وبهذا يتبين أن الأعمال الظاهرة تسمى إسلامًا، فإنها (١) تدخل في مسمى الإيمان تارة، ولا تدخل فيه تارة.
وذلك أن الاسم الواحد تختلف دلالته بالأفراد والاقتران، فقد يكون عند الأفراد فيه عموم لمعنيين، وعند الاقتران لا يدل إلَّا على أحدهما، كلفظ الفقير والمسكين، إذا أفرد أحدهما تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كان لكل واحد مسمى يخصه، وكذلك لفظ المعروف والمنكر إذا أطلقا كما في قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، دخل فيه الفحشاء والبغي، وإذا قرن بالمنكر أحدهما كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أو كلاهما كما في قوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، كان اسم المنكر مختصًا بما خرج عن (٢) ذلك على قول، أو متناولًا للجميع على قول بناء على أن الخاص المعطوف على العام هل يمنع شمول العام له، أو يكون قد ذكر مرتين؟ فيه نزاع! والأقوال والأعمال الظاهرة موجب (٣) [الأعمال] (٤) الباطنة ولازمها، وإذا أفرد اسم الإيمان فقد يتناول هذا وهذا، كما في قول النبي - ﷺ -: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلَّا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (٥).
_________________
(١) في (ط): "وأنها".
(٢) في (ط): "من".
(٣) في (ط): "نتيجة".
(٤) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط) و(ص).
(٥) هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص ٣٩٢ من هذا الكتاب.
[ ٤٤٢ ]
وحينئذ فيكون الإسلام داخلًا في مسمى الإيمان وجزءًا منه، فيقال حينئذٍ: إن الإيمان اسم لجميع الطاعات الباطة والظاهرة.
ومنه قوله - ﷺ - لوفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا (١) خمس المغنم" (٢) أخرجاه في الصحيحين.
ففسر الإيمان هنا بما فسر به الإسلام؛ لأنه أراد بالشهادتين هنا أن يشهد [بهما] (٣) باطنًا وظاهرًا، وكان الخطاب لوفد عبد القيس، وكانوا من خيار الناس، وهم أول من صلى الجمعة ببلدهم بعد جمعة أهل المدينة؛ كما قال ابن عباس: "أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة المدينة جمعة بجواثا (٤)، قرية من قرى البحرين، (٥) وقالوا: يا رسول الله:
_________________
(١) لفظة (أن) ساقطة من (ط).
(٢) رواه البخاري برقم (٥٣) كتاب الإيمان باب أداء الخمس من الإيمان، ومسلم برقم (١٧) ١/ ٤٦ كتاب الإيمان باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله - ﷺ - وشرائع الدين والدعاء إليه، والسؤال عنه، وحفظه وتبليغه من لم يبلغه، والترمذي برقم (٢٦١١) كتاب الإيمان، والنسائي برقم (٥٠٣١) كتاب الإيمان وشرائعه؛ وأبو داود برقم (٣٦٩٢) كتاب السنة وأحمد برقم (٢٠٢١).
(٣) في نسخة الأصل: "بها"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب.
(٤) يقول ابن الأثير في النهاية أنها اسم لحصن بالبحرين (١/ ٣١١)، وهي بضم الجيم وتخفيف الواو وقد تهمز ثم مثلثة خفيفة، كما ضبطها الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٨٠)، وقال: وهذا لا ينافي كونها قرية؛ وعند أبي داود جاءت بلفظ: جوثاء.
(٥) رواه البخاري برقم (٨٩٢) كتاب الجمعة باب الجمعة في القرى والمدن، وابن خزيمة في صحيحه برقم (١٧٢٥) ٣/ ١١٣ كتاب الجمعة باب ذكر الجمعة التي جمعت بعد الجمعة التي جمعت بالمدينة وذكر الموضع الذي جمعت فيه، والنساني في سننه الكبرى (١/ ٥١٥)، وأبو داود برقم (١٠٦٨) كتاب الصلاة، والحاكم في المستدرك (١/ ٤١٧) وقال: على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. ويقول الحافظ ابن رجب في الفتح (٨/ ٦٣): "وليس معناه أن الجمعة التي جمعت بجواثا كانت في الجمعة الثانية من الجمعة التي جمعت. . بالمدينة، كما قد يفهم من بعض ألفاظ الروايات، فإن عبد القيس إنما وفد على رسول الله - ﷺ - عام الفتح كما ذكره ابن سعد".
[ ٤٤٣ ]
إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلَّا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل نعمل به، وندعو إليه من وراءنا، وأرادوا بذلك أهل نجد من تميم وأسد وغطفان وغيرهم كانوا كفارًا، فهؤلاء كانوا صادقين راغبين في طلب الدين فإذا أمرهم النبي - ﷺ - بأقوال وأعمال ظاهرة فعلوها باطنًا وظاهرًا فكانوا بها مؤمنين. وأما إذا قرن الإيمان بالإسلام فإن الإيمان في القلب والإسلام ظاهر كما في المسند عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: "الإسلام علانية والإيمان في القلب" (١).