والجهل هنا هو الكلام الباطل، بمنزلة الجهل المركب، ومنه قول الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا (٣)
ومن هذا سميت الجاهلية جاهلية، وهي متضمنة لعدم العلم، أو لعدم
_________________
(١) انظر على سبيل المثال ما أورده الغزالي عن تعريف العقل في الإحياء (١/ ١٠١)، وهو قريب من كلام المؤلف.
(٢) رواه البخاري برقم (١٨٩٤) كتاب الصوم باب فضل الصوم، ومسلم برقم (١١٥١) ٢/ ٨٠٦ كتاب الصيام باب حفظ اللسان للصائم، وأبو داود برقم (٢٣٦٣) كتاب الصوم، وابن ماجة برقم (١٦٩١) كتاب الصيام، وأحمد برقم (٧٢٩٥)، ومالك برقم (١٨٩٤) كتاب الصوم.
(٣) هذا البيت جزء من معلقة الشاعر الجاهلي المعروف عمرو بن كلثوم التغلبي، ومعلقته إحدى المعلقات السبع -على قول من يقول إنها سبع-، وتسمى أيضًا المذهبات، لأن العرب كتبتها بماء الذهب وعلقتها بين أستار الكعبة، وعمرو بن كلثوم شاعر جاهلي من فحول الشعراء الجاهليين، وهو في طبقة امرئ القيس، وزهير بن أبي سلمى، والنابغة، وغيرهم؛ وهو الَّذي قتل عمرو بن هند ملك الحيرة، ويقال إن معلقته تربو على الألف بيت، ولكن لم يبق منها إلَّا ما حفظه منه الرواة وتناقلوه، وأولها؛ ألا هبي بصحنك فاصبحينا، ومات عمرو قبل البعثة بنحو ثلاثين عامًا: شرح المعلقات العشر (٢٨٩) للخطيب التبربزي، خزانة الأدب للبغدادي (١/ ٥١٩)، الأغاني (١١/ ٥٢)، العقد الفريد (٥/ ٣١٣، ٦/ ١٠٣).
[ ٤٢٥ ]
العمل به (١)، ومنه قول النبي - ﷺ - لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية" (٢)، لما ساب الرجل وعيره بأمه.
إذ (٣) قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦]، فإن الغضب والحمية يحمل المرء على فعل ما يضره، وترك ما ينفعه، وهذا من الجهل الَّذي هو عمل بخلاف العلم، حتى يقدم المرء على فعل ما يعلم أنَّه يضره، وترك ما يعلم أنَّه ينفعه، لما في نفسه من البغض والمعاداة لأشخاص وأفعال، وهو في هذه الحال ليس عديم العلم والتصديق بالكلية، لكنه لما في نفسه من بغض وحسد غلب موجب ذلك لموجب العلم، فدل على ضعف العلم لعدم موجبه ومقتضاه، ولكن ذلك الموجب والنتيجة لا يوجد (٤) عنه وحده، بل عنه وعما في النفس من حب ما ينفعها، وبغض ما يضرها، فإذا حصل لها مرض ففسدت به أحبت ما يضرها، وأبغضت ما ينفعها، فتصير النفس كالمريض الَّذي تناول ما يضره لشهوة نفسه له، مع علمه أنَّه يضره.
قلت: هذا معنى ما روي عن النبي - ﷺ -: "إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات" رواه البيهقي مرسلًا (٥).
_________________
(١) الصحاح للجوهري (٤/ ١٦٦٣ - ١٦٦٤).
(٢) سبق تخريج هذا الحديث ص ٣٩٩.
(٣) في (ط): "وقد".
(٤) في (ط): "توجد".
(٥) لم أجده في السنن الكبرى للبيهقي، وإذا أطلقت رواية البيهقي فإنها تنصرف إلى السنن الكبرى ولعلها في بعض كتب البيهقي الأخرى، وقد رواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٩٩) من حديث عمران بن حصين، ورواه محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي في مسند الشهاب عن عمران بن حصين - ﵁ - بلفظ أطول برقم (١٠٨٠) ٢/ ١٥٢ أن النبي - ﷺ - أخذ بطرف عمامتي وقال: "يا عمران إن الله ﵎ يحب الإنفاق، ويبغض الإقتار، فأنفق وأطعم، ولا تصر صرًا فيعسر عليك الطلب، واعلم أن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، والعقل الكامل عند حلول الشبهات، ويحب السماحة ولو على تمرات، ويحب الشجاعة ولو على قتل حية" وذكره المؤلف كاملًا في درء التعارض (٥/ ١٣١)، وفيه عمرو بن حفص =
[ ٤٢٦ ]
وقد قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ [ص: ٤٥]، فوصفهم بالقوة [في] (١) العمل، والبصيرة في العلم، وأصل القوة قوة القلب الموجبة لمحبة الخير وبغض الشر، فإن المؤمن قوته في قلبه، وضعفه في جسمه، والمنافق قوته في جسمه، وضعفه في قلبه، فالإيمان لا بد نيه من هذين الأصلين: التصديق بالحق والمحبة له، وهذا (٢) أصل القول، وهذا أصل العمل، ثم الحب التام مع القدرة، يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر والعمل الظاهر ضرورة كما تقدم، فمن جعل مجرد العلم والتصديق موجبًا لجميع ما يدخل في مسمى الإيمان، وكل ما يسمى (٣) إيمانًا فقد غلط، بل لا بد من العلم والحب، والعلم شرط في محبة المحبوب، كما أن الحياة شرط في العلم، لكن لا يلزم من العلم بالشيء والتصديق بثبوته محبته، إن لم يكن بين العلم والمعلوم معنى في المحب أحب لأجله، ومعنى في المحبوب كان محبوبًا لأجله (٤).