وقد ذهب طائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة، كأبي منصور الماتريدي (٥) وأمثاله إلى نظير هذا القول في الأصل، وقالوا: إن الإيمان هو ما في القلب، وأن القول الظاهر شرط لثبوت أحكام الدنيا، لكن هؤلاء يقولون بالاستثناء ونحو ذلك، كما عرف من أصلهم (٦).
_________________
(١) "لا" ليست في نسخة الأصل.
(٢) في نسخة الأصل: "مطلق". والتصحيح من (م) و(ط).
(٣) ذكر الأشعري هذا القول في معرض حكايته لقول أصحاب الحديث وأهل السنة، مقالات الإسلاميين (١/ ٣٤٧)، أما الماتريدي فقد مال إلى أنه مخلوق، كتاب التوحيد (٣٨٦)، ولشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- تفصيل في مجموع الفتاوى (٧/ ٦٦٤) حيث يقول: "وإذا قال: الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل له: ما تريد بالإيمان؟ أتريد به شيئًا من صفات الله وكلامه، كقوله لا إله إلا الله، وإيمانه الذي دل عليه اسمه المؤمن، فهو غير مخلوق، أو تريد شيئًا من أفعال العباد وصفاتهم، فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة. . . ".
(٤) كلمة "ذلك" ليست في (ط).
(٥) أبو منصور الماتريدي هو محمد بن محمد بن محمود، من أئمة علماء الكلام، وسمي بالماتريدي نسبة إلى محلة ماتريد بسمرقند، تنتسب له الطائفة الماتريدية، وجلهم من الأحناف، لأن أبا منصور كان حنفيًا كما ذكر المؤلف، له من التصانيف "التوحيد"، و"أوهام المعتزلة" و"الجدل" و"تأويلات أهل السنة" وغيرها من المؤلفات، توفي بسمرقند عام ٣٣٣ هـ. الفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي (١٩٥) كشف الظنون (٦/ ٣٦)، وانظر ترجمة الدكتور فتح الله خليف له في مقدمة كتابه "الوحيد".
(٦) من الغريب حقًا أن الماتريدية وهم أحناف، خالفوا ما عرف عن إمامهم أبي حنيفة وأئمتهم الأوائل، الذين يجعلون الإيمان ركنين اثنين: تصديق القلب، وقول اللسان، فأزالوا هذا الركن الثاني وهو قول اللسان، وجعلوه دليلًا على تصديق القلب، وشرطًا لثبوت أحكام الدنيا على العبد كما قال المؤلف. يقول أبو منصور الماتريدي في كتاب "التوحيد" نافيًا أن يكون قول اللسان من =
[ ٣٨٢ ]
وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان، من الخوارج، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعًا (١)، فلم يقولوا بذهاب بعضه، وبقاء بعضه كما قال النبي - ﷺ -: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان (٢) " (٣).