وأيضًا فقد تواترت (٣) الأحاديث عن النبي - ﷺ - من (٤) أنه يخرج أقوام من النار بعدما دخلوها، وأن النبي - ﷺ - يشفع في أقوام دخلوا النار (٥).
_________________
(١) اللأواء هي: الشدة وضيق المعيشة، قاله في النهاية (٤/ ٢٢١).
(٢) رواه أحمد برقم (٦٨)، وروى الترمذي قريبًا من لفظه برقم (٣٠٣٩) كتاب تفسير القرآن، ورواه سعيد بن منصور في سننه برقم (٦٩٥)، وذكر له عدة طرق، ورواه ابن حبان برقم (٢٩١٠) ٧/ ١٧٠، والحاكم في المستدرك (٣/ ٧٤) وصححه ووافقه الذهبي، وأبو يعلى في مسنده (١/ ٩٧)، وقد استقصى كثيرًا من طرقه الحافظ ابن كثير فى تفسيره (١/ ٥٥٨ - ٥٦٠). والحديث ضعفه الشيخ أحمد شاكر (١/ ١٨١) لانقطاعه بين راويه أبي بكر بن أبي زهير من صغار التابعين، وبين الصديق - ﵁ -. وقد أطال محقق كتاب "سنن سعيد بن منصور" د/ سعد بن عبد الله آل حميد في تخريج هذا الحديث، وخلص إلى أن الحديث صحيح لغيره (٤/ ١٣٨٦)، وهو حكم قريب من الصحة، فإن معناه صحيح، وتشهد له النصوص الصحيحة الأخرى، والله أعلم.
(٣) في (م): "تواتر من الأحاديث".
(٤) في (ط): "في".
(٥) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٤٦٢) عن أحاديث الشفاعة التي أعرض عنها المبتدعة من الوعيدية: "والنصوص الصريحة متضافرة متظاهرة بثبوت ذلك. . ". ومن هذه الأحاديث المتواترة حديث عمران بن الحصين - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد - ﷺ - فيدخلون الجنة يسمون الجهنميين" رواه البخاري برقم (٦٥٦٦) كتاب الرقاق باب صفة الجنة والنار. وجاء في حديث الشفاعة الطويل: (يقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأخرجه) رواه البخاري برقم (٧٥١٠) كتاب التوحيد باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، ورواه مسلم برقم (١٩٣) كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ١/ ١٨٣. وحديث (إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا فيها) الحديث رواه البخاري برقم (٦٥٧١) كتاب الرقاق باب صفة الجنة والنار، ومسلم برقم (١٨٦) كتاب الإيمان باب آخر أهل النار خروجًا ١/ ١٧٣، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة المستفيضة التي أخرجها أهل الصحاح والسنن والأسانيد والمعاجم.
[ ٣٣١ ]
وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين الوعيدية (١) الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج مها، وعلى المرجئة الواقفة الذين يقولون: "لا ندري هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد، أم لا؟ " كما يقول ذلك طوائف من الشيعة (٢) والأشعرية (٣) كالقاضي
_________________
(١) المراد بالطائفتين الوعيدية: المعتزلة والخوارج، وسموا بالوعيدية لأنهم قالوا على الله بلا علم من أن الله لا بد أن ينفذ وعيده بمن توعدهم بالعذاب من العصاة والمذنبين.
(٢) الشيعة إحدى الفرق التي ظهرت بداياتها في منتصف القرن الأول الهجري، ثم تبلورت عقائدهم بعد ذلك، وردوا غلو الخوارج وتكفيرهم بغلو مبين في أهل البيت بدءًا باعتقاد إمامتهم نصًا وتعيينًا، والطعن في إمامة غيرهم، وسموا بالشيعة لأنهم شايعوا عليًا - ﵁ -، وقدموه على سائر الصحابة رضوان الله عليهم، وهم ثلاثة أصناف كما قال الأشعري رحمه الله تعالى: "غالية (غلاة) وإمامية وزيدية" وإلا فالفرق المتفرعة منها كثيرة عد الأشعري منها خمسًا وأربعين فرقة. من عقائدهم إثبات العصمة لأئمتهم، وتفضيل غالبهم لهم على الأنبياء، والقول بالتقية التى تقوم على جرف هار من الكذب والخداع، وجواز متعة النساء، والوقيعة في كبار أصحاب رسول الله - ﷺ -، والقول بالرجعة، وردد كثير من علمائهم أن القرآن الكريم قد طالته يد التحريف والتبديل، افتراء منهم على الله، وطعنًا في صحابة رسول الله - ﷺ -، وجل هذه العقائد هي للروافض الإمامية (الاثني عشرية) وهم السواد الأعظم من الشيعة، وفي أيام دولتهم أذاقوا المسلمين صنوف الذل والهوان، بل إنهم في كثير من الأحيان تحالفوا مع أعداء المسلمين من الصليبيين والتتار من أجل القضاء على أهل السنة، كما يظهر ذلك بأدنى مطالعة للتاريخ. مقالات الإسلاميين (١/ ٦٥)، الملل والنحل (١٤٦)، الفصل في الملل والنحل (٢/ ١١٥)، خطط المقريزي (٢/ ٢٥٦)، والفرق بين الفرق (١٢٣).
(٣) الأشعرية أو الأشاعرة أتباع أبي الحسن الأشعري -وسترد ترجمته إن شاء الله- فرقة من أهل الكلام، استمدوا أكثر أصولهم من مذهب الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب (المتوفى سنة ٢٤١ هـ تقريبًا) حيث ذكر أن الأشعري مؤسس المذهب ترك مذهب المعتزلة -بعد أن اعتنقه طويلًا- وأخذ بمذهب ابن كلاب بعد ذلك، وقد نشأ مذهبهم منذ البداية متأرجحًا بين مذهب السلف، والرد على المعتزلة، ودراسة العقيدة في ضوء علم الكلام، ولذا كثرت اجتهادات أئمة المذهب بعد ذلك كالباقلاني الذي يعتبر المؤسس الثاني للمذهب، وابن فورك (المتوفى سنة ٤٠٦ هـ)، وأبي منصور البغدادي (المتوفى سنة ٤٢٩ هـ)، والقشيري =
[ ٣٣٢ ]
أبي بكر (١)، وغيره (٢).
وأما ما يذكر عن غلاة المرجئة أنهم قالوا: (لا (٣) يدخل النار من
_________________
(١) = (المتوفى سنة ٤٦٥ هـ)، والجويني (المتوفى سنة ٤٧٨ هـ)، والغزالي (المتوفى سنة ٥٠٥ هـ)، والرازي (المتوفى سنة ٦٠٦ هـ). وقد اعتنى أئمتهم بالرد على المعتزلة، ولكنهم في كثير من الردود ردوا البدعة بالبدعة، ووقعوا في كثير من التناقض والحيرة كما صرح بذلك طائفة منهم، وقالوا بالقانون العقلي وهو تقديم العقل على النقل عند تعارضهما، وأن خبر الآحاد لا يفيد اليقين، والتوحيد عندهم هو توحيد المتكلمين وهو توحيد الربوبية، أما الألوهية فلا يكادون يلوون عليه بشيء، والمشهور عندهم إثبات الصفات العقلية السبع، وتأويل الباقي أو تفويضه، وقالوا بالكلام النفسي، والكسب، وإنكار التعليل، وفي الإيمان قالوا بمذهب المرجئة -كما سيرد معنا إن شاء الله- ولم يكد يوافقوا أهل السنة والجماعة إلا في مسألة الإمامة والتفضيل بين الخلفاء الأربعة. الفصل في الملل والنحل (٣/ ٢٥)، الملل والنحل (٩٤)، الخطط للمقريزي (٢/ ٣٥٩)، تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة (١/ ١٨٠)، موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٢/ ٤٩٣)، تاريخ الفرق الإسلامية لعلي الغرابي (٢١١)، وانظر أيضًا: تبيين كذب المفتري لابن عساكر.
(٢) هو محمد بن الطيب بن محمد أبو بكر المعروف بالباقلاني أو ابن الباقلاني القاضي، من كبار علماء الكلام، وأئمة المتكلمين، وانتهت إليه الرياسة في مذهب الأشاعرة، كان يضرب المثل بفهمه وذكائه، قال الذهبي: "انتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري وقد يخالفه في مضائق فإنه من نظرائه. . " له مؤلفات كثيرة منها: إعجاز القرآن، الاستصبار، تمهيد الدلائل، التمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة والخوارج والمعتزلة، الملل والنحل، الأصول الكبير في الفقه، وغيرها من المؤلفات. توفي سنة ٤٠٣ هـ. تاريخ بغداد (٥/ ٣٧٩)، وفيات الأعيان (١/ ٤٨١)، الوافي بالوفيات (٥/ ١٧٧)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٩٠).
(٣) يقول الباقلاني رحمه الله تعالى في تمهيد الدلائل (٤٠٤): "وإذا كان الأمر كذلك، وجب تفويض أمر عصاة أهل الملة إلى الله سبحانه، وتصحيح غفرانه لهم، وترك القطع بعقابهم، وإيجاب القول بأنه لا يخلد في النار أحد منهم وإن أدخلها مع أنا لو صرنا إلى ظاهر مقتضى القرآن لوجب أن لا يدخل النار إلا كافر. . " وهذا النص يؤيد ما ذكره المؤلف عن الباقلاني من توقفه في الحكم بدخول أحد من أهل الكبائر النار.
(٤) في (ط): "لن".
[ ٣٣٣ ]
أهل التوحيد أحد) [فلا] (١) نعرف قائلًا مشهورًا من المنسوبين إلى العلم يذكر عنه هذا القول (٢).
وأيضًا فإن النبي - ﷺ - قد شهد لشارب الخمر المجلود مرات بأنه يحب الله ورسوله، ونهى عن لعنته (٣).
ومعلوم أن من أحب الله ورسوله أحبه الله ورسوله بقدر ذلك.
وأيضًا فإن الذي قذفوا عائشة أم المؤمنين - ﵂-، كان فيهم مسطح بن أثاثة (٤)، وكان من أهل بدر، وقد أنزل الله فيه لما حلف أبو بكر أن لا يصله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ
_________________
(١) في نسخة الأصل: ولا. والتصحيح من (م)، (ط).
(٢) ذكر أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين (١/ ٢٢٨) هذا القول عن الفرقة الخامسة من المرجئة في باب الوعد والوعد، وقال: "وزعم هؤلاء أنه كما لا ينفع مع الشرك عمل، كذلك لا يضر مع الإيمان عمل، ولا يدخل النار أحد من أهل القبلة. . ". وحكى الشهرستاني في الملل والنحل (١٤٣) عن مقاتل بن سليمان أحد رؤوس المشبهة أنه قال: "إن المعصية لا تضر صاحب التوحيد والإيمان، وأنه لا يدخل النار مؤمن" ولكنه عاد وقال: "إن النقل الصحيح عنه أن المؤمن العاصي ربه يعذب يوم القيامة على الصراط وهو على متن جهنم، يصيبه لفح النار وحرها ولهيبها، فيتألم بذلك على قدر معصيته ثم يدخل الجنة، ومثل ذلك بالحبة على المقلاة المؤججة بالنار. . ". والمتأمل يرى أنه لا فرق في الحقيقة بين القولين المنسوبين إليه. وقد كفر المصنف من قال: إن ترك العمل لا يضر في الإيمان الكبير (٧/ ١٨١).
(٣) انظر: (٣٢٤).
(٤) هو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، كان اسمه عوفًا وأما مسطح فهو لقبه، وأمه بنت خالة أبي بكر الصديق - ﵁كما قال ابن عبد البر وابن حجر رحمهما الله تعالى، وذكر ابن أبي حاتم أنه ابن خالة أبي بكر الصديق - ﵁ -، شهد بدرًا، أسلمت أمه وأسلم أبوها، وكان أبو بكر - ﵁ - ينفق عليه لقرابته منه. اختلف في سنة وفاته أكانت سنة (٣٤ هـ) أم سنة (٣٧ هـ). الاستيعاب على هامش الإصابة (٣/ ٤٩٤)، والإصابة (٣/ ٤٠٨)، الجرح والتعديل
[ ٣٣٤ ]
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] (١).
وإن قيل إن مسطحًا وأمثاله تابوا لكن الله تعالى لم يشترط (٢) في الأمر بالعفو عنهم والصفح والإحسان إليهم التوبة.
وكذلك حاطب بن أبي بلتعة كاتب المشركين بأخبار النبي - ﷺ -، فلما أراد عمر قتله قال النبي - ﷺ -: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (٣).
وكذلك ثبت عنه - ﷺ - في الصحيح أنه قال: "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة" (٤).
وهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات، ولم يشترط مع ذلك توبة، وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل (٥).
_________________
(١) سبب نزول هذه الآية جزء من حديث الإفك الطويل الذي رواه البخاري برقم (٣٦٦١) كتاب المغازي باب حديث الإفك، ومسلم برقم (٢٧٧٠) ٤/ ٢١٢٩ كتاب التوبة باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، والترمذي برقم (٣١٨٠) كتاب تفسير القرآن، وأحمد برقم (٢٣١٨١).
(٢) في (م) و(ط) "يشرط".
(٣) رواه البخاري برقم (٣٠٠٧) كتاب الجهاد والسير باب الجاسوس، ومسلم برقم (٢٤٩٤) ٤/ ١٩٤١ كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أهل بدر - ﵃- وقصة حاطب بن أبي بلتعة، والترمذي برقم (٣٣٠٥) كتاب تفسير القرآن، وأبو داود برقم (٢٦٥٠) كتاب الجهاد، وأحمد برقم (٦٠١)، والدارمي برقم (٢٦٤٣) كتاب الرقاق.
(٤) رواه بهذا اللفظ الترمذي برقم (٣٦٨٠) كتاب المناقب، وأبو داود برقم (٤٦٥٣) كتاب السنة، وأحمد برقم (١٤٣٦٤) وفي صحيح مسلم عن جابر - ﵁ - قال: أخبرتني أم مبشر -وهي امرأة زيد بن ثابت- أنها سمعت النبي - ﷺ - يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" ورقمه (٢٤٩٦) ٤/ ١٩٤٢ كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان - ﵃-.
(٥) يقول الحافظ ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (٣/ ٤٢٣) بعد أن ذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - وذكر شيئًا من فقهها ولطائفها وأحكامها: "وفيها: أن =
[ ٣٣٥ ]
وإذا قيل: إن هذا لأن أحدًا من أولئك لم يكن له إلا صغائر، لم يكن ذلك من خصائصه أيضًا، و[على] (١) هذا يستلزم تجويز الكبيرة من هؤلاء المغفور لهم.
وأيضًا قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب:
أحدها: التوبة، وهذا متفق عليه بين المسلمين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ [التوبة: ١٠٤].
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] (٢) وأمثال ذلك.
الثاني: الاستغفار، كما في الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إذا أذنب عبد ذنبًا فقال: أي رب! أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنبًا آخر فقال: أي رب! أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء، قال ذلك: في الثالثة أو الرابعة" (٣).
وفي صحيح مسلم عنه - ﷺ - أنه قال: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم،
_________________
(١) = الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بالحسنة الكبيرة الماحية، كما وقع الحس من حاطب مكفرًا بشهوده بدرًا".
(٢) في نسخة الأصل: وعن، وفي (ط): "أن".
(٣) في نسخة الأصل و(م): قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ بالخلط بين الآيتين الكريمتين والتصحيح من (ط).
(٤) رواه البخاري برقم (٧٥٠٧) كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾، ومسلم برقم (٢٧٥٨) ٤/ ٢١١٢ كتاب التوبة باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، وأحمد برقم (٧٨٨٨).
[ ٣٣٦ ]
ولجاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون فيغفر لهم" (١).
وقد يقال على [هذا] (٢) الوجه: الاستغفار هو مع التوبة كما جاء في حديث: (ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم مائة مرة) (٣).
وقد يقال: بل الاستغفار بدون التوبة ممكن واقع، وبسط هذا له موضع آخر، فإن هذا الاستغفار إذا كان مع التوبة [فما] (٤) يحكم به عام في كل تائب، وإن لم يكن مع التوبة فيكون في حق بعض المستغفرين، الذين قد يحصل لهم عند الاستغفار من الخشية والإنابة ما يمحو الذنب (٥) كما في حديث البطاقة بأن قول: لا إله إلا الله ثقلت بتلك السيئات، لما قالها بنوع من الصدق والإخلاص الذي يمحو السيئات (٦).
وكما غفر للبغي بسقي الكلب، لما حصل في قلبها إذ ذلك من الإيمان (٧)، وأمثال ذلك كثير.
_________________
(١) رواه مسلم برقم (٢٧٤٩) ٤/ ٢١٠٦ كتاب التوبة باب سقوط الذنوب بالاستغفار، وأحمد برقم (٨٠٢١).
(٢) ليست في نسخة الأصل و(م).
(٣) رواه الترمذي برقم (٣٥٥٩) كتاب الدعوات، وأبو داود برقم (١٥١٤) كتاب الصلاة، ولفظهما: (وإن عاد في اليوم سبعين مرة) وقال الترمذي بعد أن ساقه: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث أبي نصيرة وليس إسناده بالقوي. ومع ذلك فقد حسنه الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره (١/ ٤٠٩) وقال: "وقول علي بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك، فالظاهر أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر، ولكن جهالة مثله لا تضر، لأنه تابعي كثير، ويكفيه نسبته إلى أبي بكر فهو حديث حسن والله أعلم".
(٤) في نسخة الأصل و(ط): "مما"، وآثرنا هذه اللفظة من (م) لأنها أقرب إلى المعنى.
(٥) في (م) و(ط): "الذنوب".
(٦) حديث البطاقة رواه الترمذي برقم (٢٦٣٩) كتاب الإيمان، وابن ماجه برقم (٤٣٠٠) كتاب الزهد، وأحمد برقم (٦٩٥٥)، والحاكم (١/ ٦)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
(٧) الحديث رواه البخاري برقم (٣٣٢١) كتاب بدء الخلق باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم، ومسلم برقم (٢٢٤٥) ٤/ ١٧٦١ كتاب السلام باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، وأحمد برقم (١٠٢٠٥). ٣٣٧
[ ٣٣٧ ]
السبب الثالث: الحسنات الماحية كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
وقال - ﷺ -: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان، [مكفرات] (١) لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" (٢).
وقال: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه" (٣).
وقال: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه" (٤).
وقال: "من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه ولدته أمه" (٥).
_________________
(١) في نسخة الأصل: كفارات، والتصحيح من (م) و(ط)، وهي المتفقة مع رواية مسلم، وجاءت لفظة (كفارات) في غير هذا الحديث عند مسلم وغيره.
(٢) رواه بهذا اللفظ مسلم برقم (٢٣٣) ١/ ٢٠٩ كتاب الطهارة باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، وأحمد برقم (٨٩٤٤).
(٣) رواه البخاري برقم (٣٨) كتاب الإيمان باب صوم رمضان احتسابًا من الإيمان، ومسلم برقم (٧٦٠) كتاب صلاة المسافرين باب، والنسائي برقم (٢٢٠٣) كتاب الصيام، وأبو داود برقم (١٣٧٢) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (١٦٤١) ١/ ٥٢٣ كتاب الصيام باب الترغيب في قام رمضان وهو التراويح، وأحمد برقم (٧١٣٠).
(٤) رواه البخاري برقم (١٩٠١) كتاب الصوم باب من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ونية، ومسلم برقم (٧٦٠) ١/ ٥٢٣ كتاب صلاة المسافرين باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، والترمذي برقم (٦٨٣) كتاب الصوم، والنسائي برقم (٢١٩٣) كتاب الصيام، وأبو داود برقم (١٣٧٢) كتاب الصلاة، وأحمد برقم (٧٢٣٨).
(٥) رواه البخاري برقم (١٨١٩) كتاب الحج باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾، ومسلم برقم (١٣٥٠) ٢/ ٩٨٣ كتاب الحج باب في فضل الحج والعمرة ولوم عرفة، والترمذي برقم (٨١١) كتاب الحج، والنسائي برقم (٢٦٢٧) كتاب مناسك الحج، وابن ماجه برقم (٢٨٨٩) كتاب المناسك، والدارمي برقم (١٧٢٨)، وأحمد برقم (٧٠٩٦).
[ ٣٣٨ ]
وقال: "فتنة الرجل في أهله وماله وولده، تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (١).
وقال: "من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار حتى فرجه بفرجه" (٢)، وهذه الأحاديث وأمثالها في الصحاح.
وقال: "الصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار، والحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب" (٣).