كما قال بعض السلف: "ما أسر أحد سريرة، إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه" (٢).
وقد قال الله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] # فأقسم أنه لا بد أن يعرفهم في لحن القول# (٣) فإذا أظهر المنافق من ترك الواجبات، وفعل المحرمات ما يستحق عليه العقوبة، عوقب على الظاهر، ولا يعاقب على ما يعلم من باطنه بلا حجة ظاهرة. ولهذا كان النبي - ﷺ - يعلم من المنافقين من عرفه الله
_________________
(١) في (م) و(ط): "لا".
(٢) لم أجد هذا الأثر بهذا اللفظ إلا فيما ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٨١) أنه من كلام عثمان - ﵁ -، ولكن قد روي نحوًا من ذلك في غير حديث ضعيف، منها ما رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٧١) عن جندب قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما أسر عبد سرية إلا ألبسه الله رداءها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر"، وقال محققه: "قال في المجمع (١٠/ ٢٢٥): وفيه حامد بن آدم وهذا كذاب، قلت: ومحمد بن عبيد الله العرزمي متروك"، وذكره الشيخ الألباني في ضعيف الجامع الصغير برقم (٥٠٠٠)، وفي السلسلة الضعيفة برقم (٢٣٧)، وذكر فيها (١/ ٤١٠) أن أبا بكر الذكواني أخرجه في "اثنا عشر مجلسًا" (٧/ ٢). ورواه محمد بن سلامة القضاعي في مسند الشهاب (١/ ٣٠٦) عن عثمان بن عفان - ﵁ -، وفيه حفص بن سليمان الأسدي، متروك الحديث، العرب (١٧٢)، ورواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٢٨٠)، وذكره الدارقطني في كتاب العلل (٥/ ٣٣٣). وحد روى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٠/ ٢٧٠) بسنده إلى أبي جعفر المنصور أنه خطب الناس بعد قل أبي مسلم الخرساني فقال: "ولا تسروا غش الأئمة، فإن أحدًا لا يسر منكرًا، إلا ظهر في فلتات لسانه، وصفحات وجهه، وطوالع نظره".
(٣) ما بين العلامتين (#) ساقط من (م) و(ط)، ومعنى لحن القول: فحواه ومعناه، معاني القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس (٦/ ٤٨٥)، القاموس المحيط (ص ١٥٨٧)، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٨٣) عند قوله تعالى ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾: "أي فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم".
[ ٥٧٥ ]
بهم، وكانوا يحلفون له وهم كاذبون، وكان يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى.
وأساس النفاق الذي يبنى (١) عليه الكذب، والمنافق لا بد أن تختلف سريرته وعلانيته، وظاهره وباطنه.
ولهذا يصفهم الله [في كتابه] (٢) بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق.
قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠].
#وقال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٧] # (٣).
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، ومثل (٤) هذا كثير.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]. وبالجملة: فأصل هذه المسائل، أن تعلم أن الكفر نوعان، كفر ظاهر، وكفر نفاق، فإذا تكلم في أحكام الدار (٥) الآخرة، كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في أحكام الدنيا، فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين.
_________________
(١) في (ط): "بني".
(٢) في نسخة الأصل: "بكتابه"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب.
(٣) ما بين العلامتين (#) ليس في (ط).
(٤) في (م) و(ط): "أمثال".
(٥) كلمة "الدار" ليست في (م) و(ط).
[ ٥٧٦ ]
وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله، بقلبه أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبًا ظاهرًا لا (١) صلاة، ولا زكاة، ولا صيامًا، ولا عير ذلك من الواجبات # ولو قدر أنه يؤدي الواجبات# (٢) لا لأجل أن الله أوجبها، مثل من (٣) يؤدي الأمانة، أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر.
فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله محمد - ﷺ - (٤)، مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد - ﷺ -.
ومن قال بحصول الإيمان الواجب، بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل فعل تلك الواجبات لازمًا للإيمان (٥) أو جزءًا منه، فهذا نزاع لفظي، كان مخطئًا خطأً بينًا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف (٦)، والصلاة فهي (٧) أعظمها وأعمها (٨)، وأولها وأجلها (٩).
_________________
(١) في (ط): "ولا".
(٢) ما بين العلامتين (#) ساقط من (ط).
(٣) في (ط): "أن".
(٤) عبارة "محمد - ﷺ - " ليست في (م) و(ط).
(٥) كلمة "للإيمان" ليست في (م).
(٦) ذم السلف رحمهم الله تعالى لبدعة الإرجاء والمرجئة أمر استفاضت به أمات كتب العقيدة (تطلق أمات على غير العقلاء، وأمهات على العقلاء)، ومن ذلك ما رواه الإمام عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه "السنة" عن شريك برقم (٦١٤) أنه قال وقد ذكر عده المرجئة: "هم أخبث قوم، وحسبك بالرافضة خبثًا، ولكن المرجئة يكذبون على الله تعالى"، وقال محققه: إسناده صحيح، وروى بسنده برقم (٦١٦) عن التابعي الجليل سعيد بن جبير ﵀ أنه قال: "مثل المرجئة مثل الصابئين"، وقال محقق: إسناده حسن، وروى أيضًا برقم (٦٤١) عن الأوزاعي أنه قال: "كان يحيى وقتادة يقولان: ليس في الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء"، وقال محققه: رجاله ثقات.
(٧) في (م) و(ط): "هي".
(٨) هكذا في جميع النسخ، ولعلها: "أهمها"، والله أعلم.
(٩) الضمير يعود هنا إلى الواجبات، وقد سبق للمصنف ﵀ أن تحدث عن أهمية =
[ ٥٧٧ ]