صار صاحبه كافرًا، قيل له: ليس للإيمان حقيقة واحدة، مثل حقيقة [مسمى مسلم] (١) في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان بهذا الاعتبار، مثل حقيقة السواد والبياض، بل الإيمان والكفر يختلف باختلاف المكلف، وبلوغ التكليف له، ونزول (٢) الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك.
وكذلك الإيمان الواجب على غيره مطلقًا (٣) و(٤) لا مثل الإيمان الواجب عليه في كل وقت، فإن الله تعالى [لما] (٥) بعث محمدًا - ﷺ - رسولًا إلى الخلق، كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ولم يأمرهم حينئذ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حج البيت، ولا حرم عليهم الخمر والربا، ونحو ذلك، ولا كان أكثر القرآن قد نزل [فمن] (٦) صدقه حينئذ فيما نزل من القرآن، وأقر بما أمر به من الشهادتين وتوابع ذلك، كان ذلك الشخص حينئذ مؤمنًا تام الإيمان الذي وجب عليه، وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه كان كافرًا.
قال الإمام أحمد: "كان بدء الإيمان ناقصًا فجعل يزيد حتى كمل" (٧).
ولهذا قال تعالى عام حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
_________________
(١) في نسخة الأصل: مثل حقيقة تسمى مسلمة، وفي (م): مثل حقيقة مسلمة، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أقرب إلى الصواب.
(٢) في (ط): (وبزوال).
(٣) في (ط): "وكذلك الإيمان والواجب على غيره مطلق".
(٤) الواو ليست في (م) و(ط).
(٥) كلمة "لما" ليست في نسخة الأصل و(م)، وهي في (ط).
(٦) في نسخة الأصل: بين فيه، وهو خطأ، والتصحيح من (م) و(ط).
(٧) رواه بنحوه الخلال في كتاب السنة برقم (٩٥٨)، وقال عنه محققه: إسناده صحيح"، وروى كذلك أن أبا الحارث حدثهم قال: "سألت أحمد بن محمد بن حنبل قلت: إذا قال الرجل: لا إله إلا الله فهو مؤمن؟ قال: كذا كان بدء الإيمان ثم نزلت الفرائض: الصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج البيت" ورقمه (٩٥٥) ص ٥٦٤، وقال محققه: "إسناده صحيح".
[ ٣٩٦ ]
وأيضًا فبعد نزول القرآن كله (١) وإكمال الدين إذا بلغ الرجل بعض الدين دون بعض، كان عليه أن يصدق ما جاء به الرسول جملة وما بلغه عنه مفصلًا، وأما ما لم يبلغه ولم يمكنه معرفته، فذاك إنما عليه أن يعرفه مفصلًا إذا بلغه (٢).
وأيضًا فالرجل إذا آمن بالرسول إيمانًا جازمًا، ومات قبل دخول وقت الصلاة، أو وجوب شيء من الأعمال، مات كامل الإيمان الذي وجب عليه، فإذا دخل وقت الصلاة فعليه أن يصلي، وصار يجب عليه ما لم يجب [عليه] (٣) قبل ذلك.
وكذلك القادر على الحج والجهاد، يجب عليه ما لم يجب على غيره من التصديق المفصل، والعمل بذلك، فصار ما يجب من الإيمان يختلف باختلاف حال نزول الوحي من السماء، وبحال المكلف في البلاغ وعدمه، وهذا مما يتنوع به نفى التصديق، ويختلف حاله باختلاف القدرة والعجز، وغير ذلك من أسباب الوجوب، وهذه يختلف بها العمل أيضًا.
ومعلوم أن الواجب على كل من هؤلاء لا يماثل الواجب على الآخر، فإذا كان نفس ما وجب من الإيمان في الشريعة الواحدة يختلف ويتفاضل، وإن كان بين [جميع] (٤) هذه الأنواع قدر مشترك موجود في الجميع، كالإقرار بالخالق وإخلاص الدين له، والإقرار برسله، واليوم الآخر، على وجه الإجمال، فمن المعلوم أن بعض الناس إذا أتى ببعض ما
_________________
(١) "كله" ليست في (ط).
(٢) يقول الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلام -﵀- في كتاب الإيمان (١٠): "فوجدناه قد جعل بدء الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله - ﷺ -، فأقام في مكة بعد النبوة عشر سنين أو بعض عشر سنة، يدعو إلى هذه الشهادة خاصة، وليس الإيمان المفترض على العباد يومئذٍ سواها، فمن أجاب إليها كان مؤمنًا، لا يلزمه اسم في الدين غيره، وليس يجب عليهم زكاة ولا صيام ولا غير ذلك من شرائع الدين. . . ".
(٣) ما بين المعكوفتين مضاف من (م) و(ط).
(٤) في نسخة الأصل "جمع" وهو خطأ، والصحيح من (م) و(ط).
[ ٣٩٧ ]
يجب عليه دون بعض، كان قد تبعض ما أتى فيه من الإيمان كبعض سائر الواجبات.
يبقى أن يقال: فالبعض الآخر قد يكون شرطًا في ذلك البعض، وقد لا يكون [شرطًا فيه] (١)، [فالشرط] (٢) كمن آمن ببعض القرآن (٣)، وكفر ببعضه، أو آمن ببعض الرسل، وكفر ببعضهم.
كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠] وقد يكون البعض المتروك ليس شرطًا في وجود الآخر ولا قبوله، وحينئذٍ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وبعض شعب الإيمان، وشعبة من شعب الكفر.