[ ١٧٣ ]
[ذكر المهدي]
البَابُ الثّالث في الأَشْرَاطِ العِظَامِ وَالأَمَارَاتِ القَريبَةِ الّتي تَعْقُبُهَا السَّاعَةُ
وهي أيضًا كثيرة.
فمنها: المهدي (١):
وهو أولها. واعلم؛ أن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر.
فقد قال محمد بن الحسن الإسنوي في كتاب "مناقب الشافعي": "قد تواترت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته - ﷺ -". انتهى
وستأتي الإشارة إليها إجمالًا، ولو تعرضنا لتفصيلها طال الكتاب، وخرج عن موضوعه، ولكن نقتصر على حاصل الجمع بين الروايات من غير تَعرُّضٍ لمخرَجها ومُخَرِّجيها، والكلام فيه يأتي في مقامات.
_________________
(١) وبسط في الروايات في بيانه ابن حجر في "الفتاوى الحديثية" (ص ٢٧)، وللسيوطي فيه رسالةٌ سماها "كتاب المهتدي" أشار إليها في "اللآلي المصنوعة" (ص ٥٥١). وقال صاحب "عون المعبود" (٤: ١٧٠): أحاديثه بين صحيح وحسن وضعيف، وبالغ ابن خلدون في "تاريخه" في تضعيف رواياته فلم يصب إلخ ولحضرة مولانا أشرف علي التهانوي رسالة في الرد على ابن خلدون مسماة: "مؤخرة الظنون عن ابن خلدون" معروفةٌ، وأيضًا له رسالة بالأوردو باسم "تحقيق مهدي" مطبوعة في آخر المجلد الرابع من "إمداد الفتاوى". (ز).
[ ١٧٥ ]
المقام الأول: في ذكر اسم المهدي ونسبه ومولده ومبايعته ومهاجره وحليته وسيرته
المقام الأول في اسمه، ونسبه، ومولده، ومبايعته، وَمُهَاجره، وحليته، وسيرته
أما اسمه: ففي أكثر الروايات أنه: محمد، وفي بعضها أنه: أحمد، واسم أبيه عبد الله، فقد ورد، بل صَحَّ عنه - ﷺ -؛ كما عند أبي داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح. عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: "يُواطئ -أي: يُوافق- اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي".
وتعسف بعض الشيعة فقالوا: إنَّ هذا تحريف، والصواب: اسم أبيه اسم ابني -بالنون-، يعني: الحسن، أو أنَّ المراد بأبيه: جده؛ يعني: الحسين، والمراد باسمه: كُنْيتُه، فإنَّ كُنيةَ الحسين: أبو عبد الله، فمعناه: أنَّ كُنية جده الحسين توافق اسم ولد النبي - ﷺ -، وذلك لاعتقادهم أنه محمد بن الحسن العسكري.
وهو بَاطلٌ من وجوه:
أما أولًا: فلهذه التعسفات.
وأما ثانيًا: فلأنَّ محمد بن الحسن هذا مات، وأخذ عمه جعفر مِيراث أبيه الحسن.
وأما ثالثًا: فلأنَّ المهدي يُبايَعُ وهو ابن أربعين سنة، أو أقل، ولو كان هو لزاد عن سبع مئة سنة.
وأما رابعًا: فلأنَّ مولد المهدي المدينة، بخلافه.
وأما خامسًا: فلأنَّ رواية ابن المُنادي عن عليّ ﵇: "فيجيء الله بالمهدي محمد بن عبد الله".
بل وكثيرٌ من الأحاديث صريحةٌ في رَدِّ ما قالوه.
وُوجوهٌ أُخر لا نُطِيل الكلام بذكرها.
[ ١٧٦ ]
تنبيه: ذكر ما وقع في كتاب "اليواقيت والجواهر" للإمام الشعراني
ذكر لقب المهدي وكنيته
تَنبيه
وقع للشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتاب "اليواقيت والجواهر": أنه مشى على هذا القول، ونسبه "للفتوحات المكية"، وسيأتي كلام "الفتوحات" وليس فيه ذلك، بل الذي فيه هو أنَّ المهدي من أولاد الحسن، ولا شك أن العسكري من أولاد الحسين، فما في "الفتوحات" أعم مما نُسِب إليها.
والظاهر: أن هذا مَدسُوسٌ على الشعراني، ويؤيده أنه في حياته لم يُحرر الكتاب المذكور، وأنه قال فيه: لا أُحِلُّ لأَحَدٍ أن يروي عني هذا الكتاب حتى يَعْرِضَهُ على علماء المسلمين ويجيزوا ما فيه.
وقد وقع فيما خاف منه، فَدُسَّ عليه مذهب الشيعة.
ومما دُسَّ عليه في "طبقاته" أنه قال في ترجمة الحسين بن علي: إنَّ العقب منه فقط، لا من أخيه الحسن.
وهذا أيضًا من دسائس الرافضة، وإلَّا فكيف يُنكر الشعراني نَسَبَ الحسن وهو أظهر من أن يُشهر، وأكثر من أن يُحصر، ومنهم الأعاظم كأئمة اليمن، وملوك الحجاز، وملوك الغرب، وأئمة طبرستان القدماء كالداعي الكبير، وكتب النسب طَافحةٌ بأنسابهم كـ"عمدة الطالب" وغيرها، وأئمة علم الأنساب مُجمِعُون على إثبات نسبه، لم يختلف فيه منهم اثنان.
ثم كيف يجوز أن يُنسَب ذلك إلى الشعراني وهو مصري، وأجلاء بني حسن كانوا بمصر كبني طَباطِبا وغيرهم؟ !
فَليتنبه لذلك فإنه زَلةٌ، وبالله التوفيق.
ولقبه: المهدي؛ لأنَّ الله هداه للحق.
والجابر: لأنه يجبر قلوب أمة محمد - ﷺ -، أو لأنه يجبر؛ أي: يقهر الجبارين والظالمين ويقصمهم.
وكُنيته: أبو عبد الله.
[ ١٧٧ ]
ذكر نسب المهدي ومولده ومبايعته ومهاجره وحليته
وفي "الشفا" للقاضي عياض ﵀: أن كنيته أبو القاسم، وأنه جُمع له بين كُنية النبي - ﷺ - واسمه، ولم يذكر له سندًا سلام الله عليه.
وأما نسبه: فإنه من أهل بيت النبي - ﷺ -.
ثم الذي في الروايات الكثيرة الصحيحة الشهيرة: أنه من ولد فاطمة ﵍. وجاء في بعضها: أنه من ولد العباس - ﵁ -، ثم اختلفت الروايات في ولدي فاطمة ﵍؛ ففي بعضها: أنه من أولاد الحسن، وفي بعضها: أنه من أولاد الحسين.
ووجه الجمع بينهما أن ولادته العُظمى من الحسين، أو من الحسن، وللآخر فيه ولادة من جهة بعض أمهاته، وكذلك للعباس فيه ولادةٌ أيضًا.
على أن في أولاد العباس كان من تَسمّى بالمهدي، وجاءتهم الرايات السود من خراسان كما تجيء للمهدي، وكان قبله المنصور كما يكون قبل المهدي المنصور.
وأما مولده: فإنه يُولد بالمدينة، رواه نُعيم بن حماد عن أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه.
وفي "التذكرة" للقرطبي: أنَّ مولده ببلاد المغرب، وأنه يأتي من هناك ويجوز على البحر، كما سيأتي نقله.
وأما مبايعته: فإنه يُبايع بمكة بين الركن والمقام ليلة عاشوراء؛ كما يأتي.
وأما مهاجره: فإنه يُهاجر إلى بيت المقدس، وأن المدينة تخرب بعد هجرته، وتصير مأوى للوحوش؛ فقد ورد عن عمر - ﵁ -: أن عِمرَانَ بيت المقدس خَرَابُ يثرب.
وأما حليته: فإنه آدم ضربٌ من الرجال رَبعةٌ، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، أشمه، أزج أبلج، أعين، أكحل العينين، براق الثنايا، أفرقها، في خَدِّه الأيمن خالٌ أسود، يُضيءُ وجهه كأنه كوكب دُري، كث اللحية، في كتفه علامةٌ للنبي - ﷺ -، أذيل الفخذين، لونه لون عربي، وجسمه جسم إسرائيلي، في لسانه ثقل، وإذا أبطأ عليه الكلام ضرب فخذه الأيسر بيده اليمنى، ابن أربعين سنة.
[ ١٧٨ ]
تفسير بعض الألفاظ التي وردت في وصف المهدي
وفي رواية: ما بين الثلاثين إلى أربعين، خاشعٌ لله خشوع النسر بجناحيه، عليه عبايتان قِطْوَانيتان، يشبه النبي - ﷺ - في الخُلُق -أي: بالضم- لا في الخَلْق -أي بالفتح-.
ولنذكر تفسير بعض كلماته:
قوله: (آدم): هو الأسمر شديد السُّمرة، أو هو الذي لونه لون الأرض، وبه سُمّي آدم ﵇.
قوله: (ضرب من الرجال): هو الخفيف اللحم الممشوق المستدق.
قوله: (رَبعةٌ): هو بين الطويل والقصير.
قوله: (أجلى الجبهة): هو الخفيف شعر النزعتين من الصدغين، والذي انحسر الشعر عن جبهته.
قوله: (أقنى الأنف): القنا في الأنف: طوله ودقة أرنبته، يقال: رجل أقنى، وامرأة قنواء.
قوله: (أشمه): يقال: فلان أشم الأنف، إذا كان عرنينه رفيعًا.
قوله: (أزج أبلج): الزجج: هو تقويس في الحاجب مع طول في طرفه وامتداد، وفلان أزج حاجبه كذلك.
و(الأبلج): هو المشرق اللون مسفره، و(الأبلج) أيضًا: هو الذي وضح ما بين حاجبيه فلم يقترنا، والاسم: البَلج؛ بفتح اللام.
قوله: (أعين أكحل العينين): الأعين: الواسع العين، والمرأة العيناء، والجمع: عِينٌ.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾.
و(الكَحَل) -بفتحتين-: سواد في أجفان العين خلقة من غير اكتحال، والرجل أكحل، والمرأة كحلاء.
قوله: (بَرّاق الثنايا أفرقها)؛ أي: لها بريق ولمعان من شدة بياضها.
[ ١٧٩ ]
ذكر سيرة المهدي
و(أفرقها)؛ أي: ثناياه متباعدة ليست مُتلاصقة.
قوله: (أذيل الفخذين)؛ أي: منفرج الفخذين متباعدهما.
قوله: (عبايتان قِطْوَانيتان)؛ القطوانية: قال في "النهاية": عباءة بيضاء قصيرة الخمل والنون زائدة، يقال: كساء قِطْوَاني، وعباءة قِطْوانية.
وأما سيرته: فإنه يعمل بسُنّة النبي - ﷺ -، لا يُوقِظُ نائمًا، ولا يهريق دمًا، يقاتل على السُنّة لا يترك سُنّةً إلَّا أقامها، ولا بدعةً إلَّا رفعها، يقوم بالدين آخر الزمان؛ كما قام به النبي - ﷺ - أوله، يملك الدنيا كلها؛ كما ملك ذو القرنين وسليمان.
يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، يَردُّ إلى المسلمين أُلفتهم ونعمتهم، يملأ الأرض قِسطًا وعدلًا؛ كما مُلِئَت ظُلمًا وجورًا، يحثو المال حثيًا، ولا يَعُدهُ عدًا، يقسم المال صِحاحًا بالسوية، يَرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، والطير في الجو، والوحش في القفر، والحيتان في البحر.
يملأ قلوب أمة محمد - ﷺ - غِنىً حتى إنه يأمر مناديًا ينادي: ألا من له حاجة في المال. فلا يأتيه إلَّا رجل واحد، فيقول: أنا.
فيقول: ائْتِ السَّادِن -يعني: الخازن- فقل له: إنَّ المهدي يَأمُرك أن تُعطيني مالًا.
فيقول له: احثُ. حتى إذا جعله في حِجْرهِ وأبرزه نَدِم، فيقول: كنت أجشع أمة محمد - ﷺ -. -أي: أحرصهم. والجشع: أشد الحرص- ويقول: أَعْجَز عما وسعهم. قال: فيرده فلا يقبل منه. فيقال له: إنا لا نأخُذُ شيئًا أعطيناه.
تَنْعَمُ الأمة برها وفاجرها في زمنه نعمة لم يُسمع بمثلها قط، تُرسل السماء عليهم مِدرارًا لا تدخر شيئا من قطرها، تُؤتي الأرض أُكلها لا تدخر عنهم شيئًا من بذرها، تجري على يديه الملاحم، يستخرج الكنوز، ويفتح المدائن ما بين الخافقين، يُؤتى إليه بملوك الهند مَغلولين، وتُجعل خزائنهم حُليًا لبيت المقدس، يأوي إليه الناس كما تأوي النحل إلى يَعْسُوبها حتى يكون الناس على مثل أمرهم الأول.
[ ١٨٠ ]
ذكر ما قاله ابن حجر الهيثمي فيما ذكر حول قتل المهدي الخنزير وكسر الصليب وتعليق المصنف على ذلك
يُمِدُه الله بثلاثة آلاف من الملائكة يضربون وُجُوه مخالفيه وأدبارهم، جبريل على مقدمته، وميكائيل على ساقته.
ترعى الشاة والذئب في زمنه في مكان واحد، وتلعب الصبيان بالحيات والعقارب لا تضرهم شيئًا، ويزرع الإنسان مُدًا؛ يخرج له سبع مئة مُدّ.
ويُرفع الربا، والرياء، والزنا، وشرب الخمر، وتطول الأعمار وتؤدى الأمانة، وتهلك الأشرار، ولا يبقى من يُبْغِضُ آل محمد - ﷺ -.
محبوب في الخلائق، يُطفئُ الله به الفتنة العمياء، وتأمن الأرض حتى إن المرأة تحج في خمس نسوة ما معهن رجل لا يخفن شيئًا إلَّا الله.
مكتوب في أسفار الأنبياء: "ما في حكمه ظُلم ولا عيب".
قال الفقيه ابن حجر في "القول المختصر في علامات المهدي المنتظر": ولا يُنافي هذا أنَّ عيسى ﵇ يفعل بعض ما ذُكر؛ من قتل الخنزير، وكَسْرِ الصليب؛ إذ لا مانع أن كُلًا منهما يفعله.
أقول: ويحتمل أن يكون الزمان واحدًا، ويُنْسَبُ إلى كُلّ منهما باعتبار؛ كما سيأتي.
[ ١٨١ ]
المقام الثاني في العلامات التي يُعرف بها، والأمارات الدالة على قرب خروجه ﵇
أما العلامات:
فمنها: أن معه قميص رسول الله - ﷺ -، وسيفه، ورايته من مِرْطٍ مُخَملّة مُعلّمة سوداء، فيها حُجَرٌ لم تُنشر منذ توفي - ﷺ -، ولا تُنشر حتى يخرج المهدي، مكتوب على رايته: البيعة لله.
ومنها: أن على رأسه غَمامةً فيها منادٍ ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه، وتخرج منها يَدٌ تشير نحو المهدي بالبيعة.
ومنها: أنه يَغْرِسُ قضيبًا يابسًا في أَرضٍ يَابسةٍ فيخضرُ ويُورِق.
ومنها: أنه يُطلب منه آية، فَيُومئ بيده إلى طَيْرٍ في الهواء فيسقط على يده.
ومنها: أنه يُخسفُ بجيش يقصدونه بالبيداء بين المدينة ومكة؛ كما سيأتي.
ومنها: أنه ينادي منادٍ من السماء: أيها الناس؛ إن الله قد قطع عنكم الجبارين والمنافقين وأشياعهم، وولاكم خير أمة محمد - ﷺ -، فالحقوا بمكة؛ فإنه المهدي، واسمه: أحمد بن عبد الله.
وفي رواية: وولاكم الجابر خير أمة محمد - ﷺ -، الحقوه بمكة؛ فإنه المهدي، واسمه: محمد بن عبد الله.
ومنها: أن الأرض تُخرج أفلاذ كبدها مثل الأسطوانات من الذهب.
ومنها: غنى قلوب الناس، وكثرة بركات الأرض؛ كما مر في سيرته ﵊.
ومنها: أنه يُخرج كنز الكعبة المدفون فيها، فيقسمه في سبيل الله تعالى. رواه نُعيم عن عليّ كرّم الله وجهه.
[ ١٨٢ ]
ذكر الأمارات الدالة على قرب خروجه
ومنها: أنه يَستخرِجُ تابوت السكينة من غار أنطاكية، أو من بحيرة طبرية، فيُخرج حتى يُحمل فيوضع بين يديه ببيت المقدس، فإذا نظر إليه اليهود أسلموا إلَّا قليلًا منهم.
ومنها: أنه يَنْفَلِقُ له البحر كما انفلق لبني إسرائيل؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ومنها: أنه تأتي الرايات السود من خراسان، فيرسلون إليه بالبيعة.
ومنها: أنه يجتمع بعيسى ابن مريم ﵉، ويُصلي عيسى خلفه.
ومنها: ما مر في حليته من علامة النبي - ﷺ -، وثقل اللسان، وغير ذلك.
* وأما الأمارات الدالة على قرب خروجه:
فمنها: أنه ينشق الفرات، فينحسر عن جبل من ذهب.
ومنها: أنه ينكسف القمر أول ليلة من رمضان، والشمس ليلة النصف منه، وهذان لم يكونا منذ خلق الله السماوات والأرض.
ومنها: خُسوف القمر مرتين في شهر رمضان، وهذا لا يُنافي الأول؛ كما هو واضح.
ومنها: طُلوع القرن ذي السنين.
ومنها: طُلوع نجم له ذنب يُضيءُ.
ومنها: ظُهور نار عَظيمةٍ من قبل المشرق ثلاث ليال، أو سبع ليال.
ومنها: ظُهور ظُلمةٍ في السماء.
ومنها: حُمرةٌ في السماء، وتُنشر في أفقها، ليست كحمرة الأفق.
ومنها: نِداءٌ يَعُمُّ جميع أهل الأرض، ويسمع أهل كل لغة بلغتهم.
ومنها: خَسفُ قرية بالشام، يقال لها: حَرَستا.
ومنها: منادٍ يُنادي من السماء باسم المهدي، فَيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب
[ ١٨٣ ]
حتى لا يبقي رَاقدًا إلَّا استيقظ، ولا قائِمًا إلَّا قعد، ولا قاعِدًا إلا قام على رجليه.
وهذا غير الصوت الآتي بعد خروجه كما مر.
ومنها: عِصَابةٌ في شوال (١)، ثم مَعْمعةٌ في ذي القعدة، ثم حَربٌ في ذي الحجة، ونهب الحاج، وقتلهم حتى تسيل الدماء على جمرة العقبة.
وبعض هذه المذكورات من نجم ذي ذنب والحُمرة والسواد، قد وقع.
والمعمعة: صوت الحرب واليوم الشديد الحر، والمراد منها الفتن.
ومنها: أنه يكون اختلاف، وزلازل كثيرة.
ومنها: أنه يُنادي مُنادٍ من السماء: ألا إن الحق في آل محمد - ﷺ -، ويُنادي مُنادٍ من الأرض: ألا إن الحق في آل عيسى وآل العباس، وإن الأول نداء المَلك، وإن الثاني نداء الشيطان.
ومنها: ما يأتي مما نذكره من الفتن الواقعة قبل ظهوره.
_________________
(١) ذكره السيوطي في "اللآلئ" (ص ٥٤٠) وفي "الموضوعات"، وفي "مجمع الزوائد" (٧/ ٣١٠). (ز).
[ ١٨٤ ]
ذكر انحسار نهر الفرات عن جبل من ذهب
ذكر خروج السفياني وعلامة ذلك
المقام الثالث في الفتن الواقعة قبل خروجه
ولنسقها مساقًا واحدًا تقريبًا إلى فهم العوام المقصودين بهذه الرسالة، وتكميلًا للفائدة، فنقول:
من الفتن التي قبله: أنه يَنْحَسِرُ الفرات عن جبل من ذهب (١)، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، واجتمع ثلاثة كلهم ابن خليفة يقتتلون عنده، ثم لا يصير إلى واحد منهم، فيقول مَنْ عنده: والله لئن تركت الناس يأخذون منه ليذهبن بكليته. فيقتتلون عليه حتى يُقتل من كل مئة تسعة وتسعون. وفي رواية: فيقتل تسعة أعشارهم.
وفي رواية: من كل تسعة سبعة، فيقول رجل: لعلي أكون أنا أنجو.
وفي "الصحيحين" وغيرهما: قال - ﷺ -: "فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا".
ومنها: خروج السفياني، والأبقع، والأصهب، والأعرج الكندي:
أما السفياني (٢): فعن أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه؛ أنه من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان.
ويزيد هذا هو أخو معاوية بن أبي سفيان: صحابي أسلم مع أبيه وأخيه يوم الفتح، مات في خلافة عمر - ﵁ -.
والسفياني من ولده، وهو رجل ضخم الهامة، بوجهه آثار الجدري، وبعينه نُكتة بيضاء، هكذا ورد في حِلْيتهِ عن علي كرّم الله وجهه.
وأنه يخرج من ناحية مدينة دمشق، في وَادٍ يقال له: وادي اليابس.
_________________
(١) كذا في "البذل" (١٧/ ٢٣٣)، وسيأتي أحاديثه (ص ٢١٨). (ز).
(٢) ذكر شيئًا من أحواله ابن حجر في "الفتاوى الحديثية" (ص ٢٨، ص ٣١). (ز).
[ ١٨٥ ]
تنبيه: بيان أن: (الأبقع، والأصهب، والأعرج، والمنصور، والحارث، والمهدي) ألقاب لا أسماء لهم
ذكر بقية قصة خروج السفياني
يُؤتى في منامه فيقال له: قُم فاخرج. فيقوم فلا يجد أحدًا، ثم يُؤتى الثانية فيقال له مثل ذلك، ثم يقال له في الثالثة: قم فاخرج فانظر إلى باب دارك. فينحدر في الثالثة إلى باب داره، فإذا هو بسبعة نفر أو تسعة، معهم لواء فيقولون: نحن أصحابك، مع رجل منهم لواء معقود لا يعرفون في لوائه النصر، يستفرش يديه على ثلاثين ميلًا لا يرى ذلك العَلَمَ أَحدٌ إلَّا انهزم.
فيخرج فيهم، ويتبعهم نَاسٌ من قريات الوادي، وبيد السفياني ثلاث قُضبان لا يقرع بها أحدًا إلَّا مات، فيسمع به الناس، فيخرج صاحب دمشق فيلقاه ليقاتله، فإذا نظر إلى رايته انهزم، فيدخل السفياني في ثلاث مئة وستين راكبًا دمشق، وما يمضي عليه شهر حتى يجتمع عليه ثلاثون ألفًا من كلب، وهم أخواله.
وعلامة خروجه: أنه يُخسَفُ بقرية من قُرى دمشق، ولعلها حَرسْتَا، ويسقط الجانب الغربي من مسجدها.
ثم يخرج الأبقع والأصهب، فيخرج السفياني من الشام، والأبقع من مصر، والأصهب من الجزيرة؛ أي: جزيرة العرب لا جزيرة ابن عمر، فإنها داخلة في جزيرة العرب.
ويخرج الأعرج الكندي بالمغرب، ويدوم القتال بينهم سَنةً، ويغلب السفياني على الأبقع والأصهب.
ويسير صاحب المغرب فيقتل الرجال، ويسبي النساء، ثم يرجع حتى ينزل الجزيرة إلى السفياني على قيس، فيظهر السفياني على قيس، وَيَحُوزُ ما جمعوا من الأموال، ويظهر على الرايات الثلاث.
تَنبيه
الأبقع، والأصهب، والأعرج، والمنصور، والحارث، والمهدي: صِفَاتٌ وألقاب، لا أسماء لهم، فَليُعْلم.
ثم يُقاتل الترك والروم بقرقيسيا فيظهر عليهم، ويفسد في الأرض، فيبقر بطون النساء، ويقتل الصبيان، ويهرب رجال من قريش إلى قسطنطينية، فيبعث إلى عظيم
[ ١٨٦ ]
تنبيه: بيان معنى الغيبتين بالنسبة للمهدي
الروم أن يبعث بهم في المجامع، فيبعث بهم إليه، فيضرب أعناقهم على باب المدينة بدمشق، ثم ينفتق عليهم فَتقٌ من خلفهم، فيرجع إليهم ويقتل طائفة منهم، فينهزمون حتى يدخلوا أرض خراسان، وتُقبل خيل السفياني في طلبهم كالليل والسيل، فلا تمر بشيء إلَّا أهلكته وهدمته، فيهدم الحصون، وَيُخرّب القلاع حتى يدخل الزوراء -وهي: بغداد- فيقتل من أهلها مئة ألف، ثم يسير إلى الكوفة، فيقتل من أهلها ستين ألفًا، ويسبي النساء والذراري، ويبث جنوده في البلاد، فتبلغ عامة المشرق من أرض خراسان، ويطلبون أهل خراسان في كل وجه، ويبعث بعثًا إلى المدينة، فيأخذون من قدروا عليه من آل محمد - ﷺ -، ويقتلون من بني هاشم رجالًا ونساء، ويُؤتى بجماعة منهم إلى الكوفة، وتفترق بقيتهم في البراري، فعند ذلك يهرب المهدي والمُبَيض -وفي رواية: والمنصور- إلى مكة في سبعة أنفس، ويستخفون هناك، فيرسل صاحب المدينة إلى صاحب مكة: إذا قدم عليكم فلان وفلان -يكتب أسماءهم- فاقتلوهم. فَيُعظِم ذلك صاحب مكة، ثم يتآمرون بينهم، فيأتونه ليلًا ويستجيرون به، فيقول: اخرجوا آمنين. فيخرجون، ثم يبعث إلى رجلين منهم فيقتل أحدهما والآخر ينظر إليه، ويقتلون النفس الزكية بين الركن والمقام، فعند ذلك يَغْضَبُ الله ويَغْضَبُ أهل السماوات، ثم يرجع الآخر إلى أصحابه فيخبرهم، فيخرجون حتى ينزلوا جبلًا من جبال الطائف، فيقيمون فيه ويبعثون إلى الناس، فينساب إليهم ناسٌ، فإذا كان كذلك غزاهم أهل مكة، فيهزمون أهل مكة، ويدخلون مكة، ويقتلون أميرهم، ويكونون بمكة إلى خروج المهدي.
تَنبيه
ورد عن أبي عبد الله الحسين بن علي ﵉ أنه قال لصاحب هذا الأمر -يعني: المهدي ﵇- غيبتان؛ إحداهما تطول حتى يقول بعضهم مات، وبعضهم: ذهب، ولا يَطّلِعُ على موضعه أَحدٌ؛ من ولي ولا غيره، إلا المولى الذي يلي أمره.
وهاتان الغيبتان -والله أعلم- ما مر آنفًا، أنه يختفي بجبال الطائف، ثم يَنْسَاب إليه ناسٌ، ويظهر معهم، ويهزم أهل مكة، ثم إنه يختفي بجبال مكة، ولا يَطّلِعُ عليه أَحدٌ.
[ ١٨٧ ]
ذكر بقية قصة الخروج
تنبيه: في عدم وقوف المصنف على اسم أم المهدي
ذكر قصة وجود المهدي ومبايعته
ويؤيده: ما رُوي عن أبي جعفر؛ محمد بن علي الباقر أنه قال: يكون لصاحب هذا الأمر غَيبَةٌ في بعض هذه الشعاب. وأومأ بيده إلى ناحية ذي طوى.
ويُلائمه: قول أبي عبد الله الحسين المار حتى يقول بعضهم: مات إلخ؛ لأن الاختفاء بعد الظهور هو الذي يُظن فيه الموت.
وأما ما ذهب إليه الإمامية الشيعة من أنه محمد بن الحسن العسكري، وأنه غاب ثم ظهر لبعض خواص شيعته، ثم غاب ثانيًا، وأنه يراه خواص شيعته: فيرده أن الظهور لبعض الخواص لا يُسمى ظُهورًا.
وقوله في رواية الحسين: لا يطلع على موضعه أَحدٌ من ولي ولا غيره. فإن هذا يُنافي قولهم: يعرفه خواص شيعته، وكونه بناحية ذي طوى؛ لأنهم يقولون: غاب بسردَابٍ بِسُرَّ من رأى. والله أعلم.
ويحج الناس في هذه السنة؛ أعني: سنة خروجه من غير أمير، فيطوفون جميعًا فإذا نزلوا مِنَى أخذ الناس كالكَلِبْ، فيثور القبائل بعضهم على بعض فيقتتلون، ويُنْهبُ الحاج، وتسيل الدماء على جمرة العقبة، ويأتي سبعة رجال علماء من آفاق شتى على غير ميعاد، وقد بايع لكل منهم ثلاث مئة وبضعة عشر، فيجتمعون بمكة، ويقول بعضهم لبعض: ما جاء بكم؟ فيقولون: جئنا في طلب هذا الرجل الذي ينبغي أن تَهدَأَ على يديه الفتن، ويفتح له قسطنطينية، قد عرفناه باسمه واسم أبيه وأمه.
تَنبيه
لم أقف على اسم أُمِّ المهدي بعد الفحص والتَّتَبُّع، فلعلهم يعرفون اسمه من طريق الكشف، لا من طريق النقل، والله أعلم.
فيتفق السبعة على ذلك، فيطلبونه بمكة فيقولون: أنت فلان ابن فلان؟ فيقول: بل أنا رجل من الأنصار، فينفلت منهم، فيصفونه لأهل الخبرة فيه والمعرفة به، فيقولون: هو صاحبكم الذي تطلبونه وقد لحق بالمدينة. فيطلبونه بالمدينة فيخالفهم إلى مكة، وهكذا إلى ثلاث مرات.
ويسمع صاحب المدينة بطلب الناس للمهدي، فيجهز جيشًا في طلب الهاشميين
[ ١٨٨ ]
تنبيه: في حل إشكال الإتيان للمدينة في مدة قصيرة بعد بيعة المهدي
بمكة، ويأتي أولئك السبعة فيصيبونه بالثالثة بمكة عند الركن، ويقولون: إِثْمُنا عليك، ودِماؤُنا في عنقك إن لم تَمُدّ يدك نبايعك، هذا عسكر السفياني قد توجه في طلبنا عليهم رجلٌ من حزم. ويهددونه بالقتل إن لم يفعل.
فيجلس بين الركن والمقام ويمد يده فيُبايع، فيظهر عند صلاة العشاء مع راية رسول الله - ﷺ -، وقميصه وسيفه.
فإذا صَلّى العشاء أتى المقام فصلى ركعتين، وَصَعِد المنبر، ونادى بأعلى صوته: أذكركم الله أيها الناس ومقامكم بين يدي ربكم.
ويخطب خطبة طويلة يرغبهم فيها في إحياء السُّنن، وإماتة البِدَع، فيظهر في ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلًا عدد أهل بدر، وعدد أصحاب طالوت حين جاوزوا معه النهر، من أبدال الشام، وعصائب أهل العراق، ونجائب مصر، على غير ميعاد قُزَعًا كَقُزع الخريف، رهبان بالليل أُسدٌ بالنهار.
ويأتيهم جيش صاحب المدينة فيقاتلونه، فيهزمونهم ويتبعونهم حتى يدخلون المدينة ويستنقذونها من أيديهم.
تَنبيه
لا يشكل إتيانهم المدينة مرتين أو ثلاثًا مع وقوع البيعة ليلة عاشوراء، وإن المدة بعد انقضاء المناسك إلى ليلة عاشوراء قَريبٌ من عشرين يومًا، أو خمسة وعشرين يومًا، ومسافة ما بين الحرمين عشر مراحل أو أكثر بالسير المعتاد، مع ما يتخلل ذلك من طلبهم له في كل من الحرمين في كل مرة؛ إذ يمكن الإتيان على الركاب في خمسة أيام، فيمكن تكرره في خمس وعشرين، على أنهم كُلّهم أولياء فيمكن أن تُطوى لهم الأرض، أو يكونوا من أصحاب الخطوات، والله أعلم (١).
ويبلغ السفياني خروجه، فيبعث إليهم بعثًا من الكوفة، فيأتون المدينة فيستبيحونها ثلاثًا، ويقتلون قتلًا في الحرة عنده كضربة سوط، ويقصدون المهدي، فإذا خرجوا
_________________
(١) منشأ هذا القول من المُصَنِّف عدم تصور التطور في وسائل النقل السريعة وتسهيل الطرقات، وهذا مشاهد في عصرنا الحاضر، والله أعلم بما سيستجد مستقبلًا.
[ ١٨٩ ]
رجوع المصنف إلى ذكر حكاية أهل خراسان مع السفياني
من المدينة وكانوا ببيداء من الأرض خُسِفَ بأولهم وآخرهم، ولم يَنْجُ أوسطهم، فلا ينجو منهم إلَّا نَذيرٌ إلى السفياني، وبشيرٌ إلى المهدي، فلما سمع المهدي بذلك قال: هذا أوان الخروج. فيخرج ويمر بالمدينة، فيستنقذ من كان أسيرًا من بني هاشم، وتُفتح له أرض الحجاز كلها.
ولنرجع إلى حكاية أهل خراسان: ثم يخرج رجل من وراء النهر يقال له: الحارث وحراث، على مقدمته رجلٌ يقال له: المنصور (١) يمكِّن لآل محمد - ﷺ -، كما مَكّنت قريش لمحمد - ﷺ -، وجب على كل مؤمن نصره، فهذا الرجل يَحتَمِل أن يكون هو الهاشمي الآتي ذكره، ويلقب بـ: الحارث؛ كما يلقب المهدي بـ: بالجابر، ويَحتمل أن يكون غيره، ويثور أهل خراسان بعسكر السفياني، ويكون بينهم وقعات، وقعة بتونس، ووقعة بدولاب الري، ووقعة بتخوم الدرنيخ.
فإذا طال عليهم قتالهم إياه بايعوا رجلًا من بني هاشم بكفه اليمنى خَالٌ، سهل الله أمره وطريقه، هو أخو المهدي من أبيه أو ابن عمه، وهو حينئذ بآخر المشرق، فيخرج بأهل خراسان وطَالَقان ومعه الرايات السود الصغار، وهذه غير رايات بني عباس، على مُقَدّمته رَجلٌ من تميم من الموالي، رَبعَةٌ أصفر قليل اللحية كوسج، واسمه شعيب بن صالح التميمي، يخرج إليه في خمسة آلاف، فإذا بلغه خروجه شايعه وصيره على مقدمته، لو استقبلته الجبال الرواسي لهدها، يمهد الأمر للمهدي؛ كما مهدت قريش للنبي - ﷺ -.
وعنه - ﷺ - أنه قال: "إذا سمعتم براياتٍ سوداء أقبلت من خراسان فَاْتوها ولو حبوًا على الثلج" (٢).
_________________
(١) وحكى القاري (٥/ ١٨٤): قيل: إن المراد أبو منصور الماتريدي، وقيل: الخضر. والحديث أخرجه أبو داود (ز).
(٢) فقد أخرج معناه في "المشكاة" برواية أحمد، عن ثوبان - ﵁ -، قال القاري (٥/ ١٨٥): "يحتمل أن يكون السواد كناية عن كثرة العساكر، والظاهر أنها عساكر الحارث والمنصور". اهـ وأخرجه الترمذي برواية أبي هريرة - ﵁ - (٢/ ٥٦) (ز).
[ ١٩٠ ]
تنبيه: في بيان معنى إتيان جنود من قبل سجستان للمهدي
ذكر بقية حديث بين المهدي والسفياني
وعن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: لو كنت في صندوق مُقفلٍ فاكسر ذلك القفل والصندوق والحق بها.
وفي رواية: فإنَّ فيها خليفة الله المهدي -أي: فيها نصره-، وإلَّا فهو حينئذ بمكة، كما مر.
فيلتقي هو وخيل السفياني، فيقتل منهم مَقتلةٌ عظيمة ببيضاء اصطخر حتى تطأ الخيل الدماء إلى أرساغها، ثم يأتيه جنود من قبل سجستان عظيمة عليهم رجلٌ من بني عدي، فيظهر الله أنصاره وجنوده.
تَنبيه
هكذا الروايات، وهذه الجنود يَحتَمِل أن تكون مددًا للهاشمي، فالمعنى: فيظهر الله أنصاره عليهم. والله أعلم.
ثم تكون وقعةٌ بالمدائن بعد وقعة الري، وفي عاقرقوقا وقعة صلبة يُخبر عنها كل ناج، وَتُقْبِلُ الرايات السود حتى تنزل على الماء. هكذا أطلق في الحديث، ولعله ماء دجلة.
فيبلغ من في الكوفة من أصحاب السفياني نزولهم هناك فيهربون، ثم ينزل الكوفة حتى يستنقذ من فيها من بني هاشم، ثم يخرج قَومٌ من سواد الكوفة يقال لهم: العَصَبْ، ليس معهم سلاحٌ إلَّا قليل، وفيهم بعض أهل البصرة قد تركوا أصحاب السفياني، فيستنقذون ما في أيديهم من سبي الكوفة، وتبعث الرايات السود بيعتهم إلى المهدي، ويُقبِلُ المهدي من الحجاز، والسفياني من الكوفة -بعد أن يبلغه خبر خَسْف جيشه، ولا يهوله ذلك- إلى الشام كأنهما فرسا رهان، فيسبقه الصخري (١)، فيقطع بعثًا آخر من الشام إلى المهدي، فيدركون المهدي بأرض الحجاز، فيبايعونه بيعة المهدي، ويُقبلون معه إلى الشام.
_________________
(١) هو: السفياني، ولعل سبب تسميته بذلك لأنه يُذبح على صخرة عند الكنيسة التي ببطن الوادي؛ كما سيأتي (ص ١٩٤).
[ ١٩١ ]
تنبيه: في بيان حال الجيش المذكور في الروايات والجمع بينها
ذكر بقية حديث المهدي والسفياني
تَنبيه
في بعض الروايات: أنَّ الجيش الذي يُخسف بهم يبعث من الشام، وفي بعضها من العراق، ولا منافاة كما قال ابن حجر؛ لأنَّ البعث من العراق، لكنهم لما كانوا من أهل الشام نُسِبُوا إليها في الروايات الأخرى.
وفي رواية: أنَّ المهدي يُقاتل هذا الجيش الثاني في عدد أهل بدر، وأصحاب المهدي يومئذ جُنَّتهم البرادع، فيسمع يومئذ صوت من السماء: ألا إنَّ أولياء الله أصحاب فلان. يعني: المهدي، فتكون الدَّبُرةَ على أصحاب السفياني، فيقتلون لا يبقى منهم إلَّا الشريد، فيهربون إلى السفياني فيخبرونه.
ويمكن الجمع بأنَّ بعضهم يُبايعه، وبعضهم يُقاتله، فينهزمون، أو أن الذين يقاتلونه هم الذين يبعثهم صاحب المدينة الأمير من قبل السفياني إلى مكة؛ كما مرت الإشارة إليه.
ويُؤيده: أنه يُقاتلهم في عدد أهل بدر، وأن جُنتهم يومئذ البرادع، فإنَّ هذه الصفات تناسب حالهم عند ابتداء البيعة.
وأما بعد الاستيلاء على أرض الحجاز فعسكره كثير. والله أعلم.
ثم إن السفياني يُفسد في الأرض، ويُظهر الكفر حتى إنه يُطاف بالمرأة وتُجامع نهارًا في مسجد دمشق على مجلس شُربٍ، حتى تأتي فخذ السفياني فتجلس عليه وهو في المحراب قاعد، فيقوم إليه رَجُلٌ مُسلمٌ من المسلمين، فيقول: ويحكم أكفرتم بعد إيمانكم؟ ! إن هذا لا يحل. فيقوم إليه فَيَضرب عُنقه في المسجد، ويقتل كل من شايعه.
فعند ذلك يُنادي مُنادٍ من السماء: أيها الناس؛ إن الله قد قطع عنكم الجبارين والمنافقين وأشياعهم، وولاكم خير أمة محمد - ﷺ -، فالحقوا بمكة؛ فإنه المهدي واسمه: أحمد بن عبد الله.
ويسير المهدي بالجيوش حتى يصير بوادي القُرى، وهو من المدينة على مرحلتين إلى جهة الشام في هدوء ورفق، ويلحقه هناك ابن عمه الحسني في اثني عشر ألفًا،
[ ١٩٢ ]
تنبيه: في بيان فائدة وإشكال ورد في الحديث السابق
فيقول له: يا بن عم؛ أنا أحق بهذا الأمر منك، أنا ابن الحسن، وأنا المهدي. فيقول له المهدي: بل أنا المهدي. فيقول الحسني: هل لك من آية فأبايعك؟ فَيومئ المهدي ﵇ إلى الطير فيسقط على يديه، ويغرس قضيبًا يابسًا في بقعة من الأرض فيخضر ويورق. فيقول الحسني: يا بن عمي؛ هي لك.
تَنبيه
في هذا الحديث فائدةٌ، وإشكال:
أما الفائدة: فإنها تدل على أن المهدي من أولاد الحسين، وأن ابن عمه هذا حسني، وأنه يظن أن الخلافة في بني الحسن حيث يقول: أنا ابن الحسن.
ومستنده في هذه الدعوى -والله أعلم- أمران:
أحدهما: أن الحسن اسْتُخلفَ؛ فيكون أولاده أحق بها.
الثاني: أنه نزل عنها حقنًا لدماء المسلمين، فعوضه الله الخلافة في أولاده.
وكلا الأمرين مُعارَضٌ:
أما الأول: فلأن بيعة الحسن من بعض الناس؛ وهم أهل العراق والمشرق واليمن، دون أهل الشام والمغرب ومصر، وقد بايع بعضهم للحسين أيضًا.
وأما الثاني: فلأن الحسن قد فَوّتَ حقه بعد ما ناله، وأما الحسين فلم ينل ما أراد، فحقه باقٍ، فأعطاه الله في أولاده.
وأما الإشكال: فهو أن هذا الحسني إن كان الذي قدم بالرايات السود فقد مر أنه بعثَ بالبيعة من الكوفة، وأنه لا يَقدمُ الحجاز، وإنما يلقاه ببيت المقدس.
وإن كان غيره فكيف ينازعه بعد أن بايعه أهل الحجاز كلها، وبايعه أهل المشرق والعراق؟
والجواب: أنه إن قلنا إن القادم بالرايات أخوه؛ كما في بعض الروايات فهذا غيره، وحينئذ فوجه دعواه: أن البيعة للمهدي من أهل البيت كائنًا من كان، فهي بيعةٌ للمتصف بهذا الوصف لا لشخصٍ بعينه فيدعي أن البيعة له لأنه المهدي، لا لأنه ينازعه في الخلافة، فإذا ظهر له أنه ليس بمهدي بايعه.
[ ١٩٣ ]
ذكر بقية حديث المهدي والسفياني
وإن قلنا: إنه ابن عمه: فإن كان غير هذا الحسني فالجواب ما مر. وإن كان هو فمعنى ملاقاته أنه يُرسل إليه جماعة اثني عشر ألفًا إمدادًا واحتياطًا أن لا يكون هو المهدي، فينازعوه على الخلافة ويُؤمر عليهم واحدًا، ويأمره بأن يمتحنه ويوكله في البيعة، فيقول له: إن كان هو المهدي فبايعه عني، وإن كنت أنا المهدي فخذ لي منه البيعة، فيكون بعث البيعة على التردد.
فلما بايعوه صح أن يقال: بعثوا له بالبيعة. وأن يقال: لقيه مجازًا.
هذا ما ظهر لي في هذا المقام، والله أعلم.
فيقبل المهدي حتى إذا انتهى إلى حد الشام الذي بين الشام والحجاز فيقيم بها، ويقال له: انفذ. فيكره المجاز، ويقول: أنا أكتب إلى ابن عمي -يعني: الصخري- فإن خلع طاعتي فأنا صاحبكم. فإذا أتاه كتاب المهدي قال أصحابه: إن هذا المهدي قد ظهر لتبايعنه أو لنقتلنك. فيبايعه ويسير إليه حتى ينزل بيت المقدس، ولا يترك المهدي بيد رجل من أهل الشام فترًا من الأرض إلَّا ردها إلى أهل الذمة، ورد المسلمين جميعًا إلى الجهاد، ثم يخرج رجل من كلب يقال له: كنانة، بعينه كوكب، في رهطٍ من قومه حتى يأتي الصخري فيقول: بايعناك ونصرناك، حتى إذا مَلكت بايعت هذا الرجل. ويعيرونه فيقولون: كساك الله قميصًا فخلعته. فيقول: ما ترون، أنقض العهد؟ فيقولون: نعم، فلنقاتلن، لا تبقى عامرية أمها أكبر منك إلَّا لحقتك، لا يتخلف عنك ذات خف ولا ظلف، فيرتحل وترحل معه عامر بأسرها.
وفي رواية: أنه ينقض العهد، ويستقيله البيعة بعد مضي ثلاث سنين من بيعته إياه، ويوجه إليهم المهدي راية، وأعظم رايةٍ في زمان المهدي مئة رجل.
فتصف كلب خيلها، ورجلها، وإبلها، وغنمها، فإذا تسامت الخيلان ولت كلب أدبارها فيقتلونهم ويسبونهم حتى تباع العذراء منهم بثمانية دراهم، ويؤخذ الصخري -أي: السفياني- فيؤتى به أسيرًا إلى المهدي، فَيُذْبح على الصخرة المعترضة على وجه الأرض عند الكنيسة التي ببطن الوادي على طرف درج طور زيتا المقنطرة التي على الوادي؛ كما تُذْبَحُ الشاة.
[ ١٩٤ ]
تنبيه: في ذكر بعض الروايات المتعلقة بالحديث والجمع بينها
قال - ﷺ -: "الخائب من خاب يومئذ من غنيمة كلب ولو بعقال، قيل: يا رسول الله؛ كيف يغنمون أموالهم ويسبون ذراريهم وهم مسلمون؟ قال - ﷺ -: يكفرون باستحلالهم الخمر والزنا".
ويأتي الهاشمي بالرايات السود وسيفه على عاتقه ثمانية أشهر.
وفي رواية: ثمانية عشر شهرًا، يَقتل وَيُمَثّلُ حتى يقول الناس: معاذ الله أن يكون هذا من ولد فاطمة، ولو كان لرحمنا.
يغريه الله ببني عباس وبني أمية، فيكون لهم وقعةٌ بأرضٍ من أرض نصيبين، ووقعة بحران وشعارهم: أَمِت أَمِت -وفي رواية: بِكُشْ بِكُشْ. والمعنى واحد- حتى يُسلموها إلى المهدي.
تَنبيه
في بعض الروايات: يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر، وفي بعضها: ثمانية عشر شهرًا، وفي رواية: اثنين وسبعين شهرًا؛ وهي مدة ست سنين.
وفي بعض الروايات: أنه يُسَلّمُ الرايات إلى المهدي ببيت المقدس.
وفي رواية: فلا يبلغه حتى يموت.
وفي رواية: فتلتقي بعض رايات الهاشمي مع خيل السفياني، فيكون بينهم مقتلة عظيمة وتنهزم خيل السفياني، ثم تكون الغلبة للسفياني فيهرب الهاشمي، ويأتي التميمي مُستخفيًا إلى بيت المقدس يُمَهّد للمهدي إذا خرج للشام.
وطريق الجمع بين الروايات الأُوَل: أن اثنين وسبعين باعتبار جميع مدته.
ويَدُلُّ له ما في بعض الروايات: "إن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريدًا وتطريدًا حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون، فينصرون، فيعطون ما سألوا، فلا يقبلونه حتى يسلموه إلى المهدي".
وثمانية عشر باعتبار ما بعد مدة قتاله مع خيل السفياني، واجتماع شعيب بن صالح به.
[ ١٩٥ ]
وثمانية أشهر باعتبار مدة ما بعد نزوله الكوفة، وبعثه بالبيعة إلى المهدي.
وهذا جمعٌ حسن لا بأس به.
وطريق الجمع بين الروايات الأخيرة: وهو أن يقال -على بعد-: إن ضمير "يموت" راجع إلى السفياني؛ أي: فلا يلقى الهاشمي المهدي حتى يموت السفياني أو يرجع إليه، ويكون القادم بالرايات التميمي، ونسبته إلى الهاشمي مجاز للسبب، أو أنه يُوصل الرايات ويفتح الشام، ويموت قبل اجتماعه به بقليل.
على أن روايات قدومه بالرايات، ووصوله إليه أكثر وأشهر، فتُقدّم عند عدم إمكان الجمع، وإنما تتساقط إذا تعارضت، وكذلك روايات النصر والغلبة أكثر من روايات الهزيمة، فَتُقدّم، ولو جُمعَ فوجه الجمع: أنه ينهزم في بعض الوقعات، ثم تكون له الغلبة بعد ذلك، والله أعلم.
ثم تتمهد الأرض للمهدي، ويلقي الإسلام بجرانه، ويدخل في طاعته ملوك الأرض كلهم، ويبعث بعثًا إلى الهند فتفتح ويؤتى بملوك الهند إليه مغلولين، وتنقل خزائنها إلى بيت المقدس فتجعل حِليةً لبيت المقدس، ويمكث في ذلك سنين.
ذكر الملحمة الكبرى
وذلك أن بعد هلاك السفياني يُهَادِنون الروم صُلحًا أمنًا.
وفي بعض الروايات: أن مدة المهادنة تسع سنين، حتى يغزو المسلمون وهم عدوًا من وراءهم، فينتصرون ويغنمون وينصرفون حتى ينزلوا بمرج ذي تلوم، وهو موضع.
فيقول قائلٌ من الروم: غَلَبَ الصليب. ويقول قائل من المسلمين: بل الله غلب. فيتداولانها بينهم، فيثور المسلم إلى صليبهم وهو منهم غير بعيد، فيدقه، وتثور الروم إلى كاسر صليبهم فيقتلونه، وتثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون، فيكرم الله تلك العِصَابة من المسلمين بالشهادة، فَيُقْتلُونَ عن آخرهم.
فتقول الروم لملكهم: كفيناك شر العرب، وقتلنا أبطالها، فما تنتظر؟ فيجمعون في مدة تسعة أشهر مقدار حمل امرأة، فيأتون تحت ثمانين غاية.
[ ١٩٦ ]
تنبيه: في ذكر معنى: (الغاية، الأعماق)
ذكر بقية حديث قتال المسلمين مع الروم
وفي لفظ: فيسيرون بثمانين بندًا، والمعنى واحد.
تحت كل غاية أو بند اثنا عشر ألفًا، فينزلون بالأعماق أو بدابق، وهما موضعان قرب حلب وأنطاكية.
قال في "القاموس": العَمْق ويحرك: كُورةٌ بنواحي حلب. قال والأعماق: موضع بين حلب وأنطاكية مصب مياه كثيرة لا يجف إلَّا صيفًا، وهو العَمْقُ جُمِعَ بأجزائه. اهـ
فيخرج إليهم جَلَبٌ من أهل المدينة من خيار أهل المدينة يومئذ وهم الذين خرجوا مع المهدي، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا والله لا نُخَلِّي بينكم وبين إخواننا.
تَنبيه
(الغاية): -بالغين المعجمة، والياء؛ آخر الحروف-: الراية.
ويُروى بالباء الموحدة، وهي: الأَجمةُ من القصب، شَبَّه كثرة رماحهم بها.
و(الأعماق)، بالعين المهملة.
و(الدَّابق): بوزن الطابع؛ بكسر الباء وفتحها.
و(سبوا)، وروي بضم السين والباء على بناء المجهول، وبفتحهما على بناء المعلوم.
والمعنى على الأول: الذين سبيتموهم منا، وخرجوا عن ديننا، وصاروا يقاتلوننا.
وعلى الثاني: الذين سبوا أولادنا ونساءنا.
فينهزم من المسلمين ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح ثلث لا يفتنون أبدًا.
وفي رواية نُعيم بن حماد، عن ابن مسعود - ﵁ - مرفوعًا: "يكون بين المسلمين وبين الروم هدنة وصلح، حتى يقاتلوا معهم عدوهم فيقاسمونهم غنائمهم،
[ ١٩٧ ]
ثم إن الروم يغزون مع المسلمين فارس، فيقتلون مُقَاتِلهم، ويسبون ذراريهم، فتقول الروم: قاسمونا الغنائم كما قاسمناكم. فيقاسمونهم الأموال وذراري الشرك، فتقول الروم: قاسمونا ما أصبتم من ذراريكم. فيقولون: لا نقاسمكم ذراري المسلمين أبدًا. فيقولون: غدرتم بنا. فترجع الروم إلى صاحب القسطنطينية فيقولون: إن العرب غدرت، ونحن أكثر منهم عددًا، وأتم منهم عدة، وأشد منهم قوة، فأمددنا نقاتلهم. فيقول: ما كُنت لأغدر بهم، ولقد كانت لهم الغلبة في طول الدهر علينا، فيأتون صاحب رومية فيخبرونه بذلك، فيوجه ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا في البحر، ويقول لهم صاحبهم: إذا أرسيتم بسواحل الشام فاحرقوا المراكب؛ لتقاتلوا عن أنفسكم. فيفعلون ذلك، ويأخذون أرض الشام كلها، برها وبحرها ما خلا مدينة دمشق والمُعْتَق، ويخربون بيت المقدس".
قال ابن مسعود - ﵁ -: فقلت: كم تسع دمشق من المسلمين؟ فقال النبي - ﷺ -: "والذي نفسي بيده، لتتسعنَّ على من يأتيها من المسلمين؛ كما يتسع الرحم على الولد"، قلت: وما المُعْتَق يا نبي الله؟ قال: "جبلٌ بأرض الشام من حمص على نهر يقال له: الأريط".
فيكون ذراري المسلمين في أعلى المعتق، والمسلمون على نهر الأريط يقاتلونهم صباحًا ومساء، فإذا أبصر صاحب القسطنطينية ذلك وجه في البر إلى قنسرين ثلاث مئة ألف، حتى تجيئهم مادة اليمن ألف ألف، أَلَّفَ الله بين قلوبهم بالإيمان، معهم أربعون ألفًا من حمير، حتى يأتوا بيت المقدس، فيقاتلون الروم فيهزمونهم، ويخرجونهم من جُنْدٍ إلى جند، حتى يأتوا قنسرين، تجيئهم مادة الموالي.
قلت: وما مادة الموالي يا رسول الله؟
قال: "هم عَتَاقتكُم، وهم منكم قوم يجيئون من قبل فارس، فيقولون: تعصبتم يا معشر العرب، لا يكون معكم أحدٌ من الفريقين، أتجتمع كلمتكم فنقاتل نزارًا يومًا والموالي يومًا؟ .
فيخرجون إلى المعتق وينزل المسلمون على نهر يقال له: كذا وكذا -يُعزى-، والمشركون على نهر يقال له: الرقية؛ وهو النهر الأسود، فيقاتلونهم، فيرفع الله
[ ١٩٨ ]
نصره عن العسكرين، وينزل الصبر عليهما، حتى يقتل من المسلمين الثلث، ويفر الثلث، ويبقى الثلث.
فأما الذين يقتلون: فشهيدهم؛ كشهيد عشرة من شهداء بدر، ويشفع الواحد من شهداء بدر بسبعين شهيدًا، ويفترقون ثلاثة أثلاث:
ثلثٌ يلحقون بالروم، ويقولون: لو كان لله بهذا الدِّين من حاجة لنصرهم.
ويقول ثلث وهم مُسْلِمةُ العرب: مروا حيث لا ينالنا الروم أبدًا، مروا بنا إلى البدو وهم الأعراب، سيروا بنا إلى العراق واليمن والحجاز، حيث لا يُغاثُ الروم.
وأما الثلث: فيمشي بعضهم إلى بعض فيقولون: الله الله فدعوا عنكم العصبية، ولتجتمع كلمتكم، وقاتلوا عدوكم، فإنكم لن تنصروا ما تعصبتم، فيجتمعون جميعًا يتبايعون على أن يقاتلوا حتى يلحقوا بإخوانهم الذين قتلوا.
فإذا أبصر الروم إلى من تحول إليهم ومن قتل، ورأوا قلة المسلمين قام رُوميٌّ بين الصفين ومعه بند في أعلاه صليب، فينادي: غَلبَ الصليب. فيقوم رجلٌ من المسلمين بين الصفين ومعه بندٌ وينادي: بل غلب أنصار الله، بل غلب أنصار الله وأولياؤه. فغضب الله على الذين كفروا من قولهم: غَلبَ الصليب.
فينزل جبريل ﵇ في مئتي ألف من الملائكة ويقول: يا ميكائيل؛ أغث عبادي. فينزل ميكائيل في مئتي ألف من الملائكة، ويُنْزِلُ الله نصره على المؤمنين، ويُنْزِل بأسه على الكافرين، فَيُقْتلون ويهزمون.
ويسير المسلمون في أرض الروم حتى يأتوا عمورة وعلى سورها خلقٌ كثير يقولون: ما رأينا شيئًا أكثر من الروم! كم قتلنا وهرقنا دم أكثرهم في هذه المدينة! فيقولون: آمنونا على أن نُؤَدي إليكم الجزية. فيأخذون الأمان لهم، وتجتمع الروم على أداء الجزية؛ تجتمع إليهم أطرافهم فيقولون: يا معشر العرب؛ إن الدجال قد خالفكم إلى ذراريكم -والخبر باطلٌ- فمن كان فيهم منكم فلا يُلقين شيئًا مما معه، فإنه قوةٌ لكم على ما بقي.
فيخرجون فيجدون الخبر باطلًا، وتَثِبُ الروم على من بقي في بلادهم من العرب،
[ ١٩٩ ]
تنبيه: في بيان المقصود من بعض عبارات وردت في الحديث
فيقتلونهم حتى لا يبقى بأرض الروم عربي ولا عربية ولا ولد عربي إلا قتل، فيبلغ ذلك المسلمين فيرجعون غَضَبًا لله، فيقتلون مقاتلهم، ويسبون ذراريهم، ويجمعون الأموال، ولا ينزلون على مدينة ولا حصن فوق ثلاثة أيام حتى يُفتح لهم.
وينزلون على الخليج حتى يفيض، فيصبح أهل القسطنطينية فيقولون: الصليب مدَّ لنا بحرنا، والمسيح ناصرنا. فيصبحون والخليج يابس، فتضرب فيه الأخبية، ويُحبس البحر عن القسطنطينية، فيقولون: الصليب مد لنا. ويُحيطُ المسلمون بمدينة الكفر ليلة الجمعة بالتحميد والتكبير والتهليل إلى الصباح، ليس فيهم نائم ولا جالس، فإذا طلع الفجر كَبّر المسلمون تكبيرةً واحدة، فيسقط ما بين البرجين، فتقول الروم: كنا نقاتل العرب، فالآن نقاتل ربنا، وقد هدم لهم مدينتنا، وخربها لهم. فيملؤون أيديهم، ويكيلون الذهب بالأترسة، ويقتسمون الذراري حتى يبلغ سهم الرجل ثلاث مئة عذراء، ويتمتعون بما في أيديهم ما شاء الله.
ثم يخرج الدجال حقًّا، ويَفْتَحُ الله القسطنطينية على يدي أقوام هم أولياء الله، يرفع الله عنهم الموت والمرض والسقم حتى ينزل عليهم عيسى ابن مريم ﵇ فيقاتلون معه الدجال".
أورد هذا الحديث بطوله السيوطي في "الجامع الكبير".
تَنبيه
قوله: "يكون بين الروم والمسلمين هُدنة حتى يقاتلوا معهم عدوهم": الضمير للروم؛ أي: حتى يقاتل المسلمون مع الروم عدو الروم، بدليل قولهم بعد هذا للمسلمين: قاسمونا الغنائم كما قاسمناكم. وفارس يكونون عدوًّا للمسلمين.
وهذا إما أن يقاتلوا المهدي وهم مسلمون؛ كما يقاتل بعض المسلمين بعضًا على الملك، وهو ظاهر قولهم: (لا نقاسمكم ذراري المسلمين)، أو أنهم يرجعون إلى الكفر، وهو ظاهر قوله: "فيقاسمونهم الأموال وذراري الشرك"، وهو المناسب للاستعانة بالروم عليهم، والروم كفارٌ؛ لعدم جواز الاستعانة بالكفار على المسلمين، وحينئذ فيكونون قد سبوا من أطراف بلاد المسلمين بعض الذراري.
[ ٢٠٠ ]
ثم لما استولوا عليهم استردوا ذراريهم، وطلبت الروم منهم المقاسمة فيهم حيث صاروا في يد الكفار.
واستفيد من هذه الرواية: أن الروم تأتي من البحر، فلا يلزم من وصولهم دابق أو الأعماق -وهما بقرب حلب- استيلاؤهم على جميع بلاد المسلمين حتى يُظَنّ أن القسطنطينية التي الآن دار الإسلام دامت معمورة به إلى ساعة القيام ترجع دار الكفر والعياذ بالله؛ إذ المراد القسطنطينية الكبرى، كما سيأتي.
نعم؛ يُشْكل عليه قوله الآتي: "فإذا أبصر صاحب القسطنطينية ذلك وجه في البر ثلاث مئة ألف إلى قنسرين"، إلَّا أن يقال: إن صاحب القسطنطينية يُرسلهم مددًا للمسلمين، ولا ينافيه قوله الآتي: (فلما رأوا قِلّةَ المسلمين)؛ لأن ثلاث مئة ألف في جنب ثمانين غاية تحت كل غاية منها اثنا عشر ألفًا قليل، ولاسيما أن ذلك إنما يُقال بعد قتل من قتل، وتحول من يتحول إلى الروم منهم، أو يُقال: إن أهل القسطنطينية لما جاؤوا إلى المهدي تَخْلِفُهم الكفرة في بلادهم، فيأخذونها كما يأخذون أرض الشام، وهذا هو الظاهر.
قال في "القاموس": قسطنطينة، أو بزيادة ياء مشددة، وقد تضم الطاء الأولى منهما: دار مُلكِ الروم. وفتحها من أشراط الساعة، وتسمى بالرومية: بوزنطيا. وارتفاع سورها أحد وعشرون ذراعًا، وكنيستها مستطيلة، وبجانبها عمود عال من دور أربعة أبواع تقريبًا، وفي رأسه فرسٌ من نحاس وعليه فارس، وفي إحدى يديه كورة من ذهب، وقد فتح أصابع يده الأخرى مشيرًا بها وهو صورة قسطنطين؛ بانيها.
وقوله: "ما خلا دمشق": يوافقه ما في الرواية الأخرى أن فسطاط المسلمين عند الملحمة الكبرى دمشق، وعند خروج الدجال بيت المقدس. وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.
وَالأُرَيط؛ قال في "القاموس": كَزُبير؛ موضع، وقد ذكر في الحديث أنه عند حمص، فيحتمل أن يكون النهر نفسه، أو موضعًا أضيف إليه النهر.
وقوله: "فشهيدهم كشهيد عشرة". . . إلى قوله: "بسبعين شهيدًا"، معناه:
[ ٢٠١ ]
أن لكل شهيد شفاعة يوم القيامة، وأن لشهيد بدر شفاعة سبعين شهيدًا، وأن لهؤلاء الشهداء لكل واحد شفاعة عشرة من أهل بدر، فيكون لكل واحدٍ منهم شفاعة سبع مئة شهيد.
وهذا من قبيل قوله - ﷺ -: "للواحد منهم أجر خمسين منكم"، فلا يلزم منه تفضيلهم على أهل بدر مُطلقًا؛ لأن فضيلة الصحبة لا يُعادلها شيء.
وسيأتي أنَّ التحقيق أن جهات التفضيل مختلفة، فيمكن أن يُفضل هؤلاء من جهة وأولئك من جهة أخرى، أو لأن بلاء أحدهم كبلاء عشرة من أهل بدر؛ لكثرة من يقاتلونهم من الروم، ولبعد زمن النبوة عنهم.
ويُؤيده: أن الملائكة المنزلين مددًا لهم أكثر من البدرية بمئة أمثالهم، فإن المقاتلين ببدر من الملائكة كانوا ثلاثة آلاف، وفي ذلك اليوم يكونون ثلاث مئة ألف.
ولا ينافي هذا ما مر في سيرته أنه يُمد بثلاثة آلاف من الملائكة؛ لأن هذا في خصوص هذه الملحمة، وذلك في عموم خلافته.
وعَمُّور: وجدناه في ثلاث نُسخ بغير هاء التأنيث وياء النسب، والذي في "القاموس" وغيره: عَمُّورية بهاء، فَلعل فيه لغةً أو نقصًا من النسخ.
وقول الروم في المرة الأولى: (الصليب مَدّ لنا)؛ معناه: مَدّ الخليج لنا حيث فاض ماؤه وزاد. وفي الثانية معناه: إنكار القول الأول وتكذيب من قال ذلك منهم، فهو بحذف همزة الاستفهام إلى الإنكار.
يدل لذلك قولهم: (كنا نُقاتل العرب فالآن نقاتل ربنا) إلخ وتقدير الكلام: أن الله ناصرهم فلا نقدر على قتالهم، فيستسلمون للأسر، والله أعلم.
وقوله: "يابس ويحبس البحر"، أي: يُحبس الخليج.
وقد عبر عن هذه في الرواية الأخرى بفلق البحر، وهذه مُعجزةٌ للنبي - ﷺ - وتأييدٌ؛ لما قال بعض العلماء: من أنه لم يكن لنبي من الأنبياء مُعجزة إلَّا وللنبي - ﷺ - مثلها، والله أعلم بمراد رسوله - ﷺ -.
وبقية ألفاظ الحديث معناها واضح.
[ ٢٠٢ ]
تنبيه: معنى: (الشرطة)
وفي رواية: يشترط المسلمون شُرطَةً للموت لا ترجع إلَّا غالبة فيقتتلون حتى يَحْجُزَ بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كُلٌّ غير غالب، ثم يشترط المسلمون شُرطَةً للموت لا ترجع إلَّا غالبة، فيرجعون غير غالبين إلى ثلاثة أيام، فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام، فيجعل الله الدَّبرة على الكافرين، فيقتلون مقتلة لم يُر مثلها، حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلّفهم حتى يَخر ميتًا، فيتعاد بنو الأب؛ كانوا مئة فلا يجدون بقي منهم إلَّا الرجل الواحد، فلا يُقسم مِيراث، ولا يُفرح بغنيمة، ويكون لخمسين امرأة قيمٌ واحد.
تَنبيْه
(الشُّرطة)؛ بالضم: طائفة من الجيش تَتَقدَّمُ للقتال. و(نَهدَ إليهم): نهض. و(الدَّبرة): الهزيمة. و(جنباتهم)؛ بجيم فنون مفتوحتين ثم موحدة؛ أي: بنواحيهم. و(لا يخلّفهم)؛ بتشديد اللام، لا يجعلهم خلفه؛ أي: لا يتجاوزهم حتى ينقطع عن الطيران ويموت من بُعْدِ مسافة المقتلة وكثرة القتلى، ويتبعونهم ضربًا وقتلًا حتى ينتهوا إلى قسطنطينية؛ أي: الكبرى.
قال في "عقد الدرر": لها سبعة أسوار، عرض السور السابع منها المحيط بالستة إحدى وعشرون ذراعًا، وفيه مئة باب، وعرض السور الأخير الذي يلي البلد عشرة أذرع، وهو على خليج يَصُبُّ في البحر الرومي، وهي متصلة ببلاد الروم والأندلس (١). انتهى
فيركز المهدي لواءه عند البحر ليتوضأ للفجر، فيتباعد الماء منه، فيتبعه حتى يجوز من تلك الناحية، ثم يركزه وينادي: أيها الناس؛ اعبروا فإن الله ﷿ فَلَقَ لكم البحر كما فلقه لبني إسرائيل. فيجوزون فيستقبلها، فيكبرون فتهتز حيطانها، ثم يكبرون فتهتز، فيسقط في الثالثة منها ما بين اثني عشر بُرجًا، فيفتحونها ويقيمون بها سنة حتى يبنون بها المساجد، ثم يدخلون مدينة أخرى، فبينما هم يقتسمون بها
_________________
(١) هذا النقل يوضح أن القسطنطينية الكبرى هي روما عاصمة إيطاليا، فبلاد رومية هي إيطاليا وبها الفاتيكان مقر البابا مرجع معظم نصارى العالم. وسيأتي ما يوضح ذلك (ص ٢٠٤).
[ ٢٠٣ ]
ذكر فتح القسطنطينية وما ورد في ذلك
بالأترسة إذا بصارخ: إن الدجال خلفكم في ذراريكم بالشام. فيرجعون فإذا الأمر باطل، فالتارك نادم، والآخذ نادم، ثم ينشئون ألف سفينة، ويركبون فيها من عكا، وهم أهل المشرق والمغرب والشام والحجاز على قلب رجل واحد، فيسيرون إلى رومية.
وعن عبد الله بن بسر المازني أنه قال: يا بن أخي؛ لعلك تُدرك فتح القسطنطينية، فإياك إن أدركت فتحها أن تترك غنيمتك منها؛ فإن بين فتحها وبين خروج الدجال سبع سنين. رواه نُعيم بن حماد في الفتن.
ويُستخرج كنز بيت المقدس وحليته التي أخذها طاهر بن إسماعيل حين غزا بني إسرائيل فسباهم، وسبى حلي بيت المقدس، وأحرقها بالنيران، وحمل منها في البحر ألفًا وسبع مئة سفينة حتى أوردها رومية.
قال حذيفة - ﵁ - فسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ليستخرجن المهدي ذلك حتى يرده إلى بيت المقدس".
قال في "عقد الدرر": رومية: أم بلاد الروم، فكل من ملكها يقال له: الباب (١)، وهو الحاكم على دين النصرانية، بمنزلة الخليفة في المسلمين، وليس في بلاد المسلمين مثلها.
وقد ذكر المؤرخون في صفة رومية من العجائب ما لم يُسمع بأذني ذلك ببلد في العالم.
"وتقرب قسطنطينية منها، فيكبرون عليها أربع تكبيرات، فيسقط حائطها، فيقتلون ست مئة ألف، ويستخرجون منها حُلي بيت المقدس، والتابوت الذي فيه السكينة، ومائدة بني إسرائيل، ورضاضة الألواح، وحُلة آدم، وعصا موسى، ومنبر سليمان، وقفيزين من المَنِّ الذي أنزل الله ﷿ على بني إسرائيل، أشدُّ بياضًا من اللبن، ثم يأتون مدينة يقال لها: القاطع؛ طولها ألف ميل، وعرضها خمس مئة
_________________
(١) الظاهر من كلام السُّلَمي في "عقد الدرر" أن المراد برومية هي الفاتيكان، وأن من يطلق عليه الباب هو ما يسمى الآن: البابا، فهو الحاكم على دين معظم نصارى العالم كما هو معروف. والله أعلم.
[ ٢٠٤ ]
ميل، ولها ستون وثلاث مئة باب، يخرج من كل باب ألف مقاتل، وهي على البحر، لا يحمل جارية -يعني: سفينة- فيه".
قيل: يا رسول الله؛ ولِمَ لا يُحمل فيه جارية؟
قال: "لأنه ليس له قعر، وإنما يمرون من خلجان من ذلك البحر جعلها الله منافع لبني آدم لها قعور، فهي تحمل السفن، فيكبرون عليها أربع تكبيرات فيسقط حائطها، فيغنمون ما فيها، ثم يقيمون بها سبع سنين، ثم ينتقلون منها إلى بيت المقدس، فيبلغهم أن الدجال قد خرج في يهود أصبهان".
أخرجه أبو عمرو الداني في "سننه".
وفي رواية: "ثم يأتي مدينة يقال لها: القاطع، وهي على البحر الأخضر المحيط بالدنيا، ليس خلفه إلَّا أمر الله ﷿، طولها ألف ميل، وعرضها خمس مئة ميل، فيكبرون ثلاث تكبيرات فتسقط حيطانها، فيقتلون بها ألف ألف مقاتل، ثم يتوجه المهدي منها إلى بيت المقدس بألف سفينة، فينزلون بشام فلسطين بين عكا وصور وعسقلان وغزة، فيخرجون ما بها معهم من الأموال، وينزل المهدي ببيت المقدس ويقيم بها حتى يخرج الدجال؛ أي: وفسطاط المسلمين في الملحمة العظمى دمشق، وعند خروج الدجال يكون ببيت المقدس، ويدخل الآفاق كلها فلا تبقى مدينةٌ دخلها ذو القرنين إلَّا دخلها وأصلحها، ولا يبقى جبارٌ إلَّا هلك".
وعنه - ﷺ -: "مَلكَ الدنيا مؤمنان وكافران، أما المؤمنان: فذو القرنين، وسليمان. وأما الكافران: فنمروذ، وبخت نصر.
وسيملكها خامسٌ من عترتي وهو المهدي".
وَروى ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا، قال: "أصحاب الكهف أعوان المهدي".
قال العلماء: والحكمة في تأخيرهم إلى هذه المدة: ليحوزوا شرف الدخول في أمة محمد - ﷺ - إكرامًا لهم.
وورد أنَّ أول لواء يعقده المهدي يبعث به إلى التُّرك.
[ ٢٠٥ ]
تنبيه: في بيان صحة رواية سبع سنين بدلا من سبعة أشهر
تنبيه آخر: في بيان مدة ملك المهدي ودليل المصنف على ذلك
والظاهر أن هذه الفتوح تكون في مدة مهادنة الروم؛ لأنه بعد اشتغاله بهم لا يفرغ لغيرهم، أو أنه يَبْعَثُ البُعوث والسرايا، ونسبة دخول الآفاق إليه يكون مجازًا.
تَنبيْه
جاء من طريق أنه - ﷺ - قال: "الملحمة العُظمى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر".
وفي رواية: "سبع سنين".
قال أبو داود في "سننه": وهذه؛ يعني: رواية سبع سنين أصح، يعني: من رواية سبعة أشهر.
تَنبيه آخَر
وردت في مدة مُلك المهدي روايات مختلفة؛ ففي بعض الروايات: يملك خمسًا أو سبعًا أو تسعًا بالترديد، وفي بعضها: سبعًا، وفي بعضها: تسعًا، وفي بعضها: إن قَلَّ فخمسا، وإن كَثُرَ فتسعًا، وفي بعضها: تسع عشرة سنة وأشهرًا، وفي بعضها: عشرين، وبعضها: أربعة وعشرين، وبعضها: ثلاثين، وبعضها: أربعين منها تسع سنين يُهادن فيها الروم.
قال ابن حجر في "القول المختصر": ويمكن الجمع على تقدير صحة الكل؛ بأن ملكه متفاوت الظهور والقوة، فيُحمل الأكثر على أنه باعتبار جَمعِ مُدّة المُلك، والأقل على غاية الظهور، والأوسط على الوسط. انتهى
قُلْتُ: ويدل على ما قاله وجوه:
الأول: أنه - ﷺ - بشر أمته، وخصوصًا أهل بيته ببشارات، وأن الله يعوضهم عن الظلم والجور قِسطًا وعَدلًا، واللائق بكرم الله أن تكون مدة العدل قدر ما ينسون فيه الظلم والفتن، والسبع والتسع أقل من ذلك.
الثاني: أنه يَفْتَحُ الدنيا كلها كما فتحها ذو القرنين وسليمان ﵇، ويدخل جميع الآفاق كما في بعض الروايات، ويبني المساجد في سائر البلدان، ويُحلي بيت المقدس.
[ ٢٠٦ ]
ولا شك أن مدة التسع فما دونها لا يمكن أن يُساح فيها ربع أو خمس المعمورة سياحة، فضلًا عن الجهاد، وتجهيز العساكر، وترتيب الجيوش، وبناء المساجد، وغير ذلك (١).
الثالث: أنه ورد أن الأعمار تطول في زمنه كما مر في سيرته، وطولها فيه مُسْتَلزِمٌ لطوله، وإلَّا لا يكون طولها في زمنه، والتسع وما دونه ليست من الطول في شيء.
الرابع: أنه يُهادن الروم تسع سنين، ويقيم بقسطنطينية سنة، وبالقاطع سبعًا، ومدة المسير إليها مرتين والرجوع في أثنائه يكون سنين، ومدة قتاله مع السفياني، وأنه ينقض البيعة بعد ثلاث سنين، وفتحه للهند وسائر البلدان يكون سنين كثيرة؛ كما ورد كل ذلك في الروايات. وذلك أزيد من التسع بكثير.
وحينئذ فنقول: التحديد بالسبع باعتبار مدة استيلائه على جميع المعمورة.
فيكون معنى الحديث: أنه يملك سبعا مُلكًا كاملًا لجميع الأرض، وذلك بعد فتحه لمدينة القاطع، وبالتسع باعتبار مدة فتحه لقسطنطينية، وبتسعة عشر باعتبار مدة قتله للسفياني ودخول أهل الإسلام كلهم في طاعته.
فإنه يُهادن الروم تسع سنين، ومدة اشتغاله بحربهم وتملكه لهم يكون نحوًا من عشر سنين على طريقة جبر الكسر، وبأربع وعشرين باعتبار مدة خروجه إلى الشام ودخول السفياني في بيعته، وبثلاثين باعتبار خروجه بمكة واستيلائه على أرض الحجاز، وبأربعين باعتبار مدة ملكه في الجملة مشتملة على خروجه أولًا بالطائف وقتله لأمير مكة، وغيبته بعد ذلك وخروج الهاشمي بخراسان، وحمله السيف على عاتقه اثنين وسبعين شهرًا؛ كما في بعض الروايات.
وهذا الجمع أولى من إسقاط بعض الروايات، ولا شك أنه مُقدمٌ على الترجيح مهما أمكن، والله ورسوله أعلم بمرادهما.
_________________
(١) عدم الإمكانية في رأي المؤلف نظرًا للوسائل المتاحة في عصره، أما في عصرنا الحالي فوسائل النقل سريعة، وجهود المختصين في هذا المجال مستمرة لإيجاد وسائل أسرع من الصوت، وهي مشاهدةٌ معروفةٌ. فوقوع سياحة المعمورة في المدة المذكورة ليس مستحيلًا في زماننا وفي المستقبل، والله أعلم.
[ ٢٠٧ ]
على أنه لا مانع أن يكون التسع وما دونه بعد نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال؛ فإن عيسى ﵇ لا يسلب المهدي ملكه؛ فإن الأئمة من قريش مادام من الناس اثنان، وعيسى ﵇ يكون من أَخَصّ وزرائه وتابعًا له لا أميرًا عليه، ومن ثم يُصلي خلفه ويقتدي به؛ كما يدل عليه حديث جابر - ﵁ - عند "مسلم": أن عيسى ﵇ يقول له حين يتأخر في الصلاة: إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله لهذه الأمة.
ولا يرد عليه ما ورد في بعض الروايات: أنَّ المهدي يُصلي بهم تلك الصلاة، ثم يكون عيسى إمامًا بعده؛ لأنه لما ثبتت إمامته وإمارته جاز له أن يعينه إماما للصلاة لأنه أفضل، وأفضليته لا تستلزم خلافته؛ لجواز خلافة المفضول مع وجود الفاضل، سيما إذا كان الفاضل من غير قريش.
قال الشهاب القسطلاني في "شرح البخاري" قال ابن الجوزي: لو تقدم عيسى ﵇ إمامًا لوقع في نفس الإشكال، ولقيل: أتراه نائبًا أو مبتدئًا شرعيًا؟ فيصلي مأمومًا؛ لئلا يتدنس بغبار الشبهة وجه قوله - ﷺ -: "لا نبي بعدي". انتهى
قال ابن حجر: ومعنى "تُسلب قريش ملكها"؛ أي: بعد نزول عيسى ﵇: أنه لا يبقى لها معه اختصاص بشيء دون مراجعته، فلا يُعارض ذلك خبر: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان". انتهى
وستأتي الإشارة إلى هذا في كلام الشيخ في "الفتوحات"، ولا شك أن بهذا الوجه يندفع كثير من الإشكالات من كون زمان كل منهما مَوصُوفًا بالبركة والأمن، وأنه يملأ الأرض قِسطًا، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير؛ لأن الزمان يكون واحدًا، فينسب إلى هذا تارة، وإلى هذا أخرى، وقد يُستأنسُ له بقوله - ﷺ -: "كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم حكمًا مُقسطا وإمامكم منكم"؛ فإنه لما احتمل أن يُفهم من قوله: "حكمًا مُقسطًا": الإمامة دفعه بقوله: "وإمامكم منكم"، وظاهر أنه ليس المراد إمامة الصلاة؛ لأن المراد إثبات اتباع عيسى لشرعه، وكونه رعية خليفته ورجلًا من آحاد أمته - ﷺ -. وبالله التوفيق.
[ ٢٠٨ ]
تكملة: في ذكر فوائد تضمنتها الأحاديث منقولة من كلام ابن عربي
تَكْمِلَة
في فوائد تضمنتها الأحاديث، ودل عليها الكشف الصحيح، لخصتها من كلام إمام المحققين محيي الملة والدِّين محمد بن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي.
قال ﵀ ورضي عنه في (الباب السادس والستين وثلاث مئة) من "الفتوحات المكية" ما ملخصه:
إن لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جورًا وظُلمًا، فَيملَؤُها قِسطًا وعَدْلًا، يقفو أثر رسول الله - ﷺ - لا يخطئ؛ له مَلَكٌ يسدده من حيث لا يراه، يحمل الكَلَّ، ويقوي الضعيف، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، يفعل ما يقول، ويقول ما يعلم، ويعلم ما يشهد، يصلحه الله في ليلة، يبيد الظلم وأهله، ويقيم الدين، وينفخ الروح في الإسلام، ويعزه بعد ذُلّهِ، ويحييه بعد موته، ويمسي الرجل في زمانه جاهلًا بخيلًا جبانًا، فيصبح أعلم الناس، أكرم الناس، أشجع الناس، يضع الجزية ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبى قُتل، ومن نازعه خُذل، يظهر من الدين ما هو الذي عليه في نفسه ما لو كان رسول الله - ﷺ - حيًا لحكم به، يرفع المذاهب من الأرض فلا يبقى إلَّا الدين الخالص، أعداؤه مقلدة العلماء أهل الاجتهاد؛ لما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهبت إليه أئمتهم، فيدخلون كُرهًا تحت حكمه؛ خوفًا من سيفه وسطوته، ورغبة فيما لديه، فليس له عدو مبين إلَّا الفقهاء خاصة؛ فإنهم لا يبقى لهم رئاسة ولا تمييز عن العامة، بل لا يبقى لهم علمٌ بحكم إلَّا قليل، ويرتفع الخلاف عن العالم في الأحكام بوجود هذا الإمام، ولولا أن السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله، ولكن الله يُظهرهُ بالسيف والكرم، فيطمعون ويخافون، فيقبلون حكمه من غير إيمان، بل يضمرون خلافه، يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصهم، أسعد الناس به أهل الكوفة، يبايعه العارفون بالله من أهل الحقائق عن شهود وكشف وتعريف إلهي، له رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه، هم الوزراء، يحملون أثقال المملكة، ويعينونه على ما قلده الله، وهم تسعة على أقدام رجال من الصحابة، قال الله تعالى فيهم: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، وهم من الأعاجم، ما فيهم عربي لكن لا يتكلمون إلَّا بالعربية، لهم حافظ ليس من جنسهم
[ ٢٠٩ ]
ما عصى الله قط، هو أخص الوزراء، وأفضل الأمناء.
أي: وكأن هذا إشارةٌ إلى عيسى ﵇؛ إذ لا معصوم إلَّا الأنبياء فيكون هو وزيره الأخص، وأما عصمة المهدي ففي حكمه كما يشير إليه كلامه فيما بعد، أو إشارة إلى الملك الذي يسدده، ويؤيده قوله: "ليس من جنسهم"؛ لأن عيسى ﵇ من جنسهم؛ لأنه بشر، لكن قد يُطلق الجنس على النوع فيصدق على عيسى ﵇؛ لأنه من بني إسرائيل والأعاجم، وإن كان يُطلق على ما سوى العرب، لكن غلب إطلاقه في فارس، فحينئذ ليس عيسى ﵇ من جنسهم؛ أي نوعهم، والله أعلم.
وأنشد - ﵁ -:
أَلا إِنَّ خَتْمَ الأَوْلِيَاءِ شَهِيدُ وَعَيْنَ إِمَامِ الْعَالَمِينَ فَقِيدُ
هُوَ السَّيِّدُ الْمَهْديُّ مِن آلِ أَحْمَدٍ هُوَ الصَّارِمُ الْهِنْدِيُّ حِينَ يَبيدُ
هُوَ الشَّمْسُ يَجْلُو كُلَّ غَمٍّ وَظُلْمَةٍ هُو الْوَابِلُ الوَسْمِيُّ حِينَ يَجُودُ
ومراده بـ (ختم الأولياء): المهدي. وبـ (إمام العالمين): النبي - ﷺ -. و(الصارم): السيف. و(الوابل): المطر الكثير. و(الوسمي): هو الذي ينزل في أول الشتاء.
قال: وقد جاء زمانه، وأظلكم أوانه، وظهر في القرن الرابع اللاحق بالقرون الثلاثة الماضية، قرن رسول الله - ﷺ - وهو قرن الصحابة، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه.
وهو إشارةٌ إلى ما ورد في حديث ثلاث مرات: "ثم الذين يلونهم" بعد قوله - ﷺ -: "خير القرون قرني".
وورد في رواية: ثلاثة تَترى وواحد فُرادى، فيكون قرنه الرابع المفرد الملحق بالثلاثة تترى.
قال: ثم جاء بينها؛ أي: القرن الثالث والرابع، فنزلت وحدثت أمور، وانتشرت أهواء، وسفكت دماء، وعاثت الذئاب في البلاد، وكثر الفساد إلى أن طم
[ ٢١٠ ]
ذكر الأمور التسعة التي يحتاجها المهدي
الجور، وطما سيله، وأدبر نهار العدل بالظلم حين أقبل ليله، فشهداؤه خير الشهداء، وأمناؤه خير الأمناء، وإن الله يستوزر له طائفةً خبأهم له في مكنون غيبه، أطلعهم كشفًا وشهودًا على الحقائق، وما هو أمر الله عليه في عباده، فبمشاورتهم يفصل ما يفصل، فهم العارفون الذين يعرفون ما هناك.
وأما هو في نفسه: فصاحب سيف حق وسياسة مرتبة، يعرف من الله قدر ما يحتاج إليه مرتبته ومنزلته؛ لأنه خليفة مُسدد، يعرف منطق الطير والحيوان، يسري عدله في الإنس والجان. من أسرار علم وزرائه الذين استوزرهم الله له قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهم على أقدام من قال الله فيهم: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، أعطاهم الله في هذه الآية التي اتخذوها هِجِّيرًا، وفي ليلهم سميرًا فضل علم الصدق حالًا وذوقًا، فعلموا أن الصدق سيف الله في الأرض ما قام بأحد، ولا اتصف به أَحَدٌ إلَّا نصره الله تعالى؛ لأن الصدق صفته تعالى، والصادق اسمه، وإذا علم الإمام المهدي هذا عمل به، فيكون أصدق أهل زمانه، فوزراؤه الهُداة وهو المهدي، فهذا القدر من العلم بالله يحصل للمهدي على أيدي وزرائه.
إِنَّ الإِمَامَ إِلَى الْوَزِيرِ فَقِيرُ وَعَلَيْهِمَا فَلَكُ الْوُجُود يَدُورُ
وَالْمُلْكُ إِنْ لَمْ تَسْتَقِمْ أَحْوَالُهُ بِوُجُودِ هَذَيْنِ فَسَوفَ يَبُورُ
إِلَّا الإِلَهُ الْحَق فَهْوَ مُنَزَّهٌ مَا عِنْدَهُ فِيمَا يُرِيدُ وَزِيرُ
جَلَّ الإِلَهُ الْحَقُّ فِي مَلَكُوتِهِ عَنْ أَنْ يَرَاهُ الْخَلْقُ وَهْوَ فَقِيرُ
وجميع ما يحتاج إليه المهدي مما يكون قيام وزرائه به تسعة أمور لا عاشر لها، ولا ينقص عن ذلك؛ وهي:
الأول: نفوذ البصر؛ ليكون دعاؤه إلى الله على بصيرة في المدعو إليه لا في المدعو، قال تعالى عن نبيه - ﷺ -: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، فالمهدي ممن اتبعه، وهو - ﷺ - لا يخطئ في دعائه إلى الله، فمتبعه لا يخطئ؛ فإنه يقفو أثره.
والثاني: معرفة الخطاب الإلهي عند الإلقاء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ
[ ٢١١ ]
أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾.
والثالث: علم الترجمة عن الله تعالى، وذلك لكل من كلمه الله تعالى في الإلقاء والوحي، فيكون المترجم مُهيأ لصور الحروف اللفظية والمرقومة التي يُوجِدُهَا، ويكون روح تلك الصورة كلام الله لا غير.
والرابع: تعيين المراتب لولاة الأمر، وهو العلم بما تستحقه كل مرتبة من المصالح التي خلقت لها، فينظر صاحب هذا العلم في نفس الشخص الذي يُريد أن يُوليه ويرفع الميزان بينه وبين المرتبة، فإذا رأى الاعتدال في الوزن من غير ترجيح لكفة المرتبة؛ ولاه، وإن رجح الوالي؛ فلا يضره، فإن رجحت كفة المرتبة عليه؛ لم يُولّه.
والخامس: الرحمة في الغضب، ولا يكون ذلك إلَّا في الحدود الموضوعة والتعزير، وما عدا ذلك فَغضَبٌ ليس فيه من الرحمة شيء.
والسادس: علم ما يحتاج إليه الملك من الأرزاق، وهو أن يعلم أصناف العالم، وليس إلَّا اثنان: عالم الصور، وعالم الأنفس المدبرين لهذه الصور فيما يتصرفون فيه من حركة أو سكون، وما عدا هذين الصنفين؛ فما له عليهم حكم، إلَّا من أراد منهم أن يحكمه على نفسه كعالم الجان.
والسابع: علم تداخل الأمور بعضها على بعض، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾، فالمولج ذكر، والمولوج فيه أنثى، وهو في العلوم العلم النظري، وفي الحس النكاح الحيواني والنباتي، ولولا السدى واللحام لما ظهر للشقة عين، وهو سَارٍ في جميع الصنائع العملية والعلمية.
فإذا علم الإمام ذلك لم يدخل عليه شبهة في أحكامه.
هذا هو الميزان الموضوع في العالم في المعاني والمحسوسات، فالإمام يتعين عليه الجمع بين علم ما يكون بطريق التنزيل الإلهي، وبين ما يكون بطريق القياس، ولا يعلم المهدي علم القياس ليحكم به، وإنما يعلمه ليجتنبه، فما يحكم المهدي إلَّا بما يُلقي إليه الملك من عند الله الذي بعثه الله إليه يُسدده، وذلك هو الشرع الحنيفي
[ ٢١٢ ]
المحمدي الذي لو كان محمد - ﷺ - حيًا، ورفعت إليه تلك النازلة؛ لم يحكم فيها إلَّا بحكم هذا الإمام، فيعلمه الله أن ذلك هو الشرع المحمدي، فَيحْرُمُ عليه القياس مع وجود النصوص التي منحه الله تعالى إياها، ولذا قال - ﷺ - في صفته: "يقفو أثري لا يخطئ".
فعرفنا أنه مُتبعٌ لا مُشرع، وأنه معصوم، ولا معنى للمعصوم في الحكم إلَّا أنه معصومٌ من الخطإِ؛ فإن حُكم الرسول لا يُنسب إليه خطأ؛ فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحي يوحى؛ أي: فمعنى عصمته أنه معصوم في حكمه، وأما في باقي حالاته فمحفوظٌ لا معصوم؛ إذ لا عصمة إلَّا للأنبياء وهو ليس بنبي، وإنما هو ولي، والأولياء محفوظون لا معصومون.
والثامن: الاستقصاء في قضاء حوائج الناس، وأنه متعينٌ على الإمام خُصوصًا دون جميع الناس، فإن الله إنما قدمه على خلقه ليسعى في مصالحهم، والذي ينتجه هذا السعي عظيم، وحركة الأئمة كلهم إنما تكون في حق الغير لا في حق نفوسهم، فإذا رأيتم السلطانَ يشتغِلُ بغير رعيته وما يحتاجون إليه فاعلم أنه قد عزلته المرتبة لهذا الفعل، ولا فرق بينه وبين العامة.
والتاسع: الوقوف على علم الغيب الذي يحتاج إليه في الكون في مدته خاصة، وهي تاسع مسألةٍ ليس وراءها ما يحتاج إليه الإمام في إمامته، وذلك أن الله تعالى أخبر عن نفسه أن كل يوم هو في شأن، وهو ما يكون عليه العالم في ذلك اليوم، ومَعلومٌ أن ذلك الشأن إذا ظهر في الوجود ووقع أنه معلوم لكل من شاهده فهذا الإمام من هذه المسألة له اطلاع من جانب الحق على ما يُريد الحق أن يحدثه من الشؤون قبل وقوعها في الوجود، فيطلع في اليوم الذي قبل وقوع ذلك الشأن على ذلك الشأن، فإن كان مما فيه منفعةٌ لرعيته شكر لله وسكت عنه، وإن كان مما فيه عقوبة بنزول بلاءٍ عام، أو على أشخاصٍ معينين سأل الله فيهم وشفع وتضرع، فصرف الله عنهم ذلك البلاء برحمته وفضله، وأجاب دعوته وسؤاله، فلهذا يُطلعه الله عليه قبل وقوعه في الوجود بأصحابه، ثم يُطلعه الله في تلك الشؤون على النوازل الواقعة من الأشخاص، ويُعين له الأشخاص بحليتهم حتى إذا رآهم لا يَشُك فيهم أنهم عين ما رآهم.
[ ٢١٣ ]
ثم يُطلعه الله تعالى على الحُكم المشروع في تلك النازلة له التي شرع الله لنبيه محمد - ﷺ - أن يحكم به فيها، ولا يحكم إلَّا بذلك الحكم لا يُخطئ أبدًا، وإن أعمى الله عليه الحكم في بعض النوازل، ولم يقع له عليها كشف كان غايته أن يلحقها في الحكم بالمباح، ويعلم بعدم التعريف أن ذلك حكم الشرع فيها؛ فإنه معصومٌ عن الرأي والقياس في الدين؛ فإن القياس ممن ليس بنبي حكمٌ على الله في دين الله بما لا يعلم؛ فإنه طرد علة، وما يُدريك لعل الله لا يريد طرد تلك العلة، ولو أرادها لأبان عنها على لسان رسوله وأمر بطردها.
هذا إذا كانت العلة مما نص الشرع عليها في قضية، فما ظنك بعلةٍ يستخرجها الفقيه بنفسه ونظره من غير أن يذكرها الشرع ثم يطردها؟ !
فيكون تحكمًا على تحكم بشرع لم يأذن به الله.
هذا يمنع المهدي ﵇ من القول بالقياس في دين الله، ولاسيما وهو يعلم أن مراد النبي - ﷺ - التخفيف في التكليف عن هذه الأمة، ولذلك كان يقول: "اتركوني ما تركتكم"، وكان يكره السؤال في الدِّين خوفًا من زيادة الحكم، فكل ما سُكِت له عنه؛ لم يطلع على حكم معين فيه جعل عاقبة الأمر فيه الحكم بحكم الأصل، وكل ما أطلعه الله عليه كشفًا وتعريفًا فذلك حكم الشرع المحمدي في المسألة.
وقد يطلعه الله في أوقات على المباح على أنه مباح وعافية، فكل مصلحة تكون في حق رعاياه فإن الله يطلعه عليها ليسأله فيها، وكل فَسادٍ يريد الله أن يوقعه برعاياه فإن الله يطلعه عليه ليسأل الله في دفع ذلك؛ لأنه عقوبة.
فالمهدي رَحْمةُ الله كما كان رسول الله - ﷺ - رحمة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، والمهدي يقفو أثره لا يخطئ، فلابد أن يكون رحمة.
فهذه تسعة أمور لم تصح بمجموعها لإمامٍ من أئمة الدين خلفاء الله تعالى ورسول الله - ﷺ - إلى يوم القيامة، إلَّا لهذا الإمام المهدي، كما أنه ما نص رسول الله - ﷺ - على إمامٍ من أئمة الدين الذين يكونون بعده أنه
[ ٢١٤ ]
تنبيه: في ذكر أنه لا منافاة بين ما ورد في الأحاديث الصحيحة وما ورد عن ابن عربي في إمامة سيدنا عيسى ﵇ للمهدي في الصلاة
تنبيه آخر: في بيان مدة خلافة المهدي
تنبيه آخر: في تأويل حديث: "لا مهدي إلا عيسى" وبيان رواته وتخريجه
يرثه ويقفو أثره لا يخطئ إلَّا المهدي خاصة؛ فقد شهد بعصمته في أحكامه؛ كما شهد الدليل العقلي بعصمة رسول الله - ﷺ - فيما يبلغه عن ربه من الحكم المشروع له في عباده.
قال رحمه الله تعالى: وينزل عيسى ﵇ في زمانه بالمنارة البيضاء شرقي مسجد دمشق، والناس في صلاة العصر، فيتنحى له الإمام، فيتقدم فَيُصلي بالناس، يؤم الناس بسنّة محمد - ﷺ -.
تَنبيْه
لا ينافي هذا ما في الأحاديث الصحيحة أن عيسى ﵇ يقتدي بالمهدي في صلاة الصبح ويقول: إنها لك أُقيمت. لما يأتي في قصة الدجال في الجمع بين اختلاف الروايات أن المهدي حين نزول عيسى ﵇ بدمشق يكون ببيت المقدس، فيكون الذي يتنحى له أمير المهدي على دمشق، ويوضحه أن هذا في صلاة العصر، وأنه يجتمع إليه اليهود والنصارى والمسلمون، كل يرجوه كما يأتي هناك وإن تقدم المهدي واقتدى عيسى ﵇ به في صلاة الصبح وليس هناك إلَّا خالص المسلمين. وبالله التوفيق.
تَنبيه آخَر
ما أشرنا إليه سابقًا من أن السبع أو التسع من خلافة المهدي المذكور في الأحاديث يحتمل أن يكون في زمن عيسى ﵇ لا ينافيه قوله - ﷺ -: "لن تهلك أمةٌ أنا في أولها، والمهدي في أوسطها، وعيسى في آخرها"؛ لأن المهدي يسبق نزول عيسى ﵇ بأكثر من ثلاثين سنة، وعيسى ﵇ يتأخر عنه بضعًا وثلاثين؛ لما ورد في المهدي أنه يمكث أربعين، وفي عيسى ﵇ أنه يمكث خمسًا وأربعين، فمدة اجتماعهما سبع أو تسع، والباقي مدة الافتراق.
تَنبيه آخَر
قد علمت أن أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان، وأنه من عترة رسول الله - ﷺ - من ولد فاطمة ﵍ بلغت حد التواتر المعنوي،
[ ٢١٥ ]
فلا معنى لإنكارها، ومن ثم ورد: "من كَذّب بالدجال فقد كفر، ومن كَذَّب بالمهدي فقد كفر". رواه أبو بكر الإسكاف في "فوائد الأخبار"، وأبو القاسم السهيلي في شرح "السير" له.
فما ورد في بعض الأحاديث: أنه "لا مهدي إلَّا عيسى ابن مريم" مع كونه ضعيفًا عند الحفاظ يجب تأويله بأنه: لا قول للمهدي إلَّا بمشورة عيسى ﵇ إن قلنا أنه وزيره، أو لا مهدي معصومًا مطلقًا إلَّا عيسى ﵇.
فإن المهدي معصوم في الأحكام فقط، أو لا مهدي بعد عيسى ﵇؛ فإن بعده يكون أمراء مخلطون.
ولا يغتر بما قد يُفهم من كلام العلامة التفتازاني في "شرح العقائد" من نفيه بناءً على الحديث المذكور؛ لما مر أنه حديثٌ ضعيف خالف أحاديث صحيحة، والله أعلم.
قال الحافظ ابن القيم في "المنار": حديث "لا مهدي إلَّا عيسى ابن مريم". رواه ابن ماجه من طريق محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ -، وهو مما تفرد به عن محمد بن خالد.
قال محمد بن الحسن الإسنوي في كتاب "مناقب الشافعي": محمد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل، وقد تواترت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته.
وقال البيهقي: تفرد به محمد بن خالد هذا، وقد قال الحاكم أبو عبد الله: هو مجهول، وقد اختلف عليه في إسناده. فَرُويَ عنه، عن أبان بن أبي عياش، عن الحسن، عن النبي - ﷺ -.
قال: فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد وهو مجهول، عن أبان بن أبي عياش، وهو متروك، عن الحسن، وهو منقطع.
والأحاديث الدالة على خروج المهدي أصح إسنادًا؛ كحديث ابن مسعود - ﵁ -: "لو لم يبق على الدنيا إلَّا يوم لَطَوّل الله ذلك اليوم حتى يُبعث رجل مني، أو من
[ ٢١٦ ]
تنبيه آخر: في بيان معنى ما ورد عن ابن سيرين أن المهدي خير من أبي بكر وعمر ﵄ وتعليق المصنف على ذلك
أهل بيتي" الحديث، رواه أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح.
وفي الباب: عن علي، وأبي سعيد، وأم سلمة، وأبي هريرة ﵃، ثم روى حديث أبي هريرة - ﵁ - وقال: صحيح. اهـ
وقال ابن القيم: وفي الباب: عن حذيفة بن اليمان، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وثوبان، وأنس بن مالك، وجابر، وابن عباس ﵃، وغيرهم. اهـ، والله أعلم.
تَنبيه آخَر
جاء عن ابن سيرين: أن المهدي خَيْرٌ من أبي بكر وعمر ﵃، قيل: يا أبا بكر؛ خير من أبي بكر وعمر؟ ! قال: قد كان يُفَضّل على بعض الأنبياء.
وعنه: لا يَفْضُل عليه أبو بكر وعمر ﵄.
قال السيوطي في "العَرف الوردي": هذا إسناد صحيح، وهو أخف من اللفظ الأول. قال: والأوجه عندي تأويل اللفظين على ما أُوِّلَ عليه حديث: "بل أجر خمسين منكم"؛ لشدة الفتن في زمان المهدي.
قُلْتُ: التحقيق أن جهات التفاضل مختلفة، ولا يجوز لنا التفضيل على الإطلاق في فَردٍ من الأفراد إلَّا إذا فضله النبي - ﷺ - كذلك؛ فإنه قد وُجِدَ في المفضول مَزيةٌ من جهات أخر ليست في الفاضل.
وتَقدَّم عن الشيخ في "الفتوحات": أنه مَعصوم في حكمه، مُقتفٍ أثر النبي - ﷺ -، لا يخطئ أبدًا، ولا شك أن هذا لم يكن في الشيخين، وأن الأمور التسعة التي مرت لم تجتمع كلها في إمام من أئمة الدين قبله.
فمن هذه الجهات يجوز تفضيله عليهما وإن كان لهما فضل الصحبة ومشاهدة الوحي والسابقة وغير ذلك، والله أعلم.
قال الشيخ علي القاري في "المشرب الوردي في مذهب المهدي": ومما يدل على أفضليته: أن النبي - ﷺ - سَمَّاهُ: خليفة الله، وأبو بكر - ﵁ - لا يقال له إلَّا: خليفة رسول الله.
[ ٢١٧ ]
خاتمة: في بيان جملة من أشراط الساعة وردت في قصة المهدي
تنبيه: في بيان من هو المقصود بالنفس الزكية
خَاتِمَة
اشتملت قصة المهدي على جُملةٍ من أشراط الساعة، فلنشر إلى عدها وذكر بعض أحاديثها إجمالًا؛ وفاءً بما وعدناه من حفظ الأحاديث على المسلمين.
فمنها: حسر الفرات عن جبل من الذهب:
كما مر عن أبي هريرة - ﵁ -: "لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل عليه الناس فيقتل تسعة أعشارهم" رواه ابن ماجه عنه، ورواه أحمد، ومسلم، عن أبي هريرة - ﵁ -، وفي آخره: "حتى يُقْتلَ من كلِّ مئة تسعة وتسعون" وكذا رواه مسلم عن أبي هريرة.
وروى عنه الشيخان، وأبو داود مختصرًا: "يوشك الفرات يحسر عن كنز، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا".
وفي رواية نُعيم بن حماد عنه: "فيقتل من كل تسعة سبعة، فإذا أدركتموه فلا تقربوه".
ومنها: قتل النفس الزكية:
عن مجاهد قال: حدثني رجلٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ - قال: "إذا قتلت النفس الزكية غضب عليهم من في السماء ومن في الأرض، فيأتي الناس المهدي فزفَّوْه كما تُزف العروس إلى زوجها ليلة عرسها" رواه ابن أبي شيبة.
وعن عمار بن ياسر - ﵁ -: "إذا قتلت النفس الزكية وأخوه يقتل بمكة ضيعة نادى مناد من السماء: إن أميركم فلان، وذلك المهدي الذي يملأ الأرض حقًا وعدلًا" رواه نُعيم بن حماد.
تَنبيه
النفس الزكية هذا غير النفس الزكية الذي قتل في زمن المنصور العباسي؛ قتله موسى بن عيسى عم المنصور، وهو: محمد النفس الزكية بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب ﵃، بايعه أهل
[ ٢١٨ ]
ذكر طلوع الرايات السود
تنبيه: في بيان أن الرايات السود غير التي أتت لنصرة بني العباس
المدينة بالخلافة، وكان يقال: إنه المهدي، قتل هو بالمدينة، وقتل أخوه إبراهيم بن عبد الله بالعراق، ومات أبوهما في الحبس.
ومنها: طلوع الرايات السود من قبل خراسان:
عن ثوبان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقاتلونكم قِتالًا شديدًا لم يقاتله قوم مثله، فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج؛ فإنه خليفة الله المهدي" رواه ابن ماجه، والحاكم وصححه.
ومعنى كونه المهدي: أنَّ الرايات تصير إليه وتنصره.
عن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يأتي قومٌ من قبل المشرق معهم رايات سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون، فينصرون، فيعطون ما سألوا، فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قِسطًا كما ملؤوها جورًا، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبوًا على الثلج". رواه ابن أبي شيبة، وابن ماجه (١).
تَنبيه
هذه الرايات السود غير الرايات السود التي أتت لنصر بني العباس، وإن كان كل منهما من قبل المشرق من أهل خراسان وقاتلت بني أمية؛ لأن هؤلاء قلانسهم سُود وثيابهم بيض، وأولئك كل ثيابهم سود، أو لأن هذه الرايات صغار، وتلك كانت عِظامًا، ولأن هذه يَقْدمُ بها الهاشمي الذي على مقدمته شعيب بن صالح التميمي، وتلك قَدمَ بها أبو مسلم الخراساني، ولأن هذه تقاتل بني أبي سفيان، وتلك قاتلت بني مروان.
وقد صرح بذلك في رواية سعيد بن المسيب - ﵁ -، مُرسلًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تخرج من المشرق رايات سود لبنِي العباس، ثم
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات"، ورد عليه الحافظ ابن حجر في "القول المسدد" (ص ٤٥) (ز).
[ ٢١٩ ]
ذكر بقية الأشراط
يمكثون ما شاء الله تعالى، ثم تخرج رايات سود صغار تقاتل رَجُلًا من ولد أبي سفيان وأصحابه من قبل المشرق، ويؤدون الطاعة للمهدي" رواه نُعيم بن حماد.
ومنها: قذف الأرض أفلاذ كبدها من الذهب والفضة:
عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: "إن هذا الدين قد تم، وإنه صائر إلى النقصان، وإن أمارة ذلك: أن تُقطع الأرحام، ويُؤخذ المال بغير حقه، وتُسفك الدماء ويشتكي ذو القرابة قرابته لا يعود عليه بشيء، ويطوف السائل لا يوضع في يده شيء.
فبينما هم كذلك إذ خارت الأرض خوار البقر، يحسب كل أناس أنها خارت من قبلهم، فبينما الناس كذلك إذ قذفت الأرض بأفلاذ كبدها من الذهب والفضة، لا ينفع بعد شيء منه لا ذهب ولا فضة" رواه ابن أبي شيبة.
ومنها: خسف عند معدن:
عن ابن عمر ﵄ قال: "تخرج معادن مختلفة، معدن منها قريب من الحجاز يأتيه شرار الناس يقال له: فرعون، فبينما هم يعملون فيه إذ حُسِرَ عن الذهب فأعجبهم معتمله، فبينما هم كذلك إذ خُسِفَ به وبهم" رواه الحاكم وصححه.
وعن علي كرم الله وجهه أنه قال: "الفتن أربع: فتنة السراء والضراء، وفتنة كذا -فذكر: معدن الذهب-، ثم يخرج رجلٌ من عترة النبي - ﷺ - يُصلح الله تعالى على يديه أمرهم" رواه نُعيم بن حماد بسندٍ صحيح على شرط مسلم.
ومنها: خسف قرية بالغوطة شرقي دمشق:
عن خالد بن معدان قال: "لا يخرج المهدي حتى يُخسف بقرية بالغوطة تسمى حرستا"، رواه ابن عساكر.
ومنها: خَسْفٌ بالبيداء:
عن عائشة ﵂؛ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "العجب أن ناسًا من أمتي يأتون البيت لرجل من قريش قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء
[ ٢٢٠ ]
تنبيه: وجه الجمع بين روايتين ذكرهما المصنف
خُسِفَ بهم، فيهم المنتصر والمجبور وابن السبيل، يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم" (١) رواه البخاري، ومسلم.
وعن صفية أم المؤمنين ﵂؛ قالت: قال رسول الله - ﷺ - "لا ينتهي الناس عن غزو هذا البيت حتى يغزو جيش، حتى إذا كانوا بالبيداء -أو بيداء من الأرض- خُسِفَ بأولهم وآخرهم، ولم يَنْجُ أوسطهم".
قيل: فإن كان معهم من يكره؟ قال: "يبعثهم الله على ما في أنفسهم" رواه أحمد، وأبو داود، والتر مذي، وابن ماجه، ورواه أحمد، ومسلم، والطبراني عن أم سلمة ﵂.
ورواه أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه عن حفصة، عن ابن عباس ﵄: "يقطع الخليفة بالشام بعثًا فيهم ست مئة غريب إلى هاشميين بمكة، فإذا أتوا البيداء فينزلون في ليلة مقمرة، إذ أقبل راعٍ ينظر إليهم ويعجب، ويقول: يا ويح أهل مكة. فينصرف إلى غنمه، ثم يرجع فلا يرى أحدًا، فإذا هم قد خُسِفَ بهم، فيقول: سبحان الله! ارتحلوا في ساعةٍ واحدة، فيأتي فيجد قطيفةً قد خُسِفَ ببعضها وبعضها على وجه الأرض، فيعالجها فلا يُطيقها، فَيعلم أنه قد خُسِفَ بهم، فينطلق إلى صاحب مكة، فيبشره فيقول: الحمد لله؛ هذه العلامة التي كنتم تُخْبَرُونَ بها" رواه نُعيم بن حماد.
وفي رواية: "لا يُفلت منهم أحدٌ إلَّا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ؛ بشير إلى المهدي، ونذير إلى السفياني، وهما رجلان من كلب".
تَنبيه
وجه الجمع بين الروايتين أن الرجلين يهربان، ثم يأتي الراعي فلا يرى أحدًا، فيأتي بالبشارة إلى المهدي أيضًا.
_________________
(١) هذا لفظ حديث "مسلم"، وأخرجه "البخاري" مختصرًا في "البيوع". قال الحافظ (٣/ ٢٩٩): يعني أن الظاهر أنه يخسف بهم مرة، ويترك الآخرين فيهدمونهم. وقال أيضًا (٤/ ٢٣٤): الظاهر أنه يخسف بهم قبل أن يصلوا إليها، ومال ابن التين إلى أن المخسوفين هم الهادمون، خُسفوا بعد الهدم انتقامًا لهم، وكذا قال العيني. (ز).
[ ٢٢١ ]
ذكر بقية الأشراط
وفي رواية: "فيخسف بثلثهم، ويمسخ ثلثهم، فتصير وجوههم إلى أقفيتهم يمشون إلى ورائهم كما يمشون إلى أمامهم، ويلحق ثلثهم بمكة".
وهذه إن صحت يُحتاج في الجمع إلى تَمَحُّل وتَعَسُّف، ويمكن أن يقال بتكرار خسف الجيش، فمرةً يكون كذا ومرةً كذا.
ويَقربُهُ ما مر أن صاحب المدينة يبعث بعثًا قبل بعث السفياني، وأنه أمير على المدينة من قبله، فينسب إليه أيضًا، والله أعلم.
ومنها: انكساف الشمس والقمر في رمضان (١):
عن الإمام محمد بن علي الباقر قال: "لمهدينا آيتان لم يكونا منذ خلق الله السماوات والأرض: ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان، وتنكسف الشمس في النصف منه، ولم تكونا منذ خلق الله السموات والأرض" رواه الدارقطني في "سننه"
وعن ابن عباس ﵄ قال: "لا يخرج المهدي حتى تطلع الشمس آية" رواه البيهقي، ونُعيم بن حماد.
ومنها: طلوع القرن ذي السنين:
عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قال: "إذا بلغ العباسي خراسان طلع بالمشرق القرن ذو السنين، وكان أول ما طلع بهلاك قوم نوح حين أغرقهم الله، وطلع في زمن إبراهيم حين ألقوه في النار، وحين أهلك الله قوم فرعون ومن معه، وحين قتل يحيى بن زكريا".
_________________
(١) أما اجتماع الخسوف والكسوف في شهرٍ واحد: فشائع كثير الوقوع، ذكر بعضها في كتاب "شهادة آسماني" للسيد أبي أحمد رحماني في رد القادياني، إذ قال: "إنه وقع في رمضان سنة مئة وسبعة هجري، وسنة مئة وثمانية هجري، وسنة مئة واثنين وخمسين هجري، وسنة ثلاث مئة وثمانية هجري، وسنة تسع مئة وعشرة هجري كلها في رمضان" اهـ فالمراد بهذه العلامة أول رمضان ووسطه إلخ كما بسطه في هذه الرسالة، وذكر أنه وقع اجتماعهما من بعد سنة ألف إلى سنة ألف وثلاث مئة واثنتي عشرة ستين مرة، وكذلك بسط الكلام على هذا الحديث وَفَصَّل الكسوفات في رسالته الأخرى المسماة: "دوسري شهادة آسماني" (ز).
[ ٢٢٢ ]
فإذا رأيتم ذلك فاستعيذوا بالله من شر الفتن، ويكون طُلوعه بعد انكساف الشمس والقمر، ثم لا يلبثون حتى يطلع الأبقع بمصر" رواه نُعيم بن حماد.
ومنها: طلوع النجم ذي الذنب:
عن كعب قال: "يطلع من المشرق قبل خروج المهدي نجمٌ له ذنب يُضيء" أخرجه نعيم.
قلت: وقد ظهر في عام خمس وسبعين في شهر جمادى الثانية نجمٌ ذو ذنب، وأقام مقدار شهرين ثم غاب.
ومنها: خسوف القمر مرتين في رمضان:
عن شريك قال: بلغني: قبل خروج المهدي ينكسف القمر في شهر رمضان مرتين. رواه نعيم.
ومنها: نار من قبل المشرق:
عن أبي عبد الله الحسين بن علي ﵄ قال: إذا رأيتم علامةً من السماء؛ نارًا عظيمة من قبل المشرق تطلع ليلًا فعندها فرج الناس، وهي إقدام المهدي.
وعن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ﵄ قال: إذا رأيتم نارًا من المشرق ثلاثة أيام أو سبعة أيام فتوقعوا فَرجَ آل محمد - ﷺ - إن شاء الله تعالى.
ومنها: وقعة بالمدينة عظيمة:
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "يكون بالمدينة وقعةٌ يَغْرقُ فيها أحجار الزيت، ما الحرة عندها إلَّا كضربة سوط، فيتنحى عن المدينة بريدين، ثم يبايع المهدي" رواه نعيم.
[ ٢٢٣ ]
تنبيه: في بيان مكان أحجار الزيت المذكورة في بعض الروايات
ذكر بقية الأشراط وما ورد ذلك من الروايات
تَنبيه
قال في "سفر السعادة": أحجار الزيت قريبٌ من باب من أبواب المسجد، يقال له: باب السلام، إذا خرج شَخصٌ من باب السلام، وعطف على الجانب الأيمن، وصار نحو رمية حجر بلغ المكان المعروف بأحجار الزيت.
وعبارة السيد السمهودي في "الخلاصة": أن أحجار الزيت كانت عند مشهد مالك بن سنان، يضع عليها الزَّياتونَ رواياهم، فَعلَا الكَبْسُ عليها فاندفنت.
ولأبي داود، والترمذي، وغيرهما: عن مولى آبي اللحم: أنه رأى النبي - ﷺ - يستسقي عند أحجار الزيت قريبًا من الزوراء قائما يدعو الحديث.
فاقتضى كلام كعب الأحبار أنها موضعٌ من الحرة بمنازل بني عبد الأشهل، به كانت وقعة الحرة. انتهى كلامه.
ومنها: نداء من السماء:
عن عاصم بن عمر البجلي قال: "لينادين باسم رجل من السماء لا ينكره الدَّليل، ولا يُمْنَع منه الذَّليل" رواه ابن أبي شيبة.
وعن علي - ﵁ - قال: "إذا نادى مُناد من السماء: إن الحق في آل محمد - ﷺ - فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، وَيُشْرَبُونَ حُبَّه، ولا يكون لهم ذكر غيره" رواه نعيم.
وعن سعيد بن المسيب - ﵁ - قال: "تكون فتنةٌ كأن أولها لعب الصبيان، فلا تتناهى حتى يُنادي مُنادٍ من السماء: ألا إنَّ الأمير فلان ذلكم الأمير حقًا. (ثلاث مرات) " رواه نعيم.
وعن أبي جعفر الباقر - ﵁ - قال: ينادي مُنادٍ من السماء: ألا إنَّ الحق في آل محمد - ﷺ -. وينادي مُنادٍ من الأرض: ألا إنَّ الحق في آل عيسى ﵇أو قال: العباس، فَشَكَّ فيه- وإنما الأسفل كلمة الشيطان، والصوت الأعلى كلمة الله العليا". رواه نعيم.
[ ٢٢٤ ]
تنبيه: في بيان أنه لا مانع من تكرار النداء خلال العام حسبما جاء في الروايات
ذكر بقية الأشراط وما ورد في ذلك من الروايات
وعنه - ﵁ - قال: "إذا كان الصوت في شهر رمضان في ليلة جمعة فاسمعوا وأطيعوا، وفي آخر النهار صوت اللعين إبليس يُنادي: ألا إنَّ فُلانًا قد قتل مظلومًا. ليُشكِّكَ الناس ويفتنهم، فكم في اليوم من شَاكٍّ مُتحير! فإذا سمعتم الصوت في رمضان -يعني: الأول- فلا تشكّوا أنه صوت جبريل، وعلامة ذلك أنه يُنادي باسم المهدي واسم أبيه".
وعن إسحاق بن يحيى، عن أمه قالت: تكون فتنة تهلك الناس لا يستقيم أمرهم حتى يُنادي مُنادٍ من السماء: عليكم بفلان" رواه نُعيم بن حماد.
عن شهر بن حوشب قال: قال رسول الله - ﷺ -: "في المُحَرَّم يُنادي مُنادٍ من السماء: ألا إن صفوة الله من خلقه فلان. فاسمعوا له وأطيعوا، في سَنةِ الصوت والمعمعة" رواه نُعيم.
وَمَرَّ عن عمار - ﵁ - النداء عند قتل النفس الزكية قال في "عقد الدرر": وهذا النداء يَعُم أهل الأرض، ويسمعه كل أهل لغة بلغتهم.
وعن الحكم بن نافع قال: (إذا كان الناس بمنى وبعرفات نادى مُنادٍ بعد أن تتحارب القبائل: ألا إنَّ أميركم فلان. ويتبعه صوت آخر: ألا إنه قد صدق).
تَنبيه
لا مانع من تكرر النداء في رمضان، وفي ذي الحجة، وفي المحرم، وغيرها؛ كما يظهر من اختلاف الروايات.
ومنها: طلوع كَفٍّ من السماء:
عن سعيد بن المسيب - ﵁ - قال: (تكون فرقة واختلاف، حتى يطلع كَفٌّ من السماء، ويُنادي مُنادٍ من السماء: إن أميركم فلان).
وعن أسماء بنت عُميس ﵂: (إن أمارة ذلك اليوم أن كفًّا من السماء مدلاة ينظر الناس إليها) رواه نُعيم بن حماد.
[ ٢٢٥ ]
ومنها: إخراج كنز الكعبة وخزائنها:
عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أنه قال حين وَلَج هو وعمر ﵄ البيت، فقال عمر - ﵁ -: والله ما أدري! أأدع خزائن البيت وما فيه من السلاح والأموال، أو أقسمه في سبيل الله؟
فقال له علي - ﵁ -: "امض يا أمير المؤمنين فلست بصاحبه، إنما صاحبه منا شاب من قريش يقسمه في سبيل الله في آخر الزمان" رواه نُعيم بن حماد.
ومنها: الملحمة العظمى:
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جلبٌ من المدينة. . ." الحديث. رواه مسلم، والحاكم وصححه، وقد مر تفصيله.
وعن أبي الدرداء - ﵁ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "إنَّ فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام" رواه أبو داود، والحاكم وصححه.
وعن عبد الله - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: "لا تقوم الساعة حتى لا يُقْسمَ مِيراث، ولا يُفرح بغنيمة، ثم قال: يجتمعون لأهل الشام، ويجمع لهم أهل الإسلام -يعني: الروم- إلى أن قال: فيجعل الله الدَّبَرة عليهم، فيقتلون مقتلة عظيمة لم يُر مثلها، حتى إنَّ الطائر يمر بجانبهم فما يُخلفهم حتى يخر ميتًا، فيتعادُّ بنو الأب، كانوا مئة فلا يجدون بقي منهم إلَّا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يُفرح، أو أي مِيراث يُقسم؟ ! " رواه مسلم.
وعن معاذ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "سِتٌّ من أشراط الساعة: موتي، وفتح بيت المقدس" إلى أن قال: "وأن يغدر الروم فيسيرون بثمانين بندًا، تحت كل بند اثنا عشر ألفًا" رواه أحمد، وابن أبي شيبة، والطبراني.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -:
[ ٢٢٦ ]
تنبيه: في بيان سبب كثرة النساء التي هي من أشراط الساعة
"سِتٌّ فيكم أيتها الأمة". فقال في الخامسة: "وهدنةٌ تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيجمعون لكم تسعة أشهر كقدر حمل المرأة، ثم يكونون أولى بالغدر منكم" رواه أحمد.
ومنها: أن يكون لخمسين امرأة قيمٌ واحد.
ومنها: أن لا يفرح بميراث ولا بغنيمة.
وهذان كلاهما يقع في الملحمة العظمى حتى يتعادَّ بنو الأب الواحد؛ كانوا مئة فلا يبقى منهم إلَّا الرجل الواحد، ويكون لخمسين امرأة قيم واحد.
ورَوى الستة غير أبي داود: عن أنس - ﵁ - مرفوعًا: "إن من أشراط الساعة أن يقل الرجال ويكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد".
ومرَّ: "لا تقوم الساعة حتى لا يُقسم مِيراث، ولا يُفرح بغنيمة".
تَنبيه
قيل: كثرة النساء؛ سببه: كثرة الفتن المُورثة لكثرة القتل في الرجال؛ لأنهم أهل الحرب دون النساء. انتهى
ويدل له حديث الملحمة، حيث ذكر كثرتهن بعد قتل الرجال.
لكن قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" في (باب العلم): الظاهر أنها علامةٌ محضةٌ لا لسبب آخر، بل يُقدِّر الله في آخر الزمان أن يقل من يُولد من الذكور، ويكثر من يُولد من الإناث.
قال: وكون كثرة النساء من العلامات مناسبٌ لظهور الجهل ورفع العلم؛ أي: فعلى هذا ينبغي أن تُذكر عند رفع العلم، لكن استطردناها هنا للمناسبة.
ثم قال الحافظ ابن حجر: قوله: "لخمسين" يحتمل أن يراد به حقيقة هذا العدد، أو يكون مجازًا عن الكثرة.
ويؤيده: أن في حديث أبي موسى - ﵁ -: "وترى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة" انتهى
[ ٢٢٧ ]
ذكر بقية الأشراط وما ورد في ذلك من الروايات
ومنها: فتح القسطنطينية ورومية (١):
وعن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: "هل سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب في البحر؟ " قالوا: نعم يا رسول الله. قال: "لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق. . ." الحديث. رواه مسلم، والحاكم. وقال الحاكم: يقال هذه المدينة هي القسطنطينية.
قال القاضي عياض: كذا هو في أصول مسلم (بني إسحاق)، والمعروف المحفوظ (بني إسماعيل)، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه؛ لأنه إنما أراد العرب.
وقال الحافظ ابن حجر: قيل: صوابه (بني إسماعيل)؛ كما دلت عليه أحاديث أخر.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "سِتٌّ فيكم أيتها الأمة. . .". وقال في السادسة: "وفتح مدينة". قلت: يا رسول الله؛ أي مدينة؟ قال: "قسطنطينية".
وعن كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا تذهب الدنيا حتى تقاتلوا بني الأصفر، يخرج إليهم دوقة
_________________
(١) وقد فتحت أولًا في زمن معاوية - ﵁ - في سنة خمسين أو سنة واحد وخمسين؛ كما في "الخميس" (٢/ ٢٩٤)، وتوفي فيها أبو أيوب - ﵁ -، وهي مصداق آخرى غزوتي في حديث أم حرام بنت ملحان: "كالملوك على الأسرة" وفي "الفتوحات الإسلامية" (٢: ٧١) للسيد أحمد ابن السيد زيني دحلان مفتي الشافعية بمكة: أنهم افتتحوا في زمن معاوية - ﵁ - طرفًا منها، ثم استرجع الروم الطرف الذي افتتح في ذلك الزمن. فالفتح التام حصل في زمن السلطان محمد من آل عثمان نهار الأربعاء لعشرين من جمادى الآخر سنة سبع وخمسين وثمان مئة، وكانت أيام محاصرتها إحدى وخمسين يومًا فغنم المسلمون من الأموال والدواب ما لم يسمع بمثله إلخ قلت: وحكى صاحب "المجمع" عن القرطبي فتحها في زمن عثمان - ﵁ -، وليس بوجيه؛ فإنهم قاطبة صرحوا بأنها فتحت قريبًا من سنة خمسين هجري، ولعل القرطبي تجوز باعتبار أن مبدأ غزوة الروم في البحر كان في زمن عثمان - ﵁ -، وهي مصداق أولى غزوتي في حديث أم حرام (ز).
[ ٢٢٨ ]
المؤمنين أهل الحجاز الذين يجاهدون في سبيل الله ولا تأخذهم في الله لومة لائم، حتى يفتح الله عليهم قسطنطينية ورومية بالتسبيح والتكبير، فينهدم حصنها. . ." الحديث. رواه ابن ماجه، والحاكم.
وعن أبي قبيل قال: "تذاكرنا فتح القسطنطينية ورومية، أيهما تُفتح أولًا؟ قال عبد الله فقيل: يا رسول الله؛ أي المدينتين تفتح أولًا: قسطنطينية أو رومية؟ فقال - ﷺ -: "مدينة هرقل تُفتح أولًا"؛ يريد القسطنطينية رواه أحمد، والحاكم وصححه.
تَفهيمٌ في تَتمِيم
قال الحافظ ابن القيم في "المنار": قد اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال:
أحدها: أنه المسيح ابن مريم ﵇، وأنه هو المهدي على الحقيقة، واحتج أصحاب هذا القول بحديث محمد بن خالد الجُنْدي؛ أي المتقدم، وقد بينا حاله وأنه لا يصح، ولو صح لم يكن فيه حجةٌ؛ لأن عيسى ﵇ أعظم مهدي بين يدي الساعة، فيصح أن يقال: لا مهدي في الحقيقة سواه، إن كان غيره مهديًا، يعني: هو المهدي الكامل المعصوم.
ثانيها: أنه المهدي الذي ولي من بني العباس قد انتهى، واحتج أصحاب هذا القول بما رواه أحمد في "مسنده" عن ثوبان؛ مرفوعًا: "إذا رأيتم الرايات السود أقبلت من خراسان فأتوها ولو حبوًا على الثلج؛ فإن فيه خليفة الله المهدي"، وفيه علي بن زيد ضعيفٌ وله مناكير، فلا يحتج بما ينفرد به.
وَرَوى ابن ماجه من حديث الثوري، عن ثوبان نحوه، وتابعه عبد العزيز بن المختار، عن خالد.
وفي "سنن ابن ماجه": عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -؛ مرفوعًا: "إن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريدًا وتطريدًا، حتى يأتي قومٌ من أهل المشرق ومعهم رايات سود" الحديث، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد؛ وهو سَيِّئ الحفظ، اختلط في آخر عمره، وكان يقبل الفلوس.
[ ٢٢٩ ]
ذكر قول الرافضة في المهدي ومن هو
ذكر زعم محمد بن تومرت أنه المهدي وبيان حاله
قال: وهذا والذي قبله لو صح لم يكن فيه دليلٌ على أن المهدي هو الذي تولى من بني العباس.
أقول: قد مر أن رايات المهدي أيضًا تأتي من خراسان وأنها سود، وأنها غير رايات بني العباس، والله أعلم.
ثالثها: أنه رجل من أهل بيت النبي - ﷺ - من ولد الحسن؛ أي: أو ولد الحسين بن علي، يخرج في آخر الزمان وقد ملئت الأرض جورًا، فيملؤها قِسطًا وَعدلًا، وأكئر الأحاديث على هذا.
وأما الرافضة والإمامية فلهم قول رابع:
وهو: أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر، من ولد الحسين بن علي، لا من ولد الحسن بن علي، الحاضر في الأمصار الغائب عن الأبصار، دخل سرداب سامراء طِفلًا صغيرًا من أكثر من خمس مئة سنة، فلم تره بعد ذلك عين، ولم يُحس عنه بخبر، وهم ينتظرونه كل يوم ويقفون بالخيل على باب السرداب ويصيحون به: أن اخرج يا مولانا، اخرج يا مولانا. ثم يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم.
ولقد أحسن من قال:
مَا آنَ لِلسِّرْدَابِ أَنْ يَلِدَ الَّذِي كَلَّمْتُمُوهُ لِجَهْلِكُمْ مَا آنَا
فَعَلَى عُقُولكُمُ الْعَفَاءُ فَإِنَّكُمْ ثَلَّثْتُمُوا الْعَنْقَاءَ وَالْغِيلَانَا
ولقد أصبح هؤلاء عارًا على بني آدم، وَضُحكةً يَسخر منها كل عاقل.
أقول: وقد ادعى قومٌ من السلف في محمد بن عبد الله المحض النفس الزكية أنه المهدي، وقد مرت الإشارة [إليه]، والله أعلم.
قال: وأما مهدي المغاربة؛ محمد بن تومرت فإنه رجلٌ كَذابٌ ظَالمٌ متغلبٌ بالباطل، ملك بالظلم، فقتل النفوس، وأباح حريم المسلمين، وسبى ذراريهم، وأخذ أموالهم، وكان شرًّا على الملة من الحجاج بن يوسف بكثير، وكان يُودع بطن الأرض في القبور جماعة من أصحابه أحياء، ويأمرهم أن يقولوا للناس: إنه المهدي
[ ٢٣٠ ]
ذكر خروج الملحد عبيد الله القداح وادعائه أنه المهدي وبيان حال دولة الفاطمية
ذكر المصنف لبعض من ظهر في وقته وادعاء المهدية
الذي بشر به النبي - ﷺ -، ثم يردم عليهم؛ لئلا يكذبوه بعد ذلك، وتسمى بالمهدي المعصوم.
ثم خرج الملحد عبيد الله بن ميمون القداح، وكان جَدُّهُ يهوديًا من بنت مجوسي، فانتسب بالكذب والزور إلى أهل البيت، وادعى أنه المهدي الذي بشر به النبي - ﷺ -، وملك وتغلب واستفحل أمره، إلى أن استولت ذريته الملاحدة المنافقون الذين كانوا أعظم الناس عداوة لله ورسوله على بلاد المغرب ومصر والحجاز والشام، واشتدت غُربة الإسلام ومحنته ومصيبته، وكانوا يدعون الإلهية ويدعون أن للشريعة باطنًا يخالف ظاهرها، وهم ملوك الفاطمية الباطنية أعداء الدين، فتستروا بالرفض والانتساب إلى أهل البيت، ودانوا بدين أهل الإلحاد.
ولم يزل أمرهم ظاهرًا إلى أن أنقذ الله الأمة، ونصر الإسلام بصلاح الدين يوسف بن أيوب، فاستنقذ الملة الإسلامية منهم وأبادهم، وعادت مصر دار إسلام بعد أن كانت دار نفاق وإلحاد في زمنهم.
انتهى ملخصًا بمعناه.
وقد مرت الإشارة إلى بعض قبائحهم، وبدعهم، وكفرهم، وإلحادهم في الباب الأول.
أقول: وقد ذكر الشيخ علي المتقي في رسالةٍ له في أمر المهدي: أن في زمانه خرج رجل بالهند ادعى أنه المهدي المنتظر واتبعه خَلقٌ كثير، وظهر أمره وطار صيته، ثم إنه مات بعد مدة، وأن أتباعه لم يرجعوا عن اعتقادهم.
قُلْتُ: وقد سمعت كثيرًا من القادمين من بلاد الهند إلى الحرمين من العلماء والصلحاء، أن أولئك القوم إلى الآن على ذلك الاعتقاد الخبيث، وأنهم يعرفون بالمهدوية، وربما سموا بالقتالية؛ لأن كل من قال لهم: إن اعتقادكم باطل. قتلوه، حتى إن الرجل الواحد منهم يكون بين الجمع الكثير من المسلمين، فإذا قيل له: إن اعتقادك باطل قتل القائل، ولا يبالي أيقتل أو يَسلم، وهم خَلقٌ كثير، وقد ضموا إلى ذلك الاعتقاد بدعًا أخر خرجوا بها عن سواء الصراط.
أخبرني بهذا جَمعٌ من ثقات أهل الهند.
وظهر بجبال شهرزور وأنا طفل إذ ذاك بقريةٍ يقال لها: أزمك -بهمزة مفتوحة
[ ٢٣١ ]
ذكر بقية الأشراط وهو ظهور الدجال وما روي في ذلك
آخرها كاف- رجل يسمى محمدًا، وادعى أنه المهدي واتبعه خَلقٌ، ثم إن أمير تلك البلاد أحمد خان الكردي أغار عليه، فهرب، وأخذ أخاه، وخرب قريته، وقتل جماعةً من أتباعه، فزالت شوكته وَذَلَّ، فاجتمع عليه علماء الأكراد وأفتوه بكفره، وألزموه بتجديد إيمانه، وتجديد عقد نكاح أزواجه، فتاب ورجع عن ذلك ظاهرًا، لكن كان بعض من يخالطه يقول: إنه لم يرجع باطنًا.
وقد اجتمعتُ به سنة سبعين وألف فوجدته عابدًا كثير الاجتهاد، متورعًا في مأكله وملبسه عن الحرام، مُلازمًا للأوراد على طريقة الخلوتية، وكان أخوه ذاك الذي أُخِذَ وحُبِسَ لأجله شديد الإنكار عليه، كثير اللوم له، ثم إنه توفي ﵀.
فهؤلاء الذين ادعوا المهدية بالباطل، واتبعهم بعض السفهاء وحصلت منهم فِتنٌ وفسادٌ كثير في الدين.
وظهر قبل تأليفي لهذا الكتاب بقليل رَجُلٌ بجبال عقر، أو العمادية من الأكراد يسمى: عبد الله، ويدعي أنه شريفٌ حُسيني، وله ولدٌ صغير ابن اثنتي عشرة سنة، أو أقل أو أكثر، قد سماه محمدًا، ولقبه المهدي، فادعى أن ابنه هو المهدي الموعود، وتبعه جماعةٌ كثيرة من القبائل، واستولى على بعض القلاع، ثم ركب عليه والي الموصل، ووقع بينهم قتال وسفك دماء، وقد انهزم المدعي وأُخِذَ هو وابنه إلى استنبول، ثم إن السلطان عفا عنهما ومنعهما من الرجوع إلى بلادهما، وماتا جميعًا.
ومنها: الدجال:
ورد عن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب حضور الملحمة، وحضور الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال" رواه ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والحاكم وصححه.
وحكى البيهقي عن شيخه الحاكم قال: أول الآيات ظُهورًا -أي: بعد المهدي- خروج الدجال، ثم نزول عيسى ﵇، ثم فتح يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها.
[ ٢٣٢ ]
وسيأتي في كلام الحاكم أن خروج الدابة بعد طلوع الشمس وأنه الأوجه، فنذكرها بإذن الله على هذا الترتيب، وبالله التوفيق وعليه التكلان.
فنقول: ومن الفتن الواقعة في زمن المهدي، ومن الأشراط العظام القريبة: خروج الدجال، وأخباره تحتمل مجلدًا، أفردها غير واحد من الأئمة بالتأليف (١).
عن عمران بن حصين - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال" رواه مسلم.
وعن أبي هريرة - ﵁ -: "ثلاث إذا خرجن لم ينفع نَفْسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها" رواه الترمذي وصححه.
ومن دعواته - ﷺ -: "اللَّهَم؛ إني أعوذ بك من فتنة المسيح الدجال".
ووقع في "تفسير البغوي": أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، وأن المراد بالناس هنا الدجال من إطلاق الكل على البعض.
وفي "صحيح البخاري": "ما من نبي إلَّا وقد أنذر قومه". زاد في رواية معمر: "لقد أنذر نوح قومه".
وعند أبي داود، والترمذي وحسنه عن أبي عبيدة - ﵁ -: "لم يكن نبيٌّ بعد نوح إلَّا وقد أنذر قومه الدجال".
وعند أحمد: "لقد أنذر نوح أمته والنبيون من بعده"، وأخرجه من وجه آخر عن ابن عمر ﵄.
والكلام عليه يأتي في مقامات في اسمه ونسبه ومولده وحليته وسيرته وفتنته ومحل خروجه ووقته ومدته وكيفيته وكيف النجاة منه ومن يقتله.
_________________
(١) وبسط روايات خروجه عامة أهل الحديث سيما السيوطي في "الدُّر" (٢/ ٢٤٢) تحت قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ قبيل المائدة. (ز).
[ ٢٣٣ ]
المقام الأول: في ذكر اسم الدجال ونسبه ومولده
المقام الأول في اسمه، ونسبه، ومولده
هو: صافي بن الصياد، أو الصائد، ومولده المدينة هذا بناءً على أن ابن الصياد هو الدجال، وسيأتي إن شاء الله تعالى أن الأصح أنه غيره.
وعليه: فإما أنه شيطانٌ موثقٌ في بعض الجزائر، أو هو من أولاد شِقّ؛ الكاهن المشهور، أو هو شِقٌّ نفسه، وكانت أمه جنية عشقت أباه فأولدها شقًّا، وكانت الشياطين تعمل له العجائب، فحبسه سليمان النبي ﵇ ولقبه المسيح.
وصفته: الدجال؛ مشتقٌّ من الدجل؛ وهو: الخلط واللبس والخَدعُ، فمعنى الدجال: الخداع الملبس على الناس، ومنه قوله - ﷺ - حين خطب إليه أبو بكر - ﵁ - فاطمة ﵍: "إني وعدتها لعلي، ولست بدجال"؛ أي: لست بخداعٍ له ولا مُلبسٍ عليك أمرك.
وأما تلقبه بالمسيح (١): فلأن عينه الواحدة ممسوحة، يقال: رجل مسيح الوجه، إذا لم يبق على أحد شقي وجهه عين ولا حاجب إلَّا استوى. وقيل: لأنه يمسح الأرض؛ أي: يقطعها.
وقال أبو الهيثم: إنه المِسِّيح؛ بوزن سكين؛ وهو: الذي مُسِحَ خلقه وشوه. وقال بعضهم: إنه المسيخ، بالخاء المعجمة. وعيسى ﵇؛ بالمهملة.
قال في "فتح الباري": وبالغ القاضي ابن العربي فقال: ضلَّ قومٌ فروه بالخاء المعجمة، وشدد بعضهم السين ليفرقوا بينه وبين المسيح ابن مريم ﵇، قال: وقد فرق النبي - ﷺ - بينهما بقوله في الدجال: "مسيح الضلالة"، فدل على أن عيسى ﵇ مَسيحُ الهدى، فأراد هؤلاء تعظيم عيسى ﵇ فحرفوا الحديث.
_________________
(١) وحكى صاحب "الدرجات" (ص ١٧٦) عن القرطبي أن في وجه تسميته بالدجال عشرة أقوال، وعن صاحب "القاموس" عن وجه تَلقُّبهِ بالمسيح خمسين قولًا (ز).
[ ٢٣٤ ]
قال المجد في "القاموس" اجتمع لنا في سبب تسميته المسيح خمسون قولًا، وأما وجه تسمية عيسى ﵇ مسيحًا؛ لأنه لا يمسح ذا عاهة إلَّا برئ، أو لأنه لا أخمص له، ومنه في صفة النبي - ﷺ - كان مسيح القدمين، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن، أو لأنه يمسح الأرض ويقطعها.
[ ٢٣٥ ]
المقام الثاني: في ذكر حليته وسيرته وفتنته
المقام الثاني في حليته، وسيرته، وفتنته
أما حليته: فإنه رجلٌ شاب، وفي رواية: شيخ، -وسندهما صحيح- جسيم، أحمر. وفي رواية: أبيض أمهق. وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الطبراني: "أنه آدم".
قال في "فتح الباري": يمكن أن تكون أدمته صافية، وقد يوصف ذلك بالحمرة؛ لأن كثيرًا من الأُدْمِ قد تحمر وجنته، جعد الرأس، قطط، أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية. وفي رواية: "أعور العين اليسرى" (١). ووقع في حديث سمرة عند الطبراني، وصححه ابن حبان، والحاكم: "ممسوح العين اليسرى". وجاء في رواية: "أنه أعور العين مطموسها، وليست جحراء"، وهذا معنى (طافئة)؛ مهموزة.
قال في "فتح الباري" نقلًا عن القاضي عياض: الذي رويناه عن الأكثر وصححه الجمهور، وجزم به الأخفش: (طافية)؛ بغير همزة.
قال: وضبطه بعض الشيوخ بالهمزة، ومعناه: أنها ناتئةٌ نُتوء العنبة، وأنكره بعضهم ولا وجه لإنكاره.
ثم جمع القاضي عياض بين الروايات بأن عينه اليمنى طافية بغير همز وممسوحة؛ أي: ذهب ضوءها، وهو معنى حديث أبي داود: "مطموس العين ليست بناتئة ولا جحراء"؛ أي: ليست عالية ولا عميقة؛ كما في حديث ابن عمر ﵄ في "الصحيحين": "واليسرى طافئة" بالهمز؛ كما في الرواية الأخرى عنه.
وهي: الجاحظة التي كأنها كوكب، وكأنها نخاعة في حائط؛ أي: وهي الخضراء، كما جاء كل ذلك في الأحاديث.
_________________
(١) اختلفت الروايات في عيني الدجال، كما بسطها الحافظ (٦/ ٣٤٣) (١٣/ ٧٨)، والعيني (ج ١، ج ٢)، والنووي (١/ ٩٦). (ز).
[ ٢٣٦ ]
قال: وعلى هذا فهو أعور العينين معًا، فكل واحدة منهما عوراء، وذلك أن العور: العيب، والأعور من كل شيء: المعيب. وكلا عيني الدجال معيبة؛ إحداهما بذهاب نورها، والأخرى بنتوئها وخضرتها.
قال النووي: وهو في غاية الحسن، له على عينه ظفرة غليظة، وهي جلدة تغشى العين، وإذا لم تقطع عميت.
وقال البيضاوي: الظفرة: لحمة تنبت عند المأق.
وقيل: لحمة تخرج في العين في الجانب الذي يلي الأنف، وهما متقاربان.
قال الحافظ ابن حجر: وقد ورد في كلتا عينيه أن عليها ظفرة.
وفي بعض الروايات: عن أبي سعيد - ﵁ - عند أحمد: "عينه اليمنى جاحظة لا تخفى، كأنها نخاعة في حائط مجصص، وعينه اليسرى؛ كأنها كوكب دري".
وفي حديث أُبَيّ عند أحمد، والطبراني: "إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء".
قال الحافظ: والذي يتحصل من مجموع الأخبار، أن الصواب في (طافية) أنه بغير همز، وصرح في حديث عبد الله بن مغفل وسمرة وأبي بكرة بأن عينه اليسرى ممسوحة، والطافية هي البارزة، وهي غير الممسوحة ولها الظفرة.
فجائز أن يكون في كل من عينيه؛ لأنه لا يضاد الطمس ولا النتوء، ويكون التي ذهب ضوءها هي المطموسة -يعني: اليسرى- والمعيبة مع بقاء عينها هي البارزة. انتهى
ومن حليته: أنه قصير أفحج -بفاء ساكنة، وجيم آخره- من الفحج؛ وهو: تباعد ما بين الساقين، وقيل: تداني صدور القدمين مع تباعد العقبين، وقيل: هو الذي في رجليه اعوجاج.
(جفال الشعر)؛ بضم الجيم وتخفيف الفاء؛ أي: كثيره.
(هجان)؛ بكسر أوله، وتخفيف الجيم؛ أي: أبيض.
(أقمر)؛ أي: شديد البياض. (ضخم فيلماني)؛ بفتح الفاء، وسكون
[ ٢٣٧ ]
تنبيه: في معنى (السيجان)
ذكر بعض صفاته
التحتانية؛ أي: عظيم الجثة كأن رأسه أغصان شجرة؛ أي: شعر رأسه كثير متفرق قائم.
وفي رواية: أن رأسه من ورائه حبك؛ أي: شعره متكسر من الجعودة كالماء والرمل إذا ضربته الريح.
قال في "النهاية": وهذا معنى ما مر أنه جعد قطط مكتوب بين عينيه: (ك ف ر)، بحروف متقطعة، يقرؤها كل مسلم كاتب وغير كاتب، ولا يقرؤها الكفار، لا يولد له، ولا يدخل المدينة ومكة، تتبعه أقوام كأن في وجوههم المجان المطرقة، وسبعون ألفًا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة.
وفي لفظ: عليهم من السيجان، وكلهم ذو سيف مُحَلّى.
تَنبيه
قال في "النهاية": السيجان جمع ساج وهو الطيلسان الأخضر، وقيل: هو الطيلسان المقور ينسج كذلك. ومنهم من يجعل ألفه منقلبة عن الواو، ومنهم من يجعلها منقلبة عن الياء. انتهى
ومن صفاته أنه تنام عيناه، ولا ينام قلبه، أبوه طوال ضرب اللحم كأن أنفه منقارًا. وأمه امرأة فرضاخية؛ أي: كثيرة اللحم طويلة الثديين. له حمار أهلب؛ أي: كثير الهلب، وهو الشعر الغليظ. ما بين أذنيه أربعون ذراعًا، يضع خطوة عند منتهى طَرْفهِ.
عن أبي الطفيل، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: "يخرج الدجال على حمار، رجس على رجس" رواه ابن أبي شيبة.
وعن عليّ كرّم الله وجهه: "يخرج الدجال، ومعه سبعون ألفًا من الحاكة (١)؛ وهي موضع، على مقدمته أشعر؛ أي: رجل كثير الشعر يقول: بِرَو بِرَو" رواه الديلمي؛ أي: وهي كلمة بالفارسية، ومعناه: اسع اسع.
_________________
(١) وقد ذكره الحافظ في "اللسان" (١/ ٢٤٢) من رواية ابن مسعود - ﵁ - بلفظ: "سبعون ألف حائك" وقال: هذا باطلٌ (ز).
[ ٢٣٨ ]
تنبيه: في بيان أنه لا منافاة بين روايات طول وقصر الدجال
ذكر سيرته وما ورد في ذلك من روايات
وعن أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه: "أن طول الدجال أربعون ذراعًا بالذراع الأول، تحته حمار أقمر؛ أي: شديد البياض، طول كل أذن من أذنيه ثلاثون ذراعًا، ما بين حافر حماره إلى الحافر الآخر مسيرة يوم وليلة، تُطوى له الأرض منهلًا منهلًا، يتناول السحاب بيمينه، ويسبق الشمس إلى مغيبها، يخوض البحر إلى كعبيه. . ." الحديث بطوله.
تَنْبيه
لا منافاة بين هذه ورواية أنه قصير؛ لاحتمال أن قصره بالنظر إلى ضخامته؛ فإن ضخامته تقضي أن يكون أطول من ذلك، أو أنه ابتداء قصير وهو خلقته في نفس الأمر، ثم إذا أظهر الكفر وادعى الإلهية زاد طوله وضخامته؛ ابتلاء من الله للعباد، وفتنة لهم كسائر فتنه، والله أعلم.
وأما سيرته: فإنه يخرج أولًا فيدعي الإيمان والصلاح، ويدعو إلى الدين، فَيُتبع ويظهر، فلا يزال حتى يقدم الكوفة، فيظهر الدين ويعمل فيه، فَيُتبع ويُحَبُّ على ذلك، ثم يدعي أنه نبي فيفزع من ذلك كل ذي لُبّ ويفارقه، ثم يمكث بعد ذلك أيامًا، ثم يدّعي الإلهية ويقول: أنا الله. فتغشى عينه، وتقطع أذنه، ويكتب بين عينيه: ك ف ر، فلا يخفى على كل مسلم، فيفارقه كل أحدٍ من الخلق في قلبه مثقال ذرة من الإيمان. هكذا رواه الطبراني عن عبد الله بن معتمر - ﵁ -، وكان صحابيًا.
وعن كعب الأحبار - ﵁ - قال: "يتوجه الدجال فينزل عند باب دمشق الشرقي -أي: ابتداءً قبل خروجه- ثم يُلتمس فلا يُقدر عليه، ثم يُرى عند المنارة التي عند نهر الكسوة، ثم يُطلب فلا يُدرى أين توجه، فَيُنسى ذكرهُ، ثم يَظهَرُ بالمشرق فَيُعْطَى الخلافة، ثم يُظهر السحر، ثم يدعي النبوة، فيتفرق الناس عنه -أي: يعني: المسلمين- فيأتي النهر فيأمره أن يسيل فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس. . ." الحديث بطوله رواه نُعيم بن حماد.
ويتبعه سبعون ألفًا من يهود أصبهان، وثلاثة عشر ألف امرأة، وعامة من يتبعه اليهود، والترك، والنساء، ويبعث الله له شياطين فيقولون: استعن بنا على ما تريد.
[ ٢٣٩ ]
ذكر بعض فتنه
تنبيه: في بيان أنه لا منافاة في عدم تسلطه على نفس واحدة
ذكر بعض الروايات فيما يأتي به الدجال
فيقول: نعم، اذهبوا إلى الناس فقولوا: أنا ربهم. فيبثهم في الآفاق إلى غير ذلك.
وأما فتنه: فكثيرة لا تكاد تنحصر:
منها: "أنه يسير معه جبلان أحدهما فيه أشجار وثمار وماء، وأحدهما فيه دخان ونار، فيقول: هذه الجنة، وهذه النار" رواه الحاكم، وابن عساكر عن ابن عمر ﵄.
ومنها: "أن معه جنة ونارًا، ورجالًا يقتلهم ثم يحييهم، معه جبل من ثريد ونهر من ماء" رواه نُعيم عن حذيفة - ﵁ -.
تَنبيه
لا ينافي هذا ما ورد أنه يُسلط على نفس واحدة ثم لا يقدر عليه ثانيًا، وأنه يقول: لا يفعل بعدي بأحدٍ من الناس. لأن هؤلاء الرجال هم شياطين، وقتله إياهم وإحياؤه إنما هو في رأي العين لا على الحقيقة.
وقيل: ذلك حقيقة؛ أي: وهو الخَضِرُ؛ كما سيأتي.
وفي رواية: "معه جِبالٌ من خبز، والناس في جهد إلَّا من اتبعه، ومعه نهران أنا أعلم بهما منه، نهر يقول له: الجنة، ونهرٌ يقول له: النار. فمن أدخل الذي يسميه الجنة فهو النار، ومن أدخل الذي يسميه النار فهو الجنة" رواه أحمد، وابن خزيمة، والحاكم، وسعيد بن منصور، عن جابر - ﵁ -.
وفي رواية: "لأنا أعلم بما مع الدجال منه؛ معه نهران يجريان: أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج، فأما إن أدرك ذلك واحد منكم فليأت النهر الذي يراه نارًا وَليغمض، ثم ليطأطئ رأسه فليشرب، فإنه ماء بارد".
وفي رواية البخاري، عن المغيرة بن شعبة: "معه جبل خبز".
زاد مسلم في روايته: "معه جبال خبز، ولحم، ونهر من ماء".
وفي رواية إبراهيم: "أن معه الطعام والأنهار".
وفي رواية يزيد بن هارون: "أنَّ معه الطعام والشراب".
وفي رواية: "معه مثل الجنة والنار".
[ ٢٤٠ ]
تنبيه: في بيان الاختلاف في حقيقة جنة ونار الدجال
ذكر بقية الروايات فيما يأتي به الدجال ويظهر
وفي رواية نُعيم عن ابن مسعود - ﵁ -: "ومعه جبل من مرق، وعَرَاقٌ اللحم حار لا يبرد، ونهر جار، وجبل من جنان وخضرة، وجبل من نار ودخان، يقول: هذه جنتي، وهذه ناري، وهذا طعامي، وهذا شرابي".
تَنبيه
اختلفوا في هذه الجنة والنار؛ هل هي حقيقة أم تخييل؟
مال ابن حبان في "صحيحه" إلى أنه تخييل، واستدل بحديث المغيرة بن شعبة في "الصحيحين" أنه قال: كنت أُكْثِرُ من سؤال النبي - ﷺ - عن الدجال، فقال لي: "وما يضُرك؟ " قلت: لأنهم يقولون إن معه جبل خبز. قال: "هو أهون من ذلك".
معناه: أنه أهون على الله من أن يكون معه ذلك حقيقة، بل يُرى كذلك وليس بحقيقة؛ أي: ويدل له الرواية السابقة: "أحدهما في رأي العين ماء أبيض، والآخر في رأي العين نار تأجج".
وقال جماعة منهم القاضي ابن العربي: بل هي على ظاهرها؛ أي: فيكون ذلك امتحانًا من الله لعباده، ويكون معنى الحديث: هو أهون من أن يُخَاف، أو أن يضل الله به من يُحبه.
قُلْتُ: والتحقيق: الأول؛ كما يدل له قوله: "فليغمض، ثم ليطأطئ رأسه، فيشرب؛ فإنه ماء بارد"، وما في رواية: "فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه أنها نار؛ فإنه ماء عذب بارد"، وما في رواية: "فالنار روضة خضراء، والجنة غبراء ذات دخان"، والفرق بينهما وبين غيرهما من الخوارق حيث إن لها حقيقة، كما يظهر أن الجنة والنار لما كانا داري جزاءٍ وثواب وعقاب، ينبغي أن لا يكونا لغير الله حقيقة، بخلاف غيرهما من الخوارق، والله أعلم.
ومنها: أنه تُطوى له الأرض منهلًا منهلًا طي فروة الكبش، وأنه يسيح الأرض كلها في أربعين يومًا، وما من بلد إلَّا وسيطؤها إلَّا مكة والمدينة؛ كما سيأتي.
وسرعته في السير كالغيث استدبرته الريح.
[ ٢٤١ ]
تنبيه: في بيان المراد بالأعراب
فائدة: في بيان قدر الذين ينجون من فتنة الدجال
ومنها: "أن له ثلاث صيحات يسمعها أهل المشرق وأهل المغرب، ويتناول الطير من الجو، ويشويه في الشمس شيًا" رواه الحاكم، وابن عساكر عن ابن عمر ﵄.
ومنها: "أنه يخوض البحر في اليوم ثلاث خوضات لا يبلغ حقويه، وإحدى يديه أطول من الأخرى، فيمد الطويلة في البحر فيبلغ قعره، فَيُخْرِجُ من الحيتان ما يريد" رواه أبو نعيم عن حذيفة - ﵁ -.
ومنها: أنه يخرج في خفة من الدين وإدبار من العلم، فلا يبقى أحد يحاجّه في أكثر الأرض، ويذهل الناس عن ذكره، وأن أكثر ما يتبعه الأعراب والنساء، حتى إن الرجل ليردّ أمه وبنته وأخته وعمته، فيوثقهن رباطًا مخافة أن يخرجن إليه.
وأنه يأتي فيقول لأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك، وبعثت لك أمك، أتشهد أني ربك؟ فيقول له: نعم. فيتمثل له شيطان على صورة أبيه، وآخر على صورة أمه، فيقولان له: يا بني؛ اتبعه فإنه ربك. فيتبعه.
ومن ثَمَّ قال حذيفة - ﵁ -: لو خرج الدجال في زمانكم لرمته الصبيان بالخزف، ولكنه يخرج في نَقصٍ من العلم، وخِفةٍ من الدين.
تَنبيه
المراد بالأعراب هنا: كل بعيدٍ عن العلماء ساكن في البادية والجبال، سواء كان من الأعراب أو الأتراك أو الأكراد أو غير ذلك؛ لأنهم ليس عندهم ما يميزون به بين الحق والباطل، وأكثر النفوس مائلةٌ إلى تصديق الخوارق.
فائِدَة
قال الحافظ ابن حجر: أخرج أبو نُعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين من "الحلية" بسندٍ صحيح إليه قال: لا ينجو من فتنة الدجال إلَّا اثنا عشر ألف رجل، وسبعة آلاف امرأة. قال: وهذا لا يقال من قِبَلِ الرأي؛ فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله، أو أخذه عن بعض أهل الكتاب. اهـ
وينبغي أن يُحْمَل على أن الذين ينجون من الأعراب والنساء هذا القدر؛ لما مر في
[ ٢٤٢ ]
ذكر بقية ما يأتي به الدجال
قصة المهدي أن معه في الغزو أكثر من هذا بكثير، ويمكن أن يقال: إذا رأوه اتبعوه، لكنه بعيدٌ إن شاء الله تعالى.
وقد ورد كما مر في قتل عثمان - ﵁ -: أن كل من في قلبه مثقال حبة من قتل عثمان - ﵁ - اتبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه آمن به في قبره.
فعلى هذا: كل من بقي من الرافضة على اعتقاده اليوم ولم يهتد بالمهدي الحق فإنه يتبعه؛ لأن كل رافضي يُحب قتل عثمان - ﵁ - وراضٍ به، نسأل الله أن يُميتنا على محبة رسول الله - ﷺ - وصحابته آمين.
ومنها: أن معه ملكين من الملائكة يشبهان نبيين من الأنبياء، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فيقول الدجال: ألست ربكم أحيي وأميت؟ ! فيقول أحد الملكين: كذبت. فما يسمعه أحدٌ من الناس إلَّا صاحبه، فيقول له صاحبه: صدقت. ويسمعه الناس فيحسبون أنه صَدَّق الدجال، وذلك فتنة.
وفي حديث ابن مسعود - ﵁ - عند نُعيم والحاكم:
فإذا قال: أنا رب العالمين قال له إلياس: كذبت. ويقول اليسع: صدق إلياس. فكأن النبيين الذين يشبههما الملكان هما إلياس واليسع.
ومنها: أن الله يبعث له الشياطين من مشارق الأرض ومغاربها، فيقولون: استعن بنا على من شئت. فيقول: نعم، انطلقوا فأخبروا الناس أني ربهم، وأني قد جئتهم بجنتي وناري. فتنطلق الشياطين، فيدخل على الرجل أكثر من مئة شيطان، فيتمثلون له بصورة والده، ووالدته، وإخوته، ومواليه، ورفيقه، فيقولون: يا فلان؛ أتعرفنا؟ فيقول لهم الرجل: نعم، هذا أبي، وهذه أمي، وهذه أختي، وهذا أخي. فيقول الرجل: ما نبأكم؟ فيقولون: بل أنت أخبرنا ما نبأك؟ فيقول الرجل: إنّا قد أُخبرنا أن عدو الله الدجال قد خرج. فتقول له الشياطين: مهلًا، لا تقل هذا، فإنه ربكم يريد القضاء فيكم، هذه جنته قد جاء بها وناره، ومعه الأنهار والطعام، فلا طعام إلَّا ما كان قِبَلَهُ إلَّا ما شاء. فيقول الرجل: كذبتم، ما أنتم إلَّا شياطين وهو الكذاب، وقد بلغنا أن رسول الله - ﷺ - قد حدث حديثكم وحذّرنا
[ ٢٤٣ ]
وأنبأنا به، فلا مرحبًا بكم، أنتم الشياطين، وهو عدو الله، وليسوقن الله إليه عيسى ابن مريم فيقتله، فيخسؤوا فينقلبوا خائبين.
ثم قال رسول الله - ﷺ -: "إنما أحدثكم هذا لتعقلوه وتفهموه وتفقهوه وتعوه، فاعملوا عليه، وحدثوا به من خلفكم، وليحدث الآخر الآخر، فإن فتنته أشد الفتن" رواه نُعيم.
وروى هو والحاكم في "المستدرك": عن ابن مسعود - ﵁ - بلفظ: "وتأتيه المرأة فتقول: يا رب؛ أحيي ابني وأخي وزوجي. حتى إِنها تعانق شيطانًا، وبيوتهم مملوءة شياطين، ويأتيه الأعرابي فيقول: يا رب؛ أحيي لنا إبلنا وغنمنا. فيعطيهم شياطين أمثال إبلهم وغنمهم سواء بالسن والسمة، فيقولون: لو لم يكن هذا ربنا لم يُحيي لنا موتانا"؛ أي: وكأن الحديث الأول وارد فيمن يكفر به، وهذا فيمن يُؤمن ويتبعه.
ومنها: "أنه يتناول السحاب بيمينه، ويسبق الشمس إلى مغيبها، يخوض البحر إلى كعبه، أمامه جبل دخان، وخلفه جبل أخضر، يُنادي بصوت له يَسمَعُ ما بين الخافقين: إليَّ أوليائي، إليَّ أوليائي، إليَّ أحبابي، إليَّ أحبابي، فأنا الذي خلق فسوّى، والذي قدر فهدى، وأنا ربكم الأعلى. كذبَ عدو الله ليس ربكم كذلك، ألا إن الدجال أكثر أتباعه اليهود وأولاد الزنا". رواه ابن المنادي عن عليّ كرم الله وجهه.
ومنها: "أنه يأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به، فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم -أي: ماشيتهم- أطول ما كانت ذُرى؛ أي: أسنمه، وأسبغَهُ؛ أي: أطوله ضروعًا وأمده خواصر، ثم يأتي على القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون مُمَحّلِين -أي: مقحطين- ليس بأيديهم شيء من أموالهم" رواه مسلم عن النواس بن سمعان.
ومنها: "أنه يمر بالخَربةِ فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل" رواه مسلم عن النواس.
واليعاسيب: جمع يَعْسُوب، وهو ذكر النحل. والمراد هنا: جماعة النحل، لكنه كَنّى عن الجماعة باليعسوب وهو أميرها؛ لأنه متى طار تبعته جماعته.
[ ٢٤٤ ]
تنبيه: معنى (المنشار)
ومنها: "أنه يأتي على النهر فيأمره أن يسيل فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس" رواه نُعيم بن حماد عن كعب الأحبار.
ومنها: "أنه يأمر جبل طور سيناء وجبل زيتا أن ينتطحا فينتطحان، ويأمر الريح أن تُثير سحابًا من البحر فَتُمطرَ الأرضَ" رواه نُعيم عنه أيضًا.
ومنها: "أنه يقول: أنا رب العالمين، وهذه الشمس تجري بإذني، أفتريدون أن أحبسها؟ فيقولون: نعم. فيحبس الشمس حتى يجعل اليوم كالشهر، والجمعة كالسنة، ويقول: أتريدون أن أُسَيّرهَا؟ فيقولون: نعم. فيجعل اليوم كالساعة" رواه نُعيم بن حماد، والحاكم، عن ابن مسعود - ﵁ -.
ومنها: "أن قبل خروجه ثلاث سنوات شدائد يُصيب الناس فيها جُوعٌ شَديدٌ، يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تَحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض أن تَحبس ثلث نباتها، ثم يأمر الله [السماء] في السنة الثانية فتحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها. ثم يأمر الله ﷿ السماء في السنة الثالثة فلا تُمْطر قطرة، ويأمر الأرض فلا تُنبت خضراء، فلا يبقى ذات ظِلْفٍ إلَّا هلكت إلَّا ما شاء الله"، قيل: يا رسول الله؛ فما يُعيشُ الناس إذا كان ذلك؟ قال: "التسبيح والتكبير، يجري ذلك منهم مجرى الطعام". رواه ابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم عن أبي أمامة - ﵁ -.
ومنها: "أنه يُسَلّطُ على نفس واحدة فينشرها بالمنشار حتى يَلْقِيها شقين، فيمر الدجال بينهما ثم يقول: انظروا هذا، فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربًا غيري. ثم يبعثه الله فيقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله الدجال، والله ما كُنت قط أَشدَّ بصيرة فيك مني الآن. فيريد أن يقتله ثانيًا فلا يُسلّط عليه" رواه ابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم، والضياء، عن أبي أمامة - ﵁ -.
تَنبيه
المنشار؛ بالنون وبالياء المثناة التحتية: لغتان فصيحتان من النشر والوشر، وهما بمعنًى.
[ ٢٤٥ ]
المقام الثالث: في ذكر محل خروج الدجال ووقته ومدته وكيفيته وطريق النجاة منه ومن يقتله
المقام الثالث في مَحلِّ خُروجه، وَوقتهِ، وَمُدّتهِ، وكيفيته، وطريق النجاة منه، ومن يقتله
أما محل خروجه: فالمشرق جزمًا (١)، ثم جاء في رواية: أنه يخرج من خراسان، روى ذلك أحمد، والحاكم، من حديث أبي بكر - ﵁ -.
وفي أخرى: أنه يخرج من أصبهان. أخرجها مسلم.
وعند الحاكم، وابن عساكر، من حديث ابن عمر ﵄: أنه يخرج من يهودية أصبهان؛ أي: محلة خارج أصبهان، ومثله عند أحمد عن عائشة ﵂.
وعند الطبراني من حديث فاطمة بنت قيس: يخرج من بلدة يقال لها: أصبهان، من قرية من قراها يقال لها: رستقباد.
وأما وقته: فعند فتح قسطنطينية؛ أي: بعده، وعند القحط الشديد ثلاث سنين كما مر في فتنته.
وفي بعض الروايات: أنه بعد فتح القاطع.
ووجه الجمع أن ابتداء خروجه ودعواه الخلافة والنبوة يكون عند فتح القسطنطينية وخروجه الأعظم، ودعواه الإلهية يكون عند فتح القاطع، والمقيد بالأربعين يومًا هو هذا الخروج.
وأما مدته (٢): "فأربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر
_________________
(١) وبذلك جزم الحافظ في "الفتح" (١٣/ ٧٣) (ز).
(٢) قلت: وفيها رواية ثالثة في "المشكاة" عن "شرح السنة" برواية أسماء ﵂ مرفوعًا، قال: "يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة، السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كاضطرام السعفة في النار". وجمع القاري (٥/ ١٩٥ - ٢١١) بينها بالترجيح واختلاف الأحوال والرجال. (ز).
[ ٢٤٦ ]
تنبيه: في ذكر اختلاف العلماء في تأويل حديث: "أن أيامه أربعون سنة. ." وطريق جمع الروايات الواردة في ذلك
أيامه كأيامكم" كذا في حديث النواس بن سمعان - ﵁ - عند أحمد، ومسلم، والترمذي.
وفي حديث أبي أمامة - ﵁ - عند ابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم، والضياء: "إن أيامه أربعون سنة، السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والسنة كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة؛ يُصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي".
تَنبيه
اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فمنهم من قال: هو كنايةٌ عن اشتغال الناس بأنفسهم من الفتن حتى لا يدرون كيف يمضي النهار، فيكون مضي النهار عندهم كمُضي الساعة، والشهر كاليوم، والسنة كالشهر.
وقال بعضهم: بل هو على ظاهره. فقد ورد من حديث أنس - ﵁ - عند أحمد، والترمذي في أشراط الساعة: "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار".
والجواب عن اختلاف الحديثين إما بالترجيح وإما بالجمع، فإن رجحنا فحديث النواس عند مسلم أقوى؛ لأنه أصح. وإن كان الثاني أيضًا في "الصحيح" فَيقَدَّمُ. وإن جمعنا فطريق الجمع من وجوه:
الأول: أن أيامه أربعون سنة، وسمى السنين أيامًا مجازًا، ثم إن أول أيام سنته الأولى كسنة، وثانيها كشهر، وثالثها كجمعة، وباقي أيامها كأيامنا، ثم تتناقص أيام السنة الثانية حتى تكون السنة كنصف سنة، وهكذا إلى أن تكون السنة كشهر، والشهر كجمعة، حتى يكون آخر أيامه كالشررة؛ يُصبح أحدهم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يُمسي، فتكون السنة الأولى من سنينه مشتملة على مقدار سنين من سِنينا، وَسُنُوه الأخيرة مقدار سنة من سِنينا.
ويقربه رواية نُعيم والحاكم المارة عن ابن مسعود - ﵁ - أنه يقول: أنا رب العالمين، وهذه الشمس تجري بإذني، أفتريدون أن أحبسها؟ فيحبس الشمس حتى
[ ٢٤٧ ]
فائدة: في ذكر سؤال النبي - ﷺ - عن الصلاة في اليوم الذي كالسنة
كلام المصنف ونقوله عن حقيقة عالم المثال
يجعل اليوم كالشهر، والجمعة كالسنة. ويقول: أتريدون أن أسيرها؟ فيجعل اليوم كالساعة.
فائِدَة
سُئِلَ النبي - ﷺ - عن الصلاة في اليوم الذي كالسنة: "أيكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: لا، ولكن اقدروا له"؛ أي: اقدروا مقدار كل يوم فصلوا فيه خمس صلوات، وقيس به اليومان الآخران.
وسُئِلَ عن الأيام القصار: فقالوا: كيف نُصلي يا رسول الله في تلك الأيام؟ قال: "تُقَدّرون فيها الصلاة كما تُقَدّرونها في هذه الأيام الطوال".
والظاهر أن التقدير هنا عكس الأول؛ بأن تُصلي الخمس في مقدار يوم من هذه الأيام، ولو اشتمل ذلك على أيام كثيرة من تلك الأيام، والله أعلم.
الوجه الثاني: يحتاج إلى مقدمة هي: أن عالم المثال موجود، وأنه ليس خيالًا محضًا، بل حقيقة وهو في الخارج محسوس.
قال الإمام السيوطي في: "المنجلي في تطور الولي" نقلًا عن العلاء القونوي شارح "الحاوي" ما نصه: وقد أثبت الصوفية عالمًا متوسطًا بين عالم الأجساد وعالم الأرواح سمَّوْه عالم المثال، وقالوا: هو ألطف من عالم الأجساد، وأكثف من عالم الأرواح، وبنوا على ذلك تجسد الأرواح وظهورها في صور مختلفة في عالم المثال، وقد يستأنس لذلك بقوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾. انتهى الغرض منه.
وقال في "الفتوحات المكية" في الباب الثالث والستين: أظهر الله تعالى هذه الحقيقة -يعني: حقيقة عالم المثال- لعبده؛ ليعلم أنه إذا عجز وحار في هذا فهو بخالقه أجهل؛ فإن العقول لا تلحقه بالعدم المحض، ولا بالوجود المحض، ولا بالإمكان المحض.
وإلى هذه الحقيقة يصير الإنسان في نومه وبعد موته، فيرى الأعراض صورًا قائمة مُتجسدة لا يَشُكُّ فيها، والمكاشف يرى في يقظته ما يراه النائم في حال نومه، وما يراه الميت بعد موته، كما يُرى في الآخرة صور الأعمال توزن والموت يذبح، وكلها أعراض وَنِسب.
[ ٢٤٨ ]
ذكر كيفية خروج الدجال
سياق المصنف لأحاديث خروج الدجال
قال: ومن الناس من يُدرك هذا المُتَخيّلَ بعين الحس إلى أن قال: فإن أدركت العين المتخيل، ولم تغفل عنه لم تختلف عليه التكوينات في الإرادة في مواضع مختلفات والذات واحدة لا يُشَكّ فيها، ولا انتقلت ولا تحولت في أكوان مختلفة، فيعلم أنه أدركها ببصره الحسي الذي يُدرك به المحسوسات. انتهى الغرض منه.
فعلم أنه ليس مَحْضَ خيال، بل هو مثالٌ محسوس، وقد وقع غير مرة تصديق هذا في الخارج؛ منها: أن رجلًا اغتسل بمصر فغطس في الماء وكان يوم الجمعة، فلما خرج منه رأى نفسه ببغداد، وتزوج هناك، وجاء بأولاد، وقعد سبع سنين فيها، ثم اغتسل في دجلة، فلما خرج منها رأى نفسه بمصر بمحل غسله في ذلك اليوم، وتلك الساعة، وأهله وأصحابه في انتظاره حتى يرجع ويلحق الجمعة. ثم بعد مدة قدمت امرأته وأولاده الذين ببغداد عليه ولحقوه بمصر.
إذا تمهد هذا فنقول: يحتمل أن يكون هذا من هذا القبيل، وأنه لبعض الناس أيام، ولبعضهم سُنُون، والكل موجود مُحقق. ولهذا تَرتبت عليه الأحكام، ووَجبت الصلاة فيها؛ كما في الحديث المار، وهنا وجه آخر أبعد من هذين فلا نذكره، والله أعلم.
وأما كيفية خروجه: فالروايات فيه مختلفة، وأبسط حَديثٍ فيه حديث النواس - ﵁ - عند مسلم، وغيره.
وحديث أبي أمامة - ﵁ - عند ابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم، والضياء.
وحديث ابن مسعود - ﵁ - عند نُعيم بن حماد، والحاكم.
وحديث أبي سعيد - ﵁ - عند مسلم، وعند البخاري معناه.
وحديث أبي سعيد - ﵁ - أيضًا عند الحاكم.
فلنسق هذه الأحاديث مساقًا واحدًا، ولنجمع بين اختلافها بحسب الإمكان والتيسير، ونزيد بعض الزيادات من غيرها، وبالله التوفيق وعليه التكلان:
قال: خطب النبي - ﷺ - فقال: "إنه لم يكن في الأرض منذ ذرأ الله
[ ٢٤٩ ]
ذرية آدم ﵇ أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبيًا إلَّا حذر أمته الدجال، أنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارجٌ فيكم لا محالة، فخفض فيه ورفع حتى ظَنَنَّاه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك منا، فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وأنا حجيج كل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكلٌّ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وإنه يخرج من خَلّةً -أي: من طريق- بين الشام والعراق، فيعيث -أي: يفسد- يبعث السرايا والجنود يمينًا وشمالًا، وإن على مقدمته سبعين ألفًا من يهود أصبهان، عليهم رجل أشعر من فيهم يقول: بِرَو، بِرَو؛ أي: اِسعَ اِسعَ".
قال - ﷺ -: "يا عباد الله؛ فاثبتوا، فإني سأصفه لكم صفة لم يَصِفها إياه نبيٌّ قبلي، وإنه يبدأ فيقول: أنا نبي. ولا نبي بعدي، ثم يُثَنَّي فيقول: أنا ربكم. ولا ترون ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور، وربكم ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب -أي: حروفًا مهجأة هكذا: (ك ف ر)؛ كما صرح به في بعض الروايات-، وأن من فتنته أن معه جنة ونارًا، فناره جنة وجنته نار، فمن ابتليَ بناره فليستغث بالله وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه بردًا وسلامًا؛ كما كانت النار على إبراهيم، وأن من فتنته كذا وكذا، وقد ذكرناها مُفصلًا، وأن معه اليسع ﵇ يُنذر الناس؛ يقول: هذا المسيح الكذاب فاحذروه لعنه الله، ويعطيه الله من السرعة ما لا يلحقه الدجال.
وفي رواية: "أنَّ بين يديه رجلين يُنذران أهل القرى، كلما دخلا قرية أنذرا أهلها، فإذا خرجا منها دخلها أول أصحاب الدجال، ويدخل القرى كلها غير مكة والمدينة، فيمر بمكة فإذا هو بخَلْقٍ عظيم، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا ميكائيل بعثني الله لأمنعك من حرمه. ويمر بالمدينة فإذا هو بخَلْقٍ عظيم، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا جبريل بعثني الله لأمنعك من حرم رسوله".
وفي رواية: "وإنه لا يبقى شيءٌ من الأرض إلَّا وطئه وظهر عليه، إلَّا مكة والمدينة؛ فإنه لا يأتيهما من نقب من أنقابهما إلَّا لقيه الملائكة بالسيوف صَلتةً فيمر بمكة، فإذا رأى ميكائيل ولى هاربًا، ويصيح فيخرج إليه من مكة منافقوها، ويمر
[ ٢٥٠ ]
بالمدينة كذلك حتى ينزل عند الظريب الأحمر، عند منقطع السبخة".
وفي حديث عائشة ﵂ عند ابن حبان في "صحيحه" في كتاب التوحيد: "فيسير حتى ينزل بناحية المدينة، وهي يومئذ لها سبعة أبواب، على كل باب ملكان، فيخرج الله شرار أهلها" اهـ
فيتوجه قِبَلهُ رجل من المؤمنين ويقول لأصحابه: والله لأنطلقن إلى هذا الرجل فلأنظرن: أهو الذي أنذرنا رسول الله - ﷺ - أم لا؟ فيقول له أصحابه: والله لا ندعك تأتيه، ولو أنَّا نعلمُ أنه يقتلك إذا أتيته خلينا سبيلك، ولكنا نخاف أن يفتنك. فيأبى عليهم الرجل المؤمن إلَّا أن يأتيه، فينطلق يمشي حتى يأتي مسالح الدجال -أي: خفراءه وطلائعه- فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الرجل الذي خرج. فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء. فيقولون: اقتلوه. فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحدًا دونه؟ ! فيرسلون إلى الدجال: إنَّا قد أخذنا من يقول: كذا وكذا، أفنقتله أو نرسله؟ قال: أرسلوه إليَّ. فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن عرفه بنعت رسول الله - ﷺ -. فيقول: يا أيها الناس؛ هذا الدجال الذي ذكر رسول الله - ﷺ -. فيأمر به الدجال فيشبح، ثم يقول: لتطيعني فيما أمرتك، وإلَّا شققتك شقتين. فينادي المؤمن: أيها الناس؛ هذا المسيح الكذاب، من عصاهُ فهو في الجنة، ومن أطاعه فهو في النار. فيؤمر به فيوسع ظهره وبطنه ضربًا، فيقول له الدجال: والذي أحلف به؛ لتطيعني، أو لأشقنك شقتين. فيقول: أنت المسيح الكذاب. فيؤمر به فيؤشر بالميشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه.
وفي رواية: "فمد برجله فوضع حديدته على عجب ذنبه، فشقه شقين ويبعد بينهما قدر رمية الغرض، ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ويقول لأوليائه: أرأيتم إن أحييته ألستم تعلمون أني ربكم؟ قالوا: بلى. فيضرب أحد شقيه، أو الصعيد عنده ويقول له: قم. فيستوي قائما، فلما رآه أولياؤه صدقوه، وأيقنوا أنه ربهم وأجابوه واتبعوه، وقال للمؤمن: ألا تؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلَّا بصيرة".
وفي رواية: "يقول: لأنا الآن أشد فيك بصيرة مني قبل، ثم نادى في الناس:
[ ٢٥١ ]
تنبيه: في بيان من هو الرجل المؤمن وذكر الأحاديث الدالة على أنه الخضر ﵇
ألا إنَّ هذا المسيح الكذاب، وإنه لا يفعل بعدي بأحدٍ من الناس. فيقول الدجال: والذي أحلف به؛ لتطيعني، أو لأذبحنك ولألقينك في النار. فيقول: والله لا أُطيعك أبدًا. فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسًا، فلا يستطيع إليه سبيلًا".
وفي رواية: "فيوضع على جلده صفائح من نحاس، فلا يحيك فيه سلاحهم، فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به، فيحسب الناس أنما قذفه في النار، وإنما ألقي في الجنة".
قال رسول الله - ﷺ -: "هذا أقرب امرئٍ درجة مني، وأعظم الناس شهادة عند رب العالمين".
تَنبيه
هذا الرجل المؤمن هو الخَضِرُ ﵇ على الأصح؛ كما صرح به في بعض الأحاديث الصحيحة، ودل عليه الكشف الصحيح.
أما الأحاديث فكثيرة:
منها: ما رواه ابن حبان في كتاب التوحيد من "صحيحه" في ذكر الدجال أنه - ﷺ - قال: "ولعله يدركه بعض من رآني، أو سمع كلامي".
وهذا البعض هو الخَضِرُ لأمور:
أحدها: أن من عدا الخضر وعيسى ﵉ لم يبق أحدٌ ممن رآه - ﷺ - بالإجماع، وليس هذا هو عيسى ﵇؛ لأن عيسى ﵇ يقتل الدجال، وهذا الرجل يقتله الدجال.
ثانيها: رَوى الدارقطني في "الأفراد": عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "نُسِئَ للخضر في أجله حتى يُكذّب الدجال". وله شاهدٌ صحيح.
ففي "صحيح مسلم" عقب رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة؛ أي: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال أبو إسحاق: هو إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد راوي "صحيح مسلم" عنه، يقال: إنَّ هذا الرجل هو الخَضِر ﵇.
[ ٢٥٢ ]
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" بعد نقل ذلك: وقال معمر في "جامعه" بعد ذكر الحديث -يعني: أنَّ الذي يقتله الدجال-: هو الخَضِر.
قال الحافظ: وقد يتمسك لمن قاله بما أخرجه ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي عبيدة بن الجراح - ﵁ - في ذكر الدجال رفعه: "لعله أن يدركه بعض من رآني، أو سمع كلامي. . ." الحديث. اهـ
فدل هذا الحديث الصحيح على أن بعض الصحابة يُدرك الدجال، ودلت رواية الدارقطني على أن هذا المبهم هو الخَضِر.
قال: فصح بالمجموع أن الخَضِر صحابي، وأنه مُؤخرٌ؛ لتكذيب الدجال، فيصح التمسك بما ذكر في أن الذي يقتله الدجال هو الخَضِر.
ثالثها: في بعض الروايات: أن الذي يقتله الدجال يقول: يا أيها الناس؛ هذا الذي حدثنا عنه رسول الله - ﷺ -. مكان قوله: (ذكر رسول الله)، والأصل في الكلام الحقيقة، فيكون رسول الله - ﷺ - حدثه بلا واسطة، ولا شك أن الحمل على التحديث بوسائط مجازٌ.
وأما الكشف: فقد ذكر ذلك محققو الصوفية كالشيخ علاء الدولة السمناني وغيره، وقيل: هو أحد أصحاب الكهف؛ لما مر أنهم يكونون من أصحاب المهدي، وهذا القول الثاني ضَعيفٌ؛ قاله في "الفتوحات".
"وترجف المدينة يومئذ ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنفي المدينة يومئذ خبثها؛ كما ينفي الكير خبث الحديد، ويُدعى ذلك اليوم يوم الخلاص، ويكون آخر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل ليرجع إلى أمه وبنته وأخته وعمته، فيوثقهن رباطًا مخافة أن تخرج إليه".
وفي رواية: "يوم الخلاص، وما يوم الخلاص؟ قال ثلاث مرات: يجيء الدجال فيصعد أُحُدًا فيطلع، فينظر إلى المدينة ويقول لأصحابه: ألا ترون إلى هذا القصر الأبيض؟ هذا مسجد أحمد".
[ ٢٥٣ ]
تنبيه: في بيان أن من معجزاته - ﷺ - إخباره بأن مسجده يرفع ويبيض
ذكر بقية حديث الدجال
تَنبيه
هذه إحدى معجزاته - ﷺ -، وإخبارٌ منه بأن مسجده يُرفع ويُبيض بالجص؛ لأنه في زمنه كان مبنيًا بالجريد والسعف، وقد وقع ما أخبر به، فإن مسجده الشريف يُرى أبيض من مسافة بعيدة، ومنائره تلمع بياضًا، ولعل خروجه قريب، ويرى هذا البناء. والله أعلم.
"ثم يأتي إلى المدينة، فيجد بكل نَقبٍ من أنقابها مَلكًا مصلتًا، فيأتي سبخة الجُرف".
وفي لفظ: "بهذه السبخة ينزل بمر قناة، فيضرب رواقه، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة، ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه، فتخلص المدينة وذلك يوم الخلاص" رواه أحمد، والحاكم، عن محجن بن الأدرع.
فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله؛ فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم المهدي رجلٌ صالح، فيتوجه إلى الشام، فيفر المسلمون إلى جبل الدخان بالشام، فيأتيهم فيحصرهم، ويشتد حصارهم، ويجهدهم جهدًا شديدًا".
وفي رواية: "فَيَشُك الناس فيه -أي: حين لم يقدر على قتل ذلك الرجل ثانيًا- ويبادر إلى بيت المقدس، فإذا صعد عقبة أَفِيق وقع ظله على المسلمين، فيوترون قسيهم لقتاله، فأقواهم من برك أو جلس من الجوع والضعف، وذلك لأن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شِداد، يصيب الناس فيها جُوعٌ شَديدٌ كما مر في فتنته، وإن قوت المؤمن التهليل والتسبيح والتحميد.
حتى إذا طال عليهم الحصار قال رجلٌ: إلى متى هذا الجهد والحصار؟ ! اخرجوا إلى هذا العدو حتى يحكم الله بيننا: إما الشهادة، وإما الفتح، هل أنتم إلا بين إحدى الحسنيين؟ بين أن تستشهدوا، أو يُظْهِركُم الله عليهم، فيتبايعون على القتال بيعة يعلم الله أنها الصدق من أنفسهم.
[ ٢٥٤ ]
تنبيه: معنى: (لد)
ذكر بقية حديث الدجال وما ورد في ذلك من روايات
ثم تأخذهم ظُلمةٌ لا يُبصر أحدهم كفه، فينزل ابن مريم ﵇ فيحسر عن أبصارهم وبين أظهرهم رجل عليه لأمة، فيقولون: من أنت؟ فيقول: أنا عبد الله وكلمته؛ عيسى، اختاروا إحدى ثلاث: أن يبعث الله على الدجال وجنوده عذابًا جسيمًا، أو يَخْسِفَ بهم الأرض، أو يُرسل عليهم سلاحكم ويكف سلاحهم عنكم؟ فيقولون: هذه يا رسول الله أشفى لصدورنا. فيومئذ يُرى اليهودي العظيم الطويل الأكول الشروب لا تقل يده سيفه من الرعب، فينزلون إليهم فيسلطون عليهم".
وفي رواية: "فبينما إمامهم -أي: المهدي- وقد تقدم يُصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم نبي الله عيسى ابن مريم ﵇ للصبح، فرجع المهدي قهقرى؛ ليتقدم عيسى - ﷺ - يُصلي بالناس، ويقال له: يا روح الله؛ تقدم -أي: يقول له بعض من لم يحرم بالصلاة-. فيقول: ليتقدم إمامكم فليُصلِّ بكم. ويضع عيسى ﵇ يده بين كتفيه، فيقول له: تقدم فإنها لك أُقِيمت. فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى ﵇: افتح. فيفتح، ووراء الدجال سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلىً بوساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وانطلق هاربًا، فيقول له عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها. فيدركه عند باب لُدّ الشرقي، فيقتله، ويهزم الله اليهود".
تَنبيه
لُدّ؛ بضم اللام وتشديد الدال المهملة، بوزن مُدّ: بلد بناحية بيت المقدس، بينه وبين الرملة مقدار فرسخ إلى جهة دمشق، متصلة نخيله بنخيلها.
وفي رواية لمسلم: "فبينما هو -أي: الدجال- كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهروذتين -أي: بالذال المعجمة والمهملة؛ أي: مصبوغتين بالهرذ؛ وهو شيء أصفر أو بالزعفران أو الورس- واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر -أي: الماء- من شعره، وإذا رفعه تحدر منه مثل الجُمان -أي؛ بضم الجيم وتخفيف الميم: حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار- كاللؤلؤ، فلا يَحِلُّ لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي
[ ٢٥٥ ]
تنبيه: في بيان طريق الجمع بين الروايات
حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يُدركه بباب لُدّ فيقتله".
وفي رواية: "ثم ينزل عيسى ﵇ فينادي من السَّحر فيقول: يا أيها الناس؛ ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث؟ ! ويسمعون النداء: جاءكم الغوث. فيقولون: هذا كلام رجل شبعان. وتشرق الأرض بنور ربها، وينزل عيسى ابن مريم ﵇، ويقول: يا معشر المسلمين؛ احمدوا ربكم وسبّحوه -أي: لأنه قُوتهم كما مر-. فيفعلون، ويريدون -أي: أصحاب الدجال- الفرار، فيضيق الله عليهم الأرض، فإذا أتوا باب لُدّ في نصف ساعة فيوافقون عيسى ﵇، فإذا نظر -أي: الدجال- إلى عيسى ﵇يقول -أي: لبعض أصحابه-: أقم الصلاة. خوفًا منه، فيقول الدجال: يا نبي الله؛ قد أقيمت الصلاة. فيقول: يا عدو الله؛ زعمت أنك رب العالمين، فلمن تُصلي؟ ! فيضربه بمقرعته فيقتله".
تَنبيه
طريق الجمع (١) بين هذه الروايات: أن عيسى صلوات الله عليه ينزل أولًا بدمشق على المنارة البيضاء -وهي موجودة اليوم- لست ساعات من النهار، وقد مر عن "الفتوحات" أنه يُصلي بالناس صلاة العصر، فيحتمل أنه ينزل بعد الظهر، ثم مع اشتغاله بالقرعة بين اليهود والنصارى يدخل وقت العصر، فيصلي بهم العصر؛ كما في رواية، ثم يأتي إلى بيت المقدس غوثًا للمسلمين، ويلحقهم في صلاة الصبح وقد أحرم المهدي والناس كلهم، أو بعضهم لم يحرموا، فيخرج إليه بعض من لم يُحرم بالصلاة فيأتي والمهدي في الصلاة، فيتقهقر ويقول لعيسى ﵇ بعض الناس: تقدم. لما رأى تقهقر المهدي، فيضع يده على كتف المهدي أن تقدم، ويقول
_________________
(١) وسيأتي إليه الإشارة مختصرًا (ص ٢٧١)، ومال القاري (٥/ ١٩٧) إلى أرجحية رواية بيت المقدس، وأوّل الباقي إليها. واختار مولانا رفيع الدين ابن الشاه ولي الله في "قيامة نامة" نزوله ﵇ بجامع دمشق عند صلاة العصر، ورجحه الدَّمنتي في "نور مصباح الزجاجة" (ص ٨٤)، وحكى عن ابن كثير أنه قال: هو الأشهر. (ز).
[ ٢٥٦ ]
ذكر بقية حديث الدجال
ذكر كيفية النجاة من الدجال بالعلم
للقائل: ليتقدم إمامكم. فيجيب المهدي بالفعل، والقائل بالقول؛ ليكون جواب كُلٍّ على طبق قوله، ثم إذا أصبحوا شرد أصحاب الدجال، فتضيق عليهم الأرض، فيدركهم بباب لُدّ، فيصادف ذلك صلاة الظهر، فيتحيل اللعين إلى الخلاص منه بإقامة الصلاة، فلما عرفَ أنه لا يتخلص منه بذلك ذاب خوفًا منه كما يَذُوبُ الملح، فأدركه فقتله، أو لأنه يُنشيء صلاةً في غير وقتها، وهو أدل على ضلالته وجهالته بالله.
ويقرب هذا التأويل، ما في رواية ابن المنادي عن علي - ﵁ -: "يقتله الله بالشام على عقبة أَفِيق، لثلاث ساعات يمضين من النهار على يد عيسى ابن مريم".
قال في "القاموس": أَفِيق كأمير، ومنه: عقبة أفيق. اهـ
وهنا وجه آخر أقرب إلى التحقيق، وهو أنه مَرّ أن الصلاة في الأيام القصار التي هي آخر أيام الدجال تُقدر، فيحتمل أن يُصادف التقدير ذلك الوقت، وعلى هذا فلا إشكال بين كونه ينزل بدمشق لست ساعات مضين من النهار، وبين أنه يُصلي بالناس صلاة العصر. وهذا جوابٌ مبنيٌّ على التحقيق، والله يهدي للحق وهو يهدي السبيل.
ويهزم الله اليهود وأصحاب الدجال، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا شجر ولا حجر ولا حائط ولا دابة إلا قال: يا عبد الله المسلم؛ هذا يهودي.
وفي رواية: "هذا دجال فتعال فاقتله، إلَّا الغرقد؛ فإنها من شجر اليهود لا ينطق".
قال - ﷺ -: "فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حَكَمًا عَدلًا، وإمامًا مُقْسطًا"، وسيأتي قصته مستوفاة إن شاء الله تعالى.
وأما كيفية النجاة منه: فاعلم أن النجاة منه بالعلم والعمل.
أما العلم: فبأن يُعْلَمَ أنه يأكل ويشرب، وأنَّ الله منزه عن ذلك، وأنه أعور، وأن الله ليس بأعور، وأن أحدًا لا يرى ربه حتى يموت، وهذا يراه الناس أحياء قبل موتهم، إلى غير ذلك مما مر.
[ ٢٥٧ ]
ذكر كيفية النجاة من الدجال بالعمل
فائدة: فيما روي عن المحاربي بقوله: ينبغي أن يدفع حديث الدجال المؤدب حتى يعلمه الصبيان في الكتاب
خاتمة: في ذكر الاختلاف هل ابن الصياد هو الدجال أم غيره
وأما العمل: فبأن يلتجيء إلى أحد الحرمين؛ فإنه لا يَدْخُلهما، أو إلى المسجد الأقصى، أو إلى مسجد طور سينا، ففي بعض الروايات لا يدخلهما أيضًا، وبأن يقرأ عشر آيات من أول سورة الكهف، وقد مرت أحاديث ما ذكر؛ فلا نعيدها.
وبأن يهرب منه في الجبال والبراري؛ فإنه أكثر ما يدخل القرى.
فعن عبيد بن عمر: "ليصحَبنَّ الدجال أقوام يقولون: إنا لنصحبه وإنا لنعلم أنه لكافر، ولكنا نصحبه نأكل من طعامه، ونرعى من الشجر. فإذا نزل غضب الله نزل عليهم كلهم" رواه نُعيم بن حماد.
وبأن يُتْفَلُ في وجهه.
فعن أبي أمامة - ﵁ - مرفوعًا: "فمن لقيه منكم فَليَتْفُل في وجهه" رواه الطبراني.
وبالتسبيح والتكبير والتهليل؛ فإنه قُوتُ المؤمن في ذلك القحط.
وأن من ابتلي به فليثبت وليصبر، وإن رماه في النار فَليُغْمِض عينيه، وليستعن بالله تكن عليه بردًا وسلامًا.
وأما من يقتله: فقد عُلم أنه يقتله عيسى ﵇. والحمد لله رب العالمين.
فائِدَة
قال ابن ماجه: سمعت الطنافسي يقول: سمعت المحاربي يقول: ينبغي أن يُدفع هذا الحديث -يعني: حديث الدجال- إلى المُؤدب حتى يُعلمه الصبيان في الكُتَّاب. اهـ
وقد ورد أن من علامات قُرب خروجه: نِسيان ذكره على المنابر.
خَاتِمَة
اختلفت الصحابة فمن بعدهم وهكذا: هَل هو ابن الصياد أو غيره؟ على قولين، ولِكُلٍّ أدلة، فلنشر إلى الراجح منها بعون الله تعالى وحسن توفيقه:
وأحسن ما جُمع في ذلك كلام الإمام الحافظ قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن
[ ٢٥٨ ]
ذكر الروايات التي وردت في ابن الصياد
حجر العسقلاني في شرح البخاري المسمى: "فتح الباري"، فلنذكر مقاصده؛ ففيه الكفاية إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى: مما يدل على أن ابن الصياد هو الدجال حديث جابر - ﵁ - الذي في البخاري أنه كان يحلف أنَّ ابن الصياد هو الدجال، ويقول: سمعت عمر - ﵁ - يَحْلفُ عند رسول الله - ﷺ - فلم ينكر عليه.
وحديث ابن عمر ﵄ عند مسلم، وعند عبد الرزاق بسندٍ صحيح، قال: لقيت ابن الصياد مرتين. فذكر المرة الأولى، ثم قال: ثم لقيته أخرى، فإذا عينه قد طفئت.
وفي لفظ: قد نفرت عينه، وهي خارجة مثل عين الجمل، فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري. قلت: لا تدري وهي في رأسك. قال: إن شاء الله تعالى جعلها في عصاك هذه. فمسحها، ونخر ثلاثًا كأشد نخير حمار سمعت، فزعم أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت، وأنا والله ما شعرت.
وفي لفظ: وكان معه يهودي، فزعم اليهودي أني ضربت بيدي صدره، وقلت: اخسأ، فلن تعدو قدرك. فذكرت ذلك لحفصة قالت: ما تريد إليه؟ ألم تسمع أن الدجال يخرج عند غضبة يغضبها.
وفي لفظ: إنما يبعثه على الناس غضب يغضبه.
ووقع لابن الصياد مع أبي سعيد الخدري - ﵁ - قصة تتعلق بأمر الدجال، فأخرج مسلم من طُرقٍ عنه قال: صحبني ابن الصياد فقال لي: ألا ترى ما لقيت من الناس؟
وفي لفظ: لقد هممت أن آخذ حبلًا فأعلقه بشجرة، ثم أختنق به مما يقول لي الناس، يا أبا سعيد؛ يزعمون أني الدجال، ألست سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إنه يهودي، وقد أسلمت؟ ! يقول: لا يدخل مكة ولا المدينة وقد ولدت بالمدينة وها أنا أُريد مكة؟ ! ويقول: إنه لا يُولد له وقد وُلد لي؟ !
زاد في رواية: حتى كدت أعذره.
[ ٢٥٩ ]
ذكر كلام الحافظ ابن حجر في بيان القصد من تلك الروايات
ثم قال: لكني أعرفه وأعرف مولده، وأين هو الآن.
وفي رواية: لو عرض عَليَّ أن أكون أنا هو لم أكره، قال: فقلت له: تبًا لك سائر اليوم.
قال الحافظ: وهذه الأحاديث كلها ليست نصًا، ولا صريحًا في أن ابن الصياد هو الدجال؛ لأن النبي - ﷺ - ردد فيه القول فقال: "إن يكن هو"؛ أي: وهذا كان عند أول قدومه - ﷺ - إلى المدينة، ثم لما أخبره تميم الداري جزم بأن الدجال هو ذلك المحبوس الذي رآه تميم، وسيأتي حديثه.
وأما حَلفُ عمر - ﵁ - عند رسول الله - ﷺ -: فبناءً على ظنه وسكوت النبي - ﷺ -؛ لأنه كان مُترددًا فيه إذ ذاك.
وأما حَلفُ جابر - ﵁ -: فبناء على حَلف عمر - ﵁ - عند رسول الله - ﷺ -. وأما حديث أبي سعيد - ﵁ -: فغايته أن يكون ابن صياد أحد الدجاجلة، وأحد أتباع الدجال الكبير.
قُلْتُ: أو أنه لم يكن سمع النبي - ﷺ - يُحدث عن تميم، فقال بناء على ذلك.
قال الحافظ: وأما ما أخرجه أبو داود (١) من حديث أبي بكرة؛ مرفوعًا: "يمكثُ أبوا الدجال ثلاثين عامًا لا يُولد لهما، ثم يولد لهما غلام أعور، أضر شيء، وأقله نفعًا إنه تنام عينه ولا ينام قلبه". ونعت أباه وأمه.
قال: فسمعنا بمولودٍ ولد في اليهود، فذهبت أنا والزبير بن العوام فدخلنا على أبويه فإذا النعت الذي نعته النبي - ﷺ -، فقلنا: هل لكما ولد؟ قالا: مكثنا ثلاثين عامًا لا يُولد لنا، ثم وُلد لنا غلام أعور أضر شيء وأقله نفعًا الحديث.
فقال البيهقي في الجواب عنه: تفرد به علي بن زيد بن جُدعان، وليس بالقوي.
قال الحافظ: وَيُوهي حديثه أن أبا بكرة - ﵁ - أسلم حين نزل من الطائف لما حُوصرت سنة ثمانية من الهجرة.
_________________
(١) الظاهر أنه في نسخة ابن داسة، ولم نجده في "اللؤلؤيِّ" (ز).
[ ٢٦٠ ]
ذكر حديث الجساسة
وفي حديث "الصحيحين": أنه حين اجتمع به النبي - ﷺ - في النخل كان كالمُحتلم.
وفي لفظ: وقد قارب الحُلم. فلم يُدرك أبو بكرة زمان مولده بالمدينة، وهو لم يسكن المدينة إلا قبل وفاة النبي - ﷺ - بسنتين، فكيف يتأتى أن يكون في الزمن النبوي كالمحتلم؟ فالذي في "الصحيحين" هو المعتمد.
ثم نقل عن البيهقي: أنه ليس في حديث جابر - ﵁ - أكثر من سكوت النبي - ﷺ - على حلف عمر - ﵁ -، فيحتمل أنه - ﷺ - كان متوقفًا في أمره، ثم جاء التثبيت من الله تعالى بأنه غيره على ما تقتضيه قصة تميم الداري.
قال الحافظ: وقد توهم بعضهم أن حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم فردٌ، وليس كذلك؛ فقد رواه مع فاطمة بنت قيس أبو هريرة، وعائشة، وجابر ﵃.
أما حديث أبي هريرة - ﵁ -: فأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وأبو يعلى.
وأما حديث عائشة ﵂: فهو حديث فاطمة المذكور عن الشعبي، قال: ثم لقيت القاسم بن محمد فقال: أشهد على عائشة؛ حدثتني كما حدثت فاطمة بنت قيس.
وأما حديث جابر - ﵁ -: فأخرجه أبو داود بسندٍ حسن.
وأما حديث فاطمة بنت قيس ﵂: فأخرجه مسلم وأبو داود بمعناه، والترمذي وابن ماجه، قال الترمذي: حسنٌ صحيح.
ولفظ رواية مسلم قال: سمعت مُنادي رسول الله - ﷺ - يُنادي: الصلاة جامعة. فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله - ﷺ -، فلما قضى صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: "ليلزم كل إنسان مُصلاه". ثم قال: "هل تدرون لم جمعتكم"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:
[ ٢٦١ ]
"إني والله ما جمعتكم لرغبةٍ ولا لرهبة، ولكن جمعتكم؛ لأنَّ تميمًا الداري كان رجلًا نصرانيًا، فجاء وأسلم وحدثني حديثًا وافق الذي كُنت أحدِّثكم به عن المسيح الدجال، حدثني أنه ركب سفينة بحرية مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، فأرفؤوا -أي: بالهمز: لجؤوا- إلى جزيرة حين مغرب الشمس، فجلسوا في أَقرُب السفينة -أي: بضم الراء جمع قارب، بفتح الراء وكسرها؛ وهو سفينة صغيرة تكون مع الكبيرة يكون فيها ركاب السفينة لقضاء الحوائج-، فدخلوا الجزيرة فلقيهم دابة أَهلَبُ -أي: غليظ الشعر كثيره-"، وفي رواية أبي داود: "فإذا أنا بامرأة تجر شعرها، قالوا: ويلك، ما أنت؟ قالت: أنا الجُسَّاسة". أي: بضم الجيم وتشديد السين الأولى، سميت بذلك لتجسسها الأخبار.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أن هذه هي دابة الأرض التي تخرج في آخر الزمان فتكلمهم.
"فقالت: انطلقوا إلى هذا الرجل في الدّير؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق.
قال: لما سمت لنا رجلًا فرقنا منها -أي: خفنا أن تكون شيطانة-.
قال: فانطلقنا سِراعًا حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأينا قط خَلقًا، وأشده وِثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك، من أنت؟
قال: قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم؟
قالوا: نحن أُناسٌ من العرب ركبنا في سفينة بحرية، وأخبروه الخبر فقال: أخبروني عن نَخل بَيسان -أي: بفتح الموحدة، ولا يقال بالكسر: قرية بالشام- هل تُثمر؟
قلنا: نعم.
قال: أما إنها يوشك أن لا تُثمر.
قال: أخبروني عن بُحيرة طبرية؛ هل فيها ماء؟
[ ٢٦٢ ]
قالوا: هي كثيرة الماء.
قال: أما إن ماءها يُوشك أن يذهب.
قال: أخبروني عن عين زُغَر أ-ي: بضم الزاي، وفتح الغين المعجمة على وزن صُرَد: بلدة معروفة من الجانب القبلي من الشام-؛ هل في العين ماء، وهل يزرع أهلها بماء العين؟
قلنا: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها.
قال: أخبروني عن نبيّ الأميين ما فعل؟
قلنا: قد خرج من مكة ونزل يثرب.
قال: أقاتله العرب؟
قلنا: نعم.
قال: كيف صنع بهم؟
فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه.
قال: أما إن ذلك خَيْرٌ لهم أن يطيعوه، وإني مُخبركم: أني أنا المسيح وإني أوشك أن يُؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، ولا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة هما مُحرمتان عليَّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني مَلكٌ بيده السيف صَلتًا يَصُدني عنها، وإن على كل نَقْبٍ من أنقابهما ملائكة يحرسونهما.
قال رسول الله - ﷺ - وطعن بمِخصرته -أي؛ بكسر الميم: عصا أو قضيب يكون مع الملك أو الخطيب يشير بها إذا خاطب في المنبر-: هذه طيبة (ثلاثًا) -يعني المدينة- ألا هل كنت حدثتكم؟
فقال الناس: نعم، أَلا إِنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو: وأومأ بيده إلى المشرق.
[ ٢٦٣ ]
ذكر قول البيهقي في أن ابن الصياد أحد الدجالين الكذابين
ذكر ما رواه أبو نعيم عن حسان بن عبد الرحمن في فتح أصبهان
قال القاضي عياض: لفظة "ما" زائدة صلة للكلام، ليس نافية.
والمراد إثبات أنه من قبل المشرق. وفي بعض طرقه عند البيهقي: أنه شيخ، وسنده صحيح.
قال البيهقي: فيه أن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن الصياد، وأن ابن الصياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر النبي - ﷺ - بخروجهم، وَكأنَّ هؤلاء الذين كانوا يقولون: إن ابن صياد هو الدجال. لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا فالجمع بينهما بَعيدٌ جدًا، إذ كيف يلتئم من كان في أثناء الحياة النبوية شبه المُحتلم ويجتمع به النبي - ﷺ -، ويسأله أن يكون في آخرها شيخًا مسجونًا في جزيرة من جزائر البحر موثقًا بالحديد يستفهم عن خبر النبي - ﷺ - هل خرج أو لا؟ . فالأولى أن يُحمل على عدم الاطلاع.
قال: وأما إسلام ابن صياد وحجه وجهاده: فليس فيه تصريح بأنه غير الدجال؛ لاحتمال أنه يختم له بالشر.
فقد أخرج أبو نُعيم في "تاريخ أصبهان": عن حسان بن عبد الرحمن عن أبيه قال: لما افتتحنا أصبهان كان بين عسكرنا وبين اليهودية فرسخ، فكنا نأتيها ونمتار منها، فأتيتها يومًا فإذا اليهود يزفنون ويضربون، فسألت صديقًا لي منهم، فقال: مَلِكُنَا الذي نستفتح به على العرب يدخل، فبت عنده على سطح، فصليت، فلما طلعت الشمس إذا الوهج من قبل العسكر، فنظرت فإذا رجلٌ عليه قبة من ريحان واليهود يزفنون، فنظرت فإذا هو ابن الصياد، فدخل المدينة فلم يَعُد حتى الساعة.
قال الحافظ: وحسان بن عبد الرحمن ما عرفته، والباقون ثِقات.
قال: وقد أخرج أبو داود بسندٍ صحيح عن جابر - ﵁ - قال: فقدنا ابن الصياد يوم الحرة. ورواه غيره بسندٍ حسن.
وخبر جابر - ﵁ - هذا يُضعف خبر أنه مات بالمدينة، وأنهم صلوا عليه، وكشفوا عن وجهه، ولا يلتئم أيضًا مع خبر حسان بن عبد الرحمن المار؛ لأن فتح أصبهان كان في خلافة عمر - ﵁ -؛ كما أخرج أبو نُعيم في "تاريخها"، وبين
[ ٢٦٤ ]
ترجيح المصنف أن قصة تميم الداري متأخرة عن قصة ابن الصياد
قتل عمر - ﵁ -، ووقعة الحرة نحو أربعين سنة؛ لأن وقعة الحرة كانت في زمن يزيد.
وغاية ما يُعتذر عنه أن القصة إنما شاهدها والد حسان بعد فتح أصبهان هذه المدة، ويكون جوابًا لما في قوله: (لما افتتحنا أصبهان)، محذوفًا تقديره: صرت أتعاهدها وأتردد إليها. فجرت قصة ابن صياد.
وقد أخرج الطبراني في "الأوسط" مرفوعًا من حديث فاطمة بنت قيس ﵂: أن الدجال يخرج من أصبهان، ومن حديث عمران بن حصين - ﵁ -.
وأخرج أحمد بسندٍ صحيح، عن أنس - ﵁ -: أنه يخرج من يهودية أصبهان.
قال أبو نُعيم: كانت اليهودية من جملة قرى أصبهان، وإنما سميت اليهودية؛ لأنها كانت تختص بسكنى اليهود، ولم تزل كذلك إلى أن مصرها أيوب بن زياد أمير مصر في زمن المهدي بن المنصور العباسي، فسكنها المسلمون وبقيت منها لليهود قطعة.
هذا ملخص كلام الحافظ ابن حجر.
وحاصله: أن الأصح أن الدجال غير ابن صياد وإن شاركه ابن صياد في كونه أعور ومن اليهود، وأنه ساكن في يهودية أصبهان إلى غير ذلك. وذلك لأن أحاديث ابن صياد كلها محتملة، وحديث الجُسَّاسة نَصٌّ، فيقدم.
قُلْتُ: ومما يرجح أنه غيره أن قصة تميم الداري مُتأخرةٌ عن قصة ابن صياد، فهو كالناسخ له، ولأنه حين إخباره - ﷺ - بأنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق كان ابن الصياد بالمدينة، فلو كان هو لقال: بل هو بالمدينة.
لا يقال: إنما لم يقل خوفًا عليه من أن يقتلوه، فأخبر بما يؤول إليه أمره. لأنا نقول هذا ليس بشيء، إذ كيف يقتلون شخصًا قبل أجله، والمُقَدّر أنه إنما يقتله نبي الله عيسى ﵇، ولو كان كذلك لما كان بينَ ضئضئ الخوارج بأن له أصحابًا كذا وكذا، ولما بيّنَ قاتل علي كرّم الله وجهه بأنه يُخضب لحيته من يافوخه،
[ ٢٦٥ ]
مزيد نقل المصنف لأقوال الحافظ فيما يتعلق بابن الصياد
ولما بَيّنَ الحكم بن أبي العاصي بأنه يخرج من صلبه من يُغير سُنَّته إلى غير ذلك.
ويؤيده أيضًا: ما أخرجه نُعيم بن حماد من طريق جبير بن نفير، وشريح بن عبيد، وعمر بن الأسود وكثير بن مرة؛ قالوا جميعًا: الدجال ليس هو إنسان، وإنما هو شيطانٌ موثقٌ بسبعين حلقة في بعض جزائر اليمن، لا يُعْلَم من أوثقه سليمان النبي ﵇ أو غيره، فإذا آن ظهوره فك الله عنه كل عام حلقة، فإذا برز أتاه أتانٌ عرض ما بين أذنيها أربعون ذراعًا، فيضع على ظهرها منبرًا من نحاس ويقعد عليه، وتتبعه قبائل الجن يخرجون له خزائن الأرض.
قال الحافظ: وهذا لا يمكن مع كون ابن صياد هو الدجال، ولعل هؤلاء مع كونهم ثقات تلقوا ذلك من بعض كتب أهل الكتاب. انتهى
ولا ينافي ذلك قوله: في بعض جزائر اليمن؛ لأنه يَحتَمِل أن قوله - ﷺ - في قصة تميم الداري: من قبل المشرق، باعتبار آخر وقته حين يخرج.
وذكر ابن وصيف المؤرخ: أنَّ الدجال من ولد شِق الكاهن المشهور، قال: ويقال: بل هو شِقٌّ نفسه أنظره الله تعالى، وكانت أمه جنية عشقت أباه، فأولدها شِقًا، وكان الشيطان يعمل له العجائب، فأخذه سليمان ﵇ فحبسه في جزيرة من الجزائر.
لكن قال الحافظ: هذا واهٍ جدًا ..
قال: وغاية ما يُجمع به وبين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال، وأن الذي شاهده تميم موثقًا هو الدجال بعينه، وأن ابن صياد شيطانه ظهر في صورة الدجال في تلك المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها. والله أعلم. اهـ
فإن قيل: كيف يُحكم بكفر ابن الصياد فضلًا عن كونه دجالًا بعد أن ثبت إسلامه وحجه وجهاده، والأصل بقاؤه على الإسلام إلى الموت؟
قلْتُ: قوله في حديث أبي سعيد: لا يكره أن يكون دجالًا، ولو عرض عليه ذلك لقبله. دل على عدم إسلامه في الباطن، إذ كيف يرضى المسلم أن يَدّعي الربوبية أو النبوة؟ ! ! فهذا الذي جوز الحكم بذلك، والله أعلم وبالله التوفيق.
[ ٢٦٦ ]
تذنيب: في ذكر ما اشتملت عليه قصة الدجال من أشراط الساعة
ذكر أن نزول عيسى ﵇ من الأشراط القريبة
تَذْنيبٌ
اشتملت قصة الدجال على جُملةٍ من الأشراط:
منها: القحط الشديد ثلاث سنين، وقد مر حديثه، وإليه الإشارة بقوله - ﷺ -: "تكون بين يدي الساعة سنوات خِدَاعات، يُصدق فيها الكاذب، ويُكذب الصادق" الحديث.
ومنها: تقارب الزمان، حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كالضرمة بالنار.
ومنها: إخراج الأرض كنوزها، وكان هذا يقع في زمن كل من المهدي وعيسى ﵉ والدجال، فَيُخرَجُ لكل منهم شيء منها، لكنه في زمنهما رحمة، وفي زمن الدجال بلاءٌ وامتحان.
ومنها: خروج الشياطين، وإتيانهم بالأخبار الكاذبة، وقراءتهم قرآنًا على الناس، وقد مر أحاديث جميع ذلك.
ومنها: كُفر أقوام بعد إيمانهم ورجوعهم إلى عبادة الأوثان.
أخرج الطيالسي عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "لا تقوم الساعة حتى يرجع ناسٌ من أمتي إلى عبادة الأوثان يعبدونها"، وأحاديثه كثيرة.
ومن الأشراط القريبة: نزول عيسى (١) على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾، وقُرئ في الشواذ: (لعَلَم) بفتح العين واللام، بمعنى: العلامة.
وعن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حَكمًا عَدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية. . ." الحديث. رواه الشيخان.
_________________
(١) وقد حُكِمَ على رواياته بالتواتر؛ كما حكاه مولانا أنور شاه الديوبندي في رسالته في الرد على القادياني المسماة: "عقيدة الإسلام". (ز).
[ ٢٦٧ ]
وفي رواية مسلم عنه: "والله لينزلن ابن مريم حَكمًا عدلًا فليكسرن الصليب" بنحوه.
وعن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تزال طائفة من أُمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة"، قال: "فينزل عيسى ابن مريم فيقول أميرهم: تعال صَلَّ لنا. فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة" رواه مسلم.
والكلام عليه في مقامات؛ في حليته وسيرته، ووقت نزوله ومحله وما يجري على يديه من الملاحم، ومدته وموته.
وأما اسمه ونسبه ومولده فكل ذلك معلومٌ مما مر آنفًا.
[ ٢٦٨ ]
المقام الأول: في ذكر حلية سيدنا عيسى ﵇ وسيرته
المقام الأول في حليته وسيرته
أما حليته: فعند البخاري من حديث عقيل بن خالد: أنه أحمر جَعْدٌ عريض الصدر.
وفي رواية: "آدم كأحسن ما أنت رَاءٍ من أُدُمِ الرجال، سبط الشعر ينطِفُ -أي: بكسر الطاء المهملة؛ أي: يقطر- زاد في رواية: له لِمَّة -بكسر اللام، وتشديد الميم- كأحسن ما أنت رَاءٍ من اللِّمَم، قد رجّلها". أي؛ بتشديد الجيم: سرحها.
وفي رواية: "لمتُهُ بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء".
وفي حديث ابن عباس ﵄: "ورأيت عيسى ابن مريم مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس".
زاد في حديث أبي هريرة - ﵁ - بنحوه: "كأنما خرج من دِيماس"؛ يعني: الحمام.
ولا مُنافاة بين الحمرة والأدمة؛ لجواز أن تكون أدمته صافية؛ كما مر في الدجال: "لا يجد ريح نَفَسِه -بفتح الفاء- كَافرٌ إلَّا مات، عليه مهروذتان" إلى غير ذلك؛ كما مر أكثرها.
وأما سيرته: فإنه يَدُقُّ الصليب ويقتل الخنزير والقردة، ويضع الجزية، فلا يَقبل إلَّا الإسلام، ويتحد الدين فلا يُعبد إلا الله، ويَترك الصدقة -أي: الزكاة- لعدم من يقبلها، وتَظهر الكنوز في زمنه، ولا يُرغَبُ في اقتناء المال -أي: للعلم بقرب الساعة- ويرفع الشحناء والتباغض -أي: لفقد أسبابهما غالبًا-، وينزع سُمُّ كل ذي سُمٍّ حتى تلعب الأولاد بالحيات والعقارب فلا تضرهم، ويرعى الذئب مع الشاة فلا يضرها، ويملأ الأرض سِلمًا وينعدم القتال، وَتُنبِتُ الأرض نبتها كعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، وكذا الرمانة، وترخص الخيل؛ لعدم القتال، ويغلو الثور؛ لأن الأرض تُحْرث كلها، ويكون مقررًا للشريعة النبوية لا رسولًا إلى هذه الأمة، ويكون قد علم بأمر الله في السماء قبل أن ينزل، وهو نبي، ومع ذلك
[ ٢٦٩ ]
ذكر سلب قريش ملكها
فهو من أمة محمد - ﷺ - وصحابي؛ لأنه اجتمع به - ﷺ - ليلة الإسراء، وحينئذ فهو أفضل الصحابة.
وقد أَلغَزَ التاج السبكي في ذلك حيث يقول:
مَنْ بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْخَلْقِ أَفْضَلُ مِنْ خَيْرِ الصَّحَابِ أَبِي بَكْرٍ وَمِنْ عُمَرِ
وَمِنْ عَلِيٍّ وَمِنْ عُثْمَانَ وَهْوَ فَتىً مِنْ أُمَّةِ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ مِنْ مُضَرِ
وتُسلب قريش مُلكها؛ قال ابن حجر الفقيه في "القول المختصر"، وسبقه إليه السخاوي في "القناعة": معناه: لا يبقى لقريش اختصاص بشيء دون مراجعته، فلا يُعارض ذلك خبر: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان". انتهى
قُلْتُ: ويدل لما قاله حديث جابر - ﵁ - عند مسلم: "فيقول أميرهم -أي: لعيسى: تعال صَلَّ لنا. فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة".
وعلى هذا؛ فلا مُنافاة أن يكون المهدي هو الأمير حتى في زمن عيسى ﵇، ويكون مُراجعته في الأمور لعيسى ﵉، وهذا وجه آخر في الجمع بين اختلاف الروايات في مدة ملك المهدي؛ بأن التسع ونحوه مَحمولٌ على ما بعد نزول عيسى ﵇، والأربعين ونحوه باعتبار جميع المدة حتى في زمن عيسى ﵇، وقد مرت الإشارة إلى ذلك، والله أعلم.
فإن قيل: كيف يصح معنى حديث: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان"، مع أنا نُشاهد أن قريشًا لم تملك منذ قرون؟
قُلنا: معنى هذا الحديث استحقاق الخلافة لقريش وإن ظَلمها ظَالم، ولا شك أن عيسى ﵇ يُظهر كمال العدل، فلا يجوز أن يأخذ حقهم، وبالله التوفيق.
[ ٢٧٠ ]
المقام الثاني: في ذكر وقت نزوله ﵇ ومحله وما يجري على يديه الملاحم
المقام الثاني في وقت نزوله، ومحله، وما يجري على يديه من الملاحم
وقد سبق اختلاف الروايات في محل نزوله والجمع بين الروايات، وفي وقته، ونُشير إلى حاصل الجمع ههنا إجمالًا.
وهو أنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، أي: وهي موجودة اليوم، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين لست ساعات مضين من النهار حتى يأتي مسجد دمشق، يقعد على المنبر، فيدخل المسلمون المسجد وكذا النصارى واليهود، وكلهم يرجونه، حتى لو ألقيت شيئًا لم يُصب إلا رأس إنسان من كثرتهم، ويأتي مُؤذن المسلمين، وصاحب بوق اليهود وناقوس النصارى، فيقترعون فلا يخرج إلا سهم المسلمين، وحينئذ يُؤذن مُؤذنهم، وتخرج اليهود والنصارى من المسجد، ويُصلي بالمسلمين صلاة العصر.
ومر الجمع (١) بين نزوله لست ساعات، وكونه يُصلي العصر. فراجعه.
ثم يخرج عيسى ﵇ بمن معه من أهل دمشق في طلب الدجال، ويمشي وعليه السكينة والأرض تقبض له، وما أدرك نَفَسُهُ من كافرٍ قتله، ويدرك نَفَسُهُ حيث ما أدرك بصره، حتى يُدركهم بصره في حصونهم وَقُرَيّاتِهم، إلى أن يأتي بيت المقدس فيجده مُغلقًا قد حصره الدجال، فيصادف ذلك صلاة الصبح؛ كما مر، ومر قتله للدجال اللعين، وسيأتي هلاك يأجوج ومأجوج بدعائه، فهذا المقام الثاني لا نحتاج إلى ذكره.
_________________
(١) (ص ٢٥٦).
[ ٢٧١ ]
المقام الثالث: في ذكر مدته ﵇ ووفاته
المقام الثالث في مدته، ووفاته
أما مدته: فقد ورد في حديث عند الطبراني، وابن عساكر، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "ينزل عيسى ابن مريم فيمكث في الناس أربعين سنة".
وفي لفظ للطبراني: "يخرج الدجال فينزل عيسى ابن مريم ﵇ فيقتله، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة إمامًا عادلًا وحكمًا مُقسطًا".
وعند ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبي داود، وابن جرير، وابن حبان؛ عنه: "أنه يمكث أربعين سنة ثم يُتَوفّى، ويُصلي عليه المسلمون، ويدفنونه عند نبينا - ﷺ -".
وأخرج ابن أبي شيبة، والحاكم في "المستدرك": عن ابن مسعود - ﵁ -: "وينزل عيسى فيقتله -أي: الدجال لعنه الله-، فيتمتعون أربعين سنة لا يموت أحد، ويقول الرجل لغنمه ولدوابه: اذهبوا فارعوا، وتمر الماشية بين الزرع لا تأكل منه سنبلة، والحيات والعقارب لا تؤذي أحدًا، والسبع على أبواب الدور لا يؤذي أحدًا، ويأخذ الرجل المُدّ من القمح فيبذره بلا حرث، فيجيءُ منه سبع مئة مُدّ، فيمكثون في ذلك حتى يُكسر سد يأجوج ومأجوج. . . ." الحديث.
وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وابن عساكر: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة إماما عادلًا وحَكمًا مُقسطًا".
وأخرج أحمد في "الزهد": عن أبي هريرة - ﵁ - قال: يلبث عيسى ابن مريم في الأرض أربعين سنة، لو يقول للبطحاء: سيلي عسلًا لسالت.
وفي رواية: (خمسة وأربعين سنة)، والقليل لا ينافي الكثير، ولعل روايات الأربعين وردت بإلغاء الكسر، وفي رواية: (سبع سنين)، وجمع بعضهم بأنه كان
[ ٢٧٢ ]
حين رفع ابن ثلاث وثلاثين وينزل سبعًا؛ فهذه أربعون، وقد علمت أنَّ القليل لا ينافي الكثير فلا حاجة إلى هذا الجمع.
وعند أحمد، وابن جرير، وابن عساكر: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير، ويمحي الصليب، وتجمع له الصلاة، ويُعطي المال حتى لا يُقبل، ويضع الخراج، وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر، أو يجمعهما".
وفي رواية مسلم، وابن أبي شيبة عنه: "لَيُهِلَّنَّ عيسى ابن مريم بفج الروحاء بالحج أو العمرة، أو لينشئنهما جميعًا".
(الفج): الطريق. و(الروحاء): مكان بين المدينة ووادي الصفراء في طريق مكة.
وأخرج الحاكم وصححه، وابن عساكر عنه: "ليهبطن ابن مريم حَكَمًا عَدلًا وإمامًا مُقسطًا، وليسلكن فجًا حاجًا أو معتمرًا، وليأتين قبري حتى يُسلم عليَّ، ولأردن عليه".
قال أبو هريرة - ﵁ -: أي بني أخي؛ إن رأيتموه فقولوا: أبو هريرة يُقرئك السلام.
وأخرج الحاكم عن أنس - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: "من أدرك منكم عيسى ابن مريم فليقرئه مني السلام".
وورد أنه يتزوج بعد ما ينزل ويولد له، ثم يموت بالمدينة، ولعل موته عند حجه وزيارته النبي - ﷺ -، وإلَّا فهو إنما يكون ببيت المقدس.
وأخرج الترمذي وحسنه، وابن عساكر: عن عبد الله بن سلام [عن أبيه، عن جده] قال: مكتوب في التوارة صفة محمد - ﷺ - وعيسى ابن مريم، يُدفن معه.
وأخرج البخاري في "تاريخه"، والطبراني، وابن عساكر: قال: "يُدفن عيسى ابن مريم مع رسول الله - ﷺ - وصاحبيه، فيكون قبره رابعًا".
[ ٢٧٣ ]
تذنيب: في رد زعم بعض جهلة عوام الحنفية أن سيدنا عيسى ﵇ والمهدي يقلدان مذهب الإمام أبي حنيفة ونقل كلام ملا علي قاري في ذلك
وذكر البقاعي في "سر الروح" أنَّ ابن المراغي قال في "تاريخ المدينة"، وفي "المنتظم" لابن الجوزي: عن عبد الله بن عمر ﵄؛ مرفوعًا: "ينزل عيسى ابن مريم إلى الأرض فيتزوج ويولد له، فيمكث خمسًا وأربعين سنة، ثم يموت فيه، فيدفن معي في قبري، فأقوم أنا وعيسى ابن مريم من قبر واحد بين أبي بكر وعمر".
وعزاه القرطبي في آخر "تذكرته" إلى أبي حفص المَيّانشي. اهـ
تَذنيبٌ
وقع لبعض جهلة عوام الحنفية أنه ادعى أن كُلا من عيسى ﵇ والمهدي يقلدان مذهب الإمام أبي حنيفة - ﵁ -، وذكره بعض مشايخ الطريقة ببلاد الهند في تصنيفٍ له بالفارسية شاع في تلك الديار، وكان بعض من يَتوسم بالعلم من الحنفية ويتصدر للتدريس يُشْهِرُ هذا القول ويفتخر به، ويقرره في مجلس درسه بالروضة النبوية.
فَذُكِرَ لي ذلك، فأنكرته وجهلتُ قائله وناقله ومقرره، فلما بلغه إنكاري نسبني إلى التنقيص في حق الإمام أبي حنيفة - ﵁ -، وحاشاه من ذلك، ولو سمعه الإمام أبو حنيفة - ﵁ - لأفتى بتعزير، أو تكفير قائله.
ثم بعد مدة وقفت للشيخ علي القاري الهروي نزيل مكة المشرفة ﵀ على تأليف سماه: "المشرب الوردي في مذهب المهدي"، نقل فيه هذا القول، ورد عليه ردًا شنيعًا وجهله، فأرسلت بالكتاب لمجلس درسه، فقرئ عليه وافتضح بين تلامذته.
فلننقل كلام الشيخ عليٍّ هنا مختصرًا؛ فإنه أعون على قبول عوام الحنفية؛ فإنهم جامدون على نُقُول أهل مذهبهم وإن لم يتعلق بالفقه.
قال ﵀: ولقد عارضني في هذه القضية -يعني: مسألة التقليد المذكورة- من هو عارٍ من الفضيلة بالكلية، وأبرز نقلًا مما كتب في قفا الدفاتر يقطع ببطلانه حتى ذو العقل القاصر، ومع هذا فهو منقولٌ من كتاب مجهول، وقد صرح الإمام ابن الهمام بعدم جواز النقل من غير الكتب المتداولة، سواء العلوم الأصلية والفرعية، ثم
[ ٢٧٤ ]
إن ركاكة ألفاظه ومبانيه تدل على بطلان معانيه، وها أنا أذكره بلفظه لتحيط به علمًا حيث قال، ولم يخش ما عليه من الوبال وغضب الملك المتعال:
اعلم أن الله قد خص أبا حنيفة بالشريعة والكرامة، ومن كراماته أن الخَضِر ﵇ كان يجيء إليه كل يوم وقت الصبح، ويتعلم منه أحكام الشريعة إلى خمس سنين، فلما توفي أبو حنيفة ناجى الخَضِر ربه قال: إلهي؛ إن كان لي عندك مَنزلةٌ فأذن لأبي حنيفة حتى يعلمني من القبر على حسب عادته حتى أعلم شرع محمد - ﷺ - على الكمال؛ لتحصل لي الطريقة والحقيقة. فنودي: أن اذهب إلى قبره، وتعلم منه ما شئت. فجاء الخَضرُ، وتعلم منه ما شاء كذلك إلى خمس وعشرين سنة أخرى، حتى أتم الدلائل والأقاويل، ثم ناجى الخَضِرُ ربه، وقال: إلهي ماذا أصنع؟ فنودي أن اذهب إلى صفائك، واشتغل بالعبادة إلى أن يأتيك أمري إلى أن قال له: اذهب إلى البقعة الفلانية وعلم فُلانًا علم الشريعة. ففعل الخَضِرُ ﵇ ما أُمر، ثم بعد مدة ظهر في مدينة ما وراء النهر شاب وكان اسمه أبا القاسم القشيري، وكان يخدم أمه ويحترمها، ثم إنه قال وقتًا من الأوقات لأمه: يا أماه قد حصل لي الحرص على طلب العلم وقد قال علي كرم الله وجهه: من كان في طلب العلم كانت الجنة في طلبه فأذني لي حتى أذهب إلى بخارى وأتعلم العلم، فتفكرت والدته، وقالت: إن لم أعطه الإذن أكون مانعة للخير، وإن أذِنتُ له لم أصبر على فِراقه. فلم يكن لها بُدٌّ حتى أذنت له، فودع القشيري أمه وعزم على السفر مع شاب صاحب له يطلبان العلم، فقعدت أمه على الباب باكية حزينة، وقالت: إلهي؛ اشهد أني حَرَّمتُ على نفسي الطعام والمنزل، ولا أقوم من مقامي حتى أرى ولدي. فمضى القشيري وصاحبه حتى نزلا في منزل ليأكلا فيه طعامًا، فقام القشيري ليقضي حاجته، فتلوثت ثيابه ببوله، وقال لصاحبه: اذهب أنت، فإني أريد أن أرجع إلى المنزل، وأخاف أن تُصيب النجاسة جسمي في المنزل الثاني، ويصيب روحي في الثالث، فقعودي عند والدتي أولى. ورجع إلى أمه وكانت قاعدة على مكانها الذي ودعت ابنها فيه، فقامت وتصافحت مع ولدها وقالت: الحمد لله. فأمر الله تعالى الخَضِر: أن اذهب إلى القشيري وعلمه ما تعلمت من أبي حنيفة - ﵁ -؛ لأنه
[ ٢٧٥ ]
أرضى أمه. فجاء الخَضِرُ إلى أبي القاسم وقال: أنت أردت السفر لأجل طلب العلم وقد تركته لرضا أمك، وقد أمرني الله تعالى أن أجيء إليك كل يوم على الدوام وأعلمك. فكل يوم يجيء إليه الخَضِر حتى ثلاث سنين، وعلمه العلم الذي تعلم من أبي حنيفة في ثلاثين سنة، حتى علمه علم الحقائق والدقائق ودلائل العلم، وصار مشهور دهره، وفريد عصره، حتى صنف ألف كتاب، وصار صاحب كرامات، وكثر مريدوه وتلاميذه، فكان له مُريدٌ كبيرٌ متدين لا يفارق الشيخ، فعد له الشيخ ألف كتاب من مصنفاته، ووضعهم في الصندوق وأعطى لذلك المريد وقال: قد بدا لي أمر، فاذهب وارم هذا الصندوق في جيحون. فحمل المريد الصندوق، وخرج من عند الشيخ، وقال في نفسه: كيف أرمي مصنفات الشيخ في الماء؟ ! لكن أذهب، وأحفظ الكتب، وأقول للشيخ: رميتها. وحفظ الكتب، وجاء وقال للشيخ: رميت الصندوق في الماء. قال الشيخ: وما رأيت في تلك الساعة من العلامات؟ قال: ما رأيت شيئًا. قال الشيخ: اذهب وارم الصندوق. فذهب المريد إلى الصندوق وأراد أن يرميه، فلم يَهُن عليه، ورجع إلى الشيخ مثل الأول، وقال: رميته؟ قال: نعم. قال وما رأيت؟ قال: لم أر شيئًا. قال الشيخ: ما رميته، فاذهب وارمه فإن لي فيها سرًا مع الله، ولا ترد أمري. فذهب المريد، ورمى الصندوق. فخرج من الماء يَدٌ وأخذ الصندوق، قال المريد له: من أنت؟ فنادى في الماء: إني وُكلت أن أحفظ أمانة الشيخ. فرجع المريد وجاء إلى الشيخ، فقال: رميت؟ قال: نعم. قال: وما رأيت؟ قال: رأيت الماء قد انشق وخرج منه يَدٌ وأخذ الصندوق، وقد صرتُ مُتحيرًا، وما السر في ذلك؟
قال الشيخ: السر في ذلك أنه إذا قربت القيامة، وخرج الدجال، ونزل عيسى ﵇ ببيت المقدس فيضع الإنجيل بجنبه ويقول: أين الكتاب المحمدي؟ وقد أمرني الله أن أحكم بينكم بكتابه، ولا أحكم بالإنجيل.
فيطلبون الدنيا، ويطوفون بالبلاد، فلم يوجد كتابٌ من كتب الشرع المحمدي، فيتحير عيسى ﵇ ويقول: إلهي؛ بماذا أحكم بين عبادك ولم يوجد غير الإنجيل؟، فينزل جبريل ويقول: قد أمر الله تعالى أن تذهب إلى نهر جيحون،
[ ٢٧٦ ]
وتُصلّي ركعتين بجنبه، وتنادي: يا أمير صندوق أبي القاسم القشيري؛ سلم إليَّ الصندوق وأنا عيسى ابن مريم وقد قتلت الدجال.
فيذهب عيسى ﵇ إلى جيحون، ويُصلّي ركعتين، ويقول مثل ما أمره جبريل، فينشق الماء ويخرج الصندوق، ويأخذه ويفتح ويجد فيه ختمة وألف كتاب، فيحيي الشرع بذلك الكتاب.
ثم سأل عيسى ﵇ جبريل: بم نال أبو القاسم هذه المرتبة؟ فقال: برضاء والدته.
نُقل من كتاب "أَنيس الجلساء" اهـ
قال الشيخ علي: "ولا يخفى أن هذا -مع ركاكته ولحنه- كلام بعض الملحدين الساعين في إفساد الدين إذ حاصله أن الخَضر الذي قال تعالى في حقه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾، وقد تعلم منه موسى ﵇ فيكون من جملة تلاميذ أبي حنيفة، ثم عيسى ﵇ وهو من أُولي العزم يأخذ أحكام الإسلام من تلميذ تلميذ أبي حنيفة، وما أسرع فهم هذا التلميذ حيث أخذ عن الخَضِر في ثلاث سنين ما تعلمه الخضر من أبي حنيفة حيًا وميتًا في ثلاثين سنة! ! وأعجب منه أن أبا القاسم القشيري ليس معدودًا في طبقات الحنفية! ! ثم العجب من الخَضِر أنه أدرك النبي - ﷺ - ولم يتعلم منه شرائع الإسلام، ولا من علماء الصحابة الكرام؛ كعلي - ﵁ - باب مدينة العلم وأقضى الصحابة، وزيد أفرضهم، وأُبَيّ أقرئهم، ومعاذ بن جبل أعلمهم بالحلال والحرام. ولا من عظماء التابعين؛ كالفقهاء السبعة، وسعيد بن المسيب بالمدينة، وعطاء بمكة، والحسن بالبصرة، ومكحول بالشام، وقد رضي بجهله بالشريعة حتى تعلم مسائلها في أواخر عُمر أبي حنيفة! !
قال: فهذا مما لا يخفى بُطلانه حتى على ذوي العقول السخيفة، حتى أن علماء المذاهب أخذوا هذه المقالة على وجه السخرية، وجعلوها دليلًا على قلة عقل الطائفة الحنفية، حيث لم يعلموا أن أحدًا منهم لم يرض بهذه القضية بالكلية.
ثم لو تعرضت لما في نقوله من الخطأ في مبانيه ومعانيه الدالة على نقصان معقوله
[ ٢٧٧ ]
لصار كتابًا مُستقلًا، إلا أني أعرضت عنه صفحًا؛ لقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
فبطل قول القائل، بل وكفر فيما ظهر، لاسيما فيما أبرز بالنسبة إلى نبي الله عيسى ﵇ المُجمع على نبوته سابقًا ولاحقًا، فمن قال بسلب نبوته كفر حقًا؛ كما صرح به الإمام السيوطي؛ فإن النبي لا يَذْهَبُ عنه وصف النبوة ولا بعد موته.
وأما حديث: "لا وحي بعدي" فباطلٌ لا أصل له.
نعم؛ ورد: "لا نبي بعدي"، ومعناه عند العلماء: أنه لا يحدث بعده نبي بشرع يَنْسَخُ شرعه.
وقد صرح الإمام السبكي في تصنيفٍ له: أن عيسى ﵇ يحكم بشريعة نبينا - ﷺ - بالقرآن والسُّنَّة (١)، وحينئذ يترجح أن أخذه للسُّنَّة من النبي - ﷺ - بطريق المشافهة من غير واسطة، أو بطريق الوحي والإلهام.
وقد رُوي عن أبي هريرة - ﵁ - أنه لما أكثر الحديث، وأنكر عليه الناس قال: لئن نزل عيسى ابن مريم قبل أن أموت لأحدثنه عن رسول الله - ﷺ - فيصدقني.
فقوله: (فيصدقني) دليلٌ على أن عيسى ﵇ عَالِمٌ بجميع سُنَة النبي - ﷺ -، من غير احتياج إلى أن يأخذها عن أحدٍ من الأمة، حتى إن أبا هريرة - ﵁ - الذي سمع من النبي - ﷺ - احتاج إلى أن يلجأ إليه؛ ليُصدقه فيما رواه ويزكيه.
فإن قلت: هل ثبت أن عيسى ﵇ بعد نزوله يأتيه الوحي؟
فالجواب: نعم؛ ثبت في حديث النواس بن سمعان - ﵁ - عند مسلم وغيره، فإن فيه: "فيقتل عيسى الدجال عند باب لُدّ الشرقي، فبينما هم كذلك إذ أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم: أني قد أخرجت عِبادًا من عبادي لا يَدَانِ لك بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور. . ." الحديث.
_________________
(١) وقريبًا منه ما في "الفتاوى الحديثية" لابن حجر (ص/ ١٣١ ص ١٣٢). (ز).
[ ٢٧٨ ]
الكلام حول المهدي هل هو مجتهد أم متبع؟
ثم الظاهر أن الجائي إليه بالوحي هو جبريل ﵇، بل هو الذي نقطع به ولا نتردد فيه؛ لأن ذلك وظيفته، وهو السفير بين الله وبين أنبيائه، لا يُعْرَفُ ذلك لغيره من الملائكة، وقد أخرج أبو حاتم في "تفسيره": أنه وُكّلَ جبريل ﵇ بالكتب والوحي إلى الأنبياء.
وأما ما اشتهر على ألسنة العامة أن جبريل ﵇ لا ينزل إلى الأرض بعد موت النبي - ﷺ - فلا أصل له، وقد ورد في غير ما حديث نزوله إلى الأرض؛ كحضور موت من يموت على طهارة، ونزوله ليلة القدر، ومنعه الدجال من دخول مكة والمدينة إلى غير ذلك.
ثم وقفت على سؤالٍ رفع إلى شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: هل ينزل عيسى ﵇ في آخر الزمان حافظًا للقرآن العظيم، ولسنّة نبينا الكريم - ﷺ -، أو يتلقى الكتاب والسُّنّة عن علماء ذلك الزمان؟
فأجاب: لم يُنقل في ذلك شيءٌ صريح، والذي يليق بمقام عيسى ﵇ أنه يتلقى ذلك عن رسول الله - ﷺ -، فيحكم في أمته كما تلقاه عنه؛ لأنه في الحقيقة خليفة عنه".
انتهى ما أردنا نقله من كلام العلامة الشيخ علي القاري الحنفي عامله الله باللطف الخفي، وهو في غاية النفاسة.
ثم رد أيضًا قول القائل: إن المهدي يقلد الإمام أبا حنيفة ﵀، بالأدلة الشافية، لكنه قرر أنه مجتهدٌ مطلق، وهو يُخالف ما مر عن الشيخ محيي الدين في "الفتوحات" أن المهدي لا يعلم القياس ليحكم به، وإنما يعلمه ليجتنبه، فلا يحكم المهدي إلا بما يُلْقِي إليه المَلَكُ من عند الله الذي بعثه الله إليه يُسدده، وذلك هو الشرع الحنيفي المحمدي الذي لو كان نبينا محمد - ﷺ - حيًا، ورُفعت إليه تلك النازلة لم يحكم فيها إلا بحكم المهدي، فيعلم أن ذلك هو الشرع المحمدي، فيحرم عليه القياس مع وجود النصوص التي منحه الله إياها، ولذا قال - ﷺ - في صفته: "يقفو أثري لا يخطئ"، فعرفنا أنه مُتبع لا مُشرع. انتهى كلام "الفتوحات".
فعلى هذا: المهدي ليس بمجتهد؛ لأن المجتهد يحكم بالقياس، وهو يحرم
[ ٢٧٩ ]
ذكر المصنف بطلان كلام من قال بأن المهدي متبع لمذهب الإمام أبي حنيفة
عليه القياس، ولأن المجتهد قد يخطئ، وهو لايخطئ قط، فإنه مَعصومٌ في أحكامه لشهادة النبي - ﷺ - له، وهذا مبنيٌّ على عدم جواز الاجتهاد في حق الأنبياء، وهو التحقيق وبالله التوفيق.
ثم نقول: إن كلام القائل المذكور بَاطلٌ وزورٌ وافتراءٌ من وجوه كثيرة:
منها: ما أشار إليه الشيخ علي القاري.
ومنها: أن أبا القاسم القشيري من الفقهاء الشافعية ومشايخه في الفقه والكلام والتصوف معلومةٌ؛ كما تنطق به رسالته المتداولة في أيدي المسلمين شرقًا وغربًا.
ومنها: أنه لا يُعْرَفُ له من التآليف غير كتاب "الرسالة"، و"التفسير"، وكتب أخر معدومة لا تبلغ ألف ورقة، فضلًا عن ألف كتاب.
ومنها: أن في زمن المهدي النازل عيسى ابن مريم ﵇ في زمانه الفقهاء في سائر المذاهب باقية، وأنهم أكبر أعداء المهدي؛ لذهاب جاههم وعلمهم، والقرآن باقٍ إذ ذاك لم يُرفع بعد.
ومنها: أنه كيف يجوز أن يتحير عيسى ﵇ ويُعطل أحكام المسلمين إلى أن يذهب إلى نهر جيحون وَيُخْرِجَ الكتب، وكم من حدود وخصومات ووقائع تقع في تلك المدة.
ومنها: أن جبريل ﵇ إذا نزل عليه، وأمره بأن يذهب إلى جيحون، فنزوله عليه بالوحي. ما المانع منه أن يعلمه شرع النبي - ﷺ - ولا يحوجه إلى كتب أبي القاسم؟ !
ومنها: أن الخَضِر المعلم لأبي القاسم حيٌّ عند نزول عيسى ﵇، فإنه الذي يقتله الدجال ثم يحييه، فلم لا يُعْلِمُ عيسى ﵇ كما علم أبا القاسم حتى يكون بين عيسى ﵇ وبين الإمام أبي حنيفة واسطة واحدة؟ ! .
ومنها: أن المسلمين في الصلاة حين نزول عيسى ﵇، وأن المؤذن يُؤذن، وأنه يقول للمهدي: تقدم فإنها لك أقيمت. فإن لم يكن القرآن باقيًا والمذاهب باقية، كيف يصلون وكيف تصح صلاتهم، وقد قال - ﷺ -
[ ٢٨٠ ]
في حقهم إنهم ملحقون بالقرون الثلاثة التي هي خير القرون؟ !
ومنها: أن الخَضِر الذي يُخاطب ربه ويُناجيه، ويُجيبه ربه ويناديه؛ لم لا يسأل ربه أن يعلمه شرائع الإسلام من غير واسطة أحد حتى يتعلم من قبر أبي حنيفة - ﵁ -؟ !
ومنها: أن الخَضِر إما أن يكون مأمورًا بتعلم شرع النبي - ﷺ - أو لا، فإن كان مأمورًا به فتركه التعلم إلى زمن أبي حنيفة - ﵁ -، بل إلى بعد موته، وهو إنما مات في سنة مئة وخمسين تَركٌ للواجب.
وكيف يجوز للمعصوم أن يترك الواجب مئة وخمسين سنة؟ ! إذ الأصح أنه نبي وإن لم يكن مأمورًا بذلك، وإنما هو زيادة تحصيل للكمال، فلم لم يأخذه من النبي - ﷺ - غضًا طريًا؟ ! وإن لم يعلم أنه كمال إلا بعد موت أبي حنيفة - ﵁ - فقد جوز الجهل بالكمال على الأنبياء.
ومنها: أن عيسى ﵇ معصومٌ مُطلقًا، والمهدي معصومٌ في الأحكام، والإمام أبو حنيفة - ﵁ - مُجتهدٌ، والمجتهد قد يُصيب وقد يُخطئ، ولذا خالفه صاحباه في أكثر من ثلث قوله، فكيف يُقلد من لا يُخْطِئُ قط من يُخْطِئُ ويصيب؟ !
ومنها: أن جميع فقه أبي حنيفة - ﵁ - يمكن أن تُجمع أصوله وفروعه في كتاب واحد، أو في كتابين، فما الذي في ألف كتاب؟ ! إن كان معرفة الله أو الحقائق أو السلوك أو غير ذلك يلزم أن يكون عيسى ﵇ ما كان عرف الله قبل ذلك واعتقاد ذلك كُفرٌ، وإن كان غير ذلك فليبين ما فيها.
ومنها: أن من مذهب الإمام أبي حنيفة - ﵁ - أن يقبل الجزية من الكفار ويخرج الزكاة، ويبقي الصليب والخنزير في يدهم، وأن لا يجمع بين الصلاتين، وعيسى ﵇ لا يقبل الجزية، ولا يُخْرِجُ الزكاة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وتُجمع له الصلاة إلى غير ذلك.
فإن كانت هذه الأحكام في كتب أبي القاسم القشيري فقد خالف أبا حنيفة - ﵁ -، فيلزم أن يكون مُجتهدًا مطلقًا، وحينئذ فيكون الفضل له لا لأبي حنيفة.
[ ٢٨١ ]
وإن لم يكن في كتبه يلزم أن يكون عيسى ﵇ لم يعمل بما في مذهب أبي حنيفة.
ومنها: مَفاسِدُ كثيرة لا تنحصر، ولا تسعها هذه الأوراق، تظهر لمن تتبع الأحاديث المارة في هذا الكتاب.
ثم إن مثل هؤلاء الجهلة لفرط تعصبهم وعنادهم ليس مطمح نظرهم إلا تفضيل أبي حنيفة - ﵁ -، ولو بما لا أصل له، ولو بما يؤدي إلى الكفر، وليس عندهم عِلْمٌ بفضائله الجمة التي أُلفت فيها الكتب، فيرضون بالأكاذيب والافتراءات التي لا يرضاها الله ورسوله ولا أبو حنيفة - ﵁ - نفسه، ولو سمعها أبو حنيفة - ﵁ - لأفتى بكفر قائلها.
وفي فضائل أبي حنيفة - ﵁ - المقررة المحررة كفايةٌ لمحبيه، ولا يحتاج في إثبات فضله إلى الأقوال الكاذبة المُفتراة المُؤدية إلى تنقيص الأنبياء.
ومن العجائب أنه وقع للقهستاني مع فضله وجلالته شيءٌ من ذلك، فقال في شرح خطبة "النقاية" أن عيسى ﵇ إذا نزل عمل بمذهب أبي حنيفة، كما ذكره في "الفصول الستة"، وليت شعري ما "الفصول الستة"، وما الدليل على هذا القول، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فعليك باتباع السُّنَّة الغراء؛ فإنها حِرزٌ وحِصنٌ من الأهواء والآراء، وَجُنّة من سهام الشيطان المريد لعنه الله. وإياك والاغترار بأمثال هذه الترهات الباطلة، ودع التعصب؛ فإنه بابٌ عظيمٌ من أبواب الشيطان الرجيم.
اللَّهم؛ إنا نعوذ بك من شر الشيطان ونفثه ونفخه، ونسألك التوفيق لما تحب وترضى، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد الأمين وعلى آله الطيبين وأصحابه أجمعين آمين.
[ ٢٨٢ ]
ومن الأشراط العظيمة القريبة
خروج يأجوج ومأجوج (١):
وهي من الفتن العظام، وقد أُشير إليهم في غير آية فقال تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾.
وقال - ﷺ -: "لا تقوم الساعة حتى يكون عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ابن مريم، وثلاث خسوفات، ونارٌ تخرج من قعر عدن أبين". الحديث رواه ابن ماجه عن حذيفة بن أسيد - ﵁ -.
والأحاديث الواردة فيهم كثيرة، والكلام عليهم (٢) في مقامات في نسبهم، وحليتهم وسيرتهم، وخروجهم وإفسادهم وهلاكهم.
_________________
(١) وبوب عليهما البخاري في "صحيحه"، وبسط الكلام عليهما الحافظ (١٣/ ٨٦). (ز).
(٢) وقد بسطه الدميري في "حياة الحيوان" (٢/ ٣٣٦)، والسيوطي في "الدر" (٤/ ٢٥٠) (ز).
[ ٢٨٣ ]
المقام الأول: في ذكر نسبهم والأقوال في ذلك
المقام الأول في نسبهم
وفي ذلك أقوال:
أحدها: أنهم من بني آدم من بني يافث بن نوح، وبه جزم وهب وغيره، واعتمده كثير من المتأخرين.
وقيل: إنهم من الترك؛ قاله الضحاك. وقيل: يأجوج من الترك ومأجوج من الديلم.
وعن كعب الأحبار - ﵁ -: هم ولد آدم من غير حواء، وذلك أن آدم نام فاحتلم، فامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله منها يأجوج ومأجوج، ورُدَّ بأن النبي لا يحتلم، وأجيب بأن المنفي أن يرى في منامه أنه يجامع، فيحتمل أن يكون دفق الماء فقط، وهو جائزٌ كما يجوز أن يبول.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": والأول هو المعتمد، وإلا فأين كانوا حين الطوفان.
وقال النووي في "الفتاوى": يأجوج ومأجوج من أولاد آدم من غير حواء عند جماهير العلماء، فيكونون إخوتنا لأب.
قال الحافظ: ولم يرد هذا عن أحدٍ من السلف إلا عن كعب الأحبار.
قال: ويرده الحديث المرفوع أنهم من ذرية نوح، ونوح من ذرية حواء قطعًا.
وعن أبي هريرة - ﵁ -؛ رفعه: "ولد لنوح سام، وحام، ويافث. فولد لسام: العرب وفارس والروم. وولد لحام: القبط والبربر والسودان. وولد ليافث: يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة".
قال الحافظ: وفي سنده ضعف.
[ ٢٨٤ ]
المقام الثاني: في حليتهم وفي سيرتهم
المقام الثاني في حليتهم، وسيرتهم
أما حليتهم: فأخرج ابن أبي حاتم من طريق شريح بن عبيد، عن كعب قال: هم ثلاثة أصناف:
صِنْفٌ أجسادهم كالأَرز؛ وهو بفتح الهمزة وسكون الراء ثم زاي معجمة: وهو شجر كبير جدًا.
قال في "النهاية": هو شجر الأَرز وهو خشب معروف، وقيل: شجر الصنوبر.
وصِنْفٌ منهم أربعة أذرع في أربعة أذرع.
وصِنْفٌ يفترشون إحدى آذانهم، ويلتحفون الأخرى.
ووقع في حديث حذيفة نحوه.
وأخرج هو والحاكم من طريق أبي الجوزاء: عن ابن عباس ﵄ قال: "يأجوج ومأجوج شبرًا شبرًا، وشبرين شبرين، وأطولهم ثلاثة أشبار".
وأخرج عن قتادة قال: "يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين على إحدى وعشرين، وكانت منهم قبيلة غائبة في الغزو وهم الأتراك، فبقوا دون السد".
وأخرج ابن مردويه من طريق السُدّي قال: "الترك سريةٌ من سرايا يأجوج ومأجوج تغيبت، فجاء ذو القرنين فبنى السَدّ فبقوا خارجًا".
وأخرج أحمد والطبراني عن خالد بن عبد الله بن حرملة، عن خالته؛ مرفوعًا: "إنكم تقولون لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًا حتى تقاتلوا يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه، صغار العيون، صُهْب الشعور من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة".
قُلْتُ: وهذا يؤيد أن الترك قبيلة منهم، والصهبة بين الحمرة والسواد، ورجل أصهب وامرأة صهباء.
[ ٢٨٥ ]
وأما سيرتهم: أخرج ابن حبان في "صحيحه": عن ابن مسعود - ﵁ -؛ رفعه، قال: "إن يأجوج ومأجوج قل ما يترك أحدهم من صلبه ألفًا من الذرية".
وللنسائي من رواية عمرو بن أوس، عن أبيه؛ رفعه: "إن يأجوج ومأجوج يجامعون ما شاؤوا، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا".
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه: "إن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاؤوا، وشجر يلقحون ما شاؤوا. . ." الحديث.
وأخرج الحاكم، وابن مردويه من طريق عبد الله بن عمرو ﵄: "إن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم، وراءهم ثلاث أمم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا".
وأخرج الطبراني، وابن مردويه، والبيهقي، وعَبدُ بن حُميد: عن ابن عمر ﵄ بنحوه، وزاد: "فَسمّى الأمم الثلاث: تأويل، وتأريس، ومنسك".
وأخرج عَبدُ بن حُميد بسندٍ صحيح عن عبد الله بن سَلام، مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "الجن والإنس عشرة أجزاء، فتسعة أجزاء يأجوج ومأجوج، وجزء سائر الناس".
وقد جاء في خبر مرفوع: "إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم"، وهو فيما أخرجه الترمذي وحسنه، وابن حبان، والحاكم وصحّحاه: عن أبي هريرة - ﵁ -؛ رفعه: في السد: "يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا فتخرقونه غدًا، فيعيده الله كأشد ما كان، حتى إذا بلغ مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم على الناس قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدًا إن شاء الله تعالى، واستثنى، قال: فيرجعون فيجدونه كهيئته حين تركوه، فيخرقونه فيخرجون على الناس. . . ." الحديث.
قال الحافظ ابن حجر: أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وعَبدُ بن حُميد، وابن حبان؛ كلهم عن قتادة، ورجال بعضهم رجال الصحيح.
[ ٢٨٦ ]
في ذكر ما قاله ابن العربي من الآيات الثلاث التي في حديث حفر السد
نقل المصنف كلام الحافظ ابن حجر حول قول أحد يأجوج ومأجوج: ارجعوا فستخرقونه غدا إن شاء الله
قال ابن العربي: في هذا الحديث ثلاث آيات:
الأولى: أن الله منعهم أن يوالوا الحفر ليلًا ونهارًا.
الثانية: منعهم أن يحاولوا الرقي على السد بالسلم، أو الآلة، فلم يُلْهِمهُم ذلك، ولا علمهم إياه؛ أي: مع أنه ورد في خبرهم عند وهب: أن لهم أشجارًا وزُرُوعًا، وغير ذلك من الآلات.
الثالثة: أنه صَدَّهم أن يقولوا: إن شاء الله تعالى. حتى يجيء الوقت المحدد.
قال الحافظ: وفيه أن فيهم أهل صناعات، وأهل ولاية وسلاطة -لعل الصواب: وسُلْطة. تأمَّل-، ورعية تُطيع من فوقها، وأن فيهم من يعرف الله، ويقر بقدرته ومشيئته.
ويحتمل أن تكون تلك الكلمة تجري على لسان ذلك الوالي من غير أن يعرف معناها، فيحصل المقصود ببركتها.
ثم روى لكل من الاحتمالين حديثًا.
فقال: وعند عَبد بن حُميد من طريق كعب الأحبار نحو حديث أبي هريرة - ﵁ -، وقال فيه: "فإذا جاء الأمر ألقي على بعض ألسنتهم: نأتي غدًا إن شاء الله تعالى فنفرغ منه".
وعند ابن مردويه من حديث حذيفة - ﵁ - نحو حديث أبي هريرة - ﵁ -، وفيه: "فيصبحون وهو أقوى منه بالأمس، حتى يُسلم رجل منهم حين يريد الله أن يبلغ أمره فيقول المؤمنُ: غدًا نفتحه إن شاء الله تعالى، فيصبحون ثم يغدون عليه فيفتح. . . ." الحديث وسنده ضعيف. انتهى كلام الحافظ.
وحاصله: يحتمل أن يلقى (إن شاء الله تعالى) على لسان أحدهم؛ وهو أقوى، ويحتمل أن يُسلم واحد منهم؛ كما يدل على كُلٍّ رواية.
ولا يردّ الأول ما رواه نُعيم بن حماد في "الفتن" عن ابن عباس - ﵁ -؛ مرفوعًا قال: "بعثني الله حين أسري بي إلى يأجوج ومأجوج، فدعوتهم إلى دين الله وعبادته، فأبوا أن يجيبوني، فهم في النار مع من عصى من ولد آدم وولد إبليس"؛ كما هو واضح.
[ ٢٨٧ ]
المقام الثالث: في ذكر خروجهم وإفسادهم وهلاكهم وما روي في ذلك
المقام الثالث في خروجهم، وإفسادهم، وهلاكهم
فقد ورد في حالهم عند خروجهم، ما أخرجه مسلم من حديث النواس بن سمعان بعد ذكر الدجال وهلاكه على يد عيسى ﵇ وغيره قال: "ثم يأتيه -يعني: عيسى ﵇- قومٌ قد عصمهم الله من الدجال، فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هم كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: أن قد أخرجت عبادًا لي لا يَدَان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس، فينشفون الماء، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه، حتى يتركوه يبسًا، حتى إن من يمر من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول: قد كان ههنا ماء مرة. حتى إذا لم يبق من الناس أَحَدٌ إلا أخذ في حصن أو مدينة، ويمرون ببحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقول: لقد كان بهذه مرة ماء. ويحصر عيسى نبي الله وأصحابه، حتى يكون رأس الثور ورأس الحمار لأحدهم خيرًا من مئة دينار".
وفي روايةٍ لمسلم وغيره: "فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هَلُمَّ فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء، فيردها الله عليهم مخضوبة دمًا".
وفي رواية: "ثم يهز أحدهم حربته ثم يرمي إلى السماء، فترجع إليه مخضبة دمًا للبلاء والفتنة، فيرغب نبي الله وأصحابه إلى الله، فيرسل عليهم النَّغَف في رقابهم".
وفي رواية: "دودًا كالنغف في أعناقهم -وهو بفتح النون والغين المعجمة: دودٌ يكون في أنوف الإبل والغنم- فيصبحون موتى كموت نفسٍ واحدة لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو؟ فيتجرد رجل منهم محتسبًا نفسه قد وطنها على أنه مقتول، فينزل فيجدهم موتى بعضهم على بعض، فينادي: يا معشر المسلمين؛ ألا أبشروا إن الله ﷿ قد كفاكم عدوكم.
[ ٢٨٨ ]
فائدة: في ذكر الاختلاف حول اشتقاق يأجوج ومأجوج
فيخرجون من مدائنهم وحصونهم وَيُسرّحُون مواشيهم، فما يكون لها مرعى إلا لحومهم فتشكَر عنه -بفتح الكاف؛ أي: تسمن- بأحسن ما شكَرت عن شيء، وحتى إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرًا من لحومهم ودمائهم، ويهبط نبي الله عيسى وأصحابهم إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأ زهمهم -أي: شحمهم-، ونتنهم -أي: ريحهم- من الجيف، فيؤذون الناس بنتنهم أشد من حياتهم، فيستغيثون بالله فيبعث ريحًا ثمانية غبراء، فتصير على الناس غمًا ودخانًا، وتقع عليهم الزكمة ويكشف ما بهم بعد ثلاث وقد قذفت جيفهم في البحر".
وفي رواية: "فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل طيرًا كأعناق البُخت فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله تعالى".
وفي رواية: "في النار"، ولا منافاة فإن البحر يسجر فيصير نارًا يوم القيامة.
ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة -أي: المرآة، بحيث يرى الإنسان فيها وجهه من صفائها-، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك. فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين.
فائِدَة
اختلفوا في اشتقاق يأجوج ومأجوج، فقيل: من أجيج النار؛ وهو التهابها.
وقيل: من الأجة بالتشديد؛ وهي الاختلاط أو شدة الحر. وقيل: من الأج؛ وهو سرعة العدو. وقيل: من الأُجاج؛ وهو الماء الشديد الملوحة.
وعلى التقادير كلها: وزنهما يفعول ومفعول، وهو ظاهر قراءة عاصم؛ فإنه وحده قرأه بالهمزة. وكذا قراءة الباقين إن كانت الألف مُسهلة من الهمزة.
وقيل: فاعول، من يج ومج.
وقيل: مأجوج؛ من ماج إذا اضطرب، ووزنه أيضًا مفعول، قاله أبو حاتم قال: والأصل موجوج.
[ ٢٨٩ ]
خاتمة: في ذكر ما اشتملت عليه قصة سيدنا عيسى ﵇ من أشراط الساعة وإشارة المصنف إليها
وجميع ما ذكر من الاشتقاق مناسب لحالهم، ويؤيد الاشتقاقَ وقولَ من جعله من ماج قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، وذلك حين يخرجون من السد.
خَاِتمَة
اشتملت قصة عيسى ﵇ على جملة من الأشراط، فلنشر إليها:
منها: قتال اليهود:
أخرج مسلم عن أبي هريرة - ﵁ -: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبيء اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا عبد الله؛ هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود".
ومنها: قتال يأجوج ومأجوج:
أخرج أحمد، والطبراني: عن خالة خالد بن حرملة: "إنكم لا تزالون تقاتلون عدوًا حتى تقاتلوا يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه، صغار العيون، صُهْب الشعور، من كل حدب ينسلون".
ومنها: مطرٌ لا يكن منه بيت مدر ولا وبر:
أخرج أحمد عن أبي هريرة - ﵁ -: "لا تقوم الساعة حتى يمطر الناسُ مطرًا لا تكن منه بيوت المدر ولا بيوت الوبر".
ومنها: انقطاع الجهاد ورجوع الناس حراثين:
أخرج الطبراني عن أبي أمامة - ﵁ -: "لا تقوم الساعة حتى ترجعوا حراثين".
ومنها: نزول الخلافة في الأرض المقدسة:
أخرج أحمد، وأبو داود، والحاكم: عن ابن حوالة؛ مرفوعًا: "يا بن حوالة؛ إذا رأيت الخلافة نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل، والبلابل، والأمور
[ ٢٩٠ ]
ذكر الأمور العظام
العظام، والساعة يومئذ أقرب من الناس من يدي هذه من رأسك"، وكان وضع يده على رأسه.
وهذا: إن أريد مطلق الخلافة فقد وقع في زمن بني أمية، فيكون من القسم الأول وقد ذكرنا هناك بعض الأمور العظام. وإن أريد الخلافة الكاملة فسيكون في زمن المهدي وعيسى ﵉.
والأمور العظام هي:
الدابة، والشمس، والنار، والريح. . . إلى غير ذلك.
ويدل للثاني آخر الحديث: "الساعة يومئذ أقرب". . . إلى آخره.
ومنها: كثرة المال:
أخرج الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ -: "لا تقوم الساعة حتى يكثر المال، ويفيض حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مُروجا وأنهارًا".
وفي رواية: "حتى يكثر المال فيكم".
وقد ذكر هذا في القسم الأول، ولا مانع أن تكون الرواية الثانية إشارة إلى ما وقع في زمن عثمان وعمر بن عبد العزيز ﵄؛ لقرينة قوله: "فيكم"؛ يعني: الصحابة. والرواية الأولى لما سيقع في زمن المهدي وعيسى ﵉، ولذا ذكرناه في القسمين.
ومنها: أن يكون رأس الثور بالأوقية:
أخرج ابن أبي شيبة عن قيس: لا تقوم الساعة حتى يُقَوَّمَ رأس البقرة بالأوقية؛ أي: وذلك في حصار يأجوج ومأجوج لعيسى ﵇ وأصحابه؛ كما مر.
ومنها: نُشُوفُ بحيرة طبرية: كما مر أنها يشربها يأجوج ومأجوج.
ومنها: رخص الخيل، وغلاء الثور:
أخرج ابن ماجه، وابن خزيمة، وغيرهما: عن أبي أمامة - ﵁ -: "إن من
[ ٢٩١ ]
ذكر خراب المدينة وأنه من الأشراط القريبة وما روي في ذلك
أشراطها: "أن يكون الفرس بالدريهمات، ويكون الثور بكذا وكذا مئة دينار"، قيل: وما يُرخِصُ الخيل يا رسول الله؟ قال: "عدم الجهاد". قيل: فما يُغلي الثور؟ قال: "إن الأرض تُحرث كلها".
ومنها: نزول البركات:
ونَزعُ سُمِّ كل صاحب سُمْ إلى غير ذلك.
ومن الأشراط القريبة: خراب المدينة قبل يوم القيامة بأربعين سنة، وخروج أهلها منها:
أخرج أبو داود عن معاذ - ﵁ -؛ مرفوعًا: "عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال".
وَروى الطبراني: "سيبلغ البناء سَلعًا، ثم يأتي على المدينة زمان يمر السفر على بعض أقطارها فيقول: قد كانت هذه مرة عامرة من طول الزمان وعفو الأثر"، وروى أحمد نحوه بإسنادٍ حسن.
وروي أيضًا برجال ثقات: "المدينة يتركها أهلها وهي مرطبة، قالوا: فمن يأكلها؟ قال: السباع والعوافي".
وفي "الصحيحين": "لتتركن المدينة على خير ما كانت، مذللة ثمارها لا يغشاها إلا العوافي -يريد: عوافي الطير والسباع- وآخر من يحشر منها راعيان من مُزينة. . . ." الحديث.
وَروى ابن زَبالة، وتبعه ابن النجار: "لا تقوم الساعة حتى يَغْلِبَ على مسجدي هذا الكلاب والذئاب والضباع، فيمر الرجل ببابه فيريد أن يُصلي فيه، فما يقدر عليه".
وَروى ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح حديث: "أما والله لتدعنها مذللة أربعين عامًا للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع". ورواه ابن زَبالة بنحوه.
[ ٢٩٢ ]
تنبيه: في ذكر ما روي من عودة الدين إلى المدينة
ذكر المصنف طريق الجمع بين الروايات حول عودة الدين للمدينة
وَروى الديلمي في "مسند الفردوس": عن عوف بن مالك قال: "تخرب المدينة قبل يوم القيامة بأربعين سنة".
ورُوي عن أبي هريرة - ﵁ -: "لا تقوم الساعة حتى يجيء الثعلب فيربضَ على منبر رسول الله - ﷺ -، فلا ينهضه أحد".
وَروى ابن شبة حديث: "ليخرجن أهل المدينة منها، ثم يعودون إليها، ثم ليخرجن منها، ثم لا يعودون إليها أبدًا، وليدعنها خير ما تكون مونقة"، وروي أيضًا عن عمر - ﵁ - نحوه مرفوعًا.
وقد مر في القسم الأول الترك الأول، وهذا هو الترك الثاني.
وسبب خرابها -والله أعلم- أنهم يخرجون مع المهدي إلى الجهاد، ثم ترجف بمنافقيها وترميهم إلى الدجال، ثم يبقى فيها المؤمنون الخُلص، فيهاجرون إلى بيت المقدس.
فقد ورد: "ستكون هجرة بعد هجرة، وخِيَارُ الناس يومئذ ألزمهم مهاجر إبراهيم. . . ." الحديث.
ومن بقي منهم تقبض الريح الطيبة -التي يأتي ذكرها- أرواحهم، فتبقى خاوية، وهذا سر خرابها قبل غيرها.
تنبيه
رَوى المَرجاني في "أخبار المدينة": عن جابر - ﵁ - مرفوعًا: "ليعودن هذا الأمر -أي: الدِّين- إلى المدينة كما بدأ منها، حتى لا يكون إيمان إلَّا بها. . . ." الحديث.
ورَوى النسائي عن أبي هريرة - ﵁ -: "آخر قرية من قرى الإسلام خرابًا المدينة"، ورواه ابن حبان بلفظ: "آخر قرية في الإسلام خرابًا المدينة".
وصح: "إنَّ الدين ليأرز إلى المدينة؛ كما تأرز الحية إلى جحرها".
وهذه الروايات بحسب الظاهر تنافي الروايات السابقة، وطريق الجمع بينها أن
[ ٢٩٣ ]
الفتن تَعُمّ الدنيا كلها كما مر في خروج المهدي، ويبقى أهل المدينة مع المهدي، فيأرز الدين إلى المدينة حينئذ؛ لأنهم المؤمنون الكاملون التابعون للخليفة الحق، فإنه إذا كان الإمام الحق موجودًا فمن لم يعرفه، ولم يبايعه مات مِيتةً جاهلية، فهذا محط: "إن الدين ليأرز إلى المدينة".
ثم إنها تنفي خبثها في زمن الدجال، وتخرج منافقيها ويبقى فيها الإيمان الخالص، بخلاف بيت المقدس وغيرها من البلدان؛ فإنه يبقى فيهم أهل الذمة والمنافقون؛ لأنهم إنما يؤمنون بعد نزول عيسى ﵇، وهذا محط حديث جابر - ﵁ -: "حتى لا يكون إيمان إلَّا بها"؛ أي: إيمان خالصٌ لا يشوبه نفاق.
ثم إنه تجيء الريح الباردة -الآتية فيما بعد-، فتقبض كل مؤمن ومؤمنة، وإنها تأتي من الشام أو من اليمن، أو من كليهما؛ كما جُمِعَ به بين الروايتين، ولا شك أن التي تأتي من الشام تبدأ بأهل الشام، وأن التي تأتي من اليمن تبدأ بأهل اليمن، فلا تنتهيان إلى المدينة إلا بعد هلاك أهل الإقليمين من المؤمنين، فيكون آخر من يُقبض من المؤمنين أهل المدينة، وهذا محط حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي عند النسائي، والترمذي، وابن حبان المارّ.
ثم إنها حينئذ لا يكون بها غير المؤمنين؛ لأنها تخلصت في زمن الدجال، فبمجرد موتهم تخرب، وتبقى بقية الدنيا عامرة بشرار الناس، وعليهم تقوم الساعة، كما يأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وهذا مما ظهر لي عند كتابتي لهذا المحل، ولعله ليس بعيدًا عن الصواب، ولم أقف في كلام أحدٍ عليه، فإن يكن خطأ فهو مني لا من أحد، ونسأل الله السداد.
وإنما ذكرته هنا وإن كان يصلح أن يذكر بعد طلوع الشمس من مغربها والدابة أيضًا؛ لأن ابتداء خرابها بالخروج عنها كما دلت عليه الأحاديث، والخروج يكون في زمن عيسى ﵇، فلهذا ذكرناه هنا، والله أعلم.
[ ٢٩٤ ]
ذكر بقية الأشراط القريبة
ومنها: بلوغ بناء المدينة سلعًا:
وهذا وقع زمن الصحابة، وهو واقعٌ اليومَ أيضًا، وقد مرَّ حديثُه.
ومنها: بلوغ بنائها إهاب أو يهاب؛ بالهمز أو الياء:
فقد ورد: "لا تقوم الساعةُ حتى يبلغ البناء إهاب أو يهاب" وهو موضعٌ قريبٌ بالحرة العربيَّة. وهذا قد كادَ أن يقع.
ومنها: مطرٌ لا تكنُّ منه بيوت الشعر:
فقد وردَ: "لا تقوم السَّاعة حتى يمطر بالمدينة مطر لا تكن منه بيوت المدر، إنما تكنّ منه بيوت الشعر".
وفي لفظٍ: "ولا يكن منه إلا بيوت الشعر"، والله أعلم.
ومنها: خروج القحطاني (١)، والجهجاه، والهيثم، والمقعد، وغيرهم بعد عيسى والمهدي ﵉:
أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: "ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال، ويمكث أربعين عامًا يعمل فيهم بكتاب الله تعالى وسنتي، ويموت، فيستخلفون بأمر عيسى رجلًا من بني تميم يقال له: المقعد، فإذا مات المقعد لم يأت على الناس ثلاث سنين حتى يُرفع القرآن من صدور الرجال؛ أي: من صدور
_________________
(١) اختُلِفَ في أن القحطاني والجهجاه واحدٌ؛ كما حكى الحافظ (١٣/ ٦٢) عن القرطبي، أو اثنان، وأشار صاحب "علامة قيامة" إلى الوحدة، وميل المُصنف إلى الثاني كما سيأتي قريبًا. ثم ظاهر ميل الحافظ إلى أن القحطاني فاسقٌ، ويظهر مما سيأتي من كلام المصنف أنه على سيرة المهدي. فتأمل. وبذلك جزم ابن حجر في "الفتاوى الحديثية" (ص ٣٢). هذا وقد مضى في سالف الزمان رجلٌ يُسمى: القحطاني في خلافة يزيد بن عبد الملك، كان اسمه: يزيد بن المهلب كما في "الخميس" (٢/ ٣١٨). والجهجاه أيضًا له ذكر في "الخميس" (١/ ٤٧١)، وذكر الحافظ في (١٣/ ١٧٠) ما يتعلق بالقحطاني أيضًا. (ز).
[ ٢٩٥ ]
بعضهم، ويبدو النقص فيهم"؛ ليوافق ما يأتي من بقاء الدين مدة مديدة بعد عيسى ﵇.
وأخرج الطبراني عن علياء السلمي قال: "لا تقوم الساعة حتى يملك الناس رجل من الموالي يقال له: جهجاه".
وروى مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له: الجهجاه".
وأخرج الشيخان عنه: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه".
وأخرج الطبراني في "الكبير"، وابن منده، وأبو نُعيم، وابن عساكر: عن قيس بن جابر، عن أبيه، عن جده: أن النبي - ﷺ - قال: "ستكون من بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جَورًا، ثم يؤمر القحطاني، فوالذي بعثني بالحق ما هو دونه".
وأخرج نُعيم بن حماد، عن سليمان بن عيسى قال: بلغني أن المهدي يملك أربع عشرة سنة ببيت المقدس، ثم يموت، ثم يكون من بعده رجلٌ من قوم تبع يقال له: المنصور؛ أي: وهو القحطاني، يمكث ببيت المقدس إحدى وعشرين سنة، ثم يقتل، ثم يملك رجلٌ من الموالي ويمكث ثلاث سنين، ثم يقتل، ثم يملك بعده هيثم المهدي ثلاث سنين وأربعة أشهر وعشرة أيام.
وأخرج نُعيم بن حماد: عن كعب قال: يموت المهدي ثم يلي الناس بعده رجل من أهل بيته فيه خيرٌ وشَرّ، وشره أكثر من خيره، يُغْضِبُ الناس يدعوهم إلى الفرقة بعد الجماعة، بقاؤه قليل، يثور به رجلٌ من أهل بيته فيقتله.
وأخرج أيضًا عن الزُّهري قال: يموت المهدي موتًا يصير الناس بعده في فتنة، ويُقْبِلُ إليهم رجلٌ من بني مخزوم فيبايع له، فيمكث زمانًا، ثم يُنادي مُنادٍ من السماء ليس بإنس ولا جان: بايعوا فلانًا، ولا ترجعوا على أعقابكم بعد الهجرة. فينظرون
[ ٢٩٦ ]
تنبيه: ذكر المصنف أن أكثر هذه الأحاديث متعارضة وكيفية الجمع بينها
فلا يعرفون الرجل، ثم يُنادي ثلاثًا، ثم يُبايع المنصور، فيسير إلى المخزومي فينصره الله عليه فيقتله ومن معه.
وأخرج أيضًا عن كعب قال: يتولى رجل من بني مخزوم، ثم رجلٌ من الموالي، ثم يسير رجلٌ من العرب جسيم طويل عريض ما بين المنكبين، فيقتل من لقيه حتى يدخل بيت المقدس، فيموت موتًا، ثم تكون الدنيا شرًا مما كانت، ثم يلي بعده رجل من مضر، يقتل أهل الصلاح، ظلوم غشوم، ثم يلي من بعد المضري اليماني القحطاني، يسير بسيرة المهدي، وعلى يديه تفتح مدينة الروم.
وأخرج أيضًا عن الوليد، عن معمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما القحطاني بدون المهدي؟ ! ".
وأخرج أيضًا عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "بعد الجبابرة الجابر، ثم المهدي، ثم المنصور، ثم السلام، ثم أمير العصب".
وأخرج أيضًا عن ابن عمرو ﵄ قال: "ثلاثة أمراء يتوالون يفتح اللهُ الأرض كلها عليهم: صالح الجابر، ثم المفرج، ثم ذو العصب، يمكثون أربعين سنة، ثم لا خير في الدنيا بعدهم".
وأخرج أيضًا عن كعب قال: "يكون بعد المهدي خليفة من أهل اليمن من قحطان أخو المهدي في دينه، يعمل بعمله وهو الذي يفتح مدينة الروم ويصيب غنائمها".
وأخرج أيضًا عن أرطاة قال: بلغني أن المهدي يعيش أربعين عامًا، ثم يموت على فراشه، ثم يخرج رجلٌ من قحطان مثقوب الأذنين على سيرة المهدي، بقاؤه عشرين سنة، ثم يموت قتيلًا بالسلاح، ثم يخرج من بيت النبي - ﷺ - مهديٌّ حسن السيرة يغزو مدينة قيصر، وهو آخر أمير من أمة محمد - ﷺ -، ثم يخرج في زمانه الدجال.
تنبيه
هذه الأحاديث أكثرها متعارضة، وقد قال الفقيه ابن حجر في "القول المختصر": الذي يتعين اعتقاده ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من وجود المهدي
[ ٢٩٧ ]
ذكر هدم الكعبة وسلب حليها وإخراج كنزها وأنه من الأشراط العظيمة
المنتظر الذي يخرج الدجال، وعيسى ﵇ في زمانه، ويُصلي عيسى خلفه، وأنه المراد حيث أُطْلِقَ المهدي، والمذكورون قبله لم يصح فيهم شيء، والذين بعده أمراء صالحون أيضًا لكن ليسوا مثله، فهو الأَخْيَر في الحقيقة. انتهى
أقول: غاية ما يمكن في الجمع: أن المهدي الكبير هو الذي يفتح الروم، ويخرج الدجال في زمنه، ويُصلي عيسى ﵇ خلفه، وأن الخلافة تكون له ولقريش من بعده، وأن عيسى ﵇ لا يَسْلبُ قريشًا مُلكها رأسًا، وإنما تكون إليه المشورة وهو الحَكَمُ فيهم يعلمهم الدين، ومر إشارةٌ إلى ذلك، ثم يلي بعد المهدي رجلٌ من أهل بيته في سيرته، ويكون القحطاني مع المهدي في زمانه.
ومعنى فتحه لمدينة الروم كما ورد عن كعب: أنه يكون أميرًا على السرية التي يُرسلها المهدي إلى فتح مدينة الروم، فيفتحها في حال تابعيته لا في حال خلافته ومتبوعيته، ثم يموت عيسى ﵇، ثم بعد عيسى ﵇ يتولى باستخلافه المقعد؛ وهو أيضًا من قريش، فإذا مات تولى من قريش من لا يحسن سيرته، فيخرج عليه المخزومي، ولعله الجهجاه، ويدعو إلى الفُرقَة، فيخرج عليه القحطاني بسيرة المهدي؛ وهو الملقب بالمنصور، وهو المراد: بـ"رجل من تبع" وبـ"رجل من اليمن"، ويمكث إحدى وعشرين سنة، والذي قال: عشرين. ألغى الكسر، ثم تنتقص الدنيا ويملك الموالي، ويغلب الشر إلى أن تطلع الشمس من المغرب، والله أعلم.
ومن الأشراط العظام: هدم الكعبة، وسَلبُ حُلِيها، وإخراج كنزها:
أخرج الشيخان والنسائي عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة".
وأخرج أحمد عن ابن عمرو ﵄ نحوه، وزاد: "ويَسلبها حليتها ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أُصَيلع أُفَيدع، يضرب عليها بمسحاته ومعوله".
وأخرج الأزرقي عنه: "يجيش البحر بمن فيه من السودان، ثم يسيلون سيل النمل
[ ٢٩٨ ]
تنبيه: معنى: (السويقتان، الأصلع، الأفيدع، والأصعل)
حتى ينتهوا إلى الكعبة فيخربونها، والذي نفسي بيده إنى لأنظر إلى صفته فى كتاب الله تعالى؛ أُفَيحج أُصَيلع أُفَيدع، قائمًا يهدمها بمسحاته".
وأخرج الحاكم عن الحارث بن سويد قال: سمعت عليًا - ﵁ - يقول: حجوا قبل أن لا تحجوا، فكأني أنظر إلى حبشي أصلع وأفدع، بيده معول يهدمها حجرًا حجرًا، فقلت له: شيء تقول برأيك أو سمعته من النبي - ﷺ -؟ فقال: لا والذي فَلق الحبة وبرأ النَّسمة، ولكني سمعته من نبيكم.
وفي "الصحيحين": "كأني به أسود أفحج يهدمها حجرًا حجرًا".
وفي حديث علي كرم الله وجهه عند أبي عُبيد في "غريب الحديث": من طريق أبي العالية قال: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يُحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة أصلع، أو قال: أصمع، أحمش الساقين، قاعد عليها وهي تُهدم.
ورواه الفاكهي من هذا الوجه ولفظه: "أصعل" بدل "أصلع"، وقال: قائمًا عليها يهدمها بمسحاته. ورواه يحيى الحِمّاني في "مسنده" من وجه آخر عن عليٍّ مرفوعًا، ورواه الأزرقي عنه بنحوه.
تنبيه
(السويقتان): تصغير الساقين؛ أي: دقيق الساقين؛ كما هو غالب في سوق الحبشة.
و(الأصلع): من ذهب شعر مقدم رأسه، و(الأُصيلع): تصغيره.
و(الأفيدع): تصغير (الأفدع)؛ وهو من في يديه اعوجاج.
و(الأصعل): الصغير الرأس، و(الأصمع): الصغير الأذنين، وقيل: الكبير الأذن، و(الأسود) واضح، و(الأفحج): المتباعد الفخذين.
قال في "فتح الباري": ووقع في هذا الحديث عند أحمد من طريق سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة - ﵁ - بأتم من هذا السياق.
[ ٢٩٩ ]
تنبيه: بيان محمول قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا﴾
خاتمة: ذكر الاختلاف في هدم الكعبة
ولفظه: "يبايع لرجل بين الركن والمقام، ولن يستحل هذا البيت إلَّا أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم يجيء الحبشة فيخربونه خرابًا لا يَعْمُر بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه"، ورواه بهذا اللفظ الأزرقي في "تاريخ مكة"، والحاكم وصححه.
وفي رواية عنه مرفوعًا: "لا يستخرج كنز الكعبة إلَّا ذو السويقتين من الحبشة".
تنبيه
قيل: هذا مخالفٌ لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾، ولأن الله رد عن مكة الفيل ولم يُمكِّن أصحابه من تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين؟
وأجيب: بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان قرب قيام الساعة، حتى لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله الله وفيه: أنه يخالف ما يأتي عن كعب أنه يقع في زمن عيسى.
والأولى ما أشار إليه في "فتح الباري"؛ وهو أن يقال: قد أشار - ﷺ - إلى الجواب في الحديث بقوله: "ولن يستحل هذا البيت إلا أهله"، ففي زمن أصحاب الفيل ما كان أهله استحلوه، فمنعه الله منهم، وأما الحبشة فلا يهدمونه إلَّا بعد استحلال أهله له مرارًا، فقد استباحها أهل الشام في زمن يزيد بأمره، ثم الحجاج في زمن عبد الملك بأمره، ثم القرامطة بعد الثلاث مئة، فقتلوا من المسلمين في المطاف ما لا يُحصى، وقلعوا الحجر ونقلوه لبلادهم، وقد مر جميع ذلك في القسم الأول.
فلما وقع استحلاله من أهله مرارًا أمكن الله غيرهم من ذلك أيضًا، على أنه ليس في الآية استمرار إلا من المذكورين فيه.
خاتمة
اختلفوا في هدم الكعبة: هل هو في زمن عيسى (١) ﵇، أو عند قيام الساعة حين لا يبقى أحد يقول: الله الله؟
_________________
(١) وبهذا جزم صاحب "الإحياء" كما في هامش "الإتحاف" (٤/ ٢٧٩). (ز).
[ ٣٠٠ ]
في ذكر اسم القحطاني وسيرته وزمانه وتعليق المصنف على ذلك
فعن كعب - ﵁ -: أنه في زمن عيسي ﵇، وكذا قال الحليمي، وأن الصريخ يأتي عيسى ﵇ بذلك، فيبعث إليه طائفة ما بين الثمانية إلى التسعة.
وقيل: هدمها في زمانه، وبعد هلاك يأجوج ومأجوج يحج الناس ويعتمرون؛ كما ثبت، وأن عيسي ﵇ يحج أو يعتمر، أو يجمعهما، ولا ينافيه ما ورد: "لا تقوم الساعة حتي لا يُحَج البيت".
وفي لفظ: "استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يُرفع؛ فقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة".
قال الحافظ ابن حجر: وجدت في كتاب "التيجان" لابن هشام: أنَّ عمر بن عامر كان ملكًا مُتوجًا، وكان كاهنًا مُعمرًا، وأنه قال لأخيه عمرو بن عامر المعروف بمزيقيا لما حضرته الوفاة: إن بلادكم ستخرب، وإن لله في أهل اليمن سخطتين ورحمتين، فالسخطة الأولي: هدم سد مأرب، وخراب البلاد بسببه.
والثانية: غلبة الحبشة علي اليمن.
والرحمة الأولي: بِعثَةُ نبي من تهامة اسمه محمد يرسل بالرحمة، ويغلب أهل الشرك.
والثانية: إذا خرب بيت الله يبعث الله رجلًا يقال له: شعيب بن صالح، فَيُهلك من خَرّبهُ، ويخرجهم حتي لا يكون في الدنيا إيمان إلا بأرض اليمن.
قال الحافظ: إن ثبت هذا عُلم منه اسم القحطاني وسيرته وزمانه. اهـ
قُلْتُ: ليس فيما ذكر أنَّ ذلك هو القحطاني، ولم لا يجوز أن يكون شعيب بن صالح التميمي القادم بالرايات السود إلي المهدي، وأنه يُرسله عيسي ﵇ إليه حين يأتيه الصريخ؟ ويؤيده كون لقبه: المنصور، وبتقدير أن يكون هو إياه، فجائز أن يكون قبل خلافته، ويكون فيمن أرسله عيسي ﵇ أميرًا عليهم، وكونه رحمة لأهل اليمن لا يلزم أن يكون منهم، ويكفي في كونه رحمة لهم كونه يدفع الحبشة عنهم بحيث لا يبقي إيمان إلَّا باليمن، ثم إنَّ الحجاز من اليمن، ولذا يقال للكعبة يمانية، ومنه يُعلم أن ليس في هذا دليلٌ علي تأخر إيمان أهل اليمن عن أهل
[ ٣٠١ ]
فائدة: في ذكر قول الفقهاء: إذا هدمت الكعبة -والعياذ بالله- فعرصتها بمنزلتها
تذنيب: في ذكر أخبار تتعلق بهذا المقام
المدينة حتي يتعارض الحديثان، ويؤيد ذلك: أن المراد باليمن الحجاز؛ لأن الخلافة حينئذ تكون بالأرض المقدسة لا باليمن، والله أعلم.
وأيما كان فهذا أيضًا يدل علي تقدم هدمها علي موت المؤمنين.
ولكن يبقي احتمال أن يكون بعد الدابة؛ لما مر أنها تخرج ليلة المزدلفة، وأنها تطوف علي الناس بمني، إلا أن يقال إنها تحج بعد خرابها أو هدمها، وأن مكة تبقي معمورة بعدها.
وقيل: إن هدمها بعد الآيات كلها قرب قيام الساعة حتي ينقطع الحج، ولا يبقي في الأرض من يقول: الله الله.
ويؤيد هذا: أن زمن عيسي ﵇ كله زمن سِلْمٍ وخير وبركة وأمن، وأنها قبلة المسلمين والحج إليها أحد أركان الدين، فينبغي أن تبقي ببقاء المسلمين، وأنها تهدم مع رفع القرآن، وسنشير إليه ثَمَّ أيضًا إن شاء الله تعالي.
فائِدَة
قال الفقهاء: إذا هدمت الكعبة -والعياذ بالله- فَعَرصَتُهَا بمنزلتها، فمن صلى خارجها جاز استقبالها مُطلقًا ولو كان أعلي منها؛ كمن صلي علي أبي قُبيس، ومن صلي فيها لابد وأن يستقبل شاخصًا قدر ثلثي ذراع إلى ذراع من بنائها، أو ما لحق بذلك؛ كعصًا مُسَمّرة، أو شجرة نابتة ولو يابسة، أو تراب منها مجتمع، أو حجر منها، أو حفرة ينزل فيها مقدار ما ذكر، وإلا فلا تصح صلاته.
وكذا الطواف يجب أن يكون خارجها، وبالله التوفيق.
تَذْنيبٌ يناسب ذكره المقام، نورده تتميمًا للفائدة
في "مسند الروياني": عن أبي ذر - ﵁ -: أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "سيكون رجل من قريش أخنس يلي سُلطانًا، ثم يُغلب عليه -أو: يُنْزَعُ منه- فيفر إلى الروم، فيأتي بهم إلى الإِسكندرية، فيقاتل أهل الإسلام بها، فذلك أول الملاحم".
[ ٣٠٢ ]
وفي رواية عنه: "سيكون بمصر رجلٌ من بني أمية أخنس"، بنحوه.
وروي نُعيم بن حماد: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "يقاتلكم أهل الأندلس بوسيم، فيأتيكم مددكم من الشام فيهزمهم الله".
وعن عمر - ﵁ -: أنه قال لرجل من أهل مصر: ليأتينَّكم أهل الأندلس فيقاتلونكم بوسيم حتي تركض الخيل في الدم؛ يهزمهم الله، ثم تأتيكم الحبشة في العام الثاني.
وأخرج أيضًا عن أبي قبيل قال: خرج يومًا وردان من عند مسلمة بن مخلد وهو أمير علي مصر، فمر علي عبد الله بن عمرو مستعجلًا، فناداه فقال: أين تريد؟ فقال: أرسلني الأمير إلى مَنَفْ فأحفر له كنز فرعون. قال: فارجع إليه، وأقرئه مني السلام، وقل له: إن كنز فرعون ليس لك، ولا لأصحابك، إنما هو للحبشة، يأتون في سفنهم يريدون الفسطاط، فيسيرون حتي ينزلوا منفًا، فيظهر الله لهم كنز فرعون، فيأخذون منه ما شاؤوا، فيقولون: ما نبغي غنيمة أفضل من هذه. فيرجعون ويخرج المسلمون في آثارهم حتي يدركوهم، فيهزم الله الجيش، فيقتلهم المسلمون، ويأسرونهم. أخرجها الحافظ السيوطي في جزءٍ له.
وقال في "أزهار العروش في أخبار الحبوش": أخرج الحاكم في "المستدرك" من طريق عبد الله بن صالح: حدثني الليث: حدثني أبو قبيل: عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن رجلًا من أعداء المسلمين بالأندلس يقال له: ذو العرف، يجمع من قبائل الشرك جمعًا عظيمًا، يعرف من بالأندلس أن لا طاقة لهم، فيهرب أهل القوة من المسلمين في السفن فيجيزون إلى طنجة ويبقي ضعفة الناس وجماعتهم ليس لهم سفنٌ يجيزون عليها، فيبعث الله وَعْلًا وينشره لهم في البحر، فيجيز الوعل لا يغطي الماء أظلافه، فيراه الناس فيقولون: الوعل الوعل؛ اتبعوه. فيجيز الناس علي أثره كلهم، ثم يصير البحر علي ما كان عليه، ويجيز العدو في المراكب، فإذا حستهم أهل إفريقية هربوا كلهم من أفريقية ومعهم من كان بالأندلس من المسلمين حتي يدخلوا الفسطاط، وَيُقْبِل ذلك العدو حتي ينزلوا فيما بين ترنوط إلى الأهرام مسيرة خمسة بُرُد، فيملؤون ما هناك شرًا، فتخرج إليهم راية المسلمين علي الجسر فينصرهم الله
[ ٣٠٣ ]
ذكر إشكال وقع في حديث ذو العرف وبيان المصنف له
عليهم، فيهزمونهم ويقتلونهم إلى لوعة مسيرة عشر ليال، ويستوقد أهل الفسطاط بعجلهم وأوانيهم سبع سنين، وينفلت ذو العرف من القتل ومعه كتابٌ لا ينظر فيه إلَّا وهو منهزم، فيجد فيه ذكر الإسلام، وأنه يؤمر فيه بالدخول في السلم، فيسأل الأمان علي نفسه وعلي من أجابه إلى الإسلام من قومه، فيسلم.
ثم يأتي في العام الثاني رجلٌ من الحبشة يقال له: أسيس، وقد جمع جمعًا عظيمًا، فيهرب المسلمون منهم من أسوان حتي لا يبقي فيها ولا فيما دونها أَحدٌ من المسلمين إلا دخل الفسطاط، فينزل أسيس بجيشه منف، فتخرج إليهم راية المسلمين علي الجسر فينصرهم الله عليهم، فيقاتلونهم ويأسرونهم حتي يباع الأسود بعباءة. قال الحاكم: موقوفٌ صحيح الإسناد. اهـ
وفي هذا الحديث إشكال؛ وهو أن واقعة ذي العرف المذكورة لم تقع إلى الآن، وإلا لكان ذكر في التواريخ، وإن قلنا إنها ستقع فيما سيأتي يُشكُل عليه أن الأندلس ليس بها إذ ذاك، بل ولا اليوم مسلم، فكيف يهربون في السفن وغيرها؟ وقد يقال: يمكن أن يكون هناك مسلمون قد أقروا علي الجزية، وإذا آن الأوان هربوا.
ويقربه: أن في هذه الأعصر قدمت طائفة من المسلمين من الأندلس في المراكب إلى طنجة؛ وهي نهرٌ في بلاد الروم عليها مدينة أدرنه. فيسمون: المنجل، فيمكن أن يكون لهم هناك بقايا ضعفة إذا أراد الله تعالي أجازهم البحر.
ويمكن أن يقال: إن هذا إنما يقع بعد موت المهدي، وتناكص الدين، ورجوع الناس إلى الشرك، وأن مصر إذ ذاك لكون الخلفاء ببيت المقدس تكون عامرة بالإسلام، فيكون قُبَيل هدم البيت أو بعده علي ما سبق من الخلاف في وقته، وبالله التوفيق.
لكن في "التذكرة" للقرطبي: أن أولئك أولياء المهدي وأتباعه، وأن المحل الذي يمشي فيه الوعل جسرٌ بناه ذو القرنين لهذا الأمر، وأنه إذا جاء أوانه مروا عليه. والله أعلم بحقيقة الحال.
[ ٣٠٤ ]
ذكر طلوع الشمس من مغربها وأنه من الأشراط العظام
ذكر المصنف لما ورد حول طلوع الشمس من مغربها وبيان ذلك
ومن الأشراط العظام: طلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض:
وهذان أيهما سبق الآخر فالآخر علي أثره، فإن طلعت الشمس قبل خرجت الدابة ضحي يومها أو قريبًا من ذلك، وإن خرجت الدابة قبل طلعت الشمس من الغد.
أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعَبدُ بن حُميد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي؛ كلهم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: حفظت من رسول الله - ﷺ -: إن أول الآيات خُروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضحيً، فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخري علي أثرها.
قال عبد الله -وكان يقرأ الكُتُب-: وأظن أولهما خروجًا طلوع الشمس من مغربها.
وقال أبو عبد الله الحاكم: والذي يظهر أن طلوع الشمس من مغربها قبل خروج الدابة.
قال الحافظ ابن حجر معتمدًا لما قاله الحاكم: ولعل الحكمة في ذلك أن بطلوع الشمس من مغربها ينسد باب التوبة، فتجيء الدابة، فتميز بين المؤمن والكافر تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة. اهـ
فلنبدأ بطلوع الشمس من المغرب:
ونقول: أما طلوع الشمس من مغربها: فقد قال الله تعالي: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، أجمع المفسرون أو جمهورهم علي أنه طلوع الشمس من مغربها.
وقال تعالي: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾.
وروي الفريابي، وعَبدُ بن حُميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ: عن ابن مسعود - ﵁ - في قوله تعالي: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ قال: طلوع الشمس والقمر من مغربهما مقترنين كالبعيرين القرينين، ثم قرأ: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾.
[ ٣٠٥ ]
وروي عبد الرزاق، وأحمد، وعَبدُ بن حُميد، والستة غير الترمذي، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقوم الساعة حتي تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها"، ثم قرأ الآية.
وروى ابن مردويه عن حذيفة - ﵁ - قال: "سألت رسول الله - ﷺ - ما آية طلوع الشمس من مغربها؟ فقال: تَطُول تلك الليلة حتي تكون قدر ليلتين".
وروي هو، وابن أبي حاتم: عن ابن عباس ﵄ أنه - ﷺ - قال: "آية تلكم الليلة أن تطول قدر ثلاث ليال"، والقليل لا ينافي الكثير.
وفي رواية البيهقي عن عبد الله بن عمرو ﵄ بلفظ: "قدر ليلتين أو ثلاث، فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون، ويعملون كما كانوا ولا يري قد قامت النجوم مكانها، ثم يرقدون، ثم يقومون، ثم يقضون صلاتهم والليل كأنه لم ينقض فيضطجعون، حتي إذا استيقظوا والليل مكانه حتي يتطاول عليهم الليل، فإذا رأوا ذلك خافوا أن يكون ذلك بين يدي أمر عظيم، ففزع الناس وهاج بعضهم في بعض فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد، فإذا أصبحوا طال عليهم طلوع الشمس، فبينما هم ينتظرون طلوعها من المشرق إذا هي طلعت عليهم من مغربها، فضج الناس ضجةً واحدة، حتي إذا صارت في وسط السماء رجعت فطلعت من مطلعها".
وروي أبو الشيخ، وابن مردويه عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "صبيحة تطلع الشمس من مغربها يصير في هذه الأمة قردة وخنازير، وتطوي الدواوين، وتجف الأقلام؛ لا يزاد في حسنة، ولا ينقص من سيئة، ولا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا".
وروي البيهقي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "فيذهب الناس فيتصدقون بالذهب الأحمر فلا يُقْبَلُ منهم ويقال: لو كان بالأمس".
[ ٣٠٦ ]
تنبيه: معنى: (العكمة)
ذكر بقية حديث طلوع الشمس من مغربها
وروي ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: "لا تزال الشمس تجري من مطلعها إلى مغربها حتي يأتي الوقت الذي جعل الله لتوبة عباده، فتستأذن الشمس من أين تطلع، ويستأذن القمر من أين يطلع، فلا يُؤذن لهما، فيحبسان مقدار ثلاث ليال للشمس، وليلتين للقمر، فلا يَعْرِفُ مقدار حبسهما إلا قليل من الناس، وهم بقية أهل الأرض، وحملة القرآن، يقرأ كل رجلٍ في تلك الليلة منهم ورده، حتي إذا فرغ منه نظر؛ فإذا الليلة علي حالها، فلا يعرف طول تلك الليلة إلا حملة القرآن فينادي بعضهم بعضًا، فيجتمعون في مساجدهم بالتضرع والبكاء والصراخ بقية تلك الليلة، ومقدار تلك الليلة ثلاث ليال، يرسل الله جبريل إلى الشمس والقمر فيقول: إن الرب تعالي يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منها؛ فإنه لا ضوء لكما عندنا ولا نور. فيبكي الشمس والقمر من خوف يوم القيامة وخوف الموت، وترجع الشمس والقمر فيطلعان من مغاربهما، فبينما الناس كذلك يبكون ويتضرعون إلى الله ﷿ والغافلون في غفلاتهم إذ نادي مُنادٍ: ألا إن باب التوبة قد أُغْلِق، والشمس والقمر قد طلعا من مغاربهما. فينظر الناس وإذا بهما أسودان كالعكمين ولا ضوء لهما ولا نور، فذلك قوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ ".
تَنبيه
(العكمة): الغرارة؛ أي: كالغرارتين العظيمتين، ومنه يقال لمن يشد الغرائر علي الجمل: العكام، وفي حديث أم زرع: "عكومها رداح".
"فيرتفعان مثل البعيرين المقرونين ينازع كل منهما صاحبه استباقًا، ويتصايح أهل الدنيا، وتذهل الأمهات عن أولادها، وتضع كل ذات حملٍ حملها.
فأما الصالحون والأبرار: فإنهم ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب لهم عبادة.
وأما الفاسقون والفجار: فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب عليهم حسرة.
فإذا بلغت الشمس والقمر سُرَّةَ السماء؛ وهو منتصفها جاءهما جبريل فأخذ بقرونهما فردهما إلى المغرب، فلا يغربهما في مغاربهما -أي: مغارب طلوعهما ذلك اليوم؛ وهو جهة المشرق- ولكن يغربهما في مغاربهما الذي في باب التوبة".
[ ٣٠٧ ]
فائدة: في ذلك قول الفقهاء: تلك الليلة عن ليلتين ويوم فتقضي خمس صلوات
فقال عمر بن الخطاب - ﵁ - للنبي - ﷺ -: وما باب التوبة؟ فقال: "يا عمر؛ خلق الله بابًا للتوبة خلف المغرب، فهو من أبواب الجنة، له مصراعان من ذهب، مكللان بالدر والجواهر، ما بين المصراع إلى المصراع مسيرة أربعين عامًا للراكب المسرع، فذلك الباب مفتوحٌ منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة، عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما، ولم يتب عَبْدٌ من عباد الله توبةً نصوحًا من لدن آدم إلى ذلك اليوم إلا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب، ثم تُرْفَعُ إلى الله".
فقال معاذ بن جبل - ﵁ -: يا رسول الله؛ وما التوبة النصوح؟ قال: "أن يندم العبد علي الذنب الذي أصاب، فيهرب إلى الله منه، ثم لا يعود إليه حتي يعود اللبن في الضرع".
قال: "فيغربهما جبريل في ذلك الباب ثم يرد المصراعين، فيلتئم ما بينهما ويصيران كأنهما لم يكن فيهما صدع قط ولا خلل، فإذا أغلق باب التوبة لم يقبل لعبد بعد ذلك توبة، ولم تنفعه حسنة يعملها بعد ذلك إلا ما كان قبل ذلك فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري لهم قبل ذلك، فذلك قوله تعالي: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ﴾ الآية".
فقال أُبي بن كعب: يا رسول الله؛ فداك أبي وأمي، فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك؟ وكيف بالناس والدنيا؟ قال: "يا أُبيّ؛ إن الشمس والقمر يكسبان بعد ذلك ضوء النور، ثم يطلعان علي الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك، وأما الناس: فإنهم حين رأوا ما رأوا من تلك الآية وعظمها، يلحون علي الدنيا فيعمرونها ويجرون فيها الأنهار، ويغرسون فيها الأشجار، ويبنون فيها البنيان، فأما الدنيا: فإنه لو نتج رجلٌ مهرًا لم يركبه حتي تقوم الساعة من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم ينفخ في الصور".
فائِدَة
قال الفقهاء: تلك الليلة عن ليلتين ويوم، فيقضي خمس صلوات؛ لأن الليلة الأولي ما فيها صلاة؛ لأن الفرض أنهم ناموا بعد فعل العشاءين، والليلة الثانية مع
[ ٣٠٨ ]
تنبيه: في ذكر طريق الجمع بين روايات المدة التي تبقى بعد طلوع الشمس
اليوم فيها خمس صلوات، فتقضي قياسًا علي أيام الدجال بجامع الطول، كما قاسوا يوميه الأخيرين علي يومه الأول.
وعلي هذا: فمن نام عن صلاته فعليه مع قضاء الخمس قضاء ما نام عنه، وهو واضح، ويدخل وقت صلاة الصبح يوم طلوعها من مغربها بطلوع الفجر، وصلاة الظهر برجوعها عن وسط السماء فإنه بمنزلة الزوال، والعصر والمغرب والعشاء كبقية الأيام، وبالله التوفيق.
تَنبيه
رَوي ابن أبي شيبة، عن ابن عمر ﵄ قال: "الأشرار بعد الأخيار عشرين ومئة سنة"، كذا في الأصل المنقول عنه، فيحتمل أن الناصب سقط، وأن يُقدر بدليل الروايتين بعدها؛ فتمكث، أو تبقي.
وروي عن ابن عمر - ﵁ - قال: "يمكث الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومئة سنة".
وروي عبدُ بن حُميد عنه أيضًا قال: "يبقي شرار الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومئة سنة".
وروي نُعيم عن ابن عمر ﵄ قال: "لا تقوم الساعة حتي تعبد العرب ما كان يَعْبدُ آباؤهم عشرين ومئة عام بعد نزول عيسي ابن مريم وبعد الدجال".
وروي عَبدُ بن حُميد عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقوم الساعة حتي يلتقي الشيخان الكبيران، فيقول أحدهما لصاحبه: متي ولدت؟ فيقول: زمن طلعت الشمس من مغربها".
وروي هو وابن أبي شيبة، وابن المنذر عنه قال: "الآيات كلها في ثمانية أشهر".
وأخرجوا غير ابن أبي شيبة عن أبي العالية، قال: "الآيات كلها في ستة أشهر". ومَرَّ: "لو أن رجلًا نتج مهرًا لم يركبه حتي ينفخ في الصور".
قال في "فتح الباري" وتبعه في "القناعة": وطريق الجمع بين الروايات أن المدة
[ ٣٠٩ ]
تعقيب المصنف على قول الحافظين ابن حجر والسخاوي حول ذلك
كما في الروايات الأول عشرون ومئة سنة، لكنها تمر مرًا سريعًا كمقدار عشرين ومئة شهر، كما في "صحيح مسلم": عن أبي هريرة - ﵁ - رفعه: "لا تقوم الساعة حتي تكون السنة كالشهر" الحديث، وفيه: "اليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السعفة". اهـ
وعلي هذا: فيكون تقارب الزمان وتقاصر الأيام مرتين، مرةً في زمن الدجال، ثم ترجع بركة الأرض وطول الأيام إلى حالها الأولي، ثم تتناقص بعد موت عيسي ﵇ إلى أن تصير في آخر الدنيا إلى ما ذكر.
وهذا تنبيهٌ حسن لم أر من نبه عليه، وبالله التوفيق.
وأقول: ما قالاه يقتضي أن تكون المدة مقدار اثنتي عشرة سنة من سنينا، فالإشكال بحاله؛ لأن المهر قد يركب في سنتين، وبتسليم ذلك وتمحل أن المراد الركوب للكر والفر في الحرب، وذلك في الخيل الأصيل لا يكون إلا في العشر وما بعدها، ولا يمكن الجمع بينها وبين رواية ثمانية وستة أشهر.
وأيضًا ينافيه حديث أبي هريرة - ﵁ - المار عند عَبد بن حُميد؛ مرفوعًا: "لا تقوم الساعة حتي يلتقي الشيخان الكبيران. . . ." الحديث، إلا أن يقال: إن كِبَرَ أهل ذلك الزمان علي حسب سنيهم، وعليه فَيُقدرُ إنتاج المهر وركوبه في السنين المعتادة، والأولي أن يُجمع بأن المدة القليلة بالنظر لبقاء المؤمنين، والمئة والعشرون للكفار والأشرار؛ كما تصرح به الروايات السابقة: "الأشرار بعد الأخيار".
مع هذا لابد من القول بتقاصر الزمان؛ ليكون أربعون سنة الواقعة في حديث ابن مسعود السابق في بقاء المؤمنين مقدار أربعين شهرًا، فيكون التقدير بإنتاج المهر وركوبه واضحًا.
ومعني: "تقوم الساعة" علي هذا: أنها تقوم علي المؤمنين بموتهم، ونظيره ما في البخاري: أن رجلًا سأله - ﷺ - عن الساعة فنظر إلى أحدث القوم سنًا فقال: "إن يستنفد هذا عمره لم يمت حتي تقوم الساعة".
قال العلماء: أراد ساعة الحاضرين، لا ساعة عامة الخلق.
ولكن رواية الثمانية أشهر، والستة أشهر، فيجب -إن صحتا- تأويلهما قطعًا.
[ ٣١٠ ]
تنبيه آخر: في ذكر من تاب وأسلم بعد أن تمتد الدنيا وينسى الأمر، هل يقبل ذلك أم لا وذكر كلام الحافظ في ذلك
تَنبيه آخَر
اختلفوا: هل إذا كان كذلك، وامتدت الدنيا بعد ذلك إلى أن يُنسي هذا الأمر، أو ينقطع تواتره، ويصير الخبر عنه آحادًا، فمن أسلم حينئذ وتاب تُقْبَلُ منه أم لا؟
ذكر أبو الليث السمرقندي في "تفسيره": عن عمران بن حصين - ﵁ - قال: إنما لا يقبل الإيمان والتوبة وقت الطلوع، فمن أسلم أو تاب بعد ذلك قُبِلت توبته.
قال الحافظ في "فتح الباري" ما حاصله: إن الذي دلت عليه الأحاديث الثابتة الصحاح والحسان أن قبول التوبة مَلغِيٌّ بطلوع الشمس من مغربها، ومفهومها: أن بعد ذلك لا تقبل، بل وفي بعض الروايات التصريح بعدم القبول.
كما عند أحمد، والطبراني: عن مالك بن يخامر، ومعاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو؛ رفعوه: "لا تزال التوبة مقبولة حتي تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طبع علي كل قلب بما فيه، وَكُفي الناس العمل".
وفي حديث ابن عباس ﵄ عند ابن مردويه السابق: "فإذا أُغْلِقَ ذلك الباب لم تقبل بعد ذلك توبة، ولا تنفع حسنة".
وعند نُعيم بن حماد، عن ابن عمرو ﵄: "فيناديهم مُنادٍ: يا أيها الذين آمنوا؛ قد قُبِلَ منكم، ويا أيها الذين كفروا؛ قد أُغْلِقَ عنكم باب التوبة، وجفت الأقلام، وطويت الصحف".
ومن طريق يزيد بن شريح، وكثير بن مرة: "إذا طلعت الشمس من المغرب يُطبع علي القلوب بما فيها، وترتفع الحفظة، وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملًا".
وأخرج عَبدُ بن حُميد، والطبري بسندٍ صحيح عن عائشة ﵂: "إذا خرجت أول الآيات -يعني: طلوع الشمس من المغرب- طُرِحت الأقلام، وطويت الصحف، وخلصت الحفظة، وشهدت الأجساد علي الأعمال".
وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: "الآية التي تختم بها الأعمال: طلوع الشمس من مغربها".
[ ٣١١ ]
تنبيه آخر: في ذكر روايات أول الآيات ظهورا ونقل كلام الحافظ ابن حجر في طريق الجمع بينها
قال: فهذه آثارٌ يَشُدُّ بعضها بعضًا متفقةٌ علي أن الشمس إذا طلعت من المغرب أغلق باب التوبة ولم يُفتح بعد ذلك، ولا يختص ذلك بيوم طلوعها، بل يمتد إلى يوم القيامة.
قُلْتُ: ويؤيد هذا ما يأتي في الخاتمة: أن إبليس يخر عند طلوعها ساجدًا، وأن الدابة تقتله؛ فإنه لا يموت إبليس إلا وقد فُرغ من العمل.
تَنبيه آخَر
ورد في بعض الروايات: أن أول الآيات (١) خروج الدجال. وفي بعضها: أن أولها طلوع الشمس من مغربها. وفي بعضها: الدابة. وفي بعضها: نارٌ تحشر الناس إلى محشرهم.
قال الحافظ ابن حجر: وطريق الجمع: أن الدجال أول الآيات العظام المُؤذِنة بتغيير أحوال العامة في الأرض؛ أي: فلا ينافي تقدم المهدي عليه.
قال: وينتهي ذلك بموت عيسي ابن مريم ﵇، ومِنْ بَعْدِه القحطاني وغيره، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات المؤذنة بتغيير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة؛ أي: والدابة معها، فهي والشمس كشيء واحد، وأن النار أول الآيات المؤذنة بقيام الساعة. انتهي
وهذا جَمعٌ حسن ﵀ تعالي.
_________________
(١) وذكر صاحب "درجات مرقاة الصعود" (ص ١٨٤) ترتيبها هكذا، فقال: ذكر القرطبي عن بعض العلماء ترتيبها هكذا: أولها: الخسوفات، فالدجال، فنزول عيسي ﵇، فخروج يأجوج ومأجوج، فريح تقبض أرواح المؤمنين، فتقبض روح عيسي ﵇ مع من معه، فتهدم الكعبة، ورفع القرآن، واستيلاء الكفر علي الخلق، فتطلع الشمس من مغربها، فتخرج الدابة. وذكر البيهقي عن الحاكم مثله، إلا أنه جعل خروج الدابة قبل طلوع الشمس. ثم ذكر إيراد أهل الهيئة أنه لا يمكن، وأجاب عنه إلخ. قلت: ينبغي خروج الدابة قبل الريح القابضة كما لا يخفي أنها هي تَسِمُ المؤمن والكافر، فإذا لم يبق مؤمن لأجل الريح فمن تَسِمهُ؟ ! (ز).
[ ٣١٢ ]
تبصرة: تقرير إشكال في قوله تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك ..﴾ ونقل كلام الزمخشري والبيضاوي وغيرهما وتعليق المصنف عليه
ويدل علي ذلك ما في بعض الروايات: "وآخر ذلك -يعني: الآيات- نارٌ تحشر الناس إلى محشرهم".
ورَوي نُعيم عن وهب بن منبه قال: أول الآيات: الروم، ثم الدجال، والثالثة يأجوج ومأجوج، والرابعة عيسي ﵇.
أي: وكون عيسي ﵇ رابعة باعتبار تأخره عن يأجوج ومأجوج، وإن كان باعتبار وقت نزوله مُقدّمًا عليهما فهو باعتبارٍ ثالث، وباعتبار آخر رابع.
والخامسة: الدخان، وسيأتي بيانه وتفصيله.
والسادسة: الدابة؛ أي: وَعَدُّه هذا باعتبار الآيات الأرضية، ومن ثم لم يعد طلوع الشمس، فهو أيضًا يؤيد ما ذكره الحافظ، لكن لو قال: وينتهي ذلك بخروج الدابة بدل قوله: بموت عيسي ﵇ لكان أولي وأوضح، وكون الروم أولًا حقيقي، وكون الدجال أولًا إضافي؛ لأنه أعظم من الروم، وكأن الروم بالنظر إليه ليس بشيء.
تَبْصِرَة
قوله تعالي: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: فيه بحسب الظاهر إشكال.
وتقريره: أن قوله: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ صفة لـ (نفسًا) فصل بينها وبين موصوفها بالفاعل.
وقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ﴾، عطف علي الصفة.
فيكون المعني: إذا جاء بعض الآيات لا ينفع الإيمان نفسًا، موصوفةً بأحد الأمرين:
عدم الإيمان، ويلزمه عدم كسب الخير فيه.
وعدم كسب الخير في الإيمان ولو وجد الإيمان واتصفت به.
وهذا إنما يتأتي علي مذهب الاعتزال، وأهل السُّنَّة لا يقولون بذلك.
[ ٣١٣ ]
ذكر أجوبة حول هذا الأمر وبيان المصنف لها
ومن ثم قال صاحب "الكشاف". لم يفرق كما تري بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقتها ولم تكتسب خيرًا؛ ليعلم أن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ جَمعٌ بين قرينتين، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخري حتي يفوز صاحبهما ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك. انتهي كلام "الكشاف".
وأشار البيضاوي لظهور دلالة الآية لهذا المعني؛ فقال: والمعني أنه لا ينفع الإيمان حينئذ نفسًا غير مقدمة إيمانها، أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيرًا، وهو دليل لمن لا يعتبر الإيمان المجرد عن العمل؛ أي: بل يجعل العمل جزءًا من أصل الإيمان وحقيقته كالمعتزلة، لا من يجعله جزءًا من كماله، وزيادته كجمهور أهل السُّنَّة وعامة أهل الحديث وأكثر الأئمة.
ثم أشار البيضاوي إلى الجواب عن ذلك بثلاثة أجوبة اختصارًا؛ فقال: وللمُعْتبِر؛ أي: لمن يعتبر الإيمان المجرد عن العمل تخصيص هذا الحكم بذلك اليوم، وحمل الترديد علي اشتراط النفع بأحد الأمرين علي معني ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا﴾ خلت عنها إيمانها، والعطف علي ﴿لَمْ تَكُنْ﴾ بمعني لا ينفع نفسًا إيمانها الذي أحدثته حينئذ وإن كسبت فيه خيرًا. انتهي
وتقرير كلامه: أنا نُجِيبُ أولًا: بأنا نُسَلّم أن المعني كذلك لكن نَخُصُّ الحكم بذلك اليوم، ولا نعممه بجميع الأزمنة؛ فمن مات مؤمنًا قبل ذلك اليوم نفعه إيمانه وإن لم يكن كسب فيه خيرًا ولم يعمله، ومن أدرك ذلك اليوم: إن قدم الإيمان عليه، وكسب فيه خيرًا نفعه، وإلا؛ بأن لم يقدمه أو قدمه من غير كسب خير فيه فلا.
هذا حاصل الجواب الأول، وفيه أن العمومات دلت علي أن الإيمان المجرد نافعٌ في جميع الأحوال والأوقات.
وحاصل الجواب الثاني: أن (أو) تكون تارة لعموم النفي؛ كقوله تعالي: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾؛ أي: واحدًا منهم، وأخري لنفي العموم وذلك إذا قدر عطف النفي علي النفي، ثم جيء بـ (أو) والآية من الأول، فالمعني: لا ينفع نفسًا لم تقدم
[ ٣١٤ ]
إيمانًا ولا كسبت فيه خيرًا؛ أي: نفسًا خالية من الأمرين جميعًا، عارية عنهما، وعليه اقتصر أبو السعود في "تفسيره".
واعترض هذا الوجه بأن انتفاء الإيمان مُستلزمٌ لانتفاء كسب الخير فيه، فلا وجه للترديد بينهما.
وأجاب عنه أبو السعود بأجوبة، وأطال فيها الكلام، وكلها مخدوشة، وهي بالنكات البيانية الخطابية أشبه منها بالأجوبة.
وأقربها: قوله: ولك أن تقول المقصود من وصف نفسًا بما ذكر من العدمين التعريض بحال الكفرة في تمردهم وتفريطهم في كل واحدٍ من الأمرين الواجبين عليهم وإن كان وجوب أحدهما منوطًا بالآخر؛ كما في قوله ﷿: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ تسجيلًا علي كمال طغيانهم، وإيذانًا بتضاعف عقابهم؛ لما تقرر من أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع في حق المؤاخذة؛ كما يُنبيء عنه قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ اهـ
وهذا الذي قاله قريبٌ، لكنه خلاف مذهبه، فإن الكفار عندهم غير مكلفين بالفروع، والله أعلم.
وحاصل الجواب الثالث من أجوبة البيضاوي: أنَّا لا نعطف ﴿أَوْ كَسَبَتْ﴾ علي ﴿آمَنَتْ﴾ كما في الوجهين الأولين حتي يلزم دخول الأمرين في حيز النفي، بل نعطفه علي النفي نفسه، أعني: ﴿لَمْ تَكُنْ﴾، فيكون الترديد بين النفي والإثبات لا بين المنفيين.
فالمعني: لا ينفع نفسًا لم تقدم إيمانًا علي ذلك اليوم إيمانها، سواء لم تؤمن أصلًا؛ لأنه يصدق علي من لا يؤمن أنه لا ينفعه الإيمان؛ لأن النفع فرع الوجود، فإذا انتفي انتفي نفعه أيضًا. أو أحدثته ذلك اليوم وكسبت فيه خيرًا أيضًا؛ لأن الإيمان شرطه أن يكون بالغيب، فإذا صار الأمر معاينة لم ينفعها. وهذا هو معني قول البيضاوي: بمعني لا ينفع نفسًا إيمانها الذي أحدثته وإن كسبت فيه خيرًا.
فانظر إلى هذا السحر الحلال: كيف أدرج ﵀ ثلاثة أجوبة في مقدار
[ ٣١٥ ]
سطرين، وغيره سود وجه ورقة كاملة بجوابٍ واحد ولم يقدر علي بيانه حق البيان! ! قال - ﷺ -: "إنّ من البيان لسحرًا، وإنَّ من الشعر لحكمة". ولا شك أن التأييد والهداية من الرحمن؛ فإنه الذي: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾.
ثم لما كان كلٌّ من الجوابين الأولين فيه ما مر، والثالث فيه خَفاءٌ وفي دلالة الكلام عليه بعد اختيار جَمْعٍ من المحققين -كالعلامة التفتازاني، وابن الحاجب، وصاحب "الانتصاف"، وابن هشام، وعليه اقتصر المحقق الكوراني في "تفسيره"- جوابًا آخر غير الثلاثة، وهو أن الآية من قبيل اللف التقديري؛ أي: لا ينفع نفسًا إيمانها، ولا كسبها في الإيمان لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا.
والمعني: أن الناس في التوبة قسمان؛ قسمٌ تائب عن الكفر، وقسمٌ عن المعاصي، فالكافر إن قدم الإيمان علي ذلك اليوم قُبِل منه ونفعه إيمانه بعد ذلك اليوم أيضًا، وإلا فلا، والعاصي إن تاب عن المعصية قبل ذلك قُبِلت منه ونفعته بعد ذلك اليوم أيضًا، وإلا فلا قبول ولا نفع.
وهذا هو معني ما مر في الحديث: أنهم يجري لهم وعليهم بعد ذلك اليوم ما كانوا يعملون قبل ذلك اليوم.
قال صاحب "الانتصاف": هذا الفن من الكلام في البلاغة يُلقب باللف التقديري، وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن مؤمنة من قبل إيمانها بعد، ولا نفسًا لم تكتسب في إيمانها خيرًا قبل ما تكسبه من الخير بعد، فلف الكلامين فجعلهما كلامًا واحدًا؛ اختصارًا وإيجازًا وبلاغة.
قال: فظهر بذلك أنه لا يُخالف مذهب أهل الحق، ولا ينقطع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير؛ أي: في النوع الذي كان يعمله قبل، لا في مطلق الخير؛ لئلا يُخالف ما مر، وأن نفع الإيمان المتقدم باقٍ في السلامة من الخلود في النار.
وقال: فهو بالرد علي مذهب الاعتزال أولي من أن يدل له.
وقال ابن هشام: بهذا التقدير تندفع هذه الشبهة.
[ ٣١٦ ]
قال: وقد ذكر هذا التأويل ابن عطية، وابن الحاجب. اهـ
واعترض أبو السعود هذا الجواب: بأن مبني اللف التقديري أن يكون المقدر من مُتممات الكلام ومُقتضيات المقام، وقد ترك ذكره تعويلًا علي دلالة الملفوظ عليه، واقتضائه إياه، ولا ريب في أن ما هنا ليس مما يستدعيه قوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، ولا هو من مقتضيات المقام. اهـ
أقول: إنكار دلالة الكلام عليه واقتضاء المقام يُشبه مكابرة المحسوس في المرام أمام دلالة الكلام؛ فلأنه بدون التقدير يؤدي لاختلال النظام أو لتناقض الأحكام، وأما اقتضاء المقام فلأنه في بيان حكم عام لكافة الأيام، فيعم الكفر والإسلام والطاعة والآثام، وبالله التوفيق؛ وليِّ الإنعام.
وقد أجابوا بأجوبةٍ أُخر فلنشر إليها:
أحدها: أن الآية من قبيل القلب؛ أي: لم تكن كسبت خيرًا أو آمنت من قبل، وذِكر نفي الإيمان بعد نفي الكسب مُفيدٌ؛ لأنه ترقٍّ، وليس كعكسه السابق في عدم إفادة الترديد، ونكتة القلب التنبيه بتقديم الإيمان في أنه الأصل الذي نيط به النجاة.
ثانيها: حمل الإيمان علي اللغوي السابق علي نزول القرآن وهو المعرفة؛ أي: وهو من قبيل التصور لا من قبيل التصديق، وقد فسر به الإيمان في قوله تعالي: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾.
قال البيضاوي: معناه منهم من يُصدق به ويعلم أنه حَقٌّ ولكن يُعاند، وسبقه إليه "الكشاف"، ويُحمل الكسب علي الإذعان والقبول.
ثالثها: أن يُحمل الإيمان علي التصديق القلبي، والكسب علي الإقرار اللساني؛ أي: وهو كسبٌ؛ لأنه بالجارحة.
وهذا ظاهرٌ؛ لأن الإسلام غير الإيمان، فيصح أن يقال: إن الإيمان النافع في الدارين ما يكون جامعًا بينهما، فيكون الظاهر معنا لا مع المخالف.
أشار إلى الجوابين الأخيرين شيخ مشايخنا العلامة المحقق الشريف صبغة الله الحسيني ﵀ فيما كتب علي هامش "تفسير الكوراني" بخطه، لكن قوله: (إن
[ ٣١٧ ]
خاتمة: في ذكر الدابة وبيان وقت خروجها
الإيمان النافع في الدارين ما يكون جامعًا بينهما) مبنيٌّ علي القول بأن الشهادتين شطرٌ من الإيمان لا شرط، والأصح خلافه كما هو مُبينٌ في محله.
ولبعض متأخري مُحققي العجم علي هذه الآية رسالة مبسوطة بلسان المناطقة، أتي فيه بالعجب العجاب، وكشف عن وجه المقصود الحجاب، لكن لبعدها عن أفهام العامة سيما المبتدئين لم ننقل منها شيئًا هنا، ولبعض المحشين علي البيضاوي هنا خَبطٌ واضطراب، فاجتنبه؛ فإنه جعل الأجوبة الثلاثة واحدًا، وإنما نبهنا عليه؛ لئلا يُغتر به فيظن أن كلام البيضاوي متناقض، والله أعلم.
خَاتِمَة
أخرج نُعيم بن حماد في "الفتن"، والحاكم في "المستدرك": عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: "لا يلبثون -يعني: الناس- بعد يأجوج ومأجوج حتي تطلع الشمس من مغربها، وجفت الأقلام، وطويت الصحف، ولا يقبل من أحدٍ توبةٌ ويخر إبليس ساجدًا يُنادي: إلهي؛ مُرني أن أسجد لمن شئت، وتجتمع إليه الشياطين فتقول: يا سيدنا؛ إلى من تفزع؟ فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى يوم البعث، فأنظرني إلى يوم الوقت المعلوم، وقد طلعت الشمس من مغربها، وهذا يوم الوقت المعلوم، وتصير الشياطين ظاهرة في الأرض حتي يقول الرجل: هذا قريني الذي كان يغويني، فالحمد لله الذي أخزاه، ولا يزال إبليس ساجدًا باكيًا حتي تخرج الدابة فتقتله وهو ساجد".
قُلْتُ: وهذا يدل علي تأخر الدابة عن الشمس، ويتمتع المؤمنون بعد ذلك أربعين سنة لا يتمنون شيئًا إلا أعطوه، حتي يتم أربعون سنة بعد الدابة، ثم يعود فيهم الموت ويسرع فلا يبقي مؤمن، ويبقي الكفار يتهارجون في الطرق كالبهائم، حتي ينكح الرجل أمه في وسط الطريق، يقوم واحد عنها، وينزل واحد، وأفضلهم من يقول: لو تنحيتم عن الطريق كان أحسن. فيكونون علي مثل ذلك حتي لا يُولد أحدٌ من نكاح، ثم يُعْقِمُ الله النساء ثلاثين سنة، ويكونون كلهم أولاد زنا؛ شرار الناس، عليهم تقوم الساعة.
[ ٣١٨ ]
تنبيه: رد المصنف على أهل الهيئة في موضوع طلوع الشمس من مغربها ونقل كلام الكرماني
ذكر بقية أخبار الدابة
وأخرج الطبراني، وابن مردويه: عن ابن عمرو بن العاص ﵄ قال: "إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجدًا يُنادي ويجهر: إلهي؛ مُرني أسجد لمن شئت، فتجتمع إليه زبانيته فيقولون: يا سيدنا، ما هذا التضرع؟ فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى الوقت المعلوم، وهذا الوقت المعلوم.
قال: "وتخرج دابة الأرض من صدعٍ في الصفا، فأول خطوة تضعها بأنطاكية، فتأتي إبليس فتخطمه".
تَنبيه
في طلوعها من المغرب ردٌّ علي أهل الهيئة ومن وافقهم أن الشمس وغيرها من الفلكيات بسيطة لا تختلف مقتضياتها، ولا يتطرق إليها تغيير عما هي عليه.
قال الكرماني: وقواعدهم منقوضة، ومقدماتهم ممنوعة، وعلي تقدير تسليمها فلا امتناع من انطباق منطقة البروج علي المعدل بحيث يصير المشرق مغربًا والمغرب مشرقًا. اهـ
وأما دابة الأرض (١): فقد قال تعالي: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ الآية.
قال أهل التفسير: إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر.
وقال البيضاوي: إذا دنا وقوع معناه؛ وهو ما وعدوا من البعث والعذاب.
وعن ابن مسعود - ﵁ -: إذا مات العلماء، وذهب العلم، ورُفِعَ القرآن ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾، من الكلام، ويؤيده: أنه قُريء: (تنبئهم) وقُريء: (تحدثهم)، وقُريء وحمل علي التفسير: (تكلمهم ببطلان سائر الأديان سوي الإسلام).
وقيل: من الكلم الجرح، والتفعيل للتكثير، ويؤيده أنه قُريء (تَكْلمهم) بفتح فسكون، وقريء: (تجرحهم).
_________________
(١) وهي المذكورة في قوله تعالي: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ الآية في آخر النمل. وذكر رواياتها السيوطي في "الدر" (٥/ ١١٥) وبسطها. وفي "حاشية ابن ماجه" (ص ٣١٤) عن ابن عمرو بن العاص أنها: الجساسة (ز).
[ ٣١٩ ]
ذكر الكلام على حلية الدابة وما ورد في ذلك من أخبار
وسأل أبو الحواري ابن عباس ﵄: تُكَلِّمُهم أو تَكْلَمُ؟ فقال: كِلا ذلك تفعل؛ تُكَلِّمُ المؤمن وتَكْلُمُ الكافر، وقد مر أنه قيل: إنها الجساسة، وجزم به البيضاوي وغيره.
وقرأ الكوفيون ويعقوب: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ بفتح الهمزة، والباقون بكسرها علي أنه حكاية معني قولها وحكايتها لقول الله.
ويؤيدهما ما يأتي أنها تُنادي بأعلي صوتها: (إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)، أو استئناف علة لخروجها، أو علة لتكلمها علي قراءة الكسرة، أو علة فحذف الجار علي قراءة الفتح؛ أي: إنما أخرجناها؛ لأن الناس كانوا، أو إنما تكلمهم؛ لأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون.
وعن أبي العالية: أن وقوع القول؛ سَدُّ باب الإيمان والتوبة.
قُلْتُ: وعلي هذا التفسير يكون في القرآن أيضًا الإشارة إلى تأخرها عن طلوع الشمس من مغربها؛ لأنه به يقع القول.
والكلام في حليتها، وسيرتها، وخروجها:
أما حليتها: فعن ابن عباس ﵄: أن لها عُنقًا مُشرفًا؛ أي: طويلًا، يراها من بالمشرق كما يراها من بالمغرب، ولها وجه الإنسان ومنقار كمنقار الطير، ذات وبر وزغب.
وعن أبي هريرة - ﵁ -: أنها ذات عصب وريش.
وعن ابن عباس ﵄: أنها ذات وبر وريش مؤلفة، وفيها من كل لون لها أربع قوائم.
وعن ابن عمر ﵄: زغباء ذات وبر وريش.
وعن حذيفة - ﵁ -: أنها ملمعة ذات وبر وريش، لن يدركها طالب، ولن يفوتها هارب.
[ ٣٢٠ ]
تنبيه: معنى: (الزغب، الأيل)
وعن علي (١) بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقد قيل له: إن ناسًا يزعمون أنك دابة الأرض. فقال: والله إن لدابة الأرض ريشًا وزغبًا، وما لي ريشٌ ولا زغب، وإن لها حافرًا وما لي حافر، وإنها لتخرج حُضْرُ الفرس الجواد ثلاثًا، وما أخرج ثلثاها.
وعن عمرو بن العاص - ﵁ -: أن رأسها يمس السماء، وما خرجت رجلاها من الأرض.
وعن ابن عمرو ﵄: أنها تخرج كجري الفرس ثلاثة أيام، لم يخرج ثلثها، وهذا يقرب من رواية علي كرم الله وجهه المارة.
وعن أبي هريرة - ﵁ -: أن فيها من كل لون، ما بين قرنيها فرسخ للراكب.
وعن ابن عباس ﵄: أنها مؤلفة ذات زغب وريش، فيها من ألوان الدواب كلها، وفيها من كل أمة سيما، وسيماها من هذه الأمة أنها تكلم الناس بلسان عربي مبين، تكلمهم بكلامهم.
تَنبيه
الزغب: صغار الريش أول ما يطلع، قاله في "النهاية".
وعن أبي الزبير أنه وصف الدابة؛ فقال: رأسها رأس ثور، وعيناها عينا خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير.
أي: وقد مر عن ابن عباس ﵄: أن وجهها وجه إنسان، ومنقارها منقار طير، بين كل مفصلين منها اثنا عشر ذراعًا.
(الأيل)؛ بفتح الهمزة وكسر التحتانية مشددة، وبالعكس، وبضم وفتح: الوعل، وهو تيس الجبل.
وعن عاصم بن حبيب بن أصبهان قال: سمعت عليًا - ﵁ - علي المنبر
_________________
(١) حكاه السيوطي في "الدر" (ز).
[ ٣٢١ ]
ذكر سيرة الدابة
تنبيه: في ذكر إعراب "نكتة"
ذكر بقية روايات سيرة الدابة
يقول: إن دابة الأرض تأكل بفيها، وتكلم من استها.
وعن الحسن - ﵁ -: أن موسي سأل ربه أن يريه الدابة؟ فخرجت ثلاثة أيام ولياليهن تذهب في السماء لا يُري واحدٌ من طرفيها.
قال: فرأي منظرًا فظيعًا، فقال: رَبِّ؛ ردها. فردَّها.
وأما سيرتها: فإن معها عصا موسي، وخاتم سليمان بن داود، تُنادي بأعلي صوتها: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ وإنها تسم الناس المؤمن والكافر، فأما المؤمِن فَيُرَي وجهه كأنه كوكب دُري، وَيُكتَب بين عينيه مؤمن، وأما الكافر فَيُكْتَبُ بين عينيه نكتةٌ سوداء: كافر.
تَنبيْه
يجوز في إعراب هذا أن يكون "نكتة" مرفوعًا علي أنه نائب فاعل (يكتب)، و(سوداء) صفتها، و(كافر) بدلًا منه، وأن يكون (كافر) نائب الفاعل، و(نكتة) منصوبًا علي أنه حال منه تقدمت عليه، و(سوداء) نعتها.
وفي رواية: "فتلقي المؤمن لتسمه في وجهه، ولكنه يبيض له وجهه، وتسم الكافر ولكنه يسود وجهه".
وفي رواية: "فارفضَّ -أي: تفرق- الناس عنها شتي ومعًا، وثبت عصابة من المؤمنين، وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله، فبدأت بهم؛ حلت وجوههم حتي جعلتها كأنها الكوكب الدُري، وولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب، حتي إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه، فتقول: يا فلان؛ الآن تُصلي! فيقبل عليها فتسمه في وجهه، ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال ويصطحبون في الأمصار يصرف المؤمن الكافر وبالعكس، حتي إن المؤمن يقول: يا كافر؛ اقضني حقي، وحتي إن الكافر ليقول: يا مؤمن؛ اقضني حقي".
وفي رواية: "تخرج فتصرخ ثلاث صرخات، فيسمعها مَنْ بين الخافقين".
وفي لفظ: "تستقبل المشرق فتصرخ صرخة تنفذها، ثم تستقبل الشام فتصرخ
[ ٣٢٢ ]
ذكر خروج الدابة وما روي في ذلك
صرخة تنفذها، ثم تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذها، ثم تستقبل اليمن فتصرخ صرخة تنفذها".
وفي رواية: "لا يبقي مؤمن إلَّا نكتت في مسجده (١) بعصا موسي نكتة بيضاء، فتفشو تلك النكتة حتي يَبْيَضَّ لها وجهه، ولا يبقي كافر إلا نكتت في وجهه نكتة سوداء بخاتم سليمان، فتفشو تلك النكتة حتي يسود لها وجهه، حتي إن الناس ليتبايعون في الأسواق: بكم ذا يا مؤمن؟ وبكم ذا يا كافر؟ ويقول هذا: خذ يا مؤمن. ويقول هذا: خذ يا كافر".
وفي رواية: "تأتي الرجل وهو يُصلي في المسجد، فتقول: ما الصلاة من حاجتك، ما هذا إلا تعوذٌ ورياء. فتخطمه وتكتب بين عينيه كذاب".
وقد مر أنها تقتل إبليس أو تخطمه.
وأما خروجها: فقد ورد أن لها ثلاث خرجات في الدهر، فتخرج خرجةً من أقصي البادية.
وفي رواية: "من أقصي اليمن، ولا يدخل ذكرها القرية -يعني: مكة-، ثم تكمن زمانًا طويلًا، ثم تخرج خرجة أخري دون تلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية -يعني: مكة-".
قال - ﷺ -: "ثم بينما الناس في أعظم المساجد علي الله حرمة وأكرمها المسجد الحرام لم ترعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام، تنفض عن رأسها التراب، فارفض الناس عنها شتي".
هكذا ورد عن ابن عباس، وحذيفة ﵃، وبعض طرق حديث حذيفة صحيح.
وعن ابن عباس ﵄ أيضًا: أنها تخرج من بعض أودية تهامة -أي: وهذا في بعض خرجاتها-، والأول في خرجاتها الأخيرة.
_________________
(١) أي: موضع سجود جبهته.
[ ٣٢٣ ]
تنبيه: في ذكر أوجه الجمع بين روايات خروج الدابة
وعن أبي هريرة، وابن عمر، وابن عمرو، وعائشة ﵃: أنها تخرج بأجياد.
وعن ابن عمر ﵄ أيضًا: أن رسول الله - ﷺ - أراه المكان الذي تخرج منه الدابة، وأنه من قبل الشق الذي في الصفا.
وعن ابن عمر ﵄ قال: يكون خروجها من الصفا ليلة مِني، فيصبحون بين ذنبها ورأسها، لا يدحض داحضٌ، ولا يخرج خارجٌ، حتي إذا فرغت مما أمر الله، فهلك من هلك ونجي من نجي كان أول خطوة تضعها بأنطاكية.
وفي بعضها: أنها تخرج من المروة. وفي بعضها: من مدينة قوم لوط. وفي بعضها: من وراء مكة.
تَنبيْه
وجه الجمع بين هذه الروايات من وجهين:
أحدهما: أن لها ثلاث خرجات، ففي بعضها تخرج من مدينة قوم لوط، ويصدق عليها أنها من أقصي البادية، وفي بعضها تخرج من بعض أودية تهامة، ويصدق عليها أنها من وراء مكة، ومن اليمن؛ لأن الحجاز يمانية، ومن ثم قيل: الكعبة يمانية. وفي المرة الأخيرة تخرج من مكة، وهي من عظم جثتها وطولها يمكن أن تخرج من بين المروة والصفا وأجياد، فإنها تمسك مقدار ثلاثة أيام وأكثر، وحينئذ يصدق عليها أنها خرجت من المروة، ومن الصفا، ومن أجياد، ومن المسجد، وبالله التوفيق.
والوجه الثاني: أنها تخرج من جميع تلك الأماكن في آنٍ واحد خرقًا للعادة في صور مثالية، وهذا أيضًا مبنيٌّ علي تحقق المثال المحسوس.
وقد أفتي السيوطي في رجلين حلفا بالطلاق كُلٌّ حلف علي أن الشيخ عبد القادر الطحطوحي بات عنده في ليلةٍ واحدة معينة، بأنه لا يقع طلاق واحد منهما بناءً علي هذا.
قال: وقد وقعت هذه المسألة قديمًا، وأفتي فيه العلماء بعدم الحنث. انتهي
[ ٣٢٤ ]
ذكر بقية الأشراط القريبة
ثم رأيت ابن عَلَّان قال في تفسيره "ضياء السبيل" ما لفظه: وقيل: تخرج في كل بلدٍ دابةٌ مما هو مثبوت نوعها في الأرض وليست واحدة، فدابة علي هذا القول اسم جنس. انتهي
وإذا قلنا بتعدد الصور المثالية أغني عن القول بالجنسية، وبالله التوفيق.
ومن الأشراط: الدخان:
عن حذيفة بن أسيد - ﵁ - قال: "اطلع علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: الساعة يا رسول الله. قال: إنها لن تقوم حتي تروا قبلها عشر آيات. . . ." فذكر الدخان والدجال. الحديث رواه مسلم، والترمذي، وابن ماجه، ورواه حذيفة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: وأنه يمكث في الأرض أربعين عامًا.
وفي رواية: "أنه يأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام".
وقد مر أنه يكون دُخانٌ عند هلاك يأجوج ومأجوج، وأنه يمكث ثلاثًا، فيحتمل أن يكون هذا هو ويحتمل غيره، لكنه لابد أن يكون قبل الريح الآتية؛ لأن بعد الريح لا يبقي مؤمنٌ، وعند الدخان يُوجد المؤمنون؛ كما هو صريح العبارة.
ومنها: ريح طيبة تقبض روح كل مؤمن، ورجوع الناس إلى عبادة الأوثان ودين آبائهم:
أخرج مسلم وغيره: عن عائشة ﵂: "لا تذهب الأيام والليالي حتي تُعبد اللات والعزي من دون الله. . . ." الحديث.
وفيه: "فيبعث الله ريحًا طيبة فيتوفي بها كل مؤمن في قلبه مثقال حبة من إيمان، فيبقي من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم".
وله شاهدٌ من حديث حذيفة بن أسيد.
وأخرج أحمد ومسلم: عن ابن عمرو ﵄ قال: "ثم يُرسل الله -يعني: بعد موت عيسي- ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقي علي وجه الأرض أحَدٌ
[ ٣٢٥ ]
تنبيه: في ذكر قتل الدابة لإبليس
تنبيه: نقل المصنف قول المناوي في اختلاف الروايتين اللتين ذكر فيهما الريح وبيان ذلك
في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، حتي لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتي تقبضه، فيبقي شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، فيعبدونها: وهم في ذلك دَارٌّ رزقهم، حسنٌ عيشهم، ثم ينفخ في الصور".
تَنبيْه
هذا ينافي ما مر من قتل الدابة إبليس بحسب الظاهر، ويمكن أن يُقال علي بُعْدٍ: إن هذا الشيطان غير إبليس.
وروي أحمد، ومسلم، والترمذي: عن النواس بن سمعان: "فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقي شرار الناس يتهارجون فيها -أي: يتسافدون- تهارج الحُمُر، فعليهم تقوم الساعة".
وقد مر عن ابن مسعود - ﵁ -: "أن المؤمنين يتمتعون بعد الدابة أربعين سنة، ثم يعود فيهم الموت ويُسرع، فلا يبقي مؤمن، ويبقي الكفار يتهارجون في الطرق كالبهائم. . . ." الحديث.
وفيه: "فيكونون علي مثل ذلك حتي لا يُولد أحدٌ من نكاح، ثم يُعقم الله النساء ثلاثين سنة، ويكونون كلهم أولاد زنا؛ شرار الناس، عليهم تقوم الساعة".
وأخرج الحاكم عن أبي هريرة - ﵁ -: "أن الله يبعث ريحًا من اليمن ألين من الحرير، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته".
تَنبيْه
قال المناوي في "تخريج أحاديث المصابيح": ويُجاب عن اختلاف الروايتين -يعني: كون الريح من قبل الشام ومن اليمن- بأنهما ريحان شامية ويمانية.
وأخرج ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال: يَدْرُسُ الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتي لا يُدري ما صيام، ولا صلاة، ولا نُسك، ولا صدقة،
[ ٣٢٦ ]
تكملة: ذكر فائدة نقلها المصنف عن ابن عربي وشرحها للعلامة الجامي
ويبقي طوائف من الناس الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة يقولون: أدركنا آباءنا علي هذه الكلمة فنحن نقولها.
فقال رجلٌ لحذيفة: فما تغني عنهم الكلمة؟ فأعرض عنه حذيفة، فأعاد عليه السؤال ثانيًا وثالثًا، فقال في الثالثة: تُنْجِيهم من النار.
وأخرج أحمد بسندٍ قوي عن أنس - ﵁ - قال: "لا تقوم الساعة حتي لا يُقال في الأرض: لا إله إلا الله".
وهو عند مسلم، لكن بلفظ: "الله الله".
فدلت الأحاديث المذكورة علي أن المراد بالشرار في الحديث: هم الذين لا يقولون: (لا إله إلا الله)، و(الله الله)، وأنه ما دام في النوع الإنساني من يقول هذه الكلمة لا تقوم الساعة، وإنما تقوم علي الكفار الذين لا يعرفون نكاحًا ولا يولدون من نكاح، فيكونون بهائم في صورة الإنسان وليسوا بإنسان حقيقة، أولئك كالأنعام بل هم أضل.
تَكْمِلَة
في فائدةٍ ذكرها الشيخ الكبير محيي الدين بن عربي ﵀ في "الفصوص" في (الفص الشيثي)، فلنذكر كلامه مع شرحه للعلامة المحقق نور الدين عبد الرحمن الجامي قدس الله أسرارهما.
قال ﵀: (وعلي قدم شيث ﵇) بل علي قلبه في التهيؤ للتجليات الذاتية، والعطايا الوهبية (يكون آخر مولود يولد في النوع الإنساني)؛ لأن مراتب الوجود دورية، فكما أن شيثَ ﵇ كان أول مولود من سلسلة أولاد آدم المنتهية إلينا ينبغي أن يكون آخر مولود أيضًا كذلك؛ ليتم الدائرة بانطباق آخرها علي أولها (وهو حامل أسراره) من علومه وتجلياته؛ لما ذكرنا (وليس يولد بعده) ولدٌ آخر (في هذا النوع الإنساني، فهو خاتم الأولاد يولد معه) في بَطنٍ واحد (أخت له) كما أن شيثَ ﵇ أيضًا كان كذلك؛ فإن حواء كانت تلد لآدم في كل بَطنٍ ذكرًا وأنثي (فتخرج أخته) قبله (ويخرج) هو بعدها؛ لأنه لو لم يتأخر عنها في الولادة لم
[ ٣٢٧ ]
تنبيه: في بيان مراد ابن عربي فيما نقله عنه المصنف
تنبيه آخر: في ذكر الحكمة من عقم النساء ثلاثين سنة
يكن خاتم الأولاد، ويشبه أن يكون شيث ﵇ مع أخته بعكس ذلك، ليكون أول مولود (يكون رأسه عند رجليها، ويكون مولده بالصين) أقصي البلاد (ولغته لغة بلده، ويسري بعد ولادته العقم في الرجال والنساء، فيكثر النكاح من غير ولادة، ويدعوهم إلى الله، فلا يُجاب في هذه الدعوة، (فإذا قبضه الله)، وقبض مؤمني زمانه (بقي من بقي مثل البهائم)، فهم حيوانات في صور الإنسان؛ لإظهار كمال الحقائق الحيوانية الطبيعية البهيمية السبعية في الصورة الإنسانية تمامًا علي ما تقتضيه الطبيعة من حيث هي هي، من غير وازعٍ عقلي أو مانعٍ شرعي، (لا يحلون حلالًا، ولا يحرمون حرامًا، ويتصرفون) بحكم الطبيعة (بشهوة مجردة عن) العقل والشرع، (فعليهم تقوم الساعة، وتخرب الدنيا، وانتقل الأمر إلى الآخرة). انتهي
تَنبيْه
مراد الشيخ - ﵁ - بقوله: (ليس يُولد بعده ولدٌ في هذا النوع الإنساني فهو خاتم الأولاد). انتهي
الإنساني الحقيقي، فهو خاتم أولاد المؤمنين، أو خاتم أولاد النكاح، فيكون العقم مرتين مرةً في المنكوحات، ومرةً في مطلق النساء؛ كما يشير له قول الشارح: (فيكثر النكاح من غير ولادة)، فإن النكاح يُطلق علي العقد كما يطلق علي الجِمَاع، فلا يُنافي أن يُولد بعده بهائم في صورة الإنسان كما يشير إليه كلامه، أو من الزنا كما صرح به حديث ابن مسعود - ﵁ - المار: "فيكونون علي مثل ذلك حتي لا يُولد أحدٌ من نكاح، ثم يعقم الله النساء ثلاثين سنة، ويكونون كلهم أولاد زنا، شرار الناس، عليهم تقوم الساعة".
فلا منافاة بين الحديث وكلام الشيخ، والحديث وإن ضعفه الحاكم فالكشف الصحيح يدل علي صحة هذا المقدار منه، ولبقيته، بل ولمجموعه شواهد، وقد مرت.
تَنبيْه آخَر
حكمة عقم النساء ثلاثين سنة -والعلم عند الله تعالي- أنهم لو توالدوا لزم تعذيب الصبيان قبل البلوغ وقد قال - ﷺ -: "رفع القلم عن ثلاثة"، ومنهم:
[ ٣٢٨ ]
تنبيه آخر: في ذكر عدم منافاة ظاهر بعض الروايات
"الصبي حتي يبلغ"، والبلوغ وإن كان يحصل بخمسة عشر لكنه تعالي يُمهلهم حتي يبلغوا أشدهم إلزامًا للحُجة.
لا يُقال هم أهل الفترة فكيف يعذبهم؛ لأنه قد مر عن "شرح الفصوص" أن المولود المذكور يدعوهم إلى الله فلا يُجاب، ولا مانع أن يُبْقِي الله ذلك المولود بعد هلاك جميع المؤمنين إلزامًا للحجة، وبالله التوفيق.
وهذا إنما يوافق القول بأن الشيطان لا تقتله الدابة، وأن الأعمال تكتب بعد طلوع الشمس من مغربها.
تَنبيْه آخَر
ينافي ما ذكر بحسب الظاهر قوله - ﷺ -: "لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون علي الحق ظاهرين. . . ." الحديث.
فإن ظاهر الروايات السابقة: أنه لا يبقي أحدٌ من المؤمنين فضلًا عن القائم بالحق، وظاهر هذا البقاء.
قال الحافظ في "فتح الباري": يمكن أن يكون المراد بقوله: أمرُ الله هبوب تلك الريح، فيكون ظهور تلك الطائفة قبل هبوبها.
قال: فبهذا الجمع يزول الإشكال بتوفيق الله تعالي. انتهي
ولا يأبي هذا كل الإباء ما ورد في بعض الروايات مكان "أمر الله": "يوم القيامة"؛ لأن ما قارب الشيء يُعطي حكمه، فهذا الوقت لقربه من القيامة يطلق عليه القيامة، وجمعه هذا أحسن من جمع غيره بأن يَكفر بعض الناس ويبقي بعضهم؛ لمنافاته للكليات الواردة كما لا يخفي.
ويوضحه: ما رواه الحاكم وصححه عن عقبة بن عامر: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا تزال عِصَابةٌ من أمتي يقاتلون علي أمر الله قاهرين علي العدو، لا يضرهم من خالفهم حتي تأتيهم الساعة".
فقال عبد الله بن عمرو: أجل ويبعث ريحًا ريحها المسك، ومسها مس الحرير،
[ ٣٢٩ ]
ذكر بقية الأشراط القريبة
فلا تترك نفسًا في قلبه من مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقي شرار الناس، عليهم تقوم الساعة.
فإن قول ابن عمرو ﵄ هذا في مقابلة ما رواه عقبة كالصريح فيما قلناه، والله أعلم.
ومنها: رفع القرآن من المصاحف ومن الصدور:
رَوي الديلمي عن حذيفة، وأبي هريرة ﵄ معًا؛ قالا: "يُسري علي كتاب الله ليلًا فيصبح الناس وليس منه آية ولا حرف في جوف إلا نسخت".
وروي عن ابن عمر ﵄: "لا تقوم الساعة حتي يرجع القرآن من حيث جاء، فيكون له دويٌّ حول العرش كدوي النحل، فيقول الرب ﷿: مالك؟ فيقول: منك خرجت وإليك عُدت، أتلي فلا يُعمل بي. فعند ذلك رفع القرآن".
وأخرج السجزي عن ابن عمر ﵄ قال: "لا تقوم الساعة حتي يرفع الركن والقرآن".
وروي الأزرقي في "تاريخ مكة": "أول ما يرفع الركن، والقرآن، ورُؤيا النبي - ﷺ - في المنام".
وروي ابن ماجه بسندٍ صحيح قوي، والحاكم، والبيهقي، والضياء: عن حذيفة - ﵁ -: "يدرس الإسلام كما يدرس وشْي الثوب، حتي لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويُسري علي كتاب الله في ليلة، فلا يبقي في الأرض منه آية، وتبقي طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا علي هذه الكلمة (لا إله إلا الله) فنحن نقولها".
ومنها: هدم الكعبة:
وقد مر بأحاديثه وتوجيهها، وإنما ذكرته هنا؛ لأن بعضهم قال: ذلك بعد موت المؤمنين قرب القيامة عند انقطاع الحج.
[ ٣٣٠ ]
ومنها: رجوع الناس إلى عبادة الأوثان:
وقد مرت أحاديثها وأن بعضهم يُؤمن بالدجال، فهذا مَحطُّ حديث: "تلحق قبائل من أمتي بالمشركين ويكفرون جميعًا قبل يوم القيامة" وهذا محطُّ الأحاديث المصرحة بالعموم، وكلاهما من الأشراط، والله أعلم.
ومنها: رِيحٌ تُلقي الناس في البحر:
أخرج الستة إلا البخاري عن حذيفة بن أسيد ﵄؛ مرفوعًا: "لن تقوم الساعة حتي تروا قبلها عشر آيات. . . ."، وقال في العاشرة: "ورِيحٌ تلقي الناس في البحر".
وفي لفظ الترمذي: "والعاشرة: إما ريحٌ تطرحهم في البحر، وإما نزول عيسي ابن مريم"؛ بالشك من الراوي.
والمراد بكون عيسي ﵇ عاشرًا في العَدِّ لا في الوقوع.
وظاهره (١) أن هذه غير الريح التي تلقي يأجوج ومأجوج في البحر كما مر، وأن هذه تكون عند خروج النار الآتي ذكرها، ويحتمل أن تكون إياها، والله أعلم.
ومنها: تقارب الزمان، وقصر الأيام:
أخرج مسلم عن أبي هريرة، والترمذيُّ عن أنس: "لا تقوم الساعة حتي يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار. واللفظ للترمذي.
وقد مر في بحث الدجال أن هذا يصير في زمانه أيضًا، ولا مانع من تكرره مرتين: مرة في زمنه، ومرة في آخر الزمان، فالقدرة صالحة لكل شيء.
_________________
(١) وقال القاري (٥/ ١٨٨): لعل المراد من الناس الكفار، وأن نارهم تكون منضمة إلى ريحٍ شديدة الجري، سريعة التأثير في إلقائها البحر، وهو موضع شر الكفار إلخ. قلت: والظاهر أنه ليس إذ ذاك إلا الكفار؛ لتقدم الريح القابضة علي ذلك، لكن يخالفه ما سيأتي (ص ٣٣٥): "يحشر الناس علي ثلاثة طوائف طاعمين كاسين" الحديث، إلا أن يقال: إن المراد أن الفرق كلهم من الكفرة. فتأمل. (ز).
[ ٣٣١ ]
ذكر النار التي تخرج من قعر عدن وأنها من الأشراط العظام
تنبيه: بيان أن قوله - ﷺ -: "تقذرهم نفس الله" أنه من المتشابهات فيجب الإيمان بها على مراد الله ومراد رسوله - ﷺ -
ومن الأشراط العظام وهي آخرها: نارٌ تخرج من قعر عدن تحشر الناس إلى محشرهم.
أخرج أحمد، والبخاري: عن أنس - ﵁ -: "أما أول أشراط الساعة فنارٌ تخرج من المشرق فتحشر الناس إلى المغرب، وأما أول ما يأكل أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. . . ." الحديث.
وأخرج الستة غير البخاري: عن حذيفة بن أسيد ﵄ مرفوعًا: "لن تقوم الساعة حتي تروا قبلها عشر آيات. . . ." الحديث.
وفيه: "وآخر ذلك نارٌ تَخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم".
ويُروي: "نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر".
وفي لفظ: "من قعر عدن أبين".
و(أبين)؛ بوزن أحمر: اسم الملك الذي بناها. قال في "النهاية": وقد مَرَّ وَجْهُ الجمع بين أوليتها وآخريتها.
وأخرج أحمد عن ابن عمر ﵄، وهو وأبو داود والحاكم وأبو نُعيم عن ابن عمرو ﵄ قال: "ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقي في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم، وتقذرهم نفس الله، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تُخَلّف".
تَنبيْه
قوله: "تقذرهم نفس الله" من المتشابهات، فيجب الإيمان بها علي مراد الله ومراد رسوله، ولا حاجة إلى تأويله، فإن الحديث كالقرآن لا يَعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم؛ لأنهم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا، فينتج لهم إيمانهم به العلمَ بتأويله.
وأخرج أحمد والترمذي وقال: حسنٌ صحيح، عن ابن عمر ﵄:
[ ٣٣٢ ]
تنبيه: في بيان أن النار التي تحشر الناس غير الناس التي ظهرت بالمدينة
"ستخرج نارٌ من حضرموت أو من بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس، قالوا: يا رسول الله؛ فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام"، وهذا هو المراد بمهاجر إبراهيم ﵇ في الرواية السابقة.
وأخرج الطبراني وابن عساكر، عن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال: "لتقصدنكم نارٌ هي اليوم خامدةٌ في وادٍ يقال له: برهوت. تغشي الناس فيها عذاب أليم تأكل الأنفس والأموال، وتدور الدنيا كلها في ثمانية أيام، تطير طير الريح والسحاب، حرها بالليل أشد من حرها بالنهار، ولها بين السماء والأرض دويٌّ كدوي الرعد القاصف، وهي من رؤوس الخلائق أدني من العرش، قيل: يا رسول الله؛ أسليمةٌ يومئذ علي المؤمنين والمؤمنات؛ قال: وأين المؤمنون والمؤمنات يومئذ؟ ! هم شَرٌّ من الحُمُر، يتسافدون كما يتسافد البهائم وليس فيهم رجلٌ يقول: مه مه".
وأخرج أحمد، والبغوي، والباوَردي، وابن قانع، وابن حبان، والطبراني، والحاكم، وأبو نُعيم: عن رافع بن بشر السلمي قال: "يوشك أن تخرج نارٌ من حبس سيل، تسير سير بطيئة الإبل، تسير بالنهار وتقيم بالليل، تغدو وتروح، يقال: غدت النار أيها الناس؛ فاغدوا، قالت النار أيها الناس؛ فقيلوا، راحت النار أيها الناس؛ فروحوا. من أدركته أكلته".
تَنبيْه
هذه النار المذكورة في هذه الأحاديث الخارجة من قعر عدن غير نار المدينة المار ذكرها في القسم الأول، ولا ينافي هذه الرواية أن هذه تخرج من حبس سيل أيضًا؛ لأن أصل خروجها من برهوت، ويقال له: وادي النار. وهو في قعر عدن، وعدن بناحية حضرموت وعلي ساحل البحر، فالعبارات مآلُها واحد، وتمر بحبس سيل أيضًا، والخطاب مع أهل المدينة.
وحبس سيل شرقي المدينة، فوصول النار إليها يكون قبل وصولها المدينة، فيصح أن يقال لهم: تخرج نارٌ من حبس سيل.
[ ٣٣٣ ]
فائدة: ذكر ما نقله الحافظ ابن حجر عن القرطبي في أنواع الحشر
تنبيه: ذكر الجمع بين روايات أن النار تدور الدنيا في ثمانية أيام وبين أنها تسير سير بطيئة الإبل
فائِدَة
نقل الحافظ ابن حجر عن القرطبي: إن الحشر أربعة: حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة، فالذي في الدنيا المذكور في سورة الحشر، وهو حشر اليهود إلى الشام، والثاني: الحشر المذكور في أشراط الساعة (١).
وفي حديث أنس - ﵁ - في مسألة عبد الله بن سلام لما أسلم: "أما أول أشراط الساعة فنارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب".
وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄ عند الحاكم؛ رفعه: "تُبعَثُ علي أهل المشرق نارٌ فتحشرهم إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، ويكون لها ما سقط منهم وتخلّف، وتسوقهم سَوْقَ الجمل الكبير".
قال الحافظ ابن حجر: وكونها تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب؛ لأن ابتداء خروجها من عدن، فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها؛ أي: كما في رواية الطبراني، وابن عساكر عن حذيفة - ﵁ - المارة أنها تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام.
أو أن المراد تعميم الحشر، لا خصوص المشرق والمغرب؛ أي: يكون المعني: تحشر من بين المشرق والمغرب، أو أنها بعد الانتشار أول ما تحشر أهل المشرق.
تَنبيْه
يجمع بين قوله: (تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام)، وبين (أنها تسير سير بطيئة الإبل والجمل الكبير، وتبيت وتقيل) بأن انتشارها في ثمانية أيام، ثم تسير علي سير الناس بعد ذلك.
والثالث: حشر الأموات من قبورهم بعد البعث جميعًا:
قال تعالي: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.
_________________
(١) وبسط الحافظ (١١/ ٣٠٠) في باب "المحشر" من البخاري الكلام علي روايات الباب، والجمع بينها وذكر الأقوال فيها أشد البسط. فارجع إليها (ز).
[ ٣٣٤ ]
خاتمة: ذكر الاختلاف في الحشر هو هل قبل يوم القيامة أو هو يوم القيامة وما نقل في ذلك عن الحفاظ
والرابع: حشرهم إلى الجنة أو النار:
قال الحافظ: الحشر الأول ليس حشرًا مُستقلًا، فإن المراد حشر كل موجودٍ يومئذ، والأول إنما وقع لفرقةٍ مخصوصة، وهذا وقع كثيرًا كما وقع لبني أمية أن ابن الزبير - ﵁ - أخرجهم من المدينة إلى جهة الشام. اهـ
قُلْتُ: المراد ما سُمي حشرًا علي لسان الشارع، وقد سَمَّي الله الأول حشرًا بخلاف غيره، فظهر الفرق.
خَاتِمَة
اختلف الناس: هل هذا الحشر قبل يوم القيامة، أو هو يوم القيامة؟
وعلي الأول: هل النار حقيقةٌ أو مجاز، أو المراد بها الفتن؟ مال إلى الثاني الحليمي، وجزم به الغزالي.
قالوا: ويدل له حديث أبي هريرة - ﵁ - في "الصحيحين" وغيرهما: "يحشر الناس علي ثلاث طرائق راغبين راهبين، واثنان علي بعير وثلاثة علي بعير، وعشرة علي بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا"؛ أي: فالحديث كالتفسير لقوله تعالي: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ﴾ الآية.
قال الحافظ ابن حجر: ويؤيده حديث أبي ذر - ﵁ - عند أحمد، والنسائي، والبيهقي: "حدثني الصادق المصدوق أن الناس يحشرون يوم القيامة علي ثلاثة أفواج: فوج طاعمين كاسين راكبين، وفوج يمشون، وفوج تسحبهم الملائكة علي وجوههم. . . ." الحديث.
ثم اختلفوا علي هذا القول في الجمع بين حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا وحديث ابن عباس ﵄ في "الصحيحين" وغيرهما مرفوعًا: "إنكم تحشرون حُفاةً عُراةً غُرلًا. . . ." الحديث.
فقال الإسماعيلي: الحشر يُعبر به عن النشر أيضًا؛ لاتصاله به؛ وهو إخراج
[ ٣٣٥ ]
ذكر ما أورد التوربشتي في "شرح المصابيح" حول الحشر ودلالته على ذلك
الخلق من القبور، فيخرجون من القبور حُفاة عُراةً، فيساقون ويجمعون إلى الموقف للحساب، ثم يحشر المتقون رُكبانا علي الإبل؛ أي: والمجرمون علي وجوههم.
وقال غيره: يخرجون من القبور علي ما في حديث ابن عباس ﵄، ثم يحشرون إلى الموقف علي ما في حديث أبي هريرة - ﵁ -.
وقال بعض شراح "المصابيح" -أي: وهو التُّوربشتي-: حَملُ الحشر علي هذا أقوي من وجوه:
أحدها: إذا أطلق الحشر يُراد به شرعًا: الحشر من القبور، ما لم يُخصصه دليل.
ثانيها: أن التقسيم المذكور في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى أرض الشام؛ لأن المُهَاجِر لابد أن يكون راغبًا أو راهبًا، أو جامعًا بين الصفتين، فأما أن يكون راغبًا راهبًا فقط، وتكون هذه طريقة واحدة لا ثاني لها من جنسها فلا.
ثالثها: حشر البقية علي ما ذكر، وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة وملازمتها حتي لا تفارقهم قَولٌ لم يرد به التوقيف، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدنيا علي أهل الشقوة من غير توقيف.
رابعها: أن الحديث يُفسر بعضه بعضًا، وقد وقع من حديث أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: "ثلثًا علي الدواب، وثلثًا ينسلون علي أقدامهم، وثلثًا علي وجوههم".
قال: ونري أن هذا التقسيم نظير التقسيم الذي في سورة الواقعة: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ الآيات.
فقوله في الحديث: "راغبين راهبين": يُريد عموم المؤمنين المخلطين عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وهم أصحاب الميمنة.
وقوله: "اثنان علي بعير" إلى آخره: يُريد السابقين وهم أفاضل المؤمنين ركبانًا.
وقوله: "وتحشر بقيتهم النار": يُريد أصحاب المشأمة.
فيحتمل أن البعير يحمل عشرة دفعة واحدة؛ لأنه يكون من بديع قدرة الله، فيقوي
[ ٣٣٦ ]
ذكر أقوال الأئمة في الحشر الذي يقع في الدنيا نقلا عن الطيبي
علي ما لا يقدر عليه عشرة من بُعران الدنيا، ويحتمل أن يتعاقبوه. انتهي ملخصًا.
وقال الخطابي والقرطبي، وصوبه القاضي عياض وقواه بحديث حذيفة بن أسيد - ﵁ -: إن هذا الحشر يكون قبل يوم القيامة، يُحشر الناس أحياء إلى الشام، وأما الحشر من القبور فهو علي ما في حديث ابن عباس ﵄.
قال: وقوله: "اثنان علي بعير إلى عشرة" يريد: أنهم يعتقبون أنهم يتعاقبون البعير الواحد يركب بعض ويمشي بعض؛ أي: وذلك لقلة الظهر كما في بعض الأحاديث.
قال القاضي عياض: ويقويه آخر حديث أبي هريرة - ﵁ -: "تقيل معهم وتبيت، وتصبح وتُمسي"، وأن هذه الأوصاف مُختصةٌ بالدنيا.
ورجحه الطيبي وتعقب علي الشارح المذكور، وأجاب عن أول وجوه ترجيحه بأن الدليل المخصص ثابت، فقد ورد في عدة أحاديث وقوع الحشر في الدنيا إلى جهة الشام، وذكر حديث حذيفة بن أسيد السابق ذكره، وحديث معاوية بن حيدة رفعه: "إنكم محشورون -ونحى بيده نحو الشام- رجالًا ورُكبانًا وتخرون علي وجوهكم"، أخرجه الترمذي، والنسائي، وسنده قوي.
وحديث: "ستكون هجرة بعد هجرة، وينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، ولا يبقي في الأرض إلا شرارها، تلفظهم أرضوهم، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا" أخرجه أحمد بسندٍ لا بأس به.
وحديث: "ستخرج نارٌ من حضر موت تحشر الناس. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالشام".
قال: فليس المراد بالنار في هذه الأحاديث نَارَ الآخرة كما زعمه المعترض، وإلا لقيل: تحشر بقيتهم إلى النار، وقد قال: "تحشر بقيتهم النار" فأضاف الحشر إليها.
قال: والجواب عن الثاني أن التقسيم المذكور في سورة الواقعة لا يستلزم أن يكون
[ ٣٣٧ ]
هو التقسيم المذكور في الحديث، فإن الذي في الحديث ورد علي القصد من الخلاص من الفتنة، فمن اغتنم الفرصة سار علي فسحة من الظّهر، ويُسرة في الزاد، راغبًا فيما يستقبله، راهبًا مما يستدبره، وهؤلاء هم الصنف الأول في الحديث.
فمن تواني حتي قل الظهر، وضاق أن يسعهم لركوبهم اشتركوا أو ركبوا عقبة، فيحصل اشتراك الاثنين في البعير الواحد، وكذا الثلاثة يمكنهم كل من الأمرين.
وأما الأربعة فالظاهر من حالهم التعاقب، وقد يمكن الاشتراك إذا كانوا خِفَافًا أو أطفالًا.
وأما العشرة فبالتعاقب لا غير.
وسكت عما فوقها إشارةً إلى أنها المنتهي في ذلك، وعما بينها وبين الأربعة إيجازًا واختصارًا، وهؤلاء هم الصنف الثاني في الحديث.
وأما الصنف الثالث: فعبر عنه بقوله: "تحشر بقيتهم النار"؛ إشارةً إلى أنهم عجزوا عن تحصيل ما يركبونه، ولم يقع في الحديث بيان حالهم، بل يحتمل أنهم يمشون أو يسحبون فرارًا من النار.
ويؤيد ذلك: ما وقع في آخر حديث أبي ذر - ﵁ - الذي تقدمت الإشارة إليه في كلام المعترض، وفيه أنهم سألوا عن السبب في مشي المذكورين، فقال: تُلقي الآفة علي الظهر حتي لا يبقي ذات ظهر، حتي إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف -أي: الناقة- المسن ذات القتب؛ أي: يشتريها بالبستان الكريم؛ لهوان العقار الذي عزم علي الرحيل عنه، وعزة الظهر الذي يوصله إلى مقصوده، وهذا لائِقٌ بحال الدنيا دون الآخرة، مُؤكدٌ لما ذهب إليه الخطابي وغيره.
ويتنزل علي وفق حديث الباب؛ يعني: حديث "المصابيح"، وهو أن قوله: "فوج طاعمين كاسين راكبين" مُوافقٌ لقوله: "راغبين راهبين".
وقوله: "وفوج يمشون"، مُوافقٌ للصنف الذين يتعاقبون علي البعير؛ فإن صفة المشي لازمة لهم.
وأما الصنف الذين تحشرهم النار فهم الذين تسحبهم الملائكة.
[ ٣٣٨ ]
قال: والجواب عن الثالث: أنه تبين بشواهد الحديث أنه ليس المراد بالنار نار الآخرة، وإنما هي نارٌ تخرج من الدنيا أنذر النبي - ﷺ - بخروجها، وذكر كيفية ما تفعل في الأحاديث المذكورة.
والجواب عن الرابع: أن حديث أبي هريرة - ﵁ - من رواية علي بن زيد -أي: الذي استدل به المعترض- مع ضعفه لا يُخالف حديث الباب؛ لأنه مُوافقٌ لحديث أبي ذر - ﵁ - في لفظه، وقد تبين من حديث أبي ذر - ﵁ - ما دل علي أنه في الدنيا، لا بعد البعث في الحشر إلى الموقف، إذ لا حديقة هناك ولا آفة تلقي علي الظهر.
ووقع في حديث علي بن زيد المذكور عند أحمد: أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك، وأرض الموقف مستوية لا عوج فيها ولا أمتًا، ولا حدب ولا شوك.
قال: هذا ما سنح لي علي سبيل الاجتهاد، ثم رأيت في "صحيح البخاري" في باب المحشر: "يحشر الناس يوم القيامة علي ثلاث طرائق"، فعلمت من ذلك أن الذي ذهب إليه الإمام التُّوربشتي هو الحق الذي لا محيد عنه. انتهي كلام الطيبي مع التلخيص.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" بعدما نقل ذلك عنه ما نصه: قلت: ولم أقف في شيءٍ من طرق الحديث الذي أخرجه البخاري علي لفظ: "يوم القيامة"، لا في "صحيحه"، ولا في غيره، وكذا هو عند مسلم، والإسماعيلي، وغيرهما ليس فيه: "يوم القيامة".
نعم؛ ثبت لفظ: "يوم القيامة" في حديث أبي ذر - ﵁ - المنبه عليه قبل، وهو مُؤولٌ بأن المراد بذلك: أن يوم القيامة يعقب ذلك فيكون من مجاز المجاورة، ويتعين ذلك لما وقع فيه أن الظهر يقل بما يلقي عليه من الآفة، وأن الرجل يشتري الشارف الواحد بالحديقة المعجبة، فإن ذلك ظاهرٌ جدًا في أنه من أحوال الدنيا لا بعد البعث. انتهي كلام الحافظ بلفظه.
وحاصله: أن حمل لفظة من الحديث علي المجاز أهون من إلغاء جملة من ألفاظه وإبطال معني الحديث، فيتعين.
[ ٣٣٩ ]
مزيد كلام المصنف عن الحشر والنار التي تحشر الناس
وعلي هذا: فلو ثبت لفظ: "يوم القيامة" في "البخاري" أيضا لوجب تأويله بذلك كذلك؛ لذلك.
وأقول: قد مر في حديث ابن عمر ﵄ عند أحمد، والترمذي وقال: حسنٌ صحيح: "ستخرج نار من حضرموت، أو من بحر حضرموت، قبل يوم القيامة تحشر الناس. . . ." الحديث.
فقد صرح بكونه قبل يوم القيامة، وحديث حذيفة بن أسيد عند غير البخاري: "لن تقوم الساعة حتي تروا قبلها. . . ." الحديث، فقد تعارض مع حديث البخاري المذكور علي تقدير ثبوت لفظة: "يوم القيامة"، ولا يمكن تأويلهما بخلافه، فوجب المصير إليه دفعًا للتعارض، فثبت أن الحق أن النار قبل يوم القيامة، وبالله التوفيق.
فإن قلت: كون النار آخر الآيات يستلزم أن لا يكون في الأرض خيار، وقد صُرح بذلك في حديث حذيفة - ﵁ - عند الطبراني، وابن عساكر المار؛ فإن فيه: "قيل: يا رسول الله؛ أهي سليمة علي المؤمنين والمؤمنات؟ قال: وأين المؤمنون والمؤمنات يومئذ؟ ! . . . ." الحديث.
وفي حديث ابن عمرو ﵄ عند أحمد، وأبي عبيدة، وعند أبي داود، والحاكم، وأبي نُعيم: "فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم".
وفي بعض الأحاديث: "راغبين راهبين وطاعمين كاسين"، فيلزم أن يوجد الخيار يومئذ، وهذا تناقض أو كالتناقض.
قُلْتُ: ليس في الحديث إلا أن خير الناس يهاجرون باختيارهم إلى الشام في رفاهية ورخاء، ولا يلزم من ذلك أن يبقوا إلى خروج النار، بل الثابت أن الريح تقبضهم ولا يبقي إلا الشرار، وأن المراد خيارهم في حال حياة الدنيا من يذهب بنفسه، وهم الطاعمون الكاسون الذين يجدون الظهر والسعة، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا خيارًا عند الله، وكونهم راغبين في الوصول إلى السلامة، راهبين من النار كما فسره به الطيبي لا يلزم منه أن يكونوا مؤمنين.
[ ٣٤٠ ]
تذنيب: في ذكر قصة الرجلان من مزينة وأنهما آخر من يحشر كما ورد ذلك في "الصحيحين"
وهذا واضح، وبالله التوفيق لسلوك أوضح طريق، إنه بالإجابة حقيق، وبعباده رفيق.
تَذْنيبٌ
ورد في "الصحيحين" عن أبي هريرة - ﵁ -: "إن آخر من يحشر راعيان من مُزينة يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما فيجدانها وحوشًا، حتي إذا بلغا ثنية الوداع خرا علي وجوههما".
وثنية الوداع: قرب المدينة إلى جهة الشام علي الأصح (١).
وفي رواية ابن أبي شيبة عنه: "رجلان: رجلٌ من جهينة، وآخر من مزينة، فيقولان: أين الناس؟ فيأتيان المدينة فلا يجدان إلا الثعلب، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما علي وجوههما حتي يلحقانهما بالناس".
وَروي ابن أبي شيبة أيضًا عن حذيفة بن أسيد - ﵁ - قال: "آخر الناس محشرًا رجلان من مزينة يفقدان الناس، فيقول أحدهما لصاحبه: قد فقدنا الناس منذ حين، انطلق بنا إلى شخصٍ من بني فلان، فينطلقان فلا يجدان أحدًا، ثم يقول: انطلق بنا إلى المدينة، فينطلقان فلا يجدان بها أحدًا، فيقول: انطلق بنا إلى منزل قريش ببقيع الغرقد، فينطلقان فلا يريان إلا السباع والثعالب، فيتوجهان نحو البيت الحرام".
قال السمهودي في الجمع بينهما: وكأنه إذا توجها نحو البيت الحرام ينزل إليهما الملكان قبل ذهابهما، فلا يُخالف ما تقدم. انتهي
قُلْتُ: وكونهما من مزينة تغليب؛ لأن أحدهما من جهينة؛ كما في رواية ابن أبي شيبة، والله أعلم.
_________________
(١) للمدينة أكثر من ثنية، فمن جهة الشمال تقع الثنية المشهورة، ومن جهة الجنوب توجد ثنايا أيضًا معروفة الآن، فتحديد ثنية الوداع بالشامية؛ بناءً علي الشهرة، أو لموقع قبيلة مزينة من قبل المُصَنِّف، أمَّا الحكم بأنه لا ثنية إلَّا الثنية الشامية؛ فهذا محل نظر، وليس هذا محل بسطه.
[ ٣٤١ ]
وهذا الحشر لهما من نفخ الصور، فإن بعد النار المذكورة يُنفخ في الصور وتقوم الساعة.
روي الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ -؛ مرفوعًا: "لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما يتبايعانه، فلا يطويانه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه؛ أي: يلطخه بالطين".
يقال: لاط حوضه، يليطه، ويلوطه؛ إذا لطخه بالطين وأصلحه.
فلا يَسقي فيه -أي: إبله ودوابه- ولتقومن الساعة وقد رفع أُكْلَتهُ -أي؛ بضم الهمزة؛ يعني: لقمته- إلى فِيه فلا يطعمها -أي: لا يأكلها-.
وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عند مسلم والنسائي: "يخرج الدجال فيمكث أربعين. لا أدري أربعين يومًا أو شهرًا أو عامًا. . . ." الحديث.
وفيه: "يبقي شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع" إلى أن قال: "ثم يُنفخ في الصُّور فلا يسمع أحدٌ إلا أصغي لِيتا -ورفع لِيتا- قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، فَيَصعق ويَصعق الناس".
قال في "النهاية": (اللِّيت) -أي: بكسر اللام- صفحة العنق، وهما ليتان. و(أصغي): أمال. انتهي
والمعني: أنه يرفع إحدي أذنيه نحو السماء، كمن يستمع النداء من فوق.
وفي "الصحيحين": عن أبي هريرة - ﵁ -: "ما بين النفختين أربعون عامًا"، ونحوه عند أبي داود وابن مردويه عنه. وروي ابن المبارك عن الحسن مثله.
وعند مسلم والنسائي: "ثم يرسل الله مطرًا كأنه الطل فتنبت منه أجساد بني آدم، ثم ينفخ فيه أخري فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس؛ هَلمَّ إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾. . . ." الحديث.
ونسأل الله العفو، والعافية التامة، والمغفرة العامة في الدارين لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، ولمشايخنا في الدين ولإخواننا دينًا وطينًا، ولأمة محمد - ﷺ - أجمعين؛ إنه أرحم الراحمين. آمين.
[ ٣٤٢ ]