[تعريف الإحسان]
وأما الإحسان فقوله - ﷺ -: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١).
قد قيل: إن الإحسان هو الإخلاص (٢).
والتحقيق: أن الإحسان يتناول الإخلاص وغيره، والإحسان يجمع كمال الإخلاص لله، ويجمع الإتيان بالفعل الحسن الذي يحبه الله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢].
_________________
(١) = الصلاة، وذكر حشدًا من الأدلة على كفر تاركها، وكان ذلك كله في سياق أهمية العمل، وأن جنس الأعمال لازم لإيمان القلوب.
(٢) هذا جزء من حديث جبريل ﵇ المشهور، وقد تقدم تخريجه في أول الكتاب.
(٣) قال القاضي عياض في معنى الإحسان: "الإخلاص ومراقبة الله في السر والإعلان" كتاب الإيمان من إكمال المعلم (١/ ١٠٠)، وقال الخطابي في معالم السنن نحوًا من ذلك (٥/ ٧١). وقال الحافظ ابن رجب ﵀ في الفتح (١/ ٢١١) عن معنى الإحسان في حديث جبريل: "وأما الإحسان ففسره بنفوذ البصائر في الملكوت حتى يصير الخبر للبصيرة كالعيان، فهذه أعلى درجات الإيمان. . . قيل: المراد: أن نهاية مقام الإحسان أن يعبد المؤمن ربه كأنه يراه بقلبه، فيكون مستحضرًا ببصيرته وفكرته لهذا المقام، فإن عجز عنه وشق عليه انتقل إلى مقام آخر، وهو أن يعبد الله على أن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته، ولا يخفى عليه شيء من أمره. . . قال بعض السلف: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص، فهذان مقامان: أحدهما: مقام المراقبة، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه واطلاعه عليه فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله يراقبه في حركاته وسكناته وسره وعلانيته، فهذا مقام المراقبين المخلصين، وهو أدنى مقام الإحسان. والثاني: أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة فيصير كأنه يرى الله ويشاهده، وهذا نهاية مقام الإحسان، وهو مقام العارفين. . ". وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ١٢٠): "الإحسان هو مصدر، تقول أحسن يحسن إحسانًا، ويتعدى بنفسه وبغيره، نقول: أحسنت كذا إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان إذا أوصلت إليه النفع. . ".
[ ٥٧٨ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]، فذكر إحسان الدين أولًا، ثم ذكر الإحسان ثانيًا، فإحسان الدين هو والله أعلم الإحسان المسؤول عنه في حديث جبريل ﵇، فإنه سأله عن الإسلام والإيمان ففي # (١) إحسان هذا
_________________
(١) من هنا يبدأ السقط الكبير في (م) و(ط)، لتنفرد نسخة الأصل بذلك إلى نهاية الكتاب. إننا لنُرجِّح، بل نكاد نجزم أن هذه الزيادة الهامة التي تتعلق بالمرتبة العليا من الدين -وهي الإحسان- هي من كتاب "شرح حديث جبريل" المعروف بالإيمان الأوسط، وهي من نفيس كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وتوضيح ذلك بالأدلة كما يلي: أولًا: ما قبل (فصل الإحسان) كتب بخط شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ثانيًا: أما (فصل الإحسان) فقد أملاه شيخ الإسلام، ولم يكتبه بخط يده. وهاتان القضيتان يؤكدهما ما ورد في الهامش، وما ذكرناه أعلاه. ثالثًا: أن بعض النصوص التي وردت في هذه الزيادة قد جاءت في رسالة الحسبة للمصنف نفسه، مجموع الفتاوى (٢٨/ ٦٠ - ١٢٠)، لكن مع اختلاف بيِّن وفرق واضح جلي. كما أن هذا الفصل عن الإحسان فصل متكامل، وقد وردت في ثناياه الإشارة مرات عدة إلى الإحسان، ووردت كلمات الإحسان ومكانها فيه أكثر من ثلاثين مرة، وفيه عدة فصول لم نرد في رسالة الحسبة على الإطلاق، وهي متعلقة تمامًا بالإحسان، وما ورد فيه، وجاء في رسالة الحسبة، في اختلاف، من حيث التقديم والتأخير، وتنوع في العبارة في بعض الأحيان. وفي الواقع فإن هذا ليس بغريب على منهج المصنف، والمتابع له ﵀ يعرف ذلك جيدًا، فهو يذكر نصوصًا كثيرة -تكاد تكون بعينها- في مواضع شتى من كتبه، وكل هذا يدل على درجة عزيزة من الحفظ، وحدة في الذهن. رابعًا: أننا إذا لم نقل بذلك فالكتاب يعتبر ناقصًا، على أن هذا الأمر يرجح بأن هذه الزيادة للمصنف، ولكن يبقى النقاش، هل هي من كتاب "شرح حديث جبريل" المعروف باسم "الإيمان الأوسط" أم لا؟ وهذا ما نود إثباته. خامسًا: أن هذه أقدم نسخة للكتاب عثر عليها -حتى الآن- على الإطلاق. سادسًا: أن النسختين الأخريين للكتاب، سواء النسخة المطبوعة في مجموع الفتاوى، أو النسخة المخطوطة في مكتبة المحمودية، قد ذكر فيهما أول هذا الفصل، ولكنه فيهما ناقص مخروم، ولم تشر أي منهما إلى شيء يمكن أن =
[ ٥٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يشكك في صلة هذا الفصل بالكتاب، وهذا من أقوى الأدلة على ما أردنا إثبات وتقريره. سابعًا: أن ما نقول به هو الأصل، ونعني بذلك أن هذه الزيادة في الأصل من الكتاب، والشك في نسبتها إليه يخالف ذلك الأصل، وإذا لم نقل بذلك، فكيف نفسّر الأمر إذن؟ ثامنًا: أن الحواشي على هذه الزيادة لم تفتأ تذكر أن الكتاب بها قد بلغ مقابله وتصحيحًا، وقد وردت هذه العبارة نحو أربع مرات، (في الألواح ٥٧ أ، ٦٠ ب، ٦٢ ب، ٦٣ ب)، وجاء في هامش (اللوحة ٦١ ب): تابع كتاب الإيمان. تاسعًا: أن الشيخ أبا محمد الإسكندري -كما ذكرنا في ترجمته- من تلامذة شيخ الإسلام الذين أوذوا بسببه، بل من المتخصصين المشتهرين في نقل ونسخ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وفتاويه، ومن المستبعد تمامًا أن يضيف شيئًا إلى الكتاب وهو ليس منه، أو أن يقحم فيه حتى من كلام المؤلف ما ليس منه. عاشرًا: أن ناسخ هذه النسخة هو الذي نسخ نسخة "الإيمان الكبير" وكان ذلك سنة ٧٤٣ هـ، وقد نص هذا الناسخ على أن المصنف لم يكمل كتاب "الإيمان الكبير"، بينما لم يشر إلى شيء يتعلق بكتاب "شرح حديث جبريل". الحادي عشر: ومما يقوي القول إلى ما ذهبنا إليه أن ابن عبد الهادي قد ذكر في كتابه "العقود الدرية" (٣٤): أن من بين مؤلفات شيخ الإسلام ﵀ قاعدة في الإحسان، ولعلها هذه الواردة في كتابنا هذا، وقام أحد من الناس بإفرادها، كما هو الحال في بعض مصنفات شيخ الإسلام. الثاني عشر: وقد ذكر أحد تلامذة شيخ الإسلام المعروفين، وهو علم الدين البرزالي، فيما نقله عنه الحافظ ابن كثير يرحمهما الله، وأورده في البداية والنهاية (١٤/ ١٤٢) عبد ترجمته لشيخ الإسلام ما يلي: "وله تصانيف كثيرة، وتعاليق مفيدة، في الأصول والفروع، كمل منها جملة وبيضت وكتبت عنه وقرئت عليه أو بعضها، وجملة كبيرة لم يكملها، وجملة كملها ولم تبيض إلى الآن". الثالث عشر: أن الكتاب شرح لحديث جبريل ﵇، وقد أفاض في الحديث عن الإسلام والإيمان، فلم يبق غير الإحسان، وقد تكلم عنه في آخر الكتاب، وقد أشار المصنف في الكتاب (٧/ ٤٨٥) إلى شيء من ذلك، حيث قال: "فقد قسم سبحانه الأمة التي أورثها الكتاب واصطفاها ثلاثة أصناف، ظالم لنفسه، ومقصد، وسابق بالخيرات، وهؤلاء الثلاثة ينطبقون على الطبقات الثلاث المذكورة في حديث جبريل: الإسلام، والإيمان، والإحسان، كما سنذكره إن شاء الله". وإننا لنرجح أن كتاب "شرح حديث جبريل" الذي وفق الله ﷿ إلى تحققه هو من =
[ ٥٨٠ ]
الإسلام والدين الذي يكون صاحبه حسنًا، وتابعًا لما فيه رضوان الله في الأقوال والأفعال، هو المقام الذي أشار إليه النبي - ﷺ - حين قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
ومراقبة الله هي السر المطلوب في جميع أحوال العبد (١).
[شروط قبول العمل]
قال الإمام أبو زكريا يحيى النووي (٢) ﵀ روينا عن أبي القاسم
_________________
(١) = القسم الثالث من مؤلفات شيخ الإسلام، ونعني بذلك: المؤلفات التي أكملها المصنف ﵀ ولم يبيضها، ونكاد نلمس ذلك عند مطالعة أول الكتاب وآخره. وقد سألت فضيلة الدكتور عبد الرحمن العثيمين الخبير المعروف في علم المخطوطات، وأطلعته على تلك الزيادة، وكان رأيه حفظه الله كالتالي: إن نص الكتاب إلى هذه الزيادة بقلم شيخ الإسلام ﵀، وأما بقية النص المذكور إلى آخر الكتاب فقد يكون ثبت من نسخ أخرى منقولة عن مسودة المؤلف، ويدل على ذلك اتفاق منهج المؤلف من أوله إلى آخره، وموافقة ما جاء في آخر هذا الكتاب لآراء شيخ الإسلام ابن تيمية في مؤلفاته الأخرى. كما أننا نشير إلى أن الكتاب كان إملاءً -كما نصت النسخة التركية على ذلك في مقدمتها- بمعنى أن شيخ الإسلام أملاه على أحد تلامذته، أو قد يكون أملى بعضه وكتب بعضه. وأسلوب هذه الزيادة يكاد يتفق في مجمله مع أسلوب الوصية الصغرى (مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٥٣ - ٦٦٦) التي كتبها شيخ الإسلام لأبي القاسم المغربي، وهو أسلوب غير الأسلوب الذي اشتهر به ﵀ في كثير من كتبه، وقام على مقارعة الخصوم والمخالفين بالحجج القوية، والبراهين العظيمة، وعرض الآراء بأدلتها، ثم نسفها بالحق المبين وأدلته الواضحة، إذ أن أسلوبه في هذه الزيادة، وفي الوصية الصغرى يتسم بالهدوء والرفق والطمأنينة، إذ المقام مقام توجيه ونصح وتعليم، وليس مقام رد وزجر للمخالفين. وبهذه الأدلة والتوضيحات نستطيع أن نرجح مطمئنين أن هذه الزيادة من الكتاب، والله أعلم.
(٢) هنا في الحاشية عنوان (فصل ليس من الأصل) وبعده تعليق للناسخ قال فيه: (قال كاتب نسخة الأصل وهو الشيخ الإمام أبو محمد جمال الدين عبد الله الإسكندري: هذا آخر ما وجدته بخط شيخ الإسلام ﵀) وبعده كلمة كأنها (المملى) ولعلها تشير إلى هذه الزيادة ليست بخط المؤلف، ولكنها مما أملاه، لأنها مرتبطة به من حيث المعنى كما هو واضح.
(٣) هو الشيخ الإمام محي الدين يحيى بن شرف بن حسن أبو زكريا، النووي الدمشقي الشافعي، من كبار علماء الشافعية، وصاحب المصنفات المشهورة -ولو لم يكن =
[ ٥٨١ ]
القشيري أنه قال: سئل الفضيل بن عياض عن قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] قال: أخلصه وأصوبه.
قيل: ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل لا يكون مقبولًا حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على سنة رسول الله (١).
[تعريف الإخلاص]
وروي أن أبا القاسم القشيري (٢) قال: الإخلاص إفراد الحق بالطاعة
_________________
(١) = منها إلا كتابه المبارك رياض الصالحين لكفاه ذلك، نشأ محبًا للعلم شغوفًا به، حتى إنه وإن له اثنا عشر درسًا في اليوم على مشايخه، وكان ورعًا زاهدًا، كثير العبادة والتنفل، وقد ولي المعهد العريق دار الحديث الأشرفية، فقام بها أحسن قيام، وكان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر للملوك وغيرهم، كما يقول الحافظ ابن كثير -شأنه في ذلك شأن كل العلماء العاملين- ومن مصنفاته: شرح مسلم، وروضة الطالبين، والمنهاج، والمجموع شرح المهذب وصل فيه إلى أثناء الربا والإيضاح في المناسك، والتبيان في آداب حملة القرآن، وغيرها من المصنفات النافعة، مات ﵀ سنة ٦٧٦ هـ. تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٧٠)، طبقات الشافعية (٨/ ٣٨٥)، البداية والنهاية (١٣/ ٢٩٤)، شذرات الذهب (٧/ ٦١٨).
(٢) ولشيخ الإسلام ﵀ كلام في مجموع الفتاوى (٢٨/ ١٧٥) متعلق بهذا الكلام، حيث يقول: "والإسلام يجمع معنيين: أحدهما الاستسلام والانقياد، فلا يكون الرجل متكبرًا، والثاني الإخلاص. . فلا يكون الرجل مشركًا. . . والإسلام يستعمل لازمًا. . . ويتحمل متحديًا مقرونًا بالإحسان. . . ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ. . .﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ. .﴾ فقد أنكر أن يكون دين أحسن من هذا الدين، وهو إسلام الوجه لله مع الإحسان، وأخبر أن كل من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عنده ربه. . . وهذان الوصفان -وهما إسلام الوجه والإحسان- هما الأصلان المتقدمان، وهما: كون العمل خالصًا لله، صوابًا: موافقًا للسنة والشريعة. . . ولهذا كان أئمة السلف يجمعون هذين الأصلين، كقول الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال: أخلصه وأصوبه. . . ".
(٣) هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري الخرساني الشافعي الصوفي، نعته الإمام الذهبي بالإمام القدوة الأستاذ، من كبار علماء الأشاعرة، وكان عديم النظر في الوعظ والتذكير، وحج مع أبي محمد الجويني، والحافظ أبي بكر البيهقي، وجرى له مع الحنابلة خصام بسبب الاعتقاد، لأنه تعصب =
[ ٥٨٢ ]
في القصد، وهو أن العبد يريد بطلبته وجه الله دون شيء آخر، من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح، أو معنى من المعاني، سوى التقرب إلى الله ﷿.
قلت: ويصح أن يقال: الإخلاص هو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين (١).
فينبغي لمن علم علمًا أن يستعمل في علمه العدل الذي هو ميزان الأعمال، ولا ينسى حظه من الإحسان الذي به يستحق القرب والرضوان.
[مدح الإحسان وشموله لجميع الأعمال الظاهرة والباطنة]
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٢].
وقد مدح الله الإحسان، ورغب في استصحابه لجميع الأعمال القلبية والبدنية والمالية، في غير موضع في كتابه (٢).
_________________
(١) = للأشاعرة، وانتهى الأمر إلى فتنة، قتل فيها جماعة من الفريقين، وترك القشيري البلد من أجل ذلك، ثم عاد إليها فيما بعد، من مصنفاته: الرسالة القشيرية في التصوف، والتفسير الكبير، لطائف الإشارات، المنتهى في نكت أولي النهى، وغيرها من المصنفات، توفي سنة ٤٦٥ هـ عن تسعين عامًا. تاريخ بغداد (١١/ ٨٣)، الأنساب للسمعاني (٤/ ٥٠٣)، وفيات الأعيان (٣/ ٢٠٥)، الكامل (١٠/ ٨٨)، المنتظم (٨/ ٢٨٠)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٢٧)، البداية والنهاية (١٢/ ١١٤)، شذرات الذهب (٥/ ٢٧٥).
(٢) وقال المصنف في مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٤٢)، حين كان يتحدث عن الجهاد: وأعظم مراتب الإخلاص: تسليم النفس والمال للمعبود. وقد ذكر الحافظ ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين (٢/ ٩٥) تعريفات أخرى للإخلاص غير ما ذكر، منها: "قيل: التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك، وقيل: من شهد في إخلاصه الإخلاص، احتاج إخلاصه إلى إخلاص، وقيل: الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء يكون ظاهره خيرًا من باطنه. .، وقيل: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق. . ".
(٣) يقول الحافظ ابن رجب عند شرح حديث (إن الله كتب الإحسان على كل شيء)، في جامع العلوم والحكم (١/ ٣٨١ - ٣٨٢): "فهذا الحديث نص في وجوب =
[ ٥٨٣ ]
قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ البقرة: ١٩٥].
[كتب الله الإحسان على كل شيء]
فينبغي لمن علم هذه القواعد، أن يتيقن أن الله كتب الإحسان على كل شيء، كما جاء في الحديث الصحيح (١)، ومن عمل صالحًا، وأراد به عرضًا من عرض الدنيا، مع علمه بسرعة زوالها وهوانها عند العقلاء العالمين بالله لا يعد محسنًا، بل يكون متعرضًا لسخط الله.
قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [لشورى: ٢٠].
_________________
(١) = الإحسان، وقد أمر الله تعالى به، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ وقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهذا الأمر بالإحسان تارة يكون للوجوب، كالإحسان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البر والصلة، والإحسان، إلى الضيف بقدر ما يحصل به تراه على ما سبق ذكره. . وتارة يكون لندب كصدقة التطوع ونحوها. وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كل شيء بحسبه، فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب. والإحسان في ترك المحرمات: الانتهاء عنها، وترك ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ فهذا القدر من الإحسان فيها واجب. وأما الإحسان في الصبر على المقدورات، فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تسخط ولا جزع. والإحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيام بما أوجب الله من حقوق ذلك كله، والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم، القيام بواجبات الولاية كلها، والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان ليس بواجب. . ".
(٢) رواه مسلم برقم (١٩٥٥) ٣/ ١٥٤٨ كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة، والترمذي برقم (١٤٠٩) كتاب الديات، والنسائي برقم (٤٤٠٥) كتاب الضحايا، وأبو داود برقم (٢٨١٥) كتاب الضحايا، وابن ماجه برقم (٣١٧٠) كتاب الذبائح، والدارمي برقم (١٩٧٠)، وأحمد برقم (١٦٦٧٩)، ولفظ مسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته).
[ ٥٨٤ ]
وقد قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ الآية [الإسراء: ١٨].
[الإخلاص في العلم تعلمًا وتعليمًا]
وقد روى أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله، ولم يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من عرض الدنيا، لم يجد عرف (١) الجنة يوم القيامة"، رواه بأسانيد صحيحة (٢).
_________________
(١) عرف الجنة يعني: ريحها، قال في القاموس المحيط (١٠٨٠): "والعرف الريح طيبة أو منتنة، وأكثر استعماله في الطيبة".
(٢) رواه أبو داود برقم (٣٦٦٤) كتاب العلم، وابن ماجه برقم (٢٥٢) في المقدمة، وأحمد برقم (٨٢٥٢)، وابن حبان في صحيحه وصححه، وقال محققه: "حديث صحيح"، وأبو يعلى في مسنده (١١/ ٢٦٠) وقال محققه: إسناده حسن، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٨)، وقال: "هذا حديث صحيح سنده ثقات رواته على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٥/ ٣٤٦)، وكلهم من طريق فليح بن سليمان الخزاعي عن ابن طوالة عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة. قلت: فليح بن سليمان من رجال الشيخين، أكثر عنه البخاري، وأما مسلم فما روى له غير حديث الإفك، وفليح هذا تكلم فيه أهل الجرح والتعديل، قال عنه ابن معين: "ليس بالقوي، ولا يحتج بحديثه"، وكان يقشعر منه يحيى إذا ذكر عنده -كما نقلوا ذلك عنه، وقال أبو حاتم: "ليس بالقوي"، وقال النسائي: "ضعيف"، وقال في موضع آخر: "ليس بالقوي"، وقال أبو داود: "لا يحتج بفليح"، وذكره العقيلي في الضعفاء، وكذلك صنع ابن عدي في الكامل غير أنه أنصف حين قال: "ولفليح أحاديث صالحة يرويها. . . وقد اعتمده البخاري في صحيحه، وروى عنه الكثير، وهو عندي لا بأس به"، وقال الحافظ عقب ذلك: "لم يعتد عليه البخاري اعتماده على مالك وابن عيينة وأضرابهما، وإنما أخرج له أحاديث أكثرها في المناقب، وبعضها في الرقاق"، وقال الدارقطني: "يختلفون فيه، وليس به بأس"، وقال الساجي: "من أهل الصدق وبهم"، وقال الحاكم أبو عبد الله: "اتفاق الشيخين عليه يقوي أمره"، وقال الحافظ في التقريب: "صدوق كثير الخطأ". قلت: ما قاله الحاكم وجيه، واتفاق الشيخين عليه -خصوصًا الإمام البخاري، بل وأصحاب السنن- يرفع منزلته في الرواية ولا شك، غير أن من منهج الشيخين في الصحيحين، كما هو معلوم- أنهما ينتقيان في كثير من الأحيان لبعض الرواة =
[ ٥٨٥ ]
وكذلك روى الترمذي عن كعب بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: "من تعلم العلم ليماري (١) به السفهاء، أو يكاثر به العلماء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار" (٢).
وفي رواية غير الترمذي: "فليتبوأ مقعده من النار" (٣).
_________________
(١) = الذين اخلف فيهم، وما أخرجاه في صحيحيهما هو من هذا الباب، وأما ما سوى الصحيحين فينظر فيه، وبناء على هذا فالحديث الذي ذكره المصنف حديث حسن، وقد صححه الإمام النووي في رياض الصالحين (٥٦١). وجود إسناده الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (١/ ٧٦)، وذكره الشيخ الألباني في كتابه صحيح أبو داود برقم (٣١١٢)، وصحيح ابن ماجه برقم (٢٠٤). وقد ذكر الحافظ ﵀ في الإصابة (٣/ ٥٢٧) أن ابن شاهين أخرجه من حديث روح عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الله بن معمر، وهو أبو طوالة الذي روى عنه فليح بن سليمان. قلت: عبد العزيز بن سلمة لا بأس به كما قال الحافظ في التقريب (٣٥٧). وقول المصنف: رواه بأسانيد صحيحة، لم أجد أبا داود رواه أكثر من مرة في سننه، اللهم إن كانت الكلمة: روي، فتصحفت إلى رواه الجرح والتعديل (٧/ ٨٤)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٤٦٦)، الكامل في الضعفاء (٦/ ٣٠)، الثقات (٧/ ٣٢٤)، تهذيب الكمال (٢٣/ ٣٦٧)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٥١)، تذكرة الحفاظ (١/ ٢٢٣)، تهذيب التهذيب (٨/ ٢٧٢)، تقريب التهذيب (٤٤٨)، هدي الساري (٤٣٥).
(٢) معنى تماري: تجادل، قال في الصحاح (٦/ ٢٤٩١): "ماريت الرجل أماريه مراء، إذا جادلته".
(٣) رواه الترمذي برقم (٢٦٥٤) كتاب العلم، وابن ماجه برقم (٢٥٣) في المقدمة، والدارمي برقم (٣٦٩)، وابن حبان في صحيحه برقم (٧٧) ١/ ٢٧٨، وصححه، وقال محققه: رجاله ثقات رجال الصحيح، والطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ١٠٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٨٦)، وقال العقيلي في الضعفاء (١/ ١٠٣): "وفي الباب عن جماعة من الصحابة لينة الأسانيد كلها"، وصححه الحافظ العراقي فى تخريج أحاديث الإحياء للغزالي (١/ ٧٣). والحديث صحيح الشيخ الألباني ﵀ بعض رواياته، وحسن الأخرى، ومنها ما ذكره في كتابه صحيح سنن ابن ماجه برقم (٢٠٥)، (٢٠٦)، والحديث وإن كانت غالب رواياته لا تخلو من ضعف، إلا أن له طرقًا يتقوى بها كما ذكر الشيخ في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٦٦).
(٤) لم أجد هذا اللفظ في جميع روايات الحديث التي اطلعت عليها.
[ ٥٨٦ ]
[إحسان الظن بالشيخ]
فمن الإحسان: أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم، أو يسمع عليه الحديث، لينال بذلك بركة العلم، فقد كان بعض المتقدمين إذا خرج إلى شيخه تصدق في طريقه بشيء من المال، وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه مني (١).
[من حقوق العالم على المتعلم]
وروى النواوي (٢) أن الإمام عليًا - ﵁ - قال: "من حق العالم أن تسلم على الناس عامة، وتخصه وحده بالتحية" (٣) رواه أبو داود.
واعلم رحمك الله أن من حقه أن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيدك، ولا تغمزن بعينك، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا تسارر (٤) في مجلسه، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تشبع من طول صحبته، ومن حقه أن ترد غيبته إن قدرت على ذلك (٥).
[العمل بالعلم]
ومن حق العلم لمن استعمل الإحسان فيه أن يقف عند ما يسمع ويكتب، فإذا بلغ فضيلة أخذ بحظه منها، فإن كانت نافلة عمل بها ولو مرة
_________________
(١) ذكره ابن جماعة الكناني في كتابه "تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم" (١٣٧).
(٢) يصح بإضافة الألف وحذفها، كما ذكر ذلك كثير ممن ترجم له ﵀.
(٣) لم أجد هذا الأثر عن علي - ﵁ - عند أبي داود، وإنما رواه الخطيب البغدادي في كتاب "الفقيه والمتفقه" برقم (٨٥٦) ٢/ ١٩٧، وقال محققه عادل العزازي: إسناده ضعيف، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع بين ابن الأعرابي وسهل بن هارون وبين علي بن أبي طالب - ﵁ -. وكذلك روي نحو ذلك عن الحسن - ﵁ -، وقد رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٧/ ٤١٣) عن الحسن قال: (يجب للعالم ثلاث، تخصه بالتحية، وتعمه بالسلام مع الجماعة. . . ".
(٤) من السر، والمعنى: لا تناجي أحدًا في مجلسه، الصحاح (٢/ ٦٨٤).
(٥) روى الترمذي برقم (١٩٣١) كتاب البر والصلة، وأحمد برقم (٢٦٩٩٥) عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة"، وقال الترمذي: حديث حسن، وهو كما قال، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع برقم (٦٢٦٢). وقول المصنف: واعلم رحمك الله أن من حقه أن تجلس أمامه -إلى قوله- وترد غيبته. .، هي من كلام الأثر السابق الذي رواه الخطيب عن علي - ﵁ -.
[ ٥٨٧ ]
في عمره، فقد أوصى بذلك بشر بن الحارث (١) وأخبر أن ذلك كان سبب هدايته في بدايته.
وإن كان أدبًا من آداب السنة أخذ نفسه بذلك، فقد قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ولهذا كان يقال: "من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لا يعلم" (٢)، وأن يحاسب نفسه، ويطالبها بالخشية لله والحذر والمراقبة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال عبد الله بن مسعود: "من ازداد علمًا ولم يزدد هدى، لم يزدد من الله إلا بعدًا، (٣) وهذا باب واسع.
_________________
(١) هو أبو نصر بشر بن الحارث بن عبد الرحمن المروزي البغدادي المشهور بالحافي، نعته الإمام الذهبي بشيخ الإسلام، الإمام العالم المحدث الزاهد الرباني القدوة، كان ﵀ رأسًا في الورع والزهد والإخلاص، وكان يعمل المغازل مع أخته ويبيعها، فذاك كسبه، مات ولم يتزوج، وخرج أهل بغداد في جنازته، يتقدمهم العلماء والمحدثون والفقهاء والأعيان، وقال عنه الإمام أحمد: لو كان بشر تزوج لتم أمره، مات ﵀ سنة ٢٢٧ هـ، وقد أفرد ابن الجوزي مناقبه في كتاب. حلية الأولياء (٨/ ٣٣٦)، تاريخ بغداد (٧/ ٦٧)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٦٩)، البداية والنهاية (١٠/ ٣١٠)، شذرات الذهب (٣/ ١٢٢).
(٢) ذكره أبو حامد الغزالي في الإحياء (١/ ٨٧) على أنه من حديث رسول الله - ﷺ -، وقال الحافظ العراقي مخرجًا له: "أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس وضعفه". قلت: ما ذكره الحافظ العراقي ﵀ يحتاج إلى بيان، فقد روى أبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٤) بسنده عن يحيى بن معين أن أحمد بن حنبل التقى بأحمد بن أبي الحواري فسأله أن يسمعه حكاية عن شيخه أبي سليمان الداراني، فذكر له بعض ذلك، ثم ذكر أحمد بن حنبل عن يزيد بن هارون عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - قال: من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لا يعلم، وقال أبو نعيم عقب هذا: "ذكر أحمد بن حنبل هذا الكلام عن بعض التابعين عن عيسى ابن مريم ﵇، فوهم بعض الرواة أنه ذكره عن النبي - ﷺ -، فوضع هذا الإسناد لسهولته، وقربه، وهذا الحديث لا يحتمل بهذا الإسناد عن أحمد بن حنبل".
(٣) ذكره الغزالي في الإحياء (١/ ٧٣) على أنه من حديث رسول الله - ﷺ -، وقال الحافظ العراقي في تخريجه: أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس، وحديث علي بإسناد ضعيف إلا أنه قال: زهدًا، وروى ابن حبان في روضة =
[ ٥٨٨ ]
[الإحسان في أعمال الجوارح]
وأما الإحسان في أعمال الجوارح بعد إحكام قاعدة العلم فعلى أنواع: منه فرض عين، ومنه فرض كفاية، ومنه سنة مؤكدة، ومنه فضيلة لا يسع من له عقل ومروءة أن يفوت نفسه حظها من ذلك، وذلك يختلف باختلاف الأحوال.
قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩٠] الآيات.
فصل [العارية من الإحسان]
وعلى المسلم بذل دلو يستقى به، وقدر يطبخ فيها، وفاس يحفر [بها] (١) ونحو ذلك، وهل يجب أن يبذل بأجرة المثل؟ قولان للعلماء:
فمذهب الصحابة، ومن بعدهم كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (٢) والسفيانين الثوري (٣).
_________________
(١) = العقلاء موقوفًا على الحسن: "من ازداد بالله علمًا ثم ازداد على الدّنيا حرصًا لم يزدد من الله إلا بعدًا"، وروى أبو الفتح الأزدي في الضعفاء من حديث علي: "من ازداد بالله علمًا ثم ازداد للدنيا حبًا ازداد الله عليه غضبًا"، وكلها أحاديث ضعيفة، وبعضها لا أصل لها، ولعل الموقوف هو الأصح، ولكني لم أجد هذا الأثر عن ابن مسعود فيما بحثت فيه من مصادر.
(٢) كتب في نسخة الأصل: "بها"، ثم شطب عليها وكتب: "به"، والصحيح ما شطب عليه، وأثبتناه، لأن الفأس مؤنثة، القاموس المحيط (٧٢٤).
(٣) هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه، نعته الذهبي بالإمام الكبير، وشيخ المشرق، سيد الحفاظ، من كبار أئمة الحديث والسنة، كان أقوى الناس حفظًا، وقد كان مع حفظه إمامًا في التفسير، رأسًا في الفقه، من أئمة الاجتهاد، وهو من العلماء الذين دفنوا كتبهم -وعلل الذهبي ذلك، لأنهم كانوا لا يرون نقل العلم وجادة، وهو شيخ الإمام البخاري، وأحد الأسباب الباعثة له على تصنيف كتابه المبارك الصحيح، فلعل الإمام ابن راهويه ينال أجر هذا الكتاب العظيم إن شاء الله، توفي إسحاق بنيسابور سنة ٢٣٨ هـ. الجرح والتعديل (٢/ ٢٠٩)، حلية الأولياء (٩/ ٢٣٤)، تاريخ بغداد (٦/ ٣٤٥)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٥٨)، البداية والنهاية (١٠/ ٣٣٣)، شذرات الذهب (٣/ ١٧٢).
(٤) هو أمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الله سفيان بن مسروق الثوري الكوفي =
[ ٥٨٩ ]
وابن عيينة (١) والليث بن سعد (٢) والأوزاعي (٣)،
_________________
(١) = المجتهد مصنف كتاب الجامع، قال عنه الذهبي: شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، يل إنه أخذ العلم والحديث عن ست مئة شيخ، وذكر الحافظ الذهبي منهم أكثر من ثلاثمائة شيخ، كان غاية في الزهد والورع، رأسًا في الحفظ والحديث والفقه، لا يخاف في الله لومة لائم، ينكر على الملوك، ولا يرى الخروج عليهم أصلًا، وأقام زمنًا مختفيًا عن أعين السلطان، وكان ذا مكانة في قلوب العلماء والخلق، حتى قال عنه الإمام أحمد: لا يتقدمه في قلبي أحد، وقد أوصى ﵀ أن تدفن كتبه، وكان صاحب مذهب حتى القرن الرابع، مات سنة ١٦١ هـ. الجرح والتعديل (٤/ ٢٢٢)، حلية الأولياء (٦/ ٣٥٦)، تاريخ بغداد (٩/ ١٥٢)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٢٩)، تذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٣)، البداية والنهاية (١٠/ ١٣٧)، شذرات الذهب (٢/ ٢٧١).
(٢) هو أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عصران ميمون الهلالي ولاء، نعته الذهبي بالإمام الكبير، حافظ العصر، شيخ الإسلام، وإن من أئمة الحديث، وسادات المسلمين، أدرك ستة وثمانين من التابعين، وذكر أنه حجّ اثنتين وسبعين حجة، وهو من أقران سمان الثوري والليث بن سعد وابن المبارك وغيرهم، توفي سنة ١٩٦ هـ بمكة المكرمة. الجرح والتعديل (٤/ ٢٢٥)، حلية الأولياء (٧/ ٢٧٠)، تاريخ بغداد (٩/ ١٧٤)، سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٥٤)، ميزان الاعتدال (٢/ ١٧٠)، البداية والنهاية (١٠/ ٢٥٥)، شذرات الذهب (٢/ ٤٦٦).
(٣) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي بالولاء أبو الحارث، نعته الذهبي بالإمام الحافظ شيخ الإسلام وعالم الديار المصرية، كان ذا كلمة مسموعة عند ولاة الأمر في زمانه، كان سخيًا كريمًا جوادًا، بلغ الغاية في ذلك، وصاحب دخل من المال عظيم، وما وجبت عليه فيه زكاة كما ذكر، لأنه كان ينفقه في القربات والخيرات، وصلة العلماء والمحدثين، بل ربما تحمل شيئًا من الدين، وكان من كبار الفقهاء، وقد استقل بالفتوى في زمانه، حتى نال من قال من العلماء: إنه أفقه من مالك، ولكن ضيعه أصحابه -أي لم يحملوا علمه من بعده- ولم ير له نظير في البذل والجود اللهم إن كان ابن المبارك، ومات الليث سنة ١٧٥ هـ بمصر. الجرح والتعديل (٧/ ١٧٩)، حلية الأولياء (٧/ ٣١٨)، تاريخ بغداد (١٣/ ٣)، الأنساب للسمعاني (٤/ ٤١٣)، سير أعلام النبلاء (٨/ ١٣٦)، البداية والنهاية (١٠/ ١٧١)، شذرات الذهب (٢/ ١٣٩).
(٤) هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي نسبة إلى محلة الأوزاع =
[ ٥٩٠ ]
وحماد بن سلمة (١)، ومكحول (٢)، أن بذله حق على المسلم يجب مجانًا كما دل عليه الكتاب والسنة.
قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧] (٣).
_________________
(١) = بدمشق، نعته الذهبي بشيخ الإسلام وعالم أهل الشام، جمع بين العبادة والعلم والقول بالحق، وكان رجل عامة يسير في نفعهم، أديبًا بارعًا في الكتابة والإنشاء والترسل، وكان له مذهب فقهي مستقل مشهور، عمل به فقهاء الشام مدة، وفقهاء الأندلس ثم فني، وهو أول من دون العلم بالشام، وله موقف عظيم مع عبد الله بن علي -عم السفاح- حين استولى على بلاد الشام، وقتل من أهلها خلقًا لا يحصون -خصوصًا بني أمية- واستفتاه في دمائهم وأموالهم، فأفتاه على غير هواه، فأنجاه الله بإخلاصه وقوله كلمة الحق، مات في بيروت بعد أن أقام فيها مرابطًا في سبيل الله سنة ١٥٧ هـ. الجرح والتعديل (٥/ ٢٦٦)، حلية الأولياء (٦/ ١٣٥)، الأنساب للسمعاني (١/ ٢٢٧)، سير أعلام النبلاء (٧/ ١٠٧)، البداية والنهاية (١٠/ ١١٨)، شذرات الذهب (٢/ ٢٥٦).
(٢) هو حماد بن سلمة بن دينار، قال عنه الذهبي: الإمام القدوة شيخ الإسلام، كان بحرًا من بحور العلم، وإمامًا في الحديث والعربية والفقه، صاحب تصانيف، كثير العبادة والذكر، يظهر السنة، وينتصر لها، شديدًا على المبتدعة، وضعف حفظه في آخر عمره، ومات وهو يصلي في المسجد سنة ١٦٧ هـ. الجرح والتعديل (٣/ ١٤٠)، حلية الأولياء (٦/ ٢٤٩)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٤٤)، ميزان الاعتدال (١/ ٥٩٠)، البداية والنهاية (١٠/ ١٥٤)، شذرات الذهب (٢/ ٢٩٦).
(٣) هو مكحول بن أبي مسلم شهرزاب بن شاذل الدمشقي، عالم أهل الشام، من فقهاء التابعين، أرسل عن النبي - ﷺ - أحاديث، وعن عدة من أصحاب النبي - ﷺ - لم يدركهم كأبي هريرة وأبي بن كعب وعبادة بن الصامت، وروى عن أبي أمامة الباهلي وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك، وعداده في أوساط التابعين، وكان من أئمة الفتيا، وقد اختلف في سنة وفاته، وأقربها ما ذكر أنها سنة ١١٣ هـ. الجرح والتعديل (٧/ ٤٠٨)، حلية الأولياء (٥/ ١٧٧)، سير أعلام النبلاء (٥/ ١٥٥)، البداية والنهاية (٩/ ٣١٧)، شذرات الذهب (٢/ ٦٦).
(٤) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٥٩)، والماعون هو "اسم لما يتعاوزه الناس بينهم، من الدلو والفأس والقدر، وما لا يمنع كالماء والملح" فتح القدير (٥/ ٥٠٠)، وانظر الصحاح (٦/ ٢٢٠٤)، =
[ ٥٩١ ]
وفي السنن عن ابن مسعود - ﵁ -: (كنا نعد ذلك على عهد النبي - ﷺ - عارية، الدلو والقدر والفأس و[نحوهن (١)]) (٢).
وفي الصحيح مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - لما ذكر الخيل قال: (هي لرجل أجر، ولرجل ستر، فأما الذي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، فشبعها وريها وبولها وروثها حسنات، وأما الذي هي له ستر، فرجل ربطها تعففًا وتغنيًا، فهو يرى حق الله في بطونها وظهورها) (٣).
_________________
(١) = وقال المصنف في رسالة الحسبة (٢٨/ ٩٨): "والصحيح وجوب بذل ذلك مجانًا إذا كان صاحبها مستغنيًا عن تلك المنفعة وعوضها كما دل عليه الكتاب والسنة". وقال ابن قدامة في المغني (٥/ ٣٥٤): "وأجمع المسلمون على جواز العارية واستحبابها، . . إذا ثبت هذا فإن العارية مندوب إليها وليست بواجب في قول أكثر أهل العلم، وقيل هي واجبة للآية. . . "، وكلاهما روايتان عن أحمد، واختار المصنف الثانية. وقال الإمام الشوكاني في الدراري المضية (ص ٢٨٩): "وأما كونه لا يجوز منع الماعون كالدلو والقدر، فلحديث ابن مسعود قال: "كنا نعد على عهد رسول الله - ﷺ - عارية الدلو والقدر"، أخرجه أبو داود، وحسنه المنذري. . ". وقد أفاض العلامة الشيخ عطية بن محمد سالم ﵀ في تتمته لأضواء البيان (٩/ ٥٥٤) في ذكر الخلاف في حكم العارية، وأن فيها أقوالًا ثلاثة: فقيل: جائز، وقيل: بل واجب، وقيل: مستحب، وقال بعد ذلك: "فتحصل من هذا أن العارية مستحبة شرعًا ومروءة عرفًا في حالة الاختيار، وواجبة في حالة الاضطرار، مع ملاحظة أن حالات الاستعارة أغلبها اضطرار، إلا أن حالات الاضطرار تتفاوت ظروفها". ومن تدبر الأمر رأى وجاهة ما ذهب إليه المصنف والشوكاني، وهو ما يقويه قول الشيخ عطية بن محمد سالم.
(٢) فى نسخة الأصل: "ونحوهم"، واستبدلناها بالكلمة المثبتة أعلاه.
(٣) رواه بنحو أبو داود برقم (١٦٧٥) كتاب، والنسائي في السنن الكبرى (٦/ ٥٢٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٢٠٧)، والبيهقي في سننه (٤/ ١٨٣)، وقال الحافظ في الفتح (٨/ ٨٣١): "إسناده صحيح"، وقال عنه الشيخ الألباني: حديث حسن، في كتابه صحيح سنن أبي داود برقم (١٤٥٩).
(٤) رواه البخاري برقم (٢٣٧١) كتاب المساقاة باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار، ومسلم برقم (٩٨٧) ٢/ ٦٨٥ كتاب الزكاة باب إثم مانع الزكاة، والترمذي برقم (١٦٣٦) كتاب فضائل الجهاد، والنسائي برقم (٣٥٦٢) كتاب =
[ ٥٩٢ ]
وفي الصحيح خرجه البخاري مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: "ومن حق الإبل إعارة ذكرها، وإطراق فحلها (١) " (٢).
فلا يمنع المعروف من الناس بطلب الأجرة على مثل هذه الأشياء، فإن الله يأمر بالعدل والإحسان.
ولو طلب أن يجري ماؤه في أرض غيره من غير إضرار بصاحب الأرض، هل يجبر على ذلك؟ على قولين للعلماء.
والمختار في ذلك ما قد روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - إذ قال للممتنع: (والله لنجرينها ولو على بطنك) (٣).
وقد نقل عن غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ - أن زكاة الحلي عاريته بغير أجرة (٤).
_________________
(١) = الخيل، وابن ماجه برقم (٢٧٨٨) كتاب الجهاد، ومالك برقم (٩٧٥) كتاب الجهاد، وأحمد برقم (٧٥٠٩).
(٢) قال في الصحاح (٤/ ١٥١٤) والقاموس المحيط (ص ١١٦٦): "الطرق: ماء الفحل".
(٣) لم أجده في البخاري، وإنما هو في مسلم رواه برقم (٩٨٨) كتاب الزكاة باب إثم مانع الزكاة، والنسائي برقم (٢٤٥٤) كتاب الزكاة، والدارمي برقم (١٦١٦) كتاب الزكاة، وأحمد برقم (١٤٠٣٣).
(٤) رواه مالك برقم (١٤٣١) كتاب الأقضية، والشافعي في مسنده (٢٢٤)، والبيهقي في سننه (٦/ ١٥٧) وفيه: "أن الضحاك بن خليفة ساق خليجًا له من العريض، فأراد أن يمره في أرض محمد بن مسلمة، فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا محمد بن سلمة فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد بن مسلمة: لا، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع، تشرب به أولًا وآخرًا ولا يضرك؟ فقال محمد: لا، فقال عمر: لم تمنع؟ والله ليمرن به ولو على بطنك". وقال البيهقي: هذا مرسل بمعناه، رواه أيضًا يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو أيضًا مرسل، وقد روي في معناه حديث مرفوع. وقال الحافظ في الفتح (٥/ ١١٢): "ورواه عن مالك بسند صحيح" يعني الشافعي. وقال في الإصابة (٢/ ٢٠٥) في ترجمة الضحاك - ﵁ -: "وهو الذي تنازع هو ومحمد بن مسلمة في الساقية، فترافعا إلى عمر، فقال لمحمد: ليمرن بها ولو على بطنك".
(٥) روى البيهقي في سننه (٤/ ١٤٠) عن ابن عمر قال: "زكاة الحلي عارية"، وروي =
[ ٥٩٣ ]
وبذل هذه الأشياء يستحب تارة، ويجب أخرى بحسب الحاجة إليها، وكذلك بذل منافع البدن يجب تارة، فلا يحل منعها، كنصر المظلوم باللسان وباليد.
[من الإحسان بذل منافع البدن]
كما يجب بذل العلم، وإفتاء الناس، وتعليم الأمي ما وجب عليه، والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، وغير ذلك من منافع الأبدان.
_________________
(١) = من حديث جابر أيضًا، وضعفه الحافظ في تلخيص الحبير (٢/ ١٧٨). وقد اختلف أهل العلم في زكاة الحلي على قولين مشهورين: أحدهما: أنه لا زكاة يه، وهو مذهب المالكية والحنابلة والمعتمد عند الشافعية. الثاني: وجوب الزكاة يه، وذهب إليه الحنفية والشافعي في القول الآخر في الجديد. يقول المصنف في رسالة الحسبة (٢٨/ ٩٩): "ومذهب غير واحد من الصحابة والتابعين أن زكاة الحلي عاريته، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره". ويقول في موضع آخر (١٦/ ٢٥): "وأما الحلي فإن كان للنساء فلا زكاة فيه عند مالك والليث والشافعي وأحمد وأبي عبيد، وروي ذلك عن عائشة وأسماء وابن عمر وأنس وجابر - ﵃ - وعن جماعة من التابعين، وقيل: فيه الزكاة، وهو مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري والأوزاعي. . . ". قلت: لكل من الفريقين أدلته، وليس هذا مكان إيرادها وتفصيلها، والمصنف بقوله هذا يميل إلى القول الأول، ولكن إن أخرجها الإنسان فهو الأحوط والأبرأ للذمة، لأن المسألة خلافية، فمن أخرجها فقد سقط عنه الإثم عند من يقول بالوجوب، ولا شيء عليه عند من لم يوجبها، لكن لا يطالب المرء بإخراج زكاة السنن الماضية لجهله بالحكم. وممن اختار القول بوجوب الزكاة في حلي المرأة من المعاصرين سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز -مفتي عام المملكة العربية السعودية السابق- يرحمه الله، وفضيلة العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين يرحمه الله، وللشيخ العلامة عبد الله البسام رسالة مطبوعة في تلك المسألة استقصى فيها أطرافها، ورجح القول بعدم وجوب الزكاة. . . لكن ما الحال في المرأة التي لا تخرج زكاة حليها ولا تعيره لمحتاجة من النساء تطلبه لتستعمله في يوم نكاح أو عبد أو غير ذلك؟ وما الشأن في المرأة التي تستكثر من اتخاذ الحلي كوسيلة لحفظ المال لنوائب الدهر كما تقول؟ انظر: حاشية ابن عابدين (٢/ ٣٠)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٦٠)، المجموع (٦/ ٣٥)، المغني (٣/ ١٣)، كشاف القناع (٢/ ٢٣٥).
[ ٥٩٤ ]
فإذا تقرر هذا، فلأن لا يمنع منافع الأقوال (المضرة بها) (١) غيره أولى.
وقد قال تعالى: ﴿. . . وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ. . . وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا. . .﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٢).
[الخلاف في أخذ الأجرة على الشهادة]
وللعلماء في أخذ الأجرة على النهاية أربعة أقوال: أشهرها أنها حلال عند الحاجة، وقيل تؤخذ حلالًا إن لم يتعين المحتاج، ولغير محتاج.
ووجه هذا أيضًا أنها يجوز تعيينها، ولا يكره تناولها بحال، والمنصوص عليه أنه من أخذ عند الإشهاد، لم يأخذ شيئًا عند الأداء، وعلى الجملة فإنهم يكرمون، لأن الله بهم حفظ الحقوق، وأقام الحدود، وصان بهم الفروج والأنساب (٣).
_________________
(١) هكذا في نسخة الأصل، ولم يتبين لي المراد بها، وقد يمكن الاستغناء عن قوله: المضرة بها، ولعل المعنى يقصد منافع الأقوال التي لو امتنع عنها لألحقت ضررًا بمن يحتاجونها، والله أعلم.
(٢) وننبه إلى أن هذا الجزء من الآية الكريمة: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ. . .﴾ وقد ورد في نسخة الأصل قبل الجزء: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا. . .﴾، وقد تم تعديل ذلك حب الآية الكريمة.
(٣) قال المصنف في رسالة الحسبة (٢٨/ ٩٩): "وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال، هي أربعة أوجه في مذهب أحمد وغيره: أحدها: أنه لا يجوز مطلقًا، والثاني: لا يجوز إلا عند الحاجة، والثالث: يجوز إلا أن يتعين عليه، والرابع: يجوز، فإن أخذ أجرًا عند العمل (هكذا في مجموع الفتاوى ولعل الأصح: التحمل) لم يأخذ عبد الأداء، وهذه المسائل لبسطها مواضع أخر". قلت: ولم أجد بعد بحث أن المؤلف تكلم عن هذه المسألة إلا في هذا الكتاب الذي وفقنا الله للقيام بتحقيقه، فقد تكلم فيها المصنف أكثر من كلامه عليها في رسالة الحسبة. وذهب ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٣٣٨) والقرطبي في تفسيره (٣/ ٣٦١) إلى أنه يجوز للإمام أن يقيم للناس شهودًا، ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم، فلا يكون لهم شغل إلا تحمل حقوق الناس حفظًا لها، وإن لم يكن ذلك ضاعت الحقوق، وبطلت. . وجمهور العلماء على أن تحمل الشهادة مندوب، وأداءها فرض. حاشية الدسوقي (٤/ ١٩٩)، المغني (١٢/ ٩)، الإنصاف (١٢/ ٦).
[ ٥٩٥ ]
ومن ذلك أن الناس يحتاجون إلى الصناعات، كالفلاحة، والبناية، والنساجة، إذ لا تتم أمورهم إلا بأقوات ومساكن ولباس ونحو ذلك، فإذا لم يجب لهم من المصالح ما لا بد لهم منه أضر بهم ذلك.
[الصناعات والتجارات والزراعات من فروض الكفاية]
فإن المسلمين لم يكن لهم بالمدينة إلا ما يجلب من الثياب، فكانوا يجلبون من اليمن ومن الشام ومصر، وأهل تلك الأمصار كفار، فكانوا يلبسون ما جاءهم من ذلك ولا يغسلونه، ويأكلون ما جاءهم من طعام ودهن ونحوه، ولا يتحرجون في شيء من ذلك، فحاجة الناس إلى خبز يخبز، وطعام يصنع، أكثر من حاجتهم إلى ثياب تلبس، وحاجتهم إلى بيوت يسكنونها، أعظم من القسمين الأولين.
فلذلك ذهب جماعة من الأئمة كمالك، والأوزاعي، وسفيان، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وبه قال أبو حامد الغزالي (١) وأبو الفرج بن الجوزي (٢)،
_________________
(١) هو محمد بن محمد بن محمد الطوسي أحد الأعلام، من كبار المتصوفة في عصره، ومن أئمة الأشاعرة، قال عنه الذهبي: "الإمام البحر، حجة الإسلام، أعجوبة الزمان"، من كبار أئمة الشافعية، تتلمذ على يد إمام الحرمين، وولاه نظام الملك الوزير السلجوقي المشهور مدرسته العريقة النظامية ببغداد، ثم إنه تصوف، وترك ذلك بالكلية، له مصنفات كثيرة متداولة، من أهمها: إحياء علوم الدين، وقد ذمه طائفة من أهل العلم، وقال فيه الذهبي: "أما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير، لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية"، ومن مصنفاته: المستصفى في أصول الفقه، وإلجام العوام عن علم الكلام، والرد على الباطنية، ومقاصد الفلاسفة، وتهافت الفلاسفة، وغيرها، مات أبو حامد بطوس سنة ٥٠٥ هـ. الكامل (١٠/ ٤٩١)، المنتظم (٩/ ١٦٨)، وفيات الأعيان (٤/ ٢١٦)، سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٢)، طبقات الشافعية للسبكي (٦/ ١٩)، البداية والنهاية (١٢/ ١٨٦)، شذرات الذهب (٦/ ١٨).
(٢) هو جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي التيمي البكري البغدادي، ينتهي نسبه إلى القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق - ﵁ -، وذكر هو أنه منسوب إلى محلة الجوز بالبصرة، من كبار علماء الحنابلة، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة في جميع الفنون، من التفسير والحديث والفقه والزهد والوعظ والأخبار والتاريخ والطب وغير ذلك، نعته الذهبي بقوله: الشيخ الإمام العلامة الحافظ المفسر شيخ الإسلام مفخر العراق =
[ ٥٩٦ ]
أن هذه الصنائع فرض كفاية (١)، فإنه لا تتم المصالح بين الناس بدون ذلك، كالجهاد، وطلب العلم الشرعي الذي يجب على كل أحد أن يتعلم ما يجب عليه من ذلك، فإن هذا شيء مبني على الأعيان، وكل من وجبت عليه الصلاة كان عليه أن يتعلم ما يتيقن به سقوط الفرض عنه، وكذلك في سافر العبادات المشروعة.
قال - ﷺ - في الصحيح عنه: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (٢)،
_________________
(١) = اشتهر بالوعظ وهو دون العشرين، وهو حامل لواء الوعظ بين علماء الأمة بلا مدافع، وكاد مجلس وعظه حافلًا هائلًا، يجتمع فيه في أقل الأحوال عشرة آلاف، وقد يزيدون فيبلغون أكثر من ذلك بكثير، وكان يحضر مجلس وعظه الخلفاء والملوك والوزراء والأمراء والعلماء والفقراء وسائر أصناف الناس، يقول عنه المصنف في أجوبته المصرية: "كان الشيخ أبو الفرج مفتيًا كثير التصنيف والتأليف، وله مصنفات في أمور كثيرة، حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألف مصنف، ورأيت بعد ذلك ما لم أره"، وقال عنه الذهبي: ما علمت أن أحدًا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل، وذكر أكثر أهل العلم أن له أكثر من ثلاثمائة مصنف، منها زاد المسير في التفسير، وجامع المسانيد، والمنتظم في التاريخ، والأحاديث الموضوعة، والعلل المتناهية، وصيد الخاطر، وصفة الصفوة، وتلبيس إبليس، وساق الذهبي وابن رجب جملة وافرة منها، وقد نقم عليه ﵀ ميله في بعض المسائل إلى التأويل، وتأثره بأبي الوفا ابن عقيل، ومات ﵀ سنة ٥٩٧ هـ عن سبعة وثمانين عامًا. وفيات الأعيان (٣/ ١٤٠)، مرآة الجنان (٨/ ٤٨١)، مجموع الفتاوى (٥/ ٤٠٠)، سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٥)، العبر (٤/ ٢٩٨)، البداية والنهاية (١٣/ ٣)، ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٣٩٩)، شذرات الذهب (٦/ ٥٧٣).
(٢) يقول الغزالي ﵀ في إحياء علوم الدين (١/ ٢٧): "وأما فرض الكفاية فهو علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما، وهي العلوم التي لو خلا البد عمن يقوم بها حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى، وسقط الفرض عن الآخرين، فلا بتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفايات، فإن أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفايات، كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل والحجامة والخياطة. . ". وقد ذكر المصنف كلامًا قريبًا من ذلك في مجموع الفتاوى (٤/ ١١٤)، وكذلك في رسالة الحسبة (٢٨/ ٨٠).
(٣) روى البخاري برقم (٧١) كتاب العلم باب، ومسلم برقم (١٠٣٧) كتاب الزكاة =
[ ٥٩٧ ]
فكل من أراد الله به خيرًا يفقهه في الدين، فمن لم يفقهه في الدين ليس كذلك.
والدين هو ما بعث الله به رسوله، وهو ما يجب على المرء تصديقه فيه، والعمل به، وعلى كل أحد أن يصدق محمدًا - ﷺ - فيما أخبر به تصديقًا عامًا، ويطيعه فيما أمر طاعة عامة، وإذا ثبت عنه خبر كان عليه أن يصدقه به تصديقًا مفصلًا، فإن كان مأمورًا فيه بأمر كان عليه أن يطيعه طاعة مفصلة. وكذلك غسل الموتى، وتكفينهم، والصلاة عليهم، وهو من فروض الكفاية.
[فروض الكفاية]
وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، وكذلك الولايات الدينية مثل إمرة المؤمنين وما دونها، من وزارة وديونة (١)، سواء (٢) كانت كتابة خطاب، أو حساب، أو مقبوض، أو مصروف، من أرزاق المقاتلة، وغيرهم من إمرة حرب، وقضاء، وحسبة، فقد كان - ﷺ - يتولى الأحكام، والفتاوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود.
[قيامه ﵊ بالولايات الدينية]
وكان ﵇ يقوم بكل ما يتعلق بالولايات الدينية، ويولي ما بعد عنه، كما ولى مكة عتاب بن أسيد (٣)، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص (٤)،
_________________
(١) = باب، والترمذي برقم (٢٦٤٥) كتاب العلم، وابن ماجه برقم (٢٢٠) في المقدمة، ومالك برقم (٩٦٦٧) كتاب الجامع، والدارمي برقم (٣٣٤) في المقدمة، وأحمد برقم (٢٧٨٦)، والحديث من رواية معاوية - ﵁ - في الصحيحين، ومن رواية أبي هريرة وابن عباس في غيرهما.
(٢) ديونة: تعني الديوان والدواوين، قال في الصحاح (٥/ ٢١١٥): "الديوان أصله دوان، فعوض من إحدى الواوين، لأنه يجمع على دواوين، ولو كانت الياء أصلية لقالوا دياوين"، وقال في القاموس (١٥٤٥): "الديوان مجتمع الصحف، والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية، وأول من وضعه عمر رضي الله تعالى عنه".
(٣) في نسخة الأصل: "سواء أن".
(٤) انظر: تاريخ ابن جرير (٢/ ١٦٧)، زاد المعاد (١/ ١٢٥).
(٥) انظر: تاريخ ابن جرير (٢/ ١٨٠).
[ ٥٩٨ ]
وبعث عليًا ومعاذًا وأبا موسى الأشعري إلى اليمن (١).
وكذلك كان يؤمر على السرايا، ويبعث على الصدقة السعاة يجبون الأموال الزكواتية (٢)، يأخذونها ممن هي عليه، ويدفعونها إلى مستحقيها الذين سماهم الله في القرآن (٣)، فيرجع الساعي إلى المدينة ليس معه إلا سوطه.
وكان ﵇ يحاسب العمال ويستوثق، ويحاسبهم على المستخرج والمصروف (٤).
كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي: (أن النبي - ﷺ - استعمل رجلًا من الأسد (٥) على الصدقة، فلما رجع حاسبه، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي! ! . .) الحديث، وفيه: "من استعملناه على عمل، فكتمنا مخيطًا فما فوقه، كان غلولًا يأتي به يوم القيامة -وفيه نشير بأصبعه نحو السماء- اللهم هل بلغت مرتين" (٦).
_________________
(١) انظر: تاريخ ابن جرير (٢/ ١٩٧، ٢٤٧)، وذكر الحافظ ابن القيم ﵀ في الزاد (١/ ١٢٥) أن النبي - ﷺ - ولى أبا موسى الأشعري على زبيد وعدن والساحل، وولى علي بن أبي طالب على الأخماس والقضاء بها، وولى معاذ بن جل الجند.
(٢) في رسالة الحسبة (٢٨/ ٨١): الزكوية.
(٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].
(٤) يعني المصنف بالمستخرج: أي بالزكاة المستخرجة والمتحصلة من أربابها، والمصروف: فيمن أعطت لهم وصرفت عليهم.
(٥) في رسالة الحسبة (٢٨/ ٨١): الأزد، وقد جاء اللفظان في روايات الحديث، وفي صحيح مسلم: الأسد موافق لما رود في نسخة الأصل. والأزد والأسد: اسم لقبيلة مشهورة، تنسب إلى أزد بن غوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان، منها أزد سنوءة، وأزد السراة، وأزد عمان، والأوس والخزرج. جمهرة الأنساب لابن حزم (٤٥٨)، الأنساب للسمعاني (١/ ١٣٨).
(٦) رواه البخاري برقم (٦٩٧٩) كتاب الحيل باب احتيال العامل ليهدى له، ومسلم برقم (١٨٣٢) كتاب الإمارة باب تحريم هدايا العمال، وأبو داود برقم (٢٩٤٦) =
[ ٥٩٩ ]
[متى تصبح فروض الكفاية فروض أعيان؟]
والمقصود هنا أن هذه الأعمال التي هي فرض كفاية متى وقعت الضرورات إلى شيء منها تعينت، وصارت من الواجبات، لا سيما إن كان الذي تلجئ الضرورة إليه غير عاجز عن القيام بالقدر المطلوب من ذلك.
فإذا كان الناس يحتاجون إلى نساجة قوم، أو فلاحتهم، صار ذلك العمل واجبًا عليهم، يجبرهم ولي الأمر عليه، فإذا قاموا بما وجب عليهم من الفلاحة، وجب عليه منهم أن يظلموا، ولا يمكن الجند من انتقاصهم من حقهم، فإن الجند لا بد لهم من الفلاحين، فيلزمون أن لا يمنعوا الفلاح حقه، كما أنهم يلزمون أن يقوموا بالفلاحة.
[جواز المزارعة]
والمزارعة (١) صحيحة ماضية، وهي عمل المسلمين على عهد نبيهم، وخلفائه الراشدين، وعليها عمل آل أبي بكر، وآل عمر، وآل عثمان، وآل علي - ﵃ -، وهو مذهب عامة المهاجرين والأنصار، وهو قول أكابر
_________________
(١) = كتاب الخراج والإمارة والفيء، والدارمي برقم (١٦٦٩) كتاب الزكاة، وأحمد برقم (٢٣٠٧٨).
(٢) يقول الحافظ الفقيه ابن قدامة الحنبلي في المغني (٥/ ٥٨١): "المزارعة هي دفع الأرض إلى من يزرعها، أو يحمل عليها، والزرع بينهما، وهي جائزة في قول كثير من أهل العلم". وقد اختلف أهل العلم في حكمها، فذهب المالكية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن من الأحناف إلى جوازها، وذهب أبو حنيفة إلى عدم جوازها مطلقًا، وأما الشافعية فأجازوها في الأرض ذات الشجر، ومنعوها في الأرض البيضاء. حاشية الدسوقي (٣/ ٣٧٢)، كشاف القناع (٣/ ٥٣٢)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٢٧٥)، روضة الطالبين (٥/ ١٦٨)، وقد نصر المصنف القول بجوازها في مواضع كثيرة، وأطال في الاستدلال على جوازها، ومن هذه المواضع في مجموع الفتاوى: (٢٥/ ٦٠ - ٦٢) (٢٩/ ٨٨ - ٩٠)، (٣٠/ ١٢١ - ١٢٥). يقول الحافظ ابن القيم الجوزية ﵀ في زاد المعاد (٣/ ٣٤٥) في بعض أحكام غزوة خيبر الفقهية: "ومنها جواز المساقاة والمزارعة بجزء مما يخرج من الأرض من ثمر أو زرع، كما عامل رسول الله - ﷺ - أهل خيبر على ذلك، واستمر ذلك إلى حين وفاته لم ينسخ البتة، واستمر عمل خلفائه الراشدين عليه، وليس هذا من باب المؤاجرة في شيء، بل من باب المشاركة، وهو نظير المقاربة سواء، فمن أباح المضاربة، وحرم ذلك، فقد فرق بين متماثلين".
[ ٦٠٠ ]
الصحابة، كابن مسعود وأمثاله، وهو مذهب علماء الحديث، كأحمد، وإسحاق، وأبي بكر بن المنذر (١)، والليث بن سعد، وابن أبي ليلى (٢)، وأبي يوسف (٣)، ومحمد (٤)، وغيرهم من فقهاء المسلمين، كان النبي - ﷺ -
_________________
(١) هو الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري الفقيه نزيل مكة -كما قال الذهبي-، وكان يلقب بشيخ الحرم وفقيه مكة، من الأئمة المجتهدين، والشافعية يعتبرونه أحد أكابر علمائهم، ومصنفاته في الخلاف لم يسبق إليها، صاحب التصانيف النافعة، ومنها: السنن، اختلاف العلماء، المبسوط، الأوسط، الإشراف على مذاهب العلماء، الإقناع، الإجماع، اختلف في تاريخ وفاته على أقوال، أقربها أنها كانت في سنة ٣١٨ هـ. مرآة الجنان (٢/ ٢٦١)، وفيات الأعيان (٤/ ٢٠٧)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤٩٠)، ميزان الاعتدال (٣/ ٤٥٠)، طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ١٠٢)، لسان الميزان (٥/ ٢٠٧)، شذرات الذهب (٤/ ٨٩).
(٢) هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال عنه الذهبي: العلامة الإمام مفتي الكوفة وقاضيها، أبو عبد الرحمن الأنصاري الكوفي، مات أبوه وهو صبي، وحدث عنه شعبة والثوري وابن عيينة، وكان نظيرًا للإمام أبي حنيفة في الفقه، ولكنه كان سيء الحفظ في الحديث، مات سنة ١٤٨ هـ. التاريخ الكبير (١/ ١٦٢)، سير أعلام النبلاء (٦/ ٣١٠)، ميزان الاعتدال (٣/ ٦١٣)، البداية والنهاية (١٠/ ١٠٨)، شذرات الذهب (٢/ ٢٢٢).
(٣) هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبب البجلي نسبًا الأنصاري حلفًا الكوفي الصلاة، قال عنه الذهبي: "هو الإمام المجتهد العلامة المحدث، قاضي القضاة"، وهو أول من لقب بقاضي القضاة، وكان يقال له: قاضي قضاة الدنيا، روى عن هشام بن عروة ويحيى بن سعيد الأنصاري، ولزم أبا حنيفة وتفقه به، وهو أكبر أصحابه وأنبل تلامذته، وحدث عنه جميع من المحدثين، ومنهم يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهما، وكان أكثر أصحاب أبي حنيفة ميلًا إلى الحديث، وكان الخليفة العباسي الرشيد يبالغ في إجلاله وإكرامه، مات أبو يوسف سنة ١٨٢ هـ. الجرح والتعديل (٩/ ٢٠١)، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٤٢)، الأنساب للسمعاني (١/ ٢٨٤)، وفيات الأعيان (٦/ ٣٧٨) سير أعلام النبلاء (٨/ ٥٣٥)، النهاية والنهاية (١٠/ ١٨٢)، شذرات الذهب (٢/ ٣٦٧).
(٤) هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني بالولاء، قال الذهبي: "العلامة فقيه العراق صاحب أبي حنيفة، أخذ الفقه على الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف، والحديث عن الإمام مالك وروى عنه الموطأ، وروايته له من أجود الروايات، وأخذ عنه الإمام الشافعي كثيرًا، وامتدحه وبالغ في إطرائه، وقد ولي القضاء للرشيد بعد موت أبي =
[ ٦٠١ ]
عامل أهل خيبر (١) لشطر ما تخرج الأرض من ثمر وزرع (٢)، حتَّى مات الرسول - ﷺ - والأمر كذلك، وما زالوا حتَّى أجلاهم عمر بن الخطاب - ﵁ - عن خيبر، وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم، وكان -﵇- قد قال: "نقرّكم فيها ما شئنا" (٣).
[أمر النبي ﵊ بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب]
وما سمع منه قل وفاته أنَّه قال: "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب" (٤).
_________________
(١) = يوسف، وكان فصيحًا عالمًا بالعربية، ومات سنة ١٨٩ هـ. الجرح والتعديل (٧/ ٢٢٧)، تاريح بغداد (٢/ ١٧٢)، الأنساب للسمعاني (٣/ ٤٨٣)، سير أعلام النبلاء (٩/ ١٣٤)، العبر (١/ ٣٠٣)، شذرات الذهب (٢/ ٤١١).
(٢) قال الإمام الذهبي في السيرة النبوية (٢/ ٦١): "خيبر بليدة على ثمانية برد من المدينة"، وقد اختلف في سنة فتحها، قال الحافظ ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (٣/ ٣١٦): "وقال مالك: كان فتح خيبر في السنة السادسة. والجمهور على أنها في السابعة، وقطع أبو محمد بن حزم بأنها كانت في السادسة بلا شك، ولعل الخلاف مبني على أول التاريخ، هل هو شهر ربيع الأول شهر مقدمه المدينة، أو من المحرم في أول السنة. . "، وذكر الذهبي مثل هذا الجمع في السيرة النبوية (٢/ ٦١)، وحكى الخلاف قبل ذلك الحافظ البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ١٩٥)، وإلى القول بأنها كانت في السنة السابعة ذهب ابن هشام في سيرته (٢/ ٣٢٨)، وابن جرير في تاريخه (٢/ ١٣٥)، وابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ١٩٣).
(٣) رواه البخاري برقم (٢٣٢٨) كتاب المزارعة باب المزارعة بالشطر ونحوه، ومسلم برقم (١٥٥١) ٣/ ١١٨٦ كتاب المساقاة باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع، والترمذي برقم (١٣٣٠) كتاب الأحكام، وأبو داود برقم (٣٤٠٨) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢٤٦٧) كتاب الأحكام، والدارمي برقم (٢٦١٤) كتاب البيوع، وأحمد برقم (٤٦٤٩).
(٤) رواه البخاري برقم (٢٧٣٠) كتاب الشروط باب إذا اشترط في المزارعة: إذا شئت أخرجتك، وأبو داود برقم (٣٠٠٧) كتاب الخراج والإمارة والفيء، وأحمد برقم (٩١). قلت: قد أجلى عمر - ﵁ - يهود خيبر سنة عشرين للهجرة كما ذكره ابن جرير والذهبي وابن كثير، تاريخ ابن جرير (٢/ ٥١٦)، سير الخلفاء الراشدين من سير أعلام النبلاء (ص ١٢٥)، البداية والنهاية (٧/ ١٠٣).
(٥) رواه البخاري برقم (٣٠٥٣) كتاب الجهاد والسير باب هل يستشفع إلى أهل =
[ ٦٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الذمة، ومسلم برقم (١٦٣٧) ٣/ ١٢٥٦ كتاب الوصية باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، والنسائي في السنن الكبرى (٣/ ٤٣٤)، وأبو داود برقم (٣٠٢٩) كتاب الخراج والإمارة والفيء، وأحمد برقم (١٩٣٦)، وأبو يعلى في مسنده (٤/ ٢٩٨)، والبيهقي في سنه (٩/ ٢٠٧) من حديث ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - أوصى عند موته بثلاث، وذكر منها قوله - ﷺ -: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب". ورواه مسلم بلفظ آخر: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتَّى لا أدع إلا مسلمًا) عن عمر بن الخطاب - ﵁ - برقم (١٧٦٧) ٣/ ١٣٨٨ كتاب الجهاد والسير باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ورواه الترمذي برقم (١٦٠٦) كتاب السير، والنسائي في السنن الكبرى (٥/ ٢١٠)، وأبو داود برقم (٣٠٣٠) كتاب الخراج والإمارة والفيء، وأحمد برقم (١٤٣٠٦)، وابن حبان في صحيحه برقم (٣٧٥٣) ٩/ ٦٩، والحاكم (٤/ ٢٧٤)، والبيهقي في سننه (٩/ ٢٠٧). ورواه أيضًا أحمد برقم (١٧٠١)، والدارمي برقم (٢٤٩٨) كتاب السير، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ١٧٧)، والبيهقي في سننه (٩/ ٢٠٨) عن أبي عبيدة - ﵁ - قال: إن آخر ما تكلم به النبي - ﷺ - قال: "أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب"، وقد ذكره السيوطي بهذا اللفظ في الجامع الصغير، وهو في صحيح الجامع للشيخ الألباني برقم (٩٣). ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٢٥٦) عن أم سلمة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "أخرجوا اليهود عن جزيرة العرب"، ورواه ابن أبي عاصم في كتاب الآحاد والمثاني (١/ ١٨٤) باللفظ الَّذي أورده المصنف. وجزيرة العرب تعددت الأقوال في تحديدها: فقيل: هي مكة والمدينة واليمامة واليمن، وذكر البيهقي في سننه (٩/ ٢٠٨) عن الأصمعي أنها من أقصى أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام، ونقل الحافظ في الفتح (٦/ ١٧١) عن الزبير بن بكار قولًا عن ابن شهاب، ثم قال: وقال غيره: جزيرة العرب ما بين العذيب إلى حضرموت، وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي: سميت جزيرة العرب لأن بحر فارس وبحر الحبشة والفرات ودجلة أحاطت بها، وهي أرض العرب ومعدنها، ونقل السيوطي في كتابه تنوير الحوالك شرح موطأ مالك (ص ٢٥٠) قولًا لابن حبيب المالكي قريبًا من قول الأصمعى. وانظر في ذلك أيضًا: النهاية لابن الأثير (١/ ٢٦٦)، الصحاح (٣/ ٦١٣)، نصب الراية (٣/ ٤٥٤)، أحكام أهل الذمة لابن القيم (١/ ٣٧٧ - ٣٨٢).
[ ٦٠٣ ]
وقد كان أصحابه مشغولين بالجهاد، لأنهم فرض عليهم الجهاد بأموالهم وأنفسهم حتَّى كانوا يتلذذون بقولهم:
نحن الذين بايعوا محمدًا. . . على الجهاد ما بقينا أبدا (١)
فلأجل ذلك أقر اليهود على أن يعملوا ولهم شطر ما أخرجت الأرض، فإن الذين شهدوا فتح خيبر كانوا أهل بيعة الرضوان، الذين بايعوا تحت الشجرة، نحو ألف وأربع مائة، وانضم إليهم أهل سفينة جعفر (٢)، فهؤلاء الذين قسم النبي - ﷺ - فيهم خيبر، فلو أقام طائفة من هؤلاء، وهم أبطال الموحدين، وحماة المسلمين، وشغلوا بفلاحتها لتعذرت مصالح الإسلام من قبل قوم لا يقوم بها غيرهم.
_________________
(١) روى البخاري برقم (٢٨٣٤) كتاب الجهاد والسير باب الصبر عند القتال، ومسلم برقم (١٨٠٥) ٣/ ١٤٣١ كتاب الجهاد والسير باب غزوة الأحزاب وهي الخندق، وأحمد برقم (١٢٥٣٩) عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ - إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: اللهم لا عيش إلَّا عيش الآخرة. . . فاغفر للأنصار والمهاجرة فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدا. . . على الجهاد ما بقينا أبدا وجاء في بعض الروايات: قولهم: (على الإسلام) بدلًا (على الجهاد)، وجاء في بعضها الآخر أنهم هم الذين قالوا ذلك أولًا، فأجابهم النبي - ﷺ -، فلعلهم كانوا يتجاوبون بذلك، مرة يبدأ بالقول فيجيبونه، ومرة يبتدؤونه بالقول فيجيبهم، وإلى هذا المعنى أشار الحافظ -﵀- في الفتح (٧/ ٣٩٥).
(٢) خبر قدوم أصحاب السفينة وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب - ﵁ - كان بعد فتح خيبر بأيام، وقد أسهم لهم - ﷺ -، والقصة رواها البخاري برقم (٣١٣٦) كتاب فرض الخمس باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين ما سأل هوازن النبي - ﷺبرضاعه فيهم- فتحلل من المسلمين. . .، ومسلم برقم (٢٥٠٣) ٤/ ١٩٤٦ كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وأهل سفينتهم - ﵃ -، والترمذي برقم (١٥٥٩) كتاب السير، وأبو داود برقم (٢٧٢٥) كتاب الجهاد، وأحمد برقم (١٩١٣٨). وانظر في قدوم جعفر إلى ما تقدم: دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٢٤٤)، زاد المعاد (٣/ ٣٣٢)، البداية والنهاية (٤/ ٢٠٦).
[ ٦٠٤ ]
فلما كان في زمن عمر - ﵁ - كثر أهل الإسلام، وأغنى الله عن اليهود وغيرهم من الكفار فأجلوهم، وكان -﵇- قد قال قبل موته ما تقدم (١)، وعلى ما تقرر من هذه الأصول، فكما أن الجهاد واجب، فعمل آلاته وبيعها إذا اضطر إليها عند قوم تعين وجوب العمل بأجرة المثل، وبذل الآلة بثمن المثل، أو بالمشترى الأول، وما يقع عليه الرضا من الكسب، فإنه إن بذل ذلك تبرعًا كان مجاهدًا، فإن المؤمن [عليه] (٢) أن يجاهد بيده وبلسانه وبقلبه، وعليه النفقة في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وأثرة عليه، فمن عجز عن الجهاد ببدنه، لم يسقط عنه الجهاد بماله، وعكس ذلك، ومن لم يطق أن يجاهد بيده، فليس بمعذور إن ترك الجهاد بلسانه وقلبه.
وإذا كان الناس وهم أهل العلم، وأهل الجهاد، وأهل التجارة، وأصناف البيوع المباحة لا بد لهم ممن يطحن ويعجن ويخبز، كما كان أهل الإسلام بالمدينة على عهد النبي - ﷺ -، فإنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز، وإنما كانوا كالأعاريب في بواديهم، ولا من يبيع خبزًا ولا دقيقًا، وإنما كانوا يشترون الحب ويطحنونه بأيديهم، ويخبزونه في بيوتهم، ولا يجدون من يتولى ذلك بأجرة، حتَّى إن المنخل (٣) لم يعرف بينهم على عهد النبي - ﷺ -، ولا رأى النقي، وكانوا يجدون لذلك مشقة، مع شغلهم بالغزو والعلم والعبادة. فلهذا لما غلا السعر قال له رجل: يا رسول الله سعر لنا!، قال: "بل أدعو الله لكم" (٤)، فلما كثر ذلك منهم قال: "إن الله هو الخافض الرافع المسعر القابض الباسط، وإني أحب أن ألقى الله وليس
_________________
(١) يشير إلى أمره - ﷺ - بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب.
(٢) إضافة لتوضيح السابق.
(٣) قال في الصحاح (٥/ ١٨٢٧): "نخل الدقيق غربلته، والنخالة: ما يخرج منه، والمنخل: ما ينخل به. . ".
(٤) رواه أبو داود برقم (٣٤٥٠) كتاب البيوع، وإسناده حسن كما ذكر الحافظ في تلخيص الحبير (٣/ ١٤)، وقد ذكره الشيخ الألباني في كتابه صحيح أبي داود برقم (٢٩٤٤).
[ ٦٠٥ ]
أحد منكم يطالبني بمظلمة" (١).
فلم يكونوا يحتاجون إذ ذاك إلى الشعير، وكان من قدم بالحب مؤمنًا أو كافرًا أو يهوديًا أو نصرانيًّا باعه، وتيسر به الناس، فكانوا يفرحون بالجالبين.
ولهذا قال - ﷺ -: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون" (٢).
وقال: "لا يحتكر إلَّا خاطئ" رواه مسلم (٣).
وأما ما جاء في قفيز الطحان من النهي فهذا لا أصل له (٤)، لأنه لم
_________________
(١) رواه الترمذي برقم (١٣١٤) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٤٥١) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢٢٠٠) كتاب التجارات، والدارمي برقم (٢٥٤٥) كتاب البيوع، وأحمد برقم (١٢١٨١)، وهو حديث صحيحًا وقد ذكره الشيخ الألباني في كتابه صحيح أبي داود برقم (٢٩٤٥)، وفي كتابه صحيح ابن ماجة برقم (١٧٨٧).
(٢) حديث ضعيف، رواه ابن ماجة برقم (٢١٥٣) كتاب التجارات، والدارمي برقم (٢٥٤٤) كتاب البيوع، وابن عدي في الكامل (٥/ ٢١٣)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٢٣١) وفيه علي بن زيد بن جدعان، وعلي بن سالم بن شوال، وقيل: ابن ثوبان، وهما ضعيفان، تهذيب التهذيب (٧/ ٢٨٣، ٢٨٦)، وضعفه الحافظ ابن حجر في الفتح (٤/ ٣٤٨)، وفي تلخيص الحبير (٣/ ١٣)، وذكره الألباني في كتابه ضعيف أبي داود برقم (٤٧١)، وضعفه في مشكاة المصابيح (٢/ ٨٧٤).
(٣) رواه مسلم برقم (١٦٠٥) ٣/ ١٢٢٧ كتاب المساقاة باب تحريم الاحتكار في الأقوات، والترمذي برقم (١٢٦٧) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٤٤٧) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢١٤٥) كتاب التجارات، والدارمي برقم (٢٥٤٣) كتاب البيوع، وأحمد برقم (٢٦٧٠٣).
(٤) القفيز هو: مكيال، كما في الصحاح (٣/ ٨٩٢)، والقاموس المحيط (٦٧٠)، وقال الإمام النووي في المجموع: "القفيز مكيال معروف. . . وأصل القفيز مكيال يسع اثني عشر صاعًا، والصاع خمسة أرطال وثلث بالغدادي". وقد ورد النهي عنه في حديث رواه الدارقطني في سننه (٣/ ٤٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٣٣٩) عن أبي سعيد الخدري نهى عن عسيب الفحل وعن قفيز الطحان، وذكر الزيلعي في نصب الراية (٤/ ١٤١) أن أبا يعلى أخرجه في مسنده، وذكره عبد الحق في أحكامه، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال (٤/ ٤١٦) إنه منكر وراويه لا يعرف، وقال الحافظ في لسان الميزان (٦/ ١٩٨) إنه منكر، وذكر نحو ذلك في تلخيص الحبير (٣/ ٦٠) عن ابن القطان والذهبي. وذكره الحافظ في المطالب العالية برقم (١٤٢٠) من مسند مسدد عن =
[ ٦٠٦ ]
يكن يومئذ بالمدينة طحان ولا خباز، لعدم حاجتهم إلى ذلك، كما أن المسلمين لما فتحوا البلاد كان الفلاحون (١) كفارًا، فاستعملوهم فيها حتَّى أغناهم الله عنهم.
ولهذا ذهب طائفة من أهل العلم كمحمد بن جرير الطبري (٢)، أن الكفار لا يقرون في دار الإسلام بالجزية، إلَّا إذا كان أهل القبلة يحتاجون إليهم، فإذا استغنوا عنهم أجلوهم (٣)، كما أجلى النبي -ﷺ - بني
_________________
(١) = عبد الرحمن بن أبي نعيم، وقال: "هذا مرسل حسن، أخرجه الدارقطني موصولًا بذكر أبي سعيد من وجه آخر عن عبد الرحمن". وقال ابن الأثير في النهاية (٤/ ٩٠): "وفيه أنَّه نهى عن قفيز الطحان، وهو أن يستأجر رجلًا ليطحن له حنطة معلومة بقفيز من دقيقها، والقفيز مكيال يتواضع الناس عليه". فثبت أن المرفوع لم يصح، وهذا ما جزم به المصنف رحمه الله تعالى. وقال الحافظ في تلخيص الحبير (٣/ ٦٠): "وقفيز الطحان فسره ابن المبارك أحد رواة الحديث بأن صورته أن يقال للطحان: اطحن كذا وكذا بزيادة قفيز من نفس الطحين، وقبل هو طحن الصبرة لا يعلم مكيلها".
(٢) في نسخة الأصل: الفلاحين، وهو خطأ.
(٣) هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير، نعته الذهبي بقوله: (الإمام العلم المجتهد، عالم العصر، أبو جعفر الطبري، صاحب التصانيف البديعة من أهل آمل طبرستان. . وكان من أفراد الدهر علمًا وذكاء وكثرة تصانيف، قل أن ترى العيون مثله"، وقال عنه أيضًا: وكان من كبار أئمة الاجتهاد، وهو إمام في التفسير والحديث والفقه والتاريخ، وغيرها من العلوم، وله تفسيره المعروف جامع البيان والتأويل أجل كتب التفسير وأوفرها حظًا عند أولي العلم، قال عنه ابن كثير: "وله التفسير الكامل الَّذي لا يوجد له نظير"، وتاريخه المشهور تاريخ الأمم والملوك، وتهذيب الآثار لولا أنَّه لم يتمه، وكان قويًّا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، مع كثرة ما كان يلقاه من الأذى من الجهال والحاسدين، وقد نسب إلى بعض تشيع، ولا يثبت ذلك عنه، مات -﵀- سنة ٣١٠ هـ، وقد قارب التسعين عامًا. تاريخ بغداد (٢/ ١٦٢)، المنتظم لابن الجوزي (٦/ ١٧٠)، وفيات الأعيان (٤/ ١٩١)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٦٧)، ميزان الاعتدال (٣/ ٤٩٨)، البداية والنهاية (١١/ ١٥٦)، لسان الميزان (٥/ ١٠٠)، شذرات الذهب (٤/ ٥٣).
(٤) جامع البيان والتأويل (١٠/ ٦٣). =
[ ٦٠٧ ]
النضير (١)، وأجلى عمر - ﵁ - أهل خيبر (٢)، وهو موضع خلاف بين أهل العلم، ليس هذا موضع بسطه.
والغرض هنا إذا كان الكافر الَّذي هو عدو الملة، يجاور ويعامل ويعطى أجرة المثل عند الحاجة، ولا يحل ظلمه في شيء، فكيف المسلم إذا قام بما يجب عليه من مصالح إخوانه، من طحن بر (٣) وإصلاح خبز (٤) وتسوية طعام، وإحكام بناء، ونسج ثوب، وغير ذلك، مما هو فرض
_________________
(١) = ويقول تلميذ المصنف الحافظ ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (٣/ ٣٤٨) في سياق أحكام غزوة خيبر: "ومنها: جواز إجلاء أهل الذمة من دار الإسلام إذا استغني عنهم، كما قال النبي - ﷺ -: "نقركم ما أقركم الله" وقال لكبيرهم: "كيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام يومًا ثم يومًا"، وأجلاهم عمر بعد موته - ﷺ -، وهذا مذهب محمد بن جرير الطبري، وهو قول قوي يسوغ العمل به إذا رأى الإمام فيه المصلحة". قلت: وإن كان أكثر أهل العلم على خلاف هذا القول، حتَّى حكى بعضهم الاتفاق على ذلك، وأن أهل الذمة يقرون بالجزية في غير جزيرة العرب، وليس لأحد أن يخرجهم ما لم ينقضوا العهد، وهذه المسألة معروفة في كتب الفقهاء، حتى إنهم لم يكادوا يذكروا قولًا غيره.
(٢) روى البخاري (٣/ ٩٧) تعليقًا عن عروة بن الزبير أن إجلاء بني النضير كان بعد ستة أشهر من غزوة بدر في غزوة أحد، وذكر ابن جرير أن ذلك وقع سنة أربع للهجرة، وتبعه ابن كثير على ذلك، وقد كان إجلاء يهود بني النضير بعد أن نقضوا العهد، وأرادوا قتل النبي - ﷺ - بإلقاء الرحا عليه - ﷺ -، وهو جالس تحت جدار، حين ذهب إليهم يستعين بهم في دية من قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فأظهر الله غدرهم وفضح كيدهم لنبيه - ﷺ -، فخرج مسرعًا إلى المدينة، ثم أرسل إليهم يأمرهم بالخروج، فأبوا، فغزاهم النبي - ﷺ - وأصحابه، وحاصروهم وقطعوا نخلهم وحرقوه، فخذلهم الله، ووافقو على الخروج صاغرين، فكانت أموالهم فيئًا خالصة للنبي - ﷺ -، لم يخمسها، لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، وأنزل الله خبرهم في سورة الحشر. انظر حول ذلك: سيرة ابن هشام (٢/ ١٩٠)، تاريخ ابن جرير (٢/ ٨٣)، دلائل النبوة (٣/ ٣٥٤) السيرة النبوية للذهبي (١/ ٣٧٨) البداية والنهاية (٤/ ٧٦).
(٣) قد تقدم بيان ذلك.
(٤) في نسخة الأصل: "بره"، وقد حذفنا الهاء ليستقيم المعنى.
(٥) في نسخة الأصل: "خبزه"، وقد حذفنا الهاء أيضًا يستقيم المعنى.
[ ٦٠٨ ]
كفاية، فحقه أن من احتاج إلى أخيه في شيء من ذلك الإحسان إليه، يدفع ما يتعين له من أجرة أو ثمن أو قرض أو عوض.
فقد قال - ﷺ -: "خيركم أحسنكم قضاء" (١).
وهؤلاء الذين يبيعون سائر أصناف الحلال، فعليهم فيما يبيعون فيه ويشترون الزكاة إذا بلغ النصاب، وحال عليه الحول.
[فضائل نية نفع الخلق، والنفقة على العيال]
ومن أحب أن يلحق بدرجة الأبرار، ويتشبه بالأخيار، فلينو في كل يوم تطلع فيه الشمس نفع الخلق، فيما يسر الله من مصالحهم على يديه، وليطع الله في أخذ ما حل، وترك ما حرم، وليتورع عن الشبهات ما استطاع، فإن طلب الحلال والنفقة على العيال باب عظيم لا يعدله شيء من أعمال البر.
[أكل المرء من عمل يده]
وقد روينا عن الصديقة عائشة - ﵂ - مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: "أحل ما أكل العبد من كسب يده، وإن ولده من كسبه" (٢).
وللبخاري: (خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج،
_________________
(١) رواه البخاري برقم (٢٣٩٠) كتاب الاستقراض وأداء الديون باب استقراض الإبل، ومسلم -وهذا لفظه- برقم (١٦٠١) ٣/ ١٢٢٥ كتاب المساقاة باب من استلف شيئًا فقضى خيرًا منه، وخيركم أحسنكم قضاء، والترمذي برقم (١٣١٧) كتاب البيوع، والنسائي برقم (٤٦١٨) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢/ ٢٣) كتاب الأحكام، وأحمد برقم (٨٨٦٢).
(٢) رواه النسائي برقم (٤٤٤٩) كتاب البيوع، ورواه أيضًا في سننه الكبرى (٤/ ٤)، والترمذي برقم (١٣٥٨) كتاب الأحكام وحسنه، وأبو داود برقم (٣٥٢٨) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢١٣٧) كتاب التجارات، والدارمي برقم (٢٥٣٧) كتاب البيوع، وأحمد برقم (٢٣٥١٢) والطيالسي (٢٢١)، وابن حبان في صحيحه برقم (٤٢٥٩) ١٠/ ٧٢ وصححه، وقال حققه: حديث صحيح، والحاكم (٢/ ٤٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي (٤٧٩)، بلفظ: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولد الرجل من كسبه)، ولم أجد هذه اللفظة (أحل) في جميع روايات الحديث التي عثرت عليها، والحديث صححه أبو حاتم وأبو زرعة كما ذكر الحافظ في تلخيص الحبير (٤/ ٩)، وصححه الشيخ الألباني -﵀- كما ذكر ذلك في كتابه صحيح أبي داود برقم (٣٠٣١)، وغيره من كتبه.
[ ٦٠٩ ]
فيختم القرآن قبل أن يفرغ من شأنها، وكان يأكل من عمل يده) (١).
وقال ابن المبارك لأصحابه وهو في الغزو: هل تعلمون عملًا أفضل من هذا؟ قالوا: لا نعلمه، قال: بلى أنا أعلمه، رجل متعفف محترف أبو عيال، قام من الليل، فوجد صبيانه مكشفين فغطاهم، وثار إلى صلاته (٢).
[الإحسان في البيع اجتناب البيوع الفاسدة، والحلف]
ومن اجتنب البيوع الفاسدة، ونزه لسانه عن الحلف في البيع، روى البخاري مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: "اجتنبوا الحلف في البيع، فإنه ينفق، ثم يمحق" (٣).
ومن حفظ معاملته عن المخادعة في البيع وخلف الوعد فقد وفق لأمر عظيم، وأفضل ما يستعين به من له عناية بدينه القناعة، وحسن الظن بالله، والثقة بما ضمن من الرزق، وخوف الحساب، ومراقبة الجليل، فإنه قال وقوله الحق: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].
[فصل]
قوله - ﷺ -: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٤) الحديث رواه ابن عمر، وحكيم بن حزام، وغيرهما - ﵄ -.
_________________
(١) رواه البخاري برقم (٣٤١٧) كتاب أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى: (وَآتَيْنَا دَاودَ زَبُورًا﴾، وأحمد برقم (٢٧٣٧٧)، غير أن فيه: (وكان لا يأكل إلَّا من عمل يده).
(٢) لم أجد هذه الحكاية، وقد ذكر الإمام الذهبي في السير في ترجمة ابن المبارك (٨/ ٣٩٩) كلامًا لابن المبارك قريبًا مما ذكره المصنف عنه من معنى، قال فيه: (لا يقع موقع الكسب على العيال شيء، ولا الجهاد في سبيل الله).
(٣) هذا اللفظ قريب من لفظ مسلم الَّذي رواه برقم (١٦٠٧) ٣/ ١٢٢٨، كتاب المساقاة باب النهي عن الحلف في البيع، وهو (إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفق ثم يمحق)، ورواه النسائي في سننه الصغرى برقم (٤٤٦٠) كتاب البيوع، وفي الكبرى (٤/ ٦)، وأحمد برقم (٢١٥٠٤)، والبيهقي (٥/ ٢٦٥). أما البخاري فلفظه: (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة) رواه برقم (٢٠٨٧) كتاب البيوع باب: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ. . .﴾.
(٤) رواه البخاري برقم (٢٠٧٩) كتاب البيوع باب إذا بيَّن البيعان ولم يكتما ونصحا، ومسلم برقم (١٥٣٢) كتاب البيوع باب الصدق في البيع والبيان، والترمذي برقم =
[ ٦١٠ ]
[احتياج البيوع إلى الصدق]
فعامة البيوع المباحة تحتاج إلى الصدق، وهو محض الحق، وبذل النصح، وتفسد بالكذب، وكتمان العيب أو النقص، وهذا عين الخيانة، وأصل الغش.
والبيع تارة يكون مباحًا، كرجل احتاج إلى ثمن شيء فباعه، لا يريد بذلك إلَّا الثمن، لنفقة واجبة، أو مصلحة ظاهرة، وتارة يكون البيع واجبًا، كطعام يجب بذله لمحتاج إليه بثمن المثل، لا وكس (١) ولا شطط (٢).
[النهي عن تلقي الركبان]
ولهذا: "نهي عن تلقي الركبان" الحديث (٣)، وأثبت له الخيار إذا بلغ السوق.
ولهذا كان مذهب أكثر الفقهاء على أنَّه نُهي عن ذلك من أجل ضرر
_________________
(١) = (١٢٤٥) كتاب البيوع، والنسائي برقم (٤٤٥٧) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٤٥٧) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢١٨٢٩) كتاب التجارات، والدارمي برقم (٢٤٣٥٩) كتاب البيوع، وأحمد برقم (٤٢٥٤).
(٢) الوكس: النقص، والنقصان، وقد وكس الشيء يكس، وفي الحديث: (لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط)، الصحاح (٣/ ٩٨٩) والقاموس المحيط (٧٤٨).
(٣) الشطط: مجاوزة القدر في كل شيء، قاله في الصحاح (٣/ ١١٣٨)، وقال في القاموس المحيط (ص ٨٧٠): "اشتط في سلعته: جاوز المقدار المحدود، وتباعد عن الحق". وانظر في معنى الوكس والشطط: النهاية لابن الأثير (٥/ ٢١٩)، (٢/ ٤٧٤)، والفتح (٥/ ١٥٤) وشرح السيوطي على صحيح مسلم (٤/ ٢٦٠)، وأما الحديث الَّذي أشار إليه صاحب الصحاح، فقد رواه النسائي برقم (٣٣٥٤)، والترمذي برقم (١١٤٥)، وأحمد برقم (٤٢٧٦)، وابن حبان في صحيحه برقم (٤١٠٠) ٩/ ٤٠٩، وقال محققه: "صحيح على شرط مسلم"، والطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٢٣١). قلت: قد جاء ذكر الوكس والشطط في صحيح مسلم برقم (١٥٠١) ٣/ ١٢٨٧ ولفظه: (من أعتق عبدًا بينه وبين آخر، قوّم عليه في ماله قيمة عدل، لا وكس ولا شطط. . .).
(٤) رواه البخاري برقم (٢٢٧٤) كتاب الإجارة باب أجر السمسرة، ومسلم برقم (١٥٢١) كتاب البيوع باب تحريم بيع الحاضر للبادي، والنسائي برقم (٤٥٠٠) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٤٤٣) كتاب البيوع، ومالك برقم (١٣٩١) كتاب البيوع، وأحمد برقم (٣٣٠٢).
[ ٦١١ ]
البائع هنا، لأنه إذا لم يكن عرف قيمة المثل، ولا درى السعر بالحاضر، وتُلقيت منه السلعة، فاشتريت بمبلغ لعله دون القيمة، فأثبت له الخيار إذا بلغ السوق.
وفي الخيار هنا أقوال: منها أنَّه يثبت له الخيار إذا غبن في البيع، واليه ذهب أحمد، والثاني: أنَّه يثبت مطلقًا، وبه قال الشافعي وأكثر أهل العلم، وهو أظهر قوله (١).
وقال طائفة: إنما نهى من أجل ضرر المشتري، لأنه إذا اشتراه بثمن لا يبيعه في السوق إلَّا بزيادة، فيغلو على المحتاج إليه (٢)، فكأنه - ﵇ - أراد أن يشتريه من يحتاجه بغير واسطة، لئلا يتضاعف الربح فيغلو.
وفي الجملة فقد نهى فضلًا للمصلحة، فإذا كان رسول الله - ﷺ - نهى عن البيع الَّذي هو حلال الجنس، حتَّى يعرف السعر البائع، ويتحقق
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٧٤)، وذكر الخلاف مرة أخرى فيها (٢٨/ ١٠٢) وأشار إلى أن أظهر قولي أحمد هو ثبوت الخيار بالغبن، وهو ما يتعارض مع ما حكاه في كتابنا هذا، من أن أظهر القولين عنده هو ثبوت الخيار مطلقًا، وليس من تفسير لذلك إلَّا أن المصنف رجح هذا مرة، وهذا مرة، إلَّا إن كان يعني الشافعي بذلك، فقد ذكر الشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٢٥٢) أن الأصح عند الشافعية هو القول بثبوت الخيار مطلقًا، فدل أن هناك قولًا آخر لهم في هذه المسألة. وقال الحافظ في الفتح (٤/ ٣٧٤) بعد أن أورد حديث مسلم: (لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار): "قوله: (فهو بالخيار) أي إذا قدم السوق وعلم السعر، وهل يثبت له مطلقًا، أو بشرط أن يقع له في البيع غبن؟ وجهان، أصحهما الأول، وبه قال الحنابلة"، وذكر الشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٢٥٢) مثل ذلك، وما ذكره الحافظ والشوكاني عن الحنابلة هو قول عندهم، ولكن المذهب كما ذكر ابن قدامة في الكافي (٢/ ٢٣) هو أن الخيار لا يثبت له إلَّا إذا غبن، وهو المتفق مع قول المصنف، وانظر: الشرح الكبير على هامش المغني (٤/ ٨٧).
(٢) الحكمة في النهي عن تلقي الركبان، هل هي لمصلحة البائع، أو لمصلحة المشتري وأهل السوق؟ فيه خلاف كما ذكره المصنف، ولا مانع من اجتماع الأمرين، ووقوع النهي لمصلحة جميع الأطراف، القادمين والمقيمين على حد سواء، وانظر في هذه المسألة: مجموع الفتاوى (٢٨/ ١٠٢) الفتح (٤/ ٣٧٤)، نيل الأوطار (٦/ ٢٥٢).
[ ٦١٢ ]
المشتري السلعة، وصاحب القياس الفاسد يقول للمشتري: أن يشتري ما شاء أين شاء! ! وقد اشترى يرضى البائع.
والشارع رعى المصلحة العامة، لأن الجالب إذا لم يعرف السعر، ولا أخبر بثمن المثل، كان المشتري قد غرَّه، وليس ذلك من الصدق والنصح في شيء، إنما هو خيانة وغش، فإن أضاف إليها كذبًا صريحًا مثل أن يقول: قد أعطيت فوق ما يساوي في سوقه، لأجل حاجتي إلى ذلك، ونحو هذا مما يستعمله من لا عناية له بمطعمه ومشربه، ومن جل قصده تثمير المال، والمفاخرة والمكاثرة بحسن المخادعة في البيوع، وكل ذلك محرم محذور.
ولذلك ألحق مالك وأحمد كل سليم الصدر في الفهم، لا يساوم، ولا يماكس (١) بالجالب، فلا يؤخذ من هؤلاء إلَّا قيمة المثل، وأن يقنع في معاملتهم بأيسر الربحين، لأنهم جاهلون (٢) بالسعر، والبيع يعتبر فيه الرضا، والرضا تبع للعلم، وأما إذا لم يعلم المشتري بسعر المبيع، ولا الجيد من جنسه، فاستسلم للبائع، فإنما رضاه باختياره له، وليس ذلك الرضا المشترط في صحة البيع.
وأما إذا علم أنَّه غبن في المشترى، ودلس عليه في جنسها ورضي، فهذا لا بأس به، لأنه يجوز للعبد أن يترك بعض حقه، وهو يقدر على استيفائه، وإذا أخذ منه ثمن المثل ولم يرض، لم يلتفت إلى سخطه.
ولهذا أثبت الشارع الخيار لمن يعلم العيب والتدليس (٣)، فإن الأصل في السلعة الصحة، وأن يكون الظاهر كالباطن، فإذا اشترى على ذلك اعتبر رضاه، فإذا اطلع على عيب أو غبن، فهو كالجالب الجاهل بقيمة المثل إن
_________________
(١) قال في القاموس المحيط (٧٤٢): "مكس في البيع يمكس إذا جبى مالًا، والمكس النقص والظلم"، وانظر الصحاح (٣/ ٩٧٩).
(٢) في نسخة الأصل: "جاهلين"، وهو خطأ.
(٣) انظر في خيار العيب: المغني لابن قدامة (٤/ ٩٢)، بداية المجتهد لابن رشد (٢/ ١٧٣).
[ ٦١٣ ]
وجد عيبًا، وكالمشتري من الجالب جاهل الصفة، فثبت له الخيار حفظًا للجانبين، فإن المشتري إذا علم عيبًا في المبيع، أو غبن في الثمن، قد يرضى وقد لا يرضى، فإن لا يرضى فله فسخ البيع.
ففي الصحيحين عن حكيم بن حزام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما) الحديث (١).
[دفع الضرر]
وفي السنن: (أن رجلًا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة، فشكى ذلك إلى النبي - ﷺ -، فأمر صاحب الجرة أن يتبرع إن شاء، أو يأخذ من ملك الرجل شجرة بدلها، فأبى إلَّا قطعها، أو الدخول عليه من أجلها، فقال له النبي - ﷺ -: "إنما أنت مضار") (٢).
وحاجة الناس إلى الطعام والشراب واللباس وآلات الحرب، مما يستعان به على الجهاد، وما لا تتم المصالح إلَّا به، أكبر من حاجة هذا الرجل إلى حفظ أرضه.
فلهذا أمروا بالعدل في البيوع، والصدق في المعاملات، ليكون ذلك سبب سماح نفس صاحب السلعة ببيعها، ورغبة المحتاج إلى شرائها، فهذا وجه الحكمة في قوله: "بورك لهما في بيعهما".
فلو أن إنسانًا غبن في سوق مرة على إثر أخرى، حمله ذلك على أن لا يحمل إليه سلعة، ولا يعامل فيه مخلوقًا، فجر ذلك ضررًا وأثر فسادًا.
ولهذا يعين على الإمام أنهم إذا كانوا لا يتبايعون الطعام بثمن معروف، سعر لهم فيما يحفظ حرمة البائع والمشتري، وهو بيع الطعام بثمن المثل، وقيمة العدل، لا شطط ولا وكس.
_________________
(١) تقدم قريبًا تخريجه.
(٢) رواه أبو داود برقم (٣٦٣٦) كتاب الأقضية، والبيهقي (٦/ ١٥٧) عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عن جابر بن سمرة، وإسناده منقطع، لأن رواية أبي جعفر الباقر عن سمرة مرسلة، كما ذكر المزي في تهذيب الكمال (٢٦/ ١٣٦)، والذهبي في السير (٤/ ٤٠١)، والحافظ في تهذيب التهذيب (٩/ ٣١٢)، وقد ذكره الشيخ الألباني في كتابه ضعيف سنن أبي داود برقم (٧٨٥٩).
[ ٦١٤ ]
فصل قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٨، ٩].
[إطعام المحتاج فرض كفاية]
وإطعام الطعام للمحتاج فرض على الكفاية باتفاق أئمة المسلمين.
وفي البخاري أنَّه قال - ﷺ -: "عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا المعاني" (١).
وفي المسند: (أيما رجل مات في قوم جوعًا، فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله) (٢).
_________________
(١) رواه البخاري برقم (٥٦٤٩) كتاب المرضى، وأبو داود برقم (٣١٠٥) كتاب الجنائز، والنسائي في سننه الكبرى (٤/ ٣٥٤)، وأحمد برقم (١٨٦٩٦)، والطيالسي (٦٦)، وابن حبان في صحيحه برقم (٢٤٦٥) ٨/ ١١٦، وأبو يعلى في مسنده (٩/ ٣٠١٣)، والبيهقي في سننه (٣/ ٣٧٩).
(٢) أجده بهذا اللفظ، وإنما اللفظ المعروف هو: (من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى، وبرئ الله تعالى منه، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله تعالى) رواه أحمد برقم (٤٨٨٠)، وصححه الشيخ أحمد شاكر -﵀- (٧/ ٤٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٢) وتعقبه الذهبي بقوله: "عمرو تركوه، وأصبغ فيه لين"، ورواه أيضًا أبو يعلى في مسنده (١٠/ ١١٥) وقال محققه: "إسناده ضعيف"، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٠١). وذكر الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٢٦٢) أنَّه رواه غير ما ذكرنا ابن أبي شيبة، والبزار، والدارقطني في غرائب مالك، والطبراني في المعجم الأوسط، كلهم رووه عن يزيد بن هارون عن أصبغ بن زيد، إلَّا الحاكم فإنه أخرجه عن عمرو بن الحصين عن أصبغ بن زيد. قلت: ما قاله الذهبي عن عمرو بن الحصين مستقيم، فإنه متروك كما في التقريب (٤٢٠)، أما أصبغ فالاحتجاج به هو المترجح عند أئمة هذا الشأن، فقد وثقه ابن معين، وقال أحمد عنه: ليس به بأس، ما أحسن رواية يزيد بن هارون عنه، وقال أبو حاتم والنسائي: لا بأس به، وقال أبو زرعة، شيخ، وقال الذهبي: صدوق، وهذا الَّذي قاله الذهبي أقل ما يقال فيه، تهذيب الكمال (٣/ ٣٠١)، الكاشف (١/ ٢٥٤)، تهذيب التهذيب (١/ ٣١٥). وقد ضعفه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٣١٢)، وابن حبان في المجروحين (١/ ١٧٤) حيث قال عنه: يخطئ كثيرًا، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد"، وقال =
[ ٦١٥ ]
[كسوة العرايا فرض كفاية]
ولو مات فيهم رجلًا جوعًا لزمته ديته، وكذلك كسوة العرايا فرض كفاية، وهذا الفرض على من له فضل من ماله، ومتى رأى محتاجًا وغلب على ظنه أن غيره لا يقوم بحاجته، تعين عليه أن يطعمه.
وفي الأثر: (لو صدق المسائل، لا أفلح من رده) (١).
قال المروذي (٢): قلت لأحمد بن حنبل: إذا علمت أن المسائل صادق أيجب علي؟ قال: نعم.
_________________
(١) = ابن عدي في الكامل (١/ ٤٠٨) بعد أن ذكر ثلاثة أحاديث لأصبغ: "وهذه الأحاديث لأصبغ عير محفوظة، يرويها عنه يزيد بن هارون، ولا أعلم روى عن أصبغ هذا غير يزيد بن هارون"، وتعقبه الحافظ في التهذيب (١/ ٣١٥) وقال: "بل روى عنه غيره كما تقدم"، وذكر الحافظ منهم محمد بن الحسن المزني، وهشيم، وإسحاق الأزرق، وقال في القول المسدد في الذب عن مسند أحمد (٢٠): "وليس كذلك، فقد روى عنه نحو من عشرة، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا إلَّا لمحمد بن سعد، وأما الجمهور فوثقوه". وقال الحافظ في تلخيص الحبير عن هذا الحديث: "وفي إسناده أصبغ بن زيد اختلف فيه، وكثير بن مرة جهله ابن حزم، وقد وثقه ابن سعد، ورواه عنه جماعة، واحتج به النسائي، ووهم ابن الجوزي فأخرج هذا الحديث في الموضوعات، وأما ابن أبي حاتم فحكى عن أبيه أنَّه قال: هو حديث منكر". قلت: كثير بن مرة وثقه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٤٤٨) كما ذكر الحافظ، ووثقه أيضًا العجلي والنسائي، تهذيب الكمال (٢٤/ ١٥٨)، وغيرهما كالذهبي من المتأخرين في الكاشف (٣/ ٦)، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٣٢). وقال الحافظ العراقي في تخريجه لإحياء علوم الدين (٢/ ٨٢): رواه أحمد والحاكم بسند جيد. وأقول: أما أحمد فنعم، وأما الحاكم فلا، وقد تقدم الكلام عن ذلك، وأما الحافظ ابن حجر فقد تصدى في القول المسدد (٢٠) لابن الجوزي وغيره ممن تعجل فأدخله في الموضوعات، وقال في آخر ذلك: "ثم إن للمتن شواهد تدل على صحته"، وقد أطال الشيخ أحمد شاكر في تخريج هذا الحديث، وتبين بعد كل هذا أن الحديث لا يقل عن درجة الحسن لذاته.
(٢) هذا الأثر ذكره ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (٧٣) على أنَّه من الأحاديث التي درجت على ألسنة الناس، وليس لها أصل، وذكره الغزالي في الإحياء (١/ ٢٦٧)، وقال الحافظ العراقي في تخريجه: "أخرجه العقيلي في الضعفاء، وابن عبد البر في التمهيد من حديث عائشة، قال العقيلي: لا يصح في هذا الباب شيء وللطبراني نحوه من حديث أبي أمامة بسند ضعيف".
(٣) هو أبو بكر المروذي من كبار تلامذة: أحمد، وقد تقدت ترجمته.
[ ٦١٦ ]
[الصدقة بفضول الأموال]
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أصابتهم مرة حاجة، فأمرهم النبي - ﷺ - بأن يتصدقوا بفضول أموالهم، حتَّى يفضل من كل جنس من منافعهم، حتى ظنوا أنَّه لا حق لأحد في شيء من فضل ماله (١).
ولو قام أحدهم فجمع فضول أموالهم لكان حسن، وعلى ولي الأمر أن يجبرهم على مواساة من علموا احتياجه إليها.
فصل (٢)
_________________
(١) روى مسلم في صحيحه برقم (١٧٢٨) ٣/ ١٣٥٤ كتاب اللقطة باب استحباب المواساة بفضول المال عن أبي سعيد الخدري قال: "بينما نحن في سفر مع النبي - ﷺ -، إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليمد به على من لا زاد له"، قال: فذكر أصناف المال حتى رأينا أنَّه لا حق لأحد منا في فضل"، ورواه أبو داود برقم (١٦٦٣) كتاب الزكاة، وأحمد برقم (١١٣١١)، ورواه ابن عباد في صحيحه برقم (٥٤١٩) ١٢/ ٢٣٨، والبيهقى (٤/ ١٨٢).
(٢) نود أن نشير في هذا المقام: إلى أن هذا الفصل وما ورد قبله وبعده، مما يبدو أنها استطرادات فقهية، لها تعلق بموضوع الإحسان، الَّذي يتحدث عنه المؤلف، فإن الله قد كتب الإحسان على كل شيء، كما ثبت في الحديث الصحيح عنه - ﷺ - الَّذي استهل به المصنف هذا الفصل من الإحسان والمصنف -﵀- وإن طال به الاستطراد الفقهي كما يبدو في بعض الأحيان - إلَّا أنَّه لم يجعل حديثه فقهيًا صرفًا كما يصنع الفقهاء، فهو يربط كل موضوع في الغالب بالإحسان، ويحاول إظهار روح التشريع وسمو أحكامه، وينبه على أهمية تعاون المسلمين فيما بينهم، وفيما يلي بعض الأمثلة التي توضح المراد: فهو بعد أن تحدث -﵀- عن عارية الدلو والفأس والقدر بين الناس، وكذلك عارية الخيل لمن احتاج إليها، وإعارة فحل الإبل قال: "فلا يمنع المعروف من الناس بطلب الأجرة على مثل هذه الأشياء، فإن الله يأمر بالعدل والإحسان". وهو مثلًا يقول: "والغرض هنا إذا كان الكافر الَّذي هو عدو الملة، يجاور ويعامل ويعطي أجرة المثل عند الحاجة، ولا يحل ظلمه في شيء، فكيف المسلم إذا قام بما يجب عليه من مصالح إخوانه، من طحن بر، وإصلاح خبز، وتسوية طعام، وإحكام بناء، ونسج ثوب، وغير ذلك، مما هو فرض كفاية، فحقه أن من احتاج إلى أخيه في شيء من ذلك الإحسان إليه، يدفع ما يتعين له من أجرة أو ثمن أو قرض أو عوض".
[ ٦١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ويقول: "فعامة البيوع المباحة تحتاج إلى الصدق، وهو محض الحق، وبذل النصح، وتفسد بالكذب، وكتمان العيب أو النقص، وهذا عين الخيانة وأصل الغش". ويقول أيضًا: "ولهذا أمروا بالعدل في البيوع، والصدق في المعاملات". ويقول أيضًا: "وأصل مذهب أحمد في العقود الجواز، فلا يحرم منها إلَّا ما حرمه الله ورسوله، ومذهبه أوسع المذاهب في باب المزارعة والمناصبة والمساقاة، وكل ما كان من المعاملات المباحة". ويقول أيضًا: "من الإحسان في البيوع، والتزام العقود الشرعية، والورع في المعاملات المباحة ما ذكره الإمام أبو الوفا بن عقيل البغدادي في كتاب (التذكرة) في باب ما يجتنب من البيوع الفاسدة فقال: يجتنب منها خمسة وعشرون بيعًا. . . ". وقال بعد ذلك: "فهذه بيوع كثيرة عرف تفصيلها، ووجه الاحتراز منها، من مشهور الأحاديث وجمله النهي عن البيوع الفاسدة ثلاثة وخمسون حديثًا، وقد بوب العلماء على أكثرها، وأحسنوا التنبيه على ذلك، لئلا يكون للآكل حجة، إذا أخذ الحرام، وسماه بغير اسمه، واحتج لغلبة هواه، ورغبته في تثمير المال. . . ". ثم يقول: "ومن البيوع فاسد، لا يحل ربحه، ولا يصح العقد فيه، وللعلماء من التصانيف الجليلة في البيوع، ما بين الحالي من العاطل، وأوضح الحق من الباطل، وليس هذا مما يستغني عنه العوام، بل هو مما لا يسعهم جهله، ولا يعذر التجار في التساهل في حفظه". ويقول -﵀-: "ولا خلاف أن الصحابة كانت لهم أسباب، ومعائش شتى، مع كثرة اشتغالهم بالغزو، الَّذي هو من أشد الأعمال على النفوس، وكان تورعهم واجتهادهم وفقههم الَّذي يتدارسونه بينهم معرفة الحلال والحرام، في المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، ونحو ذلك، وكانوا يرجعون في ذلك كله إلى الكتاب والسنة، يستفتون رسول الله - ﷺ - في حال حياته، ويسأل بعضهم بعضًا عن سنته بعد وفاته، حتَّى حفظ عنهم في باب المعاملات ما قطع حجة كل أفاك أثيم، وعرف من شعارهم ما لو تمسكنا به لم نعدل عن النهج القويم، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم". ويقول أيضًا: "وكذلك تصح المساقاة على جميع الأشجار، ويورث من كل منهم، وتقسم الشجرة أو الزرع في ورثته قسمة شرعية، فإن هذا كله من فضل الله الَّذي يحيى في الأرض. ومن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾ [الحجر: ٢٠]. ومن قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]. =
[ ٦١٨ ]
المغارسة والمناصبة (١) تجوز في ظاهر مذهب أحمد، ذكرها العكبري (٢) والقاضي وجوزها، وقاسها على المزارعة، فإن المزارعة تقتضي المشاركة في الثمرة.
وقد ورد عنه - ﷺ - أنَّه قال: "نقركم ما شئنا" رواه مسلم (٣).
ثم (٤) إذا كان الغرس من صاحب الأرض، فهو كما لو كان البذر من العامل، فيشتركان فيما يحدثه الله من الثمر والزرع.
_________________
(١) = ومن قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣). . .﴾ [الواقعة: ٦٣]. . . ". وأخيرًا يقول: "والشارع رعى المصلحة العامة، لأن الجالب إذا لم يعرف السعر، ولا أخبر بثمن المثل، كان المشتري قد غره، وليس ذلك من الصدق والنصح في شيء، إنما هو خيانة وغش، فإن أضاف إليها كذبًا صريحًا مثل أن يقول: قد أعطيت فوق ما يساوي في سوقه، لأجل حاجتي إلى ذلك، ونحو هذا مما يستعمله من لا عناية له بمطعمه ومشربه، ومن جل قصده تثمير المال، والمفاخرة والمكاثرة بحسن المخادعة في البيوع، وكل ذلك محرم محذور". وبعد كل هذه الأمثلة يظهر لنا جليًا روعة الأسلوب الَّذي صاغ به المصنف تلك القضايا الفقهية، وربطها بموضوع الإحسان، وتركيزه على جانب التعاون والصدق والأمانة والورع في المعاملات والبيوع بين المسلمين، وكل هذا يدخل ولا شك -في مرتبة الإحسان، وهذا ما أراده المصنف، والله أعلم. ويا ليت كثيرًا من الفقهاء عنوا بالجانب الروحي والتربوي عند مناقشتهم للمسائل الفقهية، وتوضيح المقاصد العظيمة والغايات السامية من وراء هذه التشريعات الإسلامية.
(٢) هما بمعنى واحد، وهو: دفع أرض بيضاء مدة معلومة ليغرس فيها، وتكون الأرض والشجر بينهما، حاشية ابن عابدين (٥/ ١٨٣) كشاف القناع (٣/ ٥٣٢)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٣٤٣).
(٣) هو شيخ الحنابلة القاضي أبو علي يعقوب بن إبراهيم بن أحمد العكبري البرزيني -وهي قرية كبيرة على خمسة فراسخ من بغداد- من كبار تلامذة القاضي أبي يعلى، وكان من أعرف القضاة في عصره بأحكام القضاء، ذو هيبة كبيرة، وقرأ عليه عامة الحنابلة ببغداد، وانتفعوا به، من مصنفاته: "التعليقة في الفقه" في عدة مجلدات، مات سنة ٤٨٦ هـ. طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٥)، الأنساب (٤/ ٤٢٦)، المنتظم (٩/ ٨٠)، سير أعلام النبلاء (١٩/ ٩٣)، ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٧٣)، شذرات الذهب (٥/ ٣٨٠).
(٤) تقدم تخريج هذا الحديث (ص ٦٠٢).
(٥) كتب قبل "ثم" في نسخة الأصل: (وفي الأصل) وقد حذفناها، لأننا نرجح أنها مقحمة من الناسخ.
[ ٦١٩ ]
ومالك وأحمد وأبو حنيفة يصححون شركة الأبدان، والشافعي لا يجوز هذا (١).
وقد كان النبي - ﷺ - يبعث عبد الله بن رواحة، ليقسم الثمار المشتركة بين المسلمين وبين أهل خيبر، فإنه كان قد عاملهم بنصف ما تخرج الأرض، فدل على جواز العقد لا وجوبه، على أن يعمروها من أموالهم، وكان للمسلمين نصف الثمار والزرع، فكان يبعث ابن رواحة ليعرف حق الشركاء، ويعرف مقدار الزكاة الواجبة، فكان إذا خرصها سلمها إلى اليهود.
[محاولة اليهود رشوة عبد الله بن رواحة]
ولقد قالوا له مرة: يا عبد الله لقد زدت علينا، ورشوه بشيء من حلي نسائهم، فقال: يا معشر يهود كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد، قال: فإني عاهدت محمدًا - ﷺ - أن لا أكتم حقًّا، أو أواطئ على باطل، فرد إليهم الحلي، فأيسوا مه، ولم يجدوا بدًا من دفع الحق إلى المسلمين (٢).
_________________
(١) قال في المغني (٥/ ١١١): "معنى شركة الأبدان أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم، كالصناع يشتركون على أن يعملوا في صناعاتهم، فما رزق الله تعالى فهو بينهم. . . وبهذا قال مالك، وقال أبو حنيفة: يصح في الصناعة، ولا يصح في اكتساب المباح كالاحتشاش. .، وقال الشافعي: شركة الأبدان كلها فاسدة، لأنها شركة: على غير مال، فلم تصح، كما لو اختلفت الصناعات"، وانظر: بدائع الصنائع للكاساني (٦/ ٥٨)، شرح الخرشي على المختصر الجليل (٤/ ٢٦٧)، مغني المحتاج للشربيني (٢/ ٢١٢)، إحياء علوم الدين (١/ ٨٠).
(٢) قصة ابن رواحة رواها مالك في الموطأ برقم (١٤١٣) كتاب المساقاة، والبيهقي في سننه (٤/ ١٢٢) عن سليمان بن يسار أن رسول الله - ﷺ - كان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبين يهود. . القصة، وهو مرسل، سليمان بن يسار تابعي كبير، لم يدرك النبي - ﷺ -، ولا عبد الله بن رواحة. لكن يشهد لهذا المرسل ما رواه أحمد في مسنده برقم (١٤٥٣٦)، والدارقطني في سننه (٢/ ١٣٣)، قال أحمد: حدثنا محمد بن سابق حدثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: "أفاء الله خيبر على رسوله، فأقرهم رسول الله - ﷺ -، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم، ثم قال: يا معشر يهود أنتم أبغض الخلق إلي، قتلتم أنبياء الله، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من =
[ ٦٢٠ ]
وروي مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - أنَّه قال: لعن الله الراشي والمرتشي" (١).
ولقد مر علي - ﵁ - يهودي، فنظر من ثلمة (٢) في الحائط، فبصر باليهودي يستقي ببكرة (٣)، فقال: يا أخا العرب هل لك في كل دلو تمرة! قال: نعم، فدخل علي - ﵁ - فأخذ الدلو، قال: فجعلت كلما نزعت دلوًا رمي لي بتمرة، حتى جمعت ملئي كفي، تركت الدلو وذهبت، قال: ما بدا لك، قلت: حسبي، فأخذت التمر فأكلته، ثم أتيت المسجد، فما أن غزونا خيبر، فأغنمها الله لرسوله - ﷺ -، وقتل اليهودي، وقسمت
_________________
(١) = تمر، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي، قالوا: بهذا قامت السماوات والأرض، قد أخذناها، قال: فاخرجوا عنا. . . ". قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، ولولا أن البخاري أخرج لأبي الزبير مقرونًا، لكان على شرطهما. ورواه ابن جرير في تاريخه (٢/ ١٤٠) عن عبد الله بن أبي بكر، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وانظر سيرة ابن هشام (٢/ ٣٤٥).
(٢) رواه الترمذي برقم (١٣٣٧) كتاب الأحكام، وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود برقم (٣٥٨٠) كتاب الأقضية، وأحمد برقم (٦٥٣٢)، وابن حبان في صحيحه برقم (٥٠٧٦) ١١/ ٤٦٧، والحاكم (٤/ ١٠٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأبو يعلى في مسنده برقم (٤٦١٠) ٨/ ٧٤، والبيهقي (١٠/ ١٣٨)، وكلهم بلفظ: (لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي. . .)، ورواه أحمد برقم (٩٠١١)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٣٩٨) بلفظ: (لعن الله الراشي. . .)، ورواه ابن ماجة برقم (٢٣١٣) كتاب الأحكام، ولفظه: (لعنة الله على الراشي والمرتشي). وانظر: تلخيص الحبير (٥/ ٢٢١)، إرواء الغليل برقم (٢٦٢٠). وقال الحافظ في الفتح (٥/ ٢٢١): "وقد ثبت حديث عبد الله بن عمرو في لعن الراشي والمرتشي. . "، والحديث صححه الشيخ الألباني في كتابه صحيح سنن أبي داود برقم (٣٠٥٥)، وكتابه صحيح سنن ابن ماجة برقم (١٨٧١).
(٣) قال في الصحاح (٥/ ١٨٨١): الثلمة الخلل في الحائط وغيره، وقال في القاموس المحيط (١٤٠٢): الثلمة فرجة المكسور والمهدوم.
(٤) قال في الصحاح (٥/ ١٨٨١): بكرة البئر يستقى عليها، وقال في القاموس المحيط (٤٥٠): خشبة مستديرة في وسطها محز يستقى عليها، أو المحالة السريعة.
[ ٦٢١ ]
أمواله ورباعه في أهل بيعة الرضوان وأصحاب السفينة (١).
ولا خلاف أن عمل فلاحي (٢) المسلمين أنفع لأرضهم، واشتراكهم فيما يرزقهم الله من ثمر وزرع أصلح في دينهم ودنياهم، من أن يفلحها الكفار، ويبقى فلاحو (٣) المسلمين فقراء محتاجين.
وإذا أراد صاحب الأرض أن يغرسها، فعامله إنسان على أن يكون له نصف الثمر ويقوم بمصالحها، ونصف الثمر لصاحب الأرض جاز ذلك (٤).
_________________
(١) خبر علي - ﵁ - حديث خيبر، روي بوجوه متقاربة، فقد رواه الترمذي برقم (٢٤٧٣) كتاب صفة القيامة عن محمد بن كعب القرظي عمن سمع من علي - ﵁ -: وقال: حديث حسن غريب، وأبو يعلي في مسنده برقم (٥٠٢) ١/ ٣٨٧ عن يزيد بن رومان القرظي عن رجل عن علي - ﵁ -، وقال محققه: إسناده ضعيف، والبيهقي في سننه (٦/ ١١٩) عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه مختصرًا ابن ماجة برقم (٢٤٤٦) كتاب الأحكام، وأحمد برقم (٦٨٧) عن مجاهد، وضعفه الشيخ أحمد شاكر. قلت: في إسناد الترمذي رجل لم يسم، وهو التابعي الَّذي سمع عليًا، وكذلك الحال في إسناد أبي يعلى، وأما إسناد ابن ماجة والبيهقي ففيهما حنش، وهو الحسين بن قيس الرحبي متروك كما في التهذيب (٢/ ٣١٣)، إلَّا الحاكم فقد وثقه كما ذكر الزيلعي في نصب الراية (٤/ ١٣٢)، وأما إسناد أحمد ففيه انقطاع، فإن مجاهدًا على الراجح لم يلق عليًّا كما في السير (٤/ ٤٥٤) والتهذيب (١٠/ ٤٠)، ونصب الراية (٤/ ١٣٢)، وبهذه العلة أعل الشيخ أحمد شاكر الرواية التي في المسند (١/ ٦٨٨)، وقال الحافظ في تلخيص الحبير (٣/ ٦١): "ورواه أحمد من طريق علي بسند جيد، ورواه ابن ماجة بسند صححه ابن السكن مختصرًا. . ". قلت: هذا يحمل من الحافظ على أنَّه يقول بسماع مجاهد من علي، وأما ما ذكر من تصحيح ابن السكن فهو مردود بتضعيف الأئمة لحنش الرحبي كما ذكرنا من قبل. والخبر ضعفه الشيخ الألباني في كتابه ضعيف سنن الترمذي برقم (٦٨٩) وكتابه ضعيف سنن ابن ماجة برقم (٥٣٥)، وفي الإرواء برقم (١٤٩١) حيث أطال في تخريجه، وقال في آخره (٥/ ٣١٣): وجملة القول أن الحديث ضعيف، لشدة ضعف طرقه. . . ". قلت: ومن المحتمل أن يكون للقصة أصل، والله أعلم.
(٢) في نسخة الأصل: "فلاحين"، وهو خطأ.
(٣) في نسخة الأصل: "فلاحين"، وهو خطأ.
(٤) هذه هي المغارسة، وقد تقدم الحديث عنها.
[ ٦٢٢ ]
ولو قال: اسق هذه الثمرة بعد ظهورها، على شيء معلوم من الثمر، وأن يخرصها جاز ذلك (١).
[أصل مذهب أحمد في العقود الجواز]
وأصل مذهب أحمد في العقود الجواز، فلا يحرم منها إلَّا ما حرمه الله ورسوله، ومذهبه أوسع المذاهب في باب المزارعة والمناصبة والمساقاة، وكل ما كان من المعاملات المباحة (٢).
وعلى العامل الحرث وآلته، وبقره، وإصلاح طرق الماء، وقطع الشوك والشجر اليابس، وزبار الكرم (٣)، وتسوية الثمرة، والحفظ والتشميس، وإصلاح موضعه، وقيل: ما يتكرر كل عام فهو على العامل، وما عداه فعلى رب الأرض (٤).
فصل [رفع الجوائح من الإحسان]
وأما الجائحة (٥) في بيع الثمار ففيها نزاع مشهور، فلو اشترى ثمرًا قد
_________________
(١) هذه هي المساقاة، وهي كالمزارعة والمغارسة، ولكن السقي فيها يقوم مقام الغرس والزرع.
(٢) انظر حول ذلك: مجموع الفتاوي (٢٩/ ١٢٥ - ١٥٠).
(٣) لم يتبين لي المقصود بزبار الكرم، والكرم هوا: العناب، الصحاح (٥/ ٢٠٢٠)، وقال في الصحاح (٢/ ٦٦٨): "ازبأر النبت والوبر، إذا نبت"، أو يكون المقصود بذلك حشرة الزنبور أو الزنبار التي تكثر في شجر العنب كما هو معروف، والله أعلم. قلت: وقد ورد عند الشيخين النهي عن تسمية العنب كرمًا، وأن الكرم قلب المؤمن، رواه البخاري برقم (٦١٨٢) ومسلم برقم (٢٢٤٧)، وقد اختلفت أنظار الشراح في معنى ذلك، وهل النهي للتحريم أو للكراهة، وممن تولى هذه المسألة الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٦٧).
(٤) انظر: مجموع الفتاوي (٢٩/ ٨٨ - ١٢٥).
(٥) الجائحة في اللغة: من الجوح وهو الاستئصال، قال في الصحاح (١/ ٣٦٠): "ومنه الجائحة وهي الشدة التي تجتاح المال من سنة أو فتنة"، وانظر: القاموس المحيط (٢٧٦). ومراد الفقهاء ﵏ بالجائحة أنها كل ما أصاب الزرع والثمر والمال بغير جناية آدمي كريح ومطر وغير ذلك، ويقول ابن قدامة في المغني (٤/ ٢٣٤): "الجائحة كل آفة لا صنع للآدمي فيها كالريح والبرد والجراد والعطش. . ".
[ ٦٢٣ ]
بدا صلاحها، فأصابته جائحة، كان من ضمان البائع في مذهب مالك، والإمام أحمد، وجماعة من علماء السلف.
وقد صح النقل وثبت الخبر في صحيح مسلم مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: "إن بعت من أخيك ثمرة، فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئًا! أيأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق! ! " (١).
وأما أبو حنيفة فلا يفرق بين ما بيع قبل بدو الصلاح أو بعده (٢).
وأما ضمان البساتين عامًا أو أعوامًا، ليستغلها الضامن بسقيه وعمله، كالإجارة، وكذلك إذا بدا الصلاح في جنس من الثمر (٣) إذا أكل منه، وبيع جميع ثمر البستان فأظهر الأقوال جواز ذلك (٤).
وكذلك لو أعطى ماء ليسقي به زرعه، ويكون له الربع منه، أو أقل أو أكثر جاز، سواء كان الماء من صاحب البذر العامل فيها، أو من صاحب الأرض، أو من غيرهما، كل هذا جائز، وهذا من جنس المشاركة، لا من جنس الإجارة، وهو بمنزلة المساقاة والمزارعة.
والصحيح على مذهب أهل الحديث، أن المزارعة جائزة، سواء كان البذر من المالك، أو من الفلاح، أو منهما، وسواء كان على أرض بيضاء، أو ذات شجر، وكذلك تصبح المساقاة على جميع الأشجار، ويورث من كل منهم، وتقسم الشجرة أو الزرع في ورثته قسمة شرعية، فإن هذا كله من فضل الله الَّذي يبتغى في الأرض.
_________________
(١) رواه مسلم برقم (١٥٥٤) ٣/ ١١٩٠ كتاب المساقاة باب وضع الجوائح، والنسائي برقم (٤٥٢٧) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٤٧٠) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢٢١٩) كتاب التجارات، والدارمي برقم (٢٥٥٦) كتاب البيوع، وكلهم بألفاظ متقاربة.
(٢) هذه الأقوال في: الأم (٣/ ٥٦)، المبسوط (١٣/ ٩١)، روضة الطالبين (٣/ ٤٧٠)، بداية المجتهد (٢/ ١٨٦)، المغني (٤/ ٢٣٣).
(٣) هنا كلمة غير واضحة في نسخة الأصل.
(٤) والمصنف ذكر الخلاف في مجموع الفتاوي (٣٠/ ٢٤٠)، ورجح القول بالجواز، وقال: إنه الأصح، وذكر مآخذه وأدلته.
[ ٦٢٤ ]
ومن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾ [الحجر: ٢٠]. ومن قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا في مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥].
ومن قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣). . .﴾ [الواقعة: ٦٣].
وقد كان إبراهيم بن أدهم (١) وشقيق (٢) بعد ما كانا فيه من سعة الرزق، يقومان على الكروم، ويسترزقان الله من العمل في البساتين، ويتقوتان (٣) من الحصاد، وهو سنة ماضية من عهد رسول الله -ﷺ -، وخلفائه الراشدين، فمن بعدهم.
_________________
(١) هو إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر العجلي، وقيل: التميمي البلخي نزيل الشام، نعته الذهبي بسيد الزهاد، وقال عنه ابن كثير: أحد مشاهير العباد وأكابر الزهاد، روى عن أبيه وأبي إسحاق السبيعي ومنصور بن المعتمر ومالك بن دينار والأعمش ومقاتل بن حيان، وروى عنه رفيقه سفيان الثوري وشقيق البلخي وبقية بن الوليد ومحمد بن يوسف الفريابي وأبو إسحاق الفزاري، وذكر أبو نعيم وغيره أنَّه كان من أبناء الملوك، يعيش في ثراء ورغد عيش، فخرج من ذلك كله، وانصرف للزهد والعبادة والجهاد، وكان طيلة إقامته في الشام -مع أصحابه كشقيق البلخي- يعمل في الحصاد وحفظ البساتين، كما ذكر أبو نعيم وغيره، وكان سخيًا جوادًا كريم النفس، يقوم على خدمة إخوانه ويكرمهم، وهو القائل العبارة المشهورة: "والله لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف"، توفي مرابطًا في إحدى الجزر ببحر الروم في صائفة سنة ١٦٢ هـ. الجرح والتعديل (٢/ ٨٧)، حلية الأولياء (٧/ ٣٦٧)، الكامل لابن الأثير (٦/ ٥٦) سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٨٧)، البداية والنهاية (١٠/ ١٣٨)، شذرات الذهب (٢/ ٢٨٢).
(٢) هو شقيق بن إبراهيم الأزدي البلخي، قال عنه الذهبي: الإمام الزاهد شيخ خرسان، صحب إبراهيم بن أدهم كثيرًا وتأثر به، وهو نزر الرواية -كما قال الذهبي - وكان صاحب ثروة ومال، فتزهد وتصدق بها، وأقبل على طلب العلم، وكان مع زهده من رؤوس الغزاة والمجاهدين، واستشهد -﵀- في غزاة كولان سنة ١٩٤ هـ. الجرح والتعديل (٤/ ٣٧٣)، حلية الأولياء (٨/ ٥٨)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٣١٣)، شذرات الذهب (٢/ ٤٤٢).
(٣) في نسخة الأصل: يتقوتون، وأثبتنا ما في أعلاه ليتفق مع ما ورد قبله بصيغة التثنية.
[ ٦٢٥ ]
[العلم النافع هو ما قام عليه دليل عن النبي ﵊]
واعلم رحمك الله أن كل ما قام عليه الدليل فهو علم، والنافع من ذلك ما كان عن رسول الله -ﷺ - (١)، لقوله - ﵇ -: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنّة" الحديث (٢).
وكان شيخنا يقول (٣): الشريعة المحمدية، والآداب النبوية، نور الله في أرضه وعدله بين خلقه.
[مكاتبة النبي ﵊ العالم، ودعوتهم إلى الإسلام]
ولقد بعث رسول الله - ﷺ - الرسل إلى ملوك الأرض (٤)، فبعث إلى
_________________
(١) يقول المصنف في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٦٦٤) في وصيته لأبي القاسم المغربي: "لكن جماع الخير أن يستعين بالله سبحانه في تلقي العلم الموروث عن النبي -ﷺ -، فإنه هو الَّذي يستحق أن يسمى علمًا، وما سواه إما أن يكون علمًا فلا يكون نافعًا، إما أن لا يكون علمًا، وإن سمي به، ولئن كان علمًا نافعًا فلا بد أن يكون في ميراث محمد - ﷺ - ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه. . . وليجتهد أن يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور عن النبي -ﷺ -. . . . ".
(٢) رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦٩٩) ٤/ ٢٠٧٤ كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، والترمذي برقم (٢٦٤٦) كتاب العلم، وابن ماجة برقم (٢٥٥) في المقدمة، وأحمد برقم (٧٣٧٩) وهو جزء، من حديث أوله: (من نفس عن مؤمن كربة. . .)، ورواه أحمد مختصرًا برقم (٨١١٧)، ورواه ابن ماجة برقم (٢٢٣) في المقدمة والدارمي برقم (٣٤٢) في المقدمة، من حديث طويل معروف جاء فيه: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع. . . .).
(٣) لعلها مقحمة من أحد تلامذة شيخ الإسلام الَّذي بيض هذه النسخة من مسودة المؤلف، والله أعلم.
(٤) روي مسلم في صحيحه برقم (١٧٧٤) ٣/ ١٣٩٧ كتاب الجهاد والسير عن أنس - ﵁ -: "أن نبي الله - ﷺ - كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله. . "، ورواه الترمذي برقم (٢٧١٦) كتاب الاستئذان والآداب، ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٣٧٦)، وزادا فيه: كتب قبل موته. وروى ابن أبي عاصم في كتاب الآحاد والمثاني (١/ ٤٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٢٠) عن المسور بن مخرمة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - خطب أصحابه يومًا، وأنه أراد أن يبعثهم بكتب لدعوة ملوك الناس إلى الإسلام، وأنه يخشى اختلافهم، كما اختلاف الحواريون على عيسي بن مريم، فبعث دحية التي قيصر، وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى المنذر بن الحارث ملك الغساسنة، وعبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، والعلاء بن =
[ ٦٢٦ ]
كسرى (١)، وقيصر (٢)، وملك الإسكندرية (٣)،
_________________
(١) = الحضرمي إلى المنذر صاحب هجر، وسليط بن عمرو إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة، وعمرو بن العاص إلى ملك عثمان، وعمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، فمضوا لذلك ثم رجعوا إلى رسول الله - ﷺ -، وإن كان في إسنادهما مقال. وقد اختلف أهل العلم والتواريخ والسير في وقت إرسال ذلك، فذهب الواقدي وابن جرير إلى أن ذلك وقع أواخر سنة ست للهجرة، وذهب ابن سعد وابن قيم الجوزية إلى أن ذلك كان سنة سبع من الهجرة في المحرم، ومال البيهقي وابن كثير إلى وقوع ذلك بعد غزوة مؤتة سنة ثمان للهجرة، ولا خلاف بينهم جميعًا في أن ذلك كان قبل فتح مكة وبعد صلح الحديبية، لما ثبت في الصحيح من قول أبي سفيان لهرقل: "ونحن منه في مدة، لا ندري ما هو صانع فيها"، ومن المحتمل أن بعض هذه الكتب قد تقدم على بعض في التاريخ، وإلى ذلك أشار ابن جرير -﵀-، وقال: إنه مذهب ابن إسحاق والله أعلم، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٢٨)، الطبقات الكبري لابن سعد (١/ ٢٥٧)، الثقات لابن حبان (٢/ ١)، دلائل النبوة (٤/ ٣٧٧)، زاد المعاد (١/ ١١٩)، البداية والنهاية (٤/ ٢٦٢).
(٢) ثبت في صحيح البخاري برقم (٤٤٢٤) كتاب المغازي أن النبي - ﷺ - بعث كتابًا إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي - ﵁ -، فدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه إلى كسرى فمزقه، فدعا عليه النبي - ﷺ - بأن يمزق الله ملكه، فكان ذاك، وذكر أن اسم كسرى هو أبرويز بن هرمز بن آنوشروان، وخبر كتاب النبي - ﷺ - في تاريخ ابن جرير (٢/ ١٣٢)، ودلائل النبوة (٤/ ٣٨٧)، وزاد المعاد (١/ ١٢٠)، (٣/ ٦٨٨)، والبداية والنهاية (٤/ ٢٦٨).
(٣) ثبت في الصحيحين أن النبي - ﷺ - بعث كتابًا إلى قيصر مع دحية بن خليفة الكلبي - ﵁ -، كما في حديث ابن عباس، وقصة أبي سفيان مع قيصر الروم هرقل، الَّذي هم بالإسلام وكاد ولم يفعل، وقال: "ولو أني أعلم أني أخلص إليه، لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي"، والحديث رواه البخاري برقم (٧) كتاب بدء الوحي، ومسلم برقم (١٧٧٣) ٣/ ١٣٩٣ كتاب الجهاد والسير باب كتاب النبي - ﷺ - إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، وخبر كتاب النبي - ﷺ - إلى قيصر في تاريخ ابن جرير (٢/ ١٢٨)، ودلائل النبوة (٤/ ٣٧٧)، وزاد المعاد (١/ ٦٨٨)، (٣/ ١٢٠)، البداية والنهاية (٤/ ٢٦٢).
(٤) ملك الإسكندرية هو المقوقس جريج بن ميناء عظيم القبط، وقد بعث إليه - ﷺ - كتابًا صحبة حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ -، فقال خيرًا، وقارب الأمر ولم يسلم، وأهدى للنبي - ﷺ - عدة جوار، منهن مارية التي أصبحت فيما بعد أم ولد النبي - ﷺ - إبراهيم - ﵁ - وأرضاه، وغلامًا خصيًا، وجملة هدايا أخرى، وأخطأ من قال: إنه =
[ ٦٢٧ ]
وإلى أكيدر دومة (١)، وغيرهم من ملوك الأطراف، وكب إليهم كتبًا، وذلك ما عرف ونقل واشتهر.
وإنما بعث إلى كل واحد منهم رجلًا من أصحابه، ودعاهم إلى الله وإلى التصديق برسالته لإقامة (٢) الحجة وظهور الدعوة وقطع العذر لقوله
_________________
(١) = قد أسلم، بل حاله في ذلك كحال رئيسه هرقل. وقد ورد ذكر بعث حاطب خاصة في رواية عند الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٠٠)، وعند البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٣٩٥)، وخبر كتاب النبي - ﷺ -: إلى المقوقسي ملك الإسكندرية في طبقات ابن سعد (١/ ١٣٣)، (٣/ ١١٤)، وتاريخ ابن جرير (٢/ ١٢٨، ١٣٤)، وزاد المعاد (١/ ١٢٢)، (٣/ ٦٩١)، البداية والنهاية (٤/ ٢٧١) الإصابة (١/ ٣٠٠)، (٣/ ٥٣٠)، (٤/ ٤٠٤).
(٢) آكيدر دومة هو: أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن الكندي، وكان نصرانيًا، وأكيدر تصغير لأكدر، ودومة هي دومة الجندل، مدينة بقرب تبوك بين الشام والحجاز، كما ذكر الحافظ، وذكر أيضًا أن النبي - ﷺ - كتب إليه كتابًا، وأرسل إليه سرية كما في الفتح (٥/ ٢٣١). والمعروف في السير أن النبي - ﷺ - كتب له كتابًا بعد وقوعه في الأسر وإطلاقه، وإقراره على بلدة، كما ذكر موسى بن عقبة، فيما نقله عنه الحافظ ابن قيم الجوزية في زاد المعاد. كما أن ذكر أكيدر دومة هذا، ورد في سياق غزوة تبوك، عند أهل المغازي والسير والتاريخ، ولم يرد ذكره -فيما اطلعت عليه من مصادر- في باب مكاتبة النبي - ﷺ - لملوك ورؤساء الدول في ذلك الزمن، ولعل النبي - ﷺ - كاتبه فيمن كاتب قبل ذلك، والله أعلم. وقد ثبت في الصحيحين أن أكيدر دومة أرسل إلى النبي - ﷺ - بهدية جميلة من لباس، وعجب الصحابة منها، وأخبرهم النبي - ﷺ - أن مناديل سعد بن معاذ، - ﵁ - في الجنّة خير منها، وروي ذلك البخاري برقم (٢٤٧٣)، ومسلم برقم (٢٠٧١) ٣/ ١٦٤٥، وابن حبان في صحيحه برقم (٧٠٣٧) ١٥/ ٥٠٩. وروى أبو داود برقم (٣٠٣٧)، والنسائي برقم (٥٣٠٢)، وأحمد برقم (١٢٢٤٥)، والبيهقي (٩/ ١٨٧) وسياقه أطولها، أن النبي - ﷺ - أرسل إلى أكيدر دومة سرية مع خالد بن الوليد، وأنه أسر ثم أطلق. وقال ابن منده وأبو نعيم: إنه أسلم، وهذا خطأ كما ذكر الحافظ في الإصابة (١/ ١٢٦). وخبر أكيدار دومة في سيرة ابن هشام (٢/ ٥٢٦)، الثقات لابن حبان (٢/ ٧٣)، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٨٥)، زاد المعاد (٣/ ٥٣٨)، البداية والنهاية (٥/ ١٦).
(٣) الكلمة في نسخة الأصل غير واضحة تمامًا، وأقرب ما تكون المثبتة أعلاه.
[ ٦٢٨ ]
تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. . .﴾ [النساء: ١٦٥] الآيات. فإن الأنبياء كانوا يبعث النبي إلى قومه، وبعث - ﵇ - إلى الناس كافة (١).
[دعوة النبي ﵊ الناس، وإرساله الدعاة لذلك]
وإنما قصد ببعث هذه الرسل إلى الملوك، بث الدعوة في جميع الممالك، ودعا الناس عامة إلى دينه، على حسب ما أمره الله.
وقد كان إذا أنزل الله وحيًا، أو أحدث نسخًا، فيه تأكيد بحجة أو رخصة تدل على سعة الرحمة، بعث الأمناء الأمراء النجباء يعلمون من بعد عنه.
كما بعث عليًّا - ﵁ - بسورة براءة، مناديًا ألا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، وكل من كان بينه وبين النبي عهد فمدته إلى أربعة أشهر، وأنه لا يدخل الجنّة إلَّا نفس مسلمة.
وبعث معاذًا - ﵁ - إلى اليمن (٢).
وبعث إلى أهل خيبر من يقول: "إما أن تؤدوا القتيل، أو فأذنوا بحرب من الله ورسوله" (٣).
_________________
(١) هذا جزء من حديث روي بوجوه متقاربة، وأوله: (أعطيت خمسًا. . .)، ورواه البخاري، برقم (٣٣٥) كتاب التيمم، ومسلم برقم (٥٢١) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ولفظه: (وبعثت إلى كل أحمر وأسود. . .)، وفي رواية له: (وبعثت إلى الخلق كافة. .)، ورواه الترمذى برقم (١٥٥٣) كتاب السير، والنسائي برقم (٤٣٢) كتاب الغسل والتيمم، وأحمد برقم (١٣٨٥٢٩)، والدارمي برقم (١٣٨٩) كتاب الصلاة.
(٢) بعث علي إلى الحج بسورة براءة، وبعث معاذ إلى اليمن تقدم تخريج ذلك والكلام عليه.
(٣) هذا جزء من حديث القسامة المشهور، حين قتل عبد الله بن سهل - ﵁ - في خيبر، وقد رواه البخاري برقم (٧١٩٢) كتاب الأحكام، ومسلم برقم (١٦٦٩) كتاب القسامة، والترمذي برقم (١/ ٢٢) كتاب الديات، والنسائي برقم (٤٧١٠) كتاب القسامة، وأبو داود برقم (٤٥٢١) كتاب الديات، وابن ماجة برقم (٢٦٧٧) كتاب الديات، وأحمد برقم (٢٧٧٥١) ومالك في الموطأ برقم (١٦٣٠) كتاب القسامة، والدارمي برقم (٢٣٥٣) كتاب الديات.
[ ٦٢٩ ]
وبعث إلى بني قريظة أبا لبابة - ﵁ - يستنزلهم على حكمه (١).
وجاء أهل قباء واحد من أصحاب النبي - ﷺ - وهم في مسجدهم يصلون، فأخبرهم بصرف القبلة إلى المسجد الحرام، فاستداروا وهم في صلاتهم (٢).
وبعث العلاء بن الحضرمي - ﵁ - إلى أعمال البحرين (٣).
وبعث عدي بن حاتم - ﵁ - على صدقة طيء (٤).
[اجتناب البيوع الفاسدة من الإحسان]
ومن الإحسان في البيوع، والتزام العقود الشرعية، والورع في المعاملات المباحة، ما ذكره الإمام أبو الوفا بن عقيل البغدادي في كتاب التذكرة، في باب ما يجتنب من البيوع الفاسدة، فقال:
_________________
(١) قصة بعث أبي لبابة إلى بني قريظة رواها إسحاق بن راهويه في مسنده (٣/ ٥٤٤)، وأحمد برقم (٢٥١٤٠)، وابن حبان في صحيحه رقم (٧٠٢٨) ٣/ ٣٥٠ وصححه، وقال محققه: حديث حسن. وخبرها في سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٤)، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٠٠)، دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ١٣)، زاد المعاد (٣/ ١٣٣)، السيرة النبوية للذهبي (١/ ٥٠٩)، البداية والنهاية (٤/ ١٢١).
(٢) رواه البخاري برقم (٤٤٨٨) كتاب، ومسلم برقم (٥٢٧) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، والنسائي برقم (٤٩٣) كتاب الصلاة، وأبو داود برقم (١٠٤٥)، وأحمد برقم (٤٧٩٤)، ومالك برقم (٤٥٨)، كتاب الصلاة، وابن خزيمة برقم (٤٣٥) ١/ ٢٢٥، والدارمي برقم (١٢٣٤) كتاب الصلاة، والطبراني في المعجم الكبير (٦/ ١٦٢)، والدارقطني في سننه (١/ ٢٧٣).
(٣) ثبت في الصحيحين أن النبي - ﷺ - بعث العلاء إلى البحرين أو هجر -وهي الأحساء حديثًا- وصالح أهلها، وأمره عليهم، وقد رواه البخاري برقم (٣١٥٨) كتاب الجزية والموادعة، ومسلم برقم (٢٩٦١) ٤/ ٢٢٧٣، رواه ابن ماجة برقم (٣٩٩٧) كتاب الفتن، وأحمد برقم (١٦٧٨٣). وخبر بعث العلاء في تاريخ ابن جرير (٢/ ١٤٥، ١٩٩، ٢٠٤)، سير أعلام النبلاء. (١/ ٢٦٢)، زاد المعاد (١/ ١٢٣)، (٣/ ٦٩٢)، الإصابة (٢/ ٤٧٢).
(٤) روى مسلم في صحيحه برقم (٢٥٢٣) كتاب فضائل الصحابة، وأحمد برقم (٣١٨) عن عدي بن حاتم - ﵁ - قال: "أتيت عمر بن الخطاب، فقال: إن أول صدقة بيضت وجه رسول الله - ﷺ - ووجوه أصحابه صدقة طيء. جئت بها إلى رسول الله - ﷺ -".
[ ٦٣٠ ]
(يجتنب منها خمسة وعشرون شيئًا، كلها كانوا في الجاهلية يجيزونه، فجاء الإسلام برده وكان تحريمه، فمنها تلقي الركبان، وأن يبيع حاضر لباد (١)، والنجش (٢) هو من شرها موقعًا، وأذرعها (٣) للحق وفي القلوب (٤)، وأن يسوم الرجل على سوم أخيه المسلم (٥)، ونهى عن بيع
_________________
(١) روى البخاري برقم (٢١٥٨) كتاب البيوع باب هل بيع حاضر لباد بغير أجر. .، ومسلم برقم (١٥٢١) ٣/ ١١٥٧ كتاب البيوع باب تحريم بيع الحاضر للبادي، عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تلقوا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد، قال: قلت (أي طاووس): ما قوله: (لا يبيع حاضر لباد)؟ قال: لا يكون له سمسارًا. ويبين ابن قدامة في المغني (٤/ ٣٠٢) معنى بيع الحاضر لبادي فيقول: (وهو أن يخرج إلى البادي وقد جلب السلعة، فيعرفه السعر، ويقول: أنا أبيع لك). وقال الحافظ في الفتح (٤/ ٣٧١) بعد أن تعقب على الحنفية تفسيرهم لبيع الحاضر للبادي زمن الغلاء: (وقال غيرهم: وصورته أن يجيء البلد غريب بسلعته، يريد بيعها بسعر الوقت في الحال، فيأتيه بلدي فيقول له: ضعه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى من هذا السعر. .)، وهل يدخل غير البدوي في ذلك؟ وهل النهي لتحريم أم للكراهة؟ مسألتان بحثهما أهل العلم، ومجال تفصيلهما في كتب شروح الحديث، وكتب الفقه.
(٢) روى البخاري برقم (٢١٤٢) كتاب البيوع باب النجش، ومسلم برقم (١٥١٦) ٣/ ١١٥٦ كتاب البيوع باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سومه، وتحريم النجش. . عن ابن عمر قال: "نهى النبي - ﷺ - عن النجش). وقال الحافظ في الفتح (٤/ ٣٥٥): (النجش في اللغة تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليصاد. . . وفي الشرع: زيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، سمي بذلك لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة، ويقع ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص بذلك الناجش، وقد يختص به البائع كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر مما اشتراها به ليغر غيره بذلك. .).
(٣) أذرعها: أفرطها، الصحاح (٣/ ١٢١٠).
(٤) هكذا العبارة في نسخة الأصل.
(٥) روى البخاري برقم (٢٧٢٧) كتاب البيوع باب الشروط في الطلاق، ومسلم برقم (١٤١٣) ٢/ ١٠٣٣ كتاب النكاح باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه. . عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن التلقي، وأن يبتاع المهاجر للأعرابي، وأن تشرط المرأة طلاق أختها، وأن يستام الرجل على سوم أخيه. .).
[ ٦٣١ ]
الملامسة، وعن بيع المنابذة (١)، ونهى عن المحاقلة، وهي مما يقع فيه كثير من الجند، الذين يعاملون الفلاحين، ولا يعرفون شرطه، ونهى عن المزابنة (٢)، وعن بيع الحصاة (٣)، وعن بيع الكلب (٤)، وعن بيع نفع البئر
_________________
(١) النهي عن بيع الملامسة والمنابذة رواه البخاري برقم (٢١٤٦) كتاب البيوع باب بيع المنابذة عن أبي هريرة - ﵁ -: (أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الملامسة والمنابذة)، وقد رواه أيضًا مفسرًا برقم (٢١٤٤) كتاب البيوع باب بيع الملامسة، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: (أن رسول الله - ﷺ - نهى عن المنابذة، وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى رجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة، والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه)، وجاء في الحديث الَّذي رواه مسلم برقم (١٥١٢) ٣/ ١١٥٢ تفسير أوضح من هذا، عن أبي سعيد قال: "نهى الرسول - ﷺ - عن الملامسة والمنابذة، والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو النهار، ولا يقلبه إلَّا بذلك، والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض)، وللملامسة والمنابذة صور عدة، ذكرها الحافظ في الفتح (٤/ ٣٥٩).
(٢) روى البخاري برقم (٢١٨٧) كتاب البيوع باب بيع المزابنة عن ابن عباس - ﵄ - قال: "نهى النبي - ﷺ - عن المحاقلة والمزابنة)، وقد فسرتا في الحديث الَّذي رواه مسلم برقم (١٥٣٦) ٣/ ١١٧٥ كتاب البيوع باب النهي عن المحاقلة والمزابنة. . عن جابر قال: (أن رسول الله - ﷺ - نهى عن المحاقلة والمزابنة. .، والمحاقلة أن يباع الحقل بكيل من الطعام معلوم، والمزابنة أن يابع النخل بأوساق من التمر)، والمزابنة مأخوذة من الزبن، وهو الدفع، قاله في الصحاح (٥/ ٢١٣٠)، وسمي بيع الرطب بالتمر مزابنة، لأن كل واحد من المتبايعين إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع بفسخه، قاله الحافظ في الفتح (٤/ ٣٨٤).
(٣) روى مسلم برقم (١٥١٣) ٣/ ١١٥٣ كتاب البيوع باب بطلان بيع الحصاة. . عن أبي هريرة - ﵁ -: قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الحصاة. . .)، ورواه الترمذي برقم (١٢٣٠) كتاب البيوع، والنسائي برقم (٤٥١٨) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢١٩٤) كتاب التجارات، وأحمد برقم (٩٣٤٥). وقال الترمذي (٣/ ٥٢٣) بعد أن أورد الحديث السابق: (ومعنى بيع الحصاة أن يقول البائع للمشتري: إذا نبذت إليك بالحصاة فقد وجب البيع. . وهذا شبه ببيع المنابذة، وكان هذا من بيوع الجاهلية).
(٤) روى البخاري برقم (٢٢٣٧) كتاب البيوع باب ثمن الكلب، ومسلم برقم (١٥٦٧) ٣/ ١١٩٨ كتاب المساقاة باب تحريم ثمن الكلب عن أبي مسعود الأنصاري - ﵁ - قال: (أن رسول الله - ﷺ - نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن).
[ ٦٣٢ ]
يعني: مائه (١)، وعن بيع وسلف (٢)، وعن بيع ما لم يقبض (٣)، وعن بيع ما ليس عندك (٤) وعن بيع الحب حتَّى يفرك (٥)، وعن بيع الثمرة حتَّى
_________________
(١) أورده الحميدي في مسنده (٢/ ٤٠٥)، والنقع هو الماء لأنه ينقع به العطش أي يروي، قاله ابن الأثير في النهاية (٥/ ١٠٨)، وانظر الصحاح (٣/ ١٢٩٢)، وروى مسلم برقم (١٥٦٥) ٣/ ١١٩٧ كتاب المساقاة باب تحريم بيع الماء الَّذي يكون في الفلاة، ويحتاج إليه لرعي الكلأ، وتحريم منع بذله. . عن جابر - ﵁ - قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع فضل الماء"، وعن بيان ذلك: انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٠/ ٢٢٩).
(٢) روى أحمد برقم (٦٥٧١) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن بيعتين في بيعة، وعن بيع وسلف، وعن ربح ما لم يضمن، وعن بيع ما ليس عندك)، والترمذي بنحوه برقم (١٢٣٤) كتاب البيوع، والنسائي برقم (٤٦١١) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٥٠٤) كتاب البيوع، وذكر الترمذي (٣/ ٥٢٦) عن إسحاق بن منصور: "أنَّه سأل أحمد: ما معنى نهى عن سلف وبيع؟ قال: أن يكون يقرضه قرضًا ثم يبايعه عليه بيعًا يزداد عليه، ويحتمل أن يكون يسلف إليه في شيء، فيقول: إن لم يتهيأ عندك فهو بيع عليك".
(٣) روى البخاري برقم (٢١٣٥) كتاب البيوع باب بيع الطعام قبل أن يقبض، ومسلم برقم (١٥٢٥) ٣/ ١١٥٩ كتاب البيوع باب بطلان بيع المبيع قبل القبض عن ابن عباس - ﵄ - قال: (أما الَّذي نهى عنه النبي - ﷺ - فهو الطعام أن يباع حتَّى يقبض) قال ابن عباس: "ولا أحسب كل شيء إلَّا مثله"، وانظر في معنى ذلك الفتح (٤/ ٣٤٩).
(٤) روى الترمذي برقم (١٢٣٣) كتاب البيوع، والنسائي برقم (٤٦١٣) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٥٠٣) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢١٨٧) كتاب التجارات، وأحمد برقم (١٤٨٨٧) عن حكيم بن حزام - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال له: "لا تبع ما ليس عندك"، وقد ورد النهى عنه أيضًا ضمن الحديث المخرج في الحاشية رقم (٢).
(٥) روى أحمد برقم (١٢٦٥٩) عن أنس - ﵁ - قال: "نهى النبي - ﷺ - عن بيع النخل حتى يزهو، والحب حتَّى يفرك. . .)، وفي إسناد أحمد رجل لم يسم، ورواه البيهقي في سننه (٥/ ٣٠٣) عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس، ورواه أيضًا عن سفيان عن أبان عن أنس، وقال: (والصحيح في هذا الباب رواية أيوب السختياني، ثم رواية حماد بن سلمة)، وروى الترمذي برقم (١٢٢٨) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٣٧١) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢٢١٧) كتاب التجارات، أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الحب حتَّى يشتد، ومعنى يفرك: قال في الصحاح (٤/ ١٦٠٢): (فركت الثوب والسنبل بيدي أفركه فركًا. وأفرك السنبل، أي صار فريكًا، وهو حين يصلح أن يفرك فيؤكل. .). وقال الحافظ البيهقي يرحمه الله عقب رواية هذا الحديث (٥/ ٣٠٣): (وقوله: =
[ ٦٣٣ ]
تزهي (١)، أي: يبدو صلاحها، وهو أن تحمر أو تصفر، وعن بيع الحنطة في سنبلها (٢)، وربح ما لم يضمن خسارته (٣).
ونهى عن بيعين في بيعة (٤)، وعن بيع المضامين، وحرم بيع
_________________
(١) = حتَّى يفرك، إن كان بخفض الراء على إضافة الإفراك إلى الحب، وافق رواية من قال: حتَّى يشتد، وإن كان بفتح الراء ورفع الياء، على إضافة الفرك إلى من لم يسم فاعله، خالف رواية من قال فيه: حتى يشتد، واقتضى تنقيته عن السنبل، حتَّى يجوز بيعه، ولم أر أحدًا من محدثي زماننا ضبط ذلك، والأشبه أن يكون بخفض الراء الموافقة معني من قال فيه: حتى يشتد، والله أعلم).
(٢) روي البخاري برقم (١١٩٨) كتاب البيوع باب إذا باع الثمر قبل أن يبدو صلاحها، ومسلم برقم (١٥٥٥) ٣/ ١١٩٠ كتاب البيوع باب وضع الجوائح عن أنس بن مالك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الثمار حتَّى تزهي، فقيل له: وما تزهي؟ قال: حتى تحمر).
(٣) ذكر البيهقي في سننه (٥/ ٣٠٨) أن معنى النهي عن بيع الحنطة في سنبلها أن تشتري الحنطة في السنبل بالحنطة، وقال الإمام الطحاوي -﵀- في شرح معاني الآثار (٤/ ٣٦١) في حديث: (وعن الحب حتَّى يشتد. .): (فدل ذلك على إباحة بيعه بعدما يشتد وهو في سنبله، لأنه لو لم يكن ذلك كذلك لقال: حتَّى يشتد ويبرأ عن سنبله).
(٤) هو جزء من حديث تقدم تخريجه في الحاشية رقم (٢)، ورواه أيضًا النسائي برقم: (٤٦٢٩) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٥٠٤) كتاب البيوع، والطيالسي (٢٩٨)، وابن حبان في صحيحه برقم (٤٣٢١) ١٠/ ١٦١، والحاكم (٢/ ١٧)، والطبراني في المعجم الأوسط (٢/ ٢٩٨)، وابن الجارود في المنتقي من السنن المسندة (١٥٤). وقال السندي في حاشيته على سنن النسائي (٧/ ٢٦٩) عن بيع ما لم يضمن: (هو ربح مبيع اشتراه فباعه قبل أن ينتقل من ضمان البائع الأول إلى ضمانه بالقبض)، وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٤/ ٤٣١): (يريد به الربح الحاصل من بيع ما اشتراه قبل أن يقبضه، وينتقل من ضمان البائع إلى ضمانه).
(٥) روي الترمذي برقم (١٢٣١)، كتاب البيوع عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن بيعتين في بيعة)، وقال الترمذي عقب ذلك: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وقد فسر بعض أهل العلم، قالوا: بيعتين في بيعة، أن يقول: أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة، وبنسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعين، فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس، إذا كانت العقدة على أحد منهما، قال الشافعي: ومن معنى نهي النبي - ﷺ - عن بيعتين في بيعة، أن يقول: أبيعك داري هذه بكذا، على أن تبيعني غلامك بكذا، فإذا وجب لي غلامك، وجب لك =
[ ٦٣٤ ]
الملاقيح (١)، ونهى عن بيع وشرط (٢)، ونهى عن بيع الغرر (٣)، وعن بيع
_________________
(١) = داري، وهذا يفارق عن بيع بغير ثمن معلوم، ولا يدري كل واحد منهما على ما وقعات عليه صفقته)، ولمزيد من التوضيح، انظر: تحفة الأحوذي (٤/ ٤٢٧)، ورواه أيضًا النسائي برقم (٤٦٣٢) كتاب البيوع، وأحمد برقم (٩٣٠١).
(٢) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٦٥٤) عن سعيد بن المسيب مرسلًا، رواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢٣٠)، والدارقطني في العلل (٩/ ١٨٣) وقال: (والصحيح غير مرفوع من قول سعيد)، والبيهقي في سننه (٥/ ٢٨٧)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٢٤٥)، وقال الحافظ في تلخيص الحبير: (رواه إسحاق بن راهويه من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر عن الزهري وهو ضعيف، وقد رواه مالك في الموطأ عن الزهري عن سعيد مرسلًا، قال الدارقطني في العلل: تابعه معمر، ووصله عمر بن قيس عن الزهري، والصحيح قول مالك، وفي الباب عن عمران بن حصين: وهو في البيوع لابن أبي عاصم كما تقدم، وعن ابن عباس في الكبير للطبراني والبزار، وعن ابن عمر أخرجه عبد الرزاق، وإسناده قوي). والمضامين -كما فسرت في حديث سعيد في الموطأ- بيع ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح بيع ما في ظهور الجمال، وقال في النهاية عكس ذلك حيث قال عن المضامين (٣/ ١٠١): (المضامين ما في أصلاب الفحول، وهي جمع مضمون)، وقال عن الملاقيح (٣/ ١٢): (الملاقيح جمع ملقوح، وهو جنين الناقة)، وانظر ما في الصحاح: (١/ ٤٠١)، (٦/ ٢١٥٦).
(٣) رواه الطبراني في المعجم الأوسط -كما ذكر الزيلعي في نصب الراية (١٧/ ٤)، وذكر أن الحاكم رواه في كتاب علوم الحديث، في باب الأحاديث المتعارضة، ومن جهة الحاكم ذكره عبد الحق في أحكامه، وسكت عنه، وقال ابن القطان: وعلته ضعف أبي حنيفة في الحديث ذكره الحافظ ابن قدامة -﵀- في المغاني (٤/ ٣٠٨) دليلًا لما ذهب إليه الشافعية والحنفية، من عدم جواز الشرط الواحد في البيع، وقال بعد ذلك: (وحديثهم لم يصح، وليس له أصل، وقد أنكره أحمد، ولا نعرفه مرويًا في مسند، ولا يعول عليه)، وقال أيضًا: (قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إن هؤلاء يكرهون الشرط في البيع، فنفض يده، وقال: الشرط الواحد لا بأس به في البيع، إنما نهى رسول الله - ﷺ - عن شرطين في البيع، وحديث جابر يدل على إباحة الشرط حين باعه جمله وشرط ظهره إلى المدينة). وقال الحافظ في تلخيص الحبير (٣/ ١٢): (وقد رواه ابن حزم في المحلى، والخطابي في المعالم، والطبراني في الأوسط، والحاكم في علوم الحديث، من طريق محمد بن سليمان الذهلي عن عبد الوارث بن سعيد عن أبي حنيفة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به في قصة طويلة مشهورة. . .). وممن ذكر الخلاف الإمام الترمذي في سننه (٣/ ٥٤٥) بعد سوقه لحديث جابر - ﵁ -.
(٤) روي مسلم في صحيحه برقم (١٥١٣) كتاب البيوع باب بطلان بيع الحصاة والبيع =
[ ٦٣٥ ]
حبل الحبلة (١)، وعن بيع اللحم، لحيوان (٢).
_________________
(١) = الَّذي فيه غرر عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "نهى رسول الله -ﷺ - عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر)، ورواه الترمذي برقم (١٢٣٠) كتاب البيوع، والنسائي برقم (٤٥١٨) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٣٧٦) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢١٩٤) كتاب التجارات، وأحمد برقم (٢٧٤٧)، ومالك برقم (١٢٧٠) كتاب البيوع، والدارمي برقم (٢٥٤٤). وقال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ١٥٦): (وأما النهي عن بيع الغرر، فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ولهذا قدمه مسلم، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق، والمعدوم، والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الشرع، وبيع العمل في البطن، وبيع بعض الصبرة، وبيع ثوب من أثواب، وشاة من شياه، ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل).
(٢) روي البخاري برقم (٢١٤٣) كتاب البيوع باب بيع الغرر وحبل الحبلة، ومسلم برقم (١٥١٤) ٣/ ١١٥٣ كتاب البيوع باب تحريم بيع حبل الحبلة عن ابن عمر -﵄-: (أن رسول -ﷺ -: "نهى عن بيع حبل الحبلة" وكان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها)، وحبل الحبلة في الصحاح (٤/ ١٦٦٥) هو: نتاج النتاج، وولد الجنين، وهو الموافق لتفسير ابن عمر - ﵄ -، وقال النووي في شرح صحيح مسلم (١٠/ ١٥٧): (واتفق أهل اللغة على أن الحبل مختص بالآدميات، ويقال في غيرهن الحمل. . قال أبو عبيد: لا يقال لشيء من الحيوان حبل إلَّا ما جاء في هذا الحديث. . .)، وقد تعقبه الحافظ في الفتح (٤/ ٣٥٧). قلت: نقل صاحب الصحاح (٤/ ١٦٦٥) قولًا عن بعض أهل اللغة في أنَّه يقال حبلى في كل ذات ظفر، فيشمل حينئذ الآدمية وغيرها.
(٣) حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان رواه مالك في الموطأ (٢/ ٦٥٤)، والحاكم (٢/ ٣٥)، عن سعيد بن المسيب مرسلًا، ورواه الدارقطني في سننه (٣/ ٧٠) عن سهل بن سعد، وقال: "تفرد به يزيد بن مروان عن مالك بهذا الإسناد ولم يتابع عليه، وصوابه في الموطأ عن ابن المسيب مرسلًا، ورواه البيهقي (٥/ ٢٩٦)، عن ابن المسيب: (أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع اللحم بالحيوان) وقال: (هذا هو الصحيح، ورواه يزيد بن مروان الخلال عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد عن النبي - ﷺ - قلت: يزيد بن مروان الخلال، قال فيه ابن معين: كذاب، وقال أبو داود: ضعيف، وقال الدارقطني: ضعيف جدًّا، الجرح والتعديل (٩/ ٢٩١)، ضعفاء العقيلي (٤/ ٣٨٩)، لسان الميزان (٦/ ٢٩٣). =
[ ٦٣٦ ]
وعن عسب الفحل (١)، وعن بيع الرطب بالتمر (٢)، ورخص في العرايا من أجل الفقراء (٣)،
_________________
(١) = ورواه الشافعي في مسنده (ص ٢٥٠) قال: أخبرنا ابن أبي نجيح عن أبي صالح مولى التوأمة عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق - ﵁ - أنَّه كره بيع اللحم بالحيوان، وإسناده لا بأس به. وقال الحافظ في تلخيص الحبير (٣/ ١٠): (وله شاهد من حديث ابن عمر رواه البزار، وفيه ثابت بن زهير وهو ضعيف، وأخرجه من رواية أبي أمية بن يعلى عن نافع أيضًا، وأبو أمية ضعيف، وله شاهد أقوى منه من رواية الحسن عن سمرة، وقد اختلف في صحة سماعه منه، أخرجه الحاكم والبيهقي وابن خزيمة). فتبين أن أصح ما فيه هو مرسل سعيد بن المسيب -﵀-، وقد قال الإمام أحمد فيما نقله عنه الخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية (ص ٤٠٤): (مرسلات سعيد بن المسيب أصح المراسيل)، والحديث حسنه الشيخ ناصر الألباني في إرواء الغليل برقم (١٣٥١).
(٢) روي البخاري برقم (٢٢٨٤) كتاب الإجارة باب عسب الفحل عن ابن عمر - ﵄ - قال: "نهى النبي - ﷺ - عن عسب الفحل)، والترمذي برقم (١٢٧٣) كتاب البيوع، والنسائي برقم (٤٦٧١) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٤٢٩) كتاب البيوع، وأحمد برقم (٤٦١٦) بلفظ: "نهى عن ثمن عسب الفحل". وعسب الفحل كما في الصحاح (١/ ١٨١): هو ضرابه، وقيل: ماؤه. وفي جواز إجارة الفحل خلاف بين أهل العلم، وذكر الحافظ في الفتح (٤/ ٤٦١) طرفًا من ذلك.
(٣) رواه الترمذي برقم (١٢٢٥) كتاب البيوع، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي برقم (٤٥٤٥) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٣٦٠) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢٢٦٤) كتاب التجارات، ومالك برقم (١٣١٦)، وأحمد برقم (١٥١٥)، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، ورواه الحاكم (٢/ ٣٨).
(٤) روي البخاري برقم (٢٣٨٢) كتاب المساقاة باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل. . .، ومسلم برقم (١٥٤١) ٣/ ١١٧١ كتاب البيوع باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلَّا في العرايا، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: (رخص النبي - ﷺ - في بيع العرايا بخرصها من الثمر فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق) شك داود في ذلك، وداود هو ابن الحصين أحد رواة الحديث. قال في الصحاح (٦/ ٤٢٢٣): (العرية: النخلة يعريها صاحبها رجلًا محتاجًا، فيجعل له ثمرها عامًا، فيعروها، أي يأتيها. . . وفي الحديث أنَّه رخص في العرايا بعد نهيه عن المزابنة، لأنه ربما تأذى المعري بدخوله عليه، فيحتاج أن يشتريها منه بثمن، فرخص له في ذلك). =
[ ٦٣٧ ]
وعن بيع المجر (١)، وعن بيع الكالئ بالكالئ) (٢).
فهذه بيوع كثيرة عرف تفصيلها، ووجه الاحتراز منها، من مشهور الأحاديث، وجملة أحاديث النهي عن البيوع الفاسدة ثلاثة وخمسون حديثًا.
وقد بوب العلماء على أكثرها، وأحسنوا التنبيه على ذلك، لئلا يكون
_________________
(١) = وقال الخرقي في مختصره: (العرايا التي أرخص فيها رسول الله - ﷺ - هو أن يوهب للإنسان من النخيل ما ليس فيه خمسة أوسق فيبيعها بخرصها من التمر لمن يأكلها راطبًا) المغاني (٤/ ١٩٦).
(٢) رواه البيهقي (٥/ ٣٤١)، وقال: تفرد به موسي بن عبيدة، وضعف بسببه، وتعقبه الحافظ في تلخيص الحبير (٣/ ١٦) بأن قوله تفرد به معترض بما أخرجه عبد الرزاق عن الأسلمي عن عبد الله بن دينار، لكن الأسلمي أضعف من موسى عند الجمهور. ومعنى المجر كما ذكر البيهقي: أن يباع البعير أو غيره بما في بطن الناقة، وقال في النهاية (٤/ ٢٩٨)، والصحاح (٢/ ٨١١) مثل ذلك.
(٣) قال مالك في الموطأ (٢/ ٦٥٩): (الكالئ بالكالئ أن يبيع الرجل دينًا له على رجل بدين علي رجل آخر)، وقال ابن الأثير في النهاية (٤/ ١٩٤): "نهى عن بيع الكالئ بالكالئ أي النسيئة بالنسيئة، ذلك أن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضي به، فيقول: بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء، فيبيعه منه، ولا يجري بينهما تقابض). ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢١)، والدارقطني في سننه (٣/ ٧١)، والحاكم (٢/ ٥٧)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وابن عدي في الكامل (٦/ ٣٣٣)، وأعله البيهقي بعلة نقلها عنه الحافظ في تلخيص الحبير (٣/ ٢٦) حيث ورد في سند الحديث موسى بن عقبة، والصواب هو موسى بن عبيدة الربذي، ونقل عن الإمام أحمد قوله عن موسى بن عبيدة هذا: لا تحل عندي الرواية عنه، ولا أعرف هذا الحديث عن غيره، وقال أيضًا: ليس في هذا حديث يصح، لكن إجماع الناس على أنَّه لا يجوز بيع دين بدين. قلت: موسى بن عبيدة سبق فيه ما نقله الحافظ عن الإمام أحمد، وقد قال فيه أيضًا: منكر الحديث، وقال أبو حاتم مثل ذلك، وضعفه علي بن المديني والنسائي، وقال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء، الجرح والتعديل (٨/ ١٥١)، التاريخ الكبير (٧/ ٢٩١)، الضعفاء للعقيلي (٤/ ١٦٠)، تهذيب الكمال (٢٩/ ١٠٤)، وذكره صاحب الكشف الحثيث لمن رمي بوضع الحديث (٢٦٤). فالحديث ضعيف جدًا من أجل موسى بن عبيدة.
[ ٦٣٨ ]
للآكل حجة إذا أخذ الحرام، وسماه بغير اسمه، واحتج لغلبة هواه، ورغبته في تثمير المال بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولا يعلم أن من العلم جهلًا، وهو: أن يتكلف العالم الكلام فيما لا يعلم تأويله، ولا يعرف صحته، فينسب إلى الجهل مع علمه بفنون من العلم.
قيل لعفان بن مسلم (١)، وقد سئل في حضرة الخليفة مسألة فقال: لا أعلم.
فقيل له: أيصرف إليك من بيت المال في كل شهر ألف درهم، وأنت لا تعلم! ! فقال: إنما آخذ على ما أعلم، وإلا فلو أخذت على ما لا أعلم لفني بيت المال، قبل أن يفنى ما لا أعلم (٢).
فمن العلم جهلًا، ومن القول عيلًا، وهو أن تقبل بحديثك على من لا يسمعه، وتخص به من لا يفهمه (٣).
_________________
(١) هو عفان بن مسلم بن عبد الله، قال عنه الإمام الذهبي: (الإمام الحافظ محدث العراق أبو عثمان الصفار بقية الأعلام)، من كبار المحدثين، كان له موقف عظيم في محنة القول بخلق القرآن، وهو أول من امتحن من العلماء، وهدد بقطع جرايته من بيت المال -وقطعت فيما بعد- وأهل بيته كثير، فلم يجب إلَّا بقول الحق ﵎ في محكم التنزيل: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢]، وكان الإمام أحمد يعرف له هذا، ويجله من أجل موقفه في المحنة، وكان عفان غاية في الحفظ والضبط والإتقان، ومات سنة ٢٢٠ هـ، كما نص عليه البخاري. التاريخ الصغير (٢/ ٣٤٢)، الجرح والتعديل (٧/ ٣٠)، تاريخ بغداد (١٢/ ٢٩٦)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٤٢)، شذرات الذهب (٣/ ٩٦).
(٢) هذه القصة مشهورة عن إبراهيم بن طهمان عالم خراسان (المتوفي سنة ١٦٨ هـ)، وذكر مرة عند الإمام أحمد وكان متكئًا من علة، فجلس وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فيتكأ، ولم أجدها في ترجمة عفان بن مسلم، فيما بحثت فيه من مصادر، وممن ذكر هذه القصة عن إبراهيم بن طهمان، الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٦/ ١٥٠)، والمزي في تهذيب الكمال (٢/ ١٠٨)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (١/ ٢١٣)، وسير أعلام النبلاء (٧/ ٣٨٢).
(٣) قال في القاموسي المحيط (١٣٤٠): (العيل محركة: عرضك حديثك وكلامك على من لا يريده، وليس من شأنه، كأنه لم يهتد لمن يريده، فعرضه على من لا يريده).
[ ٦٣٩ ]
ومن البيوع فاسد، لا يحل ربحه، ولا يصح العقد فيه.
وللعلماء من التصانيف الجليلة في البيوع ما بيّن الحالي من العاطل (١)، وأوضح الحق من الباطل، وليس هذا مما يستغني عنه العوام، بل هو مما لا يسعهم جهله، ولا يعذر التجار في التساهل في حفظه.
فقد قال قتادة (٢) في قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] الآية قال: (ليس هو أنَّه لم يكن لهم معايش، وأسباب، وتجارة وأعمال، بل كانت عامة أقواتهم من التجارة، والصناعة) (٣).
وكان فيهم أعني: الأنصار، من يعيش من عمل النخيل، والتصدي لازدراع ونحوه.
وقد جاء في الصحيح: (ما من مسلم يزرع زرعًا، أو يغرس غرسًا،
_________________
(١) الحالي: اسم فاعل من الحلي، قال صاحب القاموس المحيط (١٦٤٧): (الحلي بالفتح: ما يزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة، جمعه حلي). والعاطل قال في القاموس (١٣٣٥): (عطلت المرأة. . . وتعطلت: إذا لم يكن عليها حلي، فهي عاطل وعطل).
(٢) هو قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي البصري الضرير، قال عنه الذهبي: (حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين)، أرسل عن عمران بن الحصين، وأبي هريرة، وروي عن أنس بن مالك، وعبد الله بن سرجس، وأبي الطفيل الكناني، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وأبي العالية وعكرمة مولى ابن عباس، كان من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ، لكنه مدلس، وإذا صرح بالسماع فحديثه حجة بالإجماع، ونقل عنه أنَّه كان يقول بالقدر، وكان إمامًا في اللغة والأنساب وأيام العرب، وله في التفسير اليد الطولى، فهو من أئمته وعلمائه الكبار، مات ﵀ سنة ١١٧ هـ. الجرح والتعديل (٧/ ١٣٣)، الأنساب للسمعاني (٣/ ٢٣٥)، وفيات الأعيان (٤/ ٨٥)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٩)، طبقات المفسرين (٢/ ٤٣)، البداية والنهاية (٩/ ٣٢٥)، شاذرات الذهب (٢/ ٨٠).
(٣) لم أجد هذا القول، وسيورد المصنف لقتادة قولًا قريبًا من هذا بعد قليل إن شاء الله.
[ ٦٤٠ ]
فيأكل منه طير، أو سبع، أو حيوان، إلَّا كان له صدقة) (١).
[اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بفقه الحلال والحرام]
ولا خلاف أن الصحابة كانت لهم أسباب ومعائش شتى، مع كثرة اشتغالهم بالغزو، الَّذي هو من أشد الأعمال على النفوس، وكان تورعهم واجتهادهم وفقههم الَّذي يتدارسونه بينهم معرفة الحلال والحرام، في المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، ونحو ذلك، وكانوا يرجعون في ذلك كله إلى الكتاب والسنة، ويستفتون رسول الله - ﷺ - في حال حياته، ويسأل بعضهم بعضًا عن سنته بعد وفاته، حتى حفظ عنهم في باب المعاملات ما قطع حجة كل أفاك أثيم، وعرف من شعارهم ما لو تمسكنا به لم نعدل عن النهج القويم، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.
باع عثمان بن عفان - ﵁ - طعامًا، فجاء فاستفتى النبي - ﷺ - في الرجل يبيع الطعام، أجرة الكيل على البائع، أم على المشتري، فأفتاه أنها على البائع (٢).
_________________
(١) رواه البخاري برقم (٢٣٢٠) كتاب المزارعة باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه، ومسلم برقم (١٥٥٣) ٣/ ١١٨٩ كتاب المساقاة باب فضل الغرس والزرع، والترمذي برقم (١٣٨٢) كتاب الأحكام، وأحمد برقم (١٢٠٣٨).
(٢) لم أجد هذا الحديث فيما بحثت عنه من مصادر حديثية، غير أن الإمام البخاري في جامعه الصحيح (٢/ ٩٦) بوب بابًا قال له: باب الكيل على البائع والمعطي. . إلى أن قال: ويذكر عن عثمان - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال له: "إذا بعت فكل، وإذا بعت فاكتل". وقال الحافظ في الفتح (٤/ ٣٤٢) شارحًا ما ذكره البخاري آنفًا: (أي مؤنة الكيل على المعطي بائعًا كان أو موفي دين أو غير ذلك. . . وهو قول فقهاء الأنصار. .). قلت: وحديت عثمان أخرجه أحمد برقم (٤٤٤)، والبخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٨)، والطحاوي في شرح معانى الآثار (٤/ ١٦)، والدارقطني في سننه (٣/ ٨)، والبيهقي في سننه (٥/ ٣١٥). والحديث من رواية منقذ مولى ابن سراقة عن عثمان - ﵁ -، ومنقذ مجهول الحال كما قال الحافظ في الفتح (٤/ ٣٤٤)، وروي الحديث أيضًا من رواية عبد الله بن لهيعة عن موسى بن وردان عن سعيد بن المسيب عن عثمان - ﵁ -، وقال الحافظ =
[ ٦٤١ ]
وجاء رجل يوم خيبر، فقال: (يا رسول الله، ما ربح أحد من أهل الوادي ما ربحت اليوم، ما زلت أبيع وأشتري حتَّى ربحت ثلاثمائة أوقية من الذهب، أو قال من الفضة) رواه أبو داود (١).
وقد خرَّج البخاري في باب من لم يبال من أين يكسب المال، عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي - ﷺ -: "يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء من أين أخذ المال، من حرام، أم من حلال (٢).
وفي باب التجارة في البز (٣) وغيره قال قتادة: (كان القوم يتبايعون، ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله، لم تلههم تجارة، ولا بيع
_________________
(١) = في الفتح (٤/ ٣٤٥) معقبًا على هذه الطريق: (وفيه ابن لهيعة، ولكنه من قديم حديثه، لأن ابن عبد الحكم أورده في (فتوح مصر) من طريق الليث عنه)، وقد أشار قبله الحافظ البيهقي (٥/ ٣١٥) إلى أن هذا الحديث قد رواه عن ابن لهيعة عبد الله ابن المبارك، ومعلوم أن رواية ابن المبارك عنه كانت قبل الاختلاط. ومراد المصنف رحمه الله تعالى من ذكر قصة عثمان - ﵁ - الاستدلال على ما ذكره من هدي الصحابة - ﵃ - أجمعين، من سؤالهم النبي - ﷺ - عن كل ما يشكل عليهم في البيع والمعاملات، وأما استدلاله على سؤال الصحابة لبعضهم بعضًا عن سنته - ﷺ - بعد وفاته، فبذكر حديث زيد بن أرقم والبراء بن عازب الَّذي يأتي قريبًا -إن شاء الله- في الصرف.
(٢) رواه أبو داود برقم (٢٧٨٥) كتاب الجهاد، والبيهقي في سننه (٦/ ٣٣٢)، ورواته كلهم ثقات غير عبد الله بن سليمان راوي الحديث عن الصحابي صاحب القصة، فإنه مجهول كما قال الحافظ في التقريب (٣٧١)، والحديث ذكره الشيخ الألبانى في كتابه ضعيف أبي داود برقم (٩٥٣).
(٣) رواه البخاري برقم (٢٠٥٩)، كتاب البيوع باب من لم يبال من حيث كسب المال، والنسائي برقم (٤٤٥٤) كتاب البيوع، والدارمي برقم (٢٥٣٦) كتاب البيوع، وأحمد برقم (٢٥٣٦).
(٤) في نسخة الأصل: في البحر، والصحيح ما أثبتناه موافقة لما في الصحيح، وهو الباب الَّذي ذكر قول قتادة بعده، وقد مر معنا في المثبت من المطبوع من الصحيح (٢/ ٧٧) بالزاي، وهو باب التجارة في البز وغيره، ولقول الحافظ في الفتح (٤/ ٢٩٧): (واختلف في ضبط البز، فالأكثر على أنَّه بالزاي، وليس في الحديث ما يدل عليه بخصوصه. . . وصوب ابن عساكر أنَّه بالراء، وهو أليق بمؤاخاة الترجمة التي بعد هذه باب، وهو التجارة في البحر".
[ ٦٤٢ ]
عن ذكر الله، حتَّى يؤدونه إلى الله) (١).
وفيه عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال: كنت أتجر في الصرف (٢)، قال: قالت زيد بن أرقم فقال: كنت أنا والبراء بن عازب تاجرين في الصرف على عهد رسول الله - ﷺ -، فسألناه في الصرف فقال: "إن كان يدًا بيد فلا بأس، وإن كان إلى أجل لا يصلح" (٣).
_________________
(١) قال البخاري في جامعه الصحيح (٢/ ٧٧) في كتاب البيوع باب التجارة في البز وغيره: (قال قتادة: كان القوم يتبايعون ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله، لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتَّى يؤدوه إلى الله). وقال الحافظ في الفتح (٤/ ٢٩٧) عن أثر قتادة: (لم أقف عليه موصلًا عنه، وقد وقع لي من كلام ابن عمر أخرجه عبد الرزاق عنه أنَّه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهما ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيم نزلت فذكر الآية، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود نحوه، وفي الحلية عن سفيان الثوري: كانوا يتبايعون ولا يدعون الصلوات المكتوبات في الجماعة). قلت: قد روى الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٢٢٢) عن ابن مسعود - ﵁ - أنَّه رأى ناسًا من أهل السوق سمعوا الأذان، فتركوا أمتعتهم، وقاموا إلى الصلاة، فقال: هؤلاء الذين قال الله فيهم ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وقال محققه: قال في المجمع (٧/ ٨٣): وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح. وروى الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٩٨) عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄ -: كانوا أتجر الناس وأبيعهم، ولكن لم تكن تلهيهم تجارتهم ولا بيعهم عن ذكر الله، وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) معنى الصرف في المال لغة كما في القاموس المحيط (١٠٦٨)، (فضل بعضه على بعض في القيمة)، وأما عند الفقهاء فيعرفه ابن عابدين بقوله في حاشيته (٤/ ٣٣٤): (بيع الثمن بالثمن، جنسًا بجنس، أو بغير جنس)، ويقول ابن قدامة في المغني (٤/ ١٩٢): "الصرف بيع الأثمان بعضها ببعض، والقبض في المجلس شرط لصحته بغير خلاف".
(٣) رواه البخاري برقمي (٢٠٦٠)، (٢٠٦١) كتاب البيوع باب التجارة في البز وغيره، ومسلم بنحوه برقم (١٥٨٩) ٣/ ١٢١٢ كتاب البيوع باب النهي عن بيع الورق بالذهب دينًا، والنسائي برقم (٤٥٧٦) كتاب البيوع، وفي سننه الكبرى (٤/ ٣١)، وأحمد برقم (١٩٣٣٦)، والدارقطني في سننه (٣/ ١٧)، والبيهقي في سننه (٥/ ٢٨٠).
[ ٦٤٣ ]
وروى الشعبي عن النعمان بن بشير يرفعه إلى النبي - ﷺ -: "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ [على] ما يشك فيه [من الإثم]، أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه" (١).
وعن عقبة بن الحارث (٢): (أن امرأة دخلت عليه، فأخبرته أنها أرضعت امرأته، الحديث، وفيه: فكيف وقد قيل! !) (٣).
وقد روي مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: "غبن المسترسل ربا" (٤)،
_________________
(١) هذا حديث عظيم، وأصل كبير من أصول الدين الإسلامي، وقد رواه بهذا اللفظ البخاري في صحيحه برقم (٢٠٥١) كتاب البيوع باب الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشتبهات، ورواه بنحوه الإمام أحمد برقم (١٧٩١٧)، وقد رواه البخاري بلفظ قريب من هذا برقم (٥٢) كتاب الإيمان باب فضل من استبرأ لدينه، ورواه مسلم برقم (٥١٩٩) ٣/ ١٢١٩ كتاب المساقاة باب أخذ الحلال وترك الشبهات، والترمذي برقم (١٢٠٥) كتاب البيوع، والنسائي برقم (٤٤٥٣) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٢٠٥١) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٣٩٨٤) كتاب الفتن، وأحمد برقم (٢٧٦٣٨)، والدارمي برقم (٢٥٣١) كتاب البيوع.
(٢) في نسخة الأصل: عقبة بن عامر، وما أثبتناه هو الَّذي يوافق ما في الصحيح والروايات الأخرى، وهو ما ذكره الإمام أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١٠٧) على هامش الإصابة.
(٣) رواه البخاري برقم (٨٨) كتاب العلم باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله، ورواه أيضًا برقم (٢٠٥٢) كتاب البيع باب ما يتنزه من الشبهات، والترمذي برقم (١١٥١) كتاب الرضاع، والنسائي برقم (٣٣٣٠) كتاب النِّكَاح، وأبو داود برقم (٣٦٠٣) كتاب الأقضية، والدارمي برقم (٢٢٥٥) كتاب النكاح، وأحمد برقم (١٥٧١٦). ولفظ البخاري كما في كتاب العلم: عن عبد الله بن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث أنَّه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله - ﷺ - بالمدينة، فسأله فقال رسول الله - ﷺ -: كيف وقد قيل؟ ففارقها عقبة ونكحت زوجًا غيره.
(٤) رواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٣٤٠)، وقال عن متنه: منكر، ورواه البيهقي (٥/ ٣٨٤) عن موسى بن عمير عن مكحول عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من استرسل إلى مؤمن فغبنه كان غبنه ذلك ربا"، وقال بعد أن رواه: "موسى بن =
[ ٦٤٤ ]
والمسترسل: الَّذي لا يماكس، بل يقول: خذ أعطني (١)، فيرجع في بيعه إلى قيمة المثل، أو يكسب عليه القدر المعارف من غير شطط، ولا جور.
وكيف يصح أن الدنيا ملعونة، وليس من رزق، ولا من نعمة، ينالها العبد إلَّا على ظهرها.
وقد قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، وإنما يذم منها حرام من غير وجهه، أو حلال على سبيل التكاثر والتفاخر، وما يقتنى قصد المباهاة والمماراة، فذلك الَّذي هو ممقوت عند ذوي الألباب (٢).
_________________
(١) = عمر القرشي هذا تكلموا فيه، وقال أبو أحمد بن عدي الحافظ: موسى بن عمير عامة ما يرويه مما لا يتابعه الثقات عليه"، ثم قال: (وقد روي معناه عن يعيش بن هشام القرقيساني عن مالك، واختلف عليه في إسناده، وهو أضعف من هذا). ورواه أيضًا من طريق يعيش بن هشام -كما أشار- عن مالك عن الزهري عن أنس - ﵁ -، ومن طريق يعيش أيضًا عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي - ﵁ -، ورواه بمثله لكن عن جابر - ﵁ -. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ١٢٦) بلفظ: (غبن المسترسل حرام). وقال الحافظ العراقى في تخريج كتاب الإحياء (٢/ ٩٠): (أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة بسند ضعيف، والبيهقي من حديث جابر بسند جيد. . .). فالحديث يدور على رجلين ضعيفين جدًّا، بل متروكين، هما موسى بن عمير القرشي، ويعيش بن هشام، فلا يصح البتة، وقد ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع الصغير برقم (٣٩٠٨)، وقال عنه في سلسلته الضعيفة برقم (٦٦٨): باطل، وتعقب الحافظ العراقي في قوله: والبيهقي من حديث جابر بسند جيد.
(٢) قال ابن قدامة -﵀- في المغني (٤/ ٩٣): (قال أحمد: المسترسل الَّذي لا يحسن يماكس، وفي لفظ: الَّذي لا يماكس).
(٣) قول المصنف: وكيف يصح أن الدنيا ملعونة. . . يحمل على أحد معنيين: الأول: أن الأحاديث في هذا الباب لم تصح عنده، فالنفي هنا على حقيقته. والثاني: أن المقصود عنده هو نفي لعن الدنيا بإطلاق، ويؤيد هذا الاحتمال تفصيله بعد ذلك فيما يحمد ويذم منها. وقد جاءت عدة أحاديث بلفظ: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلَّا ذكر الله وما والاه، أو عالمًا أو متعلمًا) وفي بعضها: (إلَّا ما ابتغي به وجه الله - ﷿ -) وفي بعضها الآخر: (إلا ما كان منها لله - ﷿ -) وورد: "إلا أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر أو ذكر الله)، وقد روى الوجه الأول منه الترمذي برقم (٢٣٢٢) في كتاب الزهد، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجة برقم (٤١١٢) كتاب الزهد، والدارمي =
[ ٦٤٥ ]
وقد جاء رجل يوم خيبر فقال: (يا رسول الله ما ربح أحد من أهل هذا الوادي ما ربحت اليوم، ما زلت أبيع وأشتري حتَّى ربحت ثلاثمائة أوقية) (١).
وقد بعث النبي - ﷺ - عروة براي أبي الجعد البارقي، يشتري له شاة بدينار، فاشتري شاتين بدينار، ثم رجع التي النبي - ﷺ - بشاة ودينار، وقال: (إني اشتريت شاتين بدينار، فبعت إحداهما بدينار، وهذه شاة ودينار)، فقال له النبي - ﷺ -: "أربح الله بيعك" رواه البخاري.
وفيه: (وكان عروة البارقي لو اتجر في التراب لربح) (٢).
وكان أبو بكر الصديق - ﵁ - تاجرًا (٣).
_________________
(١) = برقم (٣٢٤) في المقدمة عن كعب الأحبار، والحديث حسنه الشيخ ناصر الدين الألباني في كتابه صحيح سنن ابن ماجة برقم (٣٣٢٠).
(٢) تقدم تخريج هذا الحديث ص ٦٤٢.
(٣) رواه البخاري برقم (٣٦٤٣) كتاب المناقب، والترمذي برقم (١٢٥٨) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٣٨٤) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٣٤٠٢).
(٤) هذا أمر مشهور من سيرة الصديق - ﵁ - في الجاهلية والإسلام، فقد ذكر الذهبي في كتابه سير الخلفاء الراشدين من سير أعلام النبلاء (٨) عن عروة بن الزبير أنَّه قال: (أسلم أبو بكر يوم أسلم، وله أربعون ألف دينار). وروي البخاري برقم (٢٠٧٠) كتاب البيوع باب كسب الرجال وعمله بيده عن عائشة قالت: (لما استخلف أبو بكر الصديق قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، وأحترف للمسلمين فيه). وروي ابن سعد (٣/ ١٨٢) بإسناد مرسل رجاله ثقات -كما قال الحافظ في الفتح (٤/ ٣٠٥) - قال: (لما استخلف أبو بكر أصبح غاديًا إلى السوق، على رأسه أثواب يتجر بها، فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فقال: كيفت تصنع هذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قالوا: نفرض لك، ففرضوا له كل يوم شطر شاة). وروي ابن سعد أيضًا (٣/ ١٨٣) قال: (لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين، قال: زيدوني فإن لي عيالًا، وقد شغلتموني عن التجارة، فزادوه خمسمائة)، وسنده صحيح كما ذكر الحافظ في تلخيص الحبير (٤/ ١٩٤). وقد كانت تجارته وماله كل ذلك في سبيل الله، وفي نصرة رسول الله - ﷺ -. ولقد قال - ﷺ - في الحديث الصحيح: "ما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر رواه الترمذي برقم (٣٦٦١) كتاب المناقب، وابن ماجة برقم (٩٤) في =
[ ٦٤٦ ]
وقد روى أهل العلم بأحوال الصحابة وأيام الناس، أن الزبير - ﵁ - مات وعليه ثمانون ألف دينار، فقضيت من تركته، ثم كان الثمن من تركته بعد ذلك ستين ألف دينار، وكان مما ترك من كراع وسلاح وأثاث ألف فرس (١).
وقد عاد رسول الله - ﷺ - رجلًا وهو ممن شهد بدرًا وفتح خيبر فقال: يا رسول الله إنك زوجتني فلانة ولم أسم لها مهرًا وإني قد جعلت لها من ذلك سهمي الَّذي بخيبر فأجاز ذلك رسول الله - ﷺ - فباعته بمائة ألف، خرجته العلماء في كتب الأحكام"، واتسع الإسلام في زمن عمر - ﵁ -، وفشى
_________________
(١) = المقدمة، وأحمد برقم (٧٣٩٧)، فرضي الله عن الصديق وعن الصحابة أجمعين، (١) روي البخاري في صحيحه برقم (٣١٢٩) كتاب فرض الخمس باب بركة الغازي في ماله حيًا وميتًا، مع النبي - ﷺ - وولاة الأمر عن عبد الله بن الزبير قصة وصية الزبير لابنه عبد الله في وقعة الجمل من أجل قضاء دينه، وفيه أن دينه قد بلغ ألفي ألف ومائتي ألف درهم، (أي مليونين ومائتي ألف درهم) وأنه باع أرضًا لأبيه تدعى الغابة، وقضى دين أبيه، وما أوصى به، وكان للزبير أربع نسوة، فأصاب كل واحدة منهن ألف ومائتا ألف، (أي مليون ومائتا ألف). ويقتضي على هذا التقسيم أن يكون مال الزبير - ﵁ - قد بلغ كله خمسين ألف ألف ومائتا ألف، (أي خمسين مليونًا ومائتا ألف) كما قال الذهبي في السير (١/ ٦٧)، أو يكون قد بلغ تسعة وخمسين ألف ألف وثمانمائة ألف، (أي تسعة وخمسين مليونًا وثمانمائة ألف) كما قال ابن كثير في البداية (٧/ ٢٦١)، وقد تولي الحافظ -﵀- في الفتح (٦/ ٢٣٢) الإجابة عن اختلاف الأرقام في تقدير تركة الزبير - ﵁ -. ومراد المصنف هنا أن الصحابة لم يمنعهم زهدهم في الدنيا من المشي في مناكب الأرض، وتحصيل أسباب الرزق والمعائش، ولكن كانت هذه الأموال العظيمة والثروات الهائلة تنفق في سبيل الله، فقد روى أبو نعيم في الحلي: (١/ ٩٠)، والبيهقي في سننه (٨/ ٩) عن مغيث بن سمي قال: (كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، ما يدخل بيته من خراجهم شيئًا)، وسنده حسن، ومغيث لم يلق الزبير، لكنه لقي ابنه عبد الله وروى عنه. والشاهد من هذا إنفاق الزبير - ﵁ - خراج هؤلاء المماليك في سبيل الله، وهكذا كان أثرياء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم.
(٢) رواه أبو داود برقم (٢١١٧) كتاب النكاح، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٤٠٧٢) وقال محققه: إسناده صحيح، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٩٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في السنن الكبرى =
[ ٦٤٧ ]
المال حتَّى تحدث أن نخلة بيعت بألف واشترى علي فيه فرسًا بمائة ناقة.
وقد قال حاتم الأصم (١): (من اكتفى بتحسين المقال دون التفقه والعمل به تزندق، ومن عمل بغير علم وقع في البدع، ومن تفقه ولم ينشر العلم ولم ير العمل به من شرطه فسق، ومن تفنن في الأبواب كلها تخلص) (٢).
فما وجدناه من كتاب الله تعالى، وعن رسول الله - ﷺ -، أو عن جميع أصحابه الطاهرين ﵃ أجمعين، أخذناه باليدين، وعضضنا عليه بالناجذين (٣)، وتمسكنا به حتَّى نلقى الله به معتصمين، وما لم نجده في هذه الأنوار الساطعة، والطرق المأمونة، والسبيل المضمونة المقطوع على أنها حق عند الله تعالى نفرنا منه ولم نجسر عليه ووليناه من تولاه وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين# (٤).
_________________
(١) = (٧/ ٢٣٢) والحديث ذكره الشيخ الألباني ﵀ في كتاب صحيح أبي داود برقم (١٨٥٩).
(٢) هو حاتم بن عنوان بن يوسف البلخي، نعته الذهبي بقوله: (الزاهد القدوة الرباني. . . الواعظ الناطق بالحكمة. . له كلام جليل في الزهد والمواعظ والحكم، كان يقال له: لقمان هذه الأمة)، وهو أحد الذين صحبوا شقيقًا البلخي، وذكر أنَّه اجتمع بالإمام أحمد ﵀ ببغداد، وأن الإمام سأله عن أشياء، ومات ﵀ سنة ٢٣٧ هـ. الجرح والتعديل (٣/ ٢٦٠)، حلية الأولياء (٨/ ٧٣)، تاريخ بغداد (٨/ ٢٤١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٨٤) شذرات الذهب (٣/ ١٦٨).
(٣) هذا القول نسبه أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء (١٠/ ٢٣٦) إلى أبي بكر محمد بن عمر الوراق البلخي، ولفظه كما ورد في الحلية: (من اكتفى بالكلام دون الزهد تزندق، ومن اكتفى بالزهد دون الكلام والفقه ابتدع، ومن اكتفى بالفقه دون الزهد والورع تفسق، ومن تفنن في هذه الأمور كلها تخلص).
(٤) قال في الصحاح (٢/ ٥٧١): (الناجذ آخر الأضراس. . . ويسمى ضرس الحلم، لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل). وقال في القاموس المحيط (٤٣٢): (النواجذ أقصى الأضراس، وهي أربعة، أو هي الأنياب، أو التي تلي الأنياب، أو هي الأضراس كلها جمع ناجذ).
(٥) ما بين العلامتين (#) أي من (ص ٥٧٩ - ص ٦٤٨) ساقط من النسخة المطبوعة للكتاب ومن نسخة المكتبة المحمودية، وهو ما انفردت به نسخة الأصل. وبذلك تم الكتاب ولله الحمد والمنة أولًا وأخيرًا وفي كل حين، وقد كتب في الحاشية: (بلغ مقابلة وتصحيحًا بحضور الشيخ أحمد صهر عبد الله الإسكندري، وهو المجلس الأخير، والله أعلم).
[ ٦٤٨ ]