فما من شرط الإيمان بالله تعالى وجود العلم التام (١)، ولهذا كان الصواب أن الجهل يعض أسماء الله وصفاته، لا يكون صاحبه كافرًا، إذا كان مقرًّا بما جاء به الرسول - ﷺ -، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه، لحديث الَّذي أمر أهله بتحريقه ثم تذريته (٢).
بل العلماء يتفاضلون في العلم به، ولهذا يوصف من لم يعمل بعلمه بالجهل وعدم العلم.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، قال أبو العالية (٣): (سألت أصحاب محمد عن هذه الآية، فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل) (٤)، وكل من
_________________
(١) العبارة في (ط) هكذا: فمن شرط الإيمان وجود العلم التام، وهو تحريف يتناقض مع ما بعده من كلام المؤلف.
(٢) انظر تخريجه صفحة ٥٧٤، لأن المؤلف أورده هناك كاملًا.
(٣) هو رفيع بن مهران الرياحي، أحد كبار التابعين، أدرك زمن النبي - ﷺ -، وأسلم في خلافة الصديق - ﵁ - ودخل عليه، وسمع من عمر وعلي وابن مسعود وعائشة وكبار الصحابة - ﵃ -، كان من أعلام القراء، حيث قرأ القرآن وحفظه على أبي بن كعب - ﵁ -، وكان من أئمة التفسير، توفي سنة ٩٣ هـ على ما ذكره البخاري في تاريخه الكبير. التاريخ الكبير (٣/ ٣٢٦)، الجرح والتعديل (٣/ ٥١٠)، حلية الأولياء (٢/ ٢١٧)، سير أعلام النبلاء (٤/ ١٠٧)، تهذيب التهذيب (٣/ ٢٨٤).
(٤) رواه ابن جرير (٤/ ٢٩٤)، وابن حبان في الثقات (٧/ ٦٥٨) بلفظ: ما عصي الله إلَّا من جهالة. وانظر في تفير هذه الآية: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٨٠)، تفسير ابن كثير (١/ ٤٦٤)، فتح القدير (١/ ٤٣٩).
[ ٤٢٣ ]
تاب قبل الموت، فقد تاب من قريب، ومنه قول ابن مسعود: (كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا) (١)، وقيل للشعبي (٢) أيها العالم فقال: العالم من يخشى الله (٣).
وقال (٤): قد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال أبو حيان [التيمي] (٥): (العلماء ثلاثة: عالم بالله، وعالم (٦) بأمر الله، وعالم بالله ليس عالمًا بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالمًا بالله، فالعالم بالله الَّذي يخشاه والعالم بأمر الله الَّذي يعلم حدوده وفرائضه) (٧).
_________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٨٩)، ونسبة الشوكاني هذا القول في فتح القدير لمسروق، ومسروق من كبار تلامذة ابن مسعود، فلعله حدث بهذا دون أن يسنده إلى ابن مسعود (٥/ ٣٤٩)، وروى أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود قوله: "ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية" (١/ ١٣١).
(٢) هو عامر بن شراحيل الهمداني، ولد في خلافة عمر - ﵁ -، ورأى عليًا وصلى خلقه، وسمع من سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة وابن عمر وعائشة وعمران بن الحصين، وخلق من الصحابة، كان من أوعية العلم والفتوى والحفظ، وهو في طبقة الحسن المصري، نعته الذهبي بعلامة العصر، مات سنة ١٠٤ هـ على المشهور. الجرح والتعديل (٦/ ٣٢٢)، التاريخ الكبير (٦/ ٤٥٠)، حلية الأولياء (٤/ ٣١٠)، تاريخ بغداد (١٢/ ٢٧٧)، تذكرة الحفاظ (١/ ٧٤)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٩٤)، تهذيب التهذيب (٥/ ٦٥).
(٣) انظر: حلية الأولياء (٤/ ٣١١).
(٤) كلمة "قال" ليست في (م) و(ط).
(٥) في نسخة الأصل: التميمي، والتصحيح من (م) و(ط)، وأبو حيان التيمي هو يحيى بن سعيد بن حيان الكوفي، نعته الحافظ ابن حجر بالعابد، روى عن الشعبي وأبيه وعمه يزيد بن حيان والضحاك وغيرهم، وعنه أيوب السختياني والأعمش وشعبة والثوري وابن المبارك ويحيى القطان وآخرون، كان سفيان يعظمه ويجله، مات سنة ١٤٥ هـ. الجرح والتعديل (٩/ ١٤٩)، الكاشف (٣/ ٢٢٥)، البداية والنهاية (١٠/ ٩٨)، تهذيب التهذيب (١١/ ١٨٨).
(٦) كلمة (على) ليست في (ط).
(٧) لم أجده عن أبي حبان فيما توفر لي من المصادر، ولكن روى الدارمي عن سفيان قوله: "كان يقال: العلماء ثلاثة. . . " وذكر نحوه، وهو في مسند الدارمي برقم (٣٦٣).
[ ٤٢٤ ]
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وهذا يدل على أن كل من خشي الله فهو عالم، وهو حق، ولا يدل على أن كل عالم يخشاه، لكن لما كان العلم به موجبًا للخشية عند عدم المعارضة، كان عدمه دليلًا على ضعف الأصل، إذ لو قوي لدفع المعارض.