الفصل الأول: في حقيقة الإيمان
الفصل الأول
مذهب السلف في حقيقة الإيمان
إذا استعرضنا رأي السلف حول حقيقة الإيمان فإننا نجد عباراتهم قد اختلفت في التعبير عنهما، فمالك، وأبوبكر بن عياش، وعبد العزيز بن أبي سلمة ١، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد يقولون: الإيمان: المعرفة والإقرار والعمل ٢.
وسُئل فضيل بن عياض عن الإيمان فقال: الإيمان عندنا داخله وخارجه الإقرار باللسان والقبول بالقلب والعمل به ٣.
وقال عبيد بن عمير الليثي٤: ليس الإيمان بالتمنّي، ولكن الإيمان قول يُعقل وعمل يُعمل ٥. وقد حصر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀
_________________
(١) ١ هو عبد العزيز بن أبي سلمة، الماجشون، بكسر الجيم، بعدها معجمة، مضمومة المدني، نزيل بغداد، مولى آل الهدير، ثقة فقيه، مصنف. مات سنة أربع وستين، أخرج له الجماعة، انظر: «تقريب التهذيب» لابن حجر، ج١ ص ٥١٠. ٢ ابن حنبل، أحمد بن محمد، كتاب السنة، ص٧٤ ط المطبعة السلفية سنة ١٣٤٩هـ. ٣ المصدر نفسه ص ٧٥. ٤ هو عبيد بن عمير بن قتادة الليثي، أبو عاصم المكي، ولد على عهد النبي ﷺ قاله مسلم، وعدَّه غيره في كبار التابعين، وكان قاصَّ أهل مكة، مجمع على ثقته، مات قبل ابن عمر، خرَّج له الجماعة، ابن حجر، المصدر السابق ص ٥٤٤. ٥ ابن حنبل، المصدر السابق ص٧٦.
[ ١٧ ]
عباراتهم المستعملة في أربع: قول وعمل، وقول وعمل ونية، وقول وعمل واتباع السنة، وقول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح ١.
وقد بيَّن شيخ الإسلام ﵀ مقصود السلف في عباراتهم هذه بقوله: " والمقصود هنا، أن مَن قال من السلف: الإيمان قول وعمل، أراد قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يُفهَم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب.
ومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يُفهَم منه النية، فزاد ذلك. ومن زاد اتباع السنة، فلأن ذلك كله لا يكون محبوبًا لله إلا باتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، إنما أرادوا ما كان مشروعًا من الأقوال، والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولًا فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل. والذين جعلوه أربعة، بينوا مرادهم، كما سُئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو فقال: قول وعمل ونية وسنة، لأن الإيمان إذا كان قولًا بلا عمل، فهو كفر، وإذا كان قولًا وعملًا بلا نية فهو نفاق، وإذاك كان قولًا وعملًا ونية لا سنة فهو بدعة " ٢. وبهذا البيان الشافي من شيخ الإسلام، يندفع ما قد يتوهم من خلاف بين عبارات السلف، لأنها جميعها تلتقي عند مفهوم واحد، فجميعهم يقولون لا بدَّ من تصديق القلب وإظهار هذا التصديق بالقول باللسان، ثم التصديق العملي لذلك، بالقيام بعمل ما أوجبه الله ورسوله من الأعمال الظاهرة، والباطنة، واجتناب ما نهى الله ورسوله عنه منها، وفق الكتاب والسنة، كما قال محمد بن الحسين الآجري: " ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب، والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقًا، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق باللسان، حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنًا " ٣.
_________________
(١) ١ ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، كتاب الإيمان ص ١٤٢ ط المكتب الإسلامي بدمشق. ٢ ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، المصدر السابق ص ١٤٣. ٣ الآجري، أبو بكر محمد بن الحسين،كتاب الشريعة، بتحقيق محمد حامد الفقي، ص١١٩ ط١ بمطبعة السنة المحمدية سنة ١٣٦٩هـ - ١٩٥٠م.
[ ١٨ ]
ويقول ابن تيمية ﵀: " كان مَن مضى من سلفنا، لا يفرِّقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل فمَن آمن بلسانه، وعرف بقلبه، وصدَّق بعمله، فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها. ومَن قال بلسانه، ولم يعرف بقلبه، ولم يصدِّق بعمله، كان في الآخرة من الخاسرين. وهذا معروف عن غير واحد من السلف، والخلف، أنهم يجعلون العمل مصدِّقًا للقول " ١.
ومن القائلين بأن الإيمان قول وعمل: الأئمة الثلاثة، أحمد بن حنبل، ومحمد بن إدريس الشافعي، ومالك بن أنس، وغيرهم من الأئمة، كسفيان الثوري، والأوزاعي، وابن جريج، ومعمر بن راشد، وغيرهم٢.
وقد ذكر هذا القول أيضًا عن هؤلاء الأئمة وغيرهم، أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة حيث بسط عقيدة كل إمام في باب مستقل، وكلهم يقول بأن الإيمان قول وعمل.
كما أن الإمامين الجليلين، صاحبي أصح كتابين بعد كتاب الله تعالى، اللذين اتفقت الأمة بأسرها على جلالتهما، وعلوِّ قدرهما، قد قالا بهذا القول أيضًا، وعوَّلا عليه في كتابيهما واستدلا له استدلالًا واضحًا جليًا. فقد رتب الإمام البخاري كتاب الإيمان من صحيحه ترتيبًا ينمُّ عن عقيدته في القول بركنية العمل في الإيمان، وفضلًا عن ذلك فقد استهل كتاب الإيمان بقوله: وهو قول وفعل، ويزيد وينقص. ثم سرد أدلته على ذلك من الكتاب والسنة.
ويتضح لنا مما تقدم أن السلف - عليهم رحمة الله - لم يكتفوا في الإيمان بجانب واحد بل يرون أنه لا بد من الاعتقاد بأنه مكوَّن من أمور ثلاثة، لا غنى عن أحدها، فهو قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، وكلهم مجمعون على ذلك، لأنهم رأوا أن
_________________
(١) ١ ابن تيمية، المصدر السابق ص ٢٥٠. ٢ ابن حجر، أحمد بن علي، فتح الباري، ج١ ص٤٧ ط المطبعة السلفية.
[ ١٩ ]
الكتاب والسنة يؤيدان هذا المعتقد، بل يشتملان على ما يوجب الأخذ به دون سواه.
وقبل البدء في إيضاح أدلتهم على معتقدهم هذا، أرى من الضروري أن أشير إلى أن قول شيخ الإسلام الهروي١: الإيمان تصديق كله. والذي ذكره عنه ابن تيمية ٢، لا يتنافى مع الأقوال المتقدمة، والتي اتضح لنا أن المراد منها واحد في المعنى، وكذلك تعبير الشيخ الهروي هنا عن الإيمان، يلتقي معها في المفهوم المعنوي، لأن مراده أن كل ركن من أركان الإيمان، يصدق عليه اسم التصديق، كما أن اعتقاد القلب يعتبر تصديقًا، فكذلك القول باللسان، يصدِّق هذا الاعتقاد، ويبرز وجوده. والعمل يدلُّ على صدق الإنسان فيما اعتقده بقلبه، وأبرزه بلسانه، فإن الإنسان إذا عمل بالواجبات، وتفانى في عمله، فإن ذلك أكبر برهان على صدق ما ادعاه بلسانه، واعتقده بقلبه.
وبعد أن اتضح لنا رأي السلف في حقيقة الإيمان القائل بتركُّبه من أمور ثلاثة، تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، واتفاقهم جميعًا على هذا الاعتقاد، إليك عرضًا لأدلتهم التي استندوا إليها.
أدلة السلف على مذهبهم في حقيقة الإيمان:
إن طريق أهل السنة، كما هو معروف من استقرائنا لِما قدَّموه لنا من تراث عظيم في مجال العقيدة الإسلامية، ومن مواقفهم البطولية في الدفاع عنها، وتثبيت مبدئهم ومنهجهم الذي يسيرون عليه في بيانها وإيضاحها،
_________________
(١) ١ هو أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن علي بن جعفر بن منصور بن مت الأنصاري الهروي، ولد سنة ست وتسعين وثلاثمائة، وتوفي في ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وقد جاوز أربعًا وثمانين. وله مؤلفات كثيرة، منها كتاب الفاروق في الصفات وكتاب ذم الكلام وأهله، ومنازل السائرين. انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ للذهبي، ج٣ ص ١١٨٣ إلى ص١١٩١، طبع دائرة المعارف العثمانية. ٢ ابن تيمية، المصدر السابق ص ٢٥١.
[ ٢٠ ]
ومن ثم تقديمها لنا واضحة جلية لا تعقيد فيها: أنهم لا يعدلون عن النص الصحيح، ولا يعارضونه بمعقول، ولا بقول فلان وفلان، كما قال الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - " كنا عند الشافعي ﵀ فأتاه رجل فسأله عن مسألة فقال: " قضى فيها رسول الله ﷺ كذا وكذا "، فقال رجل للشافعي: " ما تقول أنت؟ " فقال: " سبحان الله! أتراني في كنيسة؟ تراني على وسطي زنّار؟! أقول لك قضى رسول الله ﷺ، وأنت تقول: ما تقول أنت؟! " ١. ونظائر هذا في كلام السلف كثير، فجميعهم يعلم أن الوحي الإلهي هو الذي يرسم للبشرية معتقدها الصحيح، ويرشدها إلى سبل الخير، ومناهج التطبيق، وأما العقل البشري فقاصر عن تصور العقيدة الصحيحة بمفرده، ووظيفته تنحصر في التفكر في آيات الله في الكون، من خلال توجيهات الوحي الإلهي، وتدبُّر ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله من إيضاح للعقيدة السليمة، إذ ليس لأحد رأي مع التوجيهات النبوية السديدة، ولا قول مع قول الرب ﵎، لأنه سبحانه قد أوقف البشر عند حدود رسمها لهم، وقيَّدهم بقضائه، وقضاء رسوله ﵊، الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ حيث يقول سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٢.
وتماشيًا مع هذا المبدأ، وسيرًا على ذلك الطريق السوي، والمنهج القويم، فإن السلف - رحمهم الله تعالى - لم يقولوا رأيهم السابق في حقيقة الإيمان، إلا بعد استقراءٍ لنصوص الكتاب والسنة، وسبرٍ لأغوارهما، حيث انتهوا إلى القول به، واعتقاده، وإبطال ما سواه، لأنه هو الرأي الذي يسنده الدليل، ويرشد إليه الوحي الإلهي دون ما سواه. فمن أدلتهم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٣٧ ط٣. ٢ الأحزاب: ٣٦.
[ ٢١ ]
أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
وقال سبحانه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ ٣. وغير ذلك من الآيات التي تضيف الإيمان إلى القلب. قالوا: وهذه الآيات دالة على ما لزم القلب من فرض الإيمان، وهو التصديق الجازم، ولا ينفع القول به إذا لم يكن القلب مصدقًا بما ينطق به اللسان مع العمل ٤.
وأما فرض الإيمان باللسان فدليله قوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾ ٥.
وقال سبحانه في سورة آل عمران: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ ٦.
وقال ﵊: " أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " ٧.
_________________
(١) ١ المائدة: ٤١. ٢ النحل: ١٠٦. ٣ الحجرات ت: ١٤. ٤ انظر: كتاب الشريعة للآجري، ص ١١٩ ط مطبعة السنة المحمدية سنة ١٣٦٩هـ - ١٩٥٠م. ٥ البقرة: ١٣٦-١٣٧. ٦ آل عمران: ١٣٦-١٣٧. ٧ صحيح مسلم مع شرح النووي له، ج١ ص٢٠٦ ط بدون تاريخ.
[ ٢٢ ]
فهذه أدلة على وجوب الإيمان باللسان نطقًا ١.
ومن أبرز الأدلة على أن الأعمال من الإيمان: تسميته سبحانه للصلاة إيمانًا في قوله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. وإنما نزلت في الذين توفوا من أصحاب رسول الله ﷺ، وهم على الصلاة إلى بيت المقدس، فسُئل رسول الله ﷺ عنهم فنزلت هذه الآية ٣. ثم أنزل الله ﵎ فرض الزكاة، حيث قال سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٤، فلو أنهم ممتنعون من الزكاة عند الإقرار، وأعطوه ذلك بالألسنة وأقاموا الصلاة، غير أنهم ممتنعون من الزكاة، كان ذلك مزيلًا لما قبله، وناقضًا للإقرار والصلاة، كما أن إباء الصلاة قبل ذلك ناقض لما تقدم من الإقرار٥.
وقد أورد أبو عبيد القاسم بن سلام قوله تعلى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُون (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ ٦، وقوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّه﴾ ٧. أوردها كدليل على أن العمل من الإيمان، وقال بعد ذلك: أفلست تراه ﵎، قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يكتفِ منهم بالإقرار دون العمل، حتى جعل أحدهما من الآخرة؟ فأي شيئ يتَّبع بعد كتاب الله
_________________
(١) ١ الآجري، محمد بن الحسين، المصدر المذكور آنفًا ص ١٢٠. ٢ البقرة: ١٤٣. ٣ أخرجه البخاري من حديث البراء بن عازب ﵁، انظر: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري، ج١ ص٩٥ ط المطبعة السلفية. ٤ التوبة: ١٠٣. ٥ أبو عبيد القاسم بن سلام، كتاب الإيمان، رسالة رقم «٢» من رسائل كنوز السنة تحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ص٥٦ ط المطبعة العمومية بدمشق بدون تاريخ. ٦ العنكبوت: ١-٣. ٧ العنكبوت: ١٠.
[ ٢٣ ]
وسنة رسوله ﷺ ومنهاج السلف بعده، الذين هم موضع القدوة والإمامة؟! ١.
والحاصل، أن أدلة السلف على أن الأعمال ركن في الإيمان، من القرآن الكريم، كثيرة جدًا، وقد حصرها الآجري ﵀ في ستة وخمسين موضعًا، حيث قال: " واعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم، يا أهل القرآن، ويا أهل العلم، ويا أهل السنن والآثار، ويا معشر من فقَّههم الله ﷿ في الدين، بعلم الحلال والحرام، أنكم إن تدبرتم القرآن، كما أمركم الله ﷿، وعلمتم أن الله ﷿ أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله العمل، وأنه ﷿، لم يثنِ على المؤمنين بأنه قد رضي عنهم، وأنهم قد رضوا عنه، وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة، والنجاة من النار، إلا بالإيمان والعمل الصالح. وقرن بالإيمان العمل الصالح، ولم يدخلهم الجنة بالإيمان وحده، حتى ضمَّ إليه العمل الصالح، الذي قد وفَّقهم إليه فصار الإيمان لا يتمُّ لأحد حتى يكون مصدِّقًا بقلبه، وناطقًا بلسانه، وعاملًا بجوارحه. لا يخفى، مَن تدبَّر القرآن وتصفحه وجده كما ذكرت. واعلموا - رحمنا الله وإياكم - أني قد تصفحت القرآن، فوجدت فيه ما ذكرته في ستة وخمسين موضعًا من كتاب الله ﷿ " ٢ ثم سرد الستة والخمسين موضعًا التي ذكر٣. ويطول بنا الحديث إن ذكرناها، ولكن مَن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى كتابه المشهور «الشريعة» الذي انتصر فيه لمذهب السلف.
أما السنة المطهرة، فأدلة السلف منها كثيرة جدًا، يصعب حصرها كذلك ولكني هنا أكتفي بذكر بعض منها فأقول:
إن من أبرزها، واظهرها دلالة حديث عبد الله بن عمر ﵄ المتفق عليه: " بُنيَ الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله،
_________________
(١) ١ أبو عبيد القاسم بن سلام، المصدر السابق ص٦٦. ٢ الآجري، محمد بن الحسين، المصدر المذكور آنفًا ص١٢٢. ٣ انظر: المصدر نفسه من ص١٢٢ـ١٣٢.
[ ٢٤ ]
وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان " ١.
ووجه الدلالة في هذا الحديث: أنه جعل الإسلام الذي هو الإيمان كما يشهد له حديث وفد عبد القيس الآتي - هو مجموع هذه الأمور الخمسة، وهي أعمال، فدل ذلك على أن الأعمال من الإيمان.
وهنا يَرِدُ شبهة على هذا الحديث، فقد يقول قائل: الأركان الأربعة المذكورة بعد الشهادة مبنية عليها، إذ لا يصح شيئ منها إلا بعد وجود الشهادة، فكيف يضمّ مبني إلى مبني عليه في مسمى واحد؟ وقد أجاب ابن حجر عن هذه الشبهة بقوله: أجيب بجواز ابتناء أمر على أمر، ينبني على الأمرين أمر آخر، فإن قيل المبني لا بدَّ أن يكون غير المبني عليه، أجيب بأن المجموع غير من حيث الانفراد، عين من حيث الجمع، ومثاله البيت من الشعر، يُجعل على خمسة أعمدة، أحدها أوسط والبقية أركان، فما دام الأوسط قائمًا، فيسمَّى البيت موجود، لو سقط مهما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مسمَّى البيت. فالبيت بالنظر إلى مجموعه شيئ واحد، وبالنظر إلى أفراده أشياء، وأيضًا فالنظر إلى أسِّه وأركانه، الأسُّ أصلٌ، والأركان تبعٌ وتكملةٌ ٢.
ومن أدلة السلف أيضًا على دخول الأعمال في الإيمان، حديث وفد عبد القيس الذي قال فيه ﷺ: " آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ " قالوا: " الله ورسوله أعلم "، قال: " شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم " ٣.
قال شارح العقيدة الطحاوية، بعد سَوْقه لهذا الحديث: " ومعلوم أنه لم
_________________
(١) ١ متفق عليه، وهذا لفظ البخاري. انظر: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري، ج١ ص٤٩، وصحيح مسلم مع شرح النووي له ج١ ص١٧٦. ٢ انظر: فتح الباري، ج١ ص٤٩ ط المطبعة السلفية. ٣ مسلم، صحيح مسلم مع شرح النووي له، ج١ ص١٨٨.
[ ٢٥ ]
يردْ أن هذه الأعمال تكون إيمانًا بالله بدون إيمان القلب، لِما قد أخبر في مواضع أنه لا بد من إيمان القلب، فعُلِم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان، وأي دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان فوق هذا الدليل؟ فإنه فسر الإيمان بالأعمال ولم يذكر التصديق، للعلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود " ١.
وهناك حديث جبريل المشهور٢ الذي فسر فيه الإسلام والإيمان، تفسيرَين مختلفَين. وهنا في حديث وفد عبد القيس فسر الإيمان بما فسر به الإسلام في حديث جبريل وحيث بُنيَ الإسلام على خمس الآنف الذكر. وقد يُتوهم الاختلاف بينها، ولكن توهم الخلاف يزول، إذا علمنا أن الإسلام والإيمان، إن وردا مجتمعَين - كما في حديث جبريل فإنه يراد من أحدهما غير ما يراد من الآخر. أما إن ورد أحدهما منفصلًا عن الآخر، فإن الآخر يدخل فيه، كما في حديث وفد عبد القيس هنا وحديث بني الإسلام على خمس السابق.
ومن أدلة السلف أيضًا حديث شُعب الإيمان المتفق عليه، كما ذكر ابن منده في كتاب الإيمان، حيث قال: قال محمد بن نصر: وقد جاء الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: " الإيمان بضع وسبعون، أو ستون شعبة، أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان " ٣. فجعل الإيمان شُعبًا بعضها باللسان والشفتَين، وبعضها بالقلب، وبعضها بسائر الجوارح. فشهادة أن لا إله إلا الله فعل اللسان، تقول: شهدتُ أشهدُ شهادة، والشهادة فعلها بالقلب واللسان، لا اختلاف بين المسلمين في ذلك، والحياء في القلب، وإماطة الأذى عن الطريق فعل سائر الجوارح" ٤اهـ. وقصارى القول، أن أدلة السلف من السنة النبوية
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، ص٣٢٧ ط٣. ٢ انظر: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري، ج١ ص١١٤، ط المطبعة السلفية. ٣ صحيح البخاري مع شرحه، ح١. ٤ كتاب الإيمان لابن منده.
[ ٢٦ ]
على أن الأعمال ركن في الإيمان أكثر من أن تُحصر، ولا داعي للاستطراد في ذكرها، فليس غرضنا الاستقصاء، بل التمثيل - وبيان طريقتهم في الاستدلال إذ أن حديثًا واحدًا صحَّ عن رسول الله ﷺ، برواية الرجال الأثبات أو آية واحدة من كتاب الله تعالى، واضحة الدلالة، كافية للاستدلال. ومَن أراد المزيد، فليرجع إلى كتب السنة، فسيجد عشرات الأحاديث التي تدل على ما ذهب إليه السلف في هذا الموضوع.
ولكن الذي يهمني هنا، هو بيان مذهب السلف، الذي يتمثل في اعتقادهم أن الإيمان عبارة عن أمور ثلاثة: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان. والاعتقاد القلبيّ هو الأصل الذي لا شيئ قبله، والأعمال بالجوارح تصديق للإيمان بالقلب. فمَن لم يصدِّق الإيمان بعمل جوارحه، كالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والجهاد، وأشباه ذلك، ورضي من نفسه بالمعرفة والقول لم يكن مؤمنًا، ولم تنفعه المعرفة والقول، وكان تركه العمل تكذيبًا منه لإيمانه، وكان العمل بما ذكر تصديقًا منه لإيمانه. إذ أن الدين الإسلامي يتَّسم بالإيجاب، ولا مجال للسلبية فيه، وترك العمل، سلب لروح هذا الدين الحنيف، الذي أتى لِيحثَّ على العمل والتسابق فيه، بعد تطهير النفوس من شوائب الشرك وأدران الجاهلية.
إلا أن السلف ﵏ في قولهم بأن العمل جزء من الإيمان، وأن التصديق القلبيّ والإقرار اللساني أجزاء أخرى، يقفون من رأي الخوارج والمعتزلة موقف المضاد. إذ أن هؤلاء الأخيرين يعتبرون الإيمان كلًاّ لا يتجزأ، وإن تركَّب من الأمور السالفة الذكر، لذلك قالوا بتخليد مرتكب الكبيرة في النار، وسلبه اسم الإيمان، وإطلاق الكفر عليه عند الخوارج، وجعله في منزلة بين المنزلتين عند المعتزلة. أمّا السلف فقالوا بتجزّء الإيمان فيمكن ذهاب بعضه، وبقاء بعضه الآخر، فيذهب بعض الإيمان بترك بعض الأعمال الواجبة، مالم يكن مستحلًا لتركها بالطبع. وقد بيّن ابن منده ذلك بقوله: " وقال أهل الجماعة: الإيمان (هي) ١ الطاعات كلها بالقلب واللسان
_________________
(١) ١ هكذا في الأصل، ولعل الصواب «هو» .
[ ٢٧ ]
وسائر الجوارح، غير أن له أصلًا وفرعًا، فأصله المعرفة بالله، والتصديق له، وبه وبما جاء من عنده بالقلب، واللسان مع الخضوع له، والحب له، والخوف منه، والتعظيم له مع ترك التكبّر والاستخفاف والمعاندة، فإذا أتى بهذا الأصل فقد دخل في الإيمان، ولزمه اسمه وأحكامه ولا يكون مستكملًا له حتى يأتي بفرعه، وفرعه المفترض عليه أداء الفرائض، واجتناب المحارم " ١ وساق حديث شعب الإيمان، وكلام محمد بن نصر. وبهذا يندفع ما قيل ويقال بأن رأي السلف هذا يؤدي إلى قول الخوارج والمعتزلة.
_________________
(١) ١ ابن منده، محمد بن إسحاق بن محمد، كتاب الإيمان، ورقة رقم ٢٣، مصور بمكتبة جامعة الملك عبد العزيز بمكة رقم ٩٩٦.
[ ٢٨ ]
الفصل الثاني
الصلة بين الإيمان والإسلام
هذه المسألة مما اختلف فيها السلف - رحمهم الله تعالى - نظرًا لاختلاف فهمهم لبعض النصوص التي وردت في هذا الموضوع. واختلافهم يدور حول آراء ثلاثة:
(١) القول الأول:
القول بالترادف بينهما، وأنهما اسمان لِمسمَّى واحد. وهذا الرأي قال به جماعة من السلف منهم الإمام الجليل محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ فقد قال في صحيحه: باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة، وبيان النبي، ثم قال ﷺ: " جاء جبريل يعلِّمكم دينكم "، فجعل ذلك كله دينًا.
وما بيَّن النبي ﷺ لِوفد عبد القيس من الإيمان، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ١ ثم ساق حديث جبريل ﵇ ٢.
ومحصّل كلامه على ما ذكره الإمام ابن حجر في فتح الباري: أن المصنِّف يرى أن الإيمان والإسلام عبارة عن معنى واحد، فلما كان ظاهر
_________________
(١) ١ آل عمران: ٨٥. ٢ البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح مع شرحه لابن حجر، ج١ ص١١٤ ط المطبعة السلفية.
[ ٢٩ ]
سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام، وجوابه يقتضي تغايرهما، وأن الإيمان تصديق بأمور مخصوصة والإسلام إظهار أعمال مخصوصة، وأراد أن يرد ذلك بالتأويل إلى طريقته، قوله " وبيان " أي مع بيان أن الاعتقاد والعمل دِين، وقوله " وما بيَّن " أي مع ما بيَّن للوفد أن الإيمان هو الإسلام، حيث فسره في قصتهم بما فسر به الإسلام هنا، وقول الله أي مع ما دلَّت عليه الآية أن الإسلام هو الدين، ودل عليه خير أبي سفيان١ أن الإيمان هو الدين، فاقتضى ذلك أن الإسلام والإيمان أمر واحد ٢ أهـ. ومن هذا الكلام يتبيَّن لنا جزم الإمام البخاري بالترادف. وممن قال بهذا الرأي أيضًا، الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده حيث قال في كتابه «الإيمان»: " ذكر الأخبار الدالة، والبيان الواضح من الكتاب، أن الإيمان والإسلام اسمان لمعنى، وأن الإيمان الذي دعا الله العباد إليه، هو الإسلام الذي جعله الله دينًا، وارتضاه لعباده، ودعاهم إليه، وهو ضد الكفر الذي سخطه ولم يرضَه لعباده " ٣.
ثم بدأ في سرد أدلته من القرآن الكريم على هذا المعتقد، ومن أدلته - وهي طبعًا أدلة كل مَن وافقه في هذا الرأي ـ: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّه﴾ ٥. فمدح الله الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان وجعله اسم ثناء وتزكية، وأخبر أن مَن أسلم فهو على نور من ربه وهدىً، وأخبر أنه دينه الذي ارتضاه لعباده، كما في قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٦. ألا ترى أن أنبياء الله ورسله رغبوا فيه إليه، وسألوه إياه، فقال إبراهيم
_________________
(١) ١ انظر: حديث رقم ٥١ من صحيح البخاري - ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. ٢ ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج١ ص١١٤، ط المطبعة السلفية. ٣ ابن منده، المصدر المذكور آنفًا ورقة رقم ٢٢. ٤ الأنعام: ١٢٥. ٥ الزمر: ٢٢. ٦ المائدة: ٣.
[ ٣٠ ]
وإسماعيل ﵉: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ١، وقال يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ٢، وقال سبحانه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ٤، وقال في موضع آخر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ٥فحكم الله بأن مَن أسلم فقد اهتدى، فسوَّى بينهما٦. وهذا هو رأي محمد بن نصر المروزي الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ٧.
وأصحاب هذا الرأي فسروا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٨ بأن المراد بالإسلام في هذه الآية، الاستسلام خوف السبي والقتل، مثل إسلام المنافقين قالوا: وهؤلاء كفار، فإن الإيمان لم يدخل قلوبهم ومَن لم يدخل الإيمان في قبله فهو كافر. وقد ترجم الإمام البخاري لهذه الآية بقوله: باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٩ يعني أن المقصود بالإسلام هنا الحقيقة اللغوية لا الشرعية، يقولون: إن كل مسلم مؤمن، وكل مؤمن مسلم، فإثبات أحدهما، هو بعينه إثبات الآخر، ونفي أحدهما هو نفي الآخر.
_________________
(١) ١ البقرة: ١٢٨. ٢ يوسف: ١٠١. ٣ البقرة: ١٣٢. ٤ آل عمران: ٣٠. ٥ البقرة: ١٣٧. ٦ ابن منده، المصدر السابق ورقة رقم ٢٢. ٧ ابن تيمية، كتاب الإيمان، ص ٣١٠، دمشق، ط المكتب الإسلامي. ٨ الحجرات: ١٤. ٩ البخاري، محمد بن إسماعيل، المصدر المذكور آنفًا جذ ص٧٩.
[ ٣١ ]
(١) القول الثاني:
التفريق بين مسمَّى الإسلام والإيمان، وأن الإسلام هو الكلمة والإيمان هو العمل. وهذا قول جماعة من السلف، منهم الزهري وحماد بن زيد، ورواية عن أحمد، كما ذكر ابن منده عن عبد الملك الميموني قال: سألت أحمد بن حنبل: " أتفرِّق بين الإيمان والإسلام؟ " قال: " تعم " وقال بهذا القول جماعة من الصحابة والتابعين، منهم عبد الله بن عباس، والحسن، ومحمد بن سيرين١.
واستدل هؤلاء بآية الحجرات: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٢. وقالوا: إن التفسير الصحيح للآية ليس كما ذكره البخاري ومَن حذا حذوه، لأن القول الراجح في تفسير هذه الآية أنهم ليسوا بمؤمنين كاملي الإيمان، لا أنهم منافقون، كما نفي الإيمان عن القاتل، والزاني، والسارق، ومَن لا أمانة له. ويؤيد هذا سياق الآية، فإن السورة من أوَّلها إلى هنا، في النهي عن المعاصي، وأحكام بعض العصاة، ونحو ذلك، وليس فيها ذكر المنافقين. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ ٢ ولو كانوا منافقين ما نفعتهم الطاعة. ثم قال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ٣، يعني - والله أعلم - أن المؤمنين الكاملي الإيمان، هم هؤلاء لا أنتم، بل أنتم منتفٍ عنكم الإيمان الكامل. يؤيد هذا أنه أمرهم، أو أذن لهم أن يقولوا أسلمنا والمنافق لا يقال له ذلك، ولو كانوا منافقين لَنُفيَ عنهم الإسلام، كما نُفيَ عنهم الإيمان، ونهاهم أن يمنّوا بإسلامهم، فأثبت لهم إسلامهم، ونهاهم أن يمنّوا به على رسوله، ولو لم يكن إسلامًا صحيحًا لقال: لم تسلموا بل أنتم كاذبون، كما كذَّبهم في قولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ ٤. ومن
_________________
(١) ١ ابن منده، محمد بن إسحاق، المصدر المذكور آنفًا ورقة رقم ٢١. ٢ الحجرات: ١٤. ٣ الحجرات: ١٥. ٤ المنافقون: ١. انظر هذا الرأي في تفسير آية الحجرات في شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني ص٢٣١، ط٣.
[ ٣٢ ]
أدلة أصحاب هذا الرأي أيضًا، حديث سعد بن أبي وقاص: إن رسول الله ﷺ أعطى رجالًا، ولم يعطِ رجلًا منهم شيئًا، فقلت: " يارسول الله، أعطيت فلانًا وفلانًا،ولم تعطِ فلانًا وهو مؤمن "، فقال رسول الله ﷺ: " أو مسلم. أعادها ثلاثًا، والنبي ﷺ يقول: أو مسلم، ثم قال: إني لأعطي رجالًا وأمنع آخرين، وهم أحب إليَّ منهم، مخافة أن يُكَبوا على وجوههم في النار " ١.
وقالوا: إن الإيمان خاص، يثبت الاسم به بالعمل مع التوحيد، والإسلام عام، يثبت الاسم بالتوحيد، والخروج من ملل الكفر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن ذكر هذا القول وأشار إلى استدلال أصحابه بحديث سعد السابق، قال: " وهذا على وجهين، فإنه قد يراد به الكلمة بتوابعها من الأعمال الظاهرة، وهذا هو الإسلام، الذي بيَّنه النبي ﷺ، حيث قال: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت " ٢. وقد يراد به الكلمة فقط، من غير فعل الواجبات الظاهرة، وليس هذا هو الذي جعله النبي ﷺ. لكن قد يقال: إسلام الأعراب كان من هذا، فيقال: الأعراب وغيرهم كانوا إذا أسلموا على عهد النبي ﷺ أُلزموا بالأعمال الظاهرة: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. ولم يكن أحد يُترك بمجرد الكلمة، بل كان مَن أظهر المعصية يُعاقب عليها. وأحمد إن كان أراد من هذه الرواية أن الإسلام هو الشهادتان فقط، فكل مَن قالها فهو مسلم، فهذه إحدى الروايات عنه. والرواية الأخرى: لا يكون مسلمًا حتى يأتي بها ويصلي، فإذا لم يصلِّ كان كافرًا. والثالثة: إنه كافر بترك الزكاة أيضًا. والرابعة: إنه يكفر بترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها، دون ما إذا لم يقاتل، وعنه أنه لو قال: أنا
_________________
(١) ١ رواه البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه، حديث رقم ٢٧، بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. انظر: صحيح البخاري مع الشرح، ج١ ص٧٩، ط المكتبة السلفية. ٢ هذا هو تفسير الإسلام الوارد في حديث جبريل المشهور، المتفق عليه.
[ ٣٣ ]
أؤديها، ولا أدفعها إلى الإمام، لم يكن للإمام أن يقتله. وكذلك عنه رواية: إنه يكفر بترك الصيام والحج، إذا عزم أنه لا يحج أبدًا. ومعلوم أنه على القول يكفر تارك المباني، يمتنع أن يكون الإسلام مجرد الكلمة، بل المراد أنه إذا أتى بالكلمة دخل في الإسلام، وهذا صحيح، فإنه يُشهد له بالإسلام، ولا يُشهد له بالإيمان الذي في القلب، ولا يُستثنى في هذا الإسلام، لأنه أمر مشهور، لكن الإسلام الذي هو أداء الخمس، كما أُمر به يقبل الاستثناء، فالإسلام الذي لا يُستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط فإنها لا تزيد، ولاتنقص، فلا استثناء فيه " ١.
كما أشار ابن تيمية ﵀ إلى ضعف القولين السالفين، ووصفهما بالتطرف ومخالفتهما لحديث جبريل، وسائر أحاديث النبي ﷺ ٢. وصحة ما قاله ابن تيمية - رحمه الله تعالى - حول ما ذكر من الأقوال ظاهرة، ويزيدها وضوحًا ما سيأتي عند ذكر القول الثالث، الذي هو تحقيق مذهب السلف في هذه المسألة.
(١) القول الثالث:
وهو تحقيق مذهب السلف، الذي تجتمع عليه النصوص الواردة في هذا الموضوع، أن بين الإسلام والإيمان تلازمًا مع افتراق اسميهما، وأنَّ حال اقتران الإسلام بالإيمان، غير حال إفراد أحدهما عن الآخر، فمثل الإسلام من الإيمان، كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى، فشهادة الرسالة غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان، وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم، كشيئ واحد. كذلك الإسلام والإيمان، لا إيمان لِمَن لا إسلام له، ولا إسلام لِمَن لا إيمان له، إذ لا يخلو المؤمن من إسلام به يتحقق إيمانه، ولا يخلو المسلم من إيمان به يصحُّ إسلامه.
_________________
(١) ١ ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، كتاب الإيمان، ص٢١٦-٢١٧، ط المكتب الإسلامي للطباعة والنشر بدمشق. ٢ المصدر نفسه ص ٣٢٠.
[ ٣٤ ]
وهذا المعنى صحيح وسليم في نظري، لأن لكلٍّ من الإيمان والإسلام حقيقة شرعية مستقلة، كما أن لكلٍّ منهما حقيقة لغوية مستقلة، وغاية ما يقال أنهما متلازمان في الوجود، لا مترادفان في الحقيقة والمعنى. ولقوة ارتباط كل منهما بالآخر، فإنه إذا وُجد أحدهما منفردًا في نص من النصوص، لا يمكننا أن نتصوره وحده، فيكون الآخر داخلًا فيه على سبيل التلازم والارتباط وتحقيق الهدف المراد من كلٍّ منهما مجتمعين.
وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه الوجهة بقوله: " إذا قيل إن الإسلام والإيمان التام متلازما، لم يلزم أن يكون أحدهما هو الآخر، كالروح والبدن، لا يوجد عندنا روح إلا مع البدن، ولا يوجد بدن حيّ إلا مع الروح، وليس أحدهما الآخر، فالإيمان كالروح، فإنه قائم بالروح، ومتصل بالبدن، والإسلام كالبدن، ولا يكون البدن حيًّا إلا مع الروح بمعى أنهما متلازمان، لا أن مسمَّى أحدهما هو الآخر. وإسلام المنافقين كبدن الميت، جسد بلا روح، فما من بدنٍ حيٍّ إلا وفيه روح، ولكن الأوراح متنوعة " ١.
وهذا الرأي في نظري أسلم، وأوْجَه، لأن النصوص تدل على ذلك دلالة واضحة والقول به يُعتبر جمعًا بين الآراء التي تَقدَّم ذكرها، لأن غاية ما يقال للتقريب بين الأراء المختلفة: إن مَن قال بالترادف، إنما قاله مبالغة منه في قوة ارتباط الإسلام والإيمان كل منهما بالآخر، حتى لكأنَّهما شيئ واحد. ومَن قال بأن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، فإنه لم يُرِد الكلمة مجردة عن توابعها المذكورة في حديث جبريل، وإنما أرادها مع توابعها، وأنه حقيقة شرعية للإسلام، تختلف عن الحقيقة الشرعية للإيمان الواردة في حديث جبريل وهي أعمال القلب، ولم يُرِد أنهما متغايران، بحيث يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر في الاعتبار الشرعي. وعليه فإن هذا الرأي أجمع للنظرتين، وأبعد عن التعبيرات التي قد تُوهم اعتقادًا لم يقصده السلف، وهو إنكار الحقيقة الشرعية المستقلة على الرأي الأول، وتُوهم التغاير بينهما
_________________
(١) ١ ابن تيمية، المصدر السابق ص ٣١٣.
[ ٣٥ ]
على الرأي الثاني مما يؤدي إلى إنكار النصوص الشرعية الواردة في بيان المذهب السليم الذي نحن بصدد سياقه.
أما آية الحجرات السالفة الذكر وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ فإن تفسير أصحاب الرأي الأول لها أصح، لأنه نفى أن يكون الإيمان قد دخل قلوبهم نفيًا قاطعًا، فيكون الإسلام الوارد في الآية المقصود منه الحقيقة اللغوية لا الشرعية.
أما النصوص التي هي مناط الاستدلال لهذا الرأي الأخير - وهو القول بالتلازم بين الإسلام والإيمان مع افتراق اسميهما - فحديث جبريل المشهور، وحديث وفد عبد القيس.
أما حديث جبريل، فقد رواه عبد الله بن عمر عن أبيه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتَيه إلى ركبتَيه، ووضع كفَّيه على فخذَيه، وقال: " ما محمد، أخبرني عن الإسلام "، فقال رسول الله ﷺ: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة،وتصوم رمضان، وتحج البيت، إن استطعت إليه سبيلًا "، قال: " صدقت ". قال: فعجِبنا له يسأله ويصدِّقه.
قال:" فأخبرني عن الإيمان "، قال:" أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره "، قال:" صدقت ". قال: " فأخبرني عن الإحسان " ١.
وأما حديث وفد عبد القيس، فرواه مسلم في صحيحه، عن ابن
_________________
(١) ١ متفق عليه. وهذا لفظ مسلم. انظر: صحيح مسلم مع شرح النووي له، ج١ ص١٥٧، وصحيج البخاري مع شرحه فتح الباري، ج١ ص ١١٤، ط المطبعة السلفية.
[ ٣٦ ]
عباس ﵄ قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا هذا الحيّ من ربيعة، بيننا وبينك كفار مضر، فلا نخلص إليك إلا في شهر حرام، فمُرْنا بأمر نعمل به، وندعوا إليه من رواءنا، قال: " آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، الإيمان بالله، ثم فسرها لهم فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم، وأنهاكم عن أربع " ١.
ووجه الاستدلال بهذين الحديثين: أن النبي ﷺ فرق بين الإسلام والإيمان في حديث جبريل، فجعل الإسلام الأعمال الظاهرة، والإيمان الاعتقاد الباطن وهذا يدل على اختلافهما من حيث الحقيقة الشرعية، ودفعًا لِتوهّم التباين بينهما فقد فسر الإيمان في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام في حديث جبريل لنكون على علم بالتلازم في الوجود، مع افتراق الاسم وقد تقدَّم تشبيههما بالشهادتين.
ودفعًا لِتوهّم التعارض بين الحديثين، فقد جمع السلف بينهما - على أن الإيمان والإسلام إذا ذُكرا مجتمعَين، كما في حديث جبريل، فإنه يراد من كل منهما غير ما يراد من الآخر، فيراد من الإيمان ما في القلب،من الإيمان بالله وملائكته إلى آخر ما ذُكر في الحديث. ويراد بالإسلام الشهادتان بتوابعهما من الأعمال الظاهرة. وإذا ذُكر أحدهما مجردًا عن الآخر دخل الآخر فيه، كما في حديث وفد عبد القيس.
قال أبو عمرو بن الصلاح في كلامه على حديث جبريل: قوله ﷺ: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. والإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ". قال: هذا بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن،
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، مع شرحه للنووي، ج١ ص١٨٣.
[ ٣٧ ]
وبيان لأصل الإسلام، وهو الاستسلام والانقياد الظاهر، وحكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتمُّ استسلامه - وتركه لها يُشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله. ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث، وسائر الطاعات، لكونها ثمرات للتصديق الباطن، الذي هو أصل الإيمان ومقويات ومتممات وحافظات له. ولهذا فسر ﷺ الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وإعطاء الخُمس من المغنم. ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على مَن ارتكب كبيرة، أو بدل فريضة، لأن اسم الشيئ مطلقًا يُطلق على الكامل منه، ولا يُستعمل في الناقص ظاهرًا إلا بقيد، ولذلك جاز نفيه عنه في قوله ﷺ: " لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ". واسم الإسلام يتناول أيضًا ما هو أصل الإيمان، وهو التصديق الباطن ويتناول أصل الطاعات، فإن ذلك كله استسلام، قال: فخرج مما ذكرنا وحققنا أن الإيمان والإسلام يجتمعان، ويفترقان، وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، قال: وهذا تحقيق وافر بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة في الإيمان والإسلام، والتي طالما غلط فيه الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم ١أهـ.
وكلام ابن الصلاح هذا كافٍ في بيان ما يمكن أن تجتمع عليه نصوص الكتاب والسنة، التي استدل بها كل فريق. أما ما ذكره من أن الجمهور من أهل السنة يقولون: إن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا، فلقائل أن يقول: كيف تثبت هذا القول على سبيل الإقرار، وأنت ذكرت في التحقيق السابق أنه لا يمكن أن يوجد إسلام بدون إيمان، إذ لا بد للمسلم من إيمان به يصح إسلامه؟ قلت: هذا صحيح، ولكنه لا يتنافى مع
_________________
(١) ١ نقلًا عن: النووي محي الدين يحيى بن شرف، شرح صحيح مسلم، ج١ ص١٤٧ـ ١٤٨.
[ ٣٨ ]
ما ذكره ابن الصلاح هنا. إذ أننا نظرنا إليه بنظرتين، فإذا نظرنا إليه من الناحية الشرعية المعتبرة، ارتسم أمامنا القول الأول، إذ من الناحية الشرعية لا يمكن أن يوجد إسلام بدون إيمان، فالأسلام المعتبر لا بد معه من إيمان يصححه.
أما هذا المعنى الذي ذكره ابن الصلاح فيمكن أنه يقصد أن كل مؤمن كامل الإيمان فهو مسلم.أما المؤمن العاصي، فإنه ناقص الإيمان، فلا يُعطى الاسم الكامل إلا بقيدٍ، أو يقال أنه مسلم ولا يقال مؤمن، لأن الإطلاق لا يكون إلا للكامل منه فحينئذٍ يكون مسلمًا وليس مؤمنًا بمعنى أنه ليس كامل الإيمان، لا أنه لا إيمان معه البتة.
وقد يراد به المعنى اللغوي للإسلام، والمعاملة الظاهرة من قبَلنا لِمَن ادعى ذلك، ففي اللغة اسم المسلم يُطلق على المنافق الذي يدَّعي الإسلام، ولنا أن نعامله في الظاهر بأنه مسلم، فمَن أسلم بظاهره دون باطنه فهو منافق يُقبل منه ما أظهر من إسلام، لأننا لم نؤمَر بالشقِّ عن قلوب الناس، والنفاذ إلى ما وَقَرَ فيها لِتَبيُّنه، ثم اعتبار ما أخفاه في قلبه نَكِلَه إلى الله ﷾، لأنه هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولا المعنيين صحيح. لكن الظاهر أن ابن الصلاح قصد الأول منهما.
أما قوله: إن الطاعات ثمرات التصديق الباطن، فإنه يقصد الإيمان في القلب، فإنه يُوجب ويقتضي القيام بالأعمال الظاهرة، التي هي لوازم له، إذ لا يُعقل وجود الملزوم بدون اللازم، فانتفاء اللازم دليل على عدم الملزوم أو ضعفه، وحينئذٍ فكل نقص يقع في الأعمال الظاهرة إنما هو انعكاس لنقص الإيمان الباطن، وإلا فمن الممتنع أن يكون قد حصل له الإقرار، والحب والانقياد باطنًا، ولا يحصل أثر ذلك في الظاهر مع القدرة عليه، لا أن الإيمان الباطن قد يكون سببًا، وقد يكون الإيمان الباطن تامًا كاملًا وهي لم توجد، كما قالت المرجئة. ومن أدلة هذا الرأي أيضًا، أن الله قد جعل ضد الإسلام والإيمان واحدًا، فلولا أنهما كشيئ واحد في الحكم والمعنى،
[ ٣٩ ]
ما كان ضدهما واحدًا فقال سبحانه: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ ١ وقال: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢. وعلى مثل هذا أخبر رسول الله ﷺ عن الإيمان والإسلام من صنف واحد، كما في حديث وقد عبد القيس المتقدم، مع حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " بُنيَ الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة،وحج البيت، وصوم رمضان " وفي رواية " وصيام رمضان، وحج البيت ".
فدل ذلك على أنه لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر، ولا إسلام ظاهر إلا بإيمان باطن، وأن الإيمان والعمل قرينان، لا ينفع أحدهما بدون صاحبه.
وهكذا يتبيَّن لنا أن هذا الرأي هو الصحيح الذي ينبغي أن يقال: والذي عليه تجتمع آراء السلف، لأن الخلاف بينهم في هذه المسألة لفظيّ في نظري إذ أن الجميع متفقون على أن العمل لا بد منه، وأن الإيمان لا قيمة له إذا لم يُشفع بالعمل. وكلهم يقول بنفصان الإيمان إذا قصر في العمل وزيادته حتى درجة الكمال، إذا حافظ الإنسان على جميع المأمورات واجتنب كافة المنهيات وتوخى الإحسان والدقة في ذلك.
_________________
(١) ١ آل عمران: ٧٦. ٢ آل عمران: ٧٠.
[ ٤٠ ]
الفصل الثالث
زيادة الإيمان ونقصه
هذه المسألة هي محور خلاف بين الطوائف الإسلامية، فكل فرقة منها بَنَتْ رأيها في الإيمان على أساس أن ينتج القول بالزيادة والنقصان، أو عدمهما، كما سيتبيَّن ذلك أثناء بسطنا لآرائهم في مواضعها إن شاء الله.
وبيت القصيد في هذا الفصل، هو بيان المذهب الذي ارتضاه السلف ﵏، في هذه المسألة، فأقول وبالله التوفيق:
إن السلف رحمهم الله تعالى، بعد أن أجمعوا على القول بركنية العمل في الإيمان، نظروا إلى الأمر الواقع، فرأوا الناس على درجات من التفاوت في الأعمال إذ لا يمكنهم التساوي في الإتيان بها على الوجه المطلوب، وذلك لتفاوت استعداداتهم في تقبّل ما يصل إليهم من التكاليف. فمنهم مَن بلغ من الكمال درجة يستطيع معها تنفيذ الأوامر التشريعية، واجتناب جميع المنهيات، التي نهى عنها الشارع الحكيم، فهو بهذا تقبّل التشريع الرَّباني، مصدِّقًا بقلبه تصديقًا جازمًا، فأنتج العمل، دون تفريط. ثم أنه لم يقف عند هذا الحد بل طفق ينشد درجة أكمل، فحرص على المحافظة على الإتيان بطاعات حثَّ الشارع على الإتيان بها استحبابًا لا إيجابًا، كإماطة الأذى عن الطريق، والتصدق على الفقراء، ومواساة أهل المصائب والمنكوبين، ونحو ذلك من مكارم الأخلاف وصالح الأعمال.
وصنف آخر شارك هؤلاء في الإتيان بسائر الأوامر، واجتناب كافة
[ ٤١ ]
المنهيات، إلا أنه اقتصر عليها ولم يتعدَها إلى ما سواها من النوافل وثالث تقبّل التشريع وصدَّق به، إلا أنه قصر في الإتيان ببعض الواجبات تهاونًا، وقادته شهوته الجامحة إلى ارتكاب بعض المحرمات.
فهؤلاء أصناف ثلاثة، على درجات متباينة من الاجتهاد في استقصاء متطلبات الإيمان. وهذا أمر واقع محسوس لا يملك أحد إنكاره، ولا يستطيع عاقل أن يساوي بين الأول والأخير، والتفاوت بينهما أوضح وأجلى من أن يُدَلَّلَ عليه بدليل. هكذا تفحَّص السلف في هذا الأمر المحسوس وعليه بنوا رأيهم في الإيمان فأجمعوا على القول بزيادته ونقصانه وتفاضل أهله فيه.
فمن أتى بجميع ما أمره الله به من الأقوال والأعمال، واجتنب جميع ما أُمر باجتنابه منها، كان أكمل إيمانًا ممن فرَّط في شيئ من ذلك. وعليه فإن إيمان أبي بكر وعمر ﵄، أكمل من إيمان معاوية، كما أن الرسول ﷺ أكمل الأمة إيمانًا، بل أكمل البشرية كلها.
وهذا القول هو الذي أجمع السلف وأصحاب الحديث على القول به واعتقاده١، ومنهم الإمام مالك بن أنس ﵁، إلا أن هناك قولًا آخر يُروى عنه وهو أن الإيمان يزيد، أما النقصان فتوقف فيه، فلم يجزم بنفي ولا إثبات. وله في ذلك شبهتان ذكرهما الإمام النووي:
١ - أن التصديق بالله تعالى وبرسوله ﷺ لا ينقص، لأنه إذا نقص صار شكًّا وخرج عن اسم الإيمان.
٢ - وقال بعضهم: إنما توقف الإيمان الإمام مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأوَّل عليه موافقة الخوارج الذين يكفِّرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب ٢.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية، ص١٨٦. ٢ النووي، محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف، شرح صحيح مسلم، ج١ ص١٤٦، ط المطبعة المصرية ومكتبتها.
[ ٤٢ ]
وقد يكون السبب الذي دفع الإمام مالكًا إلى هذا الرأي - على فرض صحة نسبته إليه - هو أن القرآن الكريم إنما صرَّح بالزيادة ولم يتعرَّض للنقصان.
ولكن الأليق بمسلك مالك الرواية الأخرى التي يوافق فيها السلف لأن الشُّبَه التي ذكرها الإمام النووي تؤدي إلى القول بأنه يقصد بالإيمان التصديق فقط، وهذا ما لم يقلْه الإمام مالك، بل المعروف عنه قوله بما قال به السلف من أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، وقد تقدم ذلك. كما أن الرواية الأخرى التي تذكر عنه موافقته للسلف أقوى وأشهر من حيث أنها توافق مبدأه المعروف عنه. وقد ذكر هذه الرواية الإمام النووي أيضًا عن عبد الرزاق قال: سمعت مَن أدركتُ من شيوخنا، وأصحابنا، سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر، والأوزاعي، ومعمر بن راشد، وابن جريج، وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وهذا قول ابن مسعود، وحذيفة، والنخعي، والحسن البصري، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعبد الله بن المبارك١.
كما ذكر هذا القول عن مالك أيضًا الإمام أحمد في كتاب السنة ٢ وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان من الإيمان عن الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يُعرف فيه مخالف من الصحابة. فروى الناس من وجوه كثيرة مشهورة: عن حماد بن سلمة، عن أبي جعفر، عن جدِّه عمير بن حبيب الخطمي، وهو من أصحاب رسول الله ﷺ قال: " الإيمان يزيد وينقص "، قيل له: " وما زيادته وما نقصانه؟ " قال: " إذا ذكرنا الله وحمدناه، وسبحناه فتلك زيادته، وإذا أغفلنا ونسينا فتلك نقصانه " ٣.
_________________
(١) ١ النووي، محي الدين يحيى بن شرف، شرح صحيح مسلم ج١ ص١٤٦، ط المطبعة المصرية ومكتبتها. ٢ ابن حنبل، أحمد بن حنبل كتاب السنة، ص٧٦، ط المطبعة السلفية سنة ١٣٤٩هـ. ٣ ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، كتاب الإيمان، ص١٨٦. دمشق، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر. وانظر: كتاب الإيمان لابن أبي شيبة، ج ٧ حديث رقم ١٤.
[ ٤٣ ]
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: " الإيمان يزيد وينقص " ١. وقال: " إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد إيمانه أم ينقص؟ وإن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنَّى تأتيه" ٢.
فهذه أقوال وردت عن الصحابة رضوان الله عليهم واضحة الدلالة منطوقًا ومفهومًا على أنهم كانوا يعتقدون زيادة الإيمان ونقصه، ولا شك أنهم أعلم بدلائل النصوص الشرعية وأكثر فهمًا لها، وإنما نحن عالة عليهم وعلى من اقتفى أثرهم من سلف هذه الأمة الذين لم يحيدوا قيد أنملة عن دلائل النصوص الشرعية المتمثلة في الكتاب والسنة. ومن أبرز عبارات السلف في هذا الموضوع ما رواه البخاري في صحيحه عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵁ من أنه كتب إلى عدي بن عدي: " إن للإيمان فرائضًا وشرائعًا، وحدودًا وسننًا، فمَن استكملها استكمل الإيمان، ومَن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. فإن أعِشْ فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمُتْ فما أنا على صحبتكم بحريص " ٣.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن مالك بن دينار قوله: " الإيمان يبدو في القلب ضعيفًا ضئيلًا كالبقلة، فإن صاحبه تعاهده فسقاه بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة، وأماط عنه الدغل، وما يضعفه ويوهنه، أوشك أن ينمو ويزداد، ويصير له أصل وفروع وثمرة وظلَّ إلى ما لا يتناهى حتى يصير أمثال الجبال. وإن صاحبه أهمله ولم يتعاهده، جاءه عنز فنتفها، أو صبي فذهب بها أو أكثر عليها الدغل فأضعفها، أو أهلكها، أو أيبسها كذلك الإيمان " ٤.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه. ٢ المصدر نفسه. ٣ البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري مع الشرح، كتاب الإيمان، ح١ ص٤٥، ط المطبعة السلفية. ٤ ابن تيمية، كتاب الإيمان، ص١٨٨.
[ ٤٤ ]
والآثار الواردة في هذا المعنى عن الصحابة والتابعين وأئمة السلف من بعدهم كثيرة، كلها تنطق بأنهم يُجمعون على رأي واحد هو القول بزيادة الإيمان ونقصه من عدة وجوه ذكرها الإمام ابن تيمية في كتاب الإيمان وهي:
الأول: الإجمال والتفصيل فيما أُمروا به، فإنه وإن وجب على جميع الخلق الإيمان بالله ورسوله، ووجب على كل أمة التزام ما يأمر به رسولهم مجملًا، فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله، ولا يجب على كل عبد من الإيمان المفصَّل مما أخبر به الرسول ما يجب على مَن بلغه خبره، فمَن عرف القرآن والسنن ومعانيها لزمه من الإيمان المفصل بذلك ما لا يلزم غيره، ولو آمن الرجل بالله وبالرسول باطنًا وظاهرًا، ثم مات قبل أن يعرف شرائع الدين مات مؤمنًا بما وجب عليه من الإيمان، وليس ما وجب عليه ولا وقع منه مثل إيمان مَن عرف الشرائع فآمن بها وعمل بها. بل إيمان هذا أكمل وجوبًا ووقوعًا، فإن ما وجب عليه من الإيمان أكمل، وما وقع منه أكمل.
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ١ أي في التشريع بالأمر والنهي، لا أن كل واحد من الأمة وجب عليه ما يجب على سائر الأمة وأنه فعل ذلك، بل الناس متفاضلون في الإيمان أعظم تفاضل.
الثاني: الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم، فمَن طلب علم التفصيل وعمل به، فإيمانه أكمل ممن عرف ما يجب عليه والتزمه وأقرَّ به ولم يعمل بذلك كله. وهذاالمُقرُّ المقصِّر في العمل، إن اعترف بذنبه وكان خائفًا من عقوبة ربه علىترك العمل أكمل إيمانًا ممن لم يطلب معرفة ما أمر به الرسول ﷺ، ولا عمل بذلك، ولا هو خائف أن يُعاقب بل هو في غفلة عن تفصيل ما جاء به
_________________
(١) ١ المائدة: ٣.
[ ٤٥ ]
الرسول ﷺ مع أنه مُقرٌّ بنبوَّته باطنًا وظاهرًا، فكل ما علم القلب بما أخبر به الرسول ﷺ فصدَّقه، وما أمر به فالتزمه كان ذلك زيادة في إيمانه على مَن لم يحصل له ذلك، وإن كان معه إقرار عام والتزام. وكذلك مَن عرف أسماء الله تعالى ومعانيها فآمن بها، كان إيمانه أكمل ممن لم يعرف تلك الأسماء بل آمن بها إيمانًا مجملًا أو عرف بعضها، وكلما ازداد الإنسان معرفة بأسماء الله تعالى، وصفاته كان إيمانه به أكمل.
الثالث: أن العلم والتصديق نفسه، يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت وأبعد عن الشك والريب، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه. كما أن الحس الظاهر بالشيئ الواحد، مثل رؤية الناس للهلال، وإن اشتركوا فيها، فبعضهم تكون رؤيته أتم من بعض، وكذلك سماع الصوت الواحد، وشمّ الرائحة الواحدة، وذوق النوع الواحد من الطعام، فكذلك معرفة القلب وتصديقه، يتفاضل أعظم من ذلك من وجوه متعددة، والمعاني التي يؤمن بها من معاني أسماء الرب وكلامه، يتفاضل الناس في معرفتها، أعظم من تفاضلهم في معرفة غيرها.
الرابع: أن التصديق المستلزم لعمل القلب، أكمل من التصديق الذي لا يستلزم عمله، فالعلم الذي يعمل به صاحبه، أكمل من العلم الذي لا يعمل به. وإذا كان شخصان يعلمان أن الله حق، ورسوله حق، والجنة حق، والنار حق، وهذا علمه أوجب له محبة الله، وخشيته، والرغبة في الجنة، والهرب من النار، والآخر علمه لم يوجب له ذلك فعلم الأول أكمل. فإن قوة المسبب دلّ على قوة السبب، وهذه الأمور نشأت عن العلم، فالعلم بالمحبوب يستلزم طلبه، والعلم بالمخوف يستلزم الهرب منه، فإذا لم يحصل اللازم، دل على ضعف الملزوم، ولهذا قال النبي ﷺ:" ليس المُخبَر كالمعاين ". فإن موسى ﵇ لما أخبره ربه أن قومه عبدوا العجل، لم يُلقِ الألواح فلما رآهم قد عبدوه ألقاها. وليس
[ ٤٦ ]
ذلك لِشكِّ موسى ﵇ في خبر الله لكن المخبَر وإن جزم بصدق المخبِر، فقد لا يتصور المخبَر به، وإن كان مصدِّقًا به. ومعلوم أنه عند المعاينة، يحصل له من تصور المخبَر به، ما لم يكن عند الخبر، فهذا التصديق أكمل من ذلك التصديق.
الخامس: أن أعمال القلوب، مثل محبة الله ورسوله، وخشية الله تعالى ورجائه، ونحو ذلك، هي كلها من الإيمان، كما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفاق السلف، وهذه يتفاضل الناس فيها تفاضلًا عظيمًا.
السادس: أن الأعمال الظاهرة مع الباطنة، هي أيضًا من الإيمان، والناس يتفاضلون فيها.
السابع: ذكر الإنسان بقلبه ما أُمر به، واستحضاره، بحيث لا يكون غافلًا عنه، أكمل ممن صدَّق به وغفل عنه، فإن الغفلة تضاد كمال العلم، والتصديق، والذكر، والاستحضار يكمل العلم اليقين. ولهذا قال عمير بن حبيب كما تقدم: " إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا أغفلنا ونسينا وضيَّعنا فتلك نقصانه ".
الثامن: أن الإنسان قد يكون مُكذِّبًا ومُنكِرًا لأمور لا يعلم أن الرسول ﷺ أخبر بها، وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذِّب، ولم ينكر، بل قلبه جازم بأنه لا يخبر إلا بصدق، ولا يأمر إلا بحق، ثم يسمع الآية أو الحديث، أو يتدبر ذلك، أو يفسر له معناه، أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه، فيصدِّق بما كان مكذِّبًا به، ويعرف ما كان مُنكِرًا، وهذا تصديق جديد، وإيمان جديد ازداد به إيمانه، ولم يكن قبل ذلك كافرًا بل جاهلًا. وهذا وإن أشبَه المجمل والمفصل لكون قلبه سليمًا عن تكذيب وتصديق لشيئ من التفاصيل، وعن معرفة وإنكار لشيئ من ذلك، فيأتيه التفصيل بعد الإجمال على قلب ساذج. وأما كثير من الناس، بل من أهل العلوم والعبادات، فيقوم بقلوبهم من التفصيل أمور كثيرة تخالف
[ ٤٧ ]
ما جاء به الرسول ﷺ، وهم لا يعرفون أنها تخالف، فإذا عرفوا رجعوا. وكل مَن ابتدع في الدين قولًا أخطأ فيه أو عمل عملًا أخطأ فيه، وهو مؤمن بالرسول ﷺ، أو عرف ما قاله وآمن به، لم يعدل عنه، هو من هذا الباب. وكل مبتدِع قصد متابعة الرسول ﷺ، فهو من هذا الباب. فمَن علم ما جاء به الرسول ﷺ، وعمل به، أكمل ممن أخطأ ذلك، ومَن علم الصواب بعد الخطأ، وعمل به فهو أكمل ممن لم يكن كذلك١ اهـ. (بشيئ من الاختصار) .
وبعد هذا التفصيل الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية للأوجه التي يزيد الإيمان وينقص بها، أعود فأقول إن السلف جميعًا ما تقدم ذكره منهم والإمام أحمد بن حنبل، والشافعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي، والطبري، جميعهم يقولون إن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي ٢ وقد قالوا هذا القول، وجزموا باعتقاده مستندين كعادتهم إلى نصوص الوحيين الكتاب والسنة.
أما الزيادة فنطق بها القرآن الكريم في آيات كثيرة ذكر بعضًا منها الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في مستهل كتاب الإيمان من صحيحه. فمنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ ٣، وقال ﷾: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ٤، وقال ﷾: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًاليستيقن الذين﴾ ٦، وقال ﷿ ﴿الذين
_________________
(١) ١ انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية ص١٩٣-١٩٨. ٢ انظر: لوامع الأنوار البهية للشيخ محمد بن أحمد السفاريني، ج١ ص٤١٦. ٣ التوبة:١٢٤. ٤ الفتح: ٤. ٥ الأنفال: ٢. ٦ المدثر: ٣١.
[ ٤٨ ]
قال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ ١إلى غير ذلك من الآيات المصرِّحة بالزيادة. فهذه أدلة السلف من القرآن الكريم على أن الإيمان يزيد بصريح اللفظ، كما أنها تدل عن طريق الالتزام على أنه ينقص، لأن الشيئ الذي تعتريه الزيادة لا بد وأنه ينقص، وإلا فلا معنى للزيادة، إذ لا يمكن أن يتصور شيئ قابل للزيادة غير قابل للنقصان.
أما أدلتهم من السنة المطهرة فكثيرة أيضًا، منها حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه، وفيه أن النبي ﷺ أمر النساء بالتصدق وقال بعد ذلك:" ما رأيت ناقصات عقل ودِين أذهب لِلُبِّ الرجل الحازم من أحداكن "، قُلْنَ: " وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ " قال: " أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ " قلن: " بلى يا رسول الله "، قال: " فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصُمْ؟ " قلن: " بلى "، قال: " فذلك من نقصان دينها "٢.
فهذا الحديث يدل على أن إيمان الرجل أكمل من إيمان المرأة إذ المرأة يمرُّ عليها أوقات لا تقيم فيها بعض الشعائر الدينية والرجل مستمر في القيام بها دون انقطاع. أليس الرجل يزيد على المرأة بهذه المدة وأداء تلك الشعائر فيها، مما يجعل إيمانه أكمل وأوفى. قد يقال: إن هذا نقصان في التكاليف، وهذا صحيح ولكن الذي يُكلَّف بأمر فيمتثل، فهو زائد في الأجر على من لم يكلَّف به، لأنه لم يعمله، فلم يكسب أجره، والزيادة في الإيمان، إنما تكون بالزيادة في العمل. ومن أدلة السلف أيضًا قوله ﷺ: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " ٣.
قال الإمام النووي في بيان معنى هذا الحديث: " فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من
_________________
(١) ١ آل عمران: ١٧٣. ٢ متفق عليه. ٣ مسلم، صحيح مسلم مع الشرح، ج٢ ص٤١، ط المطبعة المصرية.
[ ٤٩ ]
الألفاظ التي تطلق على نفي الشيئ ويراد نفي كماله " ١.
ومنها قوله ﵊: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " ٢ والمراد نفي الكمال ونظائره كثيرة.
ومن أشهر ما استدل به السلف من الأحاديث حديث شعب الإيمان المتفق على صحته وفيه:" الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " ٣. فأخبر في هذا الحديث بأن الإيمان له أعلى وأدنى، وفي هذا إشارة إلى أن مراتبها متفاوتة.
وتحت «باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال» ذكر الإمام البخاري ﵀ حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " يدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا مَن كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيخرجون منها، قد اسودُّوا فيُلقَون في نهر الحيا - أو الحياة، شكَّ مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم ترَ أنها تخرج صفراء ملتوية " ٤.
وقال الإمام البخاري أيضًا: " باب زيادة الإيمان ونقصانه، وقول الله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فإذا ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص.
ثم ساق حديث أنس عن النبي ﷺ قال: " يخرج من النار مُن قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار مَن قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله
_________________
(١) ١ النووي، محي الدين يحيى بن شرف، شرح صحيح مسلم، ج٢ ص٤١، ط المطبعة المصرية. ٢ متفق عليه. ٣ متفق عليه وقد تقدم عند بيان حقيقة الإيمان. ٤ البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري، ج١ ص٧٢، ط المطبعة السلفية.
[ ٥٠ ]
وفي قلبه وزن ذرَّة من خير " وفي رواية " من إيمان " مكان " من خير " ١.
وقد ذكر ابن منده حديثًا ترجم له بقوله: ذكر خبر يدل على أن الإيمان ينقص حتى لا يبقى في قلب العبد مثقال حبة خردل. ثم ساق حديث ابن مسعود الذي رواه مسلم وهو قوله ﷺ: " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " ٢.
وأدلة السلف على زيادة الإيمان ونقصه كثيرة جدًا ولكن من أشهرها ما ذكرت فأكتفي بذكره عن غيره ليكون مثالًا واضحًا لأدلتهم التي لم أذكر والتي مُلئت بها كتب السنة. وجميعها صريح الدلالة منطوقًا ومفهومًا على صحة ما ذهب إليه السلف في هذا الموضوع الذي هو من أخطر ما بحث في مجال العقيدة الإسلامية إذ عليه يترتب جانب مهم من حياة المسلم الدينية. إذ أن المسلم إذا اطلع على ما قالته الفِرق الأخرى من أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فإن ذلك قد يؤدي به إلى التكاسل فلا يعمل بما أُمر ولا ينتهي عما نُهي عنه إذا أخذ هذا الرأي مُسلَّمًا دون تمحيص وعرض على نصوص التشريع ليتبين له الحق في ذلك والله المستعان.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١٠٣. ٢ ابن منده، محمد بن إسحاق بن محمد، كتاب الإيمان ورقة رقم ٢٤، مصور بالمكتبة المركزية بجامعة الملك عبد العزيز بمكة رقم ٩٩٦. وانظر: صحيح مسلم مع شرحه للنووي، ج٢ ص٢٧.
[ ٥١ ]
الفصل الرابع
مذهب السلف في مرتكب الكبيرة
قبل البدء في بيان مذهب السلف في هذا الموضوع، أرى من الضرورة بيان الفرق بين الصغائر والكبائر، فأقول وبالله التوفيق:
إن جماهير الأمة من السلف والخلف، من جميع الطوائف قد ذهبوا إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر. وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسنة، واستعمال سلف الأمة وخلفها. ولا شك أن هذين الصنفين من المعاصي بينهما فارق لا يمكن إنكاره، ولا شك أيضًا أن المخالفة لأوامر الله تعالى ونواهيه، قبيحة جدًا، بالنسبة إلى عظمة الباري ﷻ، ولكن بعضها أعظم قبحًا من البعض الآخر، وتنقسم بهذا الاعتبار إلى ما تكفره الصلوات الخمس، أو صوم رمضان، أو الحج، أو العمرة، أو الوضوء، أو صوم عاشوراء، أو فعل الحسنة، أو غير ذلك مما وردت به الأحاديث الصحيحة المذكورة في مصادرها، وإلى ما لا يكفره شيئ من ذلك. فما يمكن تكفيره بمثل هذه الأعمال فهو من الصغائر وما لا يمكن تكفيره من الكبائر.
ولكن هذا لا يُخرج الصغائر عن كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى، فإنه صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها لكونها أقلّ قبحًا، ولكون تكفيرها سهلًا ميسورًا.
وإذا ثبت انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، فقد اختلف العلماء في
[ ٥٢ ]
ضبطها اختلافًا كثيرًا، ذكره الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم، وإليك عرضًا لهذه الآراء:
١ - روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله تعالى بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. ونحو هذا عن الحسن البصري.
٢ - وقال آخرون: هي ما أوعد الله عليه بنار، أو حدّ في الدنيا.
٣ - وقال أبو حامد الغزالي في ضبط الكبيرة: إن كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف وحذار ندم، كالمتهاون بارتكابها والمتجرئ عليه اعتيادًا، فما أشعرَ بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة، وما يحمل على فلتات النفس أو اللسان وفترة مراقبة التقوى، ولا ينفك عن تندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية، فهذا لا يمنع العدالة، وليس هو بكبيرة.
٤ـ وقال أبو عمرو بن الصلاح ﵀ الكبيرة كل ذنب كبر وعظم عِظَمًا يصح معه أن يُطلق عليه اسم الكبيرة، ووصف بكونه عظيمًا على الإطلاق قال: فهذا حد الكبيرة، ثم لها إمارات منها إيجاب الحد، ومنها الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب أو السنة، ومنها وصف فاعلها بالفسق نصًا، ومنها اللعن، كَلعن الله ﷾ من غَيَّر منار الأرض.
٥ـ وقال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام ﵀: إذا أردت معرفة الفرق بين الصغيرة والكبيرة فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو ربَتْ عليه فهي من الكبائر وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأنها كل ذنب قُرِن به وعيد، أو حد، أو لعن. فعلى هذا كل ذنب علم أن مفسدته كمفسدة ما قُرِن به الوعيد أو الحد أو اللعن أو أكثر من مفسدته فهو كبيرة. ثم قال: والأَوْلى أن تُضبط الكبيرة بما
[ ٥٣ ]
يُشعِر بتهاون مرتكبها في دينه، إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها.
٦ـ وقال الإمام أبو الحسن الواحدي المفسر، وغيره: الصحيح أن حدّ الكبيرة غير معروف، بل ورد الشرع بوصف أنواع من المعاصي بأنها كبائر، وأنواع بأنها صغائر، وأنواع لم تُوصف، وهي مشتملة على صغائر وكبائر، والحكمة في عدم بيانها أن يكون العبد ممتنعًا من جميعها مخافة أن تكون من الكبائر. قالوا: وهذا شبيه بإخفاء ليلة القدر، وساعة يوم الجمعة، وساعة إجابة الدعاء من الليل، واسم الله الأعظم، ونحو ذلك مما أخفى١، والله أعلم.
وهذه الآراء التي عرضها الإمام النووي ذكر بعضًا منها شارح العقيدة الطحاوية، ومال إلى القول برجحان الأول منها٢. كما ذكرها - وعليها مزيد - ابن القيم في مدارج السالكين ٣. ومهما يكن من تعدد الآراء حول التفريق بين الصغائر والكبائر فإن جميعها متقاربة، ومتداخلة، ولكنني أرى أن المبدأ الذي يجب أن يُقَرر ويُتّخَذ مقياسًا ما ورد عن عمر وابن عباس ﵃ من أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. ومعناه أن الكبيرة تُمحى بالاستغفار والصغيرة تكون كبيرة بالإصرار. قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام في حد الإصرار: هو أن تتكرر منه الصغيرة تكرارًا يُشعر بقلة مبالاته بدينه، إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك، قال: وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يُشعر مجموعها بما يُشعر به أصغر الكبائر٤.
فالصغيرة قد يقترن بها من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف،
_________________
(١) ١ النووي، شرح صحيح مسلم، ج٢ص٨٥-٨٦، ط المطبعة المصرية بدون تاريخ. ٢ شرح العقيدة الطحاوية ص٣٥٥-٣٥٦. ٣ النظر: مدارج السالكين لابن القيم، ج١ ص٣٢٠-٣٢٧، ط المطبعة السنة المحمدية سنة ١٣٧٥هـ - ١٩٥٦م. ٤ النووي، شرح صحيح مسلم، ج٢ص٨٦-٨٧.
[ ٥٤ ]
ما يُلحفها بالكبائر، وقد يقترن بالكبيرة من الحياء، والخوف، والوجل، ما يُلحقها بالصغائر وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب. وعلى هذا فليس للكبائر عدد محدود، وما رود عن الرسول ﷺ من مثل قول: " اجتنبوا السبع الموبقات " ١، وحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ سُئل عن الكبائر فقال: " الشرك بالله، وقتل النفس وعقوق الوالدين " ٢. أما الشرك فلا نزاع في أنه كفر يُخرج عن الملة وهو أكبر المعاصي على الإطلاق، وإنما قُرنت به بقية المعاصي المذكورة في الأحاديث على سبيل التشنيع، زجرًا عن ارتكابها، وإشعارًا بأنه أكبر الكبائر، وإلا فيوجد في غيرها من الذنوب التي لم تُذكر في الأحاديث على أنها كبائر، يوجد فيها ما هو كبيرة. وما ذُكر مقرونًا بوصف الكبيرة، أو أكبر الكبائر، فإنما وردت كذلك لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها لا سيما فيها كانت عليه الجاهلية.
وبعد أن اتضح لنا الفرق بين هذين الصنفين من المعاصي، إليك مذهب السلف الذي قالوا به في حكم مرتكب الكبيرة:
فقد ذهب السلف - عليهم رحمة الله - إلى أن مرتكب الكبيرة فاسق، وأنه لا يخرج من الإيمان بمجرد فسقه، ولا يخلد في النار في الآخرة، بل هو تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء عفا عنه بفضله وكرمه، وأدخله الجنة، من أول وهلة. وإن شاء عذَّبه بقدر ذنوب ثم أدخله الجنة، فلا بد من دخول الجنة. فالعاصي معرَّض لعقوبة الله تعالى، وعذابه. وتقريرًا لمذهب السلف في هذا الأمر، قال الإمام الصابوني في رسالته «عقيدة السلف»: " ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة، صغائر وكبائر، فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله ﷿ إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا، غير مُبتلى بالنار، ولا مُعاقَب على ما ارتكبه، واكتسبه، ثم استصحبه
_________________
(١) ١ صحيح مسلم مع شرحه للنووي، ج٢ ص٨٣. ٢ المصدر السابق.
[ ٥٥ ]
إلى يوم القيامة من الآثام، والأوزار، وإن شاء (عفا عنه) ١ وعذَّبه مدة بعذاب النار، وإذا عذَّبه لم يخلده فيها، بل أَعتقه، وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار " ٢.
وروى اللالكائي بسنده إلى الإمام أحمد بن حنبل ﵁، أنه قال: " ولا يشهد على أهل القبلة بعمل (يعمله) ٣ بجنة ولا نار، يرجو للصالح ويخاف على المسيئ المذنب، ويرجو له رحمة الله. ومَن لقي الله بذنب يجب له به النار (تايب) ٤ غير مصرّ عليه، فإن الله ﷿ يتوب عليه ويقبل التوبة من عباده وعفو عن السيئات. ومن لقيه وقد أُقيم عليه حد ذلك الذنب في الدنيا فهو كفارته، كما جاء الخبر عن رسول الله ﷺ. ومن لقيه مصرًا، غير تايب من الذنوب، التي استوجب بها العقوبة، فأمره إلى الله ﷿، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له. ومن لقيه كافرًا عذَّبه ولم يغفر له " ٥.
وفي تقرير هذه العقيدة أيضًا يقول الإمام الطحاوي: " وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ ٦ في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم
_________________
(١) ١ هكذا في الأصل المطبوع، ولعل الصواب إسقاط جملة عفا عنه. ٢ الصابوني، أبو عثمان إسماعيل. عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل النبوية، ج١ ص١٢٤-١٢٥، بيروت، ط محمد أمين دمج سنة ١٩٧٠م. ٣ هكذا في الأصل المصور عن النسخة الخطية، ولعل الصواب يعملونه. ٤ هكذا في الأصل، ولعله يوجد نقص في الكلام فيكون وهو تايب، أو أن الصحيح تائبًا بالنصب على الحال. ٥ اللالكائي، هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري، شرح السنن ص٤٢-٤٣، مخطوط مصور بالمكتبة المركزية بجامعة الملك عبد العزيز بمكة تحت رقم ٤٤٦. ٦ قوله: " من أمة محمد " تخصيصه أمة محمد ﷺ يُفهم منه أن أهل الكبائر من غير أمة محمد ﷺ قبل نسخ تلك الشرائع به حكمهم مخالف لأهل الكبائر من أمة محمد، وفي ذاك نظر، فإن النبي ﷺ أخبر أنه: " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان " متفق عليه. ولم يخص أمته بذلك، بل ذكر الإيمان مطلقًا، فتأمله، وليس في بعض النسخ ذكر الأمة. انظر: شرح الطحاوية، ص٣٥٥.
[ ٥٦ ]
يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين ١. وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم، وعفا عنهم بفضله كما ذكر الله ﷿ في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢. وإن شاء عذبهم في النار بِعدلِه، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم الله إلى جنته " ٣.
هكذا يتقرر مذهب السلف، فالمذنب إن تاب فتوبته مقبولة، وإن مات ولم بتبْ فأمره مفوَّض إلى الله، إن شاء عذبه بعدله، وإن شاء عفا عنه بفضله. لكن حتى إن عُذِّب فإن تعذيبه يختلف تمامًا عن تعذيب الكافر فهو إنما يُعذَّب لِيطهر من الآثام التي ارتكبها. وقد ذكر الصابوني الفرق بين العذابين عن شيخه سهل بن محمد حيث قال:" وكان شيخنا سهل بن محمد ﵀ يقول: المؤمن المذنب، وإن عُذب بالنار فإنه لا يُلقى فيها إلقاء الكفار، ولا يبقى فيها بقاء الكفار، ولا يشقى فيها شقاء الكفار.
ومعنى ذلك أن الكافر يُسحَب على وجهه إلى النار، ويلقى فيها منكوسًا في السلاسل والإغلال، والأنكال الثقال. والمؤمن المذنب، إذا ابتُلِي بالنار فإنه يدخل النار كما يدخل المجرم في الدنيا السجن، على الرِّجل من غير إلقاء وتنكيس. معنى قوله: " لا يبقى في النار بقاء الكافر "، أن الكافر يُحرَق بدنه كله كلما نضج جلده، بدّل جلدًا غيره، ليذوق العذاب، كما بينه الله في كتابه في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٤. وأما المؤمنون فلا تلفح وجوههم النار، ولا تحرق أعضاء السجود منهم، إذ حرَّم الله أعضاء (سجوده) ٥. ومعنى قوله:
_________________
(١) ١ لو قال مؤمنين بدل قوله عارفين، كان أَوْلى، لأن من عرف الله ولم يؤمن به فهو كافر، وإنما اكتفى بالمعرفة الجهم، وقوله مردود باطل. انظر: المصدر نفسه ص ٣٥٧. ٢ النساء: ٤٨-١١٦. ٣ الطحاوي، أحمد بن محمد بن سلامة، العقيدة الطحاوية مع الشرح، ص٣٥٤-٣٥٥، ط٣، ط المكتب الإسلامي للطباعة والنشر. ٤ النساء: ٥٦. ٥ هكذا في الأصل المطبوع، ولعل الصواب «أعضاء سجودهم» .
[ ٥٧ ]
" لا يبقى في النار بقاء الكفار "، أن الكافر يخلد فيها، ولا يخرج منها أبدًا ولا يخلد الله من مذنبي المؤمنين في النار أحدًا.
ومعنى قوله: " لا يشقى بالنار شقاء الكفار "، أن الكفار ييأسون فيها من رحمة الله، ولا يرجون راحة بحال، وأما المؤمنون فلا ينقطع طمعهم من رحمة الله في كل حال وعاقبة المؤمنين كلهم الجنة، لأنهم خُلِقوا لها، وخُلِقت لهم، فضلًا من الله ومنّة " ١اهـ.
هذا هو حكم مرتكب الكبيرة فيما يتعلق بمصيره في الآخرة، بقي أن نعرف ما له وما عليه، بالنسبة لأحكام الدنيا، فلا يجوز لنا أن نسلبه اسم الإيمان بالكلية بل نقول: إنه مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، ويستحق من المعاملة باسم الإسلام، ما يستحقه سائر المسلمين. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والتحقيق أن يقال: إنه مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، ولا يُعطى الاسم المطلق، واسم الإيمان بتناوله فيما أمر الله به ورسوله، لأن ذلك إيجاب عليه، وتحريم عليه، وهو لازم له كما يلزمه غيره. وعلى هذا، فالخطاب بالإيمان يدخل فيه ثلاث طوائف، يدخل فيه المؤمن حقًا، ويدخل فيه المنافق في أحكامه الظاهرة، وإن كان في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، وهو في الباطن يُنفى عنه الإسلام، والإيمان، وفي الظاهر يُثبَت له الإسلام، والإيمان الظاهر، ويدخل فيه الذين أسلموا، ولم تدخل حقيقة الإيمان في قلوبهم، لكن معهم جزء من الإيمان، وإسلام يُثابون عليه، ثم قد يكونون مفرِّطين فيما فُرض عليهم، وليس معهم من الكبائر ما يُعاقبون عليه كأهل الكبائر، لكن يُعاقبون على ترك المفروضات، وهؤلاء كالأعراب المذكورين في الآية وغيرهم، فإنهم قالوا آمنا من غير قيام منهم بما أُمروا به باطنًا وظاهرًا " ٢.
هكذا قال السلف ﵏ في مرتكب الكبيرة، إذ أنه إنسان
_________________
(١) ١ الصابوني، المصدر المذكور آنفًا ص١٢٥. ٢ ابن تيمية، المصدر المذكور آنفًا ص٢٠٢.
[ ٥٨ ]
معرَّض لوساوس الشيطان، ومائل إلى الهوى والشهوات بطبيعته فإن هو أخطأ بارتكاب كبيرة، فتكفيره ليس أمرًا سهلًا، يمكن الحكم به لأول بادرة من الجرائم، أو حتى إن أصبح ارتكاب المحرمات الكبيرة سجية له، فإن ما في قلبه من إصرار واستحلال أو عدمهما أمر خاف علينا، وقد يؤنبه ضميره بعد ارتكابها ويتحرك الإيمان في قلبه فيندم، ولكن لِضعف إيمانه ذاك يتغلَّب عليه الشيطان مرة أخرى، فيوقعه في حبائله، وهكذا دواليك، حتى أن من رآه يظنه انسلخ من إيمانه كلية ورضي بعبادة الشيطان، والأمر غير ذلك.
والسلف ﵏ إنما أجمعوا على القول بتكفير من ارتكب محرمًا، معلومًا تحريمه من الدين بالضرورة، مستحلًا له، لأن ذلك مكابرة وتكذيبًا صريحًا لله تعالى، ولرسوله ﷺ، وذلك ولا شك كفر بواح.
وبعد عرضنا لمذهب السلف في مرتكب الكبيرة إليك أبرز أدلتهم لما ذهبوا إليه:
أما من القرآن الكريم: فقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١.
قال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليها، ما لم تكن كبيرة شركًا بالله ٢.
وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ٣ وقد أورد الإمام البخاري ﵀ هذه الآية في صحيحه، مستدلًا بها على أن المؤمن إذا ارتكب معصية لا يكفر، ولا يُسلب منه اسم الإيمان، لأن الله ﵎ سماهم مؤمنين مع اقتتالهم ٤.
_________________
(١) ١ النساء: ٤٨، ١١٦. ٢ الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج٥ ص١٢٦، ط٢ بمطبعة مصطفى الحلبي بمصر، سنة ١٣٧٣هـ - ١٩٥٤م. ٣ الحجرات: ٩. ٤ انظر: صحيح البخاري مع شرح فتح الباري، ج١ ص٨٤، ط المطبعة السلفية.
[ ٥٩ ]
وما ورد في قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁ إذ حاول إخبار قريش بمسير النبي ﷺ إليهم، فقال الله ﵎ في شأته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ﴾ ١. ولا شك أنه ارتكب كبيرة بفعلته هذه، ومع ذلك أبقى الله عليه اسم الإيمان فخاطبه به، ولا شك في فضل هذا الصحابي الجليل، وإنما وقع منه ما وقع عن حسن نية، ولم يكن يعلم أنه ارتكب خطأً شنيعًا، ولذلك لما أخبر النبيَّ ﷺ بالدوافع التي لأجلها كتب الكتاب، قال رسول الله ﷺ: " قد صدقكم "، فقال عمر: " يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق "، فقال: " إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ٢.
إلى غير ذلك من الآيات التي تخاطب أهل الذنوب الكبيرة باسم الإيمان.
أما من السنة المطهرة: فاستدلوا بحديث أبي بكرة الذي رواه البخاري،وهو قوله ﵊: " إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار "، فقلت: " يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ " قال:" إنه كان حريصًا على قتل صاحبه " ٣. قال البخاري ﵀: " سمَّاهما مسلمَين مع التوعد بالنار " ٤.
وتحت عنوان: المعاصي من أمر الجاهلية عقد الإمام الجليل البخاري بابًا فقال: " باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها، إلا بالشرك لقول النبي ﷺ: " إنك امرؤ فيك جاهلية " ٥.
ثم ساق حديث أبي ذر ﵁ قال: إني ساببت رجلًا فعيَّرته
_________________
(١) ١ الممتحنة: ١. ٢ انظر: هذه القصة في سبب نزول الآية، ج٢٨ ص٥٨ من جامع البيان للطبري. ٣ البخاري، محمد بن إسماعيل، المصدر المذكور آنفًا ج١ص٨٤. ٤ المصدر نفسه. ٥ المصدر نفسه.
[ ٦٠ ]
بأمه، فقال لي النبي ﷺ: " يا أبا ذر، أعيَّرته بأُمِّه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية " ١. قال ابن حجر: " قصة أبي ذر، إنما ذُكرت لِيُستدلّ بها على أن من بقيت فيه خصلة من خصال الجاهلية سوى الشرك، لا يخرج عن الإيمان بها، سواء كانت من الصغائر أم الكبائر " ٢. ومن هذه الأدلة أيضًا حديث أبي ذر قال: أتيت النبي ﷺ وهو نائم، عليه ثوب أبيض، ثم أتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فجلست إليه فقال: " ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة "، قلت: " وإن زنى وإن سرق "، قال: " وإن زنى وإن سرق "، ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: " على رغم أنف أبي ذر " ٣.
وحديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ وحوله عصابة من أصحابه ـ: " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم، وأرجلكم ولا تعصوا في معروف. فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعُوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره، فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه "، فبايعناه ٤.
قال الإمام النووي - مشيرًا إلى حديث عبادة بن الصامت هذا، وحديث أبي ذر السابق - قال: " فهذان الحديثان مع نظائرها في الصحيح،
_________________
(١) ١ المصدر السابق، حديث رقم ٣٠. قال الشارح: قيل إن الرجل المذكور هو بلال المؤذن، مولى أبي بكر ويظهر لي أن ذلك كان من أبي ذر قبل أن يعرف تحريمه، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده. فلهذا قال كما عند المؤلف في الأدب: قلت: " على ساعتي هذه من كبر السن؟ " قال: " نعم ". كأنه تعجَّب من خفاء ذلك عليه مع كبر سنِّه فيبيِّن له كون هذه الخصلة مذمومة شرعًا - وكان بعد ذلك يساوي غلامه في الملبوس وغيره أخذًا بالأحوط. انظر: فتح الباري، ج١ ص٨٦-٨٧. ٢ ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج١ ص٨٥. ٣ رواه مسلم. انظر: صحيح مسلم مع شرحه للنووي، ج٢ ص٩٤، ط المطبعة المصرية. ٤ البخاري، محمد بن إسماعيل، المصدر المذكور آنفًا ج١ ص٦٤.
[ ٦١ ]
مع قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل، وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك، لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون، ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرِّين على كبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء الله تعالى عفا عنهم، وأدخلهم الجنة أولًا، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة " ١.
ومما يسند ذلك أيضًا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " يدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا مَن كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. فيخرجون منها، قد اسودُّوا فيُلقَون في نهر الحيا - أو (الحياة) شكَّ مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم ترَ أنها تخرج صفراء ملتوية " ٢.
والأحاديث من النوع كثيرة ويطول بنا الحديث إن أردنا سرد جميع ما استدل به السلف لمذهبهم في هذه المسألة. فهي كثيرة جدًا - وكلها تدل على أن مرتكب الكبيرة مؤمن، وأنه معرَّض لعقاب الله، وإن عوقب فإنه لا يخلد في النار بل يخرج منها. ولكثرتها يصعب حصرها واستقصاؤها لذلك أرى فيما ذكرت غنية عما سواه وقد وردت أحديث مشكلة في الظاهر على ما تقدم.
منها حديث أبي هريرة وقد تقدم ذكره: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.. ". وقد أزال إشكاله الإمام النووي بقوله: " هذا الحديث مما اختُلِف في معناه فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيئ ويراد نفي كماله وتأول بعض العلماء هذا الحديث على من فعل ذلك مستحلًا له مع علمه بورود الشرع بتحريمه. وقال الحسن وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري: معناه ينزع منه اسم المدح الذي يُسمَّى به أولياء لله
_________________
(١) ١ النووي، محي الدين يحيى بن شرف، المصدر المذكور آنفًا ج٢ ص٤١. ٢ رواه البخاري في صحيحه. انظر: المصدر السابق ص٧٢.
[ ٦٢ ]
المؤمنين. ويستحق اسم الذم فيقال: سارق، وفاجر،وفاسق. وحكى عن ابن عباس رضي الله عهنما أن معناه ينزع منه نور الإيمان "١.
وفي الجمع بين هذا الحديث، حديث أبي ذر السابق: " ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق ".
ذكر الإمام ابن قتيبة أن المقصود بنفي الإيمان في حديث أبي هريرة، هو نفي الكمال على ما اختاره النووي وعلى هذه القاعدة، يجري تفسير كل حديث ورد فيه نفي الإيمان عن مرتكب الذنب كحديث: " لم يؤمن من لم يأمن جارُه بوائقه " وأمثاله ٢.
أما حديث أبي ذر فقال في معناه: إنه لا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون قاله على العاقبة، - يريد أن عاقبة أمره إلى الجنة، وإن عُذب بالزنا والسرقة.
والآخر: أن تلحقه رحمة الله تعالى، وشفاعة رسول الله ﷺ فيصير إلى الجنة، بشهادة أن لا إله إلا الله ٣.
أما قوله ﷺ:" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان " ٤، فقد ذكر ابن قتيبة أيضًا في الجمع بين هذين الحديثين مع حديث أبي ذر السابق، أن هذا خرج مخرج الحكم. إذ المراد أنه ليس حكم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، أن يدخل النار، ولا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر أن يدخل الجنة، والله تعالى يفعل بعد ذلك ما يشاء. ومثل هذا من الكلام، قولك - في دار رأيتها صغيرة - لا
_________________
(١) ١ النووي، المصدر المذكور آنفًا ص٤٢. ٢ انظر: تأويل مختلف الحديث لا بن قتيبة، ص١٧١، ط دار الجيل، بيروت سنة ١٣٩٣هـ - ١٩٧٣م. ٣ المصدر السابق نفسه ص١٧٢. ٤ هذا الحديث رواه مسلم، انظر: صحيح مسلم مع شرحه للنووي، ج٢ ص٨٩.
[ ٦٣ ]
ينزل في هذه الدار أمير. تريد حكمها، وحكم أمثالها أن لا ينزلها الأمراء، وقد يجوز أن ينزلوها ١.
ومن الأحاديث المشكلة على ما تقدم أيضًا، حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خلَّة منهن، كانت فيه خلَّة من نفاق حتى يدعها، إذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر "، وفي رواية عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان " ٢. قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث من صحيح مسلم: هذا الحديث مما عدَّه جماعة من العلماء مشكلًا، من حيث أن هذه الخصال توجد في المسلم المصدِّق، الذي ليس فيه شك، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدِّقًا بقلبه ولسانه، وفعل هذه الخصال، لا يُحكَم عليه بكفر، ولا هو منافق يخلد في النار، فإن إخوة يوسف ﷺ جمعوا هذه الخصال، وكذا وُجد لِبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله.
وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه فالذي قاله المحققون والأكثرون، - وهو الصحيح المختار - أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ومتخلق بأخلافهم فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه. وهذا المعنى موجود في هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدَّثه، ووعده، وائتمنه، وخاصمه، وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام، فيظهره، وهو يبطن الكفر، ولم يُرِد النبي ﷺ بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار. وقوله ﷺ: " كان منافقًا خالصًا " معناه شديد الشبه بالمنافقين، بسبب هذه الخصال. قال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه فأما من يندر ذلك منه فليس داخلًا فيه. فهذا هو
_________________
(١) ١ ابن قتيبة، المصدر السابق ص١١٧-١١٨. ٢ رواه مسلم، انظر: صحيح مسلم مع الشرح، ج٢ ص٤٦، ط المطبعة المصرية.
[ ٦٤ ]
المختار في معنى الحديث ١، وذكر أقوالًا أخرى غير هذا، فمنها أنه نفاق عمل، ومنها ان المراد المنافقون الذين كانوا في زمن النبي ﷺ، فحدثوا بإيمانهم وكذبوا، وائتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوا في أمر الدين ونصره فأخلفوا، وفجروا في خصوماتهم. وذكر أن هذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح. إلى غير ذلك من الأقوال التي ذكرها ٢.
وروى اللالكائي عن الإمام أحمد قوله في هذا الحديث وأمثاله: والنفاق هو الكفران، يكفر بالله ويعبد غيره، ويظهر الإسلام في العلانية، مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ: " ثلاث من كنَّ فيه فهو منافق " هذا على التغليظ - نرويها كما جاءت ولا نفسرها، وقوله: " لا ترجعوا بعدي كفارًا، ضلالًا - يضرب بعضكم رقاب بعض "، ومثل: " إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمفتول في النار " ٣.
هذه أقوال ذُكرت فيما يتعلق بهذا الحديث وأمثاله، وفي نظري أنها جمعيًا لها محل ووجه من النظر الصائب، ويمكن القول به دون تعارض مع الرآي الآخر. إذ أن من وُجدت فيه هذه الخصال، يمكن تفسير ما ورد بحقه أنه خالص النفاق بحق من خاصمه وحدثه وخاه. ويمكن إطلاق ذلك والتوقف فيه دون بيان للمراد، وإمراره على ظاهره الذي يشعر بإدخال من تخلَّق بهذه الخصال في زمرة المنافقين، ليكون ذلك أدعى للزجر عن التخلُّق بها. فالتوقف عن التفسير يريد به من قاله أن يكون عندما يكون مجديًا - لا سيما في مجال الوعظ - للتنفير عن التخلُّق بهذه الخصال، وما شابهها ولكن هذا لا يمنع تفسيرها على الوجه السابق، إذا اقتضى الحال
_________________
(١) ١ النووي، المصدر المذكور آنفًا ج٢ ص٤٦-٤٧. ٢ انظر: المصدر نفسه. ٣ اللالكائي، هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري، شرح السنن - مخطوط مصور بمكتبة جامعة الملك عبد العزيز بمكة تحت رقم ٤٤٦.
[ ٦٥ ]
الفصل الخامس
الاستثناء في الإيمان
تقدم لنا معرفة ما قاله السلف في حقيقة الإيمان، وأنه قول وعمل يزيد وينقص لأن الناس يتفاوتون في استيفاء متطلبات الإيمان من العمل واتقانه. فالإنسان عرضة للتقصير في أي صورة من صوره سواء كان هذا التقصير قليلًا أم كثيرًا، لأن الكمال لله وحده، ولا أحد يستطيع أن يصل إلى هذه الدرجة مهما نشدها، وحاول الوصول إليها اللهم إلا من عصمه الله من الزلل، كالرسل عليهم الصلاة والسلام. وإذًا فالإنسان له طاقاته المحدودة، ومداركه القاصرة التي ينشد بها الكمال، ويتفانى في سبيل الوصول إلى هذه الدرجة، إن كان ممن أعطاهم الله قوة العزيمة وشدة المراس. وأنَّى له ذلك، لأن الإنسان له عدو ملازم له ملازمة الظل لصاحبه، لا يمكن أن يفارقه أبدًا وآلى على نفسه أن يظل دائب العمل من أجل إغواء البشرية كلها، إرضاءً لذلك الحقد الذي زرعه في قلبه على أبيهم آدم ﵇. لكنه اعترف بالعجز عن تحقيق هذا الهدف من عباد الله الذين منَّ الله عليهم بحصانة واقية من وساوس الشيطان اللعين. قال تعالى على لسان إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الحجر: ٣٩-٤٠. ٢ ص: ٨٢-٨٣.
[ ٦٦ ]
غير أن تلك الحصانة تختلف قوة وضعفًا، من إنسان لآخر، وحتى أقواهم معرَّض للوقوع في مزالق الشيطان التي أعدها له، وعمل جاهدًا على إيقاعه فيها، وبناءً على ذلك فإن الإنسان لا يستطيع أن يحكم لنفسه بالإيمان الكامل. ولذلك فإن السلف عليهم رحمة الله، نظروا إلى هذا الأمر الواقع، فاحتاطوا له، بأن قالوا بالاستثناء في الإيمان١ استحبابًا لا إيجابًا. غير أن هذا الاستثناء لا يجوز أن يكون عن شكّ في المعتقد، لأن الشاكَّ لم يعدْ مؤمنًا، وإنما هو لأجل تجنب تزكية الإنسان نفسه بما يوهم استكماله للإيمان. وتزكية النفس منهي عنها، كما في قوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٢.
والعمل كما هو معروف من مذهب السلف ركن في الإيمان، والأعمال كثيرة، فلا يدري الإنسان لعلَّه قصر في بعضها. وعليه فإن الاستثناء إنما يكون في الأعمال الموجبة لِحقيقة الإيمان، لا في القول، ولا في التصديق القلبي.
يقول محمد بن الحسن الآجري ﵀: " من صفة أهل الحق ممن ذكرنا من أهل العلم الاستثناء في الإيمان، لا على جهة الشك، نعوذ بالله من الشك في الإيمان، ولكن خوف التزكية لأنفسهم من الاستكمال للإيمان، لأنه لا يدري أهو ممن يستحق حقيقة الإيمان أم لا؟ وذلك أن أهل العلم من أهل الحق إذا سُئلوا أمؤمن أنت؟ قال آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والجنة والنار، وأشباه هذا. والناطق بهذا، والمصدِّق به بقلبه مؤمن، وإنما الاستثناء في الإيمان، لأنه لا يدري أهو ممن يستوجب ما نعتَ الله ﷿ به
_________________
(١) ١ الاستثناء المذكور هنا المراد به غير ما هو معلوم في اللغة لأن الاستثناء اللغوي له أدواته المعروفة، غير أن هذا الاستثناء، المقصود به ما اصطلح عليه علماء الإسلام من تعليق الإيمان الشرعي بالمشيئة، وإذًا فهو استثناء اصطلاحي لا دخل له في الاستثناء اللغوي. ٢ النجم: ٣٢.
[ ٦٧ ]
المؤمنين من حقيقة الإيمان أم لا؟ هذا طريق الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان. عندهم أن الاستثناء في الأعمال، لا يكون في القول والتصديق بالقلب وإنما الاستثناء في الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان. والناس عندهم على الظاهر مؤمنون، به يتوارثون، وبه يتناكحون، وبه تجري أحكام ملة الإسلام، لكن الاستثناء منهم على حسب ما بيَّناه لك، وبيَّنه العلماء قبلنا " ١اهـ.
وهذا هو مذهب سلف أصحاب الحديث، كابن مسعود وأصحابه، والثوري، وابن عيينة، وأكثر علماء الكوفة، ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء أهل البصرة، وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة فكانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواتر عنهم ٢. بل هذا مذهب عامة السلف ﵏ كما قال أحمد بن حنبل: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما أدركت أحدًا إلا على الاستثناء ٣. وقال ﵀: إذا قال أنا مؤمن إن شاء الله فليس هو بِشاكٍّ، قيل له: إن شاء الله ليس هو بشك؟ فقال: معاذ الله، أليس قد قال الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ وفي علمه أنهم يدخلونه، وصاحب القبر إذا قيل له: " وعليه تُبعث إن شاء الله " فأي شكِّ ههنا؟ وقال النبي ﷺ: " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " ٤.
وقد ذكر صاحب المدخل ما قاله الإمام أحمد في رسالته المطوَّلة التي رواها عنه أحمد بن جعفر بن يعقوب الإصطخري التي منها قوله: ويُستثنى في الإيمان غير أن لا يكون الاستثناء شكًا، إنما هي سنة عند العلماء
_________________
(١) ١ انظر: كتاب الشريعة بتحقيق محمد حامد الفقي، ص ١٣٦، ط١ سنة ١٣٦٩هـ - ١٩٥٠م مطبعة السنة المحمدية. ٢ انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية، ص٣٧٤، دمشق، ط المكتب الإسلامي للطباعة والنشر. ٣ انظر: كتاب الشريعة للآجري، ص١٣٦. ٤ الآجري، محمد بن الحسين، كتاب الشريعة، بتحقيق محمد حامد الفقي، ص١٣٦، ط١ سنة ١٣٦٩هـ - ١٩٥٠م.
[ ٦٨ ]
ماضية، قال: وإذا سئل الرجل أمؤمن أنت فإنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، أن يقول: آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله ١.
وقال سفيان الثوري: الناس عندنا مؤمنون في الأحكام وفي المواريث ولا ندري كيف هم عند الله ﷿، ونرجو أن نكون كذلك ٢.
وقال الأوزاعي: من قال أنا مؤمن فحسن، ومن قال: أنا مؤمن إن شاء الله فحسن لقول الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ وقد علم أنهم داخلون٣.
وعن إبراهيم النخعي قال: قال رجل لعلقمة: أمؤمن أنت؟ فقال: أرجو إن شاء الله ٤.
قال أبو عبيد: " ولهذا كان يأخذ سفيان ومن وافقه الاستثناء فيه وإنما كراهتهم عندنا أن يبقوا الشهادة بالإيمان، مخافة ما أعلمتكم في الباب الأول من التزكية، والاستكمال عند الله، وأما على أحكام الدنيا فإن أهل الملة جميعًا مؤمنون، لأن ولايتهم، وذبائحهم، وشهاداتهم، ومناكحتهم، وجميع سنتهم، إنما هي على الإيمان، ولهذا كان الأوزاعي يرى الاستثناء وتركه جميعًا واسعين ٥.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وقد كان أحمد وغيره من السلف مع هذا يكرهون سؤال الرجل لغيره: أمؤمن أنت؟ ويكرهون الجواب، لأن هذه بدعة أحدثها المرجئة ليحتجوا بها لقولهم، فإن الرجل يعلم من نفسه أنه ليس بكافر بل يجد قلبه مصدِّقًا بما جاء به الرسول،
_________________
(١) ١ الدمشقي، عبد القادر بن أحمد بن مصطفى، المعروف بابن بدران. المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ص٤٦، ط إدارة الطباعة المنيرية بمصر، بدون تاريخ. ٢ الآجري، محمد بن الحسين، المصدر السابق ص١٣٧. ٣ أبو عبيد القاسم بن سلام، كتاب الإيمان، رسالة رقم ٢ من رسائل من كنوز السنة بتحقيق محمد ناصر الدين الألباني، ص٦٩، دمشق، المطبعة العمومية. ٤ المصدر نفسه ص٦٨. ٥ أبو عبيد القاسم بن سلام، المصدر السابق ص٦٨.
[ ٦٩ ]
فيقول: أنا مؤمن، فيثبت أن الإيمان هو التصديق، لأنك تجزم بأنك مؤمن ولا تجزم بأنك فعلت كل ما أمرت به. فلما علم السلف مقصدهم صاروا يكرهون الجواب أو يفصِّلون في الجواب، وهذا لأن لفظ الإيمان منه إطلاق وتقييد، فكانوا يجيبون بالإيمان المقيد الذي لا يستلزم أنه شاهد لنفسه بالكمال. ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يقال: أنا مؤمن بلا استثناء إذا أراد ذلك، لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق الكامل، ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء يقدِّمه " ١.
هذا هو مذهب السلف في الإيمان، والنقول الواردة عنهم في هذه المسألة كثيرة، ولكن مما ذكرت تتبين وجهة نظرهم التي تتمثل في النقاط التالية:
١ - استحباب الاستثناء في الإيمان، وجواز تركه، كأن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو أنا مؤمن، دون استثناء. ولكن الاستثناء أَوْلى من عدمه، لما في الإطلاق من تزكية للنفس بإيهامه أنه مستكمل للإيمان. أما إذا قصد أنه مؤمن بمعنى أنه داخل في الإيمان لا مستكمل له، فلا شيئ في ذلك وعليه يحمل كلام الأوزاعي السابق وأمثاله.
٢ - الاستثناء لا يكون إلا في الأعمال، لا في الاعتقاد القلبي، ولا في القول باللسان، لأن هذين الأمرين يعلمهما الإنسان قطعًا. فهو يعلم من نفسه أنه اعتقد اعتقادًا جازمًا بقلبه، وأنه قال بلسانه، وهذا أمر ظاهر للإنسان من نفسه. فلا يكون الاستثناء إلا في الأعمال التي لا يكتمل إيمانه إلا بكمالها. والإنسان لا يستطيع أن يجزم بأنه أتى بجميع ما يُطلب منه من أعمال وعلى فرض أنه تصور إتيانه بها جميعًا، فإنه لايدري أهي قُبلت منه كلها أم لا، ولعلَّ هناك أمورًا خفيت على الإنسان يُحبط بها عمله.
_________________
(١) ١ ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، الإيمان، ص٣٨٣، دمشق، ط المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، بدون تاريخ.
[ ٧٠ ]
٣ - أن الاستثناء لا يجوز أن يقع من الإنسان على جهة الشك، لأنه إذا شك في إيمانه لم يعُدْ مؤمنًا، بل يستثني مع الجزم كما ورد في الكتاب والسنة من استثناء في أمور مقطوع بها.
٤ - كراهة السؤال عن الإيمان، فيكره أن يسأل الرجل غيره: أمؤمن أنت؟ كما قال محمد بن الحسين الآجري ﵀: " إذا قال لك رجل: أنت مؤمن؟ فقل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والموت والبعث من بعد الموت والجنة والنار. وإن أحببت أن لا تجيبه تقول له: سؤالك إياي بدعة، فلا أجيبك. وإن أجبته فقلت: أنا مؤمن إن شاء الله على النعت الذي ذكرناه، فلا بأس به واحذر مناظرة مثل هذا، فإن هذا عند العلماء مذموم ١.
وروى الآجري أيضًا أنه قيل لسفيان بن عيينة: الرجل يقول: مؤمن أنت؟ فقال: فقل: ما أشك في إيماني، وسؤالك إياي بدعة، وتقول ما أدري أنا عند الله ﷿ شقي أم سعيد، أمقبول العمل أم لا؟ ٢ وإنما كرهوا ذلك واعتبروه بدعة لما تقدم من أن هذا السؤال إنما جاء من جهة المرجئة، استدراجًا منهم للإيقاع في معتقدهم في الإيمان لأن الرجل المؤمن إذا سئل هذا السؤال فإنه يعلم ما في قلبه من التصديق، فإذا أجاب بأنه مؤمن قاصدًا أنه مصدق فإن في ذلك حجة للمرجئة على مذهبهم. فلما علم السلف مقصدهم كرهوا الجواب أو فصَّلوا فيه فأجابوا بالإيمان المقيد الذي لا يستلزم الشهادة بالكمال.
وهكذا فإن السلف ﵏ سلكوا مسلك الحذر في تجويزهم الاستثناء وعدمه، ووضعوا قيودًا لذلك تمنع الإنسان من الوقوع في ما هو محذور إن هو راعى الدقة في ذلك. ومذهب السلف هذا أسندوه بالدليل من الكتاب والسنة كعادتهم في
_________________
(١) ١ انظر: كتاب الشريعة بتحقيق محمد حامد الفقي، ص١٤٠، ط١ مطبعة السنة المحمدية سنة ١٣٦٩هـ - ١٩٥٠م. ٢ المصدر نفسه.
[ ٧١ ]
تقرير كل معتقد فإنهم رأوا أنه ورد في الكتاب والسنة نصوص تستثني في الأمور المقطوع بثبوتها ووقوعها.
فمن القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ١ فقد استثنى الرب ﵎ مع أن دخولهم المسجد الحرام أمر واقع مقطوع به لا محالة. وهذا دليل على جواز الاستثناء في ما هو مقطوع به كالإيمان وغيره.
أما من السنة النبوية المطهرة فما رواه مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ، يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول:" السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لا حقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد " ٢. فهل كان النبي ﷺ شاك في موته؟ طبعًا لا. إذًا فقد استثنى في أمر مقطوع به وواقع لا محالة.
وروي أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا " ٣، فأي شك في هذا الاستثناء. وقد تقدم أيضًا أن الإيمان متضمن للعمل، ولا يستطيع أحد أن يزعم أنه أتى بأعمال الإيمان كلها.
وقد ورد أيضًا عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم يرون الاستثناء في الإيمان، كما ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام أن رجلًا قال عند ابن مسعود: أنا مؤمن، فقال ابن مسعود: أفأنت من أهل الجنة؟ فقال: أرجو، فقال ابن مسعود: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى ٤.
_________________
(١) ١ الفتح: ٢٧. ٢ مسلم، صحيح مسلم مع شرح النووي، ج٧ ص٤٠، ط المطبعة المصرية ومكتبتها. ٣ مسلم، المصدر السابق ج٣ ص٧٤. ٤ أبو عبيد القاسم بن سلام، كتاب الإيمان، رسالة رقم ٢ من رسائل من كنوز السنة بتحقيق محمد ناصر الدين الألباني، ص٦٧، دمشق، المطبعة العمومية.
[ ٧٢ ]
فإذًا هذا الرأي الذي قال به السلف - سبقهم إلى القول به صحابة رسول الله ﷺ، وهو القدوة لمن تبعهم، لأنهم أعلم بمقاصد التشريع. روى إسحاق بن إبراهيم عن أحمد بن حنبل أنه كان يقول: اذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان، لأن الإيمان قول وعمل، والعمل الفعل، فقد جئنا بالقول ونخشى أن نكون فرَّطنا في العمل فيعجبني أن يُستثنى في الإيمان بقول: أنا مؤمن إن شاء الله ١.
وبعد: فإننا مما تقدم تبينا وجهة نظر السلف في مسألة الاستثناء واتضحت لنا أدلتهم الشرعية على ما ذهبوا إليه. كما أن ذلك كله دليل قاطع على مدى حرصهم على مسايرة النصوص الشرعية، واتباع ما ترشد إليه، دون تفريط، والله أعلم.
_________________
(١) ١ ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، الإيمان، ص٣٨٢، دمشق، ط المكتب الإسلامي للطباعة والنشر.
[ ٧٣ ]