولدين الإسلام في عصور التاريخ.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٢؛ فالتحدي لا يزال قائما إلى قيام الساعة في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا التحدي كان بمكة؛ فإن سورة يونس وهود والطور من المكي، ثم أعاد التحدي في المدينة بعد الهجرة؛ فقال في سورة البقرة (٢٣ - ٢٤)، وهي مدنية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا
_________________
(١) ١سورة فصلت، الآية: ٤٢. ٢ سورة البقرة، الآيتان: ٢٣ - ٢٤. ٣ سورة الطور، الآيتان: ٣٣ - ٣٤.
[ ١٨٥ ]
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١؛ فذكر أمرين:
أحدهما: قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾؛ يقول: إذا لم تفعلوا؛ فقد علمتم أنه حق؛ فخافوا أن تكذبون فيحيق بكم العذاب الذي وعدته للمكذبين.
والثاني: قوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾، و(لن) لنفي المستقبل، فثبت أنهم فيما يستقبل من الزمان لا يأتون بسورة من مثله، كما أخبر بذلك.
وأمر الله تعالى: نبيه ﷺ أن يقول في سورة (سبحان)، وهي مكية، افتتحها بذكر الإسراء، وهو كان بمكة بنص القرآن والخبر المتواتر: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ٢؛ أمره أن يخبر بالخبر جميع الخلق؛ معجزًا لهم، قاطعا بأنهم إذا اجتمعوا كلهم لا يأتون بمثل هذا القرآن لو تظاهروا عليه وتعاونوا على ذلك، وهذا التحدي لجميع الخلق، وقد سمعه كل من سمع القرآن وعرفه؛ الخاص والعام، وعلم من ذلك أنهم لم يعارضوه، ولا أتوا بسورة من مثله، ومن حين بعث ﷺ إلى اليوم والأمر على ذلك، مع ما علم من أن الخلق كانوا كلهم كفارًا قبل أن يبعث، ولما بعث إنما تبعه قليل، وكان الكفار من أحرص الناس على إبطال قوله، مجتهدين بكل طريق ممكن؛ تارة يذهبون إلى أهل الكتاب فيسألونهم عن أمور من الغيب حتى يسألوه عنها؛ كما سألوه عن قصة يوسف وأهل الكهف وذي القرنين، ويجتمعون في مجمع بعد مجمع؛ ليتفقوا على ما يقولونه فيه، وصاروا يضربون له الأمثال؛ فيشبهونه بمن ليس بمثله، مع ظهور الفرق؛ فتارة يقولون: مجنون، وتارة: ساحر وكاهن
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآيتان: ٢٣ - ٢٤. ٢ الإسراء: ٨٨.
[ ١٨٦ ]
وشاعر إلى أمثال ذلك من الأقوال التي يعلمون هم وغيرهم من كل عاقل يسمعها أنها افتراء عليه، فإذا كان قد تحداهم بالمعارضة مرة بعد مرة، وهي تبطل دعواهم؛ فمعلوم أنهم لو كانوا قادرين عليها؛ لفعلوها؛ فإنه مع وجود هذا الداعي التام المؤكد، إذا كانت القدرة حاصلة؛ وجب وجود المقدور، ثم هكذا القول في سائر أهل الأرض؛ فهذا يوجب علما مبينا لكل أحد بعجز جميع أهل الأرض عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن بحيلة وبغير حيلة، وهذا أبلغ من الآيات التي تكرر جنسها؛ كإحياء الموتى؛ فإن هذا لم يأت أحد بنظيره؛ فإقدامه ﷺ في أول الأمر على هذا التحدي وهو بمكة وأتباعه قليل؛ على أن يقول خبرًا يقطع به أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله في ذلك العصر وفي سائر الأعصار المتأخرة؛ لا يكون إلا مع جزمه بذلك وتيقنه له، وإلا؛ فمع الشك والظن لا يقول ذلك من يخاف أن يظهر كذبه فينفضح فيرجع الناس عن تصديقه، وإذا كان جازما بذلك متيقنا له؛ لم يكن ذلك إلا عن إعلام الله تعالى له بذلك، وليس في المعلوم المعتادة أن يعلم الإنسان أن جميع الخلق لا يقدرون أن يأتوا بمثل كلامه؛ إلا إذا علم العالم أنه خارج عن قدرة البشر، والعلم بهذا يستلزم كونه معجزًا.
والقرآن الكريم معجزة من وجه متعددة؛ من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانية التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب المستقبل وعن الغيب الماضي، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بيَّن فيه من الدلائل اليقينية.
[ ١٨٧ ]
عصمة الأنبياء:
(العصمة): المنعة، و(العاصم): المانع الحامي، (والاعتصام):
[ ١٨٧ ]
الامتساك بالشيء، والمراد بالعصمة هنا حفظ الله لأنبيائه من الذنوب والمعاصي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - حاكيا للخلاف ومبينا الراجح في هذه المسألة: "الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون عن الله سبحانه وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة، ولهذا؛ وجب الإيمان بكل ما أتوه؛ كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١، وقال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٢، وقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ٣.
قال: "وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التي يحصل بها مقصود النبوة والرسالة؛ فإن النبي هو المنبىء عن الله، والرسول هو الذي أرسله الله - تعالى، وكل رسول نبي، وليس كل نبي رسول، والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة؛ فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين ".
إلى أن قال: "وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة؛ فللناس فيه نزاع: هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع؟ ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها؟، أم هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها لا في فعلها؟ أم لا يجب القول بالعصمة إلا في التبليغ فقط؟ وهل تجب العصمة من الكفر والذنوب قبل المبعث أو لا؟.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآيتان: ١٣٦ - ١٣٧. ٢ سورة البقرة، الآية: ١٧٧. ٣ سورة البقرة، الآية: ٢٨٥.
[ ١٨٨ ]
والقول الذي عليه جمهور الناس، وهو الموافق للآثار المنقولة من السلف: إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا، والرد على من يقول: إنه يجوز إقرارهم عليها. وحجج القائلين بالعصمة إذا حررت إنما تدل على هذا القول، وحجج النفاة لا تدل على وقوع ذنب أقر عليه الأنبياء؛ فإن القائلين بالعصمة احتجوا بأن التأسي بهم إنما هو مشروع فيما أقروا عليه دون ما نهوا عنه ورجعوا عنه؛ كما أن الأمر والنهي إنما تجب طاعتهم فيما لم ينسخ منه، فأما ما نسخ من الأمر والنهي؛ فلا يجوز جعله مأمورًا به ولا منهيا عنه، فضلًا عن وجوب اتباعة والطاعة فيه، وكذلك ما احتجوا به من أن الذنوب تنافي الكمال، أو أنها ممن عظمت عليه النعمة أقبح، أو أنها توجب التغيير، أو نحو ذلك من الحجج العقلية؛ فهذا إنما يكون مع البقاء على ذلك وعدم الرجوع، وإلا؛ فالتوبة النصوح التي يقبلها الله يرفع بها صاحبها إلى أعظم مما كان عليه؛ كما قال بعض السلف: كان داود ﵇ بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة، وقال آخر: لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه؛ لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه، وقد ثبت في الصحاح حديث التوبة: "لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلًا " الحديث".
إلى أن قال: "وفي الكتاب والسنة الصحيحة والكتب التي أنزلت قبل القرآن مما يوافق هذا القول ما يتعذر إحصاؤه، والرادون لذلك تأولوا ذلك بمثل تأويلات الجهمية والقدرية والدهرية لنصوص الأسماء والصفات ونصوص القدر ونصوص المعاد، وهي من جنس تأويلات القرامطة الباطنية التي يعلم بالاضطرار أنها باطلة، وأنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه، وهؤلاء يقصد أحدهم تعظيم الأنبياء فيقع في تكذيبهم، ويريد الإيمان بهم فيقع في الكفر بهم.
ثم إن العصمة المعلومة بدليل الشرع والعقل والإجماع - وهي العصمة
[ ١٨٩ ]
في التبليغ - لم ينتفعوا بها؛ إذ كانوا لا يقرون بموجب ما بلغته الأنبياء، وإنما يقرون بلفظ حرفوا معناه أو كانوا فيه كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، والعصمة التي كانوا ادعوها لو كانت ثابتة؛ لم ينتفعوا بها، ولا حاجة بهم إليها عندهم؛ فإنها متعلقة بغيرهم، لا بما أمروا بالإيمان به، فيتكلم أحدهم فيها على الأنبياء بغير سلطان من الله ويدع ما يجب عليه من تصديق الأنبياء وطاعتهم، وهو الذي تحصل به السعادة، وبضده تحصل الشقاوة، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ ﴾ ١ الآية.
والله تعالى لم يذكر في القرآن شيئا من ذلك عن نبي من الأنبياء؛ إلا مقرونا بالتوبة والاستغفار:
كقول آدم وزوجته: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢.
وقول نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣.
وقول الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٤، وقوله: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ ٥.
وقول موسى: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ ٦، وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ ٧، وقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٨.
وقوله تعالى عن داود: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ٩.
_________________
(١) ١ سورة النور، الاية: ٤٥. ٢ سورة الأعراف، الآية: ٢٣. ٣ سورة هود، الآية: ٤٧. ٤سورة إبراهيم، الآية: ٤١. ٥ سورة الشعراء، الآية: ٨٢. ٦ سورة الأعراف، الآية: ١٥٥. ٧ سورة القصص، الآية: ١٦. ٨سورة الأعراف، الآية: ١٤٣. ٩ سورة ص، الآيتان: ٢٤ - ٢٥.
[ ١٩٠ ]
وقوله تعالى عن سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ١.
وأما يوسف الصديق؛ فلم يذكر الله عنه ذنبا؛ فلهذا لم يذكر الله عنه ما يناسب الذنب من الاستغفار، بل قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ٢؛ فأخبر أنه صرف عنه السوء والفحشاء، وهذا يدل على أنه لم يصدر منه سوء ولا فحشاء، وأما قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ٣؛ فالهم اسم جنس تحته نوعان؛ كما قال الإمام أحمد: "الهم نوعان: همُّ خطرات، وهمُّ إصرار"، وقد ثبت في (الصحيح) عن النبي ﷺ: "إن العبد إذا هم بسيئة؛ لم تكتب عليه، وإذا تركها؛ كتبت له حسنة، وإن عملها؛ كتبت له سيئة واحدة، وإن تركها من غير أن يتركها لله؛ لم تكتب له حسنة، ولا تكتب عليه سيئة"، ويوسف ﷺ همّ همّا تركه لله، ولذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء لإخلاصه، وذلك إنما يكون إذا قام المقتضى للذنب - وهو الهم - وعارضه الإخلاص الموجب لانصارف القلب عن الذنب لله؛ فيوسف ﵇ لم يصدر منه إلا حسنة يثاب عليها؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ٤.
إلى أن قال: "وبهذا يظهر جواب شبهة من يقول: إن الله لا يبعث نبيا إلا من كان معصوما قبل النبوة؛ كما يقول ذلك طائفة من الرافضة وغيرهم، وكذلك من قال: إنه لا يبعث نبيا إلا من كان مؤمنا قبل النبوة؛ فإن هؤلاء توهموا أن الذنوب تكون خفضا وإن تاب التائب منها، وهذا منشأ غلطهم، فمن ظن أن صاحب الذنوب مع التوبة النصوح يكون ناقصا؛ فهو غالط غلطا عظيما؛ فإن الذم والعقاب الذي يلحق أهل الذنوب لا يلحق التائب منها شيء أصلًا، لكن إن قدم التوبة؛ لم يلحقه شيء، وإن أخر التوبة؛ فقد يلحقه ما بين الذنوب
_________________
(١) ١ سورة ص، الآية: ٣٥. ٢ سورة يوسف، الآية: ٤٢. ٣ سورة يوسف، الآية: ٢٤. ٤ سورة الأعراف، الآية: ٢٠١.
[ ١٩١ ]
والتوبة من الذم والعقاب ما يناسب حاله.
والأنبياء صلوات الله عليه وسلامه كانوا لا يؤخرون التوبة، بل يسارعون إليها، ويسابقون إليها، لا يؤخرون ولا يصرون على الذنب، بل هم معصومون من ذلك، ومن أخر زمنا قليلًا؛ كفَّر الله ذلك بما يبتليه به؛ كما فعل بذي النون ﷺ، هذا على المشهور أن إلقاءه كان بعد النبوة، وأما من قال: إن إلقاءه كان قبل النبوة؛ فلا يحتاج إلى هذا، والتائب من الكفر والذنب قد يكون أفضل ممَّن لم يقع في الكفر والذنوب، وإذا كان قد يكون أفضل؛ فالأفضل أحق بالنبوة ممن ليس مثله في الفضيلة، وقد أخبر الله عن إخوة يوسف بما أخبر من ذنوبهم، وهم الأسباط الذين نبأهم الله - تعالى، وقد قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ ١؛ فآمن لوط لإبراهيم ﵇، ثم أرسله الله تعالى إلى قوم لوط، وقد قال تعالى في قصة شعيب: ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ ٣ الآية.
وإذا عرف أن الاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، وهذا الكمال إنما يحصل بالتوبة والاستغفار، ولا بد لكل عبد من التوبة، وهي واجبة على الأولين والآخرين؛ كما قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت، الآية: ٢٦. ٢ سورة الأعراف، الآيتان: ٨٨ - ٨٩. ٣ سولاة إبراهيم، الآية: ١٣. ٤ سورة الأحزاب، الآية: ٧٣.
[ ١٩٢ ]
وقد أخبرنا الله - سبحانه - بتوبة آدم ونوح ومن بعدها إلى خاتم المرسلين محمد ﷺ، وآخر ما نزل عليه أو من آخر ما نزل عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ١.
ثم ذكر نصوصا كثيرة في استغفار النبي ﷺ، ثم قال: "ونصوص الكتاب والسنة في هذا الباب كثيرة متظاهرة، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين كثيرة، ولكن المنازعون يتأولون هذه النصوص من جنس تأويلات الجهمية والباطنية؛ كما فعل ذلك من فعله في هذا الباب، وتأويلاتهم تبين لمن تدبرها أنها فاسدة، من باب تحريف الكلم عن مواضعه؛ كتأويلهم قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ ٢: المتقدم ذنب آدم والمتأخر ذنب أمته، وهذا معلوم البطلان".
وقال - أيضا -: "والجمهور الذين يقولون بجواز الصغائر عليهم يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها، وحينئذ؛ فما وصفوهم إلا بما فيه كمالهم؛ فإن الأعمال بالخواتيم، وقول المخالف يلزم عليه كون النبي لا يتوب إلى الله " انتهى المقصود.
ويمكن تلخيص هذا الموضوع فيما يلي:
عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منها ما هو مجمع عليه بداية ونهاية، ومنها ما هو مختلف فيه بداية ونهاية، وبيان ذلك:
١- أجمعوا على عصمتهم فيما يخبرون عن الله تعالى وفي تبليغ رسالاته؛ لأن هذه العصمة هي التي يحصل بها مقصود الرسالة والنبوة.
٢- واختلفوا في عصمتهم من المعاصي؛ فقال بعضهم بعصمتهم منها
_________________
(١) ١ سورة النصر، الآيات: ١ - ٣. ٢سورة الفتح، الآية: ٢.
[ ١٩٣ ]
مطلقا؛ كبائرها وصغائرها؛ لأن منصب النبوة يجل عن مواقعتها ومخالفة الله تعالى عمدًا، ولأننا أمرنا بالتأسي بهم، وذلك لا يجوز مع وقوع المعصية في أفعالهم؛ لأن الأمر بالاقتداء بهم يلزم منه أن تكون أفعالهم كلها طاعة، وتأوَّلوا الآيات والأحاديث الواردة بإثبات شيء من ذلك، وقال الجمهور بجواز وقوع الصغائر منهم؛ بدليل ما ورد في القرآن والأخبار، لكنهم لا يصرون عليها، فيتوبون منها ويرجعون عنها؛ كما مر تفصيله، فيكونون معصومين من الإصرار عليها، ويكون الإقتداء بهم في التوبة منها.
[ ١٩٤ ]
دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واحد:
إن دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دين واحد، وإن تنوعت شرائعهم: قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ١
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ ٢.
وقال النبي ﷺ: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء أخوة لعلات".
ودين الأنبياء هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله غيره، وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك وأهله:
قال تعالى عن نوح: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣.
وقال عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية: ١٣. ٢ سورة المؤمنون، الآيتان: ٥١ - ٥٢. ٣ سورة النمل، الآية: ٩١. ٤ سورة البقرة، الآية: ١٣١.
[ ١٩٤ ]
وقال عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ١.
وقال عن المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ ٢.
وقد قال تعالى فيمن تقدم من الأنبياء وعن التوارة: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ ٣.
وقال تعالى عن ملكة سبأ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
فالإسلام هو دين الأنبياء جميعا، وهو الاستسلام لله وحد، فمن استسلم له ولغيره؛ كان مشركا، ومن لم يستسلم له؛ كان مستكبرًا، وكل من المشرك والمستكبر عن عبادة الله كافر.
والاستسلام لله يتضمن عبادته وحده، وأن يطاع وحده، وذلك بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الإسلام بأن يستقبل بيت المقدس، ثم أمر بعد ذلك باستقبال الكعبة؛ كان كل من الفعلين - حسن أمر به - داخلًا في الإسلام؛ فالدين هو الطاعة، وكل من الفعلين عبادة لله، وإنما تنوع بعض صور الفعل، وهو توجه المصلي؛ فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشرعة والمنهاج والوجه والمنسك؛ فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدًا؛ كما لم يمنع ذلك في شريعة الرسول الواحد؛ كما مثلنا باستقبال بيت المقدس أولًا ثم استقبال الكعبة ثانيا في شريعة محمد ﷺ.
فدين الأنبياء واحد، وإن تنوعت شرائعهم؛ فقد يشرع الله في وقت أمرًا لحكمة، ثم يشرع في وقت آخر أمرًا لحكمة، فالعمل بالمنسوخ قبل نسخه
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية: ٨٤. ٢ سورة المائدة، الآية: ١١١. ٣ سورة المائدة، الآية: ٤٤. ٤ سورة النمل، الآية: ٤٤.
[ ١٩٥ ]
طاعة لله، وبعد النسخ يجب العمل بالناسخ، فمن تمسك بالمنسوخ وترك الناسخ؛ ليس هو على دين الإسلام، ولا هو متبع لأحد من الأنبياء، ولهذا كفر اليهود والنصارى؛ لأنهم تمسكوا بشرع مبدل منسوخ.
والله تعالى يشرع لكل أمه ما يناسب حالها ووقتها، ويكون كفيلًا بإصلاحها، متضمنا لمصالحها، ثم ينسخ الله ما يشاء من تلك الشرائع لانتهاء أجلها، إلى أن بعث نبيه محمدًا خاتم النبيين إلى جميع الناس على وجه الأرض وعلى امتداد الزمن إلى يوم القيامة، وشرع له شريعة شاملة صالحة لكل زمان ومكان؛ لا تبدل ولا تنسخ؛ فلا يسع جميع أهل الأرض إلا إتباعه والإيمان به ﷺ: قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٤.
والآيات التي أنزلها الله - سبحانه - على رسوله محمد ﷺ فيها خطاب لجميع الخلق الجن والإنس، وعلى اختلاف أجناسهم، ولم يخص العرب بحكم من الأحكام، بل علق الأحكام باسم كافر ومؤمن ومسلم ومنافق وبر وفاجر ومحسن وظالم وغير ذلك من الأسماء المذكورة في القرآن والحديث؛ فليس في القرآن والحديث تخصيص العرب بحكم من الأحكام الشرعية، إنما علق الأحكام بالصفات المؤثرة فيما يحبه الله وفيما يبغضه الله، ونزول القرآن بلسان العرب إنما هو لأجل التبليغ؛ لأنه بلغ قومه أولًا، ثم بواسطتهم بلغ سائر الأمم، وأمره الله بتبليغ قومه أولًا، ثم تبليغ الأقرب فالأقرب؛ كما أمر بجهاد الأقرب فالأقرب، وليس هذا تخصيصا، وإنما هو تدرج بالتبليغ.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: ١٥٨. ٢ سورة سبأ، الآية: ٢٨. ٣ سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧. ٤ سورة الأحزاب، الآية: ٤٠.
[ ١٩٦ ]
والمقصود أن دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واحد، وهو إخلاص العبادة لله، والنهي عن الشرك والفساد، وإن تنوعت شرائعهم حسب الظروف والحاجات، إلى أن ختموا بمحمد ﷺ، الذي عمت رسالته الخلق، وامتدت إلى آخر الدنيا؛ لا تبدل ولا تغير ولا تنسخ، وهي صالحة ومصلحة لكل زمان ومكان، ولا نبي بعده ﵊ إلى آخر الزمان، وهو يأمر بما أمر به المرسلون من قبله من الإيمان وإخلاص العبادة لله بما شرعه من الأحكام، وهو مصدق لإخوانه المرسلين، وإخوانه المرسلون قد بشروا به، خصوصا أقرب الرسل إليه زمانا، وهو المسيح عيسى بن مريم ﵊، حين قال لقومه: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ١.
وفي الكتب السابقة من بيان صفات هذا الرسول وخصائصه ما هو من أوضح الواضحات، وإن جحده من جحده من اليهود والنصارى حسدًا وتكبرًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ ٢.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
[ ١٩٧ ]
ذكر خصائص الرسول محمد ﷺ جمالا
ذكر خصائص الرسول محمد ﷺ إجمالا:
للرسول محمد ﷺ خصائص اختص بها عن غيره من الأنبياء، وخصائص اختص بها عن أمته:
١- أنه خاتم النبيين؛ قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٣، وقال ﷺ: "أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي".
_________________
(١) ١ سورة الصف، الآية: ٦. ٢ سورة البقرة، الآية: ١٤٦. ٣ سورة الأحزاب، الآية: ٤٠.
[ ١٩٧ ]
٢- المقام المحمود، وهو الشفاعة العظمى؛ كما في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ١، وكما في حديث الشفاعة الطويل المتفق على صحته؛ أن الله يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون إلى ربكم؟ فيأتون آدم، ثم نوحا، ثم موسى، ثم عيسى، ثم إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ فكلهم يقول: اذهبوا إلى غيري؛ إلا محمدًا ﷺ؛ فإنه يقول: أنا لها، فيخر ساجدًا، إلى أن يؤذن له بالشفاعة، وبهذا يظهر فضله على جميع الخلق، واختصاصه بهذا المقام.
٣- عموم بعثته إلى الثقلين الجن والإنس؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٢، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ٣، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٤، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٥، ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ٦، وهذا مجمع عليه.
والآيات التي أنزلها الله على محمد ﷺ فيها خطاب لجميع الخلق الجن والإنس؛ إذ كانت رسالته عامة للثقلين، وإن كان من أسباب النزول ما كان موجودًا في العرب؛ فليس شيء من الآيات مختصا بالسبب المعيَّن الذي نزل فيه باتفاق المسلمين؛ فلم يقل أحد من المسلمين: إن آيات الطلاق أو الظهار أو اللعان أو حد السرقة والمحاربين وغير ذلك يختص بالشخص المعين الذي كان سبب نزول الآية.
والمقصود هنا: أن بعض آيات القرآن، وإن كان سببه أمورًا كانت في
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية: ٧٩. ٢ سورة الأعراف، الآية: ١٥٨. ٣ سورة سبأ، الآية: ٢٨. ٤ سورة الفرقان، الآية: ١. ٥ سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧. ٦ سورة الأحقاف، الآية: ٢٩.
[ ١٩٨ ]
العرب؛ فحكم الآيات عام، يتناول ما تقتضيه الآيات لفظا ومعنى، في أي نوع كان، ومحمد ﷺ بعث إلى الإنس والجن؛ فدعوته ﷺ شاملة للثقلين الإنس والجن، على اختلاف أجناسهم؛ فلا يظن أنه خص العرب بحكم من الأحكام أصلًا، بل إنما علق الأحكام باسم مسلم وكافر ومؤمن ومنافق وبر وفاجر ومحسن وظالم وغير ذلك من الأسماء المذكورة في القرآن والحديث، وليس في القرآن ولا الحديث تخصيص العرب بحكم من أحكام الشريعة، وإنما علق الأحكام بالصفات المؤثرة فيما يحبه الله وفيما يبغضه؛ فأمر بما يحبه الله ودعا إليه بحسب الإمكان، ونهى عما يبغضه الله وحسم مادته بحسب الإمكان؛ لم يخص العرب بنوع من أنواع الشريعة؛ إذ كانت دعوته لجميع البرية، لكن؛ نزل القرآن بلسانهم، بل بلسان قريش؛ لأجل التبليغ؛ لأنه بلغ قومه أولًا، ثم بواسطتهم بلغ سائر الأمم، وأمره بتبليغ قومه أولًا، ثم بتبليغ الأقرب فالأقرب إليه؛ كما أمر بجهاد الأقرب فالأقرب.
وكما كان ﷺ مبعوثا إلى الإنس؛ فهو مبعوث - أيضا - إلى الجن؛ فقد استمع الجن لقراءته، وولَّوا إلى قومهم منذرين؛ كما أخبر الله - ﷿ - وهذا متفق عليه بين المسلمين.
وقد ذكر الله في القرآن من خطاب الثقلين ما يبين هذا الأصل؛ كقوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾ ١ الآية، وأخبر الله عن الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ ٢، أي مذاهب شتى؛ مسلمون وكفار، وأهل سنة وأهل بدعة، وقالوا: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ﴾ ٣ الآية، والقاسط: الجائر؛ يقال: قسط: إذا جار، وأقسط: إذا عدل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "يجب على الإنسان أن يعلم أن الله - عز
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية: ١٣٠. ٢ سورة الجن، الآية: ١١. ٣ سورة الجن، الآية: ١٤.
[ ١٩٩ ]
وجل - أرسل محمدًا ﷺ إلى جميع الثقلين الإنس والجن، وأوجب عليهم الإيمان به وبما جاء به وطاعته، وأن يحللوا ما حلل الله ورسوله، ويحرموا ما حرم الله ورسوله، ويحبوا ما أحبه الله ورسوله، ويكرهوا ما كرهه الله ورسوله، وأن كل من قامت عليه الحجة برسالة محمد ﷺ من الإنس والجن، فلم يؤمن به؛ استحق عقاب الله - تعالى، كما يستحقه أمثاله من الكافرين، الذين بعث إليهم الرسول، وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين وسائر طوائف المسلمين أهل السنة والجماعة وغيرهم - ﵃ - أجمعين".
٤- ومن خصائصه ﷺ القرآن العظيم الذي أذعن لإعجازه الثقلان، وأحجم عن معارضته مصاقيع الإنس والجان، واعترف بالعجز عن الإتيان بأقصر سورة من مثله أهل الفصاحة والبلاغة من سائر الأديان، وقد سبق تفصيل ذلك.
٥- ومن خصائصه ﷺ المعراج إلى السماوات العلى، إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع في صريف الأقلام؛ فكان قاب قوسين أو أدنى.
وأما الخصائص التي اختص بها دون أمته:
فقد قال القرطبي في (تفسيره): "خص الله تعالى رسوله من أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه فيها أحد في باب الفرض والتحريم والتحليل، مزية على الأمة، وهبة له، ومرتبة خص بها؛ ففرضت عليه أشياء ما فرضت على غيره، وحرمت عليه أشياء لم تحرم عليهم، وحللت له أشياء لم تحلل لهم؛ منها متفق عليه، ومنها مختلف فيه".
ثم ذكر هذه الخصائص، ومنها: التهجد بالليل؛ يقال: إن قيام الليل كان واجبا عليه إلى أن مات؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ ١، والمنصوص أنه كان واجبا عليه ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَك﴾ ٢. ومنها: أنه إذا عمل عملًا أثبته.
_________________
(١) ١ المزمل: ٢. ٢ الإسراء: ٧٩.
[ ٢٠٠ ]
ومنها: تحريم الزكاة عليه وعلى آله. ومنها أنه أحل له الوصال في الصيام، وأحل له الزيادة على أربع نسوة. ومنها: أنه أحل له القتال بمكة. ومنها: أنه لا يورث. ومنها: بقاء زوجيَّتِه بعد الموت، وإذا طلق امرأة تبقى حرمته عليها؛ فلا تنكح إلى غير ذلك من الخصائص النبوية.
ولنتكلم عن ثلاث من أعظم خصائص نبينا محمد ﷺ، وهي: الإسراء والمعراج، وعموم رسالته، وختم النبوة به ﷺ.
١- الإسراء والمعراج.
قال - ﷾ - ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
قال الحافظ ابن كثير - ﵀ - في تفسير هذه الآية الكريمة: "يمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه؛ لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه؛ فلا إله غيره، ولا رب سواه. ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾؛ يعني: محمدًا ﷺ. ﴿لَيْلًا﴾؛ أي: في جنح الليل. ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾:وهو مسجد مكة. ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾: وهو بيت المقدس الذي بإيليا معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل ﵇، ولهذا جمعوا له هناك كلهم، فأمهم في محلتهم ودارهم، فدل على أنه هو الإمام الأعظم والرئيس المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾؛ أي: في الزروع والثمار. ﴿لِنُرِيَهُ﴾؛ أي: محمدًا. ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾؛ أي: العظام؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٢. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣؛ أي: السميع لأقوال عباده؛ مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم، البصير بهم؛ فيعطي كلًاّ منهم ما يستحقه في الدنيا والآخرة) انتهى.
_________________
(١) ١ الإسراء: ١. ٢ النجم: ١٨. ٣الإسراء: ١.
[ ٢٠١ ]
و(المعراج): مفعال من المعروج؛ أي: الآلة التي يعرج فيها؛ أي: يصعد، وهو بمنزلة السلم، لكن لا يعلم كيف هو إلا الله.
وحكمه كحكم غيره من المغيبات؛ نؤمن به، ولا نشتغل بكيفيته.
والذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة وقبل الهجرة بسنة، وقيل: سنة وشهرين؛ ذكره ابن عبد البر.
صفة الإسراء والمعراج المستفادة من النصوص:
قال الحافظ ابن كثير في (تفسيره): "والحق أنه ﵇ أسري به يقظة لا مناما، من مكة إلى بيت المقدس، راكبا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد؛ ربط الدابة عند الباب، ودخله، فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتي بالمعراج وهو كالسلم، ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء مقرَّبوها، وسلم على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما ﷺ وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام [أي: أقلام القدر] بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صورته، وله ست مائة جناح، ورأى رفرفا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية، مسند ظهره إليه؛ لأنه الكعبة السماوية، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ورأى الجنة والنار، وفرض عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس؛ رحمة منه، ولطفا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط
[ ٢٠٢ ]
معه الأنبياء، فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه أمهم ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أو دخوله إليه، والظاهر أنه بد رجوعه إليه؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم؛ جعل يسأل عنهم جبريل واحدًا واحدًا، وهو يخبر بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولًا مطلوبا إلى الجناب العلوي؛ ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله - تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به؛ اجتمع فيه [أي: بيت المقدس] هو وإخوانه من النبيين، ثم ظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل ﵇ في ذلك، ثم خرج من بيت المقدس، فركب البراق، وعاد إلى مكة بغلس، والله - ﷾ - أعلم.
هل كان الإسراء ببدنه ﵇ وروحه أو بروحه فقط؟
اختلف الناس؛ هل كان الإسراء ببدنه ﵇ وروحه أو بروحه فقط على قولين:
فالأكثرون من العلماء على أنه أسرى ببدنه وروحه يقظة لا مناما، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ١؛ فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناما؛ لم يكن فيه شيء كبير، ولم يكن متستعظما، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممَّن كان قد أسلم، وأيضا قال - سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ٢؛ قال ابن عباس: "هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به"، رواه البخاري، وقال - سبحانه - ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ٣،
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية: ١. ٢سورة الإسراء، الآية: ٦٠. ٣ سورة النجم، الآية: ١١٧.
[ ٢٠٣ ]
فإنه ﷺ كان لا يرى رؤيا؛ إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدم مثل ذلك في حديث بدء الوحي أنه رأى مثل ما وقع له يقظة مناما قبله؛ ليكون ذلك من باب الإرهاص والتوطئة والتثبيت والإيناس والله أعلم".
هل تكرر المعراج؟:
قال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق الأحاديث الواردة في هذا الموضوع: (وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها، فَحُصِّلَ مضمون ما اتفقت عليه من إسراء رسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة واحدة، وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه، أو نقص منه؛ فإن الخطأ على من عدا الأنبياء ﵈.
ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة؛ فأثبت إسراءات متعددة؛ فقد أبعد وأغرب وهرب إلى غير مهرب ولم يتحصل على مطلب.
وقد صرح بعض المتأخرين بأنه ﵇ أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء فقط، ومرة إلى بيت المقدس فقط ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك وأنه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات، وهذا بعيد جدًّا، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف، ولو تعدد هذا التعدد؛ لأخبر النبي ﷺ به أمته، ولنقله الناس على التعدد والتكرار.
وزعم بعض الصوفية أن المعراج وقع له ﷺ ثلاثين مرة، وقال بعضهم: أربعا وثلاثين مرة؛ واحدة منها بجسمه الشريف، والباقي بروحه.
وقيل: كان الإسراء مرتين: مرة يقظة، ومرة مناما. وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله:"ثم استيقظت"، وبين سائر الروايات.
[ ٢٠٤ ]
وكذلك منهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي، ومرتين بعده وكلما اشتبه عليهم لفظه؛ زادوا مرة للتوفيق) .
قال ابن القيم: "يا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارًا؛ كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة يفرض عليهم الصلوات خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا، فيقول: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي ثم يعيدها في المرة الثانية خمسين ثم يحطها إلى خمس". وقال ابن كثير: "وكان بعض الرواة يحذف بعض الخبر للعلم به أو ينساه، أو يذكر ما هو الأهم عنده، أو يبسط تارة فيسوقه كله، وتارة يحذف عن مخاطبه بما هو الأنفع عنده، ومن جعل كل رواية إسراء على حدة؛ كما تقدم عن بعضهم؛ فقد أبعد جدًّا، وذلك أن كل السياقات فيها السلام على الأنبياء، وفي كل منها يعرفه بهم، وفي كلها يفرض عليه الصلوات؛ فكيف يمكن أن يدَّعي تعدد ذلك؟! هذا في غاية البعد والاستحالة، والله أعلم".
٢- عموم رسالة محمد ﷺ، والرد على من أنكره.
يقول جماعة من اليهود والنصارى ومن قلّدهم: إن محمدًا ﷺ مرسل إلى العرب دون أهل الكتاب، ويلبسّون بقولهم: إن كان دينه حقا؛ فديننا - أيضا - حق، والطرق إلى الله تعالى متنوعة!، ويشبهون ذلك بمذاهب الأئمة؛ فإنه وإن كان أحد المذاهب راجحا؛ فأهل المذاهب الأخر ليسوا كفارًا.
وهذا القول ظاهر البطلان؛ لأنهم لما صدقوا برسالته؛ لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به، وقد قال: إنه رسول الله إلى الناس عامة، والرسول لا يكذب؛ فلزم تصديقه حتما، وقد أرسل رسله وبعث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وسائر ملوك الأطراف يدعو إلى الإسلام، ثم مقاتلته
[ ٢٠٥ ]
لأهل الكتاب وسبي ذراريهم واستباحة دمائهم وضرب الجزية عليهم أمر معلوم بالتواتر والضرورة؛ فإنه دعا المشركين إلى الإيمان به، ودعا أهل الكتاب إلى الإيمان به، وجاهد أهل الكتاب كما جاهد المشركين؛ فجاهد بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، وأهل خيبر، وهؤلاء كلهم يهود، وسبى ذراريهم ونساءهم وغنم أموالهم، وغزا النصارى عام تبوك بنفسه وبسراياه، حتى قتل في محاربتهم زيد بن حارثة مولاه وجعفر وغيرهما من أهله، وضرب الجزية على نصارى نجران، وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده جاهدوا أهل الكتاب وقاتلوا من قاتلهم وضربوا الجزية على من أعطاهم منهم عن يد وهم صاغرون.
وهذا القرآن - الذي يعرف كل أحد أنه الكتاب الذي جاء به محمد ﷺ - مملوء من دعوة أهل الكتاب إلى إتباعه، ويكفِّر من لم يتبعه منهم ويلعنه، كما جاء بتكفير من لم يتبعه من المشركين وذمِّه؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ﴾ ١ الآية، وفي القرآن من قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَاب﴾، ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ﴾؛ ما لا يحصى إلا بكلفة، وقال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ ﴾ إلى قوله: ﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ ٢، ومثل هذا في القرآن كثير جدًّا.
وقد قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ٤.
واستفاض عنه ﷺ قوله: "فضلت على الأنبياء بخمس"، ذكر منها أنه: "وكان يبعث النبي إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"، بل تواتر عنه ﷺ أنه بعث إلى الجن والإنس.
فإذا علم بالاضطرار وبالنقل المتواتر الذي تواتر كما تواتر ظهور دعوته؛
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ٤٧. ٢ سورة البينة، الآيات: ١ - ٧. ٣ سورة الأعراف، الآية: ١٥٨. ٤ سورة سبأ، الآية: ٢٨.
[ ٢٠٧ ]
أنه دعا أهل الكتاب إلى الإيمان به، وأنه حكم بكفر من لم يؤمن به منهم، وأنه أمر بقتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وأنه قاتلهم بنفسه وسراياه، وأنه ضرب الجزية عليهم وقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وغنم أموالهم؛ فحاصر بني قينقاع ثم أجلاهم إلى أذرعات، وحاصر بني النضير ثم أجلاهم إلى خيبر، وفي ذلك أنزل الله سورة الحشر، ثم حاصر بني قريظة لما نقضوا العقد وقتل رجالهم وسبى حريمهم وأخذ أموالهم، وقد ذكره الله تعالى في سورة الأحزاب، وقاتل أهل خيبر حتى فتحها وقتل من قتل من رجالهم وسبى من سبى من ريمهم وقسم أرضهم على المؤمنين، وقد ذكره الله تعالى في سورة الفتح، وضرب الجزية على النصارى، وفيهم أنزل الله سورة آل عمران، وغزا النصارى عام تبوك، وفيها أنزل الله سورة براءة، وفي عامة السور المدنية مثل البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وغير ذلك من السور المدنية من دعوة أهل الكتاب وخطابهم ما لا يتسع المقام لنشره.
ثم خلفاؤه بعده أبو بكر وعمر ومن معهما من المهاجرين والأنصار، الذين يعلم أنهم كانوا أتبع الناس له، وأطوعهم لأمره، وأحفظهم بعهده، وقد غزوا الورم كما غزوا فارس، وقاتلوا أهل الكتاب كما قاتلوا المجوس؛ فقاتلوا من قاتلهم، وضربوا الجزية على من أداها منهم عن يد وهم صاغرون.
ومن الأحاديث الصحيحة عنه قوله ﷺ: "والذي نفسي بيده؛ لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي؛ إلا دخل النار"؛ قال سعيد بن جبير: "تصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُه﴾ ١، ومعنى الحديث متواتر عنه معلوم بالاضطرار.
فإذا كان الأمر كذلك؛ لزم أنه ﷺ رسول إلى كل الطوائف؛ فإنه يقرر بأنه رسول الله إلى أهل الكتاب وغيرهم؛ فإن رسول الله لا يكذب، ولا يقاتل الناس
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية: ١٧.
[ ٢٠٨ ]
على طاعته بغير أمر الله، ولا يستحل دماءهم وأموالهم وديارهم بغير إذن الله؛ فمن ادعى أن الله أمره بذلك، ولم يكن أمره؛ كان كاذبا مفتريا ظالما، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ ١، وكان مع كونه ظالما مفتريا من أعظم المريدين علوًّا في الأرض وفسادًا، وكان شرًّا من الملوك الجبابرة الظالمين؛ فإن الملوك الجبابرة يقاتلون الناس على طاعتهم، ولا يقولون: إنا رسل الله إليكم، ومن أطاعنا دخل الجنة، ومن عصانا دخل النار، بل فرعون وأمثاله لا يدخلون في مثل هذا، ولا يدخل في هذا إلا نبي صادق أو متنبىء كذاب؛ كمسيلمة والأسود وأمثالهما.
فإذا علم أنه نبي؛ لزم أن يكون ما أخبر به عن الله حقا، وإذا كان رسول الله؛ وجبت طاعته في كل ما يأمر به؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٢، وإذا أخبر أنه رسول الله إلى أهل الكتاب، وأنه تجب عليهم طاعته؛ كان ذلك حقا.
ومن أقر بأنه رسول الله، وأنكر أن يكون مرسلًا إلى أهل الكتاب؛ فهو بمنزلة من يقول: إن موسى كان رسولًا، ولم يكن يجب أن يدخل أرض الشام، ولا يخرج بني إسرائيل من مصر، وإن الله لم يأمره بذلك، وإنه لم يأمره بالسبت، ولا أنزل عليه التوارة، ولا كلمه على الطور، ومن يقول: إن عيسى كان رسول الله، ولم يبعث إلى بني إسرائيل، ولا كان يجب على بني إسرائيل طاعته، وإنه ظلم اليهود وأمثال ذلك من المقالات التي هي أكفر المقالات.
ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية: ٩٣. ٢ سورة النساء، الآية: ٦٤. ٣ سورة النساء، الآية: ١٥٠.
[ ٢٠٩ ]
٣ - ختم الرسالات ببعثة محمد ﷺ.
لقد ختم الله - ﷾ - النبوة بنبوة محمد ﷺ؛ قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ١، وقال ﷺ: "أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي"، وذلك يستلزم ختم المرسلين لأن ختم الأعم يستلزم ختم الأخص.
ومعنى ختم النبوة بنبوته ﵊: أنه لا تبدأ نبوة ولا تشرع شريعة بعد نبوته وشرعته، وأما نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان؛ فلا ينافي ذلك؛ لأن عيسى ﵇ إذا نزل؛ إنما يتعبد بشريعة نبينا ﷺ دون شريعته المتقدمة؛ أنها منسوخة؛ فلا يتعبد بهذه الشريعة أصولًا وفروعا، فيكون خليفة لنبينا ﷺ، وحاكما من حكام ملته بين أمته.
فهذا النبي الخاتم للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قد بعث بخير كتاب وأتم شريعة وأفضل ملة وأكل دين، جاء بشريعة كافية لحاجة الخليفة في كل زمان ومكان إلى أن تقوم الساعة، وكمل به عقد النبيين؛ فلا نبي بعده.
وفي (الصحيحين) وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله - ﵄، عن النبي ﷺ؛ أنه قال: "ومثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها؛ إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلون ويعجبون منها ويقولون: لولا موضع اللبنة"، زاد مسلم: "فجئت فختمت الأنبياء".
وفي (الصحيحين) - أيضا - من حديث أبي هريرة - ﵁ - معناه، وفيه: "فجعل الناس يطوفون به ويقولون: هلا وضعت اللبنة. فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين".
وقال ﷺ: "كانت بنوا إسرائيل تسوسهم الأنبياء، لكما هلك نفي خلفه
_________________
(١) ١ سورة الاحزاب، الآية: ٤٠.
[ ٢١٠ ]
نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء"، رواه البخاري.
وعن جابر بن سمرة؛ قال: "رأيت خاتما في ظهر رسول الله ﷺ كأنه بيضة حمام"، رواه مسلم.
قال الحافظ في (الفتح): "قال القرطبي: اتفقت الأحاديث الثابتة على أن خاتم النبوة كان شيئا بارزًا أحمر عند كتفه الأيسر، قدره إذا قلل قدر بيضة الحمامة، وإذا كبر جمع اليد١، والله أعلم".
قال العلماء: السر في ذلك أن القلب في تلك الجهة.
قال السهيلي: "وضع خاتم النبوة عند كتفه ﷺ؛ لأنه معصوم من وسوسة الشيطان، وذلك الموضع يدخل منه الشيطان".
وقال الحافظ ابن كثير: "فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء المرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له، وقد أخبر الله - ﵎ - في كتابه ورسوله ﷺ في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده؛ فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل، ولو تخرف وشعبذ وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرنجيات؛ فكلها محال وضلال عند أولي الألباب؛ كما أجرى الله تعالى على يد الأسود العنسي باليمن ومسيلمة الكذاب باليمامة من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة ما علم كل ذي لب وفهم وحجى أنهما كاذبان ضالان لعنهما الله، وكذلك كل مدع لذلك إلى يوم القيامة، حتى يختموا بالمسيح الدجال؛ فكل واحد من هؤلاء الكذابين يخلق الله معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها.
وهذا من تمام لطف الله تعالى بخلقه؛ فإنهم بضرورة الواقع [أي: الكذابون] لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر؛ إلا على سبيل الاتقاء، أو
_________________
(١) ١ يعني: مقدار جمع اليد.
[ ٢١١ ]
لما لهم من القاصد إلى غيره، ويكونون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم؛ كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ١.
وهذا بخلاف حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإنهم في غاية الصدق والرشد والاستقامة والعدل فيما يقولونه ويأمرون به وينهون عنه، مع ما يؤيَّدون به من الخوارق للعادات والأدلة الواضحات والبراهين الباهرات؛ فصلوات الله وسلامه عليهم دائما مستمرًا ما دامت الأرض والسماوات.
وليس الناس بحاجة إلى بعثة نبي بعد محمد ﷺ؛ لكمال شريعته، ووفائها بحاجة البشرية.
وماذا عسى أن يقتضي بعثة نبي جديد بعد محمد ﷺ؟!.
وإن قيل: إن الأمة قد فسدت؛ فالعمل على إصلاحها يحتاج إلى بعثة نبي جديد.
قلنا: هل بعث نبي في الدنيا لمجرد الإصلاح حتى يبعث في هذا الزمان لمجرد هذا الغرض؟!
إن النبي لا يبعث إلا ليوحى إليه، ولا تكون الحاجة إلى الوحي إلا لتبليغ رسالة جديدة، أو إكمال رسالة متقدمة، أو لتطهيرها من شوائب التحريف والتبديل، فلما قضت كل هذه الحاجات إلى الوحي بحفظ القرآن وسنة محمد ﷺ وإكمال الدين على يده ﷺ؛ فلم تبق الحاجة الآن إلى الأنبياء، وإنما هي إلى المصلحين) . انتهى بتصرف يسير من (الرد على القاديانية) .
وقد أعلن الله ختم النبوات والرسالات بنبوة محمد ﷺ في قوله: ﴿مَا كَانَ
_________________
(١) ١سورة الشعراء، الآيتان: ٢٢١ - ٢٢٢.
[ ٢١٢ ]
مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ١.
ومن البدهي الذي لا يقبل الاعتراض أن استمرار بقاء القرآن الحاوي بشرائعه وأحكامه أسس مطالب البشر التشريعية كلها محفوظا كما أنزل على محمد مع استمرار بقاء سيرة الرسول وسنته المبينة لمعاني القرآن صحيحة ثابتة هو بمثابة استمرار وجود الرسول فينا على قيد الحياة.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٢، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول بعد وفاته هو الرد إلى سنته.
وبذلك؛ فقد أصبح العالم بغنية عن بعث أنبياء وإرسال رسل وتجديد شرائع للناس بعد محمد صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه لو بعث الله رسلًا وأنبياء؛ فلن يحدثوا شيئا، ولن يزيدوا على ما جاء به الرسول محمد ﷺ من أسس في العقيدة أو في التشريع؛ فقد أكمل الله الدين وأتم الشريعة؛ حيث يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ ٣.
وإن كان الغرض من إرسال الرسل هو نشر هذه الرسالة ودعوة الناس إليها؛ فهذه وظيفة علماء المسلمين؛ فعليهم أن يقوموا بتبليغ هذه الدعوة للناس.
فمن ادعى عدم ختم النبوة بعد محمد ﷺ، أو صدق من يدعي ذلك؛ فهو مرتد عن دين الإسلام، ولهذا؛ حكم الصحابة على من ادعى النبوة بعد محمد ﷺ بالردة، وقاتلوه هو وأتباعه، وسموهم بالمرتدين، وهذا مما أجمع عليه علماء المسلمين سلفا وخلفا.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآية: ٤٠. ٢ سورة النساء، الآية: ٥٩. ٣ سورة المائدة، الآية: ٣.
[ ٢١٣ ]
الحكمة في ختم النبوة بمحمد ﷺ.
وكانت نبوة محمد ﷺ خاتمة للنبوات؛ لأنه بعث إلى الناس كافة إلى أن تقوم الساعة؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ١، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٣، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٤.
وإذا كانت رسالته عامة للناس؛ فلا بد أن تكون شريعته كاملة شاملة لمصالح البشر، لا يحتاج معها إلى شريعة أخرى وبعثة نبي آخر؛ كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ٧.
قال الشيخ أبو الأعلى المودودي في (رده على القاديانية): "ونحن إذا تتبعناه [أي: القرآن] بغية أن نعرف الأسباب التي لأجلها ظهرت الحاجة إلى إرسال نبي في أمة من أمم الأرض؛ علمنا أن هذه الأسباب أربعة:
١- كانت هذه الأمة ما جاءها من الله نبي من قبل، ولا كان لتعاليم نبي مبعوث في أمة غيرها أن تصل إليها.
٢- كان قد أرسل إليها نبي من قبل، ولكن كان تعليمه قد انمحى أو لعبث به يد النسيان أو التحريف حتى لم يعد بإمكان الناس أن يتبعوه اتباعا كاملًا صحيحا.
٣- كان قد أرسل إليها نبي من قبل، ولكن تعاليمه ما كانت شاملة لمن يأتي بعده وافية لمتطلبات عصرهم؛ فألحت الحاجة إلى المزيد من الأنبياء
_________________
(١) ١ سورة سبأ، الآية: ٢٨. ٢ سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧. ٣ سورة الفرقات، الآية: ١. ٤ سورة الأعراف، الآية: ١٥٨. ٥ سورة المائدة، الآية: ٣. ٦ سورة النحل، الآية: ٨٩. ٧ سورة المائدة، الآية: ٤٨.
[ ٢١٤ ]
لإكمال الدين.
٤- كان قد أرسل إليها نبي، ولكن كانت الحاجة تقتضي أن يرسل معه نبي آخر لتصديقه وتأييده.
وكل سبب من هذه الأسباب الأربعة قد زال بعد النبي محمد ﷺ؛ فلا حادة للأمة الإسلامية ولا أمة أخرى في العالم إلى أن يرسل إليها نبي جديد بعد محمد ﷺ.
وقد تولى القرآن بنفسه بيان أن بعثة النبي محمد ﷺ إلى الناس كافة ولهداية الناس عامة؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ١.
وأيضا مما يدل عليه تاريخ الحضارة في الدنيا أن الظروف في العالم ما زالت منذ بعثته ﷺ ولا تزال مهيأة بحيث من الممكن أن تصل دعوته إلى كل صقع من أصقاع العالم، وإلى كل أمة من أممة؛ فلا حاجة بعد ذلك إلى نبي جديد إلى أمة من أمم الدنيا أو صقع من أصقاعها؛ فذلك قد زال السبب الأول.
ومما يشهد به القرآن كذلك، تؤيده عليه ذخيرة كتب الحديث والسيرة أن التعليم الذي جاء به النبي ﷺ لا يزال حيا محفوظا على صورته الحقيقة، ولم تلعب به يد النسيان ولا التحريف والتبديل، وأما الكتاب الذي جاء به؛ فما وقع التحريف ولا النقص ولا الزيادة في أي حرف من أحرفه، ولا من الممكن أن يقع إلى يوم القيامة، وأما الهداية التي أعطاها للناس بأقواله وأفعاله؛ فإننا نجد آثارها ختى اليوم حية مصونة كأننا أمام شخصه ﷺ وفي زمانه؛ فبذلك قد زال السبب الثاني.
ثم إن القرآن ليصرح كذلك بأن الله تعالى قد أكمل دينه بواسطة محمد
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: ١٥٨.
[ ٢١٥ ]
ﷺ؛ فبذلك قد زال السبب الثالث - أيضا -.
ثم إن الحاجة لو كانت تقتضي إرسال نبي مع النبي محمد ﷺ لتأييده وتصديقه؛ لأرسل في زمانه ﷺ؛ فبذلك قد زال السبب الرابع - أيضا -.
فأي سبب خاص من زوال هذه الأسباب الأربعة؟) انتهى المقصود من كلامه.
[ ٢١٦ ]
كرامات الأولياء:
كنا قد تكلمنا عن آيات الأنبياء، والفرق بينها وبين خوارق السحرة والكهان وعجائب المخترعات الحديثة، ولما لها من الآثار، وسنتكلم إن شاء الله عن كرامات الأولياء؛ لأن هلا ارتباطا بآيات الأنبياء، ونبيِّن الفرق بينها وبين خوارق السحرة والمشعوذين - أيضا؛ فنقول:
أولياء الله ﷿ هم المؤمنون المتقون؛ كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ١، فكل مؤمن تقي؛ فهو ولي لله ﷿ بقدر إيمانه وتقواه، وقد يظهر الله على يديه من خوارق العادات، وهي ما يسمى بالكرامات.
فـ (الكرامة): خارق للعادة يجريه الله على يد بعض الصالحين من أتباع الرسل؛ إكراما من الله له؛ ببركة إتباعه للرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
وليس كل ولي تحصل له كرامة، وإنما تحصل لبعضهم؛ إما لقوية إيمانه، أو لحاجته، أو لإقامة حجة على خصمه المعارض في الحقن والأولياء الذين لم تظهر لهم كرامة لا يدل ذلك على نقصهم؛ كما أن الذين وقعت لهم الكرامة لا يدل ذلك على أنهم أفضل من غيرهم.
وكرامات الأولياء حق بإجماع أئمة الإسلام والسنة والجماعة، وقد دل
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآيتان: ٦٢ - ٦٣.
[ ٢١٦ ]
عليها القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وإنما ينكرها أهل البدع من المعتزلة والجهمية ومن تابعهم، وهذا إنكار لما هو ثابت في القرآن والسنة؛ ففي القرآن الكريم قصة أصحاب الكهف وقصة مريم، وفي السنة الصحيحة مثل نزول الملائكة كهيئة الظلة فيها أمثال السرج لاستماع قراءة أسيد بن حضير - ﵁، وسلام الملائكة على عمران بن حصين - ﵁، ولها أمثلة كثيرة، ومن أراد الاطلاع على هذه المسألة؛ فليراجع كتاب "الفرقان بين أوليا الرحمن وأولياء الشيطان" لشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -.
وقد حصل في موضوع كرمات الأولياء التباس وخلط عظيم بين الناس؛ فطائفة أنكروا وقوعها ونفوها بالكلية، وهم الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم؛ فخالفوا النصوص، وكابروا الواقع، وطائفة غلت في إثباتها، وهم العوام وعلماء الضلال؛ فأثبتوا الكرامات للفجرة والفساق ومن ليسوا من أولياء الله، بل من أولياء الشيطان، واعتمدوا في إثبات ذلك على الحكايات المكذوبة والمنامات والخوارق الشيطانية؛ فادعوا الكرامات للسحرة والمشعوذين والدجالين من مشايخ الطرق الصوفية والمخرفين؛ حيت عبدوهم من دون الله أحياءً وأمواتا، وبنوا الأضرحة على قبور من يزعمون لهم الولاية ممَّن حيكت لهم الدعايات العريضة، ونسب إليهم التصرف في الكون وقضاء حوائج من دعاهم، وطلب منهم المدد، واستغيث بهم، وسموهم الأقطاب والأغواث؛ بسبب تلك الكرامات المزعومة والحكايات المكذوبة؛ فقد اتخذت دعوى الكرامات ذريعة لعبادة من نسبت إليه، وربما سموا الشعوذة والتدجيل والسحر كرامة؛ لأنهم لا يفرقون بين الكرامة والأحوال الشيطانية، ولا يفرقون بين أولياء الرَّحمن وأولياء الشيطان، وإلا؛ فمن المعلوم أنه حتى من ثبت أنه ولي لله بنص من القرآن أو السنة، وإن جرى على يده كرامة من الله؛ لا يجوز أن يعبد من دون الله، ولا أن يُتبرك به أو بقبره؛ لأن العبادة حق الله وحده.
[ ٢١٧ ]
وهناك فروق بين كرامات الأولياء وخوارق السحرة والمشعوذين والدجالين:
منها: أن كرامات الأولياء سببها التقوى والعمل الصالح، وأعمال المشعوذين سببها الكفر والفسوق والفجور.
ومنها: أن كرامات الأولياء يستعان بها على البر والتقوى، أو على أمور مباحة، وأعمال المشعوذين والدجالين يستعان بها على أمور محرمة من الشرك والكفر وقتل النفوس.
ومنها: أن كرامات الأولياء تقوى بذكر الله وتوحيده، وخوارق السحرة والمشعوذين تبطل أو تضعف عند ذكر الله وقراءة القرآن والتوحيد.
فتبين بهذا أن بين كرامات الأولياء وتهريجات المشعوذين والدجالين فروقا تميز الحق من الباطل.
وكما ذكرنا؛ فإن أولياء الله حقا لا يستغلون ما يجريه الله على أيديهم من الكرامات للنصب والاحيتال ولفت أنظار الناس إلى تعظيمهم، وإنما تزيدهم تواضعا ومحبة لله وإقبالًا على عبادته؛ بخلاف هؤلاء المشعوذين والدجالين؛ فإنهم يستغلون هذه الأحوال الشيطانية التي تجري على أيديهم لجلب الناس إلى تعظيمهم والتقرب إليهم وعبادتهم من دون الله - ﷿، حتى كوَّن كل واحد منهم له طريقة خاصة وجماعة تسمى باسمه؛ كالشاذلية، والرفاعية، والتقشبندية إلى غير ذلك من الطرق الصوفية.
والحاصل أن الناس انقسموا في موضوع الكرامات إلى ثلاث أقسام:
قسم غلو في نفيها، حتى أنكروا ما هو ثابت في الكتاب والسنة من الكرامات الصحيحة التي تجري على وفق الحق لأولياء الله المتقين.
وقسم غلوا في إثبات الكرامات؛ حتى اعتقدوا أن السحر والشعوذة
[ ٢١٨ ]
والدجل من الكرامات، واستغلوها وسيلة للشرك والتعلق بأصحابها من الأحياء والأموات، حتى نشأ عن ذلك الشرك الأكبر بعبادة القبور وتقديس الأشخاص والغلو فيهم؛ لما يزعمونه لهم من الكرامات والخرافات.
والقسم الثالث - وهم أهل السنة والجماعة - توسطوا في موضوع الكرامات بين الإفراط والتفريط؛ فأثبتوا منها ما أثبته الكتاب والسنة، ولم يغلوا في أصحابها، ولم يتعلقوا بهم من دون الله، ولا يعتقدون فيهم أنهم أفضل من غيرهم، بل هناك من هو أفضل منهم، ولم تجر على يديه كرامة، ونفوا ما خالف الكتاب والسنة من الدجل والشعوذة والنصب والاحتيال، واعتقدوا أنه من عمل الشيطان، وليس هو من كرامات الأولياء؛ فلله الحمد والمنة على وضوح الحق وافتضاح الباطل؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآية: ٤٢.
[ ٢١٩ ]