أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف، فإذا قوي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله، أوجب بغض أعداء الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ [المائدة: ٨١].
_________________
(١) هذه رواية المسند رواها أحمد برقم (٨٥٢٢)، والنسائي برقم (١٥٢٤) كتاب الأشقاء، ورواه مسلم برقم (٧٢) ١/ ٨٤ كتاب الإيمان باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء، وفيه: (يقولون الكواكب وبالكواكب) وهذه الرواية موافقة لما في (ط)، وأما نسخة الأصل و(م) ففيها لفظ الكوكب بالإفراد وهي موافقة لرواية النسائي وأحمد. وكذلك جاءت رواية عبد مسلم بالإفراد بعد الرواية السابقة التي ذكرناها.
(٢) في (م) و(ط): "فأولئك هم الفاسقون، فأولئك هم الظالمون؛ كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم"، وهو مخالف لنسخة الأصل، ومخالف كذلك لترتيها في السورة الكريمة.
(٣) روى الحاكم بسنده عن ابن عباس - ﵄ - قال: "إنه ليس بالكفر الَّذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ كفر دون كفر" وقال عنه: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي. وذكر الحافظ ابن حجر -﵀- أن الإمام أحمد قد روى هذا الأثر (كفر دون كفر. . .) في كتاب الإيمان من طريق عطاء بن رباح، وقد جعل البخاري في هذا الأثر ترجمة لبعض أبواب صحيحه، فتح الباري (١/ ٨٣)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٦٢).
[ ٤٠٢ ]
وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقد يحصل من الرجال نوع من موادتهم (١) لرحم أو حاجة، فيكون (٢) ذنبًا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي - ﷺ -، وأنزل الله فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ الآية (٣) [الممتحنة: ١].
وكما حصل من (٤) سعد بن عبادة لما انتصر لابن أبو نوبة (٥) الإفك، فقال لسعد بن معاذ: (كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله). قالت عائشة: (وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية) (٦).
ولهذه الشبهة سمى عمر حاطبًا منافقًا، فقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال له: (إنه قد شهد بدرًا)، فكان عمر متأولًا في تسميته منافقًا للشعبة (٧) التي فعلها، وكذلك قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين، هو من هذا الباب.
وكذلك قول من قال من الصحابة عن مالك بن الدخشن (٨) منافق،
_________________
(١) في (ط): "وقد تحصل للرجل موادتهم".
(٢) في (ط): "فتكون".
(٣) كلمة الآية لا توجد في نسخة الأصل، والآية في (ط) تقف عند قوله تعالى: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾، وقد تقدم تخريج قصة حاطب - ﵁ -: ص ٣٣٥.
(٤) في (ط): "لسعد".
(٥) في (ط): "في قصة". ومعى النوبة العودة والرجوع والإقبال، يقال: أناب إلى الله أي أقبل وتاب، ويقال لنحل نوب لأنها ترعى وتنوب إلى مكانها، قاله في "مختار الصحاح" (١/ ٢٢٩).
(٦) تقدم تخريج هذه القصة ص ٣٣٥.
(٧) في (ط): "للشبهة".
(٨) في (ط): ابن الدخشم هكذا بالميم، خلافًا لما في صحيح البخاري الَّذي ورد فيه الاسم بالنون كما أثبتنا، وأما الدخشم فهو موافق لبعض روايات مسلم (١/ ٦١)، =
[ ٤٠٣ ]
إن (١) كان قال ذلك لما رأي فيه من نوع معاشرة، ومودة للمنافقين.
ولهذا لم يكن المتهومون (٢) بالنفاق نوعًا واحدًا، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب، وفيه شعبة من النفاق، وكان كثير ذنوبهم بحسب ظهور الإيمان، ولما قوي الإيمان. وظهور (٣) الإيمان وقوته عام تبوك، صاروا يتعاقبون (٤) من النفاق على ما لم يكونوا يتعاقبون (٥) عليه قبل ذلك.