[المرتبة الأولى]
[شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ]
المرتبة الأولى (١) الإسلام: وأركانه خمسة، وهي: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.
الأول: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ: ومعنى شهادة ألا إله إلا الله: أي لا معبود بحق في الأرض ولا في السماء إلا الله وحده، فهو الإله الحق، وكل إله غيره باطل (٢) وتقتضي إخلاص العبادة لله وحده، ونفيها عما سواه، ولا تنفع قائلها حتى يتحقق فيه أمران:
الأول: قول لا إله إلا الله عن اعتقاد وعلم ويقين وتصديق ومحبة.
الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فمن قال هذه الشهادة ولم يكفر بما يعبد من دون الله لم ينفعه هذا القول (٣) .
_________________
(١) لمزيد من التوسع في هذا ينظر كتاب " التوحيد "، و" الأصول الثلاثة "، وكتاب " آداب المشي إلى الصلاة " تأليف الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀، وكتاب " دين الحق " تأليف الشيخ عبد الرحمن العمر، وكتاب " ما لا بد من معرفته عن الإسلام " تأليف الشيخ محمد بن علي العرفج، وكتاب " أركان الإسلام " تأليف الشيخ عبد الله بن جار الله الجار الله ﵀، وكتاب شرح أركان الإسلام والإيمان تأليف جماعة من طلبة العلم، ومراجعة الشيخ عبد الله الجبرين.
(٢) دين الحق، ص: ٣٨.
(٣) قرة عيون الموحدين، ص: ٦٠.
[ ٢ / ١٢٢ ]
ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، وأن تعلم وتعتقد بأن محمدا رسول الله إلى الناس جميعا، وأنه عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع، من أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، وأن تعلم وتعتقد بأن تلقي التشريع سواء في العقيدة، أم في شعائر العبادات التي أمر الله بها، أم في نظام الحكم والتشريع، أم في مجال الأخلاق، أو في مجال بناء الأسرة، أو في مجال التحليل والتحريم. . لا يكون إلا عن طريق هذا الرسول الكريم محمد ﷺ لأنه رسول الله المبلغ عنه شريعته (١) .
[من مراتب الدين الصلاة]
الثاني: الصلاة: (٢) هي الركن الثاني من أركان الإسلام، بل هي عمود الإسلام، إذ هي صلة بين العبد وربه، يكررها كل يوم خمس مرات، يجدد فيها إيمانه، ويطهر فيها نفسه من أدران الذنوب، وتحول بينه وبين الفواحش والآثام، فإذا استيقظ العبد من نومه في صباحه - مثل بين يدي ربه طاهرا نظيفا - قبل أن ينشغل بحطام الدنيا - ثم كبر ربه، وأقر بعبوديته واستعانه واستهداه، وجدد ما بينه وبين ربه من ميثاق الطاعة والعبودية ساجدا وقائما وراكعا، يكرر ذلك في كل يوم خمس مرات، ويلزم لأداء هذه
_________________
(١) دين الحق، ص: ٥١ - ٥٢.
(٢) ينظر لمزيد من التوسع كتاب " كيفية صلاة النبي ﷺ " تأليف سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، ﵀.
[ ٢ / ١٢٣ ]
الصلاة أن يكون متطهرا في قلبه وبدنه وثوبه ومكان صلاته، وأن يؤديها المسلم جماعة مع إخوانه المسلمين - إن تيسر له ذلك - متوجهين بقلوبهم إلى ربهم، ومتوجهين بوجههم إلى الكعبة المشرفة بيت الله، فالصلاة قد وضعت على أكمل الوجوه وأحسنها التي تعبد بها الخالق ﵎ عباده، من تضمنها للتعظيم له بأنواع الجوارح، من نطق اللسان، وعمل اليدين والرجلين والرأس وحواسه، وسائر أجزاء بدنه، كل يأخذ حظه من هذه العبادة العظيمة.
فالحواس والجوارح تأخذ بحظها منها، والقلب يأخذ حظه منها، فهي مشتملة على الثناء والحمد والتمجيد والتسبيح والتكبير، وشهادة الحق، وقراءة القرآن الكريم، والقيام بين يدي الرب مقام العبد الذليل الخاضع للرب المدبر، ثم التذلل له في هذا المقام والتضرع والتقرب إليه، ثم الركوع والسجود والجلوس خضوعا وخشوعا واستكانة لعظمته وذلا لعزته، قد انكسر قلبه، وذل له جسمه، وخشعت له جوارحه، ثم يختم صلاته بالثناء على الله، والصلاة والسلام على نبيه محمد ﷺ، ثم يسأل ربه من خيري الدنيا والآخرة (١) .
[من مراتب الدين الزكاة]
الثالث: الزكاة: (٢) هي الركن الثالث من أركان الإسلام، ويجب على المسلم الغني
_________________
(١) مفتاح دار السعادة، جـ ٢، ص: ٣٨٤.
(٢) ينظر لمزيد من التوسع كتاب " رسالتان في الزكاة والصيام " تأليف سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، ﵀.
[ ٢ / ١٢٤ ]
أن يخرج زكاة ماله، وهي جزء يسير جدا، ويدفعها إلى الفقراء والمساكين وغيرهم ممن يجوز دفعها إليهم.
ويجب أن يدفعها المسلم إلى مستحقها طيبة بها نفسه، ولا يمن بها على أهلها، ولا يؤذيهم بسببها، ويجب أن يدفعها المسلم ابتغاء رضوان الله، لا يريد بذلك جزاء ولا شكورا من الخلق؛ بل يدفعها خالصة لوجه الله لا رياء ولا سمعة.
وفي إخراج الزكاة استجلاب للبركة، وتطييب لنفوس الفقراء والمساكين وذوي الحاجات، وإغناء لهم عن ذل السؤال، ورحمة بهم من التلف والعوز إذا تركهم الأغنياء، وفي إخراج الزكاة اتصاف بصفات الكرم والجود والإيثار والبذل والرحمة، وتخل عن سمات أهل الشح والبخل والدناءة، وفيها يتكاتف المسلمون، ويرحم غنيهم فقيرهم، فلا يبقى في المجتمع - إذا طبقت هذه الشعيرة - فقير معدم، ولا مدين مرهق، ولا مسافر منقطع.
[من مراتب الدين الصيام]
الرابع: الصيام: (١) وهو صيام شهر رمضان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يدع فيه الصائم الطعام والشراب والجماع وما في حكمها عبادة لله ﷾، ويكف نفسه عن شهواتها، وقد خفف الله الصيام عن
_________________
(١) ينظر لمزيد من التوسع كتاب " رسالتان في الزكاة والصيام " تأليف سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، ﵀.
[ ٢ / ١٢٥ ]
المريض والمسافر والحامل والمرضع والحائض والنفساء، فلكل منهم حكم يناسبه.
وفي هذا الشهر يكف المسلم نفسه عن شهواتها، فتخرج نفسه بهذه العبادة من شبه البهائم إلى شبه الملائكة المقربين، حتى إن الصائم ليتصور بصورة من لا حاجة له في الدنيا إلا في تحصيل رضى الله.
والصيام يحيي القلب، ويزهد في الدنيا، ويرغب فيما عند الله، ويذكر الأغنياء بالمساكين وأحوالهم؛ فتعطف قلوبهم عليهم، ويعلمون ما هم فيه من نعم الله فيزدادوا شكرا.
والصيام يزكي النفس، ويقيمها على تقوى الله، ويجعل الفرد والمجتمع يستشعر رقابة الله عليه في السراء والضراء في السر والعلانية، حيث يعيش المجتمع شهرا كاملا محافظا على هذه العبادة، مراقبا لربه، يدفعه إلى ذلك خشية الله تعالى، والإيمان بالله وباليوم الآخر، واليقين بأن الله يعلم السر وأخفى، وأن المرء لا بد له من يوم يقف فيه بين يدي ربه فيسأله عن أعماله كلها صغيرها وكبيرها (١) .
[من مراتب الدين الحج]
الخامس: الحج: (٢) إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة، ويجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر، يملك وسيلة النقل أو أجرتها إلى البيت الحرام، ويملك ما
_________________
(١) انظر مفتاح دار السعادة، جـ ٢، ص: ٣٨٤.
(٢) ينبغي لمزيد من التوسع كتاب " دليل الحاج والمعتمر تأليف مجموعة من العلماء، وكتاب " التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة " تأليف سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، ﵀.
[ ٢ / ١٢٦ ]
يكفيه من النفقة في ذهابه وإيابه، على أن تكون هذه النفقة فاضلة عن قوت من يعولهم، وأن يكون آمنا على نفسه في طريقه، وآمنا على من يعولهم أثناء غيابه عنهم، ويجب الحج مرة واحدة في العمر لمن استطاع إليه سبيلا.
وينبغي لمن أراد الحج أن يتوب إلى الله، لتتطهر نفسه من دنس الذنوب، فإذا بلغ مكة المكرمة والمشاعر المقدسة أدى شعائر الحج عبودية وتعظيما لله، ويعلم أن الكعبة وسائر المشاعر لا تعبد من دون الله، وأنها لا تنفع ولا تضر، ولو لم يأمر الله بالحج إليها لما صح للمسلم أن يحج إليها.
وفي الحج يلبس الحاج إزارا ورداء أبيضين، فيجتمع المسلمون من جميع أقطار الأرض في مكان واحد، يلبسون زيا واحدا، يعبدون ربا واحدا، لا فرق بين رئيس أو مرؤوس، وغني أو فقير، أو أبيض أو أسود، الكل خلق الله وعباده، لا فضل لمسلم على مسلم إلا بالتقوى والعمل الصالح.
فيحصل للمسلمين التعاون والتعارف، ويتذكرون يوم يبعثهم الله جميعا، ويحشرهم في صعيد واحد للحساب، فيستعدون بطاعة الله تعالى لما بعد الموت (١) .
_________________
(١) انظر: المصدر السابق، جـ ٢، ص: ٣٨٥، ودين الحق، ص: ٦٧.
[ ٢ / ١٢٧ ]
العبادة في الإسلام: (١) هي العبودية لله معنى وحقيقة، فالله خالق وأنت مخلوق، وأنت عبد والله معبودك، وإذا كان ذلك كذلك فلا بد أن يسير المرء في هذه الحياة على صراط الله المستقيم متبعا لشرعه، مقتفيا أثر رسله، وقد شرع الله لعباده شرائع عظيمة كتحقيق التوحيد لله رب العالمين والصلاة والزكاة والصيام والحج.
ولكن ليست هذه هي كل العبادات في الإسلام، فالعبادة في الإسلام أشمل إذ هي: كل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، فكل عمل أو قول عملته أو قلته مما يحبه الله ويرضاه فهو عبادة، بل كل عادة حسنة عملتها بنية التقرب إلى الله فهي عبادة، فمعاشرتك الحسنة لأبيك وأهلك وزوجك وأولادك وجيرانك إذا قصدت بها وجه الله فهي عبادة، ومعاملتك الحسنة في البيت والسوق والمكتب إذا قصدت بها وجه الله فهي عبادة، وأداء الأمانة والتزام الصدق والعدل، وكف الأذى وإعانة الضعيف، واكتساب الحلال والنفقة على الأهل والأولاد، ومواساة المسكين وزيارة المريض، وإطعام الجائع ونصرة المظلوم كل ذلك عبادة إذا قصد به وجه الله، فكل عمل تعمله لنفسك أو لأهلك أو لمجتمعك أو لبلدك تقصد به وجه الله فهو عبادة.
_________________
(١) ينظر لمزيد من التوسع كتاب " العبودية " تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀.
[ ٢ / ١٢٨ ]
بل حتى تحقيق شهوات نفسك في حدود ما أباح الله لك تكون عبادة إذا قارنتها نية صالحة، قال ﷺ: «وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر.» (١) .
وقال ﷺ: «على كل مسلم صدقة. قيل: أرأيت إن لم يجد! قال: يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف. قال: قيل له: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير. قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة.» (٢) .
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة، حديث: ١٠٠٦.
(٢) رواه البخاري في كتاب الزكاة، باب ٢٩، ومسلم في كتاب الزكاة، حديث ١١٠٨، واللفظ له.
[ ٢ / ١٢٩ ]
[المرتبة الثانية]
[الإيمان بالله]
المرتبة الثانية (١) الإيمان وأركانه ستة، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر.
الأول: الإيمان بالله: أن تؤمن بربوبية الله تعالى، أي أنه الرب الخالق المالك المدبر لجميع الأمور، وتؤمن بألوهية الله تعالى، أي أنه الإله الحق، وكل معبود سواه باطل، وتؤمن بأسمائه وصفاته، أي بأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى الكاملة.
وتؤمن بوحدانية الله في ذلك، بأنه لا شريك له في ربوبيته، ولا في ألوهيته، ولا في أسمائه وصفاته، قال الله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] (٢) .
وتؤمن بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وأنه عالم الغيب والشهادة، وأنه له ملك السماوات والأرض: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] (٣) .
_________________
(١) ينظر لمزيد من التوسع " شرح أصول الإيمان " تأليف الشيخ محمد بن صالح العثيمين، وكتاب " الإيمان " تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وكتاب " عقيدة أهل السنة والجماعة " تأليف الشيخ محمد بن صالح العثيمين.
(٢) سورة مريم، الآية: ٦٥.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ٥٩.
[ ٢ / ١٣٠ ]
وتؤمن بأنه تعالى على عرشه عال على خلقه، وهو أيضا مع خلقه يعلم أحوالهم ويسمع أقوالهم ويرى مكانهم، ويدبر أمورهم، يرزق الفقير، ويجبر الكسير، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، وهو على كل شيء قدير (١) .
ومن ثمرات الإيمان بالله ما يلي: ١ - يثمر للعبد محبه الله وتعظيمه الموجبين للقيام بأمره، واجتناب نهيه، وإذا قام العبد بذلك نال بهما كمال السعادة في الدنيا والآخرة.
٢ - أن الإيمان بالله ينشئ في النفس الأنفة والعزة؛ لأنه يعلم أن الله هو المالك الحقيقي لكل ما في هذا الكون، وأنه لا نافع ولا ضار إلا هو، وهذا العلم يغنيه عن غير الله، وينزع من قلبه خوف سواه، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف سواه.
٣ - أن الإيمان بالله ينشئ في نفسه التواضع؛ لأنه يعلم أن ما به من نعمة فمن الله، فلا يغره الشيطان، ولا يبطر ولا يتكبر، ولا يزهو بقوته وماله.
٤ - أن المؤمن بالله يعلم علم اليقين أنه لا سبيل إلى الفلاح والنجاة إلا بالعمل الصالح الذي يرضاه الله، في حين يعتقد غيره اعتقادات باطلة كاعتقاد أن الله أمر بصلب ابنه تكفيرا عن خطايا البشر، أو
_________________
(١) انظر: عقيدة أهل السنة والجماعة، ص: ٧، ١١.
[ ٢ / ١٣١ ]
يؤمن بآلهة ويعتقد أنها تحقق له ما يريد، وهي في حقيقتها لا تنفع ولا تضر، أو يكون ملحدا فلا يؤمن بوجود خالق. . وكل هذه أماني، حتى إذا وردوا على الله يوم القيامة وعاينوا الحقائق أدركوا أنهم كانوا في ضلال مبين.
٥ - أن الإيمان بالله يربي في الإنسان قوة عظيمة من العزم والإقدام والصبر والثبات والتوكل حينما يضطلع بمعالي الأمور في الدنيا ابتغاء لمرضاة الله، ويكون على يقين تام أنه متوكل على ملك السماوات والأرض، وأنه يؤيده ويأخذ بيده، فيكون راسخا رسوخ الجبال في صبره وثباته وتوكله (١) .
[الإيمان بالملائكة]
الثاني: الإيمان بالملائكة: وأن الله خلقهم لطاعته، ووصفهم بأنهم: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨] (٢) وأنهم: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ - يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠] (٣) حجبهم الله عنا فلا نراهم، وربما كشف الله بعضهم لبعض أنبيائه ورسله.
وللملائكة أعمال كلفوا بها، فمنهم جبريل الموكل بالوحي، ينزل به من عند الله على من يشاء من عباده المرسلين، ومنهم الموكل بقبض
_________________
(١) انظر عقيدة أهل السنة والجماعة، ص: ٤٤، ومبادئ الإسلام، ص: ٨٠، ٨٤.
(٢) سورة الأنبياء: الآيات ٢٦ - ٢٨.
(٣) سورة الأنبياء، الآيتان: ١٩، ٢٠.
[ ٢ / ١٣٢ ]
الأرواح، ومنهم الملائكة الموكلون بالأجنة في الأرحام، ومنهم الموكلون بحفظ بني آدم، ومنهم الموكلون بكتابة أعمالهم فلكل شخص ملكان: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ - مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] (١) .
ومن ثمرات الإيمان بالملائكة: ١ - أن تتطهر عقيدة المسلم من شوائب الشرك وأدرانه، لأن المسلم إذا آمن بوجود الملائكة الذين كلفهم الله بهذه الأعمال العظيمة تخلص من الاعتقاد بوجود مخلوقات وهمية تسهم في تسيير الكون.
٢ - أن يعلم المسلم أن الملائكة لا ينفعون ولا يضرون، وإنما هم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فلا يعبدهم ولا يتوجه إليهم، ولا يتعلق بهم.
[الإيمان بالكتب]
الثالث: الإيمان بالكتب: الإيمان بأن الله أنزل كتبا على أنبيائه ورسله، لبيان حقه والدعوة إليه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] (٢) وهذه الكتب كثيرة منها: صحف إبراهيم، والتوراة التي أوتيها موسى، والزبور الذي أرسل به داود، والإنجيل الذي جاء به المسيح ﵈.
_________________
(١) سورة ق، الآيتان: ١٧، ١٨، وانظر عقيدة أهل السنة والجماعة، ص: ١٩.
(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٥.
[ ٢ / ١٣٣ ]
فالإيمان بهذه الكتب السابقة يتحقق بأن تؤمن بأن الله أنزلها على رسله، وأنها تضمنت الشرع الذي أراد الله إبلاغه إلى الناس في ذلك الزمان.
وهذه الكتب التي أخبرنا الله عنها اندثرت، فلم يبق لصحف إبراهيم وجود في الدنيا، أما التوراة والإنجيل والزبور فإنها وإن كانت توجد بأسمائها عند اليهود والنصارى إلا أنها حرفت وبدلت وفقد الكثير منها، ودخل فيها ما ليس منها، بل نسبت إلى غير أصحابها، فالعهد القديم فيه أكثر من أربعين سفرا، وينسب إلى موسى خمسة فقط، والأناجيل الموجودة اليوم لا ينسب واحد منها إلى المسيح.
أما آخر الكتب التي أنزلت من عند الله فهو القرآن العظيم الذي أنزله على محمد ﷺ، ولا يزال محفوظا بحفظ الله لم يطرأ عليه تغيير أو تبديل في حروفه أو كلماته أو حركاته أو معانيه.
والفرق بين القرآن العظيم وبين هذه الكتب الماضية من وجوه كثيرة منها: ١ - أن هذه الكتب الماضية قد ضاعت ودخلها التحريف والتبديل، ونسبت إلى غير أصحابها، وأضيف إليها شروحات وتعليقات وتفاسير، وتضمنت من الأمور المنافية للوحي الإلهي والعقل والفطرة الشيء الكثير.
أما القرآن الكريم فهو لا يزال محفوظا بحفظ الله، بنفس الأحرف والكلمات التي أنزلها الله على محمد ﷺ، لم يطرأ عليه
[ ٢ / ١٣٤ ]
تحريف، ولم يدخله زيادة، إذ حرص المسلمون على أن يبقى القرآن الكريم خالصا من كل شائبة، فلم يخلطوه بغيره من سيرة الرسول ﷺ، أو سيرة الصحابة ﵃، أو تفسير القرآن الكريم، أو أحكام العبادات والمعاملات.
٢ - أن الكتب القديمة لا يعرف لها اليوم سند تاريخي، بل بعضها لا يعرف على من نزلت، ولا بأي لغة كتبت، بل قسم منها نسب إلى غير من جاء به.
أما القرآن فنقله المسلمون عن محمد ﷺ نقلا متواترا شفهيا وكتابيا، ولدى المسلمين في كل عصر ومصر آلاف الحفاظ لهذا الكتاب، وآلاف النسخ المكتوبة منه، وما لم تتفق النسخ الشفهية منه مع النسخ المكتوبة فلا يعتد بالنسخ المخالفة، فلا بد أن يتفق ما في الصدور مع ما في السطور.
وفوق ذلك فإن القرآن نقل نقلا شفهيا لم يحظ به أي كتاب من كتب الدنيا، بل لم توجد صورة هذا النقل إلا في أمة محمد ﷺ، وطريقة هذا النقل: أن يحفظ الطالب القرآن على شيخه حفظا عن ظهر قلب، وشيخه قد حفظه على شيخه، ثم يمنح الشيخ تلميذه شهادة تسمى " إجازة " يشهد فيها الشيخ بأنه أقرأ تلميذه ما قرأه هو على مشايخه شيخا بعد شيخ، كل منهم يسمي شيخه باسمه إلى أن يصل السند إلى رسول الله ﷺ، وهكذا يتسلسل السند الشفهي من الطالب إلى الرسول ﷺ.
[ ٢ / ١٣٥ ]
وقد تضافرت الأدلة القوية والشواهد التاريخية - المتسلسلة بالسند أيضا - على معرفة كل سورة وكل آية من القرآن الكريم: أين نزلت؟ ومتى نزلت على محمد ﷺ؟
٣ - أن اللغات التي أنزلت بها الكتب الماضية قد اندثرت منذ زمن بعيد، فلا يوجد أحد يتكلم بها، وقليل من يفهمها في العصر الحاضر، أما اللغة التي نزل بها القرآن فلغة حية يتكلم بها اليوم عشرات الملايين، وهي تدرس وتعلم في كل قطر من أقطار الأرض، ومن لم يتعلمها يجد في كل مكان من يفهمه معاني القرآن الكريم.
٤ - أن الكتب القديمة كانت لزمن معين، وكانت موجهة إلى أمة بعينها دون سائر الناس، ولذلك تضمنت أحكاما خاصة بتلك الأمة وذلك الزمن، وما كان كذلك فلا يناسب أن يكون للناس جميعا.
أما القرآن العظيم فهو كتاب شامل لكل زمان، مناسب لكل مكان، متضمن من الأحكام والمعاملات والأخلاق ما يصلح لكل أمة، ويناسب كل عصر؛ إذ الخطاب فيه موجه إلى الإنسان بعامة.
ومن خلال ذلك يتبين أنه لا يمكن أن تكون حجة الله على البشر في كتب لا توجد نسخها الأصلية، ولا يوجد على ظهر الأرض من يتكلم اللغات التي كتبت بها تلك الكتب بعد تحريفها. . . إنما تكون حجة الله على خلقه في كتاب محفوظ سالم من الزيادة والنقص والتحريف، نسخه مبثوثة في كل مكان، مكتوب بلغة حية يقرأ بها الملايين من الناس، ويبلغون رسالات الله إلى الناس، وهذا الكتاب هو [القرآن العظيم] الذي أنزله الله على محمد ﷺ، وهو المهيمن على هذه
[ ٢ / ١٣٦ ]
الكتب السابقة، والمصدق لها - قبل تحريفها -، والشاهد عليها، وهو الذي يجب على جميع البشرية اتباعه، ليكون لهم نورا وشفاء وهدى ورحمة، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] (١) وقال جل ثناؤه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] (٢) .
[الإيمان بالرسل صلوات الله وسلامه عليهم]
الرابع: الإيمان بالرسل صلوات الله وسلامه عليهم: أن الله أرسل إلى خلقه رسلا يبشرونهم بالنعيم إذا آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وينذرونهم العذاب إذا عصوا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (٣) وقال جل ثناؤه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] (٤) .
وهؤلاء الرسل كثير، أولهم نوح - ﵇ -، وآخرهم محمد ﷺ، ومنهم من أخبرنا الله عنهم كإبراهيم وموسى وعيسى وداود ويحيى وزكريا وصالح - ﵇ -، ومنهم من لم يذكر الله خبره، قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤] (٥)
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٥.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٥٨، وانظر لما سبق العقيدة الصحيحة وما يضادها، ص: ١٧، وعقيدة أهل السنة والجماعة، ص: ٢٢، ومبادئ الإسلام، ص: ٨٩.
(٣) سورة النحل، الآية: ٣٦.
(٤) سورة النساء، الآية: ١٦٥.
(٥) سورة النساء، الآية: ١٦٤.
[ ٢ / ١٣٧ ]
وهؤلاء الرسل كلهم بشر مخلوقون لله، ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية نصيب، فلا يصرف لهم من العبادة أي جزء، ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، قال الله - تعالى - عن نوح - ﵇ - وهو أولهم - أنه قال لقومه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [هود: ٣١] (١) وأمر الله تعالى محمدا - وهو آخرهم - أن يقول: ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠] (٢) وأن يقول: ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] (٣) .
فالأنبياء عبيد مكرمون، اصطفاهم الله وأكرمهم بالرسالة، ووصفهم بالعبودية، دينهم الإسلام، ولا يقبل الله دينا سواه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] (٤) اتفقت رسالاتهم في أصولها، وتنوعت شرائعهم، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] (٥) وخاتمة هذه الشرائع شريعة محمد ﷺ، وهي ناسخة لكل شريعة سابقة، وأن رسالته خاتمة الرسالات، وهو خاتم المرسلين.
فمن آمن بنبي وجب عليه أن يؤمن بهم جميعا، ومن كذب نبيا فقد كذبهم جميعا؛ لأن جميع الأنبياء والمرسلين يدعون إلى الإيمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولأن دينهم واحد، فالذي يفرق بينهم، أو يؤمن ببعضهم ويكفر ببعض فقد كفر بهم جميعا؛ لأن كلا منهم
_________________
(١) سورة هود، الآية: ٣١.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٥٠.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٨٨.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٩.
(٥) سورة المائدة، الآية: ٤٨.
[ ٢ / ١٣٨ ]
يدعو إلى الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين (١) قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (٢) وقال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا - أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] (٣) .
[الإيمان باليوم الآخر]
الخامس: الإيمان باليوم الآخر: ذلك أن نهاية كل مخلوق في الدنيا الموت، فما مصير الإنسان بعد الموت؟ فما مآل الظلمة الذين سلموا من العذاب في الدنيا؟ هل يسلمون من طائلة ظلمهم؟ والمحسنون الذين فاتهم نصيبهم وجزاء إحسانهم في الدنيا هل تضيع أجورهم؟
إن البشرية تتتابع إلى الموت، جيلا بعد جيل، حتى إذا أذن الله بانقضاء الدنيا، وهلك كل مخلوق على ظهرها، بعث الله جميع الخلائق في يوم مشهود، يجمع الله فيه الأولين والآخرين، ثم يحاسب العباد على أعمالهم من خير أو شر كسبوه في الدنيا، فالمؤمنون يساقون إلى الجنة، والكفار يقادون إلى النار.
والجنة هي النعيم الذي أعده الله لأوليائه المؤمنين، فيها من أصناف النعيم ما لا يقدر أحد على وصفه، فيها مائة درجة، لكل درجة
_________________
(١) ينظر العقيدة الصحيحة وما يضادها، ص: ١٧، وعقيدة أهل السنة والجماعة، ص: ٢٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٥.
(٣) سورة النساء، الآيتان: ١٥٠، ١٥١.
[ ٢ / ١٣٩ ]
سكان على قدر إيمانهم بالله وطاعتهم له، وأدنى أهل الجنة منزلة من يعطى من النعيم مثل ملك ملك من ملوك الدنيا وعشرة أضعافه.
والنار هي العذاب الذي أعده الله لمن كفر به، فيها من ألوان العذاب ما يهول ذكره، ولو أذن الله بالموت لأحد في الآخرة لمات أهل النار بمجرد رؤيتها.
وقد علم الله - بسابق علمه - ما سوف يقوله ويعمله كل إنسان من خير أو شر سرا كان أم علانية، ثم وكل بكل إنسان ملكين: أحدهما يكتب الحسنات، والآخر يكتب السيئات، لا يفوتهما شيء، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] (١) وتدون هذه الأعمال في كتاب يعطى للإنسان يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] (٢) فيقرأ كتابه لا ينكر منه شيئا، ومن أنكر شيئا من أعماله أنطق الله سمعه وبصره ويديه ورجليه وجلده بجميع عمله، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢١ - ٢٢] (٣) .
_________________
(١) سورة ق، الآية: ١٨.
(٢) سورة الكهف، الآية: ٤٩.
(٣) سورة فصلت، الآيتان: ٢١، ٢٢.
[ ٢ / ١٤٠ ]
والإيمان باليوم الآخر (١) - وهو يوم القيامة، يوم البعث والنشور - جاءت به جميع الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] (٢) وقال سبحانه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣] (٣) وهو ما تقتضيه الحكمة الإلهية، فإن الله لم يخلق خلقه عبثا، ولم يتركهم سدى، إذ أضعف الناس عقلا لا يمكن أن يعمل عملا - ذا بال - دون غاية معلومة لديه، ودون قصد منه، فكيف لا يتصور هذا من الإنسان، ثم يظن الإنسان بربه أنه خلق خلقه عبثا، وسيتركهم سدى؟ تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] (٤) وقال جل شأنه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧] (٥) .
وشهد على الإيمان به جميع العقلاء، وهو الذي يقتضيه العقل، وتسلم له الفطر المستقيمة، لأن الإنسان إذا آمن بيوم القيامة أدرك لماذا يترك الإنسان ما يترك، ويعمل ما يعمل رجاء ما عند الله، ثم أدرك أيضا أن من يظلم الناس لا بد أن يأخذ نصيبه، وأن يقتص الناس منه في
_________________
(١) انظر لمزيد من الأدلة على البعث، ص: ٨٤ - ٩٠ من هذا الكتاب.
(٢) سورة فصلت، الآية: ٣٩.
(٣) سورة الأحقاف، الآية: ٣٣.
(٤) سورة المؤمنون، الآية: ١١٥.
(٥) سورة ص، الآية: ٢٧.
[ ٢ / ١٤١ ]
يوم القيامة، وأن الإنسان لا بد أن يأخذ جزاءه إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، لتجزى كل نفس بما تسعى، ويتحقق العدل الإلهي، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] (١) .
ولا يعلم أحد من الخلق متى يأتي يوم القيامة، فهذا يوم لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، بل اختص الله ذلك بعلمه، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] (٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] (٣) .
[الإيمان بالقضاء والقدر]
السادس: الإيمان بالقضاء والقدر: أن تؤمن بأن الله علم ما كان وما سيكون، وعلم أحوال العباد وأعمالهم وآجالهم وأرزاقهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢] (٤) وقال جل ثناؤه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] (٥) وكتب كل ذلك في كتاب عنده، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]
_________________
(١) سورة الزلزلة، الآيتان: ٧، ٨، وانظر دين الحق، ص: ١٩.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٨٧.
(٣) سورة لقمان، الآية: ٣٤.
(٤) سورة العنكبوت، الآية: ٦٢.
(٥) سورة الأنعام، الآية: ٥٩، لو لم يكن في القرآن الكريم إلا هذه لكانت دليلا واضحا وحجة قاطعة على أنه من عند الله، ذلك لأن البشرية في كل عصورها - حتى في هذا العصر الذي شاع فيه العلم، واستكبر فيه الإنسان - لا تفكر في هذه الإحاطة الشاملة، فضلا عن أن تقدر عليها، وقصارى جهدها أن ترصد شجرة أو حشرة في بيئة معينة، لتكشف لنا شيئا من أسرارها وما خفي عليهم منها أعظم، أما التفكير الشامل والإحاطة الشاملة فهذا أمر لم تألفه البشرية، ولا تقدر عليه.
[ ٢ / ١٤٢ ]
(١) وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] (٢) فإذا شاء الله أمرا قال له: كن فيكون، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] (٣) والله سبحانه كما أنه قدر كل شيء فهو الخالق لكل شيء، قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] (٤) وقال عز من قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] (٥) فخلق العباد لطاعته، وبينها لهم، وأمرهم بها، ونهاهم عن معصيته، وبينها لهم، وجعل لهم القدرة والمشيئة التي يتمكنون بها من فعل أوامر الله، فيحصل لهم الثواب، ومن ارتكاب معاصيه، فيستحقون العذاب.
فإذا آمن الإنسان بالقضاء والقدر تحقق له ما يلي: ١ - اعتماده على الله عند فعل الأسباب، لأنه يعلم أن السبب والمسبب كلاهما بقضاء الله وقدره.
٢ - راحة النفس وطمأنينة القلب، لأنه متى علم أن ذلك بقضاء الله وقدره، وأن المكروه المقدر كائن لا محالة ارتاحت نفسه ورضي بقضاء الله، فلا أحد أطيب عيشا وأريح نفسا وأقوى طمأنينة ممن آمن بالقدر.
٣ - طرد الإعجاب بالنفس عند حصول المراد، لأن حصول ذلك نعمة من الله بما قدره من أسباب الخير والفلاح؛ فيشكر الله على ذلك.
_________________
(١) سورة يس، الآية: ١٢.
(٢) سورة الحج، الآية: ٧٠.
(٣) سورة يس، الآية: ٨٢.
(٤) سورة القمر، الآية: ٤٩.
(٥) سورة الزمر، الآية: ٦٢.
[ ٢ / ١٤٣ ]
٤ - طرد القلق والضجر عند فوات المراد أو حصول المكروه، لأن ذلك بقضاء الله الذي لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وهو كائن لا محالة، فيصبر ويحتسب الأجر من الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ - لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣] (١) .
٥ - التوكل التام على الله سبحانه، لأن المسلم يعلم أنه سبحانه بيده - وحده - النفع والضر، فلا يرهب قويا لقوته، ولا يتوانى عن فعل خير مخافة أحد من البشر، قال ﷺ لابن عباس ﵄: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» (٢) .
_________________
(١) سورة الحديد، الآيتان: ٢٢، ٢٣، وانظر العقيدة الصحيحة وما يضادها، ص: ١٩، وعقيدة أهل السنة والجماعة، ص: ٣٩، ودين الحق، ص: ١٨.
(٢) رواه الإمام أحمد في مسنده، جـ ١، ص: ٢٩٣، والترمذي في سننه في أبواب القيامة، جـ ٤، ص: ٧٦.
[ ٢ / ١٤٤ ]
[المرتبة الثالثة]
المرتبة الثالثة الإحسان وهو ركن واحد وهو: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فيعبد الإنسان ربه على هذه الصفة، وهي استحضار قربه، وأنه بين يديه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، ويوجب النصح في أداء العبادة، وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها.
فالعبد يراقب ربه في أداء العبادة، ويستحضر قربه منه حتى كأنه يراه، فإن شق عليه ذلك فليستعن على تحقيقه بإيمانه بأن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته، وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره (١) .
فالعبد الذي بلغ هذه المنزلة يعبد ربه مخلصا، لا يلتفت إلى أحد سواه، فلا ينتظر ثناء الناس، ولا يخشى ذمهم، إذ حسبه أن يرضى عنه ربه، ويحمده مولاه.
فهو إنسان تساوت علانيته وسره، فهو عابد لربه في الخلوة والجلوة، موقن - تمام اليقين - أن الله مطلع على ما يكنه قلبه وتوسوس به نفسه، هيمن الإيمان على قلبه، واستشعر رقابة ربه عليه، فاستسلمت جوارحه لبارئها، فلا يعمل بها من العمل إلا ما يحبه الله ويرضاه، مستسلم لربه.
_________________
(١) انظر: جامع العلوم والحكم، ص: ١٢٨.
[ ٢ / ١٤٥ ]
وحيث تعلق قلبه بربه فلا يستعين بمخلوق، لاستغنائه بالله، ولا يشتكي لإنسان، لأنه أنزل حاجته بالله سبحانه وكفى به معينا، ولا يستوحش في مكان، ولا يخاف من أحد، لأنه يعلم أن الله معه في كل أحواله، وهو حسبه ونعم النصير، ولا يترك أمرا أمره الله به، ولا يقترف معصية لله، لأنه يستحيي من الله، ويكره أن يفقده حيث أمره، أو يجده حيث نهاه، ولا يعتدي أو يظلم مخلوقا أو يأخذ حقه، لأنه يعلم أن الله مطلع عليه، وأنه سبحانه سيحاسبه على أفعاله.
ولا يفسد في الأرض، لأنه يعلم أن ما فيها من خيرات ملك لله تعالى، سخرها لخلقه فهو يأخذ منها على قدر حاجته، ويشكر ربه أن يسرها له.
إن ما ذكرته لك، وعرضته أمامك في هذا الكتيب ما هو إلا الأمور المهمة، والأركان العظيمة في الإسلام، وهذه الأركان هي التي إذا آمن العبد بها، وعمل بها أصبح مسلما، وإلا فإن الإسلام - كما ذكرت لك - دين ودنيا، عبادة ومنهج حياة، إنه نظام إلهي شامل كامل حوى في تشريعاته كل ما يحتاج إليه الفرد والأمة على حد سواء في جميع مجالات الحياة الاعتقادية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ويجد فيه الإنسان قواعد وأصولا وأحكاما تنظم السلم
[ ٢ / ١٤٦ ]
والحرب، والحقوق الواجبة، وتحافظ على كرامة الإنسان والطير والحيوان والبيئة من حوله، وتبين له حقيقة الإنسان والحياة والموت، والبعث بعد الموت، ويجد فيه - أيضا - المنهج الأمثل لمعاملة الناس من حوله من مثل قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] (١) وقوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] (٢) وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] (٣) .
ويحسن بنا وقد عرضنا مراتب هذا الدين، وأركان كل مرتبة من مراتبه أن نذكر نبذة يسيرة من محاسنه.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٨٣.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٣٤.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٨.
[ ٢ / ١٤٧ ]
[من محاسن الإسلام]
من محاسن الإسلام (١) يعجز القلم عن الإحاطة بمحاسن الإسلام، وتضعف العبارة عن الوفاء بذكر فضائل هذا الدين؛ وما ذاك إلا لأن هذا الدين هو دين الله ﷾، فكما لا يحيط البصر بالله إدراكا، ولا يحيط به البشر علما، فكذلك شرعه سبحانه لا يحيط القلم به وصفا، وقد قال ابن القيم ﵀: " وإذا تأملت الحكمة الباهرة في هذا الدين القويم، والملة الحنيفية، والشريعة المحمدية التي لا تنال العبارة كمالها، ولا يدرك الوصف حسنها، ولا تقترح عقول العقلاء - ولو اجتمعت وكانت على أكمل رجل منهم - فوقها، وحسب العقول الكاملة الفاضلة أن أدركت حسنها، وشهدت بفضلها، وأنه ما طرق العالم شريعة أكمل ولا أجل ولا أعظم منها. . ولو لم يأت الرسول ببرهان عليها لكفى بها برهانا وآية وشاهدا على أنها من عند الله، وكلها شاهدة بكمال العلم، وكمال الحكمة، وسعة الرحمة والبر والإحسان، والإحاطة بالغيب والشهادة، والعلم بالمبادئ والعواقب، وأنها من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عباده، فما أنعم عليهم بنعمة أجل من أنه هداهم لها، وجعلهم من أهلها، وممن ارتضاهم لها، فلهذا امتن على عباده بأن هداهم لها قال
_________________
(١) لمزيد من التوسع في هذه الفقرة: انظر الدرة المختصرة في محاسن الدين الإسلامي تأليف الشيخ عبد الرحمن السعدي - ﵀، ومحاسن الإسلام تأليف الشيخ عبد العزيز السلمان.
[ ٢ / ١٤٨ ]
تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] (١) وقال معرفا لعباده ومذكرا عظيم نعمته عليهم، مستدعيا منهم شكره على أن جعلهم من أهلها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] (٢) .
ومن شكر الله علينا بهذا الدين أن نذكر طرفا من محاسنه فنقول: ١ - أنه دين الله:: أن الدين الذي ارتضاه الله لنفسه، وبعث به رسله، وأذن لخلقه بأن يعبدوه من خلاله، فكما لا يشابه الخالق المخلوق، فكذلك لا يشابه دينه - وهو الإسلام - قوانين الخلق وأديانهم، وكما اتصف سبحانه بالكمال المطلق فكذلك دينه له الكمال المطلق في الوفاء بالشرائع التي تصلح معاش الناس ومعادهم، والإحاطة بحقوق الخالق سبحانه وواجبات العباد نحوه، وحقوق بعضهم على بعض، وواجبات بعضهم لبعض.
٢ - الشمول:: من أبرز محاسن هذا الدين شموله لكل شيء، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] (٣) فشمل هذا الدين كل ما يتعلق بالخالق
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٦٤.
(٢) مفتاح دار السعادة، جـ ١، ص: ٣٧٤ - ٣٧٥، والآية رقم: ٣ من سورة المائدة.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ٣٨.
[ ٢ / ١٤٩ ]
من أسماء الله وصفاته وحقوقه، وكل ما يتعلق بالمخلوق من شرائع وتكاليف وأخلاق وتعامل، وأحاط هذا الدين بخبر الأولين والآخرين، والملائكة والأنبياء والمرسلين، وتحدث عن السماء والأرض والأفلاك والنجوم والبحار والأشجار والكون، وذكر سبب الخلق وغايته ونهايته، وذكر الجنة ومآل المؤمنين، وذكر النار ونهاية الكافرين.
٣ - أنه يصل الخالق بالمخلوق: اختص كل دين باطل وكل ملة بأنها تصل الإنسان بإنسان مثله عرضة للموت والضعف والعجز والمرض، بل ربما تربطه بإنسان مات منذ مئات السنين وأصبح عظاما وترابا. . . واختص هذا الدين الإسلام بأنه يصل الإنسان بخالقه مباشرة، فلا قسيس ولا قديس، ولا سر مقدس، إنما هو الاتصال المباشر بين الخالق والمخلوق، اتصال يربط العقل بربه فيستنير ويسترشد ويسمو ويتعالى ويطلب الكمال، ويترفع عن السفاسف والصغائر، إذ كل قلب لم يرتبط بخالقه فهو أضل من بهيمة الأنعام.
وهو اتصال بين الخالق والمخلوق يتعرف من خلاله على مراد الله منه، فيعبده على بصيرة، ويتعرف على مواطن رضاه فيطلبها، ومواطن سخطه فيجتنبها.
وهو اتصال بين الخالق العظيم وبين المخلوق الضعيف الفقير، فيطلب منه المدد والعون والتوفيق، ويسأله أن يحفظه من كيد الكائدين وعبث الشياطين.
[ ٢ / ١٥٠ ]
٤ - مراعاة مصالح الدنيا والآخرة: بنيت شريعة الإسلام على مراعاة مصالح الدنيا والآخرة، وإتمام مكارم الأخلاق.
أما بيان مصالح الآخرة: فقد بين هذا الشرع وجوهها، ولم يغفل منها شيئا، بل فسرها وأوضحها لئلا يجهل منها شيء، فوعد بنعيمها وتوعد بعذابها.
أما بيان المصالح الدنيوية: فقد شرع الله في هذا الدين ما يحفظ على الإنسان دينه ونفسه وماله ونسبه وعرضه وعقله.
أما بيان مكارم الأخلاق: فقد أمر بها ظاهرا وباطنا، ونهى عن رذائلها وسفاسفها، فمن المكارم الظاهرة النظافة والطهارة والتنزه عن الأقذار والأوساخ، وندب إلى التطيب وتحسين الهيئة، وحرم الخبائث كالزنا، وشرب الخمر، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وأمر بأكل الطيبات، ونهى عن الإسراف والتبذير.
أما النظافة الباطنية فترجع إلى التخلي عن مذموم الأخلاق، والتحلي بمحامدها ومستحسنها، فالأخلاق المذمومة كالكذب والفجور والغضب والحسد والبخل ومهانة النفس وحب الجاه وحب الدنيا والكبر والعجب والرياء، ومن الأخلاق المحمودة: حسن الخلق وحسن الصحبة للخلق والإحسان إليهم والعدل والتواضع والصدق وكرم
[ ٢ / ١٥١ ]
النفس والبذل والتوكل على الله والإخلاص والخوف من الله والصبر والشكر (١) .
٥ - اليسر: إحدى الصفات التي تميز هذا الدين؛ ففي كل شعيرة من شعائره يسر، وكل عبادة من عبادته يسر، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (٢) وأول هذا اليسر: أن من يريد أن يدخل في هذا الدين فلا يحتاج إلى وساطة بشرية، أو اعتراف بماض سابق، بل كل ما عليه أن يتطهر ويتنظف، ويشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن يعتقد معناهما ويعمل بمقتضاهما.
ثم إن كل عبادة يدخلها اليسر والتخفيف إذا سافر الإنسان أو مرض، ويكتب له من العمل مثلما كان يعمل صحيحا مقيما، بل إن حياة المسلم تصبح ميسرة مطمئنة، بخلاف حياة الكافر فإنها ضنك وعسر، وكذلك موت المؤمن يكون يسيرا فتخرج روحه كما تخرج القطرة من الإناء، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] (٣) أما الكافر فتحضر الملائكة الشداد الغلاظ عند موته ويضربونه بالسياط، قال تعالى:
_________________
(١) انظر الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام للقرطبي، ص: ٤٤٢ - ٤٤٥.
(٢) سورة الحج، الآية: ٧٨.
(٣) سورة النحل، الآية: ٣٢.
[ ٢ / ١٥٢ ]
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] (١) وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠] (٢) .
٦ - العدل: أن الذي شرع الشرائع الإسلامية هو الله وحده، وهو خالق الخلق كلهم الأبيض والأسود والذكر والأنثى، وهم أمام حكمه وعدله ورحمته سواء، وقد شرع لكل من الذكر والأنثى ما يناسبه، فحينئذ يستحيل أن تحابي الشريعة الرجل على حساب المرأة، أو تفضل المرأة وتظلم الرجل، أو تخص الإنسان الأبيض بخصائص وتحرم منها الإنسان الأسود، فالكل أمام شرع الله سواء، لا فرق بينهم إلا بالتقوى.
٧ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: تضمن هذا الشرع مزية شريفة، وخصيصة منيفة، ألا وهي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجب على كل مسلم ومسلمة بالغ عاقل مستطيع أن يأمر وينهى وفق استطاعته، حسب مراتب الأمر والنهي، وهي أن يأمر أو ينهى بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وبهذا تصبح الأمة كلها رقيبة على الأمة، فكل فرد
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٩٣.
(٢) سورة الأنفال، الآية: ٥٠.
[ ٢ / ١٥٣ ]
يجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من قصر في معروف أو ارتكب منكرا، سواء كان حاكما أو محكوما حسب استطاعته ووفق الضوابط الشرعية التي تضبط هذا الأمر.
فهذا الأمر - كما ترى - واجب على كل فرد حسب استطاعته، في حين تفخر كثير من النظم السياسية المعاصرة بأنها تتيح لأحزاب المعارضة أن تراقب سير العمل الحكومي وأداء الأجهزة الرسمية.
فهذه بعض محاسنه، ولو أردت الإطالة لاستدعى ذلك الوقوف عند كل شعيرة وكل فرض وكل أمر وكل نهي لبيان ما فيه من الحكمة البالغة، والتشريع المحكم، والحسن البالغ، والكمال المنقطع النظير، ومن تأمل شرائع هذا الدين علم - علم اليقين - أنها من عند الله، وأنها الحق الذي لا شك فيه، والهدى الذي لا ضلال فيه.
فإن أردت الإقبال على الله، واتباع شرعه، واقتفاء أثر أنبيائه ورسله فباب التوبة أمامك مفتوح، وربك الغفور الرحيم يدعوك ليغفر لك.
[ ٢ / ١٥٤ ]