ومعلوم أن اسم الإيمان من هذا الباب، فإن النبى - ﷺ - قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق والحياء شعبة من الإيمان" ثم من المعلوم أنه (٢) إذا زال (٣) الإماطة ونحوها لم يزل اسم الإيمان.
وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان" (٤). فأخبر أنه يتبعض ويبقى بعضه، وأن ذاك من الإيمان، فعلم أن بعض الإيمان يزول ويبقى بعضه، وهذا ينقض مآخذهم الفاسدة، ويبين أن اسم الإيمان مثل اسم القرآن والصلاة والحج ونحو ذلك، أما الحج ونحوه ففيه أجزاء ينقص الحج بزوالها عن كماله الواجب ولا يبطل، كرمي الجمار، والمبيت بمنى، ونحو ذلك (٥)، وفيه أجزاء
_________________
(١) في (م) و(ط): "فيدخل".
(٢) في نسخة الأصل عبارة لا فائدة منها وهي: "إذا لم يزل، حذفناها لأنها ربما أخلت بالمعنى.
(٣) في (ط): "زالت".
(٤) سبق تخريج هذا الحديث ص ٣٨٣ من هذا الكتاب.
(٥) هذا على مذهب الجمهور بالنسبة للمبيت في منى إلا الأحناف فإنه عندهم سنة، وأما الرمي فقد وافق الأحناف الجمهور على وجوبه، المغنى (٣/ ٤٨٢، ٥٢٤).
[ ٣٩٤ ]
ينقص بزوالها عن كماله المستحب، كرفع الصوت بالإهلال، والرمل والاضطباع في الطواف الأول (١).
وكذلك الصلاة فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمال الاستحباب، وفيها أجزاء واجبة تنقص بزوالها عن الكمال الواجب مع الصحة في مذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك (٢)، وفيها [ماله] (٣) أجزاء إذا زالت جبر نقصها بسجود السهو (٤)، وأمور ليست كذلك (٥)، فقد رأيت أجزاء الشئ تختلف أحكامها شرعًا وطبعًا، فإذا قال المعترض: هذا الجزء داخل في الحقيقة، وهذا خارج عن (٦) الحقيقة، قيل له: ماذا تريد بالحقيقة؟ فإن قال: أريد بذلك ما إذا زال
_________________
(١) هذه الأمور متفق على مشروعيتها بين أهل العلم، إلا ما نقل عن مالك رحمه الله تعالى أنه أنكر أن يكون الاضطباع سنة، والحجة مع الجمهور في ذلك.
(٢) يقول المصنف -﵀- في موضع آخر من مجموع الفتاوى (١٨/ ٦٩) موضحًا لتلك العبارة: "وكذلك الصلاة عند الجمهور كمالك، وأحمد وغيرهم، فيها واجب لا تبطل الصلاة بتركه عندهم، كما يقول أبو حنيفة في الفاتحة والطمأنينة، وكما يقول مالك وأحمد في التشهد الأول، لكن مالك وأحمد يقولان: ما تركه من هذا سهوًا فعليه أن يسجد للسهو، وأما إذا تركه عمدًا فتبطل صلاته كما تبطل الصلاة بترك التشهد الأول عمدًا في المشهور من مذهبيهما، لكن أصحاب مالك يسمون هذا سنة مؤكدة، ومعناه: الواجب عندهم، وأما أبو حنيفة فيقول: من ترك الواجب الذي ليس بفرض عمدًا أساء ولا إعادة عليه، والجمهور يقولون: لا نعهد في العبادة واجبًا فيما يتركه الإنسان إلى غير بدل ولا إعادة عليه، فلا بد من وجوب البدل للإعادة، ولكن مع هذا اتفقت الأئمة على أن من ترك واجبًا في الحج ليس بركن ولم يجبره بالدم الذى عليه لم يبطل حجه ولا تجب إعادته. . . ". وله كلام قريب من هذا في مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٩٢).
(٣) في نسخة الأصل و(م): ما لا يقال. والعبارة بهذا اللفظ غير مفهومة، وأثبتنا ما في (ط).
(٤) مثل التشهد الأول، والجلوس له، وهذا عند الشافعية والحنابلة، وقراءة سورة الفاتحة، وسورة بعدها، وهذا عند الأحناف، وترك الإسرار، أو الجهر وهذا عند المالكية، وكل هذه الأمور مختلف عليها بين الفقهاء رحمهم الله تعالى.
(٥) هذه هي السنن كرفع اليدين عند التكبير، واستحباب التأمين مع خلافهم في الجهر به، والدعاء بعد الصلاة على النبي - ﷺ -، والزيادة في التسبيح في الركوع والسجود، وغيرها من السنن المتفق عليها بين الفقهاء.
(٦) في (ط): "من".
[ ٣٩٥ ]