وأما حديث ضمام (٣) فرواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك: نهينا أن نسأل رسول الله - ﷺ - عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل يسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم أن الله أرسلك، قال: "صدق".
قال: فمن خلق السماء؟ قال: "الله".
قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله".
قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: "الله".
قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: "نعم".
قال: وزعم رسولك [أنك تزعم] (٤) أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: "صدق".
_________________
(١) روى الإمام أحمد برقم (٤) عن زيد بن يثيع عن أبي بكر لما قدم المدينة من تلك الحجة بكى، وقال: يا رسول الله حدث فىَّ شيء! ! قال ما حدت فيك إلا خير، ولكن أمرت أن لا يبلغه إلا أنا أو رجل من أهل بيتي. .، وقال محققه الشيخ أحمد شاكر ﵀: إسناده صحيح. ونقل القاضي أبو بكر ابن العربي عن الشيخ أبي المظفر طاهر بن محمد شاه بور قوله: "وكانت سيرة العرب أنه لا يحل العقد إلا الذي عقده، أو رجل من أهل بيته، فأراد النبي - ﷺ - أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، وأن يرسل ابن عمه الهاشمي من بيته بنقض العهد، حتى لا يبقى لهم متكلم، وهذا بديع في فنه" أحكام القرآن (٢/ ٤٥٤).
(٢) في (م) و(ط): "أن هذا يبين".
(٣) هو ضمام بن ثعلبة السعدي، من بني سعد بن بكر، قدم على النبي - ﷺ - سنة خمس، وقيل: سنة تسع، ورجح الحافظ الثاني. الإصابة (٢١٠/ ٢).
(٤) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط)، وموافق لروايات الحديث.
[ ٥٣٠ ]
قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم".
قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: "صدق".
قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم".
[قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: "صدق".
قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"] (١).
قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إله سبيلًا، قال: "صدق".
ثم ولى الرجل، وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن. فقال رسول الله - ﷺ -: "لئن صدق ليدخلن الجنة" (٢).
وعن أنس قال: بينما نحن جلوس مع النبي - ﷺ - في المسجد، إذ دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي - ﷺ - متكئ بين ظهرانيهم.
فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ.
فقال الرجل: ابن عبد المطلب، فقال له النبي - ﷺ - "قد أجبتك". فقال الرجل للنبي - ﷺ -: إنني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك، فقال: "سل عما بدا لك".
فقال: أسالك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ .
فقال: "اللهم نعم".
وذكر أنه سأله عن الصلاة والزكاة، ولم يذكر الصيام (٣) والحج فقال
_________________
(١) ما بين المعكوفتين سقط من جميع النسخ التي بين أيدينا، وهي في صحيح مسلم.
(٢) هذا الوجه رواه مسلم برقم (١٢) كتاب الإيمان باب السؤال عن أركان الإسلام، والترمذي برقم (٦١٩) كتاب الزكاة، والنسائي برقم (٢٠٩١) كتاب الصيام، وأحمد برقم (١٢٠٤٨)، والدارمي برقم (٦٥٠) كتاب الطهارة.
(٣) كذا قال، لكن الصوم مذكور في هذا الحديث، فقد جاء فيه: "قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللهم نعم".
[ ٥٣١ ]
الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر (١).
هذان الطريقان في الصحيحين، لكن البخاري لم يذكر في الأول الحج، بل ذكر الصيام، والسياق الأول أتم، والناس جعلوا (٢) الحديثين حديثًا واحدًا.
و[يشبه] (٣) والله أعلم أن يكون البخاري رأى أن ذكر الحج فيه وهمًا، لأن سعد بن بكر (٤) هم من هوازن، وهم أظْآر (٥) رسول الله - ﷺ -، وهوازن كانت معهم وقعة حنين بعد فتح مكة، فأسلموا كلهم بعد الوقعة، ودفع إليهم النبي - ﷺ - النساء والصبيان بعد أن قسمها على العسكر (٦)
_________________
(١) هذا الوجه رواه البخاري برقم (٦٣) كتاب العلم باب ما جاء في العلم، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، والنسائي برقم (٢٠٩٢) كتاب الصيام، وأبو داود برقم (٤٨٦) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (١٤٠٢) كتاب إقامة الصلاة والسنة يها، وأحمد برقم (١٢٣٠٨). وقد اختلف في السنة التي قدم فيها ضمام على رسول الله - ﷺ -، فقيل: سنة خمس قاله الواقدي، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع، وهو قول ابن إسحاق وأبي عبيدة فيما ذكره الحافظ عنهما، أما الحافظ نفسه فقد اختلف قوله، فقال عند شرحه للحديث في كتاب العلم أن قدومه كان سنة تسع، الفتح (١/ ١٥٢)، وحين عاد إليه في كتاب الزكاة ذكر أن قدومه في سنة خمس، الفتح (٣/ ٢٦٦)، أما في الإصابة فقد رجح القول بأن قدومه كان سنة تسع، الإصابة (٢/ ٢١١)، وانظر الاستيعاب (٢/ ٢١٥)، وهذا القول هو الراجح.
(٢) في (ط): "يجعلون".
(٣) في نسخة الأصل: "يشتبه"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب إلى المعنى.
(٤) في (ط): "بن أبي بكر"، وهو خطأ.
(٥) في (ط): "أصهار"، وهو تصحيف، وخطأ بين، إذ كيف تكون هوازن أصهارًا له - ﷺ -، وهو لم يتزوج منهم قط، وإنما هم أظآره، أي مرضعوه، لأنه - ﷺ - استرضع في بني سعد بن بكر، وهم من هوازن، قال في القاموس المحيط (ص ٥٥٥): "الظئر بالكسر: العاطفة على ولد غيرها، المرضعة له في الناس، وغيرهم للذكر والأنثى، وجمعه: أظؤر، وأظآر. . ".
(٦) في (ط): "المعسكر".
[ ٥٣٢ ]
واستطاب أنفسهم في ذلك (١).
فلا تكون هذه الزيادة (٢) إلا قبل فتح مكة، والحج لم يكن فرض إذ ذاك.