الخامس (٤): أن الله لم يجعل شيئًا يحبط [جميع] (٥) الحسنات إلا الكفر، كما أنه لم يجعل شيئًا يحبط جميع السيئات إلا التوبة، والمعتزلة مع الخوارج يجعلون الكبائر محبطة لجميع الحسنات حتى الإيمان قال [الله] (٦) تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فعلق الحبوط بالموت على الكفر، وقد ثبت أن هذا ليس بكافر، والمعلق شرط يعدم عند عدمه (٧).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥].
_________________
(١) هذان أصلان من أصول المعتزلة الخمسة، والثلاثة الأخرى هي: الوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طالع على سبيل المثال: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (١٤٩، ٣٠١، ٦٠٩، ٦٩٥، ٧٣٩).
(٢) في نسخة الأصل: وهم في توحيدهم هم نفوا، وأثبتنا ما في (م)، (ط) لأنه أقرب إلى الصواب.
(٣) في (ط): "وصف الله به نفسه"، الذي ثبت في القرآن أن الله ﷿ لا يظلم مثقال ذرة، ولكن ثبت في السنة في الحديث المتفق عليه من حديث ابن مسعود - ﵁قوله - ﷺ - للذي قال: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها، قال النبي - ﷺ -: "فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله". . والحديث رواه البخاري برقم (٣١٥٠) ومسلم برقم (١٠٦٢) إذن فقد ثبتت هذه الصفة بالسنة الصحيحة، وانظر: صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوى السقاف ص (١٧٧).
(٤) في نسخة الأصل (السادس) وهو خطأ.
(٥) مضافة من (م) و(ط).
(٦) مضافة من (م) و(ط).
(٧) في نسخة الأصل: والمعلق شرط عدمه عند عدمه، وفي (م): والمعلق بشرط عدم عند عدمه، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أصح.
[ ٣٤٥ ]
وقال تعالى لما ذكر الأنبياء: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٧، ٨٨].
وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] فإن الشرك (١) إذا لم يغفر، وأنه موجب للخلود في النار لزم من ذلك حبوط حسنات صاحبه (٢)، ولما ذكر سائر الذنوب غير الكفر لم يعلق بها حبوط جميع الأعمال.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]، لأن ذلك كفر، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢]، لأن ذلك يتضمن الكفر فيقتضي الحبوط، وصاحبه لا يدري، والمعنى (٣) كراهية أن يحبط أو (٤) خشية أن يحبط، فنهاهم عن ذلك لأنه يفضي إلى الكفر المقتضي للحبوط، ولا ريب أن المعصية قد تكون سببًا للكفر، كما قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر، فينهى عنها خشية أن تفضي إلى الكفر المحبط، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [وهى الكفر] (٥) أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وإبليس خالف أمر الله فصار كافرًا، وغيره أصابه عذاب أليم.