ومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يسمى الزنديق في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة ونقلة مقالات الناس.
ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول، لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك [أو] (٢) أسره، وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله أخبر بزيادة الكفر، كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] أو (٣) تارك الصلاة وغيرها من الأركان أو مرتكبي
_________________
(١) = (١٠/ ٣٣٢) روايتين: إحداهما: لا تقبل توفي، ويقتل بكل حال، وهو المذهب، والأخرى: تقل توبته كغيره، وعنه لا تقل إن تكررت ردته ثلاثًا فأكثر وإلا قبلت، وانظر كذلك كشاف القناع (٦/ ١٧٧)، والمغني لابن قدامة (١٠/ ٧٦ - ٧٨)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٠ - ٢١)، ونيل الأوطار (٩/ ٥٦ - ٥٩). وقال المصنف في الصارم المسلول (٣/ ٦٥٠) عن الزنديق: "فإظهاره الإقرار برسالته الآن ليس فيه أكثر مما كان يظهره قبل هذا، وهذا القدر بطلت دلالته، فلا يجوز الاعتماد عليه، وهذه نكتة من لا يقبل توبة الزنديق، وهو مذهب أهل المدينة، ومالك وأصحابه، والليث بن سعد، وهو المنصور من الروايتين عن أبي حنيفة، وهو إحدى الروايات عن أحمد، نصرها كثير من أصحابه، وعنهما أنه يستتاب، وهو المشهور عن الشافعي. . ". ويقول المصنف في موضع آخر عن أهل الاتحاد والحلول: "فرؤوسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم، ولا تقبل توبة أحد منهم، إذا أخذ قبل التوبة، فإنهم من أعظم الزنادقة، الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون أعظم الكفر. . " مجموع الفتاوى (٢/ ١٣١).
(٢) قال الإمام الحافظ ابن قدامة المقدسي ﵀ في المغني (٧/ ١٧٢): الزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويستسر بالكفر وهو المنافق كان يسمى في عصر النبي - ﷺ - منافقًا ويسمى اليوم زنديقًا.
(٣) في نسخة الأصل: "و" والتصحيح من (م) و(ط).
(٤) في (ط): "و"، وقبل الواو بياض في نسخة الأصل بقدر كلمة.
[ ٣٠٣ ]
الكبائر كما أخبر بزيادة عذاب [بعض] (١) الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨].
فهذا أصل ينبغي معرفته فإنه مهم في هذا الباب، فإن كثيرًا ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر لتكفير أهل الأهواء لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام (٢)، ومن تدبر هذا علم أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع، قد يكون مؤمنًا مخطئًا جاهلًا ضالًا عن بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -، وقد يكون منافقًا زنديقًا يظهر خلاف ما يبطن.
و[هنا] (٣) أصل آخر، وهو أنه جاء في الكتاب والسنة وصف أقوام بالإسلام دون الإيمان فقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [الحجرات: ١٤].
وقال تعالى في قصة لوط: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦].
وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الآية تقتضي أن مسمى الإسلام والإيمان (٤) واحد، وعارضوا بين الآيتين، وليس كذلك، بل هذه الآية توافق الآية الأولى، لأن الله تعالى أخبر أنه أخرج من كان فيها مؤمنًا وأنه لم يجد إلا أهل بيت من المسلمين، وذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين، ولم تكن من المخرجين الذين نجوا، بل كانت من الغابرين الباقين في العذاب.
_________________
(١) ليست في نسخة الأصل.
(٢) هذا هو أحد الأصول المهمة في قضية الإيمان وإحدى القضايا التي ركز عيها المؤلف في هذا الكتاب.
(٣) في نسخة الأصل: "وهذا"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب إلى الصواب.
(٤) في (ط): "سمى الإيمان والإسلام.
[ ٣٠٤ ]