وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها، كالعشرة فإنه إذا زال بعضها، لم تبق (٢) عشرة، وكذلك الأجسام المركبة كالسكنجبين (٣) إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجبينًا.
قالوا: فإذا كان الإيمان مركبًا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة، لزم زواله، بزوال بعضها، وهذا قول الخوارج والمعتزلة.
قالوا: ولأنه يلزم أن يكون الرجل مؤمنًا بما فيه من الإيمان، كافرًا بما فيه من الكفر، فيقوم به كفر وإيمان، وادعوا أن هذا خلاف الإجماع.
ولهذه الشبهة -والله أعلم- امتنع من امتنع من أئمة الفقهاء أن يقول: ينقص (٤) كأنه ظن إذا قال ذلك يلزم ذهابه كله بخلاف ما إذا زاد.
ثم إن هذه الشبهة هي شبهة من منع أن يكون في الرجل الواحد طاعة ومعصية، لأن الطاعة جزء من الإيمان، والمعصية جزء من الكفر، فلا يجتمع فيه كفر وإيمان وقالوا: ما ثم إلا مؤمن محض، أو كافر محض، أو مؤمن وكافر وفاسق (٥).
ثم نقلوا حكم الواحد من الأشخاص إلى الواحد من الأعمال، فقالوا: لا يكون العمل الواحد محبوبًا من وجه مكروهًا من وجه.
_________________
(١) = في البداية والنهاية (١٣/ ٦٠): "وصنف ترجمة الشافعي في مجلد مفيد، وفيه غرائب لا يوافق عليها، وينسب إليه أشياء عجيبة".
(٢) يقول الفخر الرازي في كتاب "مناقب الشافعي" (١٤٦): "لكن الشافعي يقول: إن العمل داخل في مسمى الإيمان، ثم يقول: الإيمان باق بعد فوات العمل، فكان هذا مناقضة".
(٣) في (م): "لم يبق".
(٤) السكنجبين: هو شراب مشهور مركب من الخل والعسل، وهو معرب عن "سركا" و"انكبين" الفارسي، ومعناها خل وعسل، وقال صاحب القانون عن السكنجبين: "يؤخذ عسل جيد يجعله على حجر لين، وتأخذ رغوته، وتلقي عليه الخل" القانون لابن سينا. (٣/ ٣٦٤)، الحاوي في الطب هامش (٢١/ ٤٥).
(٥) في (ط): "بنقصه".
(٦) قوله" أو مؤمن وكافر وفاسق، ليس في (ط) و(م).
[ ٣٨٥ ]
وغلا فيه أبو هاشم (١) فنقله إلى الواحد بالنوع فقال: لا يجوز أن يكون جنس السجود أو الركوع أو غير ذلك من الأعمال بعض أنواعه طاعة، وبعضها معصية، لأن الحقيقة الواحدة لا توصف بوصفين مختلفين، بل الطاعة والمعصية تتعلق بأعمال القلوب، وهو قصد الساجد دون عمله الظاهر، واشتد نكير الناس عليه في هذا القول، وذكروا من مخالفته للإجماع وجحده للضروريات شرعًا وعقلًا ما يتبين به فساده (٢).
_________________
(١) هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان - ﵁ - الجبائى، من كبار شيوخ المعتزلة هو ووالده، له آراء انفرد بها، قال عنه أبو الحسين الملطي بعد أن تحدث عن والد أبي هاشم: "فخرج ابنه أبو هاشم فوضع مائة وستين كتابًا فى الجدل فى أيام قلائل، شيء ما وصل إلى مثله أحد قبله ولا أبوه، وخالف أباه في تسع وعشرين مسألة" له مصنفات، منها: "الشامل" و"العدة" وهذان في الفقه وأصوله، وغيرها من المؤلفات، وإليه تنسب أحوال أبي هاشم التى يكاد يجمع العقلاء على إنكارها، وممن أنكرها عليه والده، يقول شيخ الإسلام في درء التعارض (٣/ ٤٤٤): "وصار الناس يقولون: عجائب الكلام: طفرة النظام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري، ولهم في ذلك من الكلام ما يطول وصفه"، يقول الشهرستاني في الملل والنحل: "فأثبت أحوالًا هي صفات لا موجودة، ولا معدومة، ولا معلومة، ولا مجهولة، أي هي على حيالها لا تعرف كذلك، بل مع الذات" (٨٢)، وإليه تنسب فرقة البهشمية من فرق المعتزلة، توفي أبو هاشم سنة ٣٢١ هـ. التنبيه والرد (٤٠)، الفرق بين الفرق (١١١)، تاريخ بغداد (١١/ ٥٥)، الملل والنحل (٧٨)، العبر (٢/ ١٨٧)، ميزان الاعتدال (٢/ ١٣١)، وفيات الأعيان (١/ ٢٩٢)، البداية والنهاية (١١/ ١٨٨)، طبقات المعتزلة (٩٤).
(٢) لأبي هاشم الجبائي المعتزلي مصنفات كثيرة، ولكن لم يصل منها شيء إلى الأيدي، حيث فقدت، كما ذكر علي فهمي خشيم صاحب كتاب "الجبائيان: أبو علي وأبو هاشم" (٣٢٢)، وعلى هذا فلا يمكننا أن نقف على كلامه بنفسه فى هذا المجال. وقال أبو منصور البغدادي في "الفرق بين الفرق" (١١٥) متحدثًا عن أبي هاشم: "والفضيحة الخامسة من فضائحه: قوله في الإرادة المشروطة وأصلها عنده قوله: لا يجوز أن يكون الشيء واحدًا مرادًا من وجه مكروهًا من وجه آخر. . . ". وذكر إمام الحرمين فى البرهان (١/ ٣٠٤) أن أبا هاشم لا يرى تحريم السجود بين يدي الصنم، وإنما المحرم عنده القصد، وقال معقبًا: "وهذا لم أطلع عليه من مصنفات الرجل مع طول بحثي عنه، فالذي ذكره من نقل مذهبه أن السجود لا يختلف صفته وإنما المحظور القصد، وهذا يوجب ألا يقع السجود طاعة من =
[ ٣٨٦ ]
وهؤلاء منتهى نظرهم أن يروا حقيقة مطلقة مجردة تقوم في أنفسهم فيقولون: الإيمان من حيث هو [هو] (١)، والسجود من حيث هو هو، لا يجوز أن يتفاضل، ولا يجوز أن يختلف، وأمثال ذلك.
ولو اهتدوا لعلموا أن الأمور الموجودة في الخارج عن الذهن متميزة بخصائصها، وأن الحقيقة المجردة المطلقة لا تكون إلا في الذهن (٢)، وأن الناس إذا تكلموا في التفاضل والاختلاف فإنما تكلموا في تفاضل الأمور الموجودة واختلافها لأن تفاضل أمر مطلق مجرد في الذهن لا وجود له في الخارج.
ومعلوم أن السواد مختلف، فبعضه أشد من بعض، وكذلك البياض، وغيره من الألوان، وأما إذا قدرنا السواد المجرد المطلق الذي يتصوره الذهن فهذا لا يقبل الاختلاف والتفاضل، لكن هذا هو في الأذهان لا في الأعيان.
ومثل هذا الغلط وقع فيه كثير من الخائضين في الأصول والفقه (٣)، حيث أنكروا تفاضل العقل، أو الإيجاب و(٤) التحريم.
وإنكار التفاضل في ذلك قول القاضي أبي بكر وابن عقيل (٥)
_________________
(١) = جهة وقوعه مقصودًا على وجه التقرب إلى الصنم، ومساق ذلك يخرج الأفعال الظاهرة قاطبة عن كونها قربًا، وهذا خروج عن دين الأمة ثم لا يمتنع أن يكون الفعل مأمورًا به مع قصد منهيًا عنه مع نقيضه"، وانظر ما قاله عنه صاحب كتاب "الجبائيان" (٣٣٧) حول تلك المسألة.
(٢) "هو" ليست في نسخة الأصل، وهي في (م) و(ط).
(٣) هذه المسألة -وتسمى عند المناطقة والمتكلمين الماهية- من أهم المسائل التي يركز علبها شيخ الإسلام في كثير من مباحثه وردوده على أهل البدع، حيث إن الجهل بها أوقعهم في كثير من التناقضات والأخطاء، ومن أجل ذلك يحاول المصنف -﵀- أن يجلي هذه المسألة الهامة، ويبين أن هناك فرقًا واضحًا بين وجود الشيء في الذهن ووجوده خارج الذهن، فالفروق والاختلافات لا تكون إلا في وجود الشئ في الخارج، وليس للذي في الذهن.
(٤) في (ط): "فى أصول الفقه".
(٥) في (م) و(ط): "أو"، وتوضيح العبارة كالتالي: حيت أنكروا تفاضل العقل، أو نفاضل الإيجاب والتحريم.
(٦) ابن عقيل هو أبو الوفا علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادى =
[ ٣٨٧ ]
وأمثالهما، لكن الجمهور على خلاف ذلك، وهو قول أبي الحسن التميمي (١)، وأبي محمد البربهارى (٢)، والقاضي أبي يعلى (٣)، وأبي
_________________
(١) = الظفري الحنبلى، المتكلم صاحب التصانيف، وصفه الذهبي بالإمام العلامة البحر شيخ الحنابلة، ولد سنة ٤٣١ هـ، إلا أنه خالف السلف، ووافق المعتزلة في بعض بدعهم، ودرس على بعض شيوخهم، فلذلك نقمت عليه الحنابلة، كان من أذكياء العالم كما وصفه المصنف في "درء التعارض"، من مؤلفاته كتاب "الفنون" وهو أكثر من أربعمائة مجلد، فيه فوائد كثيرة جليلة -كما قال الحافظ ابن رجب- في الوعظ والتفسير والفقه والأصلين والنحو واللغة والشعر والتاريخ والحكايات، وبه مناظراته ومجالسه التي وقعت له، وخواطره، ونتائج فكره قيدها فيه، له من المصنفات أيضًا "الواضح في الأصول" و"الفرق" و"الفصول" في الفقه الحنبلي، وغيرها، توفي أبو الوفا عام ٥١٣ هـ. ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (١/ ١٤٣) وقد أطال ترجمته، سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٣)، ميزان الاعتدال (٣/ ١٤٦)، العبر (٤/ ٢٩)، الكامل (١/ ٥٦١)، الوافي بالوفيات (١٢/ ١٢١)، مرآة الزمان (١/ ١٤٢)، البداية والنهاية (١٢/ ١٨٤)، لسان الميزان (٤/ ٢٤٣)، شذرات الذهب (٤/ ٣٥).
(٢) أبو الحسن التميمي هو عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث الفقيه الحنبلي، له كلام ومصنف في الخلاف، كما قال الحافظ ابن كثير، وصنف في الأصول والفروع والفرائض، اتهمه الخطيب البغدادي بوضع حديث في فتح مكة عنوة، وأنكر ذلك ابن الجوزي، وقال: إن هذا دأب الخطيب في أصحاب أحمد، وقال: إن شيخ الخطيب الذي روى عنه القصة كان معتزليًا وليس من أهل الحديث، توفي التميمي سنة ٣٧١ هـ. تاريخ بغداد (١/ ٤٦١)، المنتظم (٧/ ١١٠)، طبقات الحنابلة (٢/ ١٣٩)، البداية والنهاية (١١/ ٣١٨).
(٣) أبو محمد البربهاري هو الحسن بن علي بن خلف شيخ الحنابلة القدوة الإمام الفقيه كما قال الإمام الذهبي في ترجمته، كان قوالًا بالحق داعية إلى الأثر، لا يخاف في الله لومة لائم، حصل له ولأصحابه تضييق ومحن، وأرادوا حبسه فاختفى، وأخذ كبار أصحابه، صنف مصنفات منها "شرح كتاب السنة"، وغيره، توفي سنة ٣٢٨ هـ. طبقات الحنابلة (٢/ ١٨)، المنتظم (٦/ ٣٢٣)، العبر (٢/ ٢١٦)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٩٠)، البداية والنهاية (١١/ ٢٠١)، الوافي بالوفيات (١٢/ ١٤٦)، شذرات الذهب (٢/ ٣١٩).
(٤) أبو يعلى هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء الإمام العلامة شيخ الحنابلة صاحب التعليقة الكبرى والتصانيف المفيدة في المذهب كما يقول الحافظ الذهبي، لازم أبا عبد الله بن حامد شيخ الحنابلة في عصره، وحدث =
[ ٣٨٨ ]
الخطاب (١)، وغيرهم (٢).
_________________
(١) = عنه الخطيب وأبو الخطاب الكلوذاني وأبو الوفاء بن عقيل وجماعة، ومنهم ابنه القاضي أبو الحسين محمد -صاحب طبقات الحنابلة- أفتى ودرس، وتخرج به الأصحاب، وانتهت إليه الإمامة في الفقه، وكان عالم العراق في زمانه، صنف مصنفات وافرة، منها: "أحكام القرآن" و"مسائل الإيمان" و"المعتمد" و"المقتبس" و"عيون المسائل" و"الرد على الكرامية" و"الرد على السلمية والمجسمة" و"الكلام في الاستواء" و"العدة" في أصول الفقه، و"فضائل أحمد" وغيرها من المؤلفات الكثيرة، وكانت له مكانة وحظوة ورفعة عند خلفاء بني العباس في زمانه، ولما جمع كتابه "إبطال تأويل الصفات" قاموا عليه لما فيه من الواهيات والموضوعات، وجرت أمور وفتن، مات في سنة ٤٥٨ هـ. تاريخ بغداد (٢/ ٢٥٦)، طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣)، المنتظم (٨/ ٢٤٣)، الكامل (١٠/ ٥٢)، العبر (٣/ ٢٤٣)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٨٩)، الوافي بالوفيات (٣/ ٧)، البداية والنهاية (١٢/ ١٠١)، شذرات الذهب (٣/ ٣٠٦).
(٢) أبو الخطاب هو محفوظ بن أحمد بن حسن العراقى الكلوذاني البغدادي الأزجي، من كبار تلامذة القاضي أبي يعلى الفراء، نعته الذهبي بالشيخ الإمام العلامة الورع شيخ الحنابلة، له مصنفات عديدة منها "الهداية" في الفقه، و"الخلاف الكبير" المسمى "بالانتصار في المسائل الكبار" و"الخلاف الصغير" المسمى "برؤوس المسائل" و"التهذيب" في الفرائض، و"التمهيد" في أصول الفقه و"العبادات الخمس" و"مناسك الحج" وقد انفرد عن أصحابه الحنابلة بجملة من المسائل، ذكر ذلك الحافظ ابن رجب، توفي أبو الخطاب سنة ٥١٠ هـ. المنتظم لابن الجوزي (٩/ ١٩٠)، الكامل (١٠/ ٥٢٤)، العبر (٤/ ٢١)، سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٤٨)، مرآة الزمان (٨/ ٤١)، المستفاد من ذيل تاريخ بغداد لابن النجار (١٩/ ٢٢٦)، البداية والنهاية (١٢/ ١٨٠)، ذبل طبقات الحنابلة (١/ ١١٦)، النجوم الزاهرة (٥/ ٢١٢)، شذرات الذهب (٤/ ٢٧).
(٣) ذكر إمام الحرمين أبو المعالي أن القاضي أبا بكر الباقلاني يعرف العقل بأنه العلوم الضرورية بجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات. البرهان في أصول الفقه (١/ ١١١)، ومن المعلوم أن كافة العقلاء يتفقون على مثل هذا، وبالتالي فإن العقل بهذا التعريف لا يتفاضل عنده، وقد تعقبه صاحب البرهان في تلك المسألة، وأبطل قوله. وذهب أبو يعلى إلى اختلاف العقل، وتفاوت الناس فيه. العدة في أصول الفقه (١/ ٢٤). ونقل أبو الخطاب عن أبي الحسن التميمي أن العقل ليس بجسم ولا عرض، وإنما هو نور في القلب، وأما البربهاري فالعقل عنده فضل من الله يؤتيه من =
[ ٣٨٩ ]
ولذلك (١) وقع نظير هذا لأهل المنطق والفلسفة ولمن تابعهم من أهل الكلام والإلحاد (٢) في توحيد واجب الوجود ووحدته حتى أخرجهم الأمر إلى ما يستلزم التعطيل المحض كما بيناه في غير هذا الموضع (٣).
وأهل المنطق اليونان مضطربون في هذا المقام، يقول أحدهم القول،
_________________
(١) = يشاء، التمهيد في أصول الفقه (١/ ٤٤)، وهذان التعريفان للعقل يدلان على مذهبهما في تفاوته بين الناس كما ذكر ذلك المصنف عنهما. أما أبو الخطاب فيقول في التمهيد مستدلًا على تفاضل العقل: "قال أصحابنا إن العقل يختلف، فمن الناس من يكون عقله كثيرًا، ومنهم من يكون عقله قليلًا، ويزيد وينقص" خلافًا للأشعرية والمعتزلة في قولهم هو شئ واحد في جميع الناس لا يزيد ولا ينقص" (١/ ٥٢) واستدل على ذلك بالإجماع وببعض الأحاديث التى وردت في العقل، وإن كان لا أصل لها. وذكر حجة من لم يقل بتفاوت العقل كالقاضي أبو بكر الباقلاني وغيره فقال: "واحتج المخالف بأن قال: أجمعنا أن العقل هو بعض العلوم الضرورية، من استحالة اجتماع الضدين، وكون الجسم في مكانين، والعقلاء في هذا متساوون" ثم شرع في الرد على ذلك (١/ ٥٦). أما المقصود بالإيجاب والتحريم فيوضحه المصنف في موضع آخر من كتبه قائلًا: "ولهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى تفاضل أنواع الإيجاب والتحريم، وقالوا: إن إيجاب أحد الفعلين قد يكون أبلغ من إيجاب الآخر، وتحريمه أشد من تحريم الآخر، فهذا أعظم إيجابًا، وهذا أعظم تحريمًا، ولكن طائفة من أهل الكلام نازعوا في ذلك كابن عقيل وغيره، فقالوا: التفاضل ليس في نفى الإيجاب والتحريم، لكن في متعلق ذلك، وهو كثرة الثواب والعقاب، والجمهور يقولون: بل التفاضل في الأمرين، والتفاضل في المسببات دليل على التفاضل في الأسباب، وكون أحد الفعلين ثوابه أعظم وعقابه أعظم: دليل على أن الأمر به والنهي عنه أوكد، وكون أحد الأمرين والنهيين مخصوصًا بالتوكيد دون الثاني مما لا يستريب فيه عاقل، ولو تساويا من كل وجه لامتنع الاختصاص بتوكيد أو غيره من أسباب الترجيح، فإن التسوية والتفضيل متضادان، وجمهور أئمة الفقهاء على التفاضل في الإيجاب والتحريم. . " مجموع الفتاوى" (١٧/ ٥٩). ويوضح ذلك باختصار في "الإيمان الكبير" (٣١٨) قائلًا: "ولهذا كان العقل يقبل التفاضل، والإيجاب والتحريم يقبل التفاضل، فيكون إيجاب أقوى من إيجاب، وتحريم أقوى من تحريم. .".
(٢) في (ط): "وكذلك".
(٣) في (م) و(ط): "الاتحاد".
(٤) منها على سبيل المثال ما ورد في التدمرية (١٥ - ٢٢).
[ ٣٩٠ ]
ويقول نقيضه كما هو مذكور في موضعه، ونحن نذكر ما يتعلق بهذا الموضع فنقول: -ولا حول ولا قوة إلا بالله- الكلام في طرفين:
(أحدهما): أن شعب الإيمان هل هي متلازمة في الانتفاء؟
والثاني: هل هي متلازمة في الثبوت؟