الفصل الأول: الخوارج
الفصل الأول
الخوارج
نشأتهم:
قبل البدء في إيضاح مذهب الخوارج في الإيمان، أحب أن أقدم بين يدي القارئ تعريفًا لهذه الفرقة، حتى يكون على علم بأصلها، والظروف التي أدت إلى ظهروها.
فالخوارج فرقة من أشهر الفرق الإسلامية، ومن أقدمها ظهورًا. فقد ذكر ابن كثير ﵀ في حوادث سنة سبع وثلاثين من الهجرة النبوية، التي وقعت فيها موقعة صفين بين علي ومعاوية ﵄، أن هذه الفرقة ظهرت في هذا العام إثر قصة التحكيم. حين رفع حزب معاوية المصحف على أسنَّة الرماح، ونادوا بتحكيم كتاب الله تعالى، فأجابهم عليّ إلى ذلك، وكان من الأمر ما كان.
ونتيجة لهذا التحكيم خرج قوم من حزب عليّ عليه، يقرب تعدادهم من اثني عشر ألفًا، وانحازوا إلى قرية حروراء - معلنين سخطهم لعلي حين رضي التحكيم وقالوا له كلمتهم المشهورة: لا حكم إلا لله - وهي كلمة حق أُريد بها باطل - وانتقدوا عليه أمورًا، على رأسها مسألة التحكيم هذه التي كانت ذريعة لهم في انفصالهم عن عليّ، ومناصبته العداء. وأرسل عليّ إليهم عبد الله بن عباس، فناظرهم، ورجع منهم من رجع، وبقي أكثرهم. فخرج عليّ ﵁ لقتالهم، وحروبه معهم كثيرة مبسوطة حوادثها في
[ ٧٧ ]
مواضعها من كتب التاريخ١. والخوارج من أشد الفرق الإسلامية تمسكًا بمذهبها الذي تعتقده وتدعو إليه، وتحاول تطبيقه بالقوة، مستخدمة القتل والفتك بالإعراض إذا اقتضى الحال.
ألقابهم:
ولهم ألقاب خمسة عُرفوا بها على مر التاريخ، وهي: المارقة، والشراة، والخوارج، والحرورية، والمحكمة. وقد ذكر ألقابهم هذه وأسباب إطلاقها عليهم الشيخ أبو حاتم الرازي في كتاب «الزينة في الكلمات الإسلامية العربية» .
١ - المارقة: وهو اللقب القديم الذي جاءت في الأخبار عن النبي ﷺ كما ورد في قصة الرجل الذي حضر قسمة النبي ﷺ للهدية التي وجهها إليه علي بن أبي طالب ﵁ من اليمن، إذ قام ذلك الرجل الذي ورد وصفه بأنه مضطرب الخلق، غائر العينين، ناتئ الجبهة، فقال له: لقد رأيت قسمة ما أريد بها وجه الله، فغضب النبي ﷺ حتى تورَّد خداه، ثم قال:" يأتمنني الله على أهل الأرض، ولا تأتمنونني ". فقام عمر ﵁ فقال: ألا نقتله يا رسول الله؟ فقال: " إنه يخرج من ضضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ".
٢ - الحرورية: وقد لُقبوا بهذا اللقب، لاجتماعهم بقرية حروراء - موضع بالنهروان - بعد خروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁.
٣ - المحكمة: وسُمُّوا بذلك، لأنهم لمَّا جرى أمر الحكمَين بصفِّين، اجتمع قوم من جملة أصحاب أمير المؤمنين علي ﵁، وقالوا:
_________________
(١) ١ انظر: نشأة الخوارج، وقصتهم مع عليّ في كتاب البداية والنهاية لابن كثير،ج٧ ص٢٧٨-٢٨٢، ط١سنة ١٩٦٦م.
[ ٧٨ ]
لا حكم إلا الله، وأن الله قد حكم في التنزيل وقال: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ وقالوا: إن عليًّا ترك حكم الله، وحكّم الحكمين، فلا حكم إلا لله.
٤ - الشراة: وسموا شراة، لأنهم قالوا: شرينا أنفسنا من الله، نقاتل في سبيل الله، فنَقتُل ونُقتَل. وذهبوا في ذلك إلى قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ .
وواحد الشراة: شاري. ومعنى شرى نفسه من الله، أي باعها.
٥ - الخوارج: وسموا بذلك لخروجهم على كل إمام، واعتقادهم أن ذلك فريضة عليهم، لا يسعهم المقام في طاعته، حتى يخرجوا، ويتخذوا لأنفسهم دار هجرة، وحتى يكونوا منابذين لمن خالفهم من المسلمين، حربًا لهم. والمسلمون عندهم كفار مشركون، إلا من وافقهم، وبايعهم، واستجار بهم حتى يسمع كلام الله.
فهذه خمسة ألقاب للخوارج، اشتهروا بها على مر التاريخ، وهي كما يُلاحظ أسماء منوعة لفرقة أصلها واحد، وكل واحد منها، يجمع فرق الخوارج التي تشعبت فيما بعد إلى فِرق كثيرة، تنفرد كل واحدة منها برأي عن الأخرى. ونكتفي بهذا التعريف، والآن إلى رأيهم في الإيمان.
[ ٧٩ ]
مذهب الخوارج في الإيمان
ذهب الخوارج إلى أن الإيمان يتركب من مجموع أمور ثلاثة:
١ - تصديق بالجنان.
٢ - إقرار باللسان.
٣ - عمل بالجوارح.
وهو كل عمل خير فرضًا كان أو نافلة مع ترك الكبائر ١، فهم يعتبرون الطاعات بجميع أنواعها إيمانًا، موافقين بذلك جماعة السلف. ونقطة الخلاف بينهم وبين السلف في هذه المسألة أنهم جعلوا ذلك كلًا لا يتجزأ، إذ لا يمكن ذهاب بعضه وبقاء بعضه عندهم، بل إذا ذهب البعض ذهب الكل، فالإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص أبدًا، فبمعصية واحدة يخسر جميع أعمال الخير التي عملها طوال حياته.
وأدلتهم في قولهم بتركب الإيمان من الأمور سالفة الذكر هي بعينها أدلة السلف، التي يستندون إليها، وإنما الخلاف في قولهم بأنه كل لا يتجزأ كما ذكرت.
ومن هنا توصلوا إلى أخطر النتائج التي ضجَّ المجتمع الإسلامي بها وحقد على الخوارج بسببها، وبسبب غيرها من العقائد التي علم فسادها من الدين بالضرورة. إذ أنهم يعتقدون أن مَن أخلَّ بأي أمر من أمور الدين، فإنه يُسلب منه اسم الإيمان بالكلية، ويُسمى كافرًا ويستحق الخلود في النار وتجري عليه في الدنيا أحكام الكفار، فيكون حلال الدم والمال. ولعلّ الشبهة التي قادت الخوارج والمعتزلة إلى سلب العاصي اسم الإيمان، هو اعتقادهم أنه حقيقة مركبة من أجزاء، فيلزم أن يزول إذا زال بعضها، وذلك كالعشرة مثلًا، إذا نقص منها واحد أو أكثر لم تبقَ عشرة. فإذا كان الإيمان
_________________
(١) ١ انظر معتقدهم هذا في الملل والنحل لابن حزم الظاهري، ج٣ ص١٨٨، وأصول الدين للبغدادي، ص٢٤٩، ط مطبعة الدولة باستانبول سنة ١٣٤٦هـ.
[ ٨٠ ]
مركّباّ من أقوال وأعمال باطنة وظاهرة لزم زواله بزوال بعضها. وبنى الخوارج على هذا أن من ارتكب كبيرة ثم مات عليها، ولم يتبْ منها فهو كافر مخلد في النار (مع ملاحظة أن الخوارج أنكرت أن يكون في المعاصي صغيرة، وحكمت بأن الكل كبيرة) ١.
وبناء على هذا، فقد تجرأ الخوارج على صحابة رسول الله ﷺ، فقد كفَّروا عليًّا ﵁، زاعمين أنه ارتكب كبيرة بتحكميه أبا موسى الأشعري، فحكموا بكفره، وكفر معاوية والحكمين، وكل من رضي بالتحكيم، واستحلوا دماء صحابة رسول الله ﷺ، ورسموا مبادئ وضعوها مقياسًا للإيمان واتخذوها دينًا لهم، وحاربوا كل من خالفهم فيها، لاعتقادهم كفره وخرجه على ملة الإسلام.
وفي بيان اعتقاد مذهب هذه الطائفة يقول الإسفرائيني في كتاب «التبصير في الدين»: " اعلم أن الخوارج عشرون فرقة وكلهم متفقوه على أمرين لا مزيد عليهما في الكفر والبدعة:
أحدهما: أنهم يزعمون أن عليًا وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين وكل من رضي بالتحكيم كفروا كلهم.
والثاني: أنهم يزعمون أن كل من أذنب من أمة محمد ﷺ فهو كافر، ويكون في النار خالدًا مخلدًا، إلا النجدات منهم فإنهم قالوا: إن الفاسق كافر على معنى الكفران لا على معنى الكفر ٢.
فالخوارج جماعة غلاة. استحلوا دماء المسلمين وأعراضهم، بأدنى فعلة هي كبيرة في نظرهم، وإن كانت صغيرة، إذ لا فرق عندهم بين الذنوب، فكلها عندهم كبائر كما ذكرت، وهي في مستوى واحد، وتؤدي
_________________
(١) ١ انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار، تحقيق الدكتور عبد الكريم عثمان، ص٦٣٢، ط١ بمطبعة الاستقلال الكبرى، القاهرة، سنة ١٣٨٤هـ. ٢ التبصير في الدين، لأبي المظفر الإسفرائيني، المتوفى سنة ٤٧١هـ، تحقيق محمد زاهد الكوثري، ص٤٦، ط مطبعة الأنوار سنة ١٣٥٩هـ - ١٩٤٠م.
[ ٨١ ]
إلى نتيجة واحدة. وبهذا فقد قالت الخوارج بما لا يمكن تبريره، وفعلت ما لا يمكن أن يفعله ناشد حقيقة أبدًا.
أدلة الخوارج:
وقد استدل الخوارج على تكفير مرتكب الكبيرة بالنصوص الناطقة بكفر العصاة.
فمن القرآن الكريم استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١، وقوله تعالى في تارك الحج: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٢، وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣، وغيرها مما ورد في القرآن من الآيات الناطقة بكفر العصاة.
أما من السنة النبوية: فاستدلوا بأحاديث كثيرة منها قوله ﵇: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر "، وقوله ﵇:" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ". ووجه الاستدلال بهذين الحديثين أنه أَطلقَ على العاصي في الحديث الأول اسم الكفر، وفي الثاني نفى عنه الإيمان، ومن لم يكن مؤمنًا فهو كافر. واستدلوا أيضًا بقوله ﵇ في تارك الصلاة: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ".
إلى غير ذلك من أشباه هذه النصوص التي وردت بشأن العصاة، وسيأتي أنه لا دليل لهم فيها وأن رأيهم ساقط، كل الهدف منه بثّ الفرقة بين المسلمين، وإشباع نزوات تتطلع إلى سفك الدماء، وانتهاك الحرمات.
فرق مخالفة:
وقد تقدم في كلام الإسفرائيني أن النجدات من الخوارج لم يوافقوا
_________________
(١) ١ المائدة:٤٤. ٢ آل عمران: ٩٧. ٣ النور: ٥٥.
[ ٨٢ ]
على إطلاق اسم الكفر على المذنب بالمعنى المعروف، إذ قالوا بأنه كافر كفر نعمة لا كفر شرك. إلا أن المصيبة لم تخفّ بل بقوا على الرأي السائد عندهم، وهو استحلال دم المخالف كما ذكر ابن حزم عن الإباضية أصحاب إباض بن عمرو ما يوافق النجدات في أن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة، وقالوا بأنه تحلّ موارثته ومناكحته وأكل ذبيحته وليس مؤمنًا ولا كافرًا على الإطلاق ١.
إلا أن أبا الحسين الملطي - المتوفى سنة ٣٧٧هـ، والذي يعتبر من أقدم من ألَّف في الفِرق، قَرَن هاتين الفرقتين مع أصحابهم في الرأيين اللذين ذكرهما الإسفرائيني ولم يذكر مخالفتهم في شيئ بل بيَّن أنهم على مذهب أصحابهم من القول بقتل الأطفال وإراقة الدماء واستحلال الأعراض، وتكفير الأمَّة٢. غير أن الأرجح الذي عليه أغلب مؤرخي الفرق ما ذكره الإسفرائيني بشأن النجدات وما قاله ابن حزم بشأن الأباضية.
أما الفرقة التي خالفت الخوارج في مذهبهم هذا دون جدال فهم الصفرية، فقد ذكر عنهم الإسفرائيني، أن منهم من يرى أن الذنوب التي فيها حد مقرر، لا يتجاوز بمرتكبها ما سماه الله من أنه زانٍ، أو سارق، أو قاذف، وأنه لا يُباح قتل نساء مخالفيهم ولا أطفالهم. وفي بيان هذه المخالفة من جانب الصفرية يقول الإسفرائيني: الفرقة الرابعة من الخوارج الصفرية، وهم أتباع زياد بن الأصفر، وقولهم كقول الأزارقة في فساق هذه الأمة، ولكنهم لا يبيحون قتل نساء مخالفيهم، ولا أطفالهم. وقال فريق منهم: كل ذنب له حد معلوم في الشريعة لا يُسمى مرتكبه مشركًا ولا كافرًا، بل يدعى باسمه المشتق من جريمته، يقال: سارق، وقاتل، وقاذف، وكل ذنب ليس فيه حد معلوم في الشريعة مثل الإعراض عن الصلاة فمرتكبه
_________________
(١) ١ الفصل في الملل والنحل لابن حزم، ج٣ ص٢٢٩. ٢ انظر: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع لأبي الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي، تحقيق محمد زاهد الكوثري، ص٥٢، ط سنة ١٣٨٨هـ - ١٩٦٨م.
[ ٨٣ ]
كافر، ولا يُسمُّون مرتكب واحد من هذين النوعين جميعًا مؤمنًا. وقال فريق منهم: إن المذنب لا يكون كافرًا إلى أن يحده الوالي ويحكم بكفره. وهؤلاء الفرق الثلاث من الصفرية.
فمن النص السالف عن الإسفرائيني يتبيَّن لنا أن مذهب الصفرية يتردد بين التكفير لمرتكب الذنب من نوع معين، وعدمه لنوع آخر، مع إخراج النوعين من اسم الإيمان كلية. وفرقة أخرى منهم جعلت الحكم بالكفر للحاكم، بمعنى أنه إذا حكم بكفره فهو كذلك وإن لم يحكم الوالي بكفره فلا. أما نساء المخالفين وأطفالهم، فلا يحل قتلهم عند الصفرية، ولا شك أنهم بقولهم هذا، أخف فرق الخوارج، التي حاولت نشر مبادئها علىجسر من الجماجم وبحر من الدماء، فكان الإرهاب سمة من أبرز سماتها.
على أن أبا الحسين الملطي برأ هذه الفرقة من جميع المذاهب التي قال بها الخوارج، وانتهجوها في مسألة العصاة حيث قال عنهم: " لم يوذوا الناس، ولا كفروا الأمة، ولا قالوا بشيئ من قول الخوارج ". غير أن هذا الرأي السائد عن هذه الفرقة هو ما ذكره الإسفرائيني، لا ما ذكره الملطي، فهذه الفرقة وإن كان مذهبها أخف، إلا أنها لم تخلُ من تطرّفٍ كأصحابها في مسألة العصاة.
[ ٨٤ ]
الفصل الثاني
المرجئة
المرجئة واحدة من الفرق الإسلامية التي اشتهرت بقولها في الإيمان ومخالفتها لما عليه السلف في هذا الموضوع. وقبل البدء في بيان مقالاتهم أرى من المناسب أن أذكر معنى الإرجاء، وسبب تسمية هذه الفرقة بالمرجئة فأقول وبالله التوفيق:
جاء في القاموس: أرجأ الأمر: أخَّره، وترك الهمز لغة. ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ ١. أي مؤخرون حتى يُنزِل الله فيهم ما يريد ومنه سُمِّيت المرجئة٢.
وقال الشهرستاني: الإرجاء على معنيين: أحدهما التأخير، كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ ٣ أي أمهله وأخِّره. والثاني: إعطاء الرجاء.
أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح، لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد.
وأما بالمعنى الثاني فظاهر، فإنهم كانوا يقولون: لا تضرّ مع الإيمان
_________________
(١) ١ التوبة: ١٠٦. ٢ الفيروز أبادي، مجد الدين، القاموس المحيط، ج١ ص١٦، مصر، مطبعة السعادة، بدون تاريخ. ٣ الأعراف: ١١١.
[ ٨٥ ]
معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وقيل الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يُقضى عليه بحكم «ما» في الدنيا، من كونه من أهل الجنة، أو من أهل النار، فعلى هذا المرجئة والوعيدية فرقتان متقابلتان١.
فالشهرستاني يرى أن المرجئة إنما لزمهم هذا اللقب لأمرين:
أحدهما: تأخيرهم العمل عن النية والقصد.
وثانيهما: إعطاؤهم المؤمن العاصي الرجاء في عفو الله، بإرجائهم العمل عن الاعتبار في مجال الإيمان، لأن المهم عندهم هو العقد القلبي.
وذكر إرجاءً آخر لا ضير فيه، وهو تأخير حكم العاصي إلى يوم القيامة ليكون تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له دون جزم بأحد الأمرين.
هذا وقد درج أهل السنة على تسمية كل من أخَّر العمل عن الركنية في الإيمان مرجئًا وكذلك فعل بعض مؤرخي الفرق. فقد حصر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أصناف المرجئة - في نظره - بقوله: " والمرجئة ثلاثة أصناف، الذين يقولون الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب، وهم أكثر فرق المرجئة. كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه ٢، وقد ذكر فرقًا كثيرة يطول ذكرها، لكن ذكرنا جمل أقوالهم ومنهم من لا يدخلها كجهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا هو الذي نصره هو وأكثر أصحابه. والقول الثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يُعرف لأحد قبل الكرامية. والثالث: تصديق القلب، وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم٣ يعني أبا حنيفة وأصحابه.
_________________
(١) ١ الشهرستاني، محمد عبد الكريم، الملل والنحل بتحقيق محمد سيد كيلاني، ج١ ص١٣٩، مصر، مطبعة الحلبي سنة ١٣٨٧هـ - ١٩٦٧م. ٢ مقالات الإسلاميين، ج١ ص٢١٣-٢٢٣. ٣ ابن تيمية، المصدر المذكور آنفًا ص١٦٣.
[ ٨٦ ]
وهنا نجد ابن تيمية يعدُّ الكرامية، والجهمية، والأحناف، من المرجئة موافقًا بذلك أبا الحسن الأشعري، الذي عدهم مرجئة، كما أشار ابن تيمية إلى ذلك. غير أن ابن تيمية يجعل الأشعري وأصحابه مرجئة أيضًا مناصرة لمذهب جهم في الإيمان الذي يعتبره السلف من أفسد الآراء، وأكثرها شذوذًا.
على أن ابن حزم الأندلسي قد سبق ابن تيمية في عده الأشاعرة من المرجئة وشنَّع عليهم ولذلك موضعه، وإنما ذكرته هنا استيفاءً لكل من وُصِف بالإرجاء من الفرق الإسلامية، وسأفرد لكلٍّ من هذه الفرق فصلًا مستقلًا أستعرض فيه آراءها في الإيمان، أما هذا الفصل فسأقتصر فيه على بحث مقالات المرجئة الخالصة وبالله التوفيق.
مقالات المرجئة في الإيمان
ذكر الشهرستاني مقالات ست طوائف من المرجئة الخالصة، ناسبًا كل طائفة منها إلى مؤسسها الأول، ونحن نوردها نقلًا عنه على سبيل الاختصار.
الأولى: اليونسية، أصحاب يونس بن عون النميري، وقد زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله، والخضوع له، وترك الاستكبار عليه، والمحبة بالقلب. فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن، وما سوى ذلك من الطاعة فليس من الإيمان، ولا يضر تركها حقيقة الإيمان.
الثانية: العبيدية، أصحاب عبيد المكتئب، حكي عنه أنه قال: ما دون الشرك مغفور لا محالة، وأن العبد إذا مات على توحيده لا يضرّه ما اقترف من الآثام، واجترح من السيئات.
[ ٨٧ ]
الثالثة: الغسّانية، أصحاب غسّان الكوفي، زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى، وبرسوله، والإقرار بما أنزل الله، وبما جاء به الرسول في الجملة دون التفصيل، وقال: الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
الرابعة: الثوبانية، أصحاب أبي ثوبان المرجئ، الذين زعموا أن الإيمان هو المعرفة، والإقرار بالله تعالى، وبرسله عليهم الصلاة والسلام، وأخَّروا العمل كله عن الإيمان.
الخامسة: التومنية، أصحاب أبي معاذ التومني، زعم أن الإيمان هو ما عصم من الكفر، وهو اسم لخصال، إذا تركها العبد، أو ترك خصلة منها كفر، وهي: المعرفة، والتصديق، والمحبة، والإخلاص، والإقرار بما جاء به الرسول ﷺ. قال: وكل معصية لم يُجمع عليها المسلمون بأنه كفر، لا يقال لصاحبها فاسق، ولكن يقال فسق وعصى.
السادسة: الصالحية، أصحاب صالح بن عمر. قال: إن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى على الإطلاق وهو أن للعالم صانعًا فقط، والكفر هو الجهل به على الإطلاق، ومعرفة الله هي المحبة والخضوع له، ولا عبادة لله إلا الإيمان به، وهو معرفته ١.
وأما الإمام أبو الحسن الأشعري، فيبلغ بالمرجئة في كتابه مقالات الإسلاميين إلى اثنتي عشرة فرقة فيعدُّ منهم:
١ - الجهمية، أتباع الجهم بن صفوان الترمذي، الذين يزعمون أن الإيمان هو معرفة القلب، وأنه لا يتبعض، ولا يتفاضل أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكون إلا في القلب دون الجوارح.
٢ - النجارية، أتباع الحسين بن محمد النجار، وهؤلاء برون أن الناس يتفاضلون في إيمانهم، ويكون بعضهم أكثر تصديقًا من بعض، وأن الإيمان يزيد ولا ينقص.
_________________
(١) ١ الشهرستاني، المصدر المذكور آنفًا ص١٤١-١٤٥.
[ ٨٨ ]
٣ - الغيلانية، أصحاب غيلان، يزعمون أن الإيمان المعرفة الثانية بالله، والمحبة، والخضوع، والإقرار بما جاء به الرسول، وبما جاء به من عند الله، وأما المعرفة الأولى فهي اضطرار، فلذلك لم يجعلها من الإيمان.
٤ - أصحاب محمد بن شبيب، ويذهبون إلى أن الإيمان هو الإقرار بالله والمعرفة بأنبيائه ورسله، وبجميع ما جاءت به من عند الله، مما نص عليه المسلمون، ونقلوه عن النبي ﷺ ويقولون: إن الإيمان يتبعض ويتفاضل أهله فيه.
٥ - أبو حنفية وأصحابه، يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله، وبالرسول، والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفصيل.
٦ - الكرامية، أتباع محمد بن كرام، يزعمون أن الإيمان هو الإقرار، والتصديق باللسان دون القلب، وأنكروا أن تكون معرفة القلب أو شيئ غير التصديق باللسان إيمانًا.
ومما تقدم نتبين أن أبا الحسن الأشعري خالف الشهرستاني في تعداد الفرق التي توصف بالمرجئة حيث عد أبا حنيفة وأصحابه من جملتهم وسنرى ما إذا كان هذا القول له وجه من الصحة عند كلامنا عن أبي حنيفة فيما بعد إن شاء الله.
كما أن الأشعري ذكر هنا فرقتين عدَّهما من المرجئة وهما النجارية أتباع الحسين بن محمد النجار، وأصحاب محمد بن شبيب. وفي عدِّهم من المرجئة الخالصة نظر، حيث ذكر عنهم قولهم بتفاضل الناس في الإيمان، وهذا ما لم يقله المرجئة الخالصة. وقد تقدم أن المرجئة الخالصة مبدؤها الذي تتميز به قولهم أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، كما أنهم يقولون بأنه لا تفاضل في الإيمان بين أهله كما سيأتي فيما بعد.
ومما يدل على أن هاتين الفرقتين ليستا من المرجئة الخالصة أن الشهرستاني لم يتعرَّض لذكرهما عند كلامه عن المرجئة الخالصة.كما أن
[ ٨٩ ]
البغدادي جزم بإخراج النجارية عن فرق المرجئة الخالصة وعقد لها فصلًا خاصًا ذكر رأيها الذي تجتمع عليه في الإيمان وهو عين ما ذكره الأشعري١. وما ذكره الشهرستاني وذكر بعضه الأشعري من مقالات المرجئة قد يظن الشخص لتعددها أنها مختلفة، فيتساءل كيف يمكن أن يُجمَعوا تحت اسم واحد مع اختلاف أقوالهم؟ ونحن نقول أنه مهما يكن من تعدد طوائف المرجئة، فإن أقوالهم متقاربة ويكادون يُجمِعون على أن العمل ليس ركنًا في الإيمان ولا داخلًا في مفهومه، كما أن المبدأ العام الذي يجمعهم هو ما اشتهر عنهم من قولهم: " إنه لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة " ٢. فهؤلاء هم المرجئة الخالصة، وهذه هي مقالتهم المشتهرة عنهم، كما يقول التفتازاني أيضًا في «شرح المقاصد»: " وإنما المرجئة الخالصة الباطلة، هم الذين يحكمون بأن صاحب الكبيرة لا يُعذَّب أصلًا، وإنما العذاب والنار للكفار، وهذا تفريط، كما أن قول الوعيدية إفراط، والتفويض إلى الله تعالى وسط بينهما " ٣.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هؤلاء المرجئة يتفقون مع الخوارج والمعتزلة والجهمية في مذهبهم القائل بأنه لا يتصور أن الشخص الواحد يدخل الجنة والنار جميعًا، بل من دخل إحداهما لم يدخل الأخرى. وبناء على هذا الأصل قال غلاة المرجئة: إن أهل الكبائر يدخلون الجنة، ولا يدخلون النار، مقابلة للخوارج والمعتزلة القائلين بأنهم يدخلون النار، ولا يخرجون منها، لأن من دخلها عندهم يخلد فيها ٤.
_________________
(١) ١ البغدادي، عبد القاهر بن طاهر التميمي، الفَرق بين الفِرق، بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ص٢٠٢، القاهرة، مطبعة المدني. ٢ السفاريني، محمد بن أحمد الأثري الحنبلي، لوامع الأنوار البهية، ج١ ص٤٢ طبع حكومة قطر، وانظر: الرفع والتكميل للكنوي، بتحقيق عبد الفتاح أبو غدة، ص٣٠، ٣١،١٤٩،١٦٤، وتأنيب الخطيب للكوثري، ص٣١، ونهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني، ص٤٧١. ٣ التفتازاني، سعد بن مسعود بن عمر، شرح المقاصد، ج٢ ص١٧٥، طبع سنة ١٢٧٧هـ. ٤ انظر: ابن تيمية، المصدر المذكرو آنفًا ص٣٠١.
[ ٩٠ ]
ويحكي الشهرستاني عن بعضهم أنه كان يقول: لو قال قائل: أعلم أن الله ﷿، قد حرم أكل الخنزير، ولا أدري هل الخنزير الذي حرمه الله هذه الشاة أم غيرها، كان مؤمنًا. ولو قال: أعلم أنه قد فرض الحج إلى الكعبة غير أني لا أدري أين الكعبة ولعلها بالهند، كان مؤمنًا ١.
وقد ذكر الآجري في كتاب الشريعة عن المرجئة قولهم: " إن من قال لا إله إلا الله لم تضره الكبائر أن يعملها، ولا الفواحش أن يرتكبها، وإن البار التقي الذي لا يباشر من ذلك شيئًا، والفاجر يكونان سواء" ٢. وقال الآجري أيضًا (ص١٤٦): " احذروا رحمكم الله قول من يقول إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل ومن يقول: أنا مؤمن عند الله، وأنا مؤمن مستكمل الإيمان، هذا كله مذهب أهل الأرجاء ".
وقال سفيان الثوري: " خالفنا المرجئة في ثلاث، نحن نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: قول بلا عمل. ونحن نقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص. ونحن نقول: نحن مؤمنون بالإقرار، وهم يقولون: نحن مؤمنون عند الله " ٣.
هذا عرض لما ذكره مؤرخو الفرق من آراء المرجئة ويتلخص لنا منه أن المرجئة قالت:
١ - إن العمل ليس ركنًا في الإيمان.
٢ - إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاضل أهله فيه، إلا ما ذكرنا من خلاف فرقتي النجارية، وأصحاب محمد بن شبيب في هذا الأصل والذي بناءً عليه أخرجناهم من جملة المرجئة الخالصة.
_________________
(١) ١ الشهرستاني، المصدر السابق ص١٤١. ٢ الآجري، محمد بن الحسين، كتاب الشريعة، بتحقيق محمد حامد الفقي ص١٤٧، ط١، مطبعة السنة المحمدية سنة١٣٦٩هـ. ٣ البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود، شرح السنة، بتحقيق شعيب الأرناؤوط وزهير الشاويش،ج١ ص٤١.
[ ٩١ ]
٣ - إن مرتكب الكبيرة في الجنة دون سابقة عذاب، لأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
٤ - إن الاستثناء في الإيمان غير جائز.
هذه هي خلاصة مقالات المرجئة في الإيمان كما ذكرها مؤرخو الفرق ومحررو العقيدة من العلماء.
لكننا نقول: هل المرجئة أخذت هذه الأقوال مذهبًا دون أن تسندها بدليل. طبعًا لا. فالمرجئة كغيرها من الفرق الإسلامية استدلَّت بالوحي الإلهي الذي هو مصدر العقيدة، وفسرته على حسب هواها.
وكل يدَّعي وصلًا لِليلى
وليلى لا تُقِرُّ لهم بِذاكا
١ - أما قولهم بعدم ركنية العلم في الإيمان فاستدلوا عليه بمثل قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ ١، ففرقوا بين الإيمان والعمل، ورأوا أن الله تبارك تعالى خاطب الإنسان بالإيمان قبل وجود الأعمال، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِق﴾ ٢، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ ٣.
وقالوا: لو أن رجلًا آمن بالله ورسوله ضحوة، ومات قبل أن يجب عليه شيئ من الأعمال مات مؤمنًا، وكان من أهل الجنة. فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان٤.
هذه هي أدلة المرجئة على قولهم بعدم ركنية العمل، وعدم اعتباره في مجال الإيمان.
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٥. ٢ المائدة:٦. ٣ الجمعة: ٩. ٤ انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية، ص١٦٢.
[ ٩٢ ]
٢ - أما دعواهم عدم زيادة الإيمان ونقصه فقد استدلوا لذلك بأن الإيمان شيئ واحد لا تعدد فيه، فلا يتعدد إلى اثنين أو ثلاثة فإنه إذا كان ذا عدد أمكن ذهاب بعضه، وبقاء بعضه، بل لا يكون إلا شيئًا واحدًا، ولذلك لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه.
٣ - وأما قولهم بأن المعاصي غير ضارة مع الإيمان، وأن العاصي مصيره إلى الجنة قطعًا وابتداءً، فقد استدلوا عليه بظاهر حديث " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ". فهذا الحديث هو مناط استدلالهم على هذه الدعوى، وبه يتشبثون لإسناد رأيهم هذا.
٤ - أما قولهم بعدم جواز الاستثناء في الإيمان، فهم يقولون: إن الإيمان لا يكون إلا عن جزم لا يعتوره الشك، ولا الشبهة، والاستثناء دليل على أن المستثنى شاك في إيمانه لم يُعدّ مؤمنًا فلا بد من الجزم في الإيمان.
تلك هي مقالات المرجئة في الإيمان، وهذه هي أدلتهم، وسنرى موقف السلف منهم ومن مذاهبهم وأدلتهم فيما بعد إن شاء الله.
[ ٩٣ ]
الفصل الثالث
أبو حنيفة والإرجاء
عرفنا فيما تقدم المرجئة وما ذهبوا إليه في الإيمان، وفي هذا الفصل نناقش مسألة خطيرة، برزت على مسرح البحث والمناقشة بين العلماء، بين مؤيد ومعارض. وهذه المسألة هي ما ذكر من اتهام أبي حنيفة بالإرجاء، وأن مذهبه في الإيمان هو عين مذهبهم. وأبو حنيفة ﵀ أحد الأئمة الأربعة وصاحب أتباع كثيرين، يتشبثون بمذهبه، وينتصرون له. وكما أنه قدوة لهم، فهو قدوة لنا أيضًا، وله مكانته في قلوب المسلمين جميعًا، لأنه إمام عظيم، خدم الدين بإخلاص، وبذل جهدًا جبارًا - كغيره من الأئمة الأعلام - في سبيل إبراز تشريعاته العملية والعقدية، والذَّب عن حياضها، وإيصالها إلينا نقية صافية من شوائب البدع والخرافات التي حاول مروجوها إدخالها في الدين، وإضافة ما ليس منه إليه.
لذلك كان لزامًا علينا أن ندفع عنه كل تهمة توجه إليه، ما دامت ليس لها أساس من الصحة، آخذين بعين الاعتبار بشريته، وأنه كغيره من العلماء، عرضة للخطأ، والعصمة إنما هي لرسول الله ﷺ، لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يُوحى. وأبو حنيفة ﵁، يسرّه أن يُصحح خطؤه إذا أخطأ، وفق ما هو موجود في كتاب الله وسنة رسوله اللذين قال فيهما رسول الله ﷺ:" تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها "، وقال عليه الصلام:" تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله، وسنتي "، إذ إنه ﵀ إمام ملتزم بهما ويدعو إلى ذلك.
[ ٩٤ ]
وأبو حنيفة ﵁ سلفي العقيدة ولا ريب، إلا أن هناك مسألة عقدية تعرَّض للنقد فيها من جانب أئمة السلف، وعلمائهم، وهي قوله في الإيمان، الذي لأجله رُميَ بالإرجاء.
رأي أبي حنيفة في حقيقة الإيمان:
وقبل أن أذكر وجهة نظر الناقدين له يحسن بي أن أبين رأي الإمام أبي حنيفة في الإيمان أولًا، فأقول وبالله التوفيق:
إن أبا حنيفة ﵁ قد اشتهر عنه قوله بأن الإيمان عبارة عن أمرين لا ثالث لهما، تصديق بالقلب، وإقرار باللسان.
قال ﵀ في «الوصية» ١: الإيمان إقرار باللسان، وتصديق بالجنان، والإقرار لا يكون وحده إيمانًا، لأنه لو كان إيمانًا لكان المنافقون كلهم مؤمنين. وكذلك المعرفة وحدها لا تكون إيمانًا، لأنها لو كانت إيمانًا لكان أهل الكتاب كلهم مؤمنين. قال تعالى في حق المنافقين: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢، وقال تعالى في حق أهل الكتاب: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ ٣.
قال شارح الفقه الأكبر - بعد سَوْقِه لما تقدم - ضمن شرحه: والمعنى أن مجرد معرفة أهل الكتاب بالله ورسوله لا ينفعهم٤، حيث ما أقروا بنبوة
_________________
(١) ١ وصية الإمام أبي حنيفة، ص١، مخطوطة بمكتبة أسعد أفندي، ضمن المكتبة السليمانية باستانبول، رقم ١٢٩٦. وانظر: الفقه الأكبر مع شرحه لعلي القاري، ص٨٥، ط مطبعة الحلبي، مصر سنة ١٣٧٥هـ. ٢ المنافقون:١. ٣ الأنعام:٢٠. ٤ هناك فارق بين التصور الإسلامي للألوهية، وبين تصور أهل الكتاب للألوهية، الذي ينطوي على الشرك أحيانًا، وعلى التجسيد، ومشابهة المخلوقات أحيانًا أخرى، ثم القول بأن محمدًا ﷺ مبعوث إلى العرب خاصة، هو رأي قلة من منصفيهم، مع أنه رأي باطل أيضًا.
[ ٩٥ ]
محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ورسالته إليهم وإلى الخلق كافة، فإنهم كانوا يزعمون أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مبعوث إلى العرب خاصة، فإقرارهم بهذا الطريق لا يكون خالصًا. ثم التصديق ركن حسن لِعَينِه، لا يحتمل السقوط في حال من الأحوال بخلاف الإقرار فإنه شرط أو شطر، وركن حسن لغيره، ولهذا يسقط في حال الإكراه وحصول العذر، وهذا لأن اللسان ترجمان الجنان، فيكون دليل التصديق وجودًا وعدمًا، فإذا بدله بغيره في وقت يكون متمكنًا من إظهاره كان كافرًا، وأما إذا زال تمكنه من الإظهار بالإكراه، لم يصِرْ كافرًا، لأن سبب الخوف على نفسه دليل ظاهر، على بقاء التصديق في قلبه، وأن الحامل على هذا التبديل، حاجته إلى دفع المهلكة عن نفسه، لا تبديل الاعتقاد في حقه، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾ ١. فأما تبديله في وقت تمكنه، فإنه دليل على تبديل اعتقاده، فكان ركن الإيمان وجودًا وعدمًا ٢.
فإذًا أبو حنيفة ﵀ يجعل الإيمان مركَّبًا من جزئين، أحدهما: أصلي ثابت، لا يحتمل السقوط أبدًا، وهو التصديق، وثانهما: يمكن سقوطه، والتجاوز عنه لوجود ملابسات تمنع من الوفاء به، وهو الإقرار.
ويزيدنا إيضاحًا وتأكيدًا لما تقدم، ما ذكره ﵀ في كتاب «العالم والمتعلم»، حيث قال: والناس في التصديق على (ثلاثة) ٣ منازل: فمنهم من يصدق بالله وبما جاء منه بقلبه ولسانه. ومنهم من يصدق بلسانه، ويكذب بقلبه. ومنهم من يصدق بقلبه، ويكذب بلسانه٤.
_________________
(١) ١ النحل: ١٠٦. ٢ ملا علي بن سلطان القاري، شرح الفقه الأكبر، ص٨٥، ٨٦، ط طبعة الحلبي، مصر سنة ١٣٧٥هـ. ٣ هكذا في الأصل المطبوع، والصحيح: ثلاث منازل. ٤ أبو حنيفة، العالم والمتعلم، تحقيق محمد رواس، وعبد الوهاب الندوي، ص٥٢، ط١ مطبعة البلاغة، حلب سنة ١٣٩٢هـ،
[ ٩٦ ]
فهذه ثلاث مراتب للناس في مسألة التصديق، ذكرها وأصدر حكمه على كل طائفة منها بعد ذلك فقال:" من صدق بالله، وبما جاء من عند الله بقلبه ولسانه، فهو عند الله وعند الناس مؤمن. ومن صدق بلسانه وكذب بقلبه كان عند الله كافرًا وعند الناس مؤمنًا، لأن الناس لا يعلمون ما في قلبه، وعليهم أن يُسمُّوه مؤمنًا بما ظهر لهم من الإقرار بهذه الشهادة، وليس لهم أن يتكلَّفوا علم ما في القلوب. ومنهم من يكون عند الله مؤمنًا، وعند الناس كافرًا،وذلك بأن الرجل يكون مؤمنا بالله، وبما جاء من عنده، ويُظهر الكفر بلسانه في حال التُّقية، أي في حال الإكراه، فيسمِّيه من لا يعرف أنه يتقي كافرًا، وهو عند الله مؤمن " ١.
ومن مجموع ما تقدم ذكره من النصوص يتبين لنا أن مذهب أبي حنيفة في الإيمان عبارة عن أمرين: إقرار، وتصديق، كما صرح هو بذلك، فيما قدمنا، وكما ذكر عنه أصحابه في كتبهم. إلا أن التصديق عنده، له مكانة ليست للإقرار، إذ التصديق أرسخ، لا يمكن زواله بحال، فلا يزول إلا بالكفر. أما الركن الآخر فيمكن سقوطه وزواله، مع بقاء الإنسان مؤمنًا بذلك التصديق القلبي، وكما في حال العذر والإكراه على إظهار ضده، فيمتثل تقية من عدوٍّ أو نحوه. وقد استدل على ما ذهب إليه من أن الإيمان عبارة عن التصديق والإقرار بما يأتي:
أما على أنه تصديق فاستدل بعين أدلة الأشاعرة على ذلك من الآيات التي أضافت الإيمان إلى القلب من مثل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ﴾ ٢، وقوله سبحانه: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُم﴾ ٣، وغيرها مما سنذكره عند بيان مذهبهم إن شاء الله.
أما جعل الإقرار ركنًا آخر في الإيمان فاستدل له بدليل عقلي وهو أن اللسان ترجمان الجنان، فيكون دليل التصديق وجودًا وعدمًا، بمعنى أن
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ المجادلة:٢٢. ٣ الحجرات:١٤.
[ ٩٧ ]
التصديق أمر خفي يوجد في قرارة قلب المؤمن، ولا يمكننا اكتشاف وجوده، والإطلاع عليه إلا إذا وُجد الإقرار اللساني، الذي يدلنا على وجوده، كما أن عدم وجود الإقرار اللساني يدل بدوره على انتفاء التصديق، وعدم وجوده في القلب، فهما ركنان متلازمان في الوجود. هذا ما ذهب إليه أبو حنفية نفسه.
أما أصحابه:
فقد ذهب جماعة منهم أبو منصور الماتريدي إلى أن الإيمان هو التصديق فقط، وأن الإقرار إنما هو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية عليه، وليس هو داخلًا في الإيمان، كما ذكر ذلك عنه أبو المعين النسفي في «بحر الكلام» ١.
وقد وجدت في رسالة في العقائد على مذهبه ما يوافق أبا حنيفة فيما ذهب إليه من ركنية الإقرار٢.
وقد ذكر شارح الفقه الأكبر أيضًا أن جمهورًا من المحققين ذهبوا إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب، وإنما الإقرار شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، لما كان تصديق القلب أمرًا باطنًا، لا بد له من علامة، فمن صدق بقلبه، ولم يُقرّ بلسانه فهو مؤمن عند الله تعالى، وإن لم يكن مؤمنًا في أحكام الدنيا، ومن أقرَّ بلسانه، ولم يصدق بقلبه كالمنافق فهو بالعكس. ٣
كما ذكر ذلك الشيخ كمال الدين محمد بن محمد القدسي في كتابه
_________________
(١) ١ انظر: بحر الكلام لأبي المعين النسفي، ص٢٠، مخطوط بمكتبة علي باشا ضمن المكتبة السليمانية، استانبول رقم ١٥٧١. ٢ رسالة في العقائد على مذهب أبي منصور الماتريدي، مجهولة المؤلف، ص٥، مخطوطة بمكتبة «لا له لي» ضمن المكتبة السليمانية، استانبول رقم ٢٢٤٠. ٣ انظر: شرح الفقه الأكبر لعلي القاري، ص٨٦-٨٧، ط مطبعة الحلبي، مصر سنة ١٣٧٥هـ.
[ ٩٨ ]
«المسايرة بشرح المسامرة» وعزاه إلى أبي البركات عبد الله بن محمد بن محمود النسفي من الأحناف كما ذكر أن هذا القول هو بعينه المختار عند الأشاعرة ١.
فإذًا يوجد من أصحاب أبي حنيفة من خالفه في ركنية الإقرار واختار رأي الأشاعرة من أن التصديق كافٍ في الإيمان، وإنما الإقرار شرط لإجراء أحكام الدنيا عليه، من الصلاة خلفه وعليه ودفنه في مقابر المسلمين، وعصمة الدم والمال، ونكاح المسلمة ونحو ذلك من الأحكام.
أما أبو حنيفة فهو - كما تقدم - قد أخذ الأمرين جميعًا، أعني التصديق والإقرار وجعلهما ركني الإيمان.
والفرق بين الرأيين:
إن أبا حنيفة ومن ذهب مذهبه يرون أن الإقرار ركن أصلي في الإيمان إذا كان الإنسان قادرًا على الوفاء به فلا عذر، ولا اعتبار لتصديقه أبدًا إذا لم يُقرّ بلسانه، وإنما يُعتبر تصديقه القلبي كافيًا إذا لم يستطع الإقرار لعذر كما تقدم بيانه.
أما الرأي الآخر الذي قال به بعض أصحابه من أن الإقرار شرط لا شطر، فإنه يعتبر التصديق كافيًا في اعتبار الإيمان عند الله تعالى، إذا أخلَّ المؤمن بشرط الإقرار، وإنما الإقرار يُعتبر بيانًا ودليلًا على ما وَقَرَ في قلبه من إيمان يحملنا، بل ويحتم علينا معاملته كما يعامل بقية المسلمين، فيجب الإتيان بالإقرار لهذا الغرض فحسب.
أما العمل:
فلم يجعله أبو حنيفة من أركان الإيمان، وجعله مغايرًا له، كما قال ﵀ في «الوصية»: " والإيمان غير العمل، والعمل غير الإيمان.
_________________
(١) ١ المسايرة بشرح المسامرة، ص٣٣٣-٣٣٤، ط مطبعة السعادة، مصر، بدون تاريخ.
[ ٩٩ ]
بدليل أن كثيرًا من الأوقات يرتفع العمل من المؤمن، ولا يصح أن يقال ارتفع الإيمان عنه، فإن الخائض والنفساء يرفع الله تعالى عنهما الصلاة والصوم، ولا يصح أن يقال: يَرفع عنهما الإيمان، أو أمَرهما بترك الإيمان، وقد قال ﵇: " دعي الصوم في أيام أقرائك ثم اقضيه ". ولا يصح أن يقال: دعي الإيمان ثم اقضيه. ويجوز أن يقال: ليس على الفقير الزكاة، ولا يجوز أن يقال: ليس على الفقير الإيمان " ١.
كما استدل ﵀ على المغايرة بين الإيمان والعمل، بالآيات التي تعطف العمل على الإيمان، من مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٢ونحوها٣ مما استدل به من قال بالمغايرة بين الأمرين.
والإسلام عنده: هو الأعمال التي هي غير الإيمان، لكنه وإن جعل الإسلام غير الإيمان في المعنى، إلا أنه جعل بينهما تلازمًا قويًا، بحيث لا يمكن وجود أحدهما دون وجود الآخر، وفي ذلك قوله: " والإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله تعالى، ففي طريق اللغة فرق بين الإيمان والإسلام، ولكن لا يكون إيمان بلا إسلام، ولا إسلام بلا إيمان، فهما كالظهر مع البطن، والدين اسم واقع على الإيمان والإسلام والشرائع كلها" ٤.
فهو ﵀ وإن فرَّق بين الإيمان والإسلام، وجعل هذا غير ذلك من الناحية اللغوية، وكذلك الحقيقة الشرعية.
ـ كما يدل على ذلك حديث جبريل المشهور - إلا أنه جعل بينهما
_________________
(١) ١ وصية الإمام أبي حنيفة، ص٢، مخطوطة بمكتبة أسعد أفندي ضمن المكتبة السليمانية، استانبول، رقم ١٢٩٦. ٢ الرعد: ٢٩. ٣ انظر: كتاب العالم والمتعلم، بتحقيق محمد رواس، وعبد الوهاب الندوي، ص٤٩، ط مطبعة البلاغة، حلب، سنة ١٣٩٢هـ. ٤ الفقه الأكبر مع شرح لعلي القاري، ص٨٩-٩٠، ط مطبعة الحلبي، مصر، سنة ١٣٧٥هـ.
[ ١٠٠ ]
تلازمًا في الوجود، إذ لا يمكن أن يوجد إيمان صحيح إلا ومعه إسلام، كنتيجة حتمية، كما أن الإسلام المعتبر لا بد له من إيمان يصححه. وهذا الرأي - كما عرفنا - هو الرأي الثالث من آراء السلف في هذه المسألة، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لاجتماع الأدلة عليه، كما بينا ذلك في موضعه.
رأي أبي حنيفة في زيادة الإيمان ونقصه:
أما عن رأيه ﵀ في زيادة الإيمان ونقصه، فقد أجمعت المصادر التي تحكي رأيه في هذه المسألة على أنه قد ذهب إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وقد صرَّح هو بذلك فيما وصلنا من كتبه، وفيما يلي نورد بعض النصوص من كتبه لإيضاح مذهبه هذا.
فقد قال ﵀ في كتاب «الوصية»: " والإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنه لا يتصور نقصانه إلا بزيادة الكفر، ولا يتصور زيادته إلا بنقصان الكفر، وكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد في حال واحدة مؤمنًا وكافرًا، والمؤمن مؤمن حقًا، والكافر كافر حقًا، وليس في الإيمان شك، كما أنه ليس في الكفر شك " ١.
ومن النص المتقدم نرى أن أبا حنيفة استدل على عدم زيادة الإيمان ونقصانه، بأن زيادة الإيمان لا يتصور إلا بنقصان الكفر، ونقصانه لا يتصور إلا بزيادة الكفر، واجتماعهما في ذات واحدة في حال واحدة محال، وهذا لأن الكفر ضد الإيمان، وهو تكذيب وجحود، فالإنسان إما مؤمن أو كافر.
ويقول ﵀ في «الفقه الأكبر»: " وإيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص، والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد، متفاضلون في الأعمال " ٢.
_________________
(١) ١ وصية أبي حنيفة، ص١، مخطوطة بمكتبة أسعد أفندي ضمن المكتبة السليمانية، استانبول، رقم ١٢٩٦. ٢ الفقه الأكبر مع شرح علي القاري له، ص٨٧.
[ ١٠١ ]
ويقول ﵀ عن إيمان الملائكة: " وقد علمت أنهم كانوا أطوع منا، وقد حدّثتك أن الإيمان غير العمل، فإيماننا مثل إيمانهم، لأننا صدَّقنا من وحدانية الله، وربوبيته، وقدرته، وبما جاء من عنده، بمثل ما أقرَّت به الملائكة، لأننا آمنا بكل شيئ آمنت به الملائكة، مما عاينته الملائكة من عجائب آيات الله، ولم نعاينه نحن " ١.
فمما تقدم يتجلَّى لنا مذهب أبي حنيفة القائل بأن الإيمان الذي هو التصديق لا يزيد ولا ينقص، والكل متساوون فيه، غير أن التفاضل بين الناس والملائكة والأنبياء حاصل من جهة الأعمال، وتقدم لنا بيان دليله، الذي هو من الغموض بمكان.
وبما أن هذا المذهب غير ملائم لما ورد في النصوص من تصريح بزيادة الإيمان ونقصه، وبما هو معروف في العقل وسليم المنطق من أن الناس لا يمكن أن يتساووا مع أنبيائهم في الإيمان سواء كان تصديقًا فحسب على رأي أبي حنيفة، أو تصديقًا وعملًا كما يراه السلف. كما أنهم لا يمكن أن يكونوا في الإيمان مع الملائكة الذين ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ سواء، بل لا يمكن أن يتصور استواء إيمان العالم والجاهل ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فقد حاول أصحابه، ومؤيدوه توجيه رأيه على نمط لا يتعارض في نظرهم مع النصوص المعارضة له، ومع العقل والمنطق.
ومن ذلك ما قاله شارح الفقه الأكبر: من أن مراد أبي حنيفة لا يزيد ولا ينقص أي من جهة المؤمن به نفسه، لأن التصديق إذا لم يكن على وجه التحقيق يكون في مرتبة الظن والتردد، والظن غير مفيد في مقام الاعتقاد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئا﴾ ٢. فالتحقيق أن الإيمان - كما قال الإمام الرازي - لا يقبل الزيادة والنقصان من حيثية أصل التصديق، لا من جهة اليقين، فإن مراتب أهلها مختلفة في كمال الدين، كما أشار إليه سبحانه
_________________
(١) ١ العالم والمتعلم لأبي حنيفة، ص٥٨. ٢ يونس: ٣٦.
[ ١٠٢ ]
بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ١ فإن مرتبة عين اليقين، فوق مرتبة علم اليقين، وكذا ورد " ليس الخبر كالمعاينة " وإن قال بعضهم: لو كشف الغطاء ما ازددت إلا يقينًا، يعني أصل اليقين، لمطابقة علم اليقين في ذلك الحين، وهو لا ينافي زيادة اليقين عند الرؤية، كما هو مُشاهَد لمن له علم بالكعبة في الغيبة، ثم حصل له المشاهدة في عالم الحضرة، وعلى هذا فالمراد بالزيادة والنقصان القوة والضعف، فإن التصديق بطلوع الشمس أقوى من التصديق بدحوث العالم، وإن كانا متساويين في أصل تصديق المؤمن به.
ونحن نعلم قطعًا أن إيمان آحاد الأمة، ليس كإيمان النبي ﷺ، ولا كإيمان أبي بكر الصديق ﵁، باعتبار هذا التحقيق وهذا معنى ما ورد: لو وُزن إيمان أبي بكر الصديق ﵁ بإيمان جميع المؤمنين لرجح إيمانه، يعني لرجحان إيقانه، ووقار جنانه، وثبات اتقانه، وتحقيق عرفانه، لا من جهة ثمرات الإيمان، من زيادات الإحسان، لتفاوت أفراد الإنسان من أهل الإيمان في كثرة الطاعات وقلة العصيان، وعكسه في مرتبة النقصان مع بقاء أصل وصف الإيمان في حق كلٍّ منهما بنعت الإيقان، فالخلاف لفظي بين أرباب العرفان٢ اهـ.
ويتلخص توجيهه لكلام أبي حنيفة في أن المراد بالإيمان الذي لا يزيد ولا ينقص هو أقصى درجات اليقين، الذي ليس بعده إلا الشك، فهو الذي يتساوى فيه الناس وهو الذي لا يزيد ولا ينقص، أو أن المراد لا يزيد ولا ينقص باعتبار الشيئ المؤمَن به. وقد أجابوا عن الآيات المصرِّحة بالزيادة مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانا﴾ أن معناها زادتهم إيقانًا، لأن اليقين درجات، أو أن ذلك مؤول بأن المراد زيادة الإيمان بزيادة نزول المؤمَن به أي القرآن ٣.
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٦٠. ٢ علي القاري، شرح الفقه الأكبر، ص٨٧، ط مطبعة الحلبي، مصر، سنة ١٣٧٥هـ - ١٩٥٥م. ٣ المصدر نفسه.
[ ١٠٣ ]
كما ذكر شارح وصية ابي حنيفة أن ذلك إنما هو في حق الصحابة ﵃، لأن القرآن كان ينزل في كل وقت فيؤمنون به، فيكون زيادة على الأول، وأما في حقنا فلا، لانقطاع الوحي ١.
وقد ذهب بعضهم في الجمع بين رأي أبي حنيفة هذا وبين الآيات المصرحة بزيادة الإيمان إلى القول بأن الزيادة محمولة على الزيادة في ثمرات الإيمان بالأعمال الصالحة فتكون الزيادة في كمال الإيمان لا في أصله ٢. ولا يخفى أن هذا الرأي الأخير لا يتفق مع رأي أبي حنيفة الذي يجعل العمل مغايرًا للإيمان، وثمرة الشيئ تحمل اسمه، ولم يقلْ أبو حنيفة أن الأعمال إيمان. وعلى كل حال، فهذه التأويلات، والمحاولة للتوفيق لرأي أبي حنيفة مع ما خالفه من صريح النصوص القرآنية، والحديثية التي تنطق صراحة وبدون أدنى شبهة بالزيادة في الإيمان فيها تكلُّف وعنت، لا ينبغي للعلماء أن يطرقوه، وهم يعلمون عدم ملاءمته، من أجل تبرير خطأ أحد الأئمة وقد عُرِف عنه الالتزام بالنص والحثِّ على الالتزام به، واتباع تعاليمه، والضرب برأيه عرض الحائط إذا خالفه.
رأيه في مرتكب الكبيرة:
أما عن مرتكب الكبيرة فمذهب أبي حنيفة فيه، هو عين مذهب السلف، إذ جعله تحت المشيئة بين الخوف والرجاء، مما حدا بشارح العقيدة الطحاوية أن يعتبر الخلاف بينه وبين السلف، فيما سبق تقريره في حقيقة الإيمان خلافًا لفظيًا، حيث قال: " والاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة اختلاف صوَريّ، فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب، أو جزءًا من الإيمان مع الاتفاق على أن مرتكب
_________________
(١) ١ الجوهرة المنيفة شرح وصية أبي حنيفة لحسين السكندري، ص٥، مخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم٢٨٨. ٢ انظر: شرح عقائد الطحاوي لأكمل الدين الباباراني، مخطوطة بمكتبة أسعد أفندي، استانبول، غير مرقمة الصفحات. وشرح المقاصد للتفتازاني، ج٢ ص٢٦٢.
[ ١٠٤ ]
الكبيرة لا يخرج من الإيمان بل هو في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، نزاع لفظي، لا يترتب عليه فساد اعتقاد " ١.
وبهذا القدر نكتفي في بيان مذهب الإمام أبي حنيفة في الإيمان، الذي نلخصه في النقاط التالية:
١ - أن الإيمان تصديق وإقرار، والعمل خارج عنه ومغاير له.
٢ - ملازمة الإسلام للإيمان مع افتراق مفهوميهما.
٣ - أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأهله متساوون فيه.
٤ - أن مرتكب الكبيرة تحت المشيئة، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، مع بقاء إيمانه. وإن عذبه فإنه لا يخلده في النار.
أبو حنيفة ومذهب الإرجاء:
وبعد، فقد رمى جماعة من العلماء أبا حنيفة بالإرجاء، وعدوه من جملة المرجئة. ومن هؤلاء العلماء الذين وجّهوا هذا الاتهام إلى الإمام أبي حنيفة، شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب «الإيمان» ٢، والإمام أبو الحسن الأشعري في «المقالات» ٣. وقد برّروا موقفهم هذا من أبي حنيفة بأنه جعل الإيمان تصديقًا وإقرارًا فقط، وأخّر العمل عن الركنية فيه. وأبو الحسن الأشعري يقول بأنه جعله معرفة وإقرارًا. فإذا كان أبو حنيفة قد أخر العمل عن الركنية في الإيمان، ولم يجعله جزءًا منه، وقال: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، والناس فيه سواء، وهذا بعينه ما ذهبت إليه المرجئة فأبو حنيفة لهذا مرجئ، هذا ما قاله من اتهم أبا حنيفة بالإرجاء.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية، ص٣١٢، ط المكتب الإسلامي للطباعة والنشر. ٢ انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية، ص١٦٣، ط المكتب الإسلامي للطباعة والنشر. ٣ انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري، ج١ ص٢١٩، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ط٢ سنة ١٣٨٩هـ.
[ ١٠٥ ]
ولكني أقول: إن تأخير العمل عن الركنية في الإيمان، قد قال به أبو حنيفة ولا ريب وهو أحد أنواع الإرجاء وأبو حنيفة بهذا المعنى، وهو ما يُسمِّيه أصحابه، ومن ذهب مذهبه إرجاء السنة، أي أن السنة تدل عليه، فلا ضير فيه على رأيهم.
لكن الإرجاء الذي عُرف بالذم بين جميع الطوائف الإسلامية هوما تقدم تقريره من أنه إعطاء العاصي الرجاء، وإطماعه في عفو الله، بجعله في حل مما يقول وما يفعل، وذلك لقول أصحابه: " لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة ". وأبو حنيفة وإن خالف السلف بتأخيره العمل عن الركنية في الإيمان فإنه لم يدْعُ برأيه هذا أرباب الشهوات، لإشباع شهواتهم، وتحقيق رغباتهم، باللعب بالمحظورات، وانتهاك أستار الشريعة الإسلامية الغرّاء. كما فعل المرجئة الذين رفعوا اللوم عن العصاة وفتحوا لهم الطريق إلى هتك محارم الله، دون خشية من عقاب الله تعالى، إذ أن الإنسان في حل مما يفعل، فلا تثريب عليه أبدًا إذا هو اتصف بالإيمان، الذي هو عبارة عن التصديق عندهم فحسب. وأبو حنيفة، حاشاه أن يقول بهذا القول، أو يقف ذلك الموقف. فلا يجوز لنا أن نَصِفه بالإرجاء المطلق، لأن الإرجاء الذي يتبادر إلى الذهن، هو ذلك القول الذي لا يقول به مسلم أبدًا.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن أبا حنيفة قال بخلاف ما قال به السلف حيث جعلوا العمل ركنًا في الإيمان، أما أبو حنيفة فأخره عن الركنية، لكنه لم يهمله كما أهمله المرجئة. فنحن نعلم جميعًا أنه ﵀ إمام جليل برع وبرز في مجال تقرير التشريعات العملية، ومذهبه في الفقه الإسلامي يُعتبر أوسع المذاهب فقد أفنى عمره في سبيل بيان الواجب والمحرم، والمستحب والمباح. وفي هذا المجال يقول الشهرستاني مدافعًا عن أبي حنيفة: " كان يقال لأبي حنيفة وأصحابه مرجئة السنة، وعدَّه كثير من أصحاب المقالات من جملة المرجئة ولعلَّ السبب فيه أنه لما كان يقول: الإيمان هو التصديق بالقلب وهو لا يزيد ولا ينقص، ظنوا أنه يؤخر العمل عن الإيمان والرجل مع تخريجه في العمل، كيف يفتي بترك
[ ١٠٦ ]
العمل ". فوصفه بالإرجاء مطلقًا غير لائق - إذ أن قوله يختلف عن قول المرجئة ومنهجه مغاير لمنهجهم الإباحي، كما أسلفنا بيان ذلك.
وأما قوله بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فهذا مخالف لما عليه السلف أيضًا من زيادة الإيمان ونقصه، وما ذكر من تأويلات لهذا القول فيها تكلف لا يطاق، فلا يسعنا إلا أن نقول: رحم الله أبا حنيفة وغفر له، فقد قال هنا بما يخالف كتاب الله وسنة رسوله مع جزمنا بأن ذلك كان من غير قصد منه للمخالفة، بل اجتهاده في فهم مدلولات النص أداه إلى هذا. ومعلوم من منهجه ﵀ كما علمنا من منهج أمثاله من الأئمة، أنه لا يتعصب لرأيه في حال اكتشاف خطئه، فالجميع كما قال الإمام مالك ﵀: " ما منا إلا رادّ ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر - مشيرًا إلى رسول الله ﷺ ".
على أن هناك خبرًا ذكره شارح العقيدة الطحاوية فيه ما يدل على رجوع أبي حنيفة عن رأيه في الإيمان إلى رأي السلف ﵏ حيث قال: وقد حكى الطحاوي حكاية عن أبي حنيفة مع حماد بن زيد، وأن حماد بن زيد لما روى له حديث: أيّ الإسلام أفضل الخ. قال له: " ألا تراه يقول: أي الإسلام أفضل "، قال: " الإيمان، ثم جعل الهجرة والجهاد من الإيمان؟ " فسكت أبو حنيفة، فقال بعض أصحابه: " ألا تجيبه يا أبا حنيفة؟ " قال: " بما أجيبه وهو يحدثني عن رسول الله ﷺ ".
[ ١٠٧ ]
الفصل الرابع
الجهمية
أصحاب جهم بن صفوان الترمذي، ومذهبهم في الإيمان أنه مجرد المعرفة بأن الله هو الرب الخالق لكل شيئ، وكانوا يقولون: إن الناس متساوون في هذه المعرفة كأسنان المشط - لا يزيد أحد فيها على الآخر، ولا ينقص عنه، ومن أتى بتلك المعرفة، ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده، لأن المعرفة والعلم لا يزولان بالجحد، والإيمان لا يتبعض إلى عقد، وقول وعمل، ولا يتفاضل أهله فيه ومن أجل رأيهم هذا في الإيمان عدَّهم أبو الحسن الأشعري في كتابه «مقالات الإسلاميين» من فرق المرجئة ١ كما تقدم.
فإذًا الجهمية ترى أن الإيمان عبارة عن شيئ واحد، وهو المعرفة، وأنه لا يزيد ولا ينقص، والناس فيه سواء. ومع ملاحظتنا أن أكثر الباحثين في الفرق وعقائدها تذكر أن جهمًا يرى أن الإيمان هو المعرفة، ولا ينوِّعون التعبير عن هذه المعرفة بالتصديق، وذلك لاعتقادهم الفرق بين اللفظين وسيأتي بيان تفريقهم عند ذكر مذهب الأشاعرة.
بينما نرى جماعة أخرى من الباحثين تذكر مذهب جهم في الإيمان
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين للأشعري، ج١ ص٢١٣-٢١٤. وانظر: مقالتهم في الملل والنحل للشهرستاني، ج١ ص٨٨، والفرق بين الفرق للبغدادي، ص٢١١.
[ ١٠٨ ]
على أنه التصديق وذلك لأنهم لا يفرِّقون بين التصديق والمعرفة كما فرَّق غيرهم، وكلاهما يرجع إلى القلب وهما شيئ واحد، ومن هؤلاء الباحثين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث ذكر أن جهمًا قال بأن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، ولم يجعل أعمال القلوب من الإيمان ١.
ثم يذكر في موضع آخر أنه لا فرق بين المعرفة والتصديق حيث قال: " الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالي عن الانقياد، الذي يجعل قول القلب أمرًا دقيقًا، وأكثر العقلاء ينكرونه، وبتقدير صحته، لا يجب على أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق بينهما، وأكثر الناس لا يتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه " ٢. ورأي ابن تيمية هذا في نظري صحيح، ولكن الفرق بين رأي جهم ورأي غيره ممن قال بأن الإيمان هو التصديق فرق جوهري، لأن جهمًا جعله تصديقًا مجردًا عن الانقياد القلبي فمن عرف الله بقلبه فهو المؤمن، ولا يشترط أن يتبع تلك المعرفة خضوعًا له وانقيادًا، فيكون قد صدَّقه بقول قلبه وعمل قلبه محبة وتعظيمًا.
أما الآخرون الذي قالوا بأن الإيمان مجرد التصديق، فإنهم يقصدون تصديق القلب وانقياده بإدخال أعمال القلوب فيه بأن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ويصدقه في جميع ما نزل من الوحي الإلهي. فيكون الفرق بين المذهبين أن جهمًا جعل الإيمان تصديقًا مجردًا عن أعمال القلب، بينما غيره أدخل فيه أعمال القلوب. وقد تابع شيخ الإسلام في رأيه هذا الشيخ محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي في كتابه «لوامع الأنوار البهيَّة» ٣.
ورأي جهم في الإيمان الذي تقدم ذكره تكاد تجمع المصادر التي تذكر آراءه على أنه قد قال به، ودعا إليه.
فالإيمان إذن عند جهم لا يتناول إلا الباطن، بحيث أن الإنسان إذا
_________________
(١) ١ كتاب الإيمان لابن تيمية، ص١٥٧. ٢ ابن تيمية، المصدر السابق ص٣٤٠. ٣ ج١ ص٣٦٣، ط١ بمطبعة مجلة المنار، مصر، سنة ١٣٢٤هـ.
[ ١٠٩ ]
أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده، فالمعرفة بالله فحسب شرط العقد، والعلم والمعرفة لا تزول بنطق اللسان. كما أن الإيمان لا يتبعض إلى قول، وعقد وعمل، والناس فيه سواء، لأن المعرفة شيئ واحد لا تفاضل فيه.
ولا شك أن مذهب جهم هذا من أقبح المذاهب في مجال الإيمان وأكثرها تطرّفًا وشذوذًا. وقد وقفت منه جميع الطوائف الإسلامية موقف الرفض والإنكار، لأنه يُدخل في الإيمان ما عُلِم ضرورة وبداهة خروجه منه، ومع هذا فقد حاول تاج الدين السبكي أن يجد مخرجًا للجهم حيث قال: وأما جهم فنحن على قطع بأنه رجل مبتدع ومع ذلك لا أعتقد أنه ينتهي إلى القول بأن من عاند الله وأنبياءه ورسله، وأظهر الكفر وتعبد به يكون مؤمنًا، لكونه عرف بقلبه، فلعل الناقل عنه حمل اللفظ ما لا يطيقه، أو جازف كما جازف في النقل عن غيره١. وقد أشار بذلك إلى ابن حزم الذي أشرك الأشعري مع الجهم في هذا المذهب ٢. أما هذا المذهب فلم يختص ابن حزم بذكره عن الجهم، بل اشتهر بين جميع محرري المذاهب، لذلك من الخطأ أن نصفه بالمجازفة في النقل. وأما إشراك الأشعري معه فيه فهذا ما لا نوافق عليه، لأنه حين قال أولًا إن الإيمان هو التصديق لم يقصد مجرد العلم - بل قصد بذلك علم القلب وعمله - بأن يعلم ثم يتبع ذلك بالانقياد القلبي، الذي هو عمل القلب. مع أن الأشعري رجع أخيرًا إلى القول بقول السلف وأنه قول وعمل يزيد وينقص كما هو موجود في الإبانة، والمقالات٣.
ولا شك أن جهمًا قال قولًا شر من قول المرجئة، وأشد خطرًا منه،
_________________
(١) ١ السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، طبقات الشافعية، ج١ ص٩١، تحقيق محمود محمد الطناحي، وعبد الفتاح محمد الحلو، ط١ مطبعة عيسى الحلبي، سنة ١٣٨٣هـ. ٢ ابن حزم، الفصل في الملل والنحل، ج٣ ص١٨٨. ٣ انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري،ج١ ص٣٤٧.
[ ١١٠ ]
إذ أنه جعل مجرد العلم الذي لا انقياد معه إيمانًا، كما جعل الكفر الذي هو ضد الإيمان مجرد الجهل بما كان ينبغي أن يُعرف، فهو ولا شك مرجئ. ولكنه بالغ في الإرجاء حتى كان مذهبه يفوق مذهبهم من حيث الفساد، وسفاهة الرأي، والجهم كما عرفنا يرى أن إيمان الناس سواء لا تفاضل بينهم فيه، لأنهم لم يُكلَّفوا في الإيمان إلا بالمعرفة المجردة. والعصاة قال فيهم بقول المرجئة فجعلهم في حل مما يفعلون، وذلك بناء على رأيه في الجبر، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة، إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل وأن الناس إنما تُنسَب إليهم أفعالهم على المجاز، كما يقال: تحركت الشجرة، ودار الفلك. فالإنسان عنده كالريشة المعلقة في مهب الريح فكيف يؤاخذ على أعمال لا قدرة له عليها. ولا شك أن هذا المذهب ظاهر الفساد فالله ﷾ خلق الإنسان وأعطاه القدرة على أن يفعل أو لا يفعل فهو مخير بين الفعل وتركه لا مجبور عليه، فأعطاه القدرة ووضع القيود، فإذا فعل فعل باختياره، وقدرته، وإذا ترك كذلك، فهو مؤاخذ على فعله وتركه لأنه بقدرته واختياره.
ثم إن المصادر التي ذكرت رأيه في الإيمان لم تذكر له دليلًا عليه. ونشأة الجهم، وكثرة مخالفاته، وسيرته الشريرة، تُنبئنا عن أنه قال أقوالًا يعرف أنها فاسدة، ولكن هواه قاده إلى تبنِّيها. ولا نكلف أنفسنا عناء البحث عن أدلة رأي لا يُقرِّه عقل، فضلًا عن أن يسنده ويقرره دين، والأمة بأسرها أجمعت على فساده وتفاهته، وبطلانه معلوم من الدين بالضرورة، وليس جهم ممن يُعتدُّ برأيه، ولولا الوفاء بالمذاهب في الإيمان لما تطرقت إلى ذكره. وقد أدى هذا الأصل من أصول عقيدة جهم إلى هجوم السلف عليه، وسنبين عند ذكرنا لموقفهم من آراء المتكلمين، ما ردوا به عليه، وألزموه به من إلزامات تدل على فساد مذهبه، وخروجه على مجال العقيدة الصحيحة.
[ ١١١ ]
الفصل الخامس
الكرامية
أتباع أبي عبد الله محمد بن كرام السجستاني، ومذهبهم في الإيمان، أنه عبارة عن أمر واحد لا تعدد فيه، فهو إقرار باللسان فقط.
وقد ذكر هذا الرأي عن الكرامية جميع كتب الفرق تقريبًا، فقد ورد عنهم قولهم في الإيمان: إنه هو الإقرار المجرد، وليس من شرط كونه إيمانًا وجود التصديق والمعرفة. ويزعون أن مَن اعتقد الكفر بقلبه، وأقر بلسانه بالصانع، وبالكتب والرسل، وغير ذلك من أركان الإيمان كان مؤمنًا حقًا بإقراره، وكان المنافقون في عهد رسول الله ﷺ مؤمنين حقًا ١.
ويقول أبو المظفر الإسفرائيني عن الكرامية: ومن بدعهم في باب الإيمان قولهم: إن الإيمان قول مجرد، لا هذا القول الذي يقوله القائل الآن أنه لا إله إلا الله، ولكن هذا القول الذي صدر عن ذرية آدم في بعث الميثاق، حين قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ٢ ويقولون: إن ذلك القول قول
_________________
(١) ١ انظر: تبصرة الأدلة، لأبي المعين النسفي، ص٣٣٣، مخطوط بمكتبة الأزهر، تحت رقم ٤٤٠٦، وبحر الكلام في علم العقائد للمؤلف نفسه، ص٢٠، مخطوط بمكتبة علي باشا، ضمن المكتبة السليمانية باستانبول، وكتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ج٣ ص١٨٨. ٢ الأعراف: ١٧٢.
[ ١١٢ ]
باقٍ أبدًا لا يزول حكمه، إلا أن يرتد عنه، فحينئذٍ يزول حكمه. وقالوا: إن الزنديق أو المنافق إذا قال بلسانه لا إله إلا الله وفي قلبه النفاق والزندقة فهو مؤمن حقًا، وإيمانه كإيمان جبريل، وميكائيل، وجميع الأنبياء والأولياء١.
فمن النصوص سالفة الذكر عن مذهب الكرامية، نرى أنها تعتقد إيمان المنافق وغيره من كل من خالف باطنه ظاهره، وأنهم مؤمنون حقًا، إذا شهدوا أن لا إله إلا الله بألسنتهم، حتى وإن أشركوا معه غيره في عبادته، أو فعلوا ما فعلوا من المخالفات مهما كان نوعها. غير أن ما ذكره الإسفرائيني من أن الكرامية تقصد بالقول، ذلك الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين بعثهم في عالم الذرِّ محل نظر، لأن هذا يقتضي أن يكون جميع الناس مؤمنين ما لم ينطقوا بالكفر، والكرامية إنما قالت أن من شهد بلسانه أن لا إله إلا الله ظاهرًا الآن هو المؤمن، ولم تكتف بالقول السابق في عالم الذرِّ.
ونفهم مما تقدم أيضًا أن الكرامية لا تشترط للإيمان موافقة الظاهر للباطن. ومن أقر بلسانه فهو في الإيمان مع الأنبياء والملائكة وغيرهم درجة واحدة، بمعنى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بين مذهب هذه الفرقة على نحو آخر فقال: والكرامية يقولون: المنافق مؤمن، وهو مخلد في النار، لأنه آمن ظاهرًا لا باطنًا، وإنما يدخل الجنة، من آمن ظاهرًا وباطنًا والكرامية توافق المرجئة والجهمية في أن إيمان الناس كلهم سواء، ولا يستثنون في الإيمان، بل يقولون هو مؤمن حقًا، لمن أظهر الإيمان، وإذا كان منافقًا فهو مخلد في النار عندهم، فإنه إنما يدخل الجنة من آمن باطنًا وظاهرًا، ومن حكى عنهم أنهم يقولون: المنافق يدخل الجنة، فقد كذب عليهم، بل يقولون المنافق مؤمن، لأن الإيمان هو القول
_________________
(١) ١ التبصير في الدين للإسفرائيني، تحيق محمد زاهد الكوثري، ص٦٩، ط١ مطبعة الأنوار سنة ١٣٥٩هـ - ١٩٤٠م.
[ ١١٣ ]
الظاهر ١. وقد ذكر ﵀ أن هذا القول ينفرد به الكرامية، فلم يسبقهم أحد إليه.
ومن تقرير شيخ الإسلام ﵀ نرى أن الكرامية إنما يطلقون على المنافق اسم المؤمن ويعتبرونه مؤمنًا حقًا باعتبار ما ظهر منه من إقرار، غير أن الإ يمان الذي يُدخل صاحبه الجنة يُشترط فيه عندهم أن يطابق الباطن، حتى يستحق الجنة، وعليه فإن المنافقين مخلدون في النار، فهم إنما يخالفون الجماعة في الاسم دون الحكم. كما أن الإيمان واحد في جميع الناس، فهم وإن أوجبوا المعرفة والتصديق، لكن يقولون لا يدخل في اسم الإيمان حذرًا من تبعضه وتعدده، إذ أنهم يرون كرأي الخوارج أن الإيمان لا يمكن ذهاب بعضه، وبقاء بعضه، مثلهم في ذلك، مثل من اقتصر على التصديق في الإيمان وأوجب العمل، إلا أنه لا يدخله في اسم الإيمان.
فالكرامية إذًا فرقوا بين تسمية المؤمن مؤمنًا فيما يرجع إلى أحكام الظاهر والتكليف، وفيما يرجع إلى أحكام الآخرة والجزاء، فالمنافق عندهم مؤمن في الدنيا على الحقيقة، مستحق للعقاب الأبدي في الآخرة. وهذا ما يستفاد من بيان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
غير أن الرأي الذي أستنتج موافقة ابن تيمية عليه، هو أنهم يرون أن العصاة إذا أقروا بألسنتهم، وتحقق شرط موافقة الباطن لذلك الإقرار فلا تثريب عليهم فيما فعلوا من المعاصي والمنكرات، كما هو رأي المرجئة الخالصة.
أدلة الكرامية:
وقد استدل الكرامية بظاهر حديث: " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة " ٢ وقوله ﵇: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله
_________________
(١) ١ كتاب الإيمان لابن تيمية، ص١١٨. ٢ انظر: بحر الكلام لأبي المعين النسفي، ص٢٠، مخطوط بمكتبة علي باشا ضمن المكتبة السليمانية باستانبول، رقم ١٥٧١.
[ ١١٤ ]
إلا الله ". كما ذكر ابن تيمية دليلهم على شمول الإيمان للمنافق، فقال: " قالوا: والدليل على شمول الإيمان له أنه يدخل في الأحكام الدنيوية المتعلقة باسم الإيمان كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ويخاطب في الظاهر بالجمعة، والطهارة وغير ذلك مما خوطب به الذين آمنوا ".
وعلى كل حال، فإن التصويرين السالفين يُدخلان ابن كرام في جملة المرجئة الخالصة إذ هو يتفق معهم في شأن العصاة، وأنهم من أهل الجنة إذا أقرُّوا بألسنتهم - الذي به يُعتبرون مؤمنين حقيقة، وجاءوا بالواجب عليهم، وهو التصديق القلبي. وأن إيمان الناس سواء فلا زيادة في إيمان أحدهم على إيمان الآخر لأنه عبارة عن أمر واحد لا تبعض فيه.
أما حكمه على المنافقين، فإنني لا أعتقد أنه يصل من الجرأة إلى حدِّ حكمه لهم بالجنة، وقد قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ولعل ما ذكره ابن تيمية من اشتراطهم موافقة الباطن للظاهر، فيكون المنافقون مخلَّدين في النار هو الصواب.
[ ١١٥ ]
*
الفصل السادس: المعتزلة
*
الفصل السادس
الإيمان عند المعتزلة
المعتزلة فرقة من أشهر الفرق الإسلامية التي ظهرت في القرون الأولى من تاريخ الإسلام، فقد كان ظهورهم في أيام عبد الملك بن مروان، وهشام بن عبد الملك. وكانت لهم آراء انفردوا بها عن غيرهم من الطوائف الإسلامية الأخرى، من أشهرها القول بخلق القرآن، الذي امتُحِن فيه عدد كبير من الأئمة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه، وهم جماعة عقليون، يمجدون العقل، ويجعلونه مهيمنًا حتى على الوحي المنزل من عند الله، فهو عندهم المرجع الأول، والأخير، وهم فرق كثيرة، لها أصول تجتمع عليها، وتفترق فيما سواها، ومن أسمائهم أصحاب العدل والتوحيد، ويُلقَبون بالقدرية والعدلية.
وقد ذكر مؤرخو الفرق أن المعتزلة كان ظهورها أول ما ظهرت من مجلس الحسن البصري، حيث كان زعيمها واصل بن عطاء الغزال تلميذًا له، ثم اعتزل مجلسه أخيرًا بسبب رأيه في مرتكب الكبيرة، الذي من أجله سُمِّي هو وأصحابه معتزلة، وهذه المسألة هي نقطة البدء في حياتهم. فقد ذكر الشهرستاني ما معناه أن الحسن البصري كان ذات يوم جالسًا في مجلسه، فدخل عليه رجل وقال له: " يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به من الملة وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركنًا في الإيمان، ولا يضرّ
[ ١١٩ ]
مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادًا "، فبينما كان الحسن يفكر في الجواب، سبقه واصل فقال:" أنا أقول إن صاحب الكبيرة لا مؤمن مطلقًا، ولا كافر مطلقًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن، ولا كافر ". ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد، يقرر مذهبه الجديد هذا على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن:" اعتزل عنا واصل "، فسُمي هو وأصحابه معتزلة اهـ. (بتصرف) .
فمن هذه القصة يتبين لنا أن سبب تسمية هذه الفرقة بالمعتزلة هو إما اعتزالهم مجلس الحسن، أو اعتزالهم رأي الأمة كلها في مرتكب الكبيرة. ولا مانع من أن يكون الأمران جميعًا هما سبب هذه التسمية. وقد ذكر أحمد بن يحيى بن المرتضى أن سبب التسمية بهذا الاسم هو الأول، أي اعتزالهم مجلس الحسن.
كما ذكر الرأي الآخر، وبين أن هناك من يجعله سبب التسمية. والمعتزلة اثنتا عشرة طبقة، كما عدها صاحب كتاب «طبقات المعتزلة» حيث ابتدأهم بالصحابة رضوان الله عليهم - وليس ذلك غريبًا فكل فرقة تدَّعي أن رأيها هو بعينه رأي الصحابة - وانتهاءًا بأصحاب القاضي عبد الجبار بن أحمد.
[ ١٢٠ ]
المبحث الأول
حقيقة الإيمان عند المعتزلة
يرى المعتزلة أن الإيمان الشرعي المعتبر مركب من أجزاء ثلاثة: اعتقاد بالقلب، وتصديق باللسان، وعمل بالجوارح. وهم بهذا يوافقون السلف الذين قالوا بهذا القول، واستدلوا له من الكتاب والسنة، وإنما الخلاف بين الفريقين يكمن في حكم العصاة من المؤمنين وليس هذا موضع إيضاح لجوهر هذا الخلاف فلذلك موضعه، غير أننا هنا نكتفي ببيان مذهب المعتزلة على حقيقته فنقول:
إن الألفاظ المعبِّرة عن هذا المذهب قد اختلفت من باحث لآخر. وقبل بيان المراد من جميع ما أورده العلماء من تعريفات للإيمان على مذهب هذه الفرقة أبدأ بسرد بعض ما ورد من تلك الألفاظ. فهذا أبو محمد ابن حزم الأندلسي يحكي عن المعتزلة وغيرهم قولهم: إن الإيمان هو المعرفة بالقلب بالدين، والإقرار به باللسان والعمل بالجوارح، وإن كل طاعة وعمل خير فرضًا كان أو نافلة فهي إيمان ١. وحكى البغدادي عنهم قولهم برجوع الإيمان إلى جميع الفرائض مع ترك الكبائر ٢. أما ابن تيمية فحكى
_________________
(١) ١ ابن حزم، أبو محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج٣ ص١٨٨. ٢ البغدادي، أبو منصور، عبد القاهر بن طاهر التميمي، أصول الدين، ص٢٤٩، ط١ مطبعة الدولة باستانبول، سنة ١٣٤٦هـ - ١٩٢٨م.
[ ١٢١ ]
عنهم قولهم: إن الإيمان جماع الطاعات١. إلى غير ذلك من المصادر التي تحكي عنهم قولًا واحدًا، نأتي بعد ذلك إلى أبي الحسن الأشعري حيث ذكر عنهم أقوالًا ستة، فقال:
واختلفت المعتزلة في الإيمان ما هو على ستة أقاويل:
١ - فقال قائلون: الإيمان هو جميع الطاعات فرضها ونفلها. وإن المعاصي ضربان: منها ما هو صغائر، ومنها ما هو كبائر. وإن الكبائر على ضربين، منها ما هو كفر، ومنها ما ليس بكفر الخ.
والقائل بهذا القول هم أصحاب أبي الهذيل، وإلى هذا القول كان يذهب أبو الهذيل.
٢ - وقال هشام الفوطي: الإيمان جميع الطاعات فرضها ونفلها، والإيمان على ضربين، إيمان بالله، وإيمان لله، ولا يقال إنه إيمان بالله.
٣ - وقال عباد بن سليمان: " الإيمان هو جميع ما أمر الله سبحانه به من الفرض وما رغب فيه من النفل، والإيمان على وجهين: إيمان بالله وهو ما كان تاركه أو تارك شيئ منه كافرًا كالملة،والتوحيد، والإيمان لله إذا تركه تارك لم يكفر "اهـ.
٤ - وقال إبراهيم النظام: الإيمان اجتناب الكبائر
٥ - وقال آخرون: الإيمان اجتناب ما فيه الوعيد عندنا وعند الله
٦ - وكان محمد بن عبد الوهاب الجبائي يزعم أن الإيمان لله هو جميع ما افترضه الله سبحانه - على عباده، وأن النوافل ليست بإيمان وأن كل خصلة من الخصال التي افترضها الله سبحانه فهي بعض إيمان لله ٢ اهـ.
_________________
(١) ١ ابن تيمية، كتاب الإيمان، ص٢٨٠،، دمشق، ط المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، بدون تاريخ. ٢ انتهى باختصار، نقلًا عن مقالات الإسلاميين للأشعري، بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ج١ ص٣٢٩-٣٣١.
[ ١٢٢ ]
وهكذا فإن أغلب مؤرخي الفرق يحكي عن المعتزلة اتفاقهم على قول واحد، أما أبو الحسن الأشعري فجعل آراءهم ستة. وبعد إمعان النظر في ذلك كله وجدت أن جميع الآراء التي ذكرها الأشعري بالإضافة إلى ما تقدم، ترجع في جملتها إلى رأيين اثنين لا ثالث لهما.
والخلاف في تعدد الآراء إنما يرجع إلى اللفظ لا إلى الحقيقة، وهذان الرأيان هما:
١ - إن الإيمان هو جميع الطاعات فرضها ونفلها، واجتناب الكبائر.
٢ - إن الإيمان هو جميع الطاعات الفرض منها دون النفل، واجتناب الكبائر وقد ذكر هذين الرأيين القاضي عبد الجبار حيث قال: الإيمان عند أبي علي وأبي هاشم عبارة عن أداء الطاعات الفرائض دون النوافل، واجتناب المقبَّحات. وعند أبي الهذيل عبارة عن أداء الطاعات الفرائض منها والنوافل واجتناب المقبَّحات. قال المعلق: وهو الصحيح من المذهب الذي اختاره قاضي القضاة١.
ورأي المعتزلة الذي تتفق عليه والذي يبدو واضحًا من التعريفين السالفين هو جعل الطاعات المفروضة من الإيمان وهذا هو بعينه مذهب الزيدية الذين يوافقونهم في هذا الباب٢. والخلاف كما هو واضح ينحصر بينهم في النوافل هل هي داخلة في الإيمان أو لا. وحينما يعبرون بالطاعات فإنهم يقصدون الطاعات التي تصدر عن القلب، فطاعته اعتقاده وتصديقه، وعن اللسان وطاعته قوله الخير وتعبيره عما في قلبه، والعمل ببقية الجوارح
_________________
(١) ١ انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار، تعليق الإمام أحمد بن الحسين بن أبي هاشم، وتحقيق الدكتور عثمان، ص٧٠٧، ط١ مطبعة الاستقلال الكبرى، القاهرة، سنة ١٣٨٤هـ - ١٩٦٥م. ٢ انظر: كتاب العقد الثمين في معرفة رب العالمين للعالم الزيدي الأمير الحسين بن بدر الدين المتوفى سنة ٦٦٢هـ، ط١ مطبوعات دار مكتبة الحياة، بيروت، سنة ١٣٩٢هـ - ١٩٧٢م.
[ ١٢٣ ]
سواء كان ذلك مفروضًا أو نافلة. وقد ذكر أحمد بن يحيى بن المرتضى في كتابه طبقات المعتزلة اجماعهم على هذا المعنى حيث قال: أجمعت المعتزلة على أن الإيمان قول ومعرفة وعمل١.
وإذًا فالمعتزلة قد عوَّلوا على العمل كثيرًا، والعمل عندهم له شأن، لأنه لا قيمة للتكاليف إذا لم يقم بها مَن كُلِّفوا بأدائها، ولهذا جعلوا الإيمان فولًا ومعرفة وعملًا، فالقول لا بد منه حتى يكون كالبيان والإظهار لما في القلب، ولا يمكن أن نميِّز المؤمن من غيره إلا بالنطق باللسان ولا يقلّ العمل عندهم في تحقيق الإيمان عن الركنين الآخرين. وهذا الأمر موضع اتفاق بين المعتزلة والسلف.
أما أدلة المعتزلة على ما ذهبوا إليه في حقيقة الإيمان، فهي بعينها أدلة السلف في هذا الباب، وقد تقدم ذكرها فأكتفي هنا ببيان مثال منها لتتبين الموافقة في طريقة الاستدلال.
فمن أدلة المعتزلة من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (١) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٢) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّا﴾ ٢. يقول القاضي عبد الجبار: إن هذه الآية تدل على أن الإيمان ليس هو القول باللسان، أو اعتقاد القلب على ما ذهب المخالف إليه، ولكنه كل واجب وطاعة، لأنه تعالى ذكر في صفة المؤمنين ما يختص بالقلب، وما يختص بالجوارح لما اشترك الكل في أنه من الطاعات والفرائض ٣.
ومما استدلوا به من الأحاديث النبوية الشريفة: حديث شعب الإيمان - وقد تقدم - فقد ذكره كدليل للمعتزلة على هذا الرأي العالم الزيدي جعفر بن
_________________
(١) ١ أحمد بن يحيى بن المرتضي، طبقات المعتزلة بتحقيق سوسنة ديفلد، ص٨، ط المطبعة الكاثوليكية، بيروت، سنة ١٣٨٠هـ - ١٩٦١م. ٢ الأنفال: ٢-٤. ٣ عبد الجبار بن أحمد، متشابه القرآن، تحقيق الدكتور عدنان محمد زرزور، ج١ ص٣١٢، القاهرة، ط دار النصر للطباعة، بدون تاريخ.
[ ١٢٤ ]
أحمد بن عبد السلام في كتابه «أمالي القاضي عبد الجبار المعتزلي»، وعقب عليه بذكر كلام القاضي عبد الجبار على هذا الحديث حيث قال قاضي القضاة: وإنما أراد ﷺ أن يأتي بالشهادة على معرفة وبصيرة، لا كما ينطق بها المنافق، ودل بذلك على أن الإيمان كما يدخل فيه القول، كذلك يدخل فيه الفعل بالجوارح. وقد ذكر المصنف أدلة مماثلة، وسرد طريقة المعتزلة في الاستدلال بها على هذا النمط، الذي هو بعينه استدلال السلف، فلا داعي لإعادتها.
[ ١٢٥ ]
المبحث الثاني
الصلة بين الإيمان والإسلام
يرى المعتزلة أن الإيمان والإسلام اسمان لمسمى واحد فعندما يذكر الإسلام فهو الإيمان بعينه، وعندما يذكر الإيمان فيراد به الإسلام أيضًا، وإذًا فالترادف بينهما هو ما ذهب إليه القوم، فهذان اللفظان عندهم جُعلا اسمًا لمن يستحق المدح والتعظيم لا فرق بينهما إلا من حيث اللفظ فقط، يدل على هذا ما ذكره القاضي عبد الجبار حيث قال: قولنا مؤمن من الأسماء التي نُقلت من اللغة إلى الشرع، وصار بالشرع اسمًا لمن يستحق المدح والتعظيم، كما أن قولنا مؤمن جُعل بالشرع اسمًا لمن يستحق التعظيم والإجلال، فكذلك قولنا: مسلم، جُعل بالشرع اسمًا لمن يستحق المدح والتعظيم حتى لا فرق بينهما إلا من جهة اللفظ ١.
ثم ساق القاضي بعد ذلك أدلة أصحابه على هذا الرأي حيث استدل أولًا بأن اسم المسلم نقل من معناه اللغوي الذي هو الانقياد والاستسلام إلى معنى شرعي جديد غير معناه اللغوي حيث أصبح في الشرع اسمًا لمن يستحق المدح والتعظيم لأنه لو كان مُبقى على أصله اللغوي لجاز إجراؤه على الكافر إذا انقاد للغير، ومعلوم خلاف ذلك، ولما كان يجوز إجراؤه على النائم والساهي. لأن الانقياد منهما غير مقصود، ولكان يجب أن
_________________
(١) ١ عبد الجبار بن أحمد، شرح الأصول الخمسة بتحقيق الدكتور عبد الكريم عثمان، ص٧٠٥، ط مطبعة الاستقلال الكبرى، القاهرة، سنة ١٣٨٤هـ - ١٩٦٥م.
[ ١٢٦ ]
لا يُسمى الآن بهذا الاسم إلا المشتغل به دون من سبق منه الإسلام، ومتى قيل كذا، قلنا: يلزم على هذا أن لا نسمي أصحاب النبي ﷺ الآن مسلمين حقيقة، وقد عرف خلاف ذلك، وكان يجب أيضًا أن لا يزول هذا الاسم بالندم وغيره، وقد عرف خلافه ١ اهـ. (بتصرف) .
ثم استدل بعد ذلك على هذا النقل - أي نقل اسم الإسلام من معناه اللغوي إلى معناه الشرعي الجديد - استدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٢، فقال: سمى هذه الجُمل دِينًا، ثم بين في آية أخرى أن الدين عند الله الإسلام، ولو كان مُبقى على أصل اللغة لم يصح ذلك، لأنه في الأصل غير مستعمل في إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وهذا كما يدل على أنه غير مُبقى على الأصل، فإنه يدل على أنه لا يجوز إجراؤه إلا على من يستحق المدح والتعظيم كالمؤمن سواء ٣.
وقال أيضًا: ومما يدل على أن الدين والإسلام واحد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٤ والمعلوم أنه لو اتخذ الإيمان دينًا لقُبل منه ٥.
فالآية الأولى استدل بها على أن الإسلام نقل من معناه اللغوي المعروف إلى معنى شرعي فيه انقياد مخصوص ووجه الاستدلال واضح من كلامه. أما هذه الآية الثانية فقد استدل بها على الترادف بين الإيمان والإسلام الشرعيين، ووجه ذلك أن الله ﵎ صرَّح في الآية بأن أيَّ دين غير دين الإسلام فهو مردود مرفوض ولا أحد ينكر أن من اتخذ الإيمان دينًا أن ذلك مقبول بدون جدال، فدل ذلك على اتحاد معنى الإيمان والإسلام، واندراجهما تحت كلمة دين.
_________________
(١) ١ المصدر السابق، ولا يخفى ما في هذا الكلام من تلاعب بالألفاظ ولكن المنهج العقلي عندهم يبرر كل قول يريدونه ويقتنعون به. ٢ البينة: ٥. ٣ عبد الجبار بن أحمد، المصدر السابق ص٧٠٦. ٤ آل عمران: ٨٥. ٥ المصدر السابق.
[ ١٢٧ ]
ومن أدلتهم على الترادف أيضًا قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، قال عبد الجبار: فلو لم يكن أحدهما هو الآخر لكان لا يصح الاستثناء على هذا الوجه.
ويقول أيضًا في كتابه «متشابه القرآن» في بيان المراد من قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، يقول: فإنه لا يدل على أن الإيمان غير الإسلام، وذلك أن المراد بهذا الكلام أنهم لم يؤمنوا في الحقيقة، وانقادوا واستسلموا، فذكر تعالى في حالهم ما ذكره يبين ذلك أنه تعالى قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ومن لم يدخل الإيمان في قلبه البتة لا يكون مسلمًا عند أحد إلا بعض المتأخرين فإنه يقول في مظهر الشهادتين أنه مسلم، لكنه لا يقول مع ذلك أنه مؤمن أيضًا، فلا يقدح خلافه فيما ذكرناه.
إلى غير ذلك مما استدل به القوم على ما ذهبوا إليه من القول بالترادف بين الإيمان والإسلام، من حيث الحقيقة الشرعية، فكما أن الإيمان تصديق وقول وعمل، فكذلك الإسلام وكما أن الإيمان يزيد وينقص، على ما سنبين من مذهبهم في ذلك فكذلك الإسلام يزيد وينقص، وكما أن اسم الإيمان يُسلَب كلية عن مرتكب الذنب الكبير، فكذلك اسم الإسلام. ومذهبهم هذا - أي القول بالترادف بين الإيمان والإسلام قد تقدم في بيان مذهب السلف في هذه الناحية أنه أحد أقوالهم. وأدلة القائلين بالترادف من السلف وغيرهم متقاربة، والله أعلم.
[ ١٢٨ ]
المبحث الثالث
زيادة الإيمان ونقصه
أما عن زيادة الإيمان ونقصه عندهم، فإنهم حين قالوا بتكوّن الإيمان من العناصر الثلاثة السالفة الذكر، وتلك يتفاوت الناس في الإتيان بها من ناحية التكاليف، إذ الناس يتفاوتون في التكليف، فقد يُكلَّف أحدهم بما لم يُكلَّف به الآخر، وذلك مثل الزكاة فإن التكليف بها يخص الغني دون الفقير، إذ الفقير لا مال لديه حتى يزكيه، وكذلك الصلاة فإن الصحيح المعافى مكلف فيها بما لم يكلف به المريض وذلك كالقيام، والوضوء ونحوها، ولهذا فإن الإنسان قد يزيد إيمانه على إيمان غيره بزيادة التكاليف في حقه لعدم قدرة الآخر عليها، فإذًا الإنسان المسلم يزيد إيمانه وينقص عند المعتزلة من هذا الوجه. يقول القاضي عبد الجبار بن أحمد بعد سَوْقِه آية الأنفال السالفة الذكر ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، إن هذه الآية تدل على أن الإيمان يزيد وينقص على ما نقوله، لأنه إذا كان عبارة عن هذه الأمور التي يتخلف التعبد فيها على المكلفين، فيكون اللازم لبعضهم أكثر مما يلزم الغير، فتجب صحة الزيادة والنقصان، وإنما يمتنع ذلك لو كان الإيمان خصلة واحدة هو القول باللسان أو اعتقادات مخصوصة بالقلب ١.
_________________
(١) ١ عبد الجبار بن أحمد، متشابه القرآن، تحقيق الدكتور عدنان محمد زرزور، ج١ ص٣١٢-٣١٣، ط دار النصر للطباعة، القاهرة، بدون تاريخ.
[ ١٢٩ ]
ويقول في كتاب «المختصر في أصول الدين»: " فإن قال: أفتقولون في الإيمان أنه يزيد وينقص؟ قيل له: نعم، لأن الإيمان كل واجب يلزم المكلف القيام به، والواجب على بعض المكلفين أكثر من الواجب على غيره، فهو يزيد وينقص من هذا الوجه. وقد وصف الله تعالى الصلاة بذلك فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ١ كما وصفه دينًا فقال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٢، وقال ﷺ: " لا إيمان لمن لا أمانة له " و" لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن " فجعل من الإيمان ترك السرقة، فبطل قول المرجئة في أن الإيمان قول فقط، أو قول واعتقاد، وأنه لا يزيد ولا ينقص وعلى هذا المذهب يصح تفاضل العباد في الإيمان، فيكون إيمان الرسول ﵇ أعظم من إيمان غيره على قولنا، وعلى قولهم لا يصح " ٣.
فإذًا مذهب المعتزلة هو القول بزيادة الإيمان ونقصه من ناحية التكاليف فالزيادة والنقصان عندهم شيئ نسبي بين المكلفين فذاك الشخص إيمانه أكثر من إيمان هذا لأن ذاك كُلِّف بشيئ زائد لم يكلف به الآخر، والآخر غير مؤاخذ على تركه لأنه لم يكلف به لعدم قدرته عليه، أو لوجود مانع يمنع من ذلك كالحيض للنساء، مثلًا، ومن هذا يتبين لنا أن الإنسان الواحد عندهم لا يتصور في إيمانه زيادة ولا نقصان إلا بالنسبة لغيره فالزيادة في كمِّ الإيمان لا في كيفه، لهذا فإنه يظهر من مذهبهم أنهم يوافقون المرجئة في القول بأن الإيمان القلبي لا يزيد ولا ينقص لأن التكليف فيه واحد على المكلفين جميعًا. ولهذا تبدو مخالفتهم للسلف في هذه المسألة من عدة وجوه:
١ - إن الزيادة والنقصان في الإيمان نسبية بين الأشخاص فزيد أكثر
_________________
(١) ١ البقرة: ١٤٣. ٢ البينة: ٥. ٣ عبد الجبار بن أحمد، المختصر في أصول الدين، ضمن مجموعة رسائل العدل والتوحيد، تحقيق محمد عمارة، ج١ ص٢٤٧، ط مؤسسة الهلال، سنة ١٩٧١م.
[ ١٣٠ ]
إيمانًا من عمرو، لأن زيدًا غني فهو مكلف بأمر زائد وهو الزكاة التي لم يكلف بها عمرو لفقره. والشخص الواحد لا يزيد إيمانه بالطاعة وينقص بالمعصية: لأن المعصية أمر يخرجه من الإيمان بالكلية.
٢ - إن المعصية لا اعتبار لها في زيادة الإيمان ونقصه - كما ذهب إليه السلف لأنها عند المعتزلة تخرجه من الإيمان وتخلِّده في النار.
٣ - إن الزيادة في الكمِّ الذي يكون بطاعات الجوارح وتكاليفها، أما الكيف فلا زيادة فيه ولا نقصان لاستواء المكلفين في وجوب التصديق القلبي الذي لا تجزئة فيه، ولعدم قبوله للزيادة والنقصان عندهم. وقد استدل المعتزلة على مذهبهم في زيادة الإيمان ونقصه من ناحية التكاليف بما تقدم وروده من آيات في النصوص التي نقلتُها عن القاضي عبد الجبار ووجه استدلالهم بها:
أن الإيمان إذا كان عبارة عن تلك الخصال المذكورة، والناس يتفاوتون في التكليف بها، فإن الإيمان يزيد وينقص من هذا الوجه، أما الأحاديث التي ذكرها فإن وجه استدلاله بها على هذا الرأي غير واضح لأن السرقة كبيرة وعندهم يُسلَب صاحبها اسم الإيمان ويخلد في النار، وكذلك ترك الأمانة، والتكليف بها واحد بين الناس. فجميع المسلمين مكلفون باجتناب السرقة لما فيها من اعتداء على أموال الغير، وكذلك واجب على الكل مراعاة التخلق بالأمانة والاتصاف بها. نعم استدل السلف بهذين الحديثين وأمثالهما على زيادة الإيمان ونقصه، ولكنهم لا يرون سلب مرتكب الذنب الكبير من الإيمان بالكلية، والقول بتخليده في النار كما فعل المعتزلة، لذلك كان استدلالهم سائغًا مقبولًا، فإذًا هذه الأحاديث وأمثالها حجة على المعتزلة لا لهم.
وجعل المعتزلة ترك السرقة وفعل الأمانة من الإيمان لا غبار عليه ولا اعتراض، ولكن كيف يقال: إن الناس المتفاوتين في ترك السرقة متفاوتون في الإيمان، مع أن السرقة أمر محرم واجب على جميع
[ ١٣١ ]
المكلَّفين اجتنابه، وعلى مذهب المعتزلة فاعل السرقة لم يَعُدْ مؤمنًا فكيف يقال بأن إيمان تاركها أكثر من إيمانه مع أن فاعلها لم يَعُدْ معه إيمان يمكن المفاضلة بينه وبين إيمان التارك. فإذًا مثل هذين الحديثين لا دليل فيه للمعتزلة بل دليل عليهم، لأن فيها نفي للكمال الدال على وجود الإيمان الناقص، والله أعلم.
[ ١٣٢ ]
المبحث الرابع
حكم مرتكب الكبيرة عند المعتزلة
المعتزلة كغيرهم من الطوائف الإسلامية، يرون أن المعاصي تنقسم إلى ما هو صغيرة، وإلى ما هو كبيرة، نظرًا لما ورد في بيان ذلك من نصوص شرعية، فقد وردت آيات كريمات مشتملة على ذكر الصغيرة والكبيرة، كقوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ ١ وقوله سبحانه: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ٢ وقال: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَان﴾ ٣، فرتب المعاصي هذا الترتيب حيث بدأ بالكفر الذي هو أعظم الذنوب، وثناه بالفسق، وختم بالعصيان، فلا بد من أن يكون قد أراد به الصغائر، وقد صرح بذكر الكفر والفسق قبله، إلى غير ذلك الآيات الدالة على هذا المعنى، وهذا قدر متفق عليه بين الفرق كما ذكرت عند بيان مذهب السلف، ما عدا الخوارج.
أما تحديد معنى كل من الصغيرة والكبيرة عند المعتزلة فقد وقع بينهم خلاف في ذلك. فقد ذهب القاضي عبد الجبار إلى أن الكبيرة في عرف الشرع هو ما يكون عقاب فاعله أكثر من ثوابه إما محققًا وإما مقدرًا.
_________________
(١) ١ الكهف: ٤٩. ٢ القمر: ٥٣. ٣ الحجرات: ٧.
[ ١٣٣ ]
وأما الصغيرة فهو ما يكون ثواب فاعله أكثر من عقابه إما محققًا وإما مقدرًا. ثم قال: واحترزنا في الموضعين بقولنا إما محققًا وإما مقدرًا عن الكافر ومن لم يطع البتة، فإنه قد وقع في أفعال الصغيرة والكبيرة، على معنى أنه لو كان له ثواب لكان يكون محبطًا بما ارتكبه من المعصية، أو يكون عقاب ما أتى به من الصغيرة مكفرًا في جنب ما يستحقه من الثواب١.
ومن تعريفات الصغيرة والكبيرة عند المعتزلة ما ذكره الأشعري عن جعفر بن حرب وذكره القاضي عبد الجبار على سبيل النقد فقد ذكر عنه قوله: إن كل عمد كبير. وقال بعد ذلك: وأظن أن ذلك مذهب لبعض السلف من أصحابنا٢.
فجعفر بن حرب هذا يرى أن الكبيرة هي القبيح الذي يقترن بعمد الإنسان وإصراره أي أنه يميل إلى وصف الجريمة بحال الفاعل لا بموضوع القبيح.
وأنكر القاضي ذلك من وجهين:
الأول: إن العمد لا تأثير له في كون الفعل كبيرًا أو صغيرًا، لأن للقبيح موضوعًا أو بمعنى آخر: أن للجريمة صفة موضوعية إذا ما وقعت من أي إنسان كانت كبيرة أو صغيرة.
الثاني: إن الطريق إلى تحديد الكبائر وتعيينها هو الدلالة الشرعية وقد حدد الشرع أن القتل والزنا والقذف وغيرهما كبائر، وهذ لايتفق مع القول بالعمد ٣.
ولا خلاف بين المعتزلة في وجود الصغيرة والكبيرة بين القبائح إلا أن
_________________
(١) ١ عبد الجبار بن أحمد، شرح الأصول الخمسة بتحقيق الدكتور عبد الكريم عثمان، ص٦٣٢، ط١، مطبعة الاستقلال الكبرى، القاهرة، سنة ١٣٨٤. ٢ المصدر نفسه ص٦٣٤. ٣ انظر: المصدر نفسه.
[ ١٣٤ ]
الخلاف - بينهم كان حول طريق الدلالة على ذلك فذهب البعض وهم الأكثر - إلى أن الشرع هو الذي يعرّفنا باشتمال المعاصي على صغير وكبير، ولو ترك للعقل لحكم بأن جميع المعاصي كبائر، لأن من المعلوم أن أقلّ القليل منها يستحق جزءًا من العقاب كما أن أقلّ القليل من الطاعات يستحق جزءًا من الثواب. ومن هؤلاء أبو علي والقاضي عبد الجبار وغيرهم، وقد استدلوا بما تقدم من أدلة شرعية.
أما الآخرون فذهبوا إلى أن العقل بمفرده يستطيع أن يميز بين الصغيرة والكبيرة فسرقة درهم ليست كسرقة عشرة دراهم وإلى هذا الرأي كان يذهب أبو هاشم ومال إليه جعفر بن حرب كما هو واضح من رأيه المتقدم في تحديد الفرق بين الصغيرة والكبيرة.
وقد تختلف آراء المعتزلة في تحديد معنى الصغيرة والكبيرة، وتتسع مسافة الخلاف بينهم، لكن ما تبنّوه من آراء هو موضع نظرنا، إذ أنها لا تحدد لنا تحديدًا واضحًا الفرق بين الأمرين، لا سيما ما ذهب إليه القاضي عبد الجبار - وإن كان هو الأكثر انسجامًا مع مذهب القوم - لأن الثواب والعقاب مما لا يعلم مقداره إلا الله ﷾، فاختلافه قلة وكثرة من شخص لآخر أمر خفي، لا يمكننا إدراكه، على أن الضابط الذي ذكره القاضي عبد الجبار على أنه تحقيق للمذهب، مناقض لما هو مشهور من مذهب المعتزلة الذي سيأتي بعد من أن ثواب الطاعات محبط لا وزن له مع ارتكاب الإنسان للكبيرة، لأن صاحبها مخلد في النار، فأين الثواب الذي يمكن أن يقاس مع العقاب ويحدد بموجبه كل من الصغيرة والكبيرة؟
غير أن الأهم من ذلك كله أن المعتزلة مهما اختلفوا في تحديد الضابط مقرون بانقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، فما حكم كل منهما عندهم؟
أما الصغائر فقد ذكر أبو الحسن الأشعري أنهم لم يتفقوا أيضًا على
[ ١٣٥ ]
قول واحد بشأنه بل دار بينهم الخلاف في ذلك على أقوال ثلاثة:
١ - أن الله سبحانه يغفر الصغائر إذا اجتنبت الكبائر تفضلًا.
٢ - يغفر الصغائر إذا اجتنبت الكبائر باستحقاق.
٣ - أن الله لا يغفر الصغائر إلا بالتوبة ١.
فهذه أقوال ثلاثة عند المعتزلة، اثنان منها قالت بالغفران، والخلاف بينهما في الاستحقاق والتفضل، والاستحقاق كما هو واضح فيه تحكُّم على الله سبحانه - وذلك غير لائق بحال. ولكن من مبادئ المعتزلة المشهورة عنهم قولهم بوجوب الصلاح والأصلح، ولا يخفى ما في هذا المبدأ من جسارة وعدم تأدب مع الله ﷾. أما القول الثالث فإنه يجعل الصغيرة بمنزلة الكبيرة في عدم الغفران إلا بالتوبة وهذا لم يقلْ به أحد، ومخالف أيضًا لما عليه المعتزلة أنفسهم من الفرق بين الصغيرة والكبيرة من حيث المعنى والاعتبار.
وعلى كل حال فالأهم من ذلك كله هو مرتكب الذنب الكبير، فماذا يقول القوم في حكمه؟
هذه المسألة تُسمَّى عند مؤرخي الفرق والمعتزلة بالأسماء والأحكام، لأنها تبحث في صفة مرتكب الكبيرة وحكمه.
يقول الدكتور عبد الكريم عثمان في الكلام على هذه المسألة: وقد أثار تحديد مكان مرتكب الكبيرة وحكمه خلافًا شديدًا بين المسلمين، وجعله بعض مؤرخي الفرق سببًا مباشرًا لظهور مذهب الاعتزال. فقد قالت الخوارج إن صاحب الكبيرة كافر، وذهب المرجئة إلى أنه مؤمن، وقرر الحسن البصري أنه منافق، أما واصل فقد أعلن أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنًا ولا كافرًا، ولا منافقًا، بل هو فاسق، أو في منزلة بين المنزلتين:
_________________
(١) ١ انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ج١ ص٣٣٢،ط٢ سنة ١٣٨٩هـ.
[ ١٣٦ ]
الإيمان والكفر، ومن هنا أُطلق على هذا الأصل عند المعتزلة اسم المنزلة بين المنزلتين، أو الأسماء والأحكام ١.
فالمعتزلة يرون أن مرتكب الكبيرة، لا مؤمن ولا كافر، بل له اسم بين الاسمين وحكم بين الحكمين، فلا يكون اسمه اسم الكافر، ولا اسمه اسم المؤمن، وإنما يُسمى فاسقًا وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، بل يُفرَد له حكم ثالث وهذا الحكم هو ما يُسمى بالمنزلة بين المنزلتين. فإن صاحب الكبيرة عندهم له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان، فليست منزلته منزلة الكافر، ولا منزلة المؤمن، بل له منزلة بينهما ٢.
والمراد من هذا بيان الحكم الدنيوي لمرتكب الكبيرة، ففيه أن مرتكبها يُسلَب منه اسم الإيمان بالكلية، لأنه بارتكابها يزول ما معه من إيمان، فلم يعدْ مؤمنًا غير أنهم في هذا الحكم الدنيوي لم يبلغوا به درجة الكافر فلم يُجَوِّزوا تسميته كافرًا، كما لم يُجَوِّزوا تسميته مؤمنًا، بل جعلوا له منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان وهي الفسق.
وقد برزت هذه المقالة أول ما برزت على يد واصل بن عطاء الغزال أحد زعماء المعتزلة، بل زعيمهم الأول والذي كان تلميذًا للحسن البصري، المشتهر بقوله بأن مرتكب الكبيرة منافق. وقد بينها الشهرستاني في «الملل والنحل» بقوله: " ووجه تقريره لهذه المسألة أنه - أي واصل بن عطاء - قال: إن الإيمان عبارة عن خصال خير، إذا اجتمعت سُمي المرء مؤمنًا، وهو اسم مدح، والفاسق لم يستجمع خصال الخير ولا استحق اسم المدح، فلا يسمى مؤمنًا، وليس هو بكافر مطلقًا أيضًا، لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه لا وجه لإنكارها ٣.
_________________
(١) ١ الدكتور عبد الكريم عثمان، نظرية التكليف، ص٤٩٤، ط مؤسسة الرسالة، بيروت، سنة١٣٩١هـ - ١٩٧١م. ٢ انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار، ص٦٩٧. ٣ انظر: الملل والنحل للشهرستاني، تحقيق محمد سيد الكيلاني، ج١ ص٤٨، ط مطبعة الحلبي، مصر، سنة ١٣٨٧هـ.
[ ١٣٧ ]
وكل هذا ليس إلا بحثًا في التسمية والمعاملة الدنيوية إذ أنهم ذهبوا هذا المذهب ليؤدي لهم غرضين في آنٍ واحدٍ.
الغرض الأول: هو القول بأن مرتكب الكبيرة يعامل في الدنيا كما يعامل بقية المسلمين فتجوز مناحكته، وموارثته، ودفنه في مقابر المسلمين، وغير ذلك من الأحكام الجارية عليه في الدنيا.
الغرض الثاني: هو القول بالتأبيد في النار - على ما سيأتي بعد - فإنهم لم يوصلوه في الوصف الدنيوي إلى درجة الكفر، حتى تجري عليه تلك الأحكام الدنيوية، وعزَّ عليهم أن يعطوه اسم الإيمان، لأنه في نظرهم لا بد وأن يدخل النار ليجازى بما عمل من السيئات، وداخل النار عندهم لا يخرج منها، والمؤمن لا يمكن أن يدخل النار في نظرهم.
ويزيد المسألة وضوحًا ما ذكره القاضي عبد الجبار من استدلال على هذا المعتقد حيث قال ما معناه: والذي يدل على الفصل الأول، وهو الكلام في أن صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمنًا، هو ما قد ثبت من أنه يستحق بارتكاب الكبيرة الذم واللعن والاستخفاف والإهانة، وثبت أن اسم المؤمن صار بالشرع اسمًا لمن يستحق المدح والتعظيم والموالاة، فإذ قد ثبت هذان الأصلان، فلا إشكال في أن صاحب الكبيرة لا يجوز أن يسمى مؤمنًا ١. ثم ذكر بعد ذلك الأدلة على أن اسم المؤمن صار بالشرع اسمًا لمن يستحق المدح والتعظيم كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٢ وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ٣ إلى غير ذلك من الآيات.
أما الدليل على أن مرتكب الكبيرة لا يسمى كافرًا فهو أنه جعل الكافر في الشرع اسمًا لمن يستحق العقاب العظيم، ويختص بأحكام مخصوصة
_________________
(١) ١ عبد الجبار بن أحمد، المصدر المذكور آنفًا ص٧٠١، ٧٠٢. ٢ المؤمنون: ١. ٣ الأنفال: ٢.
[ ١٣٨ ]
نحو المنع من المناكحة والموارثة، والدفن في مقابر المسلمين، إذا ثبت هذا ومعلوم أن صاحب الكبيرة ممن لا يستحق العقاب العظيم ولا تجري عليه هذه الأحكام، فلم يجز أن يسمى كافرًا ١. ومن أدلة المعتزلة أيضًا على قولهم بالمنزلة بين المنزلتين ما ذكره عضد الدين الأيجي في المواقف حيث ذكر احتجاجهم على ذلك بوجهين:
أحدهما: ما تقدم من أن الإيمان عبارة عن الطاعات، وأن الفاسق يعامل في الدنيا معاملة سائر المسلمين.
أما الوجه الثاني: فهو ما قاله واصل بن عطاء لعمرو بن عبيد، فرجع عمرو إلى مذهبه وهو أن فسقه معلوم وفاقًا، وإيمانه مختلف فيه، أي الأمة مجمعة على أن صاحب الكبيرة فاسق واختلفوا في كونه مؤمنًا أو كافرًا فنترك المختلف فيه ونأخذ بالمتفق عليه ٢.
وهذا هو الدليل الأساسي الذي يستدل به القوم، ويوضحه القاسم الرسي بقوله والأمة مجمعة على أن من أتى كبيرة، أو ترك طاعة فريضة كالصلاة والزكاة والصيام من أهل الملة فهو فاسق، وهي مختلفة في غير ذلك من أسمائه. قال بعضهم: هو مشرك فاسق منافق، فكلهم قد أقرَّ بأنه فاسق كافر٣، وقال بعضهم: فاسق منافق فكلهم قد أقر بأنه فاسق، واختلفوا في غير ذلك من أسمائه. فالحق ما أجمعوا عليه من تسميتهم إياه بالفسق، والباطل ما اختلفوا فيه، ففي إجماعهم الحجة والبرهان٤.
وهذا كله - كما سبق وأن قلت - لا يعدو كونه كلامًا في حكم دنيوي وهو القدر الذي يختلفون فيه مع الخوارج، حيث قالوا بكفره ابتداءً،
_________________
(١) ١ عبد الجبار بن أحمد، المصدر السابق ص٧١٢. ٢ انظر: المواقف بشرح الجرجاني، ج٨ ص٣٣٨، ط١، مطبعة السعادة، مصر، سنة ١٣٢٥هـ ـ١٩٠٧م. ٣ هذا هو رأي الخوارج في مرتكب الكبيرة. ٤ القاسم الرسي، كتاب العدل والتوحيد، ضمن مجموعة رسائل العدل والتوحيد تحقيق محمد عمارة، ج١ ص١٣٠، ط مطابع مؤسسة دار الهلال، سنة ١٩٧١م.
[ ١٣٩ ]
وخروجه من ملة الإسلام. أم الحكم الأخروي لمرتكب الكبيرة عند المعتزلة: فعندهم أن من استوعب عمرًا في طاعة الله ﷾، ثم قارف كبيرة واحدة، ولم يوفق للتوبة عنها، ومات على هذه الحال، فهو مخلد في النار مع المشركين الذين لم يؤمنوا ولم يأتوا بحسنة قط١. وهذا هو بعينه رأي الزيدية الذين تبنوا أصول الاعتزال، وعنهم يقول الشهرستاني: أما في الأصول فيرون رأي المعتزلة حذو القذة بالقذة، ويعظمون أئمة الاعتزال أكثر من تعظيمهم أئمة أهل البيت ٢.
فعند هؤلاء جميعًا أن الإنسان مهما عمل من الخيرات، ومهما جاهد في سبيل إرضاء ربه، من فعل للواجبات، واجتناب للمحرمات، وكبح لجماح النفس وصد لشهواتها، فإن جميع طاعاته هذه تذهب هباء عندما يزل في يوم من الأيام فيرتكب كبيرة، لأن هذه المعصية تحبط جميع تلك الأعمال الخيرة، فلا يبقى لها وزن، ولا يعود لها اعتبار، لأن مرتكب الكبيرة إذا لم يقلع عنها بتوبة جازمة نصوح لا عودة بعدها، فلا بد وأن يدخل النار خالدًا مخلدًا فيها، لأن داخل النار عندهم لا يخرج منها أبد الآبدين.
وهذا المذهب في مرتكب الكبيرة تذكره كتب الفرق على أنه أصل من أصول المعتزلة التي يجمعون عليها، إلا أن إمام الحرمين الجويني ذكر أن معتزلة البصرة، وبعض البغداديين واقفية في وعيد مرتكب الكبيرة، إذ قالوا بأن من مات من المؤمنين على إصراره على المعاصي، لا يقطع عليه بعقاب، بل أمره مفوَّض إلى ربه تعالى، فإن عاقبه فذلك بعدله، وإن تجاوز عنه فذلك بفضله ورحمته، فلا يُستنكر ذلك عقلًا وشرعًا ٣.
_________________
(١) ١ انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار، بتحقيق الدكتور عبد الكريم عثمان، ص٦٦٦، ط١ مطبعة الاستقلال الكبرى، القاهرة، سنة ١٣٨٤هـ. ٢ الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر، الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، ج١ص١٦٢، ط مطبعة الحلبي، القاهرة، سنة ١٣٨٧هـ. ٣ انظر: الإرشاد لإمام الحرمين الجويني، تحقيق الدكتور محمد يوسف موسى، وعلي عبد المنعم، ص٣٩٣، ط مطبعة السعادة، مصر، سنة ١٣٦٩هـ - ١٩٥٠م.
[ ١٤٠ ]
وعلى كل حال، فهذا أصل من أصول المعتزلة سواء أجمعوا عليه أم لم يجمعوا فهو المذهب المشهور الشائع عنهم، وأي خلاف فيه من قبلهم فإنه لا ينقض المذهب، لا سيما وأنهم قد اشتهروا بتبنِّيه والاستدلال له. ومن رجع منهم عن القول به فإنما كان ذلك منه لأنه في نظري ناشد للحقيقة غير متبع ولا مقلد، فلا يستغرب ذلك، إلا أنه كما قلت هو المذهب المقترن باسم المعتزلة عند ذكرهم دائمًا.
أما أدلتهم على قولهم بخلود مرتكب الكبيرة في النار، فقد استدلوا بأدلة عقلية ونقلية:
فأما الأدلة العقلية:
فمنها ما ذكره القاسم الرسي من أن أحدًا لا يقدر أن يؤدي كل ما استحق الله تبارك تعالى من عباده، من شكر نعمته وإحسانه، بالكمال والتمام، حتى لا يبقى مما يحق لله جل ثناؤه شيئًا إلا أداه، هيهات فكيف وهو يقول ﵎: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ١ فكيف يؤدي شكر ما لا يحصى؟ ولم يفترض على خلقه ذلك، ولا سأل كل ما له عليهم مما يستحق لديهم، لعلمه بضعفهم وأن في بعض ذلك استفراغ جهدهم، وما تعجز عنه أنفسهم وأنهم لا يقدرون على ذلك ويقصرون عن بلوغ ذلك وغفر لهم صغير ذنوبهم كله إذا اجتنبوا كبيرة رحمة بهم، ونظرًا لهم ٢، فأما من رجا الرحمة ٣ وهو مقيم على الكبيرة فقد وضع الرجاء في غير موضعه، واغترَّ بربه واستهزأ بنفسه، وخدعه وغره من لا دين له، إلا أن يتوب فيغفر له بالتوبة، فأما الإقامة على الكبائر فلا
وذلك أن للجنة والنار طريقان فطريق الجنة طاعته المجردة عن الكبائر
_________________
(١) ١ النحل: ١٨. ٢ يريد رعاية لهم. ٣ من هنا سمى المعتزلة السلف مرجئة لقولهم بإرجاء حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يحكم عليه بحكم ما في الدنيا بل يترك حكمه إلى الله إن شاء عذبه عدلًا منه وأخرجه من النار، وإن شاء عفا عنه ابتداءً بفضله ورحمته.
[ ١٤١ ]
من معاصي الله، وطريق النار معصية الله، وإن لم تكن مجردة من بعض طاعات الله، لأننا قد نجد العبد يؤمن بكتاب الله كله، ويكفر ببعضه فلا يكون مؤمنًا، ولا بما آمن به من النار ناجيًا. يصدق ذلك قول الله ﷿: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ ١ فلم يُسموا بما آمنوا مؤمنين، بل سُموا بما كفروا به منه لكله كافرين. وعلى هذه الطريق فيمن لم يكفر من الفاسقين أهل الكبائر العاصين، فمن كان على المعصية الكبيرة مقيمًا فهو على طريق النار، فكيف يرجو البلوغ إلى الجنة وهو يسلك ذلك الطريق، كرجل توجه إلى طريق خراسان فسلكه وهو يقول: أنا أرجو أن أبلغ الشام، فهذا من وضع الرجاء في غير موضعه ٢.
وملخص الدليل العقلي السابق أن الله ﵎ له نِعَم على عباده لا تُحصى ومهما عمل الإنسان لا يستطيع الوفاء بشكرها، إذ أن ذلك يتطلب منه استيفاء كل حق لله عليه. وقد علم الله من عباده عجزهم وضعفهم عن الوفاء بجميع ذلك، لذلك أكتفى منهم بالقليل بعد أن أعطاهم الكثبر، بل وعفا عن صغائر ذنوبهم، وهذه منَّة عظيمة أخرى منه ﵎ فعلى الإنسان إذًا الإتيان بهذا القليل الذي كُلِّف به دون تفريط، وإذا قصَّر فيه بارتكاب الكبائر فعلًا لمحرم، أو تركًا لواجب فهو من أهل النار لا محالة، لأن الله تجاوز له عن الكثير لم يكلفه به، فإذا قصر في ذلك القليل المطلوب منه فهو ممن سلك طريق النار، والطريق إلى الشيئ المعين توصل إليه لا إلى ما يوجد في جهة معاكسة، وطريق النار المعصية وهذه لا يمكن أن يصل عن طريقها إلى الجنة، كما أن طريق الجنة الطاعة، وهذه أيضًا لا يمكن أن توصل بصاحبها إلى النار، وضرب مثلًا بسالك طريق خراسان، وهو يقصد الوصول إلى الشام.
_________________
(١) ١ البقرة: ٨٥. ٢ القاسم الرسي، كتاب العدل والتوحيد، ضمن مجموعة رسائل العدل والتوحيد، تحقيق محمد عمارة، ج١ ص١٢٣-١٢٤، ط مطابع مؤسسة الهلال، سنة ١٩٧١م.
[ ١٤٢ ]
فهذا دليل عقلي على أن الفاسق مصيره إلى النار، وأنه يفعل به ما يستحقه. وهناك دليل عقلي آخر ذكره القاضي عبد الجبار وهذا الدليل هو أن الله أمر ونهى، أي كلف الإنسان، ووعده وتوعده، وكل خلف بالوعد أو الوعيد نوع من الكذب لا يجوز على الله. ولو ثبت أنه يخلف وعيده ولا يعاقب الفاسقين لكان في ذلك إغراء له على فعل القبيح، إذ أن للمكلف أن يعصي ويتجاوز حدود الله، وهو مطمئن إلى أنه سيُغفر له ١.
أما الأدلة السمعية:
فقد استدلوا بعموم الآيات الواردة في الوعيد، ومن هذه الآيات التي هي مناط استدلالهم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ ٢.
ووجه الاستدلال: أن الله ﵎ أخبر أن العصاة يعذبون بالنار ويخلدون فيها، والعاصي اسم يتناول الفاسق والكافر جميعًا، فيجب حمله عليهما، لأنه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبيَّنه، فلما لم يبيِّنه دل على ما ذكرناه ٣. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ ٤. ووجه الاستدلال: هو أنه تعالى يبين أن من يقتل مؤمنًا عمدًا جازاه وعاقبه وغضب عليه ولعنه، وفي ذلك ما قلناه٥، أي أن ذلك يكون على سبيل الدوام كما هو مصرّح بذكر الخلود في الآية.
ومما استدل به المعتزلة أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ ٦. ووجه الاستدلال: أن المجرم اسم يتناول الكافر والفاسق
_________________
(١) ١ انظر: شرح الأصول الخمسة، ص٦٥٠. ٢ النساء: ١٤. ٣ عبد الجبار بن أحمد، المصدر السابق ص٦٥٧. ٤ النساء: ٩٣. ٥ عبد الجبار بن أحمد، المصدر السابق ص٦٦٠. ٦ الزخرف: ٧٤.
[ ١٤٣ ]
جميعًا فيجب أن يكونا مرادين بالآية، معنيين بالنار، لأنه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبينه، فلما لم يبينه دل على أنه أرادهما جميعًا ١.
هذه بعض أدلة المعتزلة من القرآن الكريم على قولهم بتخليد مرتكب الكبيرة في النار. يقول القاضي عبد الجبار بعد ذكره لهذه الآية: فإنها كما تدل على أن الفاسق يفعل به ما يستحقه من العقوبة، تدل على أنه يخلد، إذ ما من آية من هذه الآيات التي مرت إلا وفيها ذكر الخلود والتأبيد، أو ما يجري مجراهما ٢.
ثم ذكر بعد ذلك طريقة أخرى للاستدلال على هذه المعتقد حيث قال: وهنا طريقة أخرى مركبة من السمع، وتحريرها: هو أن العاصي لا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يعفى عنه، أو لا يعفى عنه، فإن لم يعف عنه فقد بقي في النار خالدًا، وهو الذي نقوله. وإن عفي عنه فلا يخلو، إما أن يدخل الجنة أو لا، فإن لم يدخل الجنة لم يصح، لأنه لا دار بين الجنة والنار، فإذا لم يكن في النار وجب أن يكون في الجنة لا محالة، وإذا دخل الجنة فلا يخلو إما أن يدخلها مثابًا أو متفضلًا عليه ولا يجوز أن يدخل الجنة متفضلًا عليه، لأن الأمة اتفقت على أن المكلف إذا دخل الجنة فلا بد أن يكون حاله متميزًا عن حال الوِلدان المخلَّدين وعن حال الأطفال والمجانين، ولا يجوز أن يدخل الجنة مثابًا، لأنه غير مستحق، وإثابة من لا يستحق الثواب قبيح، والله تعالى لا يفعل القبيح ٣.
وغرضه من هذا الكلام هو القول بأن الفاسق لا يجوز على الله تعالى أن يعفو عنه ويدخله الجنة، لأن دخوله الجنة لا يكون إلا عن ثواب لا عن تفضل من الله سبحانه، فالجنة عوض لازم للإنسان على أعمال الخير إذا لم يشبْها كبائر، والفاسق لا ثواب له، وإثابة من لا يستحق الثواب قبيح على الله تعالى، والحُسن والقبح كما هو معروف أحد أصول المعتزلة التي يسيرون
_________________
(١) ١ عبد الجبار بن أحمد، المصدر السابق. ٢ المصدر نفسه ص٦٦٦. ٣ المصدر السابق.
[ ١٤٤ ]
عليها في معتقداتهم، وإذا ثبت هذا فلا بد من دخول الفاسق النار خالدًا، ولا يجوز على الله تعالى أن يعفو عنه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وأرى لزامًا عليَّ قبل أن أختم الكلام عن مذهب المعتزلة بشأن مرتكب الكبيرة أن أنبِّه هنا إلى أن الدكتور عبد الكريم عثمان قد ذكر في كتابه نظرية التكليف أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد وافق المعتزلة على رأيهم في وجوب إنفاذ الوعد والوعيد وتخليد مرتكب الكبيرة في النار.
وهذا الكلام فيه مكابرة للواقع ومخالفة للحقيقة الظاهرة الواضحة التي قد يكون الاستدلال عليها من العبث بمكان فموقف ابن تيمية ﵀ واضح جلي لا غموض فيه ولا شبهة وهو من هو بالنسبة لمذهب السلف الصحيح فقد قرره ودافع عنه وانتصر له وهو المذهب الغني عن الإعادة والبيان ولم يقل أحد سوى الدكتور عبد الكريم عثمان أن ابن تيمية، قال بأنه يجب على الله إثابة المطيع، بل ابن تيمية يقول إن الله يثيب المطيع تفضلًا منه ونحن لم نوجب ذلك عليه بل أوجبه سبحانه على نفسه. أما عقاب العصاة فإن الله أوعدهم بالعقاب ورحمته وسعت كل شيئ فقد يتخلف الوعيد بعفوه سبحانه أما إذا عاقب فإنه لا يخلِّد لأنه يُخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. هذا هو بعينه مذهب السلف، والقدح في ابن تيمية الذي نذر نفسه للدفاع عن الحق الذي يسنده الدليل، يعتبر قدحًا في أهل الحق من السنة والجماعة وقد تقدم إيضاح مذهبهم في هذه المسألة.
[ ١٤٥ ]
*
الفصل السابع:الأشاعرة
*
الفصل السابع
مذهب الأشاعرة في الإيمان
الأشاعرة فرقة من أكبر الفرق الإسلامية، وأوسعها انتشارًا، وهم ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري ﵀ الذي ولد سنة ٢٦٠، وتوفي سنة ٣٢٤ على ما صححه ابن عساكر والذي تخرج على المعتزلة في علم الكلام، وتتلمذ لشيخهم في عصره أبي علي الجبائي. غير أن الأشعري بعد ذلك سلك طريقًا غير طريق المعتزلة، إذ هداه الله إلى الحق، فأخذ يرد على المعتزلة، ويفنِّد مذاهبهم. غير أنه لا يخفى أن مذهب الأشاعرة المعروف لم يبق على ما كان عليه أبو الحسن، بل تطور وأخذ شكلًا يختلف كلية عما هو معروف عن الأشعري من آراء، ونأخذ على سبيل المثال مسألة الإيمان التي نحن بصددها، فقد قال جمهور الأشاعرة كما سيأتي بعد بأن الإيمان مجرد التصديق القلبي، وأنه لا يزيد ولا ينقص، بينما يذهب أبو الحسن الأشعري في كتاب «الإبانة» الذي يُعتبر آخر مؤلفاته إلى أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
والملاحظ في هذه الفرقة أنه بقيت متحدة من حيث النسبة، إذ لم يوجد فيها فرق متناحرة، كما وُجد في غيرها، على الرغم من وجود خلافات كثيرة بين رجالاتها في كثير من الأمور الاعتقادية. ومن أشهر رجال الأشاعرة الذين برزوا على مسرح البيان لمذهب هذه الفرقة، والانتصار له، إمام الحرمين الجويني، والإمام الغزالي، وأبو بكر الباقلاني، والأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني وغيرهم.
[ ١٤٩ ]
والملاحظ في هذه الفرقة أنه بقيت متحدة من حيث النسبة، إذ لم يوجد فيها فرق متناحرة، كما وُجد في غيرها، على الرغم من وجود خلافات كثيرة بين رجالاتها في كثير من الأمور الاعتقادية. ومن أشهر رجال الأشاعرة الذين برزوا على مسرح البيان لمذهب هذه الفرقة، والانتصار له، إمام الحرمين الجويني، والإمام الغزالي، وأبو بكر الباقلاني، والأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني وغيرهم.
[ ١٥٠ ]
المبحث الأول
حقيقة الإيمان عند الأشاعرة
ذهب جمهور الأشاعرة في هذه المسألة إلى القول بأن الإيمان الشرعي هو شيئ واحد فقط لا تعدد فيه وهو التصديق القلبي، بالله تعالى، وبنبوة محمد ﷺ، وتصديقه فيما أخبر به عن الله ﷿ وصفاته، وأنبيائه، وغير ذلك، فالإيمان عندهم تصديق قلبي فقط، وهذا هو المذهب المشهور عندهم.
وبيانًا له أورد ما ذكره صاحب «المواقف» في هذا المقام حيث قال: " اعلم أن الإيمان في اللغة هو التصديق مطلقًا، قال تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ ١ أي بمصدق فيما حدثناك به، قال ﵊: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله " أي تصدق، ويقال: فلان يؤمن بكذا أي يصدقه، ويعترف به. وأما في الشرع، وهو متعلق ما ذكرنا من الأحكام - يعني الثواب على التفاصيل المكذورة - فهو عندنا - يعني أتباع أبي الحسن الأشعري - وعليه أكثر الأئمة كالقاضي والأستاذ٢ ووافقهم على ذلك الصالحي وابن الراوندي من المعتزلة: التصديق للرسول فيما علم بمجيئه به ضرورة، تفصيلًا فيما عُلم تفصيلًا، وإجمالًا فيما عُلم إجمالًا، فهو في الشرع تصديق خاص ٣.
_________________
(١) ١ يوسف: ١٧. ٢ يعني أبا إسحاق الإسفرائيني. ٣ انظر: المواقف بشرح الجرجاني، ج٨ ص٣٢٢، ط مطبعة السعادة، مصر، سنة ١٣٢٥هـ.
[ ١٥١ ]
فالإيمان الشرعي هو بعينه الإيمان اللغوي، إلا أن الإيمان الشرعي خاص فيما أمرنا بالتصديق به من الأمور الشرعية، واللغوي عام.
وهناك قول آخر ذهب إلى الأخذ به إمام الحرمين الجويني وهو أن الإيمان مركب من أمرين: تصديق قلبي وإقرار لساني حيث قال: والمؤمن على التحقيق مَن انطوى عقدًا على المعرفة بصدق من أخبر عن صانع العالم وصفاته، وأنبيائه. فإن اعترف بلسانه بما عرف بجنانه فهو مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وإن لم يعترف بلسانه معاندًا لم ينفعه علم قلبه، وكان في حكم الله من الكافرين، كفر جحود وعناد. وكذلك كان فرعون وكل معاند جحود، وكذلك عرف أحبار اليهود بنبوة محمد ﷺ وصادفوا نعته في التوراة، فجحدوا بغيًا وحسدًا، فأصبحوا من الكافرين. ومَن أظهر كلمة الإيمان، وأضمر الكفر فهو المنافق الذي يتبوأ الدرك الأسفل من النار ١.
فهذا أحد أقطاب الأشاعرة ينفرد عنهم بهذا الرأي، الذي يوافق فيه أبا حنيفة ومن ذهب مذهبه، في أن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، إلا في حال تعذر النطق باللسان فهو عندهم ركن يحتمل السقوط لعذر كالخرس ونحوه. وهذا الرأي أفردته بالبحث عند الكلام عن أبي حنيفة. ولكن الذي يهمنا هنا هو بيان المذهب المشهور عن الأشاعرة، والذي تبنَّته كتبهم المعتبرة وقررته، واستدلت له، وهو ما تقدم من أنه تصديق خاص. أما الإقرار اللساني والعمل بالجوارح فهم وإن لم يجعلوهما من الإيمان، إلا أنهم لم يهملوهما بل جعلوا لهما اعتبارهما في الوجود، فقد جعلوهما شرطًا به يتحقق الإيمان، ويأثم تاركهما إثمًا كبيرًا، لأنهما دليل على صدق الإيمان الباطن، ومدى تحققه. وفي بيان ذلك يقول عضد الدين الإيجي بعد ذكر مذهبهم في الإيمان: والتلفظ بكلمتي الشهادتين مع القدرة عليه شرط، فمن أخل به فهو كافر مخلد في النار، ولا تنفعه المعرفة القلبية من غير إذعان وقبول، فإن من الكفار من كان يعرف
_________________
(١) ١ الجويني، إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك، العقيدة النظامية بتحقيق محمد زاهد الكوثري، ص٦٢، ط مطبعة الأنوار، سنة ١٣٦٧هـ.
[ ١٥٢ ]
الحق يقينًا، وكان إنكاره عنادًا واستكبارًا، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ١.
فالعمل له عندهم مكانة كبيرة، فتاركه أو تارك شيئ منه يكون مذنبًا معرَّضًا للعقاب وهذا ما يجعلني أقول: إن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وما سبقه إليه ابن حزم الظاهري من عد طائفة الأشاعرة من جملة المرجئة المناصرة لمذهب جهم في الإيمان ٢، أمر لا يتناسب مع الواقع. والإنصاف يدفعنا إلى القول بأن القوم لم يقصروا كثيرًا في اعتبار العلم إلى حد يبرِّر إلزاقه هذا اللقب - الذي عُرف بالذم والقبح عند أغلب الطوائف - بهم، وعدهم من جملة الجهمية المرجئة، إذ أن الخلاف في هذه المسألة بينهم وبين جماعة السلف خلاف لفظي، لأنه ينحصر في الشرطية التي قال بها الأشاعرة والشطرية التي قال بها السلف، والكل متفق على ضرورة الإتيان بالعمل والإقرار دون تفريط أو تقصير، والمقصر فيهما مؤاخذ على تقصيره ومعرَّض للعقاب، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، وأن الإيمان المنجي من التخليد في النار هو التصديق القلبي الجازم لقوله ﷺ: " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان " شريطة أن لا يكون قد ترك العمل استحلالًا وجحودًا وعنادًا. فإذًا القوم يخرجون الإقرار والعمل عن الركنية في الإيمان، مع التشدد في الإتيان بهما كشرط لتحقق الإيمان وكماله وكدليل ظاهري محسوس على وجود حقيقته في أعماق القلب.
وقد أوردوا أدلة تؤيد ما ذهبوا إليه، فمما أوردوه كدليل على إخراج الإقرار عن الركنية قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ﴾ ٣،
_________________
(١) ١ انظر: العقائد العضدية بشرح جلال الدين الدواني، ج٢ ص٢٨٥،٢٨٦، ط المطبعة العثمانية، سنة ١٣١٦هـ. ٢ انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية، ص١٠، ط المكتب الإسلامي، دمشق، وكتاب الفصل لابن حزم، ج٢ ص١٨٨. ٣ المجادلة: ٢٢.
[ ١٥٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ١، وقوله سبحانه: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ ٢، وقوله ﷺ: " اللهم ثبت قلبي على دينك ". حيث نسب فيها وفي نظائرها الغير محصورة الإيمان إلى القلب، فدل ذلك على أنه فعل القلب وهو التصديق ٣.
ثم ذكر الإيجي بعد ذلك دليلهم على خروج العمل عن الإيمان حيث قال: " والعمل خارج عنه، لمجيئه مقرونًا بالإيمان معطوفًا عليه في عدة مواضع من الكتاب، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٤ فإن الجزء لا يُعطف على كله، فلا يقال: جاءني القوم وأفرادهم ولا عندي العشرة وآحادها " ٥.
غير أنهم قالوا إن الإيمان قد يُطلق على العمل إطلاقًا مجازيًا ٦ وعلى ذلك جرى توجيههم للآيات والأحاديث التي ورد فيها إطلاق الإيمان على العمل ثم إنهم لما ذهبوا إلى القول بأن الإيمان هو التصديق، وكان ثمة التباس في أن التصديق هو المعرفة، فيوافقون بذلك الجهمية، أو أنه يختلف عنها فيكونون قد سلكوا طريقًا غير طريقهم، وقالوا بغير مذهبهم. ودفعًا لهذا التوهم في موافقة المعرفة للتصديق الذي قد يحمل بعض العلماء على إدخالهم في زمرة الجهمية القائلة بأن الإيمان هو المعرفة، كما فعله ابن تيمية وابن حزم - رحمهما الله ـ، فرَّقوا بين الأمرين بأن الأمرين المتطابقين ضدهما واحد، وضد المعرفة غير ضد التصديق، لأن ضد المعرفة النكارة وضد التصديق التكذيب، واختلاف الضدين دليل على اختلاف كل من المعرفة والتصديق، فبين المعنيين فرق شاسع، وأيضًا فإن التصديق عبارة عن
_________________
(١) ١ الحجرات: ١٤. ٢ النحل: ١٠٦. ٣ انظر: العقائد للإيجي، ج٢ ص٢٨٦. ٤ الرعد: ٢٩. ٥ الإيجي، المصدر السابق. ٦ انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي، ص٣١١، تحقيق حسن محمود عبد اللطيف.
[ ١٥٤ ]
أمر كسبي للمصدق اختيار فيه، ولهذا يؤمر به ويثاب عليه أما المعرفة فقد تحصل بلا كسب، وإذًا فالمعرفة أعم من التصديق، فكل من صدق فقد عرف، وليس كل من عرف مصدقًا. وفي هذا يقول التفتازاني في شرح المقاصد مفرِّقًا بين الأمرين:
" فاقتصر بعضهم على أن ضد التصديق هو الإنكار والتكذيب، وضد المعرفة النكارة والجهالة، وإليه أشار الإمام الغزالي حيث فسر التصديق بالتسليم فإنه لا يكون مع الإنكار والاستكبار، بخلاف العلم والمعرفة، وفصَّل بعضهم زيادة تفصيل فقال: التصديق عبارة عن ربط القلب على ما عُلم من إخبار المخبِر، وهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدِّق، ولهذا يؤمَر به ويثاب عليه، بل يُجعل رأس العبادات بخلاف المعرفة فإنها ربما تحصل بلا كسب، كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر " ١.
فإذًا الأشاعرة يدَّعون أن الإيمان الشرعي هو بعينه الإيمان اللغوي، ومن ضمن أدلتهم على أن الإيمان الشرعي هو الإيمان اللغوي وهو الصديق، أن الإيمان مُبقَى على أصله اللغوي لم ينقل إلى معنى شرعي آخر. وبيانه فيما قاله الباقلاني، حيث قال: " فإن قال قائل: خبِّرونا ما الإيمان عندكم؟ قلنا: الإيمان هو التصديق بالله تعالى، وهو العلم، والتصديق يوجد بالقلب، فإن قال: وما الدليل على ما قلتم؟ قيل له: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن، وبعثة النبي ﷺ هو التصديق، لا يعرفون في لغتهم إيمانًا غير ذلك ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ٢ أي ما أنت بمصدق لنا، ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب القبر، أي لا يصدق بذلك. فوجب أن يكون الإيمان في الشريعة هو
_________________
(١) ١ التفتازاني، سعد الدين، شرح المقاصد، ج٢ ص٢٥١، ط مطبعة الحاج محرم أفندي، بدون تاريخ. ٢ يوسف: ١٧.
[ ١٥٥ ]
الإيمان المعروف في الللغة، لأن الله ﷿ ما غير اللسان العربي ولا قلبه، ولو فعل لتواترت الأخبار بفعله، وتوفرت دواعي الأمة على نقله ولغلب إظهاره وإشهاره على طيه وكتمانه، وفي علمنا بأنه لم يفعل ذلك، بل أقر أسماء الأشياء، والتخاطب بأسره على ما كان فيها، دليل على أن الإيمان في الشرع هو الإيمان اللغوي. ومما يدل على ذلك ويبينه قول الله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٢ فخبَّر أنه أنزل القرآن بلغة القوم، وسمى الأشياء بمسمياتهم، فلا وجه للعدول بهذه الآيات عن ظواهرها بغير حجة، وسيما مع قولهم بالعموم وحصول التوقيت، على أن الخطاب نزل بلغتهم، فدل ما قلناه على أن الإيمان هو ما وصفناه دون ما سواه من سائر الطاعات من النوافل والمفروضات " ٣.
ومما تقدم يتلخص لنا ما يأتي:
١ - أن الإيمان الشرعي: هو الإيمان المعروف في اللغة وهو التصديق المخصوص.
٢ - أن التصديق محله القلب فقط، بدليل الآيات التي تنسبه إليه دون غيره، وقد تقدم ذكرها - وذلك دليل على أن الإقرار والعمل لا دخل لهما في التصديق.
٣ - أن العمل خارج عن الإيمان ومغاير له، بدليل عطف العمل على الإيمان والعطف دليل على المغايرة.
٤ - أن القرآن الكريم ولغة العرب، والإجماع، تدل على بقاء الإيمان على أصله اللغوي.
_________________
(١) ١ إبراهيم: ٤. ٢ الزخرف: ٣. ٣ أبو بكر، محمد بن الطيب، التمهيد، ص٣٤٦،٣٤٧، المكتبة الشرقية، بيروت، سنة١٩٥٧م.
[ ١٥٦ ]
٥ - أن الإقرار والعمل شرط في الإيمان، يلزم الإتيان بهما، ومَن فرَّط فيهما فهو معَّرض للعقاب.
فهذه النقاط الخمس هي ملخص مذهب جمهور الأشاعرة في حقيقة الإيمان.
[ ١٥٧ ]
المبحث الثاني
الصلة بين الإيمان والإسلام عند الأشاعرة
هذه المسألة لم يتفق الأشاعرة فيها أيضًا بل وقع بينهم خلاف فافترقوا على رأيين، فمن قائل بالترادف بينهما، ومن قائل بالتغاير، وكل فريق استدل لرأيه بما يدل عليه من الكتاب والسنة. وفيما يلي أُورد بعض النصوص في ذلك من كتبهم المعتبرة ثم أُعقب ذلك ببيان ما تضمنته من أفكار.
يقول الشيخ عبد السلام بن إبراهيم اللقاني في شرحه لجوهرة التوحيد: " ولما كان الإيمان والإسلام لغة متغايرَي المدلول لأن الإيمان هو التصديق، والإسلام هو الخضوع والانقياد اختُلِف فيهما شرعًا، فذهب جمهور الأشاعرة إلى تغايرهما أيضًا، لأن مفهوم الإيمان ما علمته آنفًا، ومفهوم الإسلام امتثال الأوامر والنواهي ببناء العمل على ذلك الإذعان، فهما مختلفان ذاتًا ومفهومًا وإن تلازما شرعًا بحيث لا يوجد مسلم ليس بمؤمن ولا مؤمن ليس بمسلم وذهب جمهور الماتريدية والمحققون من الأشاعرة إلى اتحاد مفهوميهما بمعنى وحدة ما يراد منهما في الشرع وتساويهما بحسب الوجود، على معنى أن كل من اتصف بأحدهما فهو متصف بالآخر شرعًا - وعلى هذا فالخلاف لفظي باعتبار المآل" ١.
_________________
(١) ١ اللقاني، عبد السلام بن إبراهيم المالكي، اتحاف المريد بجوهرة التوحيد، تعليق الشيخ محمد يوسف الشيخ، ص٣٨-٤٠.
[ ١٥٨ ]
ويقول الشيخ سعد الدين التفتازاني في كتابه المشهور «شرح المقاصد»: الجمهور على أن الإسلام والإيمان واحد، إذ معنى آمنت بما جاء به النبي ﵇ صدقته، ومعنى أسلمت له سلمته. ولا يظهر بينهما كثير فرق لرجوعهما إلى معنى الاعتراف والانقياد والإذعان والقبول، وبالجملة لا يعقل بحسب الشرع مؤمن ليس بمسلم أو مسلم ليس بمؤمن. وهذا مراد القوم بترادف الاسمين، واتحاد المعنى وعدم التغاير على ما قال في «التبصرة»: الاسمان من قبيل الأسماء المترادفة وكل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن، لأن الإيمان اسم لتصديق شهادة العقول والآثار على وحدانية الله تعالى، وأن له الخلق والأمر لا شريك له في ذلك، والإسلام إسلام المرء نفسه بكليتها لله تعالى بالعبودية له من غير شرك، فحصلا من طريق المراد منهما على معنى واحد. ولو كان الاسمان متغايرين لتصور وجود أحداهما بدون الآخر ولتصور مؤمن ليس بمسلم، أو مسلم ليس بمؤمن، فيكون لأحدهما في الدنيا أو الآخرة حكم ليس للآخر وهذا باطل قطعًا. وقال في «الكفاية»: الإيمان هو تصديق الله فيما أخبر من أوامره ونواهيه، والإسلام هو الانقياد والخضوع لألوهيته، وإذا لا يتحقق إلا بقبول الأمر والنهي، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا فلا يتغيران، وإذا كان المراد بالاتحاد هذا المعنى صح التمسك فيه بالإجماع، على أنه يمتنع أن يأتي أحد بجميع ما اعتبر في الإسلام ولا يكون مؤمنًا، وعلى أنه ليس للمؤمن حكم لا يكون للمسلم وبالعكس، وعلى أن دار الإيمان دار الإسلام وبالعكس، وعلى أن الناس كانوا في عهد النبي ﵇ ثلاث فرق مؤمن وكافر ومنافق لا رابع لهم ١.
ويقول إمام الجويني في العقيدة النظامية: " فإن قيل هل يفرق بين الإيمان والسلام، قلنا: وقد يطلق والمراد به الإذعان والاستسلام ظاهرًا من غير إظهار حقيقة الإيمان، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ فالمؤمن إذن المستسلم، وقد لا يكون المستسلم مؤمنًا
_________________
(١) ١ التفتازاني، سعد الدين عمر، شرح المقاصد، ج٢ ص٢٥٩-٢٦٠.
[ ١٥٩ ]
فكل مؤمن على ذلك مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا " ١.
فمما تقدم من النصوص يتضح لنا أن مذهب الأشاعرة في الصلة بين الإيمان والإسلام مبني على الخلاف إذ لم يتفقوا فيها على رأي بل اختلفوا في ذلك على قولين:
١ - أن الإيمان والإسلام متغايران ذاتًا ومفهومًا مع القول بتلازمهما شرعًا في الوجود بمعنى أنه لا يوجد مسلم ليس بمؤمن، كما أنه لا يمكن وجود مؤمن ليس بمسلم مع اختلاف حقيقتي الإيمان والإسلام. وهذا الرأي عزاه - كما تقدم - الشيخ اللقاني إلى جمهور الأشاعرة، وهو ما اختاره إمام الحرمين نفسه وقال به كما يتضح لنا من كلامه المتقدم، ولعله قصد بقوله فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا أن الانقياد والاستسلام قد يحصل بدون تصديق فلا يعتد به، أما التصديق إذا حصل فلا بد وأن ينتج الانقياد والاستسلام الذي هو معنى الإسلام فيكون بذلك مؤمنًا مسلمًا وإلا فهو يقول - كغيره من أصحاب هذا الرأي - بالتلازم بين الإيمان والإسلام في الوجود.
وقد قال بهذا القول وأيده بشدة تاج الدين السبكي في «طبقات الشافعية» ٢.
٢ - أن الإيمان والإسلام متحدان، بمعنى أنهما مترادفان مفهومًا ومرادًا، ومتساويان في الوجود، فكل متصف بأحدهما، فهو متصف بالآخر من الناحية الشرعية. وهذا يشبه ما تقدم في الرأي الأول من القول بالتلازم في الوجود، مما حدا بشارح «جوهرة التوحيد» إلى اعتبار الخلاف بين الرأيين لفظي باعتبار النتيجة والمآل، وهو في الحقيقة كذلك.
_________________
(١) ١ إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني، العقيدة النظامية، بتحقيق محمد زاهد الكوثري، ص٦٣، ط مطبعة الأنوار، سنة ١٣٦٧هـ - ١٩٤٨م. ٢ السبكي، تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، طبقات الشافعية، تحقيق محمود محمد الطناحي، وعبد الفتاح محمد الحلو، ط١ مطبعة عيسى الحلبي، سنة ١٣٨٣هـ - ١٩٦٤م.
[ ١٦٠ ]
فعند هؤلاء لا يعقل بحسب الشرع مؤمن ليس بمسلم أو مسلم ليس بمؤمن، وهو مرادهم من الترادف. وهذا الرأي - كما تقدم - اختيار الشيخ التفتازاني وعزاه إلى الجمهور، ورواه عن أبي المعين النسفي من كتابه «تبصرة الأدلة»، وضمنه بعض الأدلة على إثباته وترجيحه.
فمن أدلته: الإجماع على أنه لا يمكن أن يأتي أحد بجميع ما اعتبر في الإيمان ولا يكون مسلمًا، أو بجميع ما اعتبر في الإسلام ولا يكون مؤمنًا، وعلى أنه ليس للمؤمن حكم خاص به ولا يكون للمسلم وبالعكس إلى ما آخر ما ذكر من المسائل. وقد ساق بعد ذلك أدلتهم السمعية بقوله:
" والمشهور من استدلال القوم وجهان:
أحدهما: أن الإيمان لو كان غير الإسلام لم يقبل من مبتغيه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ١.
وثانيهما: أنه لو كان غيره لم يصح استثناء أحدهما من الآخر لقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢ أي فلم نجد ممن كان فيها من المؤمنين إلا أهل بيت من المسلمين " ٣.
وبعد أن ذكر التفتازاني هذا الرأي، واستدل له، التفت إلى الرأي الآخر وعزاه إلى الحشوية - على حد تعبيره - وبعض المعتزلة، وهو رأي في نظره باطل.
وأنا أقول: إن هذا الرأي الذي أبطله، وأنكر أن يكون قد تبناه جماعة من الأشاعرة، يعتد بقولهم، أقول: إن هذا الرأي هو الذي يتناسب مع ما سبق تقريره من أن الإيمان عند الأشاعرة هو التصديق فقط، واعتبار الأعمال التي تمثل الإسلام من لوازم ذلك التصديق. وأصحاب القول بالترادف من
_________________
(١) ١ آل عمران: ٨٥. ٢ الذاريات: ٣٥،٣٦. ٣ التفتازاني، شرح المقاصد، ج٢ ص٢٦٠.
[ ١٦١ ]
الأشاعرة قد شعروا بوجود تناقض بين مذهبهم في حقيقة الإيمان، ومذهبهم في القول بالترادف بين الإيمان والإسلام، لذلك حاولوا تفسير وجهة نظرهم بأن المراد بالترادف، الترادف في المراد، بمعنى أن المراد من الإيمان الإذعان بالقلب، والإسلام الإذعان بالجوارح. والمعنيان واحد وكلاهما مطلوب شرعًا، والمراد منهما واحد وهو الإذعان. كما يتضح ذلك من كلام التفتازاني السابق. وقد سبق أن ذكرت عند بيان رأي السلف في هذه المسألة، أن الخلاف بينهم تمَّ على رأيين أيضًا، هما القول بالترادف، والافتراق، وذكرت أن الرأي الصائب هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من القول بالافتراق مع التلازم الشديد بينهما إلى درجة أنه لا يمكن أن يتصور وجود أحدهما بدون الآخر، وأن هذا الرأي هو الذي تجتمع عليه الأدلة، حيث لا يخفى ما بينهما من بُعد لا يمكن أن تجتمع معه إلا على مثل هذا الرأي القائل بالتلازم، بحيث أن الإيمان إذا ذكر منفردًا كما في حديث وفد عبد القيس دخل فيه الإسلام لا محالة؛ وإذا ذكر الإسلام منفردًا دخل الإيمان فيه أيضًا.
وإذا ذُكرا مجتمعين - كما في حديث جبريل - افترقا فيراد من أحدهما غير ما يراد من الآخر من حيث المعنى.
والرأي القائل بالترادف عند السلف، له وجهة لا تتعارض مع رأيهم في حقيقة الإيمان، لإطلاقهم الإيمان على الأعمال، وجعلها جزءًا منه بدلالة النصوص، بخلاف رأي الأشاعرة القائل بالترادف، فإنه يتعارض مع مذهبهم القائل بأن الإيمان تصديق قلبي فحسب، والأعمال لوازم للإيمان، فهي غيره، هذا ما يقتضيه مذهبهم.
بقي أن أذكر أدلة القائلين بالتغاير، فمن أدلتهم قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ١ حيث أثبت أحدهما ونفى الآخر.
_________________
(١) ١ الحجرات: ١٤.
[ ١٦٢ ]
واستدلوا على التغاير أيضًا بعطف أحدهما على الآخر، والعطف - كما يقولون - دليل على المغايرة، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ والتسليم هو الإسلام. وبأن جبريل لما جاء لتعليم الدين سأل النبي ﷺ عن كل منهما على حدة، وأجاب النبي لكلٍّ بجواب وذلك أنه قال: " أخبرني عن الإيمان. فقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله قال: أخبرني عن الإسلام. فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ".
وذلك حديث جبريل المشهور، ولا يخفى قوة أدلة كل من الفريقين لا يجمعهما إلا ما ذكرت آنفًا.
[ ١٦٣ ]
المبحث الثالث
مذهب الأشاعرة في زيادة الإيمان ونقصه
هذه المسألة اختلفت آراء الأشاعرة فيها، فلم يثبتوا على رأي واحد، بل منهم من منع القول بزيادة الإيمان ونقصه، ومنهم من أثبتها، وبعض آخر أثبت الزيادة ومنع النقصان ولكلٍّ وجهة تختلف عن وجهة الآخر ودليل غير دليله. فقد ذكر البغدادي أن من ذهب من الأشاعرة إلى القول بأن الإيمان تصديق بالقلب فقط منع القول بالنقصان، واختلفوا في الزيادة وقد اختار هو القول بالزيادة والنقصان وساق الأدلة على ذلك ١.
وقد ذكر صاحب «المواقف» عن الإمام الرازي وكثير من المتكلمين رأيهم بأنه بحث لفظي، لأنه فرع تفسير الإيمان، فمن قال هو التصديق فليس هو قابلًا للزيادة والنقصان، وعللوه بأن الواجب هو اليقين وأنه لا يقبل التفاوت لا بحسب ذاته، لأن التفاوت إنما هو لاحتمال النقيض وهو - أي احتماله - ولو بأبعد وجه ينافي اليقين فلا يجامعه، ولا بحسب متعلقه، لأنه جميع ما علم بالضرورة مجيء الرسول به، والجميع من حيث هو جميع لا يتصور فيه تعدد، وإلا لم يكن جميعًا، وإن قلنا هو الأعمال، إما وحدها أو مع التصديق فيقبلهما وهو ظاهر ٢. وهذا القول - أي أن الخلاف
_________________
(١) ١ انظر: أصول الدين للبغدادي، ص٢٥٢، ط مطبعة الدولة باستانبول، سنة ١٣٤٦هـ - ١٩٢٨م. ٢ انظر: المواقف بشرح الجرجاني، ج٨ ص٣٣٠، ط مطبعة السعادة، مصر، سنة ١٣٢٥هـ - ١٩٠٧م.
[ ١٦٤ ]
في مسألة زيادة الإيمان ونقصه لفظي - في نظري غير صحيح، لأن ثمة من قال بأن الإيمان هو التصديق، ومع ذلك قال إن الإيمان يزيد وينقص بحسب ذاته أي التصديق نفسه يزيد وينقص، وبحسب متعلقه وهي أفراد ما جاء به الرسول ﷺ مما يجب التصديق به.
وممن قال بأن الخلاف في زيادة الإيمان ونقصه لفظي الإمام أبو حامد الغزالي ١. على أنني أحب أن أنبه هنا إلى أنهم لا يقصدون بقولهم: إن الخلاف لفظي أن الآراء ترجع إلى رأي واحد إما القول بالزيادة والنقصان أو عدمهما على تعددها، بل المقصود أن الرأي في ذلك فرع عن الرأي في حقيقة الإيمان.
ثم إن عضد الدين الإيجي صاحب «المواقف»، رجح القول بأن الإيمان يزيد وينقص حتى وإن كان التصديق وحده حيث قال: والحق أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان لوجهين: أي بحسب الذات وبحسب التعلق.
الأول: القوة والضعف من التصديق من الكيفيات النفسانية المتفاوتة قوة وضعفًا.
الثاني: من وجهَي التفاوت - أعني ما هو بحسب المتعلق - أن يقال: التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان يثاب عليه ثوابه على تصديقه بالإجمال، يعني أن أفراد ما جاء به متعددة وداخلة في التصديق الإجمالي. فإذا علم واحدًا منها بخصوصه وصدق به، كان هذا تصديقًا مغايرًا لذلك التصديق المجمل، وجزءًا من الإيمان. ولا شك أن التصديقات التفصيلية تقبل الزيادة فكذلك الإيمان، والنصوص كنحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ دالة على قبوله لهما - أي قبول الإيمان للزيادة والنقصان - بالوجه الثاني، كما أن نص قوله
_________________
(١) ١ انظر: الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي، تحقيق الدكتور عادل العوا، ص٢٠٨، ط١ بدار الأمانة، بيروت، سنة ١٣٨٨هـ ـ١٩٦٩م.
[ ١٦٥ ]
تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ دل على قبوله لهما بالوجه الأول ١.
هذا ما ارتضاه صاحب «المواقف»، وقد رد على من قال من أصحابه بأن الإيمان - الذي هو التصديق عندهم لا يزيد ولا ينقص بقوله: قولكم الواجب اليقين والتفاوت لا يكون إلا لاحتمال النقيض - قلنا لا نسلم أن التفاوت لذلك الاحتمال فقط، إذ يجوز أن يكون بالقوة والضعف بلا احتمال للنقيض - ثم ذلك الذي ذكرتموه يقتضي أن يكون إيمان النبي ﷺ وآحاد الأمة سواء، وأنه باطل إجماعًا. ولقول إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فإنه يدل على قبول التصديق اليقيني للزيادة كما سلف تقريره والظاهر أن الظن الغالب الذي لا يخطر معه احتمال النقيض بالبال حكم حكم اليقين، في كونه إيمانًا حقيقيًا، فإن إيمان أكثر العوام من هذا القيبل، وعلى هذا فكون التصديق الإيماني قابلًا للزيادة واضح وضوحًا تامًا ٢.
وقد ذكر تاج الدين السبكي أن هناك جماعة قالوا بأن الإيمان هو التصديق، ومع ذلك قالوا أيضًا بأنه يزيد وينقص، وأنهم إنما ذهبوا هذا المذهب ليجمعوا بين كلام السلف القائلين بأن الإيمان يتجزأ وما أنكروا أن يكون تصديقًا، وبين قول أبي الحسن الأشعري القائل بأنه التصديق فقط، وما أنكر أن يصح تجزؤه فجمعوا بين الأمرين بأن قالوا: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الأعمال ونقصانها، وقالوا: إن في هذا توفيقًا بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة، وأقاويل السلف وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون، وممن قال بهذا الرأي من متكلمي الأشاعرة الآمدي في كتابه «أبكار الأفكار» ٣.
_________________
(١) ١ المواقف بشرح الجرجاني،ج٨ ص٣٣١، ط مطبعة السعادة، مصر، سنة ١٣٢٥هـ - ١٩٠٧م. ٢ المصدر السابق نفسه. ٣ انظر: طبقات الشافعية لتاج الدين السبكي، بتحقيق محمود محمد الطناحي، وعبد الفتاح محمد الحلو، ج١ ص١٣١-١٣٢، ط١ مطبعة عيسى الحلبي، سنة ١٣٨٣هـ - ١٩٦٤م، وشرح صحيح مسلم للإمام النووي، ج١ ص١٤٨، ط المطبعة المصرية ومكتبتها، بدون تاريخ.
[ ١٦٦ ]
وقد استحسن الإمام النووي من محدثي الأشاعرة هذا الرأي إلا أنه مال إلى القول بأن نفس التصديق يزيد وينقص حيث قال: " وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهرًا حسنًا فالأظهر - والله أعلم - أن نفس التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر، وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة، ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك. فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس، ولهذا قال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي مليكة: أردكت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل " ١ اهـ.
ويتبين لنا مما تتقدم أن الأشاعرة اختلفوا في زيادة الإيمان ونقصه على النحو التالي:
١ - أن الإيمان هو التصديق، وهو لا يزيد ولا ينقص، ولهم في ذلك حجة عقلية بحتة وهي أن الإيمان عبارة عن التصديق الجازم البالغ حد اليقين. واليقين لا يقبل التفاوت، لأن التفاوت فيه إنما هو لاحتمال النقيض، واحتمال النقيض الذي هو الشك ينافي اليقين. وهذا قول جماعة قليلة من الأشاعرة ويُنسب إلى أبي الحسن الأشعري نفسه، وهو غير صحيح، لأن ما صرح به في كتاب «الإبانة» الذي هو آخر ما صنف يثبت أنه يقول بزيادة الإيمان ونقصه ٢ كما أسلفنا.
_________________
(١) ١ النووي، المصدر نفسه ص١٤٩. ٢ انظر: كتاب الإبانة عن أصول الديانة للأشعري، ص١٠، ط إدارة الطباعة المنيرية بالأزهر، بدون تاريخ.
[ ١٦٧ ]
٢ - أن الإيمان الذي هو التصديق أيضًا يزيد وينقص، ولأصحاب هذا القول مسلكان:
أـ القول بأن التصديق نفسه يزيد وينقص، فيصح إطلاق القول بالزيادة والنقصان على الإيمان بحسب الذات الذي هو التصديق، وبحسب المتعلق، وهو أفراد ما جاء به الرسول ﷺ مما يجب الإيمان به، وقد استدل هؤلاء على كلا الأمرين. فاستدلوا على زيادة التصديق ونقصانه بحسب ذاته بدليل عقلي وآخر نقلي، فدليلهم العقلي هو " أن التصديق القلبي يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة، وعدم ذلك، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريه الشبه، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا منه في بعضها، فكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها " ١.
أما ما استدلوا به من النقل فقوله تعالى في قصة إبراهيم ﵇: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فاطمئنان القلب الذي هو أقصى درجات التصديق هو ما قصده إبراهيم ﵇ وإلا فهو مصدق دون شك.
كما استدلوا على أن الإيمان يزيد وينقص بحسب متعلقة بأن التصديق التفصيلي في أفراد ما وجب عليه الإيمان به جزء من الإيمان يثاب عليه، كما يثاب على تصديقه بالكل. وأضافوا الى ذلك الآيات المصرحة بزيادة الإيمان. ولا شك أن القابل للزيادة قابل للنقصان.
ب - المسلك الثاني: القول بأن الإيمان يزيد وينقص بحسب متعلقه فقط، أما التصديق نفسه فلا يزيد ولا ينقص، وقد ذهبوا هذا المذهب ليكون جمعًا بين رأي السلف القائل بأن الإيمان يتجزأ والتصديق
_________________
(١) ١ اللقاني، عبد السلام بن إبراهيم المالكي، اتحاف المريد بجوهرة التوحيد، ص٤٣، تحقيق الشيخ محمد يوسف الشيخ، ط١ سنة ١٣٧٩هـ - ١٩٦٠م.
[ ١٦٨ ]
داخل فيه، وقول القائلين بأنه التصديق فقط ولم ينكروا أنه يتجزأ. ووجه الجمع: أن الكل اتفقوا على أن الإيمان يتجزأ سواء هو التصديق وحده أو التصديق والعلم فتقول: إن التصديق الذي هو أصل الإيمان لا يزد ولا ينقص، والزيادة والنقصان إنما تكون في الأعمال التي هي ثمرات الإيمان والإيمان يُطلق عليها حقيقة عند قوم، ومجازًا عند آخرين.
ويكون في هذا جمع بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة، وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون من أنه التصديق فقط.
٣ - أما الرأي الثالث وهو القول بأن الإيمان يزيد ولا ينقص - فهذا رأي قليل الأنصار واضح البطلان ولولا الوفاء بتعداد الآراء لما استحق الذكر، إذ أنه لا يتصور شيئ قابل للزيادة، غير قابل للنقصان.
والراجح من هذه الآراء الذي عليه جمهور الأشاعرة هو الرأي القائل بأن الإيمان يزيد وينقص وإن كان هو التصديق وحده. " لأن التفاوت لا يكون باحتمال النقيض بل بالقوة والضعف، ولليقين مراتب، من أجلى البديهيات إلى أخفى النظريات، فما يُعلَم بداهة أقوى يقينًا مما يُعلَم نظرًا، وما يُعلَم بأدلة أوضح وأكثر وأشد يقينًا من غيره " هكذا قال المعلِّق على شرح «جوهرة التوحيد» . هذا هو رأي الأشاعرة في زيادة الإيمان ونقصه واختلافهم كما رأيت يدور حول هل التصديق نفسه يزيد وينقص، أم أن الزيادة والنقصان تكون من قِبَل ثمراته التي هي الأعمال، فالمسألة خلافية بينهم، ولكن ما عليه جمهورهم هو ما تقدم ذكره، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: اتحاف المريد بجوهرة التوحيد، تعليق الشيخ محمد يوسف الشيخ، ط سنة ١٣٧٩هـ.
[ ١٦٩ ]
المبحث الرابع
رأي الأشاعرة في مرتكب الكبيرة
اتفق الأشاعرة على انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر. أما الصغائر فقد ذكر شارح «المقاصد» اتفاق الأمة عن أن الله تعالى يعفو عنها مطلقًا ١ ويفهم منه أن الأشاعرة مجمعون على ذلك، إلا أن شارح «جوهرة التوحيد» ذكر رأيين في هذه المسألة بعد أن ذكر الاتفاق على ترتيب التكفير على اجتناب الكبائر، فقال: ذهب أئمة الكلام إلى أنه لا يجب التكفير على القطع بل يجوز ويغلب على الظن ويقوى فيه الرجاء، لأنا لو قطعنا لمجتنب الكبائر بتكفير صغائره بالاجتناب، لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بأنه لا تبعة فيه. وذلك نقض لعُرى الشريعة،فقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ معناه إن شئنا حملًا له على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
وذهب جماعة من الفقهاء والمحدثين والمعتزلة إلى أن المكلف إذا اجتنب الكبائر كفرت صغائره قطعًا ولم يجز تعذيبه عليها، بمعنى أنه لا يجوز أن يقع لقيام الأدلة السمعية على عدم وقوعه كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ والنظم ظاهر في هذا الثاني وهو أشهر من الأول عندهم، ومبنى القولين جواز العقاب على الصغيرة وامتناعه
_________________
(١) ١ شرح المقاصد، ج٢ ص٢٣٥، ودعوى اتفاق الأمة غير صحيح، فخلاف الخوارج مشهور.
[ ١٧٠ ]
والأول هو الحق ١. وهذا الكلام يدل على انقسام القوم في غفران الصغيرة إلى رأيين.
أحدهما: القول بأنها تُغفَر قطعًا نظرًا لوعد الله ﷾ بذلك في كتابه حيث قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ٢، وهذا إيجاب منه تعالى على نفسه بغفران الصغائر إذا اجتُنِبَت الكبائر فلا بد وأن الصغائر تغفر لا محالة تفضلًا منه سبحانه. وهذا الرأي هو المذهب المشهور عن الأشاعرة كما ذكر ذلك شارح «المقاصد» الذي يعتبر كتابه من أشهر الكتب التي يعتمد عليها أصحابه.
أما الرأي الثاني فهو القول بأن الصغائر يجوز أن تغفر، ولا نقول بالقطع لأن في ذلك إغراءًا بفعلها، وهو دليل عقلي بحت ولا يخفى ما بين الرأيين من تقارب؛ إذ كلها تتفق على أن الصغائر تغفر إذا اجتنبت الكبائر تفضلًا والخلاف في القطع بذلك أو عدمه. ولكن الرأي الذي يسنده الدليل هو القائل بأنه تغفر قطعًا إذا اجتنبت الكبائر لوضوح الأدلة على ذلك، ولا تخفى مؤاخذة صاحبها إن كانت تجرّه إلى فعل الكبيرة.
هذا بشأن حكم الصغيرة عند الأشاعرة أما حكم مرتكبي الكبائر، فالكلام في ذلك ذو شقين أحدهما الكلام في صفته وتسميته في الدنيا، والثاني الكلام في حكمه الأخروي. فأما تسميته وحكمه الدنيوي فقد ذهبوا إلى القول بأن مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق، لأن ارتكاب الكبيرة لا يُذهِب إيمانه كما ذهب إليه المعتزلة وإنما يؤثر فيه بالنقصان، فيُسلب منه كمال الإيمان، ويُقيَّد بما اتصف به من معصية وفسق، فيقال مؤمن فاسق. وفي هذا يقول أبو بكر الباقلاني في «التمهيد»: فإن قال قائل: فخبِّروني عن الفاسق الملِّي هل تسمونه مؤمنًا بإيمانه الذي فيه، وهل تقولون إن فسقه لا يضاد إيمانه؟ قيل له: أجل، فإن قال: فلمَ قلتم إن الفسق الذي ليس
_________________
(١) ١ اللقاني، عبد السلام بن إبراهيم المالكي، اتحاف المريد بجوهرة التوحيد، ص١٥٨، تعليق الشيخ محمد يوسف الشيخ،ط سنة ١٣٧٩هـ - ١٩٦٠م. ٢ النساء: ٣١.
[ ١٧١ ]
بجهل بالله لا يضاد الإيمان؟ قيل له: لأن الشيئين إنما يتضادان في محل واحد، وقد علمنا أن ما يوجد بالجوارح لا يجوز أن يُنفى علمًا وتصديقًا، يوجد بالقلب فثبت أنه غير مضاد للعلم بالله والتصديق له. والدليل على ذلك أنه قد يعزم على معصية الرسول ﵌ بقلبه من لا ينفي عزمه على ذلك معرفة النبي ﵌، وتصديقه له، وكذلك حكم القول في العزم على معصية الله ﷿، وأنه غير مضاد لمعرفته والعلم به، والتصديق له هو الإيمان لا غير. فصح بذلك اجتماع الفسق الذي ليس بكفر مع الإيمان وأنهما غير متضادين.
فإن قال: ولم قلتم إنه يجب أن يسمى الفاسق الملي بما فيه من الإيمان مؤمنًا؟ قيل له: لأن أهل اللغة إنما يشتقون هذا الاسم للمسمى به من وجود الإيمان به، فلما كان الإيمان موجودًا بالفاسق الذي وصفنا حاله، وجب أن يسمى مؤمنًا كما أنه لما لم يضاد ما فيه من الإيمان فسقه الذي ليس بكفر وجب أن يسمى به فاسقًا. وأهل اللغة متفقون على أن اجتماع الوصفين المختلفين لا يوجب منع اشتقاق الأسماء منهما، ومن أحدهما، فوجب بذلك ما قلناه ١.
فمما تقدم يتبين لنا الرأي ودليله، وذلك الدليل الذي ساقه الباقلاني ذو شقين، أحدهما عقلي والآخر لغوي.
أما العقلي: فيقول إن الفسق لا يضاد الإيمان، لأن التضاد بين الشيئين لا يكون إلا إذا وجدا في محل واحد، والمعصية التي بها يكون الفسق محلها الجوارح، والإيمان عندهم محله القلب فقط. وما يوجد بالجوارح لا يجوز أن ينفي ما يوجد بالقلب، لأنه غير مضاد له، إذ قد يعص الله تعالى من هو مصدق بقلبه بالله ورسله، فصح بذلك اجتماع الفسق والإيمان.
وأما اللغوي: فهو أن أهل اللغة يشتقون تسمية الشيئ من صفة توجد
_________________
(١) ١ الباقلاني، أبو بكر محمد بن الطيب، كتاب التمهيد، ص٣٤٩-٣٥٠، نشر المكتبة الشرقية، بيروت، سنة١٩٥٧م.
[ ١٧٢ ]
فيه، والإيمان الذي هو التصديق القلبي موجود في الفاسق الذي عصى الله تعالى بعمل قبيح صدر عن الجوارح غير مضاد للإيمان.
وهذان الدليلان - كما هو واضح - مبنيان على مذهبهم القائل بأن الإيمان هو التصديق القلبي بالله وملائكته وكتبه ورسله، الذي تقدم بيانه، وأن أعمال الجوارح إنما هي ثمرات ذلك التصديق القلبي، وليست ركنًا فيه، ولا جزءًا في مفهومه. وهم موافقون للسف في إطلاقهم هذه الصفة على مرتكب الذنب الكبير وقد تقدم استدلالهم على هذه التسمية بمثل قوله تعالى في شأن حاطب بن أبي بلتعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ فقد خاطبه باسم الإيمان مع ما ارتكبه من عظيم الذنب بشأن الله ورسوله في قصته المشهورة ومثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فسماهم مؤمنين مع اقتتالهم، وغير ذلك من الآيات التي تطلق على فاعل الذنب الكبير اسم المؤمن، وذلك أيضًا دليل للأشاعرة لأنهم يرون نفس الرأي.
أما الحكم الأخروي لمرتكب الكبيرة عند الأشاعرة، فإنهم أيضًا يوافقون السلف فيه. حيث فوَّضوا أمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه بعدله وإن شاء غفر له بفضله وذلك إذا مات المذنب من غير توبة، وعن سابق إصرار وفي ذلك يقول البغدادي من الأشاعرة: " فأما أصحاب الذنوب من المسلمين إذا ماتوا قبل التوبة فمنهم من يغفر الله ﷿ له قبل تعذيب أهل العذاب، ومنهم من يعذبه في النار مدة ثم يغفر له ويرده إلى الجنة برحمته " ١.
ويقول الشيخ عبد السلام بن إبراهيم اللقاني في شرح «جوهرة التوحيد»: " فذهب أهل الحق إلى أنه لا يقطع له بعفو ولا عقاب، بل هو في مشيئة الله ﷾، وعلى تقدير وقوع العقاب عدلًا
_________________
(١) ١ البغدادي، أبو منصور عبد القاهر بن طاهر، أصول الدين، ص٢٤٢، ط١ مطبعة الدولة، استانبول، سنة١٣٤٦هـ - ١٩٢٨م.
[ ١٧٣ ]
منه ﷾ يقطع له بعدم الخلود في النار ". ولا نعلم خلافًا للأشاعرة في هذه المسألة. ويتبين لنا مما تقدم أن معتقد القوم في مرتكب الكبيرة أنه لا يقطع عليه بحكم ما، بل يفوض أمره إلى الله ﷾، إن شاء غفر له ذنوبه ابتداءً من غير سابق تعذيب فيدخله الجنة بفضله ورحمته، وإن شاء أدخله النار وعذبه بقدر جرمه ثم أخرجه منها وأدخله الجنة. وكل هذا يستندون فيه إلى أدلة شرعية منها ما يدل على إمكان غفران الذنوب، ومنها ما يدل على عدم تخليد المذنب المؤمن إذا هو أدخل النار لمعاقبته التي تتم بعدل من الله ﷾.
فمن النصوص التي استدلوا بها على غفران الذنوب ما عدا الشرك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ إلى غير ذلك مما استدلوا به على هذه المسألة مما ورد في كتاب الله ﷾ وسنة نبيه مما تقدم ذكره في بيان مذهب السلف، فلا داعي لتكراره.
ثم إنهم استدلوا على هذه المسألة أيضًا بأن العقاب حقه تعالى فيحسن إسقاطه مع أن فيه نفعًا للعبد من غير ضرر لأحد. أما دليلهم على أن من عُذب من العصاة لا يخلد في النار فهو أيضًا عين ما استدل به السلف من مثل قوله ﷺ: " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة " قالوا: وليس ذلك استقامة الكلام: خاصًا بما قبل دخول النار بل قد يكون بعده. وهي مسألة انقطاع العذاب أو بدونه وهي مسألة العفو التام. ومن أدلتهم أيضًا قوله ﷺ: " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان " إلى غير
_________________
(١) انظر: اتحاف المريد بجوهرة التوحيد، تعليق الشيخ محمد يوسف الشيخ، ص١٧٣، ط سنة ١٣٧٩هـ. النساء: ٤٨. الزمر: ٥٣. عبد السلام بن إبراهيم اللقاني، المصدر السابق ص١٧٢. المصدر نفسه ص١٧٤.
[ ١٧٤ ]
ذلك من الأدلة التي سبق ذكرها عند بيان مذهب السلف في هذه المسألة والتي يتفق الأشاعرة معهم فيها.
وقصارى القول في هذه المسألة: أن الأشاعرة يتفقون مع السلف فيها من ناحية الاعتقاد وطريقة الاستدلال، ولزيادة التفصيل والبيان يرجع لما تقدم تقريره في مذهب السلف، والله الموفق.
[ ١٧٥ ]
المبحث الخامس
الاستثناء في الإيمان عند الأشاعرة
ذهب الأشاعرة في هذه المسألة إلى أن الإيمان الذي يتصف به الإنسان في الحال مقطوع به لا يجوز الاستثناء فيه وإنما يجوز الاستثناء في الإيمان باعتبار الموافاة في المستقبل. وفي ذلك يقول التفتازاني في شرح «المقاصد» بعد ذكره للآراء الواردة في هذه المسألة يقول: " الثالث وعليه التعويل ما قال إمام الحرمين: أن الإيمان ثابت في الحال قطعًا من غير شك فيه، لكون الإيمان الذي هو علم الفوز وآية النجاة إيمان الموافاة، فاعتنى السلف به وقرنوه بالمشيئة، ولم يقصدوا الشك في الإيمان الناجز. ومعنى الموافاة الإتيان والوصول إلى آخر الحياة وأول منازل الآخرة، ولا خفاء في أن الإيمان المنجي والكفر المهلك ما يكون في تلك الحال، وإن كان مسبوقًا بالضد لا ما ثبت أولًا، وتغير إلى الضد. فلهذا يرى الكثير من الأشاعرة - (يبنون القول بأن العبرة بإيمان الموافاة) ١ وسعادتها بمعنى أن ذلك هو المنجي، لا بمعنى أن إيمان الحال ليس بإيمان وكفره ليس بكفر، وكذا السعادة والشقاوة، والولاية والعداوة، وبالجملة لا يشك المؤمن في ثبوت الإيمان وتحققه في الحال، ولا في الجزم بالثبات والبقاء عليه في الحال، لكن يخاف سوء الخاتمة ويرجو حسن العاقبة، فيربط إيمان
_________________
(١) ١ هكذا في الأصل المطبوع: ولعل الكلام فيه نقص واستقامته: يبنون القول بجواز الاستثناء على أن العبرة. . الخ.
[ ١٧٦ ]
الموافاة الذي هو آية النجاة ووسيلة نيل الدرجات بمشيئة الله جريًا على مقتضى قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ " ١.
فإذًا نتبين مما تقدم أن المسألة ذات شقين، أحدهما: عدم جواز الاستثناء في الإيمان الناجز، لأن ذلك يُعتبر شكًا في الإيمان والشاك في إيمانه لا يُعتبر مؤمنًا، فإذا سئل أمؤمن هو؟ جزم بالإيجاب لا بالتعليق بالمشيئة.
وثانيهما: جواز الاستثناء باعتبار واحد فقط، وهو أن الإيمان المعتبر في النجاة من النار ودخول الجنة هو ما يختم به للإنسان فيستثنى من أجل أنه لا يدري ما يوافي الله به من الإيمان لأن خاتمة مجهولة مع رجائه أن تكون حسنة. وهذا هو المذهب المشهور عن الأشاعرة.
كما ذكر البغدادي أنهم مختلفون في ذلك وبيَّن اختلافهم بقوله: " والقائلون بأن الإيمان هو التصديق من أصحاب الحديث مختلفون في الاستثناء فيه فمنهم من يقول به، وهو اختيار شيخنا أبي سهل محمد بن سليمان الصعلوكي، وأبي بكر محمد بن الحسين بن فورك، ومنهم من ينكره وهذا اختيار جماعة من شيوخ عصرنا، منهم أبو عبد الله بن مجاهد، والقاضي أبو بكر محمد بن الطيب الأشعري، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفرائيني" ٢.
ووجهة المجيزين ما تقدم ذكره، أما المانعون منه فلا دليل لهم إلا أنهم يعتبرون ذلك شكًا، والشك في الإيمان غير جائز. وينضم إلى أدلة المجيزين لهذه المسألة ما تقدم ذكره عند بيان مذهب السلف من مثل قوله ﵇ عند زيارة القبور: " إنا إن شاء الله بكم لاحقون " وقوله تعالى:
_________________
(١) ١ التفتازاني سعد الدين، شرح المقاصد، ج٢ ص٢٦٣-٢٦٤، ط مطبعة الحاج محرم أفندي، سنة ١٣٠٥هـ. ٢ البغدادي، أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي، أصول الدين، ص٢٥٣، ط١ مطبعة الدولة باستانبول، سنة ١٣٤٦هـ - ١٩٢٨م.
[ ١٧٧ ]
﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ حيث كان الاستثناء في أمر مقطوع به، والله أعلم.
[ ١٧٨ ]