الإيمان مجرد معرفة القلب، وإن لم يقر بلسانه، واشتد [نكيرهم] (١) لذلك (٢)، [حين] (٣) أطلق وكيع بن الجراح (٤)، وأحمد بن حنبل وغيرهما كفر من قال ذلك، فإنه من أقوال الجهمية (٥)، وقالوا: إن فرعون وإبليس
_________________
(١) = وابن كثير، لكن روى الإمام عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة عن يزيد بن هارون (برقم ١٨٩) أن الجهم ترك الصلاة أربعين يومًا يزعم أنه يرتاد دينًا، شكًا منه في الإسلام، فقتله سلم بن أحوز على هذا القول، وسنده صحيح كما قال محقق الكتاب، وذكر الأشعري هذا القول، وقال الإمام البخاري في "خلق أفعال العباد" (٢٢): "يقال: سلم بن أحوز هو الذي قتل جهمًا". وقد أطال الحافظ ابن حجر -﵀- في ترجمة الجهم، والله أعلم. فتح الباري (١٣/ ٣٤٥)، تاريخ ابن جرير (٧/ ٢٢٠) وما بعدها، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٨)، سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٦)، ميزان الاعتدال (١/ ٤٢٦)، الملل والنحل (٨٦)، البداية والنهاية (١٠/ ٢٨).
(٢) في نسخة الأصل: نكرهم، والتصحيح من (م) و(ط).
(٣) ذكر أبو الحسن الأشعري -﵀- في المقالات (١/ ٢١٤) الجهمية في أول فرق المرجئة وأن الإيمان بالله عندهم: "هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب، والمحبة لله ولرسوله، والتعظيم لهما، والخوف منهما -كذا قال وهو خطأ، فالخوف عبادة لا تصرف إلا الله- والعمل بالجوارح فليس بإيمان، وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل، وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده" وذكر الشهرستاني نحوًا من ذلك (٨٨)، وذكر الذهبي أن جهمًا أخزاه الله كان يقول: "الإيمان عقد بالقلب، وإن تلفظ بالكفر" سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٧).
(٤) في (م) و(ط): "حتى".
(٥) هو وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي الرؤاسي، الإمام الحافظ، كان من بحور العلم وأئمة الحفظ كما قال الذهبي، روى عن عدد كبير من التابعين، وروى عنه جماعة من الأئمة على رأسهم الإمام أحمد وابن معين وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم، كان الإمام أحمد يعظمه ويجله، ويعجب من قوة حفظه. مات -﵀- سنة ١٩٦ هـ. الجرح والتعديل (١/ ٢١٩)، حلية الأولياء (٨/ ٣٦٨)، تاريخ بغداد (١٣/ ٤٦٦)، تذكرة الحفاظ (١/ ٣٠٦)، سير أعلام النبلاء (٩/ ١٤٠)، ميزان الاعتدال (٤/ ٣٣٥).
(٦) ذكر الإمام البخاري عن وكيع رحمة الله عليهما في كتابه "خلق أفعال العباد" (٣٤) قوله: "والجهمية كفار والمريسي جهمي وعلمتم كيف كفروا، قالوا: يكفيك المعرفة، وهذا كفر"، وروى الحافظ ابن بطة في "الإبانة" (٢/ ٩٠٣) نحوًا منه. وروى الخلال -﵀- بسنده رقم (٩٨٠) أن حمدان الوراق قال: سألت أحمد وذكر =
[ ٣٧٧ ]
وأبا (١) طالب واليهود وأمثالهم، عرفوا بقلوبهم، وجحدوا بألسنتهم فهل (٢) كانوا مؤمنين؟
وذكروا قول الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. وقالوا: إبليس لم يكذب خبرًا، ولم يجحد، فإن الله أمره بلا رسول، ولكن عصى واستكبر، فكان (٣) كافرًا من غير تكذيب في الباطن، وتحقيق هذا مبسوط في غير هذا الموضع (٤).