وحديث وفد عبد القيس من أشهر الأحاديث وأصحها، وفي بعض طرق البخاري لم يذكر الصيام لكن هو مذكور في كثير من طرقه، وفي مسلم، وهو أيضًا مذكور في حديث أبي سعيد الذي ذكر فيه قصة وفد عبد القيس، رواه مسلم في صحيحه عنه، واتفقا على حديث ابن عباس (٢)، وفيه: أنه أمرهم بإيتاء الخمس من المغنم، والخمس إنما فرض في غزوة بدر (٣)، وشهر
_________________
(١) = كونه لم يذكر الحج في الحديث لأنه لم يكن فرض هو المعتمد" الفتح (١/ ١٣٤). وقد أورد الحافظ أقوالًا أخرى في عدم ذكر الحج في هذا الحديث وضعفها، كقول من قال: إنه ترك ذكره لكونه على التراخي، والقول إنما ترك ذكره لشهرته عندهم، أو لأنه لم يكن لهم إليه سبيل من أجل كفار مضر، الفتح (١/ ١٣٤)، وذكر ﵀ جوابًا أحسن من الأجوبة فقال: "لكن يمكن أن يقال: إنه إنما أخبرهم ببعض الأوامر لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجمع الأحكام التي تجب عليهم فعلًا وتركًا، ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية، مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ انتهى.
(٢) تقدم تخريج هذا الحديث، وهو في الصحيحين.
(٣) ورد ذكر الصوم عبد البخاري في حديث وفد عبد القيس في ست روايات وأرقامها هي (٣٥، ٨٧، ١٥٨٨، ٤١١٠، ٥٨٢٢، ٦٨٣٨)، ولم يرد ذكره أيضًا في خمس روايات وأرقامها هي (٥٠٠، ١٣٣٤، ٣٣١٩، ٤١١١، ٧١١٧)، وعند مسلم أورد الروايتين التي ذكرت الصوم برقم (١٧) ١/ ٤٧، والتي لم تذكره برقم (١٧) ١/ ٤٦، وقد تتبعت الروايات التي ورد فيها ذكر الصوم في الصحيحين وعند ابن خزيمة وابن حبان والترمذي وأبي داود والنسائي -في سننه الصغرى والكبرى- والبيهقي في سننه الكبرى، والمسند، ومسند الطيالسي، والمعجم الكبير، فوجدت أن الروايات التي ورد فيها ذكر الصوم بلغت ستًا وعشرين رواية، والتي لم يرد فيها ذكر الصوم بلغت ثمانية عشر رواية.
(٤) الدليل على فرضية الخمس قول الحق ﵎: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ. . .﴾ الآية [الأنفال: ٤١] الآية، وذلك بعد وقعة بدر، وما وقع من اختلاف في الرأي حول تقسيم الغنائم، معاني القرآن لأبي جعفر النحاس (٣/ ١٢٧)، أحكام القرآن [٧/ ٣٢٣]، تفسير ابن كثير [٢/ ٢٨٣، ٣١١] فتح القدير [٢/ ٢٨٣، ٣٠٩].
[ ٥٢٢ ]
رمضان فرض قبل ذلك (١).
ووفد عبد القيس من خير (٢) الوفد الذين وفدوا على النبي - ﷺ -، وقدومهم على النبي - ﷺ - كان قبل فرض الحج، وقد قيل: إنهم (٣) قدموا سنة الوفود سنة تسع (٤).
والصواب أنهم قدموا قبل ذلك، فإنهم قالوا: بيننا (٥) وبينك هذا الحي من كفار مضر (٦) -يعنون أهل نجد- وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام.
_________________
(١) سيأتي الحديث عن فرض الصوم قريبًا إن شاء الله.
(٢) في (م) و(ط): "خيار".
(٣) كلمة "إنهم" ليست في (م) و(ط).
(٤) المصنف ﵀ يهدف من وراء كل هذا إثبات أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل فرض الحج وقد اختلف أهل العلم -كما ذكر المصنف- في السنة التي قدم فيها وفد عبد القيس، فذهب ابن جرير إلى أن قدومهم كان في السنة العاشرة للهجرة، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٩٩)، وذهب القاضي عياض إلى أن قدومهم كان سنة ثمان للهجرة، كتاب الإيمان من إكمال المعلم (١/ ١٥٥)، وذهب تلميذ المصنف الحافظ ابن قيم الجوزية إلى أن قدومهم كان سنة تسع للهجرة، زاد المعاد (٣/ ٦٠٧)، وأشار المصنف إلى ذلك القول، أما الحافظ ابن كثير فيذهب إلى أن قدومهم كان قبل سنة تسع للهجرة، ومال إلى أنه كان قبل فتح مكة، البداية والنهاية (٥/ ٤٤)، وقال: "لكن في سياق ابن عباس (يعني حديث وفد بني عبد القيس الذي رواه ابن عباس) ما يدل على أن قدوم وفد عبد القيس كان في فتح مكة لقولهم: وبيننا وبينك هذا الحي من مضر لا نصل إليك إلا في شهر حرام" وقد انتقد ما درج عليه كثير من المؤرخين وأصحاب المغازي والسير والمحدثين مثل محمد بن إسحاق، والواقدي، والبخاري، والبيهقي، وغيرهم، حين ساقوا قصص الوفود سنة تسع للهجرة، مع أن بعض هذه الوفود قد تقدم مجيئهم قبل العام التاسع من الهجرة، بل بعضهم قبل فتح مكة"، وقال: "وقد ذكر محمد بن إسحاق ثم الواقدي والبخاري ثم البيهقي بعدهم من الوفود ما هو متقدم تاريخ قدومهم على سنة تسع، بل وعلى فتح مكة، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ﴾، وتقدم قوله - ﷺ - يوم الفتح: (لا هجرة ولكن جهاد ونية) فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين على زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة، وبين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعد الله خيرًا وحسنى، ولكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان والفضيلة، والله أعلم" "البداية والنهاية" (٥/ ٣٧).
(٥) في (م) و(ط): "إن بيننا".
(٦) هو مضر بن نزار بن معد بن عدنان -من أجداد النبي - ﷺ -، وهو الجد السابع عشر =
[ ٥٢٣ ]
وسنة تسع كانت العرب قد ذلت وتركت الحرب، وكانوا بين مسلم أو معاهد خائف، لما فتح الله مكة (١)، ثم هزم هوازن يوم حنين (٢)، وإنما كانوا ينتظرون بإسلامهم فتح مكة (٣).
وقد بعث النبي - ﷺ - أبا بكر - ﵁ - أميرًا على الحج سنة تسع، وأردفه بعلي بن أبي طالب - ﵁ -، لتنفيذ العهود التي كانت بين النبي - ﷺ - وبين العرب، إلا أنه أجلهم أربعة أشهر من حين حجة أبي بكر (٤) وكانت
_________________
(١) = -وإليه تنسب قبيلة قريش، وقيل إنه أول من حدا للإبل، ومضر هو أخو ربيعة بن نزار، ويقال لهما: الصريحان، ومن ربيعة بنو عبد القيس، ومضر وربيعة قبيلتان عربيتان عظيمتان مشهورتان، تاريخ ابن جرير (١/ ٥١٤)، جمهرة أنساب العرب لابن حزم (١٠)، الأنساب للسمعاني (٥/ ٣١٨)، البداية والنهاية (١٨٥، ٢٣٧).
(٢) فتحت مكة المكرمة بالاتفاق في رمضان سنة ثمان للهجرة، سيرة ابن هشام (٢/ ٣٩٢)، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٥٢)، زاد المعاد (٣/ ٣٩٢)، البداية والنهاية (٤/ ٢٧٧).
(٣) قبيلة هوازن تنسب إلى جدها هوازن بن منصور بن عكرمة، من قيس عيلان، من ولد عدنان، وبنو هوازن بطون كثيرة، وقبائل عديدة، منهم بنو سعد قبيلة حليمة السعدية مرضعة النبي - ﷺ -، جمهرة أنساب العرب (٢٥٢)، الأنساب (٣/ ٢٥٥)، وقد كانت غزوة حنين في شوال سنة ثمان، بعد أن فتحت مكة. وحنين واد معروف بين مكة والطائف، جرت فيه معركة مشهورة -جاء ذكرها في القرآن الكريم (سورة التوبة ٢٥، ٢٦) - بين المسلمين بقيادة الرسول - ﷺ -، وبين الكافرين من قبائل هوازن وثقيف وغيرها، وكانت الدائرة في أولها على المسلمين، حين أعجبوا بكثرتهم فلم تغن عنهم شيئًا، وثبت النبي - ﷺ - فى نفر قليل من أصحابه، حتى أنزل الله سكينته ونصره على رسوله والمؤمنين، وهزم جموع الكافرين، سيرة ابن هشام (٢/ ٤٣٦)، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٦٥)، زاد المعاد (٣/ ٤٦٥)، البداية والنهاية (٤/ ٣٢١).
(٤) جاء في حديث عمرو بن سلمة في صحيح البخاري برقم (٤٢٠٢): "وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح" ومعنى تلوم: تنتظر، النهاية في غرب الأثر (٤/ ٢٧٨)، وأصل الفعل بتائين: تتلوم، قاله الحافظ في الفتح (٨/ ٢٣)، وقال الجوهري: التلوم: الانتظار والتمكث، الصحاح (٥/ ٢٠٣٤)، وروى ذلك الطبراني في المعجم الكبير برقم (٦٣٤٩) ٧/ ٤٨، والدارقطني في السنن (٢/ ٤٢)، والبيهقي في سننه (٣/ ٩١).
(٥) روى البخاري برقم (٣٦٩) كتاب الصلاة عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن =
[ ٥٢٤ ]
في ذي القعدة (١)
_________________
(١) = أبا هريرة - ﵁ - قال: بعثني أبو بكر - ﵁ - في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر، نؤذن بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله - ﷺ - عليًا، فأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر. . . ورواه مسلم برقم (١٣٤٧) كتاب الحج، وروى البخاري أيضًا برقم (١٦٢٢) كتاب الحج عن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن أبا بكر الصديق - ﵁ - بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله - ﷺ - قبل حجة الوداع يوم النحر. . (أي: سنة تسع). وأول الحديث مرسل كما بيّن الحافظان ابن رجب، الفتح (٢/ ٤٠١)، وابن حجر، الفتح (٨/ ٣١٨)، ولكن ثبت هذا الإرسال عن علي - ﵁ - من وجوه أخرى كما بيّن ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. ورواه الترمذي برقم (٣٠٩١) كتاب تفسير القرآن، والنسائي برقم (٢٩٥٧) كتاب مناسك الحج، وأبو داود برقم (١٩٤٦) كتاب المناسك. وأما بالنسبة لتنفيذ العهود فقد روى الترمذي برقم (٣٠٩٢) كتاب تفسير القرآن عن زيد بن يشيع قال: سألنا عليًا بأي شيء بعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربع: أن لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي - ﷺ - عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه الدارمي برقم (١٩١٩) كتاب المناسك، ورواه سعيد بن منصور في سننه برقم (١٠٠٥، ٥/ ٢٣٣: وقال محققه: سنده صحيح، ورواه الحاكم في المستدرك ٤/ ١٧٨ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٢) هذا هو أحد القولين في المسألة، وهو أن حجة أبي بكر الصديق - ﵁ - كانت في ذي القعدة سنة تسع، وهو قول مجاهد، والقول الثاني: أنها كانت في ذي الحجة من السنة نفسها، وبه قال جمع من أهل العلم وقد ذكر البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ١٦٦) رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى بسنده إلى مجاهد ﵀ أن حجة الصديق كانت في ذي القعدة، وذكر عنه أيضًا رواية أخرى عن الزهري أنها كانت في ذي الحجة. وقال البيهقي: قال أبو عبد الله (أي: الإمام أحمد): "نزلت سورة براءة قبل حجة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وفيها: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ وفيها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦، ٣٧]، فهل كان يجوز أن يحج أبو بكر على حج العرب، وقد أخبر الله أن فعلهم ذلك كان كفرًا". وقال الحافظ ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (٣/ ٥٩٥): "هل كانت حجة =
[ ٥٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الصديق - ﵁ - في ذي الحجة، أم وقعت في ذي القعدة من أجل النسيء الذي كان الجاهلية يؤخرون له الأشهر ويقدمونها؟ على قولين، والثاني قول مجاهد وغيره، وعلى هذا فلم يؤخر النبي - ﷺ - الحج بعد فرضه عامًا واحدًا، بل بادر إلى الامتثال في العام الذي فرض فيه"، وفهم من ذلك أن ابن القيم يميل إلى قول مجاهد. وقد ورد في تفسير النسيء أكثر من وجه، منها وجهان تتغير فيهما أشهر الحج، وقد ذكر جمع من المفسرين أن حجة الصديق - ﵁ - كانت في ذي القعدة، عند تفسيرهم لقول الحق ﷾: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، ومن هؤلاء القاضى أبو بكر بن العربي ﵀ في أحكام القرآن (٢/ ٥٠٣)، والقرطبي في تفسيره (٨/ ٦٩)، والحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٣٥٨). وروى البيهقي بسنده عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال عن أهل الجاهلية: "ينسئون فيحجون في شهر، وعامًا في غيره، ويقولون: إن أخطأنا موضع الحرم في عام أصبناه في غيره، فأنزل الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ. .﴾ " السنن الكبرى (٥/ ١٦٥). أما الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى فقال عن أحداث السنة التاسعة من الهجرة: "وفيها حج بالناس أبو بكر الصديق - ﵁ -، بعثه النبي - ﷺ - على الموسم في أواخر ذي القعدة، يقيم للمسلمين حجهم، ونزلت براءة إثر خروجه" السيرة النبوية من سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٦٢)، ووقع عنده ﵀ في حديث زيد بن يثيع المتقدم قال: سألت عليًا - ﵁ -، بأي شيء بعثت في ذي الحجة؟ . . .، وهذا اللفظ إن كان محفوظًا فهو نص في الخلاف في هذه المسألة، ولكن لم أجد هذه اللفظة في روايات الحديث، وإنما الذي ورد هو قوله: في الحجة، أي في تلك الحجة التي أمر النبي - ﷺ - أبا بكر على الموسم، ولعل ما وقع تحريف أو تصحيف. وأما الحافظ ابن كثير، فبعد أن أورد قول مجاهد عقب عليه قائلًا: "وهذا الذي قاله مجاهد فيه نظر أيضًا، وكيف تصح حجة أبى بكر، وقد وقعت في ذي القعدة، وأنّى هذا؟ ! ! وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ. .﴾ [التوبة: ٣] وإنما نودي به في حجة أبي بكر، فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. .﴾ تفسير ابن كثير (٢/ ٣٥٨)، وهو استدلال قوي ظاهر. وذكر الحافظ ﵀ في الفتح (٨/ ٨٢) أن ابن سعد روى بإسناد صحيح عن مجاهد أن حجة أبي بكر وقعت في ذي القعدة، ووافقه عكرمة بن خالد، ثم قال: "ومن عدا هذين (يعني مجاهدًا وعكرمة) إما مصرح بأن حجة أبي بكر كانت في ذي الحجة، كالداودي، وبه جزم من المفسرين الرماني، والثعلبي، والماوردي، وتبعهم جماعة، وإما ساكت، والمعتمد ما قاله مجاهد وبه جزم الأزرقي. . . "، =
[ ٥٢٦ ]
وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ الآية [التوبة: ٥]، وهذه الأربعة التي أجلوها هي الأربعة الحرم.
ولهذا غزا النبي - ﷺ - النصارى بأرض الروم عام تبوك سنة تسع قبل إرسال أبي بكر - ﵁ - أميرًا على الموسم (١)، وإنما أمكنه غزو النصارى لما اطمأن من جهة مشركي العرب، وعلم أنه لا خوف على الإسلام منهم.
ولهذا لم يأذن لأحد ممن يصلح للقتال في التخلف، فلم يتخلف إلا منافق، أو الثلاثة الذين تيب عليهم (٢)، أو معذور.
ولهذا لما استخلف عليًا على المدينة (٣) عام تبوك طعن المنافقون فيه
_________________
(١) = ثم أورد بعض ما يؤيد أنها كانت في ذي الحجة. وذكر الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى أن الطبراني وأبا الشيخ وابن مردويه قد أخرجوا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "كانت العرب يحلون عامًا شهرًا، وعامًا شهرين، ولا يصيبون الحج إلا في كل سنة وعشرين سنة مرة، وهي النسيء الذي ذكره الله في كتابه، فلما كان عام حج أبو بكر بالناس وافق ذلك العام، فسماه الله الحج الأكبر، ثم حج رسول الله - ﷺ - من العام القابل. . . " فتح القدير (٢/ ٣٦٠). ومما يتبين بعد كل هذه الأقوال التي أوردناها أن القول بأن حجة الصديق - ﵁ - وافقت ذا الحجة قد يكون هو القول الأقرب، والله أعلم.
(٢) كانت غزوة تبوك في شهر رجب سنة تسع للهجرة، سيرة ابن هشام (٢/ ٥١٥)، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٨١)، البداية والنهاية (٥/ ٣).
(٣) وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة: ١١٨]، وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وقصة كعب بن مالك وصاحبيه - ﵃ - في الصحيح رواها البخاري في صحيحه برقم (٤٤١٨) كتاب المغازي، ومسلم برقم (٦٧٦٩) كتاب التوبة، والنسائي برقم (٣١٠٢) كتاب تفسير القرآن،، وأحمد برقم (٢٦٦٣٤).
(٤) المشهور عند أهل المغازي والسير أن النبي - ﷺ - في غزوة تبوك استخلف عليًا على أهله، أما الذي استخلفه على المدينة ففيه قولان، الأول: أنه محمد بن مسلمة الأنصاري، والثاني: سباع بن عرفطة، وحكى الحافظ ابن في الجوزية القولين في =
[ ٥٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الزاد، وقال: إن القول الثاني هو قول ابن هشام، ورجح الأول، وقال: إنه أثبت (٣/ ٥٢٩). وقال ابن جرير بالقول الثاني، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٨٣)، وإلى مثله ذهب ابن حبان في كتاب الثقات (٢/ ٧٣). وقال الحافظ أبو الحجاج المزي أن النبي - ﷺ - خلف عليًا على المدينة وعلى أهله، تهذيب الكمال (٢٠/ ٤٧٢) وأما الذهبي فقال في السيرة النبوية من سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٣٥) بالقول الأول، مع أنه حين ترجم لمحمد بن مسلمة - ﵁ - في السير (٢/ ٣٦٩) قال: "وقيل إن النبي - ﷺ - استخلفه مرة على المدينة"، وكان الأمر لم يثبت عنده، وذكر ابن كثير القولين فلم يرجح منهما شيئًا البداية والنهاية (٥/ ٧). أما الحافظ ابن عبد البر فقد قال عن محمد بن مسلمة: "استخلفه رسول الله - ﷺ - على المدينة في بعض غزواته. . وقيل إنه استخلفه عام تبوك" الاستيعاب على هامش الإصابة (٣/ ٣٣٥)، وذكر عن سباع أن النبي - ﷺ - استعمله على المدينة حين خرج إلى خيبر وإلى دومة الجندل، الاستيعاب (٢/ ١٢٨). وذكر الحافظ ابن حجر فى الإصابة (٣/ ٣٨٣) عند ترجمته لمحمد بن مسلمة أنه شهد المشاهد إلا غزوة تبوك، فإنه تخلف بإذن النبي - ﷺ - له أن يقيم بالمدينة، وذكر عن سباع في الإصابة أيضًا (٢/ ١٣) أن النبي - ﷺ - استخلفه على المدينة عام خيبر، وقال: إن أبا حاتم ذكر أن النبي - ﷺ - استعمله على المدينة في غزوة دومة الجندل. أما المصنف فيرى أن النبي - ﷺ - قد استخلف على المدينة عليًا - ﵁ -، وقال في موضع آخر: "لأن النبي - ﷺ - كان في كل غزاة يترك بالمدينة رجالًا من المهاجرين والأنصار، إلا في غزوة تبوك، فإنه أمر المسلمين جميعهم بالنفير، فلم يتخلف بالمدينة إلا عاص، أو معذور غير النساء والصبيان، ولهذا كره علي الاستخلاف، وقال: أتخلفني مع النساء والصبيان؟ . . . فبين له النبي - ﷺ - أن الاستخلاف ليس نقصًا ولا غضاضة، فإن موسى استخلف هارون على قومه لأمانته عنده. . . " منهاج السنة (٥/ ٤٣)، (٧/ ٣٢٨). قلت: لكن ما جاء في الأحاديث يخالف ذلك، ويؤيد ما ذهب إليه المصنف ﵀، فقد روى البخاري في صحيحه (سيأتي تخريجه قريبًا إن شاء الله) عن سعد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى تبوك، واستخلف عليًا على المدينة، وثبت في المسند (١٥٣٢) من حديث سعد - ﵁ - قال: إن رسول الله - ﷺ - حين خرج في غزوة تبوك استخلف عليًا على المدينة. .، وقال محققه الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، (المسند ٣/ ٦٦).
[ ٥٢٨ ]
لضعف هذا الاستخلاف، وقالوا إنما خلفه لأنه يبغضه، فأتبعه علي وهو يبكي فقال: (أتخلفني مع النساء والصبيان؟) فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي" (١).
وكان قبل ذلك يستخلف على المدينة من يستخلفه، وفيها رجال من أهل القتال وذاك لأنه لم يكن حينئذ بأرض العرب، لا بمكة، ولا بنجد ونحوهما، من يقاتل أهل دار الإسلام -مكة والمدينة وغيرهما- ولا يخيفهم.
ثم لما رجع من تبوك أمر (٢) أبا بكر على الموسم، يقيم الحج والصلاة، ويأمر أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (٣)، وأتبعه بعلي لأجل نقض العهود، إذ كانت عادة العرب أنهم لا يقبلون (٤)
_________________
(١) حديث صحيح متفق على صحته، رواه البخاري برقم (٤٤١٦) كتاب المغازي باب غزوة تبوك، ومسلم برقم (٢٤٠٤) ٤/ ١٨٧٠ كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -، والترمذي برقم (٣٧٢٤) كتاب المناقب، والنسائي في سننه الكبرى (٥/ ٤٤)، وابن ماجه برقم (١١٥) في المقدمة، وأحمد برقم (١٣٣٥)، وأبو يعلى برقم (٣٤٤) ١/ ٢٨٥، وغيرهم، وهو من حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، ورواه أحمد برقم (١٠٨٧٩) من طريق أبي سعيد الخدري، وبرقم (٢٦٥٤١) من طريق أسماء بنت عميس، وابن حبان برقم (٦٦٤٣) ١٥/ ١٥ من طريق أم سلمة، والطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٢٠٣) من طريق زيد بن أرقم والبراء بن عازب، وكذلك أخرجه برقم (١١٠٨٧) ١١/ ٧٤ من طريق ابن عباس ﵃ أجمعين. وأما بكاء علي - ﵁ - فقد روى الإمام أحمد في مسنده برقم (١٤٦٣) عن سعد - ﵁ - أن عليًا خرج مع النبي - ﷺ - حتى جاء ثنية الوداع، وعلي يبكي يقول: تخلفني مع الخوالف ، وقال محققه الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، وروى مثل ذلك النسائي في السنن الكبرى (٥/ ١٢٠) وأما شكواه - ﵁ - من الطعن في استخلافه فقد روى النسائي في السنن الكبرى (٥/ ٤٤) أن النبي - ﷺ - لما غزا تبوك خلف عليًا بالمدينة فقالوا: ملّه، وكره صحبته. .، وروى ابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٣) مثل ذلك، وذكر ذلك أيضًا ابن هشام في سيرته (٢/ ٥١٩).
(٢) في (ط): "أقر".
(٣) تقدم تخريج هذا الحديث، وهو في الصحيحين.
(٤) في (ط): "أن لا يقبلوا".
[ ٥٢٩ ]
إلا من المطاع الكبير، أو من رجل من أهل بيته (١).
والمقصود أن بهذا يتبين (٢) أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل ذلك.