فصل في الولاء والبراء
مدخل
فصل في الولاء والبراء
هذا وبعد انتهائنا من هذا البيان المختصر لأصول العقيدة الإسلامية نشير إلى أنه يجب على كل مسلم يدين بهذه العقيدة أن يوالي أهلها ويعادي أعداءها؛ فيحب أهل التوحيد والإخلاص ويواليهم، ويبغض أهل الإشراك ويعاديهم.
وذلك من ملة إبراهيم والذين معه، الذين أمرنا بالإقتداء بهم؛ حيث يقول - ﷾: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآءُ منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم والعداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده١.
وهو من دين محمد ﵊؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢، وهذا في تحريم موالاة أهل الكتاب خصوصا. وقال في تحريم موالاة الكفار عموما: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ٣.
بل لقد حرم الله على المؤمن موالاة الكفار، ولو كانوا من أقرب الناس إليه نسبا؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ
_________________
(١) ١ سورة الممتحنة، الآية: ٤. ٢ سورة المائدة، الآية: ٥١. ٣ سورة الممتحنة، الآية: ١.
[ ٣٠٧ ]
اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ٢.
وقد جهل كثير من الناس هذا الأصل العظيم، حتى لقد سمعت بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة في إذاعة عربية يقول عن النصارى: إنهم إخواننا! ويا لها من كلمة خطيرة!.
وكما أن الله سبحانه حرم موالاة الكفار أعداء العقيدة الإسلامية؛ فقد أوجب - سبحانه - موالاة المؤمنين ومحبتهم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ٥.
فالمؤمنون أخوة في الدين والعقيدة، وإن تباعدت أنسابهم وأوطانهم وأزمانهم؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٦؛ فالمؤمنون من أول الخليقة إلى آخرها مهما تباعدت أوطانهم وامتدت أزمانهم أخوة متحابون؛ يقتدي آخرهم بأولهم، ويدعوا بعضهم لبعض، ويستغفر بعضهم لبعض.
وللولاء والبراء مظاهر تدل عليهما:
[ ٣٠٨ ]
مظاهر موالاة الكفار
فمن مظاهر موالاة الكفار:
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ٢٣. ٢ سورة المجادلة، الآية: ٢٢. ٣ سورة المائدة، الآيتان: ٥٥ - ٥٦. ٤ سورة الفتح، الآية: ٢٩. ٥ سورة الحجرات، الآية: ١٠. ٦ سورة الحشر، الآية: ١٠.
[ ٣٠٨ ]
١- التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما؛ لأن التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما يدل على محبة المتشبِّه للمتشبَّه به، ولهذا قال النبي ﷺ: "من تشبَّه بقوم؛ فهو منهم"، فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم ومن عاداتهم وعباداتهم وسمتهم وأخلاقهم؛ كحلق اللحى، وإطالة الشوارب، والرطانة بلغتهم إلا عند الحاجة، وفي هيئة اللباس والأكل والشرب وغير ذلك.
٢- الإقامة في بلادهم، وعدم الانتقال منها إلى بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين؛ لأن الهجرة بهذا المعنى ولهذا الغرض واجبة على المسلم؛ لأن إقامته في بلاد الكفر إذا كان يقدر على الهجرة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ١؛ فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة، وكذلك من كان في إقامته مصلحة دينية؛ كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم.
٣- ومن مظاهر موالاة الكفار السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس.
والسفر إلى بلاد الكفار محرم إلا عند الضرورة؛ كالعلاج، والتجارة، والتعلم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم؛ فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة؛ وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين، ويشترط كذلك لجواز هذا السفر أن يكون مُظْهِرًا لدينه، معتزًا بإسلامه، مبتعدًا
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآيات: ٩٧ - ٩٩.
[ ٣٠٩ ]
عن مواطن الشر، حذرًا من دسائس الأعداء ومكائدهم، وكذلك يجوز السفر أو يجب إلى بلادهم إذا كان لأجل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام.
٤- ومن مظاهر موالاة الكفار إعانتهم ومناصرتهم على المسلمين، ومدحهم، والذب عنهم، وهذا من نواقض الإسلام وأسباب الردة، نعوذ بالله من ذلك.
٥ - ومن مظاهر موالاة الكفار: الاستعانة بهم١، والثقة بهم، وتوليتهم المناصب التي فيها أسرار المسلمين، واتخاذهم بطانة ومستشارين.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ ٢.
فهذه الآيات الكريمة تشرح دخائل الكفار، وما يكنونه نحو المسلمين من بغض، وما يدبرونه ضدهم من مكر وخيانة، وما يحبونه من مضرة المسلمين وإيصال الأذى إليهم بكل وسيلة، وأنهم يستغلون ثقة المسلمين بهم؛ فيخططون للإضرار بهم والنيل منهم.
روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري - ﵁؛ قال: "قلت لعمر - ﵁: لي كاتب نصراني. قال: ما لك قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ بعضٍ﴾ ٣؟ ألا اتخذت حنيفا؟. قال: قلت: يا أمير المؤمنين!
_________________
(١) ١ في غير حالة الضرورة. ٢ سورة آل عمران، الآيات: ١١٨ - ١٢٠. ٣ سورة المائدة، الآية: ٥١.
[ ٣١٠ ]
لي كتابته وله دينه! قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم وقد أقصاهم الله".
وروى الإمام أحمد ومسلم؛ " أن النبي ﷺ خرج إلى بدر؛ فتبعه رجل من المشركين، فلحقه عند الحرة، فقال: إني أردت أن أتبعك وأصيب معك. قال: تؤمن بالله ورسوله؟. قال: لا. قال: فارجع؛ فلن استعين بمشرك" ١.
ومن هذه النصوص يتبيَّن لنا تحريم تولية الكفار أعمال المسلمين التي يتمكَّنون بواسطتها من الاطلاع على أحوال المسلمين وأسرارهم ويكيدون لهم. بإلحاق الضرر بهم.
ومن هذا ما وقع في هذا الزمان من استقدام الكفار إلى بلاد المسلمين "بلاد الحرمين الشريفين"، وجعلهم عمالًا وسائقين ومستخدمين ومربين في البيوت، وخلطهم مع العوائل، أو خلطهم مع المسلمين في بلادهم.
٦- ومن مظاهر موالاة الكفار التأريخ بتأريخهم، خصوصا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم؛ كالتاريخ الميلادي، والذي هو عبارة عن ذكرى مولد المسيح ﵇، والذي ابتدعوه من أنفسهم، وليس هو من دين المسيح ﵇؛ فاستعمال هذا التاريخ فيه مشاركة في إحياء شعارهم وعيدهم، ولتجنب هذا لما أراد الصحابة ﵃ وضع تاريخ للمسلمين في عهد عمر - ﵁؛ عدلوا من تواريخ الكفار، وأرخوا بهجرة الرسول ﷺ، مما يدل على وجوب مخالفة الكفار في هذا وفي غيره مما هو من خصائصهم، والله المستعان.
٧- ومن مظاهر موالاة الكفار مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في
١ هذا محمول على غير حالة الضرورة، وقيل: إنه منسوخ - والله أعلم -؛ لما ثبت من استعانته ﷺ ببعض الكفار بعد لك.
[ ٣١١ ]
إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها، وقد فسر قوله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾؛ أي: من صفات عباد الرحمن أنهم لا يحضرون أعياد الكفار.
٨- ومن مظاهر موالاة الكفار: مدحهم، والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة، والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم؛ دون نظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد. قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١.
وليس معنى ذلك أن المسلمين لا يتخذون أسباب القوة من تعلم الصناعات ومقومات الاقتصاد المباح والأساليب العسكرية، بل ذلك مطلوب؛ قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ٢.
وهذه المنافع والأسرار الكونية هي في االأصل للمسلمين؛ قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا﴾ ٥.
فالواجب أن يكون المسلمون سباقين إلى استغلال هذه المنافع وهذه الطاقات، ولا يستجدون الكفار في الحصول عليها، يجب أن تكون لهم مصانع وتقنيات.
٩- ومن مظاهر موالاة الكفار التسمي بأسمائهم؛ بحيث يسمون أبناءهم وبناتهم بأسماء أجنبية، ويتركون أسماء آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم والأسماء المعروفة في مجتمعهم، وقد قال النبي ﷺ: "خير الأسماء عبد الله
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية: ١٣١. ٢ سورة الأنفال، الآية: ٦٠. ٣ سورة الأعراف، الآية: ٣٢. ٤ سورة الجاثية الآية: ١٣. ٥ سورة البقرة، الآية: ٢٩.
[ ٣١٢ ]
وعبد الرحمن"، وبسبب تغيير الأسماء؛ فقد وجد جيل يحمل أسماء غربية، مما يسبب الانفصال بين هذا الجيل والأجيال السابقة، ويقطع التعارف بين الأسر التي كانت تعرف بأسمائها الخاصة.
١٠- ومن موالاة الكفار الاستغفار لهم والترحم عليهم، وقد حرم الله ذلك بقوله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ١؛ لأن هذا يتضمن حبهم وتصحيح ما هم عليه.
[ ٣١٣ ]
مظاهر موالاة المؤمنين
مظاهر موالاة المؤمنين قد بينها الكتاب والسنة، ومنها:
١- الهجرة إلى بلاد المسلمين، وهجر بلاد الكافرين، والهجرة هي الانتقال من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين.
والهجرة بهذا المعنى ولأجل هذا الغرض واجبة وباقية إلى طلوع الشمس من مغربها عند قيام الساعة.
وقد تبرأ النبي ﷺ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين؛ فتحرم على المسلم الإقامة في بلاد الكفار؛ إلا إذا كان لا يستطيع الهجرة منها، أو كان في إقامته مصلحة دينية؛ كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ١١٣. ٢ سورة النساء، الآيات: ٩٧ - ٩٩.
[ ٣١٣ ]
٢- مناصرة المسلمين ومعاونتهم بالنفس والمال واللسان فيما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم: قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ ٢.
٣- التألم لألمهم والسرور بسرورهم؛ قال النبي ﷺ: "مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"، وقال - أيضا - ﵊: "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا" وشبك بن أصابعه ﷺ.
٤- النصح لهم ومحبة الخير لهم وعدم غشهم وخديعتهم؛ قال ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وقال: "المسلم أخو المسلم؛ لا يحقره، ولا يخذله، ولا يسلمه، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعرضه"، وقال ﵊: "لا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تناجشوا، ولا يبيع بعضكم على بيع بعضن وكونوا عباد الله إخوانا".
٥- احترامهم وتوقيرهم وعدم تنقصهم وعيبهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
٦- أن يكون معهم في حال العسر والشدة والرخاء؛ بخلاف أهل
_________________
(١) ١ التوبة: ٧١. ٢ الأنفال: ٧٢. ٣ سورة الحجرات، الآيتان: ١١ - ١٢.
[ ٣١٤ ]
النفاق، الذين يكونون مع المؤمنين في حالة اليسر والرخاء، ويتخلون عنهم في حال الشدة؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
٧- زيارتهم ومحبة الالتقاء بهم والاجتماع معهم، وفي الحديث القدسي: "وجبت محبتي للمتزاورين فيَّ"، وفي حديث آخر: "أن رجلًا زار أخا له في الله، فأرصد الله على مدرجته ملكا، فسأله: أين تريد؟، قال: أزور أخا لي في الله. قال هل لك عليه نعمة تربها عليه؟ قال: لا؛ غير أني أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه".
٨- احترام حقوقهم فلا يبيع على بيعهم ولا يسوم على سومهم، ولا يخطب على خطبتهم، ولا يتعرض لما سبقوا إليه من المباحات؛ قال ﷺ: "لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبته"، وفي رواية: "ولا يسم على سومه".
٩- الرفق بضعفائهم؛ كما قال النبي ﷺ: "ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا"، وقال ﵊: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟! "، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٢.
١٠ - الدعاء لهم والاستغفار لهم؛ قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٣، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ١٤١. ٢ سورة الكهف، الآية: ٢٨. ٣ سورة محمد، الآية: ١٩. ٤ سورة الحشر، الآية: ١٠.
[ ٣١٥ ]
تنبيه
وأما قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١، فمعناه أن من كف أذاه من الكفار، فلم يقاتل المسلمين، ولم يخرجهم من ديارهم؛ فإن المسلمين يقابلون ذلك بمكافأته بالإحسان والعدل معه في التعامل الدنيوي، ولا يحبونه بقلوبهم؛ لأن الله قال: ﴿تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾، ولم يقل: توالونهم وتحبونهم.
ونظير هذا قوله تعالى في الوالدين: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ ٢.
وقد جاءت أم أسماء إليها تطلب صلتها وهي كافرة؛ فاستأذنت أسماء رسول الله ﷺ في ذلك، فقال لها: "صلي أمك"؛ وقد قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ٣.
فالصلة والمكافأة الدنيوية شيء، والمودة شيء آخر، لأن في الصلة وحسن المعاملة ترغيبا للكافر في الإسلام؛ فهما من وسائل الدعوة؛ بخلاف المودة والموالاة، فهما يدلان على إقرار الكافر على ما هو عليه، والرضى عنه، وذلك يسبب عدم دعوته إلى الإسلام.
وكذلك تحريم موالاة الكفار لا يعني تحريم التعامل معهم بالتجارة المباحة واستيراد البضائع والمصنوعات النافعة والاستفادة من خبراتهم ومخترعاتهم؛ فالنبي ﷺ استأجر ابن أريقط الليثي على الطريق وهو كافر، واستدان من بعض اليهود، وما زال المسلمون يستوردون البضائع والمصنوعات
_________________
(١) ١ سورة الممتحنة، الآية: ٨. ٢ سورة لقمان، الآية: ١٥. ٣ سورة المجادلة، الآية: ٢٢.
[ ٣١٦ ]
من الكفار، وهذا من باب الشراء منهم بالثمن، وليس لهم علينا فيه فضل ومنة، وليس هو من أسباب محبتهم وموالاتهم؛ فإن الله أوجب محبة المؤمنين وموالاتهم وبغض الكافرين ومعاداتهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ ١.
قال الحافظ ابن كثير: "ومعنى قوله: ﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾؛ أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين، وإلا؛ وقعت فتنة في الناس، وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل.." انتهى.
قلت: وهذا ما حصل في هذا الزمان، والله المستعان.
[ ٣١٧ ]
أقسام الناس فيما يجب في حقهم من الولاء والبراء
الناس في الولاء والبراء على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من يحب محبة خالصة لا معاداة معها، وهم المؤمنون الخلص من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وفي مقدمتهم رسول الله ﷺ؛ فإنه تجب محبته أعظم من محبة النفس والوالد والناس أجمعين، ثم زوجاته أمهات المؤمنين، وأهل بيته الطيبين، وصحابته الكرام، خصوصا الخلفاء الراشدين، وبقية العشرة، والمهاجرين، والأنصار، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، ثم بقية الصحابة - ﵃ - أجمعين، ثم التابعون، والقرون المفضلة، وسلف هذه الأمة، وأئمتها؛ كالأئمة الأربعة.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآيتان: ٧٢ - ٧٣.
[ ٣١٧ ]
فصل في التحذير من البدع
أولا: تعريف البدعة؛ أنواعها وأحكامها
فصل في التحذير من البدع
تعريف البدعة
البدعة في اللغة مأخوذة من البدع، وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ١؛ أي: مخترعها على غير مثال سابق، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٢؛ أي: ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل، ويقال: ابتدع فلان بدعة؛ يعني: ابتدأ طريقة لم يسبق إليها.
والابتداع على قسمين:
ابتداع في العادات؛ كابتداع المخترعات الحديثة٣، وهذا مباح؛ لأن الأصل في العادات الإباحة.
وابتداع في الدين، وهذا محرم؛ لأن الأصل فيه التوقيف؛ قال ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد" ٤، وفي رواية: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد" ٥
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ١١٧. ٢ سورة الأحقاف، الآية: ٩. ٣ ويدخل في ذلك الاكتشافات العلمية بأنواعها المختلفة. ٤ رواه البخاري ومسلم. ٥ في (صحيح مسلم) .
[ ٣٢١ ]
أنواع البدع:
البدعة في الدين نوعان:
النوع الأول: بدعة قولية اعتقادية؛ كمقالات الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، وسائر الفرق الضالة واعتقاداتهم.
النوع الثاني: بدعة في العبادات؛ كالتعبد لله بعبادة لم يشرعها، وهي أنواع:
النوع الأول: ما يكون في أصل العبادة؛ بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع؛ كأن صلاة غير مشروعة، أو صياما غير مشروع، أو أعيادًا غير مشروعة؛ كأعياد الموالد وغيرها.
النوع الثاني: ما يكون في الزيادة على العبادة المشروعة؛ كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلًا.
النوع الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة؛ بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة، وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول ﷺ.
النوع الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع؛ كتخصيص يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام؛ فإن أصل الصيام والقيام مشروع، ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل.
حكم البدعة في الدين
كل بدعة في الدين - من أي نوع كانت - فهي محرمة وضلالة؛ لقوله ﷺ: "وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ١، وقوله
_________________
(١) ١ رواه أبو داود والترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) .
[ ٣٢٢ ]
ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وفي رواية: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد"؛ فدل الحديث على أن كل محدث في الدين؛ فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة مردودة.
ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة.
ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة؛ فمنها ما هو كفر صراح؛ كالطواف بالقبور تقربا إلى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وكمقالات غلاة الجهمية والمعتزلة. ومنها ما هو من وسائل الشرك؛ كالبناء على القبور، والصلاة والدعاء عندها. ومنها ما هو فسق اعتقادي؛ كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة في أقوالهم واعتقاداتهم المخالفة للأدلة الشرعية. ومنها ما هو معصية كبدعة التبتل، والصيام قائما في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع١.
تنبيه في تقسيم البدعة إلى واجبة ومستحبة
من قسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة؛ فهو غالط ومخطئ ومخالف لقوله ﷺ: "فإن كل بدعة ضلالة"؛ لأن الرسول ﷺ حكم على البدعة كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول: ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة!.
قال الحافظ ابن رجب في "شرح الأربعين": " فقوله ﷺ: "كل بدعة ضلالة": من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله ﷺ: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه؛ فهو رد"؛ فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه؛ فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواه في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة"٢انتهى.
_________________
(١) ١ انظر: (الأعتصام) للشاطبي (٢/ ٣٧) . (جامع العلوم والحكم) (ص ٢٣٣) .
[ ٣٢٣ ]
وليس لهؤلاء حجة على أن هناك بدعة حسنة إلا قول عمر - ﵁ - في صلاة التراويح: "نعمت البدعة هذه"، وقولوا - أيضا - إنها أحدثت أشياء لم يستنكرها السلف؛ مثل جمع القرآن في كتاب واحد، وكتابة الحديث وتدوينه.
والجواب عن ذلك: أن هذه الأمور لها أصل في الشرع؛ فليست محدثة، وقوله عمر: "نعمت البدعة"؛ يريد البدعة للغوية لا الشرعية؛ فما كان له أصل في الشرع يرجع إليه؛ إذا بدعة؛ فهو بدعة لغة لا شرعا؛ لأن البدعة شرعا ما ليس له أصل في الشرع يرجع إليه.
وجمع القرآن في كتاب واحد له أصل في الشرع؛ لأن النبي ﷺ كأن يأمر بكتابة القرآن، لكن كان مكتوبا متفرقا، فجمعه الصحابة - ﵃ - في مصحف واحد حفظا له.
والتراويح قد صلاها النبي ﷺ بأصحابه ليالي، وتخلف عنهم في الأخير، خشية أن تفرض عليهم، واستمر الصحابة - ﵃ - يصلونها أوزاعا متفرقين في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته، إلى أن جمعهم عمر بن الخطاب - ﵁ - خلف إمام واحد، كما كانوا خلف النبي ﷺ، وليس هذا بدعة في الدين.
وكتابة الحديث - أيضا - لها أصل في الشرع؛ فقد أمر النبي ﷺ بكتابة بعض الأحاديث لبعض أصحابه لما طلب منه ذلك، وكان المحذر من كتابته بصفة عامة في عهده ﷺ خشية أن يختلط بالقرآن ما ليس منه، فلما توفي ﷺ؛ انتفى هذا المحذور؛ لأن القرآن قد تكامل وضبط قبل وفاته ﷺ، فدون المسلمون السنة بعد ذلك؛ حفظا لها من الضياع؛ فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا؛ حيث حفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم ﵊ من الضياع وعبث العابثين
[ ٣٢٤ ]
ثانيا: ظهور البدع في حياة المسلمين والأسباب التى أدت إلى ذلك
ثانيًا: ظهور البدع في حياة المسلمين وأسباب ذلك
وتحته مسألتان:
١- وقت ظهور البدع:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀١: "واعلم أن عامة البدع المتعلقة بالعلوم والعبادات وقع في الأمة في أواخر الخلفاء الراشدين؛ كما أخبر به النبي ﷺ؛ حيث قال: "من يعش منكم بعدي؛ فسيرى اختلافا كثيرًا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي"٢، وأول بدعة ظهرت بدعة القدر وبدعة الإرجاء وبدعة التشيع والخوارج، هذه البدع ظهرت في القرن الثاني، والصحابة موجودون، وقد أنكروا على أهلها، ثم ظهرت بدعة الاعتزال، وحديث الفتن بين المسلمين، وظهر اختلاف الآراء، والميل إلى البدع والأهواء، وظهرت بدعة التصوف وبدعة البناء على القبور بعد القرون المفضلة، وهكذا كلما تأخر الوقت؛ زادت البدع وتنوعت".
٢- مكان ظهور البدع:
تختلف البلدان الإسلامية في ظهور البدع فيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن الأمصار الكبار التي سكنها أصحاب رسول الله ﷺ وخرج منها العلم والإيمان خمسة: الحرمان، والعراقان، والشام،
_________________
(١) (مجموع الفتاوى) (١٠/ ٣٥٤) ٢ صحيح. أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
[ ٣٢٥ ]
منها خرج القرآن والحديث والفقه والعبادة وما يتبع ذلك من أمور الإسلام، وخرج من هذه الأمصار بدع أصولية غير المدينة النبوية؛ فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء وانتشر بعد ذلك في غيرها، والبصرة خرج منها القدر والاعتزال والنسك الفاسد وانتشر بعد ذلك في غيرها، والشام كان بها النصب والقدر، أما التجهم؛ فإنما ظهر في ناحية خراسان، وهو شر البدع.
وكان ظهور البدع بحسب البعد عن الدار النبوية، فلما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان؛ ظهرت بدعة الحرورية.
وأما المدينة النبوية؛ فكانت سليمة من ظهور هذه البدع، وإن كان بها من هو مضمر لذلك؛ فكان عندهم مهانا مذموما؛ إذ كان بهم قوم من القدرية وغيرهم، ولكن كانوا مقهورين ذليلين؛ بخلاف التشيع والإرجاء في الكوفة، والاعتزال وبدع بالبصرة، والنصيب بالشام؛ فإنه كان ظاهرًا، وقد ثبت في"الصحيح" عن النبي ﷺ أن الدجال لا يدخلها، ولم يزل العلم والإيمان بها ظاهرًا إلى زمن أصحاب مالك، وهم من أهل القرن الرابع١، فأما الأعصار الثلاثة المفضلة؛ فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة ألبتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين ألبتة كما خرج سائر الأمصار".
الأسباب التي أدت إلى ظهور البدع:
مما لا شك فيه أن الاعتصام بالكتاب والسنة فيه منجاة من الوقوع في البدع والضلالة؛ قال تعالى: ﴿مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
وقد وضح ذلك النبي صلي الله عليه وسلم فيما رواه أبن مسعود ﵁؛ قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطًا؛ فقال: " هذا سبيل الله" ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن
_________________
(١) (مجموع الفتاوى) .
[ ٣٢٦ ]
شماله، ثم قال: "وهذه سبل، على كل سيبل منها شيطان يدعو إليه" ١، ثم تلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢.
فمن أعرض عن الكتاب والسنة؛ تنازعته الطرق المضللة والبدع المحدثة.
الأسباب التي أدت إلى ظهور البدع تتلخص في الأمور التالية:
الجهل بأحكام الدين، إتباع الهوى، التعصب للآراء والأشخاص، التشبه بالكفار وتقليدهم، ونتناول هذه الأسباب بشيء من التفصيل.
١- الجهل بأحكام الدين:
كلما امتد الزمن وبعد الناس عن آثار الرسالة؛ قل العلم وفشا الجهل؛ كما أخبر بذلك النبي ﷺ بقوله: "من يعش منكم؛ فسيرى اختلافا كثيرًا" ٣، وقوله: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالما؛ اتخذ الناس رؤوسا جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا"٤.
فلا يقاوم البدع إلا العلم والعلماء؛ فإذا فقد العلم والعلماء؛ أتيحت الفرصة للبدعة أن تظهر وتنتشر ولأهلها أن ينشطوا.
٢- اتباع الهوى:
من أعرض عن الكتاب والسنة؛ اتبع هواه.
كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ
_________________
(١) ١ رواه أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم. ٢ سورة الأنعام، الآية: ١٥٣. ٣ من حديث رواه أبو داود والترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) (جامع بيان العلم وفضله) لابن عبد البر (١/ ١٨٠) .
[ ٣٢٧ ]
أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ ١
وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّه﴾ ِ٢.
والبدع إنما هي نسيج الهوى المتبع.
٣- التعصب للآراء والرجال:
التعصب لآراء الرجال يحول بين المرء واتباع الدليل ومعرفة الحق.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ٣.
وهذا هو شأن المتعصبين اليوم من بعض أتباع المذاهب والصوفية والقبوريين، إذا دعوا إلى الكتاب والسنة، ونبذ ما هم عليه مما يخالفهما؛ احتجوا بمذاهبهم ومشايخهم وآبائهم وأجدادهم.
٤- التشبه بالكفار:
هو من أشد ما يوقع في البدع؛ كما في حديث أبي واقد الليثي؛ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهو ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر! إنها السنن! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ٤، لتركبُنَّ سنن من قبلكم"٥.
_________________
(١) ١ سورة القصص، الآية: ٥٠. ٢ سورة الجاثية، الآية: ٢٣. ٣ سورة البقرة، الآية: ١٧٠. ٤ سورة الأعراف، الآية: ١٣٨. ٥ رواه الترمذي وصححه.
[ ٣٢٨ ]
ثالثا: موقف أهل السنة والجماعة من المبتدعة ومنهجهم في الرد عليهم
ثالثًا موقف أهل السنة من المبتدعة ومنهجهم في الرد عليهم
موقف أهل السنة والجماعة من المبتدعة
ما زال أهل السنة والجماعة يردون على المبتدعة وينكرون عليهم بدعهم ويمنعونهم من مزاولتها، وإليك نماذج من ذلك.
١- عن أم الدرداء؛ قلت: "دخل عليَّ أبو الدرداء مغضبا، فقلت له: ما لك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا"١.
٢- عن عمرو بن يحي؛ قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه؛ قال: "كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج؛ مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال ك أخرج عليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا. فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج؛ قمنا إليه جميعا، فقال: يا أبا عبد الرحمن! إني رأيت في المسجد آنفا أمرًا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا
_________________
(١) ١ رواه البخاري. ِ
[ ٣٢٩ ]
خيرًا. قال: وما هو؟ قال: إن عشت فستراه. قال: أريت في المسجد قوما حلقا جلوسا، ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مئة! فيكبرون مئة، فيقول: هللوا مئة! فيهللون مئة، فيقول: سبحوا مئة! فيسبحون مئة. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم سيء؟! ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقه من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد. قال: فعدوا سيئاتكم؛ فأنا ضامن أن لا يضع من حسناتكم شيء، وَيْحَكم يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء أصحابه متوافرون، وهذا ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده؛ إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: وكم مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله أدري لعل أكثرهم منكم. ثم تولى عنهم". فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج١.
٣ - جاء رجل إلى الإمام بن أنس - ﵀ -؛ فقال: من أين أحرم؟ فقال: من الميقات الذي وقت رسول الله ﷺ وأحرم منه. فقال الرجل: فإن أحرمت من أبعد منه؟ فقال مالك: لا أرى ذلك. فقال ما تكره من ذلك؟ فقال: أكره عليك الفتنة. قال: وأي فتنة في ازدياد الخير؟ فقال مالك: فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢، وأي فتنة أعظم من أنك خصصت بفضل لم يختص به
_________________
(١) ١ رواه الترمذي. ٢ سورة النور، الآية: ٦٣.
[ ٣٣٠ ]
رسول الله؟! "١.
وهذا نموذج، ولا زال العلماء ينكرون على المبتدعة في كل عصر، والحمد لله.
منهج أهل السنة والجماعة في الرد على أهل البدع
منهجهم في ذلك مبني على الكتاب والسنة، وهو المنخج المقنع المفحم؛ حيث يوردون شبه المبتدعة وينقضونها، ويستدلون بالكتاب والسنة على وجوب التمسك بالسنن والنهي عن البدع والمحدثات، وقد ألفوا المؤلفات الكثيرة في ذلك، وردوا كتب العقائد على الشيعة والخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة في أصول الإيمان والعقيدة، وألفوا كتبا خاصة في ذلك؛ كما ألف الإمام أحمد كتاب "الرد على الجهمية"، وألف غيره من الأئمة في ذلك؛ كعثمان الدارمي، كما في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم، من الرد على تلك الفرق، وعلى القبورية والصوفية.
وأما الكتب الخاصة في الرد على أهل البدع؛ فهي كثيرة:
منها على سبيل المثال من الكتب القديمة:
١- كتاب "الاعتصام" للإمام الشاطبي.
٢- كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم"لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فقد استغرق الرد على المبتدعة جزءًا كبيرًا منه.
٣- كتاب"إنكار الحوادث والبدع" لابن وضاح.
_________________
(١) ١ ذكره أبو شامة في كتاب (الباعث على إنكار البدع والحوادث)؛ نقلًا عن أبي الخلال (ص ١٤) .
[ ٣٣١ ]
٤- كتاب "الحوادث والبدع" للطرطوشي.
٥- كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث" لأبي شامة.
ومن الكتب العصرية:
١- كتاب "الإبداع في مضار الابتداع"للشيخ علي محفوظ.
٢- كتاب "السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات" للشيخ محمد بن أحمد الشقيري الحوامدي.
٣- رسالة "التحذير من البدع" للشيخ عبد العزيز بن باز.
ولا يزال علماء المسلمين - والحمد لله - ينكرون البدع ويردون على المبتدعة من خلال الصحف والمجلات والإذاعات وخط الجمع والندوات والمحاضرات؛ مما له كبير الأثر في توعية المسلمين والقضاء على البدع وقمع المبتدعين.
[ ٣٣٢ ]
رابعًا: بيان نماذج من البدع المعاصرة
البدع المعاصرة كثيرة بحكم تأخر الزمن، وقلة العلم، وكثرة الدعاة إلى البدع والمخالفات، وسريان التشبه بالكفار في عادات المسلمين وطقوسهم؛ مصداقا لقوله ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" ١.
ونذكر هنا ثلاثة من أهم البدع المعاصرة، وهي:
١- الاحتفال بالمولد النبوي.
٢- التبرك بالأماكن والآثار والأموات ونحو ذلك.
٣- والبدع في مجال العبادات والتقرب إلى الله.
_________________
(١) ١ رواه الترمذي وصححه.
[ ٣٣٢ ]
الاحتفال بمناسبة المولد النبوي في ربيع الأول
مما سرى في المسلمين في هذا العصر وما سبقه من الأعصار من التشبه بالكفار التشبه بالنصارى في عمل ما يسمى بالاحتفال بالمولد النبوي، يحتفل جهلة المسلمين أو العلماء المضلين في ربيع الأول من كل سنة بمناسبة مولد الرسول محمد ﷺ، فمنهم من يقيم هذا الاحتفال في المساجد، ومنهم من يقيمه في البيوت أو الأمكنة المعدة لذلك، ويحضره جموع كثيرة دهماء الناس وعوامهم؛ يعلمون ذلك تشبها بالنصارى في ابتداعهم الاحتفال بمولد المسيح ﵇.
والغالب أن هذا الاحتفال علاوة على كونه بدعة وتشبها بالنصارى لا يخلو من وجود الشركيات والمنكرات؛ كإنشاء القصائد التي فيها الغلو حقِّ الرسول ﷺ إلى درجة دعائه من دون الله والاستغاثة به، وقد نهى النبي ﷺ عن الغلو في مدحه؛ فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله ورسوله" ١.
والإطراء معناه: الغلو في المدح، وربما يعتقدون أن الرسول ﷺ يحضر احتفالاتهم.
ومن المنكرات التي تصاحب هذه الاحتفالات: الأناشيد الجماعية المنغمة، وضرب الطبول وغير ذلك من عمل الأذكار الصوفية المبتدعة، وقد يكون فيها اختلاط بين الرجال والنساء، مما يسبب الفتنة، ويجر إلى الوقوع في الفواحش.
وحتى لو خلا هذا الاحتفال من هذه المحاذير، واقتصر على الاجتماع وتناول الطعام وإظهار الفرح - كما يقولون؛ فإنه بدعة محدثة، "وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"، و- أيضا - هو وسيلة إلى أن يتطور ويحصل فيه ما يحصل
_________________
(١) ١ رواه الشيخان.
[ ٣٣٣ ]
في الاحتفالات الأخرى من المنكرات.
وقلنا: إنه بدعة؛ لأنه لا أصل له في الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح والقرون المفضلة، وإنما حدث متأخرًا بعد القرن الرابع الهجري، أحدثه الفاطميون الشيعة.
قال الإمام أبو حفص تاج الدين الفاكهاني - ﵀: "أما بعد؛ فقد تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول ويسمونه المولد؛ هل له أصل في الدين؟ وقصدوا الجواب عن ذلك مبينا والإيضاح عنه معينا؛ فقلت وبالله التوفيق:
لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها الباطلون، وشهوة نفس اغنتى بها الأكالون"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀: "وكذلك ما يحدثه بعض الناس؛ إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇، وإما محبة للنبي ﷺ وتعظيما من اتخاذ مولد النبي ﷺ عيدًا - مع اختلاف الناس في مولده؛ فإن هذا لم يفعله السلف، ولو كان هذا خيرًا محضا أو راجحا؛ لكان السلف - ﵃ - أحق به منا؛ فإنهم كانوا أشد محبة للني ﷺ وتعظيما له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كانت محبته وتعظيمه في متابعته، وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنا وظاهرًا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان؛ فإن هذه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان"٢انتهى
_________________
(١) ١ رسالة (المورد في عمل المولد) . (اقتضاء الصراط المستقيم) (٢/ ٦١٥) بتحقيق الدكتور ناصر العقل.
[ ٣٣٤ ]
وقد ألف في إنكار هذه البدعة كتب ورسائل قديمة وحديثة.
وهو علاوة على كونه بدعة وتشبها؛ فإنه يجر إلى إقامة موالد أخرى؛ كموالد الأولياء والمشايخ والزعماء؛ فيفتح أبواب شر كثيرة.
التبرك بالأماكن والآثار والأشخاص أحياء وأمواتًا
التبرك: طلب البركة، وهو ثبات الخير في الشيء وزيادته، وطلب ثبوت الخير وزيادته إنما يكون ممن يملك ذلك ويقدر عليه، وهو الله سبحانه؛ فهو الذي ينزل البركة ويثبتها، وأما المخلوق؛ فإنه لا يقدر على منح البركة وإيجادها، ولا على إبقائها وتثبيتها.
فالتبرك بالأماكن والآثار والأشخاص أحياء وأموتا لا يجوز؛ لأنه إما شرك إن اعتقد أن ذلك الشي يمنح البركة، أو وسيلة إلى الشرك إن اعتقد أن زيارته وملامسته والتمسح به سبب لحصولها من الله.
وأما ما كان الصحابة يفعلونه من التبرك بشعر النبي ﷺ وريقه وما انفصل من جسمه ﷺ؛ فذلك خاص به ﷺ حال حياته؛ بدليل أن الصحابة لم يكونوا يتبركون بحجرته وقبره بعد موته، ولا كانوا يقصدون الأماكن التي صلى فيها أو جلس فيها ليتبركوا بها، وكذلك مقامات من باب أولى، ولم يكونوا يتبركون بالأشخاص الصالحين كأبي بكر وعمر وغيرهما من أفاضل الصحابة؛ لا في الحياة، ولا بعد الموت، ولم يكونوا يذهبون إلى غار حراء ليصلوا فيه أو يدعوا، ولم يكونوا يذهبون إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى ليصلوا فيه ويدعوا، أو إلى غير هذه الأمكنة من الجبال التي يقال: إن فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، ولا إلى مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء.
وأيضا فإن المكان الذي كان النبي ﷺ يصلي فيه بالمدينة النبوية دائما لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله، ولا الموضع الذي صلى فيه بمكة
[ ٣٣٥ ]
وغيرها، فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه بقدميه الكريمتين ويصلي عليه لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله؛ فكيف بما يقال: إن غيره صلى فيه أو نام عليه؛ فتقبيل شيء من ذلك والتمسح به قد علم العلماء بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا ليس من شريعته ﷺ ١.
البدع في مجال العبادات والتقرب إلى الله
البدع التي أحدثت في مجال العبادات في هذا الزمان كثيرة؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف؛ فلا شيء منها إلا بدليل، وما لم يدل عليه دليل؛ فهو بدعة؛ لقوله ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد".
والعبادات التي يمارس الآن ولا دليل عليها كثيرة جدًّا:
منها: الجهر بالنية للصلاة؛ بأن يقول: نويت أن أصلي لله كذا وكذا، وهذا بدعةٌ؛ لأنه ليس من سنة النبي ﷺ، ولأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٢، والنية محلها القلب؛ فهي عمل قلبي لا عمل لساني.
ومنها: الذكر الجماعي بعد الصلاة؛ لأن المشروع أن كل شخص يقول الذكر الوارد منفردًا.
ومنها: طلب قراءة الفاتحة في المناسبات وبعد الدعاء وللأموات.
ومنها: إقامة المآتم على الأموات، وصناعة الأطعمة، واستئجار المقرئين؛ يزعمون أن ذلك من باب العزاء، أو أن ذلك ينفع الميت، وكل ذلك بدعة لا أصل له، وآصار وأغلال ما أنزل الله بها من سلطان.
ومنها: الاحتفال بالمناسبات الدينية؛ كمناسبة الإسراء والمعراج،
_________________
(١) ١ انظر: (اقتضاء الصراط المستقيم) (٢/ ٧٩٥ - ٨٠٢) تحقيق الدكتور ناصر العقل. ٢ سورة الحجرات، الآية: ٦.
[ ٣٣٦ ]
ومناسبة الهجرة النبوية، وهذا الاحتفال بتلك المناسبات لا أصل له من الشرع.
ومن ذلك: ما يفعل في شهر رجب؛ كالعمرة الرجبية، وما يفعل فيه من العبادات الخاصة به؛ كالتطوع بالصلاة والصيام فيه؛ فإنه لا ميزة له على غيره من الشهور لا في العمرة والصيام والصلاة والذبح للنسك فيه ولا غير ذلك.
ومن ذلك: الأذكار الصرفية بأنواعها؛ فكلها بدع ومحدثات؛ لأنها مخالفة للأذكار المشروعة في صيغها وهيئاتها وأوقاتها.
ومن ذلك: تخصيص ليلة النصف من شعبان بقيام ويوم النصف من شعبان بصيام؛ فإنه لم يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء خاص به.
ومن ذلك: البناء على القبور، واتخاذها مساجد، وزيارتها لأجل التبرك بها والتوسل بالموتى وغير ذلك من الأغراض الشركية، وزيارة النساء لها، مع أن الرسول ﷺ لعن زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج.
وختاما نقول:
إن البدع بريد الكفر، وهي زيادة دين لم يشرعه الله ولا رسوله، والبدعة شر من المعصية الكبيرة، والشيطان يفرح بها أكثر مما يفرح بالمعاصي الكبيرة؛ لأن العاصي يفعل المعصية وهو يعلم أنها معصية؛ فيتوب منها، والمبتدع يفعل البدعة يعتقدها دينا يتقرب به إلى الله؛ فلا يتوب منها، والبدع تقضي على السنن، وتكره إلى أصحابها فعل السنن وأهل السنة، والبدعة تباعد عن الله، وتوجب غضبه وعقابه، وتسبب زيغ القلوب وفسادها.
[ ٣٣٧ ]
خامسًا: ما يعامل به المبتدعة
تحرم زيارة المبتدع ومجالسه؛ إلا على وجه النصية له والإنكار عليه؛ لأن مخالطته تؤثر على مخالطه شرًّا، وتنشر عدواه إلى غيره.
[ ٣٣٧ ]
ويجب التحذير منهم ومن شرهم إذا لم يمكن الأخذ على أيديهم ومنعهم من مزاولة البدع، وإلا؛ فإنه يجب على علماء المسلمين وولاة أمورهم منع البدع، والأخذ على أيدي المبتدعة، وردعهم عن شرهم؛ لأن خطرهم على الإسلام شديد.
ثم إنه يجب أن يعلم أن دول الكفر تشجع المبتدعة على نشر بدعتهم، وتساعدهم على ذلك بشتى الطرق؛ لأن في ذلك القضاء على الإسلام، وتشويه صورته.
نسأل الله - ﷿ - أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويخذل أعداءه، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وآله وصحبه.
[ ٣٣٨ ]