وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها لتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جوابًا لهم عن التارك، مع أن النصوص علقت الكفر بالتولي كما تقدم.
وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتج بها المرجئة كقوله: "من
_________________
(١) = ولكنه متروك منكر الحديث، متهم بالرفض ووضع الحديث، ومع ذلك فقد ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٧٨)، وأخرج له الحاكم في المستدرك، الجرح والتعديل (٦/ ٢٤٦)، تاريخ بغداد (١٢/ ٢٠١)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٢٨٦)، الكامل في الضعفاء (٥/ ١٤٦)، لسان الميزان (٤/ ٣٦٩). فهذه كما ترى أربعة عشر طريقًا عن ستة من الصحابة، ولم يسلم طريق منها من مقال، ولكنها تبين أن للحديث أصلًا، وتشهد له الأحاديث الصحيحة والنصوص المستفيضة التي تدل على كفر تارك الصلاة، فالحديث على أقل الأحوال حسن لغيره. وذكر الحافظ في تلخيص الحبير (٢/ ١٤٨) رواية ابن ماجه، والحاكم، وأحمد، والبيهقي، والطبراني، وحكم بضعف بعض هذه الطرق، وانقطاع بعضها، غير أنه ذكر أن الحديث روي أيضًا عن عبادة بن الصامت عند الطبراني، فبحثت عنه فلم أجده. والحديث صححه الشيخ الألباني في كتبه، ومنها: صحيح ابن ماجه برقم (٣٢٥٩)، والإرواء برقم (٢٠٢٦)، وصحيح التركيب والترهيب برقم (٥٦٤)، وغيرهما، وتصحيحه بإطلاق فيه نظر، وذلك لما ذكرناه أعلاه، وصنيع المصنف في إيراده للحديث يشعر بنقيض ذلك، والله أعلم.
(٢) في نسخة الأصل: "اختلفوا"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنها الأكثر ورودًا في الكتاب والسنة واللسان العربي.
(٣) ولعل من أشهرها ما صنفه أبو الحسن الأشعري بهذا العنوان.
(٤) تقدم تخريجه، وهو في صحيح البخاري.
[ ٥٦٢ ]
شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى عبد الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، أدخله الله الجنة" (١) ونحو ذلك من النصوص.
وأجود ما اعتمدوا عليه قوله - ﷺ -: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من (٢) حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة" (٣).
قالوا: فقد جعل غير المحافظ تحت المشيئة، والكافر لا يكون تحت المشيئة، ولا دلالة في هذا، فإن الوعد تعلق (٤) بالمحافظة عليها، والمحافظ (٥) فعلها في أوقاتها كما أمر.
كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وعدم المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت، كما أخر النبي - ﷺ - صلاة العصر يوم الخندق، فأنزل الله [آية] (٦) الأمر بالمحافظة عليها، وعلى غيرها من الصلوات (٧).
وقد قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]، فقيل لابن مسعود: ما كنا نظن ذلك إلا تركها، فقال: لو تركوها لكانوا كفارًا! ! (٨) /.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ
_________________
(١) رواه البخاري برقم (٣٤٣٥) كتاب أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ. .﴾، ومسلم برقم (٢٨) ١/ ٥٧ كتاب الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، وأحمد برقم (٢٢١٦٧).
(٢) في (ط): "فمن".
(٣) تقدم تخريج هذا الحديث، وهو حديث صحيح في السنن وغيرها.
(٤) كلمة "تعلق" ليست في (ط).
(٥) في (ط): "المحافظة".
(٦) ما بين المعكوفتين مضاف من (م) و(ط).
(٧) تقدم تخريج ذلك، والقصة في صحيح مسلم وغيره.
(٨) تقدم تخريج ذلك.
[ ٥٦٣ ]
سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤، ٥] ذمهم مع أنهم يصلون، لأنهم سهوا عن حقوقها الواجبة، من فعلها في الوقت، وإتمام أفعالها المفروضة.
كما ثبت في صحيح مسلم عن النبي - ﷺ - أنه قال: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس (١) يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر (٢) أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا" (٣).
فجعل هذه صلاة المنافقين، لكونه أخرجها (٤) عن الوقت ونقرها.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه ذكر الأمراء بعده الذين يفعلون ما ينكر وقالوا: يا رسول الله أفلا نقاتلهم! قال: "لا ما صلوا" (٥).
وثبت عنه أنه قال: "سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة" (٦).
فنهى عن قتالهم إذا صلوا، وكان في ذلك دلالة على أنهم إذا لم
_________________
(١) كلمة "يجلس" ليست في (م) و(ط).
(٢) في نسخة الأصل: "ينقر"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لموافقته روايات الحديث.
(٣) رواه مسلم برقم (٦٢٢) ١/ ٤٣٤ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب استحباب التبكير بالعصر، والترمذي برقم (١٦٠) كتاب الصلاة، والنسائي برقم (٥١١) كتاب المواقيت، وأبو داود برقم (٤١٣) كتاب الصلاة، ومالك برقم (٥١٢) كتاب النداء للصلاة، وأحمد برقم (١٢١٠٠).
(٤) في (ط): "أخرها".
(٥) رواه مسلم برقم (١٨٥٤) ٣/ ١٤٨٠ كتاب الإمارة باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع وترك قتالهم ما صلوا، ونحو ذلك، والترمذي برقم (٢٢٦٥) كتاب الفتن، وأبو داود برقم (٤٧٦٠) كتاب السنة، والدارمي برقم (٢٧٩٧) كتاب الرقاق، وأحمد برقم (٢٥٩٨٩)، ولفظ مسلم: "ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا".
(٦) رواه مسلم برقم (٦٤٨) ١/ ٤٤٨ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار. .، والنسائي، برقم (٨٥٩) كتاب الإمامة، وأبو داود برقم (٤٣١) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (١٢٥٧) كتاب إقامة الصلاة، والدارمي برقم (١٢٢٧) كتاب الصلاة، وأحمد برقم (٢٠٩٧٠).
[ ٥٦٤ ]
يصلوا قوتلوا، وبين أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها، وذلك ترك المحافظة عليها لا تركها.
وإذا عرف الفرق بين الأمرين، فالنبي - ﷺ - إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها لا من تركها (١)، ونفس ترك صفة (٢) المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها، ولا يتناول من لم يحافظ، فإنه لو يتناول (٣) ذلك قتلوا كفارًا مرتدين بلا ريب (٤).
_________________
(١) في (م) و(ط): "ترك".
(٢) كلمة "صفة" ليست في (م) و(ط).
(٣) في (م) و(ط): "تناول".
(٤) وقال المصنف شيخ الإسلام ﵀ في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٩٧) في موضع آخر عن تارك الصلاة بتفصيل دقيق في هذه المسألة الخطيرة: "وليس الأمر كما يفهم من إطلاق بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، أنه إن جحد وجوبها كفر، وإن لم يجحد وجوبها فهو مورد النزاع، بل هنا ثلاثة أقسام: أحدها: إن جحد وجوبها فهو كافر بالاتفاق. والثاني: أن لا يجحد وجوبها، لكنه ممتع من التزام فعلها كبرًا أو حدًا، أو بغضًا لله ورسوله، فيقول: أعلم أن الله أوجبها على المسلمين، والرسول صادق في تبليغ القرآن، ولكنه ممتنع عن التزام الفعل استكبارًا أو حدًا للرسول، أو عصية لدينه، أو بغضًا لما جاء به الرسول، فهذا أيضًا كافر بالاتفاق، فإن إبليس لما ترك السجود المأمور به لم يكن جاحدًا للإيجاب، فإن الله تعالى باشره بالخطاب، وإنما أبى واستكبر وكان من الكافرين، وكذلك أبو طالب كان مصدقًا للرسول فيما بلغه، لكنه ترك اتباعه حمية لدينه، وخوفًا من عار الانقياد، واستكبارًا عن أن تعلو أسته رأسه، فهذا ينبغي أن يتفطن له. والثالث: أن يكون مقرًا ملتزمًا تركها كسلًا ونهاونًا، أو اشتغالًا بأغراض له عنها، فهذا مورد النزاع، كمن عليه دين، وهو مقر بوجوبه، ملتزم لأدائه، لكنه يمطل بخلا أو تهاونًا. وهنا قسم رابع: وهو أن يتركها ولا يقر بوجوبها، ولا يجحد وجوبها، لكنه مقر بالإسلام من حيث الجملة، فهل هذا من موارد النزاع، أو من موارد الإجماع؟ ولعل كلام كثير من السلف متناول لهذا، وهو المعرض عنها لا مقرًا ولا منكرًا. . ". قلت: وقد يقال: هناك قسم خامس: وهم الذين يصلون تارة، ويتركون أخرى، وقد ذكر المصنف هذا القسم بعد ذلك، وقال إن فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة.
[ ٥٦٥ ]