إشارات لكتاب «أسئلة الثورة»
[ ٤٠٩ ]
إشارات لكتاب «أسئلة الثورة»
هذا الكتاب منحرفٌ عن معتقد أهل السنة والجماعة، فقد زعمَ مؤلِّفه أنه لا يحتاج إلى تحكيم الشريعة بل المرادُ العدل؛ فكلُّ ما يوصِلُ إليه فهو مطلوب وبه نحكم (^١)، فقال: «أما تفصيلات العلاقة بين الدين فيجب أن تُعالَج على ضوء الظروف الخاصة لكل بلد»، ثم قال: «ولعلَّ الكثيرين ممن يتحدثون عن هذا المعنى يتبادر إلى أذهانهم: إقامة الحدود على الزُّناة واللصوص والسحَرة قبل كل شيء، ولكنهم يتجاهلون الظروف الموضوعية والشروط الشرعية لإقامة العدالة الاجتماعية والسياسية، أو على الأقل الحد الأدنى من العدالة التي جاءت هذه الأحكام لكفالتها والقيام عليها».
ثم قال: «الشريعة؛ ويُقصَدُ بها هنا الأحكامُ التفصيلية؛ والكثيرُ من الأحكام التفصيلية يكون على وجوهٍ عدَّة، أو كما يقال تجري فيها الأحكام الخمسة أو بعضُها، فيكون واجبًا حينًا ومحرَّمًا حينًا آخر أو مكروهًا أو مستحبًّا أو مباحًا، واختيارُ واحدٍ من هذه الأحكام مبنيٌّ على معرفةِ الواقع الذي سنوقع عليه الحكم والمصلحة المترتبة.
ثم قال: «الكثيرون يغرقون في تفاصيل الشريعة في النظر إلى عِلَلها ومقاصِدها ومصالحها وظروفِ تطبيقها وشروطها الموضوعية في الحال والمآل.
إنَّ التطبيق الأمثل للشريعة مرتبطٌ بنظامِ الخلافة الراشدة، وسنرى لاحقًا كيف اجتهدَ الخلفاء في تحقيق هذا المقصد السامي، وبعدهم يلزم الفقهاء الراسخين النظرُ
_________________
(١) وبمثل هذا قال «عبد الله بن يوسف الجديع» في خطبة له بأوروبا، وهي موجودة على تيوب موقع الإسلام العتيق.
[ ٤١١ ]
في إمكانيات الواقع وتقدير المصالح.
وهذا يؤكد أنَّ تطبيق الشريعة مراعاة القواعد الشرعية والمصالح الظنية التي بُنيتْ عليها تفاصيلُ النصوص، لا أن نتمسك ببعض الأحكام بعيدًا عن عِلَلها ومقاصدها في المصالح الدنيوية، ونأخذها كما نأخذُ نصوصَ العبادات المحضة التي قصد بها مجردُ الامتثال لنهدمَ بتلك النصوص القواعدَ والمقاصدَ التي جاءت بها الشريعة».
ثم قال: «وفي عهد الخلفاء الراشدين قد نرى أمثلةً خالفَ فيها الخليفةُ ما كان عليه من العمل في عهد النبي -ﷺ-، كما فعل عمر -﵁- في مسائلَ عديدةٍ سوف آتي على شيء منها، وهذا يؤكِّد أنَّ المقصود في تطبيق الشريعة هو مراعاة مقاصدها وقواعدها».
ثم قال: «إذًا هي معادلةٌ تتغير نتيجتها إذا تغيَّر أحدُ طرفَي المعادلة.
فَهْمَ واقعِ الأفرادِ والشعوب النفسي والفكري، وَقْدرُ ما يتحمَّلون من الشرع، وما يصلحهم ويَصلحُ لهم = هو فِقهٌ دقيقٌ تختلفُ فيه الأنظار، ويتفاوتُ في دركهِ النظار.
والتطبيق العملي مركَّب من معرفة النصوص الأصلية أولًا، ومن معرفةِ الظَّرف التاريخي الذي يُراد التماس حُكمهِ ثانيًا، بما في ذلك معرفة الاستعداد للقبول وردَّات الفعل، وهل تعودُ على المجموع بالضَّرر، أو تُربك مسيرةَ الحياة، أو تُربك مسيرةَ الإصلاحِ المتدرِّج؟.
تُربك مسيرة الحياة بإثارة المشكلات، والتنازع الشديد المؤدِّي إلى انفصام عُروة الجماعة، أو تراجع التنمية والاقتصاد، أو تسلُّط الأعداء.
[ ٤١٢ ]
أو تُربك مسيرة الشريعة ذاتها بالانقلاب عليها وسوء الظَّن بدُعاتها، واعتقاد أنها جزء من الماضي ينبغي هَجره، وعدم محاولته لأنَّ القدر الذي شُوهِدَ منها لم يُراعَ فيه ظروفُ الحال، ولم يُعطَ حقَّه من الفقه كما ينبغي».
ثم قال: «ومنه يُعلم أنَّ الاستطاعة الواردة في الكتاب والسنة لا تعني قدرة الإنسان على فعل الشيء من حيث الإمكان المادي فحسب، بل تعني ما هو أبعدُ من ذلك، وهو تحقيقُ المصلحة ودرءُ المفسدة»، ثم راحَ يستدلُّ بأن عمرَ تركَ قطعَ يدِ السارقِ في عام المجاعة، وتركَ إعطاءَ المؤلَّفة قلوبهم سَهمَهم من الزكاة وهكذا ..
ثم قال: «فالشريعة من أهمِّ معانيها تحقيقُ العدالة، والحكمُ بين الناس بالقسط، وإقامة الحقوق .. ونصرة الضعيف، وحفظ المال العام، وحمايةُ أعراض الناس وأنفسهم من العدوان والضَّرب أو السجن أو القتل.
وقد تصبح الدولة إسلامية دون أن تعلن عن نفسها أنها كذلك بتحقيق المقاصد العليا للشريعة» (^١).
لذا دعا في كتابه لتحكيم الديمقراطية أي أنْ يحكمَ الناسُ دون شريعة ربِّ الناس!!.
وفي الكتاب موبقات أخرى شنيعة ذكرها الشيخ الفاضل د. فهد الفهيد في أوائل كتابه في الرد على كتاب (أسئلة الثورة) فقال: «وقد اطلعتُ على كتاب (أسئلة الثورة) من تأليف د. سلمان العودة، ورأيته اشتملَ على تقرير الثورات والتشجيع عليها، ورأيتُ في كتابه هذا أنواعًا من الجناية على الإسلام وأهله،
_________________
(١) (ص: ١٠٩ - ١٢٥).
[ ٤١٣ ]
فمن ذلك:
١ - تقريره التهوين من تطبيق الشريعة، والاكتفاء بالقول (بسيادة الشريعة).
٢ - تحسينهُ النظامَ الديمقراطي، وزعمُه أنَّ الشعب لو اختارَ من خلال هذا النظام غيرَ الإسلام، فالعيبُ ليس في النظام الديمقراطي وإنَّما في الشعب!!
٣ - احتفاؤه بنظرية العقد الاجتماعي لـ «جان جاك روسو»، وهي نظرية غريبة فاسدة، متضمِّنة لأنواع من الفساد.
٤ - اشتمل كتابه على تأييد العلمانية بلحنٍ من القول، وزعمَ أنها قد تُناسبُ بلدًا ولا تناسب بلدًا آخر، وأن العلمانية المقبولة هي التفريق بين (الحكم) وبين الدولة.
٥ - ادَّعى الكاتب أنَّ مشروع الأمة إنَّما يقومُ بجميع فصائلها، حتى غير المسلمين سيشاركون في نهضة الأمة، وأشارَ الكاتب إلى تقرير حرية الأديان والاعتقادات، ودعا بصراحةٍ ووضوحٍ إلى سيادة القانون (وهو الدستور الذي تتوافق عليه جميع الأطياف في البلد).
٦ - روَّج الكاتب لكتابٍ لأحد اليهود المحرِّضين على الثورات، وتضمَّن الكتابُ بيانَ الوسائل العملية لإحداث الثورات، فكأنه يقول للقراء: ارجعوا لهذا الكتاب حتى تعرفوا الوسائل العملية لثوراتكم!
٧ - أضافَ الكاتب على الضرورات الخمس - المعلومة عند علماء المسلمين - ضروراتٍ جديدةً لم يقُلْ بها أحدٌ من أهل العلم، ثم وجدتُ أنَّ الكاتب في هذا مقلِّد لمحمد الجابري وأمثاله، وهذه الضرورات الجديدة هي (العدالة، والحرية، وحفظ الحقوق، ورعاية الحياة، وحفظ الكرامة الإنسانية، والاجتماع البشري)!
[ ٤١٤ ]
٨ - اعتدى الكاتب على مقام السُّنة النبوية، فزعمَ أنه ليس فيها ذِكْرُ قضية الخلافة والحكم، وأنَّ الحكومة النبوية الأمرُ فيها أقربُ إلى (حكومة لا مركزية)، واعتدى الكاتبُ على مقام الخلفاء الراشدين -﵃- أيضًا.
وذكر الثورةَ على عثمان -﵁-، وذكرَ من أسباب هذه الثورة: طول فترة خلافة عثمان -﵁-، وجعلَ أجملَ ما في القصة أنَّ عثمان اختار أن يكون عبد الله المقتول، فهذا أجملُ ما فيها عنده، ولطولِ خلافته ثاروا عليه!
كما جعل معاوية -﵁- مستغِلًّا للظروف للتمهيد لقيام الدولة الأموية، وطيِّ صفحةِ الخلافة الراشدة.
٩ - ذمَّ الكاتب العلماء السائرين على منهج السلف، ووصفَهُم بأوصافٍ غير لائقة، وذكرَ فقهًا جديدًا وهو (فقه الثورات ومآلاتها).
١٠ - وفي مقابل ذمِّه للفقهاء والعلماء ترى الكاتبَ يعتمدُ كثيرًا على مقولاتٍ للفلاسفة الكفَّار، ويروِّج لها، ويمدحها …» (^١).
ولا يُستغرب ضلالُ العودة في هذا الكتاب، فقد اعتمدَ فيه كثيرًا على كتاب (الحرية والطوفان) لحاكم العبيسان وكتاب (الدين والدولة وتطبيق الشريعة)
د. محمد الجابري (^٢).
_________________
(١) الجناية على الإسلام (ص: ١٠ - ١٤).
(٢) أفاد هذا الشيخ فهد الفهيد في كتابه «الجناية على الإسلام» وقال معرفًا بالجابري في الحاشية (ص: ١٥٩): كاتب مغربي، ولد عام (١٩٣٦) م، تخصَّص في كلية الآداب بالرباط في الفلسفة والفكر العربي الإسلامي، له العديد من الكتب في تحريف الشريعة بمثل تحريفات الباطنية، وهو ماركسيٌّ في الأصل، وكان قياديًّا في الاتحاد الاشتراكي، ويعتبر من عُتاة العلمانيين، توفي يوم (٣) مايو عام (٢٠١٠ م). اهـ.
[ ٤١٥ ]