والمقصود هنا أن المدلول إذا كان وجوده مستلزمًا لوجود دليله كان انتفاء دليله دليلًا على انتفائه، أما إذا أمكن وجوده وأمكن أن لا نعلم نحن دليل ثبوته لم يكن عدم علمنا بدليل وجوده دليلًا على عدمه.
فأسماء الله ﵎ وصفاته إذا لم يكن عندنا ما يدلنا عليها لم يكن ذلك مستلزمًا لانتفائها، إذ ليس في الشرع ولا في العقل ما يدل على أنا لا بد أن نعلم كل ما هو ثابت له تعالى من الأسماء والصفات.
بل قد قال أفضل الخلق وأعلمهم بالله ﷿ في الحديث الصحيح: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) (١).
وفي الحديث الصحيح حديث الشفاعة: "فأخرّ ساجدًا فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحصيها الآن" (٢).
فإذا كان أعلم (٣) الخلق بالله تعالى (٤) لا يحصي ثناء عليه، ولا يعرف الآن محامده التي يحمده بها عند السجود للشفاعة، فكيف يكون غيره عارفًا بجميع محامد الله والثناء عليه، وكل ما له من الأسماء الحسنى فإنه
_________________
(١) رواه مسلم برقم (٤٨٦) ١/ ٣٥٢ كتاب الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود والترمذي برقم (٣٤٩٣) كتاب الدعوات، والنسائي برقم (١٦٩) كتاب الطهارة، وأبو داود برقم (٨٧٩) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (١١٧٩) كتاب إقامة الصلاة، ومالك برقم (٤٩٧) كتاب النداء للصلاة، وأحمد برقم (٢٢٧٩١).
(٢) رواه البخاري برقم (٧٤١٠) كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ومسلم برقم (١٩٣) ١/ ١٨٢ كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، والطيالسي (٢٦٨)، والنسائي برقم (١١٤٠) كتاب التطبيق، والترمذي برقم (٢٤٣٤) كتاب صفة القيامة، وأحمد برقم (٢٥٧٩).
(٣) في (ط): "أفضل".
(٤) عبارة "بالله تعالى" ليست في (م) و(ط).
[ ٤٨٠ ]
داخل في محامده وفي ما يثنى عليه، وإذا كان كذلك فمن كان بما له من الأسماء والصفات أعلم وأعرف [كان بالله أعلم وأعرف] (١)، بل من كان بأسماء النبي - ﷺ - وصفاته أعلم كان بالنبي - ﷺ - أعلم، فليس من علم أنه نبي كمن علم أنه رسول، ولا من علم أنه رسول كمن يعلم أنه خاتم الرسل، ولا من علم أنه خاتم الرسل كمن علم أنه سيد ولد آدم، ولا من علم ذلك كمن علم ما خصه الله به من الشفاعة والحوض والمقام المحمود والملة وغير ذلك من فضائله - ﷺ -، وليس كل من جهل شيئًا [من خصائصه] (٢) يكون كافرًا، بل كثير من المؤمنين لم يسمع بكثير من فضائله وخصائصه، فكذلك ليس كل من جهل بعض أسماء الله وصفاته يكون كافرًا، إذ كثير من المؤمنين لم يسمع كثيرًا مما وصفه به رسوله وأخبر به عنه، فهذه الوجوه (٣) ونحوها مما تبين (٤) تفاضل الإيمان الذي في القلب، وأما تفاضلهم في الأقوال والأعمال الظاهرة فلا يشبه (٥) على أحد والله أعلم.