[فأجاب بعض الناس] (١) أن (٢) سبب هذا أن الرواة اختصر بعضهم الحديث الذي رواه، وليس الأمر كذلك، فإن هذا طعن في الرواة و[نسبة لهم] (٣) إلى الكذب (٤)، إذ هذا الذي ذكره إنما يقع في الحديث الواحد، مثل حديث وفد عبد القيس، حيث ذكر بعضهم الصيام، وبعضهم لم يذكره، وحديث ضمام حيث ذكر بعضهم الخمس، وبعضهم لم يذكره، وحديث النعمان بن قوقل حيث ذكر بعضهم فيه الصيام، وبعضهم لم يذكره (٥).
فهنا (٦) يعلم أن أحد [الراويين] (٧) اختص بالنقص (٨) أو غلط في الزيادة.
فأما الحديثان المنفصلان (٩) فليس الأمر كذلك، لا سيما والأحاديث
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط).
(٢) في (ط): "بأن".
(٣) في نسخة الأصل: "ونسبته إليهم".
(٤) قول المصنف هذا يحتاج إلى وقفة وتأمل، فلطالما ذكر شراح الأحاديث أن بعض الرواة قد اختصر الحديث، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في هدي الساري في الفصل الثالث الذي جعله في بيان تقطيع الإمام البخاري - ﵁ - للحديث، واختصاره وفائدة إعادته. . (١٥) في سبب ذلك: "ومنها أحاديث يرويها بعض الرواة تامة، ويرويها بعضهم مختصرة، فيوردها كما جاءت، ليزيل الشبهة عن ناقليها. . ". وذكر الحافظ أيضًا في الفتح (١/ ١٣٣) قولًا لبعض العلماء عند كلامه على حديث وفد عبد القيس، وأن الراوي ترك بعض الأركان اختصارًا أو نسيانًا. وقال الحافظ في الفتح (٣/ ٢٦٥) في حديث الأعرابي الذي أخذ بخطام ناقة النبي - ﷺ -، ولم يذكر فيه الحج: "لم يذكر الحج لأنه حينئذٍ كان حاجًا، ولعله ذكره له فاختصره. . . ". فتبين أن القول بأن بعض الرواة قد يختصرون الحديث الواحد -كما ترى- قول معروف عند أهل العلم، وهو ما أشار إليه المصنف.
(٥) وقد تقدم الكلام على هذه الأحاديث ورواياتها المختلفة.
(٦) في (ط): "فبهذا".
(٧) في نسخة الأصل: "الروايتين"، والتصحيح من (م) و(ط).
(٨) في (م): "اختصر بالبعض"، وفي (ط): اختصر البعض.
(٩) في (م): "المفصلان".
[ ٥٤١ ]
قد تواترت بكون الأجوبة كانت مختلفة، وفيها ما يبين (١) قطعًا أن النبي - ﷺ - تكلم بهذا تارة، وبهذا تارة.
والقرآن يصدق ذلك فإن الله سبحانه في بعض الآيات علق الأخوة الإيمانية بالصلاة والزكاة فقط (٢) كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
كما أنه (٣) علق ترك القتال على ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وقد تقدم حديث ابن عمر الذي في الصحيحين موافقًا لهذه الآية.
وأيضًا فإن في حديث وفد عبد القيس ذكر خمس المغنم، لأنهم كانوا طائفة ممتنعة يقاتلون، ومثل هذا لا يذكر جواب سؤال سائل بما يجب عليه في حق نفسه.
ولكن عن هذا (جوابان):
(أحدهما): أن النبي - ﷺ - أجاب بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتين، ثم الصلاة، فإنه أمر بالصلاة في أول أوقات الوحي (٤).
بل قد ثبت في الصحيح أنه أول ما نزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥] (٥).
ثم أنزل عليه بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١، ٢] (٦)، فهذا الخطاب إرسال له إلى الناس، والإرسال بعد الإنباء، فإن
_________________
(١) في (م) و(ط): "بين".
(٢) في (ط): تقديم وتأخير، والعبارة فيها كالتالي: فإن الله علق الأخوة الإيمانية في بعض الآيات بالصلاة والزكاة.
(٣) في (ط): "أن".
(٤) ومال إلى هذا القول الإمام الخطابي في أعلام الحديث (١/ ١٥٧ - ١٥٩).
(٥) روى ذلك البخاري في حديث نزول الوحي الطويل برقم (٣) و(٤) كتاب بدء الوحي، ورواه مسلم برقم (١٦٠) كتاب الإيمان باب بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -.
(٦) كلمة (هو) ليست في (م) و(ط).
[ ٥٤٢ ]
الخطاب الأول ليس فيه إرسال وآخر سورة اقرأ: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، فأول السورة هو أمر [بالقراءة] (١)، وآخرها أمر بالسجود، والصلاة مؤلفة من أقوال وأعمال، وأفصل أقوالها القراءة، وأفضل أعمالها السجود، والقراءة أول أقوالها المقصودة، وما بعده تبع له.
وقد روي أن الصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي (٢)، ثم فرضت الخمس ليلة المعراج (٣)، وكانت ركعتين ركعتين، فلما هاجر أقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (٤).
_________________
(١) في نسخة الأصل: من القرآن.
(٢) لعل المؤلف يشير إلى ما رواه البيهقي (١/ ٣٥٩) عن قتادة قال: "كان بدء الصلاة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي". وقال الحافظ في الفتح (١/ ٤٦٥): "ذهب جماعة إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة، إلا ما كان وبالأمر به من صلاة الليل من غير تحديد، وذهب الحربي إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي. . . "، وذكر الحافظ هذا القول في غير موضع (٢/ ٥٣)، (٧/ ٢٠٣). كما حكى ﵀ عن القاضي أبي بكر ابن العربي (١٢/ ٢٨٦) أن قومًا من الخوارج أنكروا الصلوات الخمس، وقالوا: الواجب صلاة بالغداة وصلاة بالعشي.
(٣) رواه البخاري برقم (٣٤٩) كتاب الصلاة باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء، ومسلم برقم (١٦٢) ١/ ١٤٥ كتاب الإيمان باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات، وفرض الصلوات، والنسائي برقم (٤٥٠) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (١٣٩٩) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، وأحمد برقم (١٢٠٩٦).
(٤) يشير المؤلف ﵀ إلى إحدى روايات عائشة في ذلك المقام، فقد روى البخاري برقم (٣٩٣٥) كتاب المناقب من حديث عائشة قالت: "فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي - ﷺ -، ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأولى". ورواه أحمد برقم (٢٥٥١١) بلفظ أطول عن عائشة قالت: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين بمكة، فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، زاد في كل ركعتين ركعتين، إلا المغرب فإنها وتر النهار، وصلاة الفجر لطول قراءتهما" ورواه البيهقي في سننه الكبرى (١/ ٣٦٢). أما الرواية الأكثر ورودًا فقد جاءت مطلقة دون ذكر لمكة أو المدينة، ولفظها: "فرض الله الصلاة حين فرضها، ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر" رواها البخاري برقم (٣٥٠) كتاب الصلاة، وسلم برقم (٦٨٥) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، والنسائي برقم (٤٥٣) كتاب الصلاة، =
[ ٥٤٣ ]
وكانت الصلاة تكمل [شيئًا] (١) بعد شيء، فكانوا أولًا يتكلمون في الصلاة، ولم يكن فيها تشهد، ثم أمروا بالتشهد (٢)، وحرم عليهم الكلام (٣).
_________________
(١) = وأبو داود برقم (١١٩٨) كتاب الصلاة، ومالك برقم (٣٣٧) كتاب النداء للصلاة، والدارمي برقم (١٥٠٩) كتاب الصلاة، وأحمد برقم (٢٥٤٣٦).
(٢) في نسخة الأصل و(م): شيء، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أقرب إلى الصواب.
(٣) روى الشيخان عن ابن مسعود قال: "كنا نقول إذا كنا في الصلاة خلف النبي - ﷺ -: السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم: إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله. . " واللفظ لمسلم، وقد رواه البخاري برقم (٨٣١) كتاب الأذان باب التشهد في الآخرة، ومسلم برقم (٤٠٢) ١/ ٣٠١ كتاب الصلاة باب التشهد في الصلاة، وأبو داود برقم (٩٦٨) كتاب الصلاة وابن ماجه برقم (٨٩٩) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، والدارمي برقم (١٣٤٠) كتاب الصلاة. ومن أقوى ما يؤيد كلام المصنف ما رواه النسائي في سننه الصغرى برقم (١٢٧٧) كتاب السهو، وفي الكبرى برقم (١٢٠٠) ١/ ٣٧٨ عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: "كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض التشهد: السلام على الله. . . " الحديث، ورواه الدارقطني في سننه وصححه (١/ ٣٥٠)، والبيهقي وصححه في السنن الكبرى (٢/ ١٣٨). وقال السندي في حاشيته على سنن النسائي (٣/ ٤١): "قبل أن يفرض التشهد، ظاهره أن التشهد محله فرض، ويحتمل أن المراد قبل أن يشرع التشهد. . . "، وكل ما ذكرناه يؤيد كلام المصنف أن الصلاة لم يكن فيها تشهد، ثم أمروا بالتشهد.
(٤) يشير المؤلف رحمه إلى حديث عبد الله بن مسعود وحديث زيد بن أرقم في الصحيحين، فحديث ابن مسعود رواه البخاري برقم (١١٩٩) كتاب العمل في الصلاة باب ما ينهى من الكلام في الصلاة، ولفظه: "كنا نسلم على النبي - ﷺ - وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلًا"، ورواه مسلم برقم (٥٣٨) ١/ ٣٨١ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحة، والنسائي برقم (١٢٢٠) كتاب السهو، وأبو داود برقم (٩٢٣) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (١٠١٩)، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، وكلهم بألفاظ متقاربة، ورواه أحمد برقم (٤١٣٤) ولفظه: "كنا نتكلم في الصلاة، ويسلم بعضنا على بعض، ويوصي أحدنا بالحاجة، فأتيت النبي - ﷺ -، فسلمت عليه وهو =
[ ٥٤٤ ]
وكذلك لم يكن بمكة لهم أذان، وإنما شرع الأذان بالمدينة بعد الهجرة (١)، وكذلك صلاة الجمعة (٢)، والعيد، والكسوف، والاستسقاء،
_________________
(١) = يصلي فلم يرد علي، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما صلى قال: إن الله ﷿ يحدث من أمره ما شاء، وإنه قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة". أما حديث زيد بن أرقم - ﵁ - فرواه البخاري برقم (١٢٠٠) كتاب العمل في الصلاة باب ما ينهى من الكلام في الصلاة، ولفظه: "إن كنا لنتكلم فى الصلاة على عهد النبي - ﷺ -، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ. . .﴾ الآية فأمرنا بالسكوت"، ورواه مسلم برقم (٥٣٩) كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب تحريم الكلام في الصلاة. .، ولفظ مسلم: "كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام"، ورواه أيضًا النسائي برقم (١٢١٩) كتاب السهو، والترمذي برقم (٤٠٥) كتاب الصلاة، وأبو داود برقم (٩٤٩) كتاب الصلاة" وأحمد برقم (١٨٧٩٢). وقد اختلف أهل العلم في تحريم الكلام في الصلاة، هل كان بمكة أو بالمدينة، وقد ذكر الخلاف الحافظ ابن رجب في الفتح (٩/ ٢٩٢)، والحافظ ابن حجر في الفتح (٣/ ٧٢).
(٢) روى الشيخان أن ابن عمر كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة، ليس ينادى لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: يا بلال، قم فناد بالصلاة"، رواه البخاري برقم (٦٠٤) كتاب الأذان باب بدء الأذان، ومسلم برقم (٣٧٧) ١/ ٢٨٥ كتاب الصلاة باب بدء الأذان. وقد رواه ابن المنذر في كتابه (الأوسط) برقم (١١٦٠) ٣/ ١١ وقال: "هذا الحديث يدل على أن بدء الأذان إنما كان بعد أن هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة، وأن صلاته بمكة إنما كانت بغير نداء ولا إقامة. . . ". والأصل في بدء الأذان حديث عبد الله بن زيد الأنصاري - ﵁ -، ورؤياه في ذلك، وحديثه رواه الترمذي برقم (١٨٩) كتاب الصلاة، وأبو داود برقم (٤٩٩) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (٧٠٦) كتاب الأذان والسنة فيه، وأحمد برقم (١٦٠٤١).
(٣) ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ أن الجمعة فرضت بالمدينة، وذكر أن هذا قول جمهور العلماء، قال: "ويدل عليه - أيضًا- أن سورة الجمعة مدنية، وأنه لم يثبت أن النبي - ﷺ - كان يصلي بالجمعة بمكة قبل هجرته، ونص الإمام أحمد على أن أول جمعة جمعت في الإسلام هي التي جمعت بالمدينة مع مصعب بن عمير، وكذا =
[ ٥٤٥ ]
وقيام رمضان، وغير ذلك إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة، وأمروا بالزكاة والإحسان فى مكة أيضًا، ولكن فرائض الزكاة ونصبها إنما شرعت بالمدينة (١)، وأما صوم رمضان فهو إنما فرض في السنة الثانية من الهجرة (٢)، وأدرك النبي - ﷺ - تسع رمضانات.