وقد احتجت الخوارج والمعتزلة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٦) [المائدة: ٢٧] قالوا: فصاحب الكبيرة ليس من المتقين، فلا
_________________
(١) في (ط): "الإشراك".
(٢) في نسخة الأصل لفظة زائدة وهي: وإلا لزم.
(٣) هذه الكلمة ليست في (م) و(ط).
(٤) في نسخة الأصل: و.
(٥) هذه الزيادة من (ط).
(٦) قال المؤلف في منهاجِ السنة (٦/ ٢١٦): "والناس لهم في هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، فالخوارج والمعتزلة يقولون: لا يتقبل الله إلا ممن اتقى الكبائر، وعندهم صاحب الكبيرة لا يقبل منه حسنة بحال، والمرجئة يقولون: من اتقى الشرك، والسلف والأئمة =
[ ٣٤٦ ]
يتقبل الله منه عملًا، فلا تكون (١) له حسنة، وأعظم الحسنات الإيمان، فلا يكون معه إيمان فيستحق (٢) الخلود [في النار] (٣).
وقد أجابتهم المرجئة بأن المراد بالمتقين: من يتقي الكفر، فقالوا: اسم المتقين في القرآن يتناول المستحقين للثواب كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥].
وأيضًا فابنا آدم حين قربا قربانًا، لم يكن المقرب المردود قربانه حينئذ كافرًا، وإنما كفر بعد ذلك، إذ لو كان كافرًا لم يتقرب.
وأيضًا فما زال السلف يخافون من هذه الآية، ولو أريد بها من يتقي الكفر لم يخافوا، وأيضًا فإطلاق لفظ المتقين والمراد به من ليس بكافر، لا أصل له في خطاب الشارع، فلا يجوز حمله عليه.
والجواب الصحيح: أن المراد من اتقى الله في ذلك العمل، كما قال الفضيل بن عياض (٤) في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ
_________________
(١) = يقولون: لا تقبل إلا ممن اتقاه في ذلك العمل ففعله كما أمر به خالصًا لوجه الله تعالى" ثم أفاض ﵀ في تقرير هذه القضية. كما توسَّع في هذه القضية أيضًا قبل ذلك، وأبطل مذهب المرجئة وأطال في الاستدلال لذلك من الكتاب العزيز، وأورد حجج المرجئة التى وافقوا فيها أهل السنة في الرد على ما ذهب إليه المعتزلة والخوارج في هذا المقام، وهذه سمة ظاهرة من أبرز سمات شيخ الإسلام ﵀ حيث ينقض هذه المذاهب ببعضها، ويبطل حجج مذهب بحجج مذهب آخر، وقال بعد ذلك (٥/ ٣٨٦): "وليس مقصودنا هنا استيفاء الكلام في المسألة، وإنما الغرض التمثيل بالمناظرات من الطرفين، وأهل السنة والحديث وأئمة الإسلام المتبعون للصحابة متوسطون بين هؤلاء وهؤلاء. . " وما بعدها.
(٢) في (م) و(ط): "يكون".
(٣) في نسخة الأصل: يستحق.
(٤) هذه ساقطة من نسخة الأصل.
(٥) هو الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي اليربوعي الخرساني نعته الذهبي بشيخ الإسلام، من سادات العلماء زهدًا وورعًا وعبادة، ومن أئمة أهل الحديث، ولد بسمرقند ونشأ بأبيورد، وارتحل في طلب العلم، ثم جاور في مكة، له مواعظ وحكم كثيرة، توفي بمكة سنة ١٨٧ هـ. التاريخ الكبير (٧/ ١٢٣)، التاريخ الصغير (٢/ ٢٤١)، الجرح والتعديل (٧/ ٣٧)، حلية الأولياء (٨/ ٨٤)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٢١)، تذكرة الحفاظ (١/ ٢٤٥)، تهذيب التهذيب (٨/ ٢٦٤).
[ ٣٤٧ ]
عَمَلًا﴾ (١) [الملك: ٢] قال: "أخلصه وأصوبه، قيل يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا" والخالص: أن يكون لله والصواب: أن يكون على السنة، فمن عمل لغير الله كأهل الرياء لم يقل منه ذلك، كما في الحديث الصحيح: (يقول الله ﷿: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه غيري، فأنا بريء منه وهو كله للذي أشركه) (٢).
وقال - ﷺ - في الحديث الصحيح: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول" (٣).
وقال: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" (٤).
_________________
(١) رواه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٩٥) عن أبيه قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد ومحمد بن جعفر، قالا: حدثنا إسماعيل بن يزيد حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض. . . قلت: محمد بن أحمد بن يزيد لم يكن بالقوي في حديثه، طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٥٤٢)، ونقل الحافظ عن أبي نعيم أنه كان كثير الخطأ، ولكن روى معه محمد بن جعفر الأشعري، وهو ثقة، (طبقات المحدثين بأصبهان (٤/ ١٢٦)، لسان الميزان (٥/ ٤١)، وإبراهيم بن الأشعث البخاري هو خادم الفضيل، يروي عن الفضيل الغرائب، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه إبراهيم بن الأشعث، فقال: هذا حديث باطل موضوع، كنا نظن بإبراهيم بن الأشعث خيرًا، فقد جاء بمثل هذا، الجرح والتعديل (٢/ ٨٨)، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٦٦)، لسان الميزان (١/ ٣٦)، وعلى أية حال فما نقل عن الفضيل معنى عظيم تلقاه العلماء الربانيون من أمثال المصنف بالإجلال والقبول، وما انفكوا يحتجون به في كلامهم ومصنفاتهم.
(٢) رواه مسلم بنحوه برقم (٢٩٨٥) ٤/ ٢٢٨٩ كتاب الزهد والرقائق باب من أشرك في عمله غير الله، وابن ماجه برقم (٤٢٠٢) كتاب الزهد، وأحمد برقم (٧٦٥٨).
(٣) رواه مسلم برقم (٢٢٤) ١/ ٢٠٤) كتاب الطهارة باب وجوب الطهارة للصلاة، ولفظه: (لا تقبل صلاة بغير طهور. .)، والنسائي برقم (١٣٩) كتاب الطهارة، وأبو داود برقم (٥٩) كتاب الطهارة، وابن ماجه برقم (٢٧٣) كتاب الطهارة وسننها، والدارمي برقم (٦٨٣) كناب الطهارة، وأحمد برقم (٤٤٧٠).
(٤) رواه أبو داود برقم (٦٤١) كتاب الصلاة، والترمذي برقم (٣٧٧) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (٦٥٥) كتاب الصلاة، وأحمد برقم (٢٤٦٥٠).
[ ٣٤٨ ]
وقال في الحديث الصحيح: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) أي: فهو مردود غير مقبول.
فمن اتقى الكفر وعمل عملًا ليس عليه أمر النبي - ﷺ - يقبل منه، وإذا (٢) صلى بغير وضوء لم يقبل منه لأنه ليس متقيًا في ذلك العمل، وإن كان متقيًا للشرك وقد (٣) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]، وفي حديث عائشة - ﵂ - عن النبي - ﷺ - أنها قالت: يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف أن يعذب؟ فقال: "لا يا بنت (٤) الصديق، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف أن لا يقبل منه" (٥).