تقوم ردود شيخ الإسلام في غالبها، على الإحاطة بفهم حجج الخصوم، واستقصاء أدلهم، وهو في أكثر الأحيان يستخدم الأدلة الإلزامية التي تلزم الخصوم، وتضعهم في أضيق المواقف، ويقوم رد شيخ الإسلام في القضية التي نحن بصددها على مقامين، المقام الأول يقوم على إبطال أن الإيمان في اللغة هو التصديق، ويعتمد هذا المقام على عدة فروق في اللفظ والمعنى، وأما المقام الثاني فيقوم على أننا لو سلمنا جدلًا، أن الإيمان في اللغة هو التصديق، فلا حجة فيه لمن جعله في الشرع كذلك، والآن نأتي إلى التفصيل:
المقام الأول: إبطال القول بأن الإيمان هو التصديق:
يذهب شيخ الإسلام إلى أن الإيمان يفارق التصديق في اللفظ والمعنى، ونأتي الآن إلى توضيح ذلك:
أولًا: الفرق بين الإيمان والتصديق في اللفظ يكون من ناحيتين:
الأولى: فإنك تقول لمن أخبرك بخبر: صدقته، فيتعدى الفعل بنفسه
_________________
(١) المصدر السابق (١٠٢).
[ ١١٩ ]
إلى المصدق، ولا يقال: آمنته، إلا من الأمان الذي هو ضد الإخافة، بل تقول: آمنت له.
ويقال لمن أخبر رجل بأمر: صدقه، ولا يقال: آمنه، بل يقال: آمن له.
فلا يقال قط: آمنته، أو آمنه، كما لا يقال: صدقت له، أو صدق له.
فهذا فرق في اللفظ (١) حيث يتعدى الفعل بنفسه بالنسبة إلى التصديق بخلاف الفعل في الإيمان.
الثانية: أن التصديق يستعمل في كل خبر، فيقال لمن أخبر بالأمور المشهودة، مثل: الواحد نصف الإثنين، والسماء فوق الأرض: صدقت، وصدقنا بذلك، ولا يقال له: آمنا لك، ولا آمنا بهذا، لأن هذه الأخبار من الأمور المشهودة.
أما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الإخبار عن الأمور الغائبة، كما قال تعالى على لسان إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي: بمقر لنا، ومصدق لنا، لأنهم أخبروه عن أمر غائب.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: أقر له (٢).
ثانيًا: الفرق بين الإيمان والتصديق في المعنى:
فإن الإيمان مأخوذ من الأمن، الذي هو الطمأنينة، كما أن الإقرار مأخوذ من القرار، وهو قريب من آمن يأمن، فالمؤمن دخل في الأمن، كما أن المقر دخل في الإقرار، ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، وهو على معنيين:
أحدهما: الإخبار، وهو من هذا الوجه شبيه بلفظ التصديق، والشهادة، وهذا هو معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتبهم باسم كتاب الإقرار.
_________________
(١) شرح حديث جبريل (٤١٣).
(٢) المصدر السابق (٤١٣).
[ ١٢٠ ]
الثاني: إنشاء الالتزام، كما في قوله تعالى: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ولفظ الإقرار هنا ليس بمعنى الخبر المجرد، وإنما معناه إنشاء الالتزام بالإيمان بالرسول، والتعهد بنصرته، لأن الله ﷿ قال في أول الآية الكريمة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ (١).
فتبين أن لفظ الإيمان فيه إخبار وإنشاء والتزام، مثل لفظ الإقرار، بخلاف لفظ التصديق المجرد، وهذا الفرق الأول في المعنى.
ومن الفروق في المعنى: ما ذكره شيخ الإسلام من أن لفظ التصديق إنما يستعمل في جنس الإخبار، فهو إخبار بصدق الخبر، كما أن التكذيب إخبار بكذب المخبر، والتصديق والتكذيب نوعان من الخبر، وهما خبر عن الخبر.
وأما لفظ الإيمان فإنه يستعمل في الحقائق، وفي الإخبار عن الحقائق، فالحقائق الثابتة في نفسها التي قد تعلم بدون خبر، لا يكاد يستعمل فيها لفظ التصديق والتكذيب، بخلاف لفظ الإيمان، وهذا الفرق الثاني في المعنى (٢).
ومن الفروق أيضًا: أن الذوات التي تحب تارة وتبغض أخرى، وتوالي تارة وتعادي أخرى، تختص بلفظ الإيمان، وأما لفظ التصديق فيستعمل في متعلقات هذه الذوات من الحب والبغض، والموالاة والمعاداة، وغير ذلك، فيقال: حب صادق، وبغض صادق.
ويدل على ذلك الدعاء المشهور عند استلام الحجر الأسود: "اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنّة نبيك".
فقد قال: إيمانًا بك، ولم يقل تصديقًا بك، كما قال: تصديقًا
_________________
(١) المصدر السابق (٤١٤).
(٢) المصدر نفسه (٤١٥).
[ ١٢١ ]
بكتابك، وقال تعالى عن مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ فجعل التصديق بالكلمات والكتب.
فإنه يقال: الإيمان بالله، وآمن بالله، ونؤمن بالله، ويا أيها الذين آمنوا، فآمنوا بالله، ولا يقال: التصديق بالله، أو صدقوا بالله، أو يا أيها الذي صدق بالله، وهذا فرق ثالث في المعنى (١).
ومن الفروق الهامة أيضًا: أن لفظ الإيمان يقابله لفظ الكفر، وأما لفظ التصديق فيقابله لفظ التكذيب، لأن الكفر ليس محصورًا في التكذيب فقط، فوجب أن يكون ما يقابله -وهو الإيمان- ليس محصورًا في التصديق، وهذا فرق رابع في المعنى (٢).
المقام الثاني: مع التسليم بأن الإيمان هو التصديق:
ومع صحة القول بأن الإيمان هو التصديق، فالكلام لا يخرج -كما ذكر شيخ الإسلام- عن أمرين اثنين:
الأول: أن التصديق ليس بالقلب فقط، بل بالقول والعمل أيضًا، كما في الحديث الصحيح عنه - ﷺ -: "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه".
وكما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "ليس الإيمان بالتمنى، ولا بالتحلي، ولكنه ما وقر في المصدر، وصدقه العمل" (٣).
الثاني: أن الإيمان -وإن كان هو التصديق- فهو تصديق مخصوص، كالصلاة -وهي في اللغة الدعاء- إلا أنها في لغة الشارع دعاء وعمل مخصوص (٤).
ويقول شيخ الإسلام ﵀ موضحًا: "أنه لو فرض أن الإيمان في اللغة التصديق، فمعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء، بل بشيء مخصوص، وهو ما أخبر به الرسول - ﷺ -، وحينئذٍ فيكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة" (٥).
_________________
(١) المصدر السابق (٤١٧).
(٢) الإيمان (٢٢٩).
(٣) المصدر نفسه (٢٣٠).
(٤) المصدر نفسه (٢٣٢).
(٥) المصدر نفسه (١٠٥).
[ ١٢٢ ]
وعلى هذا فالإيمان كالصلاة، له أصل في لغة العرب، ولكن الشارع أضاف إليه أمورًا، وجعله بالقلب واللسان والجوارح.
وما دام أننا لم نكتف بمعرفة الصلاة في اللغة حتى ذهبنا لننظر معناها في الشرع، فكذلك الحال في الإيمان.
وحين نترك المعنى اللغوي للإيمان، ونرى معناه في القرآن، نجد أن الإيمان -كما يقول شيخ الإسلام- ورد فيه مقيدًا، أو مطلقًا مفسرًا، ولم يرد في القرآن أبدًا ذكر إيمان مطلق غير مفسر (١).
ومثال المقيد قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣].
فقد قيد الإيمان في الآية الأولى بالغيب، وقيد في الآية الثانية بموسى ﵇.
ومثال المطلق المفسر: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
"وكل إيمان مطلق في القرآن فقد بين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنًا إلا بالعمل مع التصديق، فقد بين في القرآن أن الإيمان لا بد فيه من عمل مع التصديق، كما ذكر مثل ذلك في اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج" (٢).
وعلى العموم فإننا إذا سلمنا أن الإيمان في اللغة هو التصديق، فليس
_________________
(١) وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام يحمل على الغالب، وإلا فقد وردت آيات قليلة، ذكر فيها الإيمان مطلقًا، والسياق يوضح المراد من الإيمان، ومن هذه الآيات قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فهنا أطلق الإيمان، لم يقيد أو يفسر بشيء. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠].
(٢) الإيمان (١٠٥).
[ ١٢٣ ]
ذلك دليلًا على أنه في الشرع كذلك -كما ذهب إلى ذلك الأشاعرة والماتريدية- فلئن كان الإيمان في اللغة هو التصديق، فهو تصديق مخصوص كما سبق، أو أن الشارع أضاف إليه أمورًا هي أعمال القلب واللسان والجوارح، فصارت هذه الأمور المجتمعة هي الإيمان الشرعي.
وفي ذلك يقول الحافظ ابن جرير الطبري ﵀ بعد أن ذكر مذاهب الناس في الإيمان: "والصواب من القول في ذلك عندنا أن الإيمان اسم للتصديق كما قالته العرب، وجاء به كتاب الله تعالى ذكره خبرًا عن إخوة يوسف من قبلهم لأبيهم يعقوب: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ بمعنى: ما أنت بمصدق لنا على قيلنا، غير أن المعنى الذي يستحق به اسم المؤمن بالإطلاق هو الجامع لمعاني الإيمان، وذلك أداء جميع فرائض الله تعالى ذكره، من معرفة وقول وعمل" (١).
وقد ذكر الإمام ابن منده كلامًا قريبًا من ذلك وملخصه: أن الإيمان في اللغة هو التصديق، ولكنه في الشرع ما أمر الله به من اعتقاد وقول وعمل (٢).
والخلاصة: أنه من خلال ما سبق يظهر أن القول بأن الإيمان في اللغة هو التصديق قد يكون له أصل، ولكن الذي يترجح -والله أعلم- أن حصر معنى الإيمان في اللغة بالتصديق محل نظر، خصوصًا وقد ورد له عدة معانٍ أخرى في اللغة، ومناقشات المصنف ﵀ تدل على هذا (٣).
_________________
(١) التبصير في معالم الدين (١٩٠).
(٢) الإيمان (٢/ ٣٤٧).
(٣) يقول ﵀ في مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٦): "ولفظ الإيمان: قيل: أصله التصديق -وليس مطابقًا له، لا بد أن يكون تصديقًا عن غيب، وإلا فالخبر عن مشهود ليس تصديقه إيمانًا لأنه من الأمن الذى هو الطمأنينة، وهذا إنما يكون في المخبر الذى قد يقع به ريب؛ والمشهودات لا ريب فيها- فإما تصديق القلب فقط، كما تقول الجهمية ومن اتبعهم من الأشعرية، وإما القلب واللسان كما تقوله المرجئة، أو باللسان كما تقوله الكرامية، وإما التصديق بالقلب والقول والعمل -فإن الجميع يدخل في مسمى التصديق على مذهب أهل الحديث. . - وقيل: بل هو الإقرار، لأن التصديق إنما يطابق الخبر فقط، وأما الإقرار فيطابق الخبر =
[ ١٢٤ ]
وحتى لو ثبت أن معناه في اللغة كذلك، فليس فيه حجة -وهذا هو المهم- لمن جعل معناه في الشرع هو معناه في اللغة، كما سبق.
والمسألة ما تزال بحاجة إلى دراسة مستقصية مركزة في كتب اللغة، واستعمالات كلمة الإيمان، ومشتقاتها في لسان العرب، وكلام الشارع الحكيم.
خامسًا: مناقشة تحليلية لمذاهب المرجئة من الجهمية ومن اتبعهم كالأشاعرة، والماتريدية، وغيرهم، الذين أخرجوا الأعمال من الإيمان:
لم يكتف شيخ الإسلام ﵀ بالردود الإجمالية، على المخالفين في الإيمان، ولكنه قام يحلل الخلاف في مناقشات واعتراضات وإلزامات، ولكن قبل أن نلج إلى حلبة النقاش، لا بد لنا من تمهيدين هامين:
الأول: نتسائل فيه ونقول: هل هناك فرق حقيقي بين مذهب الجهمية في الإيمان، وهو المعرفة، وبين مذهب الأشاعرة، والماتريدية، وهو التصديق؟ .
يقول المصنف حول ذلك الإشكال: "وأيضًا فإن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالي عن الانقياد -الذي يُجعل قول القلب- أمر دقيق، وأكثر العقلاء ينكرونه، وبتقدير صحته لا يجب على كل أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق بينهما، وأكثر الناس لا يتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه، ويقولون: إن ما قاله ابن كلاب والأشعري من الفرق كلام باطل، لا حقيقة له، وكثير من أصحابه اعترف بعدم الفرق
والمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه عسر عليه التفريق بين علمه بأن الرسول صادق، وبين تصديق قلبه تصديقًا مجردًا عن انقياد وغيره من أعمال القلب بأنه صادق" (١).
_________________
(١) = والأمر كقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ ولأن قر وآمن متقاربان، فالإيمان دخول في الأمن، والإقرار دخول في الإقرار، وعلى هذا فالكلمة إقرار، والعلم بها إقرار أيضًا. . ".
(٢) الإيمان (٣١١).
[ ١٢٥ ]
وعلى هذا الأساس نجد أن شيخ الإسلام عند حديثه عن مسألة الإيمان، ومناقشة الآراء والأقوال فيها يردد العبارات التالية في كتابه "شرح حديث جبريل" على سبيل المثال:
"وهذا وغيره تبين فساد قول جهم والصالحي ومن اتبعهما في الإيمان كالأشعري في أشهر قوليه، وأكثر أصحابه، وطائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة كالماتريدي".
"فليس مجرد التصديق الباطن هو الإيمان عند عامة المسلمين، إلا من شذ من أتباع جهم والصالحي".
"وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتبعه في زعمهم أن مجرد إيمان القلب بدون الإيمان الظاهر ينفع في الآخرة".
"فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله والتكلم بالتثليث".
"وإنما نازع في ذلك من اتبع جهم بن صفوان من المرجئة".
"وهو أصل قول جهم والصالحي والأشعري في المشهور عنه وأكثر أصحابه".
ونخرج بعد كل هذا أن شيخ الإسلام لا يرى فرقًا حقيقيًا بين المعرفة والتصديق المجرد، وبالتالي فليس هناك فرق -على الصحيح- بين مذهب الجهمية من جهة، وبين مذهب الأشاعرة والماتريدية في الإيمان من جهة أخرى.
ومن أجل ذلك فهو يطلق أحيانًا اسم الجهمية على الأشاعرة والماتريدية في قضية الإيمان، كما يطلق ذلك الاسم أحيانًا كثيرة على كل من ينفي الصفات مثلًا.
ومن أجل ذلك فستكون مناقشتنا لمذهب الجهمية من خلال مناقشتنا لمذهب الأشاعرة والماتريدية.
الثاني: أن الإيمان عند هؤلاء هو التصديق، فصن صدق بقلبه فهو
[ ١٢٦ ]
مؤمن إيمانًا كاملًا، ولو لم يعمل شيئًا، فإنه ناج عند الله في الآخرة (١)، وافترضوا أنه يمكن للرجل أن يظهر من ضروب الكفر ما عنّ له، من سب لله ورسوله، وإهانة للمصحف، واستحلال للحرمات، وهو مع ذلك مؤمن كامل الإيمان.
وفي ذلك يقول المصنف ﵀: "وأيضًا فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي، قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، والتكلم بالتثليث وكل كلمة من كلام الكفر، لى هو كفرًا في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم في الباطن عارفًا بالله موحدًا له مؤمنًا به، فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافرًا باطنًا وظاهرًا، قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب في الباطن، وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك" (٢).
بعض المفاهيم والأصول الخاطئة العامة عند هؤلاء المرجئة، والرد عليها:
كعادة شيخ الإسلام دائمًا، يبين الأصول الخاطئة، والقواعد الفاسدة، التي يبني عليها المخالفون بدعهم، ومن هؤلاء: الذين خالفوا أهل السنّة والجماعة في مسمى الإيمان.
وسوف نذكر هذه الأصول، ونتبعها بشيء من الردود التي رد بها المصنف عليهم.
ومن هذه الأصول الخاطئة التي اجتمعت عليها المرجئة ما ذكر ﵀:
_________________
(١) فقد صرح جمهور الأشاعرة والماتريدية أن الركن الأول وهو الشهادتان ليس من الإيمان، كما نفى سعد الدين التفتازاني في شرح العقائد النسفية (٤٢٨) -وهو من أهم مصادرهم- أن تكون لا إله إلا الله جزءًا من الإيمان، لدلالة النصوص -كما يقول- على أن محل الإيمان القلب، فلا يكون الإقرار باللسان داخلًا فيه"، وما دام أن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، قد أخرجت من الإيمان، فغيرها من باب أولى. وانظر حول تلك القضية: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (٢/ ٤٩١ - ٥١٨).
(٢) شرح حديث جبريل (٤٤٩)، كما ذكر التفتازاني في شرح العقائد النسفية (٤٢٧) أن السجود للصنم كفر في الظاهر، ولكن لا يحكم بكفره فيما بينه وبين الله.
[ ١٢٧ ]
الأصل الأول: أنهم ظنوا أن الإيمان الذي فرضه الله ﷿ على العباد متماثل في حق جميع العباد، وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص.
إبطال ذلك الأصل:
ويبطل شيخ الإسلام ذلك الأصل بما يلي:
١ - إن لله ﷿ أوجب على أتباع الأنبياء المتقدمين من الإيمان ما لم يوجبه على أمة محمد - ﷺ -، وأوجب على أمة محمد - ﷺ - ما لم يوجبه على غيرهم.
٢ - إن الإيمان الذي كان يجب قبل نزول جميع القرآن، ليس مثل الإيمان الذي وجب بعد نزول القرآن.
٣ - إن الإيمان الذي وجب على من عرف ما أخبر به النبي - ﷺ - مفصلًا، ليس مثل الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به مجملًا.
٤ - لا يجب على كل أحد من الناس أن يعرف كل ما أمر به النبي - ﷺ -، وكل ما نهى عنه، وكل ما أخبر به، بل عليه أن يعرف ما يجب عليه في حق نفسه هو، وما يحرم عليه، فمن لا مال له مثلًا لا يجب عليه أن يعرف أمر النبي - ﷺ - المفصل في الزكاة، ومن ليست له استطاعة في الحج، فليس عليه أن يعرف أمره المفصل في المناسك، ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما يجب للزوجة ولا للأبناء من حقوق، فظهر أنه يجب من الإيمان -تصديقًا وعملًا- على أناس ما لا يجب على غيرهم (١).
الأصل الثاني: أنهم ظنوا أن الإيمان الذي في القلب هو التصديق فقط، وليس معه شيء آخر، ولم يلتفتوا إلى أعمال القلوب، وأخرجوها (٢).
_________________
(١) الإيمان (١٥٦).
(٢) شرح حديث جبريل (٤٤٥)، الإيمان (١٦٢).
[ ١٢٨ ]
إبطال هذا الأصل:
يكفي في ذلك أن جماهير فرق المرجئة قد أجمعوا على أن عمل القلب من الإيمان، وقد نقل المصنف أقوالهم في ذلك مفصلة عن أبي الحسن الأشعري في كتابه "شرح حديث جبريل" (١).
وسيأتي مزيد من الرد على ذلك إن شاء الله عند التعرض لمناقشة الذين أخرجوا أعمال القلوب من الإيمان.
الأصل الثالث: أنهم ظنوا أن الإيمان الذي في القلب، يكون تامًا بدون شيء من الأعمال، ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه، بمنزلة السبب مع المسبب، ولا يجعلونها لازمة له.
إبطال هذا الأصل:
لا يمكن أبدًا، ولا يتصور مطلقًا أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون شيء من العمل الظاهر، وسيأتي أيضًا مزبد من الرد والإيضاح حول تلك القضية (٢).
الأصل الرابع: أنهم قالوا: إن العبد قد يكون مؤمنًا تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء والصديقين، ولو لم يعمل خيرًا، لا صلاة، ولا صيامًا، ولا حجًا ولا صلة، ولا صدق حديث، ولم يدع كبيرة إلا ركبها، وحرمة إلا هتكها، ويكون الرجل عندهم إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وهو مصر على دوام الكذب والخيانة ونقض العهود، لا يسجد لله سجدة، ولا يحسن إلى أحد حسنة، ولا يؤدي أمانة، ولا يدع ما يقدر عليه من كذب وظلم وبغي وفاحشة إلا فعلها، وهو مع ذلك مؤمن تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء.
ثم بين ﵀ أن هذا الإلزام الخطير يلزم كل من أخرج الأعمال الظاهرة من مسمى الإيمان (٣).
_________________
(١) شرح حديث جبريل (٤٣٠ - ٤٣٩).
(٢) الإيمان (١٦٢)، وانظر كذلك: شرح حديث جبريل (١٤٦) عند الحديث عن حكم ترك جنس العمل.
(٣) شرح حديث جبريل (٤٩٤).
[ ١٢٩ ]
إبطال هذا الأصل:
يستدل شيخ الإسلام على إبطال هذا الأصل بقوله - ﷺ - في الحديث الصحيح المتفق على صحته: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب".
حيث يقول ﵀: "ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب، ولهذا قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: "ألا وإن في الجسد مضغة. . ". . فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علمًا وعملًا قلبيًا، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر، والعمل بالإيمان المطلق. . والظاهر تابع للباطن لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد" (١).
وهذا الذي يعصي الله دومًا، ولم يطعه أبدًا، يستحيل أن يكون إيمانه كإيمان النبيين والصديقين، فإن القلب إذا كان فاسدًا، فاقدًا للإيمان، أو ذا إيمان ضعيف جدًا، امتنع أن يطيع صاحبه الله ﷿، بل وانبرى يرتكب كل حرام.
وهذه الأصول متفق عليها بين الجهمية والأشاعرة والماتريدية ومرجئة الفقهاء كما سبق.
وهناك أصول اختصت بها الجهمية والأشاعرة والماتريدية، دون غيرهم -كما يفهم من كلام المصنف- ومن هذه الأصول:
الأصل الأول: أنهم قالوا: إن كل من حكم الشرع بأنه كافر مخلد في النار، فذلك لأن قلبه فاقد للتصديق والعلم.
وفي ذلك يقول ﵀ أنهم: "جعلوا ما علم أن صاحبه كافر -مثل إبليس وفرعون واليهود وأبي طالب وغيرهم- إنه إنما كان كافرًا، لأن ذلك مستلزم لعدم تصديقه في الباطن، وهذا مكابرة للعقل والحس، وكذلك
_________________
(١) الإيمان (١٤٩).
[ ١٣٠ ]
جعلوا من يبغض الرسول ويحسده كراهة دينه مستلزمًا لعدم العلم بأنه صادق ونحو ذلك" (١).
إبطال هذا الأصل:
أولًا: إن هذا قول خالفوا به الحس والعقل والشرع وإجماع بني آدم من ذوي الفطر السليمة، والعقول المستقيمة.
فالحس والواقع، وكذلك العقل والشرع، تدحض هذا الأصل وتبطله.
فدليل الحس والواقع: أننا نشاهد كثيرًا من الناس -لا نشك في معرفتهم للحق، وعلمهم به، ولكنهم لا يتبعونه، بل ربما يعادونه، هذا أمر مشاهد، وأشهر من أن ينكر.
ومن هنا سميت الجاهلية، وهي تعني معنيين: عدم العلم، وعدم اتباع العلم.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦].
فإن هذا من الجهل الذي هو عمل بخلاف العلم، حتى يقدم المرء على فعل ما يعلم أنه يضره، وترك ما يعلم أنه ينفعه، بسبب بغضه ومعاداته لغيره، وهو في هذه الحال ليس عديم العلم والتصديق بالكلية.
ودليل العقل: وهو أنه قد عرف في بدائه العقول السليمة أنه يمكن لأي إنسان -عقلًا- أن يعرف الحق وأن يعلم طريقه، ثم لا يتبع ما عرفه وعلمه من حق، ومن أنكر هذا كان مكابرًا أو مسفسطًا.
ودليل الشرع: أننا نجد عامة من كذب الرسل عليهم الصلاة والسلام قد علموا أن الحق معهم، وأنهم صادقون فيما جاءوا به، لكن بسبب حسدهم لهم، أو بسبب إرادتهم العلو والرياسة، أو بسبب الهوى وحب
_________________
(١) شرح حديث جبريل (٤٩٤).
[ ١٣١ ]
الشهوات، أو بسبب حب دينهم الذي كانوا عليه، وما كان يحصل لهم به من أموال وجاه ومناصب، لم يتبعوا الحق الذي جاءت به الرسل صلوات وسلامه عليهم أجمعين، وكانوا يرون في اتباع الرسل ﵈ ترك الأهواء المحبوبة إليهم، أو حصول أمور مكروهة إليهم، فمن أجل ذلك فهم يكذبونهم، بل ويعادونهم ويقاتلونهم.
وقد قال الله تعالى في محكم التنزيل عن فى عون وملإه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ [النمل: ١٣، ١٤].
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ أي في ظاهر أمرهم، ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ أي علموا في أنفسهم أنها حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروها (ظلمًا وعلوًا) أي ظلمًا من أنفسهم، سجية ملعونة، وعلوًا، أي استكبارًا عن اتباع الحق. . " (١).
وحين ذكر الله عن فرعون بعد أن أدركه الغرق أنه قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠].
لم يكن مؤمنًا ولا مسلمًا، بل قال الله ﷿ له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس: ٩١] فوُصف بالمعصية والفساد، ولم يوصف بعدم العلم والتصديق في الباطن، كما قال تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ [المزمل: ١٦].
أما إبليس فقد قال الله ﷿ عنه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
فلم يصفه إلا بالإباء والاستكبار ومعارضة الأمر، لم يصفه بعدم العلم، وقد أخبر الله ﷾ عن الكفار في غير موضع أنهم كانوا معترفين بالخالق في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٥٨).
[ ١٣٢ ]
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣].
وكذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
ولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح في صدق الرسل ﵈، وإنما يعتمدون في كفرهم وجحودهم ومكابرتهم على مخالفة أهوائهم.
كما قال الكفار من قوم نوح ﵇: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾ [الشعراء: ١١١].
وكما قال الملأ من قوم فرعون: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)﴾ [المؤمنون: ٤٧].
وكما قال مشركو العرب: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧].
وكقول عامة المشركين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] (١).
وبهذا يتبين أن القول بأن كل من حكم الشارع بكفره، فإن ذلك بسبب خلو قلبه من التصديق والمعرفة والعلم، قول باطل، دل على بطلانه الحس والواقع والعقل والشرع وإجماع العقلاء.
ومن الأدلة الشرعية على فساد هذا الأصل، أن هناك آيات كثيرة تدل على أن الكفار في الآخرة يعرفون ربهم، فإن كان مجرد المعرفة إيمانًا كانوا مؤمنين في الآخرة، ومن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾ [الأنعام: ٣٠]، وغيرها من الآيات (٢).
ثانيًا: يقول المصنف رحمه الله تعالى: "وكفر إبليس وفرعون واليهود
_________________
(١) الإيمان (١٥٢ - ١٥٣).
(٢) الإيمان (١٢٤).
[ ١٣٣ ]
ونحوهم لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم، فإن إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبي واستكبر، وكان من الكافرين، فكفره بالإباء والاستكبار وما بتبع ذلك، لا لأجل تكذيب، وكذلك فرعون وقومه جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا، وقال لموسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] (١).
وفي كفر إبليس وفرعون واليهود أحد تفسيرين، كما ذكر المصنف:
أحدهما: تفسير الجهمية والأشاعرة، الذين يقولون: إن التصديق والعلم منتف تمامًا عند هؤلاء.
الثاني: أن هؤلاء قد علموا الحق وعرفوا صدقه، ولكن ما في قلوبهم من الحسد والكبر مانع من استسلام قلوبهم وانقيادها للحق ومحبتها له، وهذا هو التفسير الصحيح (٢).
شبهة متعلقة بهذا الأصل الفاسد:
وقد ذكر ﵀ شبهة لهؤلاء، وملخصها:
أن من كان علمه وتصديقه تامًا أوجب استسلامه وطاعته مع القدرة، مثل الإرادة الجازمة تستلزم وجود المراد مع القدرة، فعلم أن المراد إذا لم يوجد مع القدرة، دل على أنه ما في القلب همة ولا إرادة، فكذلك إذا لم يوجد موجب التصديق والعلم من حب القلب وانقياده واستسلامه، دل على أن الحاصل في القلب ليس بتصديق ولا علم، بل هو شبهة وريب.
فهؤلاء -كما يقول المصنف ﵀- لا يتصورون أن يكون هناك تصديق باطن مع كفر قط (٣).
الجواب عن هذه الشبهة:
إن تشبيههم ذلك بالإرادة الجازمة تشبيه باطل، لأن الإرادة الجازمة مع القدرة التامة مستلزمة لوجود المراد.
_________________
(١) شرح حديث جبريل (٤١٨).
(٢) المصدر نفسه (٤١٩).
(٣) المصدر السابق (٤١٩).
[ ١٣٤ ]
أما العلم بالحق والتصديق به مع القدرة، فليس موجبًا للعمل، بل لا بد من إرادة للحق ومحبة له (١).
كما ذكر سابقًا أن الإنسان يمكن أن يعرف الحق ويصدق به، وهو قادر على اتباعه، ومع ذلك فلا يتبعه، بل يبغضه ويعاديه.
ثالثًا: يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١].
ويقول تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦].
فدلت هاتان الآيتان الكريمتان على أن الطاغوت يؤمن به ويكفر به، ومن المعلوم أن مجرد التصديق بوجوده والعلم بصفاته أمر يشترك فيه المؤمن والكافر على حد سواء.
وكذلك العلم والتصديق بالأصنام والشيطان والحر أمر يشترك في العلم بحالها المؤمن والكافر.
فالمؤمن بالجبت والطاغوت، لا يكون مؤمنًا بها بمجرد علمه بها، ولكنه كفر بعبادته لها.
فبطل إذن أن يكون الإيمان هو مجرد علم وتصديق في القلب (٢).
مقارنة أقوال أهل البدع بعضها ببعض:
وكعادة المصنف رحمه الله تعالى في التمثيل على تشابه البدع، وبيان أصولها المشتركة فإنه يذكر جملة من الأقوال والعقائد الباطلة التي تشابه هذا الأصل الفاسد.
فالجهمية والأشاعرة وغيرهم يجعلون الإيمان هو مجرد العلم والتصديق في القلب، ويجعلونه موجبًا للأعمال، فإذا انتفت كان ذلك دليلًا على انتفاء التصديق والعلم في القلب، وأن القلب كان خاليًا من ذلك.
_________________
(١) المصدر نفسه (٤٢٠).
(٢) المصدر السابق (٤٥١).
[ ١٣٥ ]
١ - وهذا القول شبيه بقول من قال: إن القدرة التامة بدون الإرادة الجازمة مستلزمة لوجود المراد المقدور.
٢ - وشبيه كذلك بقول من قال: إن مجرد علم الله ﷿ بالمخلوقات موجب وجودها.
٣ - وشبيه أيضًا بقول من يقول: إن مجرد إرادة الممكنات بدون القدرة موجب وجودها.
٤ - وشبيه أيضًا بقول من قال: إن سعادة النفس في مجرد علمها بالحقائق.
٥ - وشبيه بقول القائل: إن كمال النفس أو كمال الجسم في الحب من غير اقتران حركة إرادية به.
٦ - وشبيه أيضًا بقول من قال: إن اللذة في مجرد الإدراك والشعور (١).
وكل هذه الأقوال باطلة:
فلا بد في القول الأول من وجود الإرادة، ولا تكفي القدرة، فالإنسان الكسلان مثلًا لديه القدرة على العمل والحركة، ولكنه إيثارًا للكسل والبدعة، وعدم وجود الإرادة الجازمة عنده، لا يفعل شيئًا.
ولا بد في القول الثالث من إرادة الله تعالى لوجود المخلوقات مع علمه ﷾.
ولا بد في القول الثالث من وجود القدرة مع الإرادة، فلا تكفي الإرادة وحدها، فالإنسان مثلًا إذا كان عاجزًا عن صنع شيء، لم يستطع أن يصنع ما يريد.
ولا يكفي أبدًا في القول الرابع أن تعلم النفى الحقائق دون أن تتبعها، فلا يكفي أن يكون الإنسان عالمًا بالله ورسوله -حتى يكون سعيدًا- وهو معرض عن محبة الله وعادته ومتابعة رسوله.
_________________
(١) المصدر السابق (٤٢٠).
[ ١٣٦ ]
كما أنه ليس صحيحًا في القول الخامس أن كمال النفس بالحب وحده، بل لا بد من حركة إرادية تصاحب هذا الحب، ويكتمل بها.
وأخيرًا، فليست اللذة في مجرد الإدراك والشعور، بل لا بد من إدراك الملائم الذي هو عبارة عن علاقة بين المدرِك والمدرَك، وهذه العلاقة ليست هي الإدراك والشعور بالشيء.
وعلى ذلك فاللذة حال يعقب إدراك الملائم، فإن الإنسان الذي يحب الحلوى مثلًا، لا تكون لذته بمجرد ذوقه لها، ولكن لذته تكون بأمر يجده من نفسه يحصل مع الذوق (١).
"فلا بد أولًا من أمرين، وآخرًا من أمرين، لا بد أولًا من شعور بالمحبوب ومحبة له، فما لا شعور به لا يتصور أن ينتهى، وما يشعر به وليس في النفس محبة له لا يشتهى، ثم إذا حصل إدراكه بالمحبوب نفسه، حصل عقب ذلك اللذة والفرح مع ذلك" (٢).
ونخلص من كل ما سبق إلى المعادلة التالية:
القدرة التامة + الإرادة الجازمة = وجود المراد المقدور (الفعل).
إذن لا بد في الإيمان الذي في القلب من شيئين اثنين مجتمعين، وهما:
تصديق الله ورسوله+ محبة الله ورسوله = إيمان القلب.
قول القلب+ عمل القلب = إيمان القلب.
ويقول المصنف ﵀ حول ذلك: "فلا بد في الإيمان الذي في القلب من تصديق بالله ورسوله، وحب لله ورسوله، وإلا فمجرد التصديق مع البغض لله ورسوله، ومعاداة الله ورسوله، ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، وليس مجرد التصديق والعلم يستلزم الحب، إلا إذا كان القلب سليمًا من المعارض، كالحسد والكبر، لأن النفس مفطورة على حب الحق، وهو
_________________
(١) المصدر السابق (٤٢١).
(٢) المصدر نفسه (٤٢١).
[ ١٣٧ ]
الذي يلائمها، ولا شيء أحب إلى النفوس السليمة من الله. . فليس مجرد العلم موجبًا لحب المعلوم، إن لم يكن في النفس قوة أخرى تلائم المعلوم، وهذه القوة موجودة في النفس، وكل من القوتين تقوى بالأخرى، فالعلم يقوى بالعمل، والعمل يقوى بالعلم، فمن عرف الله وقلبه سليم أحبه، وكلما ازداد له معرفة ازداد حبه له، وكلما ازداد حبه له ازداد ذكره له. . " (١).
الأصل الثاني: أنهم جعلوا ما يوجد من التكلم بالكفر من سب الله ورسوله، ومن عقيدة التثليث، وغير ذلك قد يكون مجامعًا لحقيقة الإيمان الذي في القلب، ويكون صاحب ذلك مؤمنًا عند الله حقيقة، سعيدًا في الدار الآخرة (٢).
إبطال هذا الأصل:
هذا الأصل ظاهر البطلان، والدليل على بطلانه -كما يقول المصنف- أمران معلومان بالضرورة:
الأمر الأول: أمر معلوم بالاضطرار من الدين.
والأمر الثاني: أمر معلوم بالاضطرار من أنفسنا.
فالأول: إننا نعلم أن من سب الله طوعًا بغير كره، بل من تكلم بكلمات الكفر طائعًا غير مكره، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافر باطنًا وظاهرًا، وقد ذكر الله ﷿ كلمات الكفار في القرآن الكريم وحكم بكفرهم واستحقاقهم الوعيد بها.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧١، ٧٢].
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].
_________________
(١) المصدر السابق (٤٢٢).
(٢) المصدر نفسه (٤٩٤).
[ ١٣٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤]، وغير ذلك من الآيات، التي يذكر الله فيها أن من تكلم بكلمات الكفر، أو سب الله ورسوله، أو استهزأ بالله وآياته ورسوله، فقد كفر كفرًا أكبر، وهو خالد مخلد في نار جهنم وبئس المصير.
أما الجهمية ومن تابعهم من الأشعرية والماتريدية فقد جعلوا التكلم بكلمات الكفر، وسب الله ورسوله، والاستهزاء بالله وآياته ورسوله بمنزلة شهادة الشهود عليهم، أو بمنزلة الإقرار الذي قد يخطئ فيه المقر، ولو كان الأمر كذلك، لم يحكم الله بكفرهم، ولم يجعلهم من أهل الوعيد بالشهادة الي قد تكون صدقًا، وقد تكون كذبًا، بل كان ينبغي أن لا يعذبهم إلا بشرط صدق الشهادة (١).
والثاني: إن القلب إذا كان معتقدًا صدق الرسول، وأنه رسول الله، وكان محبًا لرسول الله معظمًا له، امتنع مع هذا -ولا بد- أن يلعنه أو يسبه، فلا يتصور ذلك منه إلا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته، فعلم بذلك أن مجرد الاعتقاد بأنه رسول الله، وبأنه صادق، لا يكون إيمانًا إلا مع محبته في القلب وتعظيمه (٢).
ولا يكتفي المصنف ﵀ بالدليلين السابقين، بل بضيف إليهما أدلة أخرى، ومن الأدلة التي ذكرها ما يلي:
الثالث: أن الله ﷾ قال: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦].
فقد ذكر الله ﷿ من كفر بالله من بعد إيمانه، وذكر وعيده في
_________________
(١) المصدر السابق (٤٥٠).
(٢) المصدر نفسه (٤٥٠).
[ ١٣٩ ]
الآخرة، ثم بين سبب ذلك الوعيد فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧)﴾ [النحل: ١٠٧].
فالله ﷾ جعل سبب العذاب والخسران هو استحباب الدنيا على الآخرة، وهؤلاء يقولون: إنما استحقوا الوعد لزوال التصديق والعلم من قلوبهم، فإن كان ذلك قد يكون سببه حب الدنيا على الآخرة.
وكلامهم هذا فاسد من وجهين:
الوجه الأول: أن باب التصديق والتكذيب والعلم والجهل ليس من باب الحب والبغض، والآية لم تذكر جهل هؤلاء الكافرين أو عدم تصديقهم سببًا لكفرهم، وإنما ذكرت استحبابهم للحياة الدنيا على الآخرة.
الوجه الثاني: أنه قد يجتمع -كما في حال من ذكرته الآية- العلم والتصديق مع استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، ومعرفة هذا الكافر بأن الكفر يضر في الآخرة (١).
الرابع: أن الله ﷾ قد استثنى المكره من الكفار، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله، وعدم تصديقه لم يستثن المكره، لأن الإكراه على ما في القلب ممتنع، فدل على أن التكلم بالكفر كفر، إلا في حال الإكراه.
ودل على ذلك قوله تعالى في الآية السابقة من سورة النحل: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي كفر بجر إكراه، وفعل ذلك استحبابًا للحياة الدنيا على الآخرة.
فمن تكلم بدون إكراه، لم يتكلم إلا وصدره منشرح بالكفر (٢).
الخامس: قصة النفر من اليهود الذين جاءوا إلى النبي - ﷺ -، وقالوا له: نشهد إنك لرسول، لم يكونوا مسلمين بذلك، لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم، أي أننا نعلم أنك رسول الله، وحين قال لهم: "فلم لا تتبعونني؟ " قالوا: نخاف من يهود.
_________________
(١) المصدر السابق (٤٥٣)، الإيمان (١٧٤).
(٢) شرح حديث جبريل (٤٥٣).
[ ١٤٠ ]
فدل ذلك على أن مجرد العلم والأخبار عنه ليس بإيمان، حتى يتكلم بالإيمان على سبيل الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد.
فالمنافقون كفروا لأنهم قالوا مخبرين عن إيمانهم وهم كاذبون، فكانوا كفارًا في الباطن.
وهؤلاء قالوها غير ملتزمين ولا منقادين، فكانوا كفارًا في الظاهر والباطن (١).
السادس: أن عم النبي - ﷺ - أبا طالب قد استفاض عنه أنه كان يعلم بنبوة محمد - ﷺ -، ونسب إليه البيت المعروف:
ولقد علمت بأن دين محمد. . . من خير أديان البرية دينا
لكنه امتنع -كما هو معلوم- من الإقرار بالتوحيد والنبوة حبًا لدين سلفه، وكراهة أنه يعيره قومه بأنه ترك دين عبد المطلب، فلما لم يقترن بعلمه الباطن الحب والانقياد الذي يمنع ما يضاد ذلك من حب الباطل وكراهة الحق لم يكن مؤمنًا (٢).
الأصل الثالث: أنهم جعلوا من لا يتكلم بالإيمان قط مع قدرته على ذلك، ولا أطاع الله طاعة ظاهرة، مع وجوب ذلك عليه وقدرته، يكون مؤمنًا بالله تام الإيمان سعيدًا في الدار الآخرة (٣).
إبطال هذا الأصل:
نستطيع أن نعتبر كل ما تقدم من ردود للمصنف على الأصلين السابقين ردودًا على هذا الأصل أيضًا.
فإنه يمتنع ويستحيل أن يكون قلب الإنسان عامرًا بالإيمان التام، ثم لا يتكلم به ولو مرة في حياته، ولا يطيع الله ﷿ طاعة ظاهرة، فمن كان كذلك علم أن ليس في قلبه الإيمان الواجب.
_________________
(١) المصدر نفسه (٤٥٥).
(٢) المصدر نفسه (٤٥٦).
(٣) المصدر نفسه (٤٩٤).
[ ١٤١ ]
يقول المصنف مفنِّدًا هذا الأصل: "وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانًا جازمًا امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام. . " (١).
الأصل الرابع: وهذا أصل لازم لهم، وهو أنه يلزمهم أن من سجد للصليب والأوثان طوعًا، وألقى المصحف في الحش عمدًا، وقتل النفس بغير حق، وقتل كل من رآه يصلي، وسفك دم كل من يراه يحج البيت، وفعل ما فعلته القرامطة بالمسلمين، يجوز أن يكون مع كل هذا مؤمنًا وليًا لله، إيمانه مثل إيمان النبيين والصديقين.
إبطال هذا الأصل:
نقول إن الإيمان الذي في القلب له مع هذه الأمور حالتين لا غير:
الحالة الأولى: أن يكون منافيًا لها، ومضادًا لها.
الحالة الثانية: أن لا يكون منافيًا لها، ولا مضادًا لها.
فإن كان منافيًا لها كان ترك هذه الأمور موجب الإيمان الباطن ومقتضاه ولازمه، فلا يكون مؤمنًا في الباطن الإيمان الواجب إلا من تركها، فمن لم تركها دل ذلك على فساد الإيمان الباطن.
فإن لم يكن منافيًا لها أمكن وجودها معه، فلا يكون وجودها إلا مع عدم الإيمان الباطن.
وبهذا يتبين أن الأعمال والتروك الظاهرة لازمة للإيمان الباطن، وبالتالي فإنها من موجبه ومقتضاه، وبالتالي أيضًا فإنها تقوى بقوته، وتضعف بضعفه، وتزيد بزيادته، وتنقص بنقصانه، لأن الشيء المعلول لا يزيد إلا بزيادة موجبه ومقتضاه، ولا ينقص إلا بنقصان ذلك، فإذا جعل العمل الظاهر موجب الباطن ومقتضاه لزم أن تكون زيادته لزيادة الباطن، فيكون دليلًا على زيادة الإيمان الباطن ونقصه لنقص الباطن، فيكون نقصه دليلًا على نقص الباطن، وهو المطلوب، كما يقول المصنف (٢).
_________________
(١) شرح حديث جبريل (٤٤٤).
(٢) المصدر السابق (٤٩٥).
[ ١٤٢ ]
ويقول ﵀ في موضع آخر: "وقالوا: حيث حكم الشرع بكفر أحد بعمل أو قول، فلكونه دليلًا على انتفاء ما في القلب، وقولهم متناقض، فإنه إذا كان ذلك دليلًا مستلزمًا لانتفاء الإيمان الذي في القلب، امتنع أن يكون الإيمان ثابتًا في القلب، مع الدليل المستلزم لنفيه، فإن لم يكن دليلًا لم يجز الاستدلال به على الكفر الباطن" (١).
ويعلق ﵀ بعد ذلك بقوله: "وهذه الفضائح تختص بها الجهمية دون المرجئة من الفقهاء وغيرهم" (٢).
خلاصة هامة:
قد تقدم أن الإيمان عند أهل السنّة يشمل: قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح.
والقائلون بأن الإيمان هو المعرفة أو التصديق -وهم الجهمية والأشاعرة والماتريدية وغيرهم- يخرجون من مسمى الإيمان: عمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح، فكل هذه ليست عندهم من الإيمان.
وأما القائلون بأن الإيمان هو التصديق والإقرار -وهم مرجئة الفقهاء- فقد ألزمهم شيخ الإسلام بأمرين لا محيص عنهما:
الأمر الأول: إن أخرجوا أعمال القلوب من مسمى الإيمان، فقد لزمهم قول الجهمية ولا بد.
الأمر الثاني: وإن أدخلوا أعمال القلوب في مسمى الإيمان لزمهم إدخال أعمال الجوارح، فإنها لازمة لها.
يقول المصنف عن هؤلاء: "لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان، لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضًا، فإنها لازمة لها" (٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦١٤).
(٢) شرح حديث جبريل (٤٩٤).
(٣) الإيمان (١٥٥).
[ ١٤٣ ]
الطريق الأول
ويقول أيضًا: "فإخراجهم العلم يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضًا، وهذا باطل قطعًا، فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه فهو كافر قطعًا بالضرورة، وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطأوا أيضًا، لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن" (١).
سادسًا: الرد على من قال: إن دخول الأعمال في الإيمان على سبيل المجاز:
دأب كثير من المرجئة الذين أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان، على أن الأعمال قد تدخل في الإيمان ولكن على سبيل المجاز، وليس على الحقيقة.
يقول شيخ الإسلام ﵀ عن هؤلاء: "والمرجئة المتكلمون منهم والفقهاء منهم يقولون: إن الأعمال قد تسمى إيمانًا مجازًا، لأن العمل ثمرة الإيمان ومقضاه، ولأنها دلل عليه. . " (٢)، وذكر أن القول بدخول الأعمال في الإيمان مجاز، هو عمدة المرجئة، والجهمية، والكرامية، وكل من لم يدخل الأعمال في اسم الإيمان (٣).
ولشيخ الإسلام في الرد على هؤلاء طريقان:
الطريق الأول: إبطال الحجاز من أساسه، وبيان أن تقسيم الألفاظ في العربية إلى حقيقة ومجاز، قسمة محدثة لا أصل لها.
يقول ﵀: "وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم، كمالك والثورى والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم، وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه، ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى بمجاز الآية: ما يعبر به عن الآية. . . ولم يقل ذلك أحد من
_________________
(١) شرح حديث جبريل (٤٤٨).
(٢) الإيمان (١٥٥).
(٣) المصدر نفسه (٧٣).
[ ١٤٤ ]