وقول جهم ومن وافقه أن الإيمان مجرد العلم والتصديق، وهو بذلك وحده مستحق (٣) الثواب والسعادة، يشبه قول من قال من الفلاسفة المشائين وأتباعهم (٤): إن سعادة الإنسان في مجرد أن يعلم الوجود على ما هو عليه (٥)، كما أن قول الجهمية وهؤلاء الفلاسفة في مسائل "الأسماء والصفات" و"مسائل الجبر والقدر" متقاربان، وكذلك في مسائل الإيمان، وقد بسطنا الكلام على ذلك وبينا بعض ما فيه من الفساد في غير هذا الموضع (٦)، مثل أن العلم هو أحد قوتي النفس، فإن النفس لها قوتان:
_________________
(١) في (ط): "تكون".
(٢) كلمة "نقصه" ليست في (م) و(ط).
(٣) في (ط): "يستحق".
(٤) يقصد المؤلف بالفلاسفة المشائين أرسطو وأتباعه، وسموا بالمشائين لأن أرسطو كان من عادته أن يلقي الدروس على تلاميذه وهو يتمشى، وهم يمشون خلفه، وأراد باتباعهم الذين اتبعوهم من الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام كالفارابي وابن سينا، مجموع الفتاوى (٥/ ٩)، تاريخ الفلسفة اليونانية لأحمد أمين (١١٣).
(٥) أحوال النفس لابن سينا (١١٣)، الشفا لابن سينا (٢/ ٤٢٥)، النجاة لابن سينا (٢٩٣).
(٦) انظر على سبيل المثال: مجموع الفتاوى (٢/ ٩٥)، وكتاب الرد على المنطقيين (١٤٥)، ويذهب شيخ الإسلام في موضع آخر في درء التعارض (٣/ ٢٧٤) إلى أن ضلال هؤلاء جاء من وجوه: منها ظنهم أن الكمال في مجرد الحلم، والثاني: ظنهم أن ما حصل لهم علم، والثالث: ظنهم أن ذلك العلم هو الذي يكمل النفس، ويقول بعد ذلك: "وكل من هذه المقدمات كاذبة" ثم شرع يفندها وجهًا بعد آخر.
[ ٤٩٦ ]
قوة العلم والتصديق، وقوة الإرادة والعمل، كما أن الحيوان له قوتان: قوة الحس وقوة الحركة بالإرادة (١).
وليس صلاح الإنسان ونفسه (٢) في مجرد أن يعلم الحق دون أن لا يحبه ويريده ويتبعه.
كما أنه ليست (٣) سعادته في أن يكون عالمًا بالله مقرًا بما يستحقه، دون أن يكون محبًا لله عابدًا لله مطيعًا لله، بل أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه (٤)، فإذا علم الإنسان الحق وأبغضه وعاداه كان مستحقًا من غضب الله وعقابه ما لا يستحقه من ليس كذلك، كما أن من كان قاصدًا للحق طالبًا له -وهو جاهل بالمطلوب وطريقه- كان فيه من الضلال، وكان متحقًا من اللعنة- التي هي البعد عن رحمة الله (٥) - ما لا يستحقه من ليس مثله.
_________________
(١) مقاصد الفلاسفة للغزالي (٣٤٧)، (٢٥٩) تحقيق د. سليمان دنيا، الملل والنحل (٢/ ٥٦٢، ٥٦٥).
(٢) كلمة "ونفسه" ليست في (ط).
(٣) في (ط): "ليس".
(٤) لعل المؤلف يريد الإشارة إلى ما جاء في الحديث الصحيح أن أول من يقضى فيهم يوم القيامة ثلاثة: رجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها، قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، والحديث رواه مسلم رقم (١٩٠٥) ٢/ ١٥١٣ كتاب الإمارة باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، والترمذي برقم (٢٣٨٢) كتاب الزهد، والنسائي برقم (٣١٣٧) كتاب الجهاد، وأحمد برقم (٨٠٨٧).
(٥) أصل اللعن في اللغة: الطرد والإبعاد من الخير، الصحاح (٦/ ٢١٩٦)، القاموس المحيط (١٥٨٥)، وقال القرطبي في تفسيره (٢/ ٢٦): "وأصل اللعن في كلام العرب الطرد والإبعاد، ويقال للذئب: لعين، وللرجل الطريد: لعين، وقال الشماخ: ذعرت به القطا ونفيت عنه. . . مقام الذئب كالرجل اللعين ووجه الكلام: مقام الذئب اللعين كالرجل، فالمعنى أبعدهم الله عن رحمته، وقيل: من توفيقه وهدايته، وقيل: من كل خير، وهذا عام" وانظر أيضًا: تفسير ابن كثير (١/ ١٢٤)، تفسير الجلالين (١٩)، تفسير أبي السعود (١/ ١٢٨)، فتح القدير (١/ ١١١).
[ ٤٩٧ ]
ولهذا أمرنا الله تعالى أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]، والمغضوب عليهم علموا الحق فلم يحبوه ولم يتبعوه، والضالون قصدوا الحق لكن بجهل وضلال به وبطريقه، فهذا بمنزلة العالم الفاجر، وهذا بمنزلة العابد الجاهل، وهذا حال اليهود فإنهم (١) مغضوب عليهم، وهذا حال النصارى فإنهم ضالون (٢).
كما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: "اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون" (٣).