وليس المقصود هنا ذكر عمل معين، بل من كان مؤمنًا بالله ورسوله بقلبه، هل يتصور إذا رأى الرسول وأعداؤه يقاتلونه، وهو قادر على أن ينظر إليهم، ويحضر على نصر الرسول بما لا يضره، هل يمكن مثل هذا في العادة أن لا يكون منه حركة ما إلى نصر الرسول؟ فمن المعلوم أن هذا ممتنع! فلهذا كان الجهاد المتعين بحسب الإمكان من الإيمان، وكان عدمه دليلًا على انتفاء حقيقة الإيمان، بل قد ثبت في الصحيح عنه - ﷺ -: "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق" (٢)، وفي الحديث دلالة على أنَّه يكون فيه بعض [شعب] (٣) النفاق مع ما معه من الإيمان.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وأيضًا فقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (٤)، وفي رواية (٥): "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة
_________________
(١) وفي هذا دليل على ما سبق ذكره من أن الخلاف بين من يسمون بالمرجئة الفقهاء والسلف خلاف حقيقي له أسبابه وآثاره، على الأقل في مسألة تارك جنس العمل.
(٢) الحديث في صحيح مسلم، وقد تقدم تخريجه.
(٣) في نسخة الأصل شعبة، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب إلى المعنى.
(٤) رواه مسلم برقم (٤٩) ١/ ٦٩) كتاب الإيمان باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالعمروف والنهي عن المنكر واجبان، والترمذي برقم (٢١٧٣) كتاب الفتن، والنسائي برقم (٥٠٠٨) كتاب الإيمان وشرائعه، وأبو داود برقم (١١٤٠) كتاب الملاحم، وابن ماجة برقم (١٢٧٥) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، وأحمد برقم (١٠٦٨٩).
(٥) في (م): "لفظ".
[ ٤٤٨ ]
خردل" (١)، فهذا يبين أن القلب إذا لم يكن فيه بغض ما يكرهه الله من المنكرات كان عادمًا للإيمان، والبغض والحب من أعمال القلوب.
ومن المعلوم أن إبليس ونحوه يعلمون أن الله -﷿- حرم هذه الأمور ولا يبغونها، بل يدعون إلى ما حرمه الله ورسوله.
وأيضًا فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، والتكلم بالتثليث، وكل كلمة من كلمات (٢) الكفر، ليس هو كفر في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون السباب (٣) الشاتم في الباطن عارفًا بالله موحدًا له مؤمنًا به، فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافر باطنًا وظاهرًا، قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب الباطن، وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك، فيقال لهم: معنا أمران معلومان:
(أحدهما): بالاضطرار من الدين، و(الثاني): معلوم بالاضطرار من أنفسنا عند التأمل.