وأما الإرادة الجازمة، فلا بد أن يقترن بها مع القدرة فعل المقدور، ولو بنظرة، أو حركة رأس، أو لفظة، أو خطرة، أو تحريك بدن، وبهذا يظهر معنى قوله - ﷺ -: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" (٤)، فإن المقتول أراد قتل صاحبه، فعمل ما يقدر عليه من القتال، وعجز عن حصول المراد، وكذلك الَّذي قال: لو أن لي مثلما لفلان، لعملت فيه مثل
_________________
(١) رواه الترمذي برقم (٢٣٢٥) كتاب الزهد، وقال عنه: "حديث حسن صحيح"، وابن ماجة برقم (٤٢٢٨)، وأحمد برقم (١٧٤٧٠) وقال عنه الشيخ الألباني: "صحيح" في صحيح ابن ماجة (٢/ ٤١٣).
(٢) في (م) و(ط): "القضية".
(٣) في (طا): "فأثابه".
(٤) سبق تخريج هذا الحديث قريبًا.
[ ٤٠٩ ]
ما يعمل فلان، فإنه أراد [فعمل] (١) ما يقدر عليه، وهو الكلام، ولم يقدر علي غير (٢) ذلك (٣).
ولهذا كان من دعا إلى ضلالة، كان عليه مثل أوزار من اتبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا (٤)، لأنه أراد ضلالهم [ففعل] (٥) ما يقدر عليه من دعائهم، إذ لا يقدر إلَّا على ذلك (٦).
وإذا تبين هذا في الإرادة والعمل، فالتصديق الَّذي في القلب وعلمه يقتضي عمل القلب، كما يقتضي الحس الحركة الإرادية، لأن النفس فيها قوتان: قوة [الشعور بالملائم] (٧) والمنافي، والإحساس بذلك، والعمل.
_________________
(١) في نسخة الأصل: يعمل، وفي (ط): "فعل"، وأثبتنا ما في (م) لأنه أقرب إلى المعنى.
(٢) كلمة "غير" ليست في (ط).
(٣) انظر: مجموع الفتاوي (١٤/ ١٢٢ - ١٢٨).
(٤) هذا جزء من حديث لرسول الله - ﷺ - ولفظه عند مسلم: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" ورواه برقم (٢٦٧٤) ٤/ ٢٠٦٠ كتاب العلم باب من سن حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، والترمذي برقم ٢٦٧٤) كتاب العلم، وأبو داود برقم (٤٦٠٩) كتاب السنة، وابن ماجة برقم (٢٠٦) في المقدمة، وأحمد برقم (٨٩١٥)، والدارمي برقم (٥١٣) في المقدمة).
(٥) في نسخة الأصل: (فعل)، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه الصواب.
(٦) مسألة المؤاخذة بالهم والإرادة مسألة جليلة القدر، وقد بحثها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بحثًا واسعًا في الفتح عند شرح كتاب الرقاق، وأورد كلام العلماء، وخلافهم في تلك المسألة التي بحثها المؤلف، وأضاف عليها مسائل أخرى كقول من يقول بالمؤاخذة بالهم الجازم أن عقاب صاحبه يكون في الدنيا بالغم والهم ونحوهما، أو يكون في الآخرة بالعتاب لا العذاب، ومسألة استثناء الحرم عند من قال: إنه لا يؤاخذ بالهم، وغيرها من المسائل المفيدة، الفتح. (١١/ ٣٢٣ - ٣٢٩)، ويبني كلام المؤلف رحمه الله تعالى فيصلًا في هذه القضية الشائكة، وتفصيله هو الَّذي يزيح الإشكال فيها، وأن هناك إرادة جازمة، وأخرى غير جازمة، وأن الجازمة. لا بد أن يصحبها شيء مما ذكره من الأعمال الظاهرة من نظرة أو التفاتة أو حركة، وهذه الإرادة هي التي يؤاخذ عليها.
(٧) في نسخة الأصل: قوة الشعوب فالملائم. وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه الصواب.
[ ٤١٠ ]
والتصديق به، وقوة الحب [للملائم والبغض للمنافي] (١) والحركة عن الحس، بالخوف والرجاء والموالاة والمعاداة، وإدراك الملائم، يوجب اللذة والفرح والسرور، وإدراك المنافي يوجب الألم والغم.
وقد قال النبي - ﷺ -: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، ويمجسانه كما تنتج البهيمة [بهيمة] (٢) جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " (٣).
فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تصديقًا به، ودينًا له، لكن يعرض لها ما يفسدها، ومعرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه، لما في الفطرة من حب الحق، وبغض الباطل، لكن قد يعرض لها ما يفسدها إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق، وإما من الشهوات التي تصدها عن اتباعه، ولهذا أمرنا الله أن نقول في الصلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧].