[ ١١١ ]
أركان الإيمان
إن معتقد أهل السنة والجماعة في أصول الإيمان؛ يتلخص في التصديق بأركانه الستة، كما أخبر النبي ﷺ في حديث جبريل - ﵇ - لما جاء يسأله عن الإيمان؛ فقال ﷺ:
(أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره) (١) .
فالإيمان يقوم على هذه الأركان الستة؛ إذا سقط منها ركن لم يكن الإنسان مؤمنًا البتة؛ لأنه فقد ركنًا من أركان الإيمان؛ فالإيمان لا يقوم إلا على أركانه تامة، كما لا يقوم البنيان إلا على أركانه مكتملة.
لذا لا يتم الإيمان إلا بأركانه الستة جميعًا على الوجه الصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة، ومن جحد شيئًا منها فليس بمؤمن، وإن ادعى الإيمان، وقام ببعض أركان الإسلام.
_________________
(١) (رواه البخاري) في (كتاب الإيمان) باب: (سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة) . و(رواه مسلم) في (كتاب الجنائز) باب: (بيان الإيمان والإٍسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله ﷾) .
[ ١١٣ ]
(١)
الإيمان بالله
الإيمان بالله ﷾: هو التصديق الجازم بوجود الله وربوبيته - جل وعلا - واتصافه بكل صفات الكمال، ونعوت الجلال، واستحقاقه وحده العبادة، واطمئنان القلب بذلك اطمئنانًا تُرى آثاره في سلوك الإنسان، والتزامه بأوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه، وهو أساس العقيدة الإسلامية ولبها؛ فهو الأصل، وكل أركان العقيدة مضافة إليه، وتابعة له.
فالإيمان بالله تعالى يتضمن الإيمان بوحدانيته، واستحقاقه للعبادة؛ لأن وجوده - جل وعلا - لا شك فيه ولا ريب، وقد دل على وجوده ﷾:
الفطرة، والعقل، والشرع، والحس.
ومن الإيمان بالله تعالى الإيمان بوحدانيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وذلك بالإقرار بأنواع التوحيد الثلاثة، واعتقادها، والعمل بها، وهذه الأنواع هي: (توحيد الربوبية، (توحيد الألوهية)، (توحيد الأسماء والصفات) .
[ ١١٤ ]
١- توحيد الربوبية (١):
معناه الاعتقاد الجازم والإقرار التام؛ بأن الله تعالى وحده رب كل شيء ومليكه، لا شريك له، وهو الخالق وحده، وهو مدبر العالم والمتصرف فيه والقادر عليه، وأنه خالق العباد، ورازقهم، ومحييهم، ومميتهم، ولا معقب لحكمه، والإيمان بقضاء الله وقدره، وبوحدانيته في ذاته، وخلاصته (توحيد الله تعالى بأفعاله) .
وقد قامت الأدلة الشرعية على وجوب الإيمان بربوبية الله تعالى؛ كقوله ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) .
وقوله: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) .
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٤) .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥) .
وهذا النوع من التوحيد أقر به كفار قريش، وأكثر أصحاب
_________________
(١) «) (الربوبية): (نسبة لاسم الله جل وعلا: (الرب) ولها عدد معانٍ في اللغة منها: المربي، المالك، السيد، المدبر، الوالي، المنعم، المتمم، القيم. ولا يقال الرب - بالألف واللام - لغير الله تعالى إلا بالإضافة، فيقال: رب كذا..) انظر (لسان العرب) ج١، ص ٣٩٩. و(تاج العروس) ج٢، ص ٤.
(٢) سورة الفاتحة، الآية: ١.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ٥٤.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٩.
(٥) سورة الذاريات، الآية: ٥٨.
[ ١١٥ ]
الملل والديانات؛ فكلهم يعتقدون أن خالق العالم هو الله وحده، قال الله - ﵎ - عنهم: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (١) .
وذلك لأن قلوب العباد مفطورة على الإقرار بربوبيته - جل وعلا - لذا؛ فلا يصبح معتقده موحدا؛ حتى يلتزم بالنوع الثاني من أنواع التوحيد، وهو:
٢- توحيد الألوهية (٢):
هو إفراد الله تعالى بالعبادة، ويسمى توحيد العبادة، ومعناه الاعتقاد الجازم؛ بأن الله - ﷾ - هو الإله الحق ولا إله غيره، وكل معبود سواه باطل، وإفراده تعالى بالعبادة والخضوع والطاعة المطلقة، وأن لا يشرك به أحد كائنا من كان، ولا يصرف شيء من العبادة لغيره تعالى؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والدعاء، والاستعانة، والنذر، والذبح، والتوكل، والخوف
_________________
(١) سورة لقمان، الآية: ٢٥.
(٢) «) (الألوهية): (مشتقة من كلمة (إله) بمعنى المعبود المطاع، أي: المألوه، وهو شامل لكل من يعبد: الإله الحق وهو الله تعالى، والآلهة الباطلة التي تعبد من دون الله، ولكن الإله الحق يجب أن يكون خالقًا قادرًا رازقًا مدبرًا، وعليه مقتدرًا؛ فمن لم يكن كذلك فليس بإله، وإن عبد ظلمًا، وسمي إلهًا) انظر (لسان العرب) ج١، ص ٣٩٩.
[ ١١٦ ]
والرجاء والحب، والإنابة، والخشية، والتذلل، وغيرها من أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، وأن يعبد الله بالحب والخوف والرجاء جميعًا، وعبادته ببعضها دون بعض ضلال، قال الله ﵎:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) .
وقال: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) .
وتوحيد الألوهية هو ما دعا إليه جميع الرسل، وإنكاره هو الذي أورد الأمم السابقة موارد الهلاك.
وهو أول الدين وآخره وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، ولأجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وسلت سيوف الجهاد، وفرق بين المؤمنين والكافرين، وبين أهل الجنة وأهل النار.
وهو معنى قوله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ .
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٣) .
_________________
(١) سورة الفاتحة، الآية: ٥.
(٢) سورة المؤمنون، الآية: ١١٧.
(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٢٥.
[ ١١٧ ]
ومن كان ربًا خالقًا، رازقًا، مالكًا، متصرفًا، محييًا، مميتًا، موصوفًا بكل صفات الكمال، ومنزهًا من كل نقص، بيده كل شيء؛ وجب أن يكون إلهًا واحدًا لا شريك له، ولا تصرف العبادة إلا له سبحانه، قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) .
فتوحيد الربوبية متضمن توحيد الألوهية؛ لأن المشركين لم يعبدوا إلهًا واحدًا، وإنما عبدوا آلهة متعددة، وزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وهم مع ذلك معترفون بأنها لا تضر ولا تنفع؛ لذلك لم يجعلهم الله - ﷾ - مؤمنين رغم اعترافهم بتوحيد الربوبية؛ بل جعلهم في عداد الكافرين بإشراكهم غيره في العبادة.
ومن هنا يختلف معتقد أهل السنة والجماعة عن غيرهم في توحيد الألوهية؛ فهم لا يعنون كما يعني البعض أن معناها: أنه لا خالق ولا رازق إلا الله فحسب؛ بل إن توحيد الألوهية عندهم لا يتحقق إلا بوجود أصلين:
الأول: أن تصرف جميع أنواع العبادة له - سبحانه - دون
_________________
(١) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.
[ ١١٨ ]
ما سواه، ولا يعطى المخلوق شيئًا من حقوق الخالق وخصائصه.
أي: لا يعبد إلا الله تعالى، ولا يصلي لغير الله، ولا يسجد لغير الله، ولا ينذر ولا يذبح لغير الله، ولا يتوكل على غير الله، ولا يستعان إلا به، ولا يدعى غيره تعالى، إلى غير ذلك من الأمور التي هي من خصائص الله تعالى، والتي لا يقدر عليها إلا الله.
وإن توحيد الألوهية يقتضي إفراد الله تعالى وحده بالعبادة.
والعبادة: تكون بقول القلب واللسان، وبعمل القلب والجوارح، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦٢﴾ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) .
وقال: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٢) .
الثاني: أن تكون العبادة موافقة لما أمر الله تعالى به، وأمر رسوله ﷺ.
فتوحيد الله - سبحانه - بالعبادة والخضوع والطاعة والمحبة: هو تحقيق شهادة أن ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ .
_________________
(١) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢- ١٦٣.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٣.
[ ١١٩ ]
ومتابعة رسول الله ﷺ والإذعان لما أمر به، ونهى عنه، والانقياد المطلق له ﷺ: هو تحقيق أن ﴿مُّحَمَّدًٌا رَّسُولُ اللَّهِ﴾ .
فمنهج أهل السنة والجماعة:
أنهم يعبدون الله تعالى ولا يشركون به شيئًا؛ فلا يسألون إلا الله، ولا يستعينون إلا بالله، ولا يستغيثون إلا به سبحانه، ولا يتوكلون إلا عليه جل وعلا، ولا يخافون إلا منه، ويتقربون إلى الله تعالى بطاعته، وعبادته، وبصالح الأعمال، قال تعالى:
﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ (١) .
٣- توحيد الأسماء والصفات:
معناه الاعتقاد الجازم بأن الله - ﷿ - له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو متصف بجميع صفات الكمال، ومنزه عن جميع صفات النقص، متفرد بذلك عن جميع الكائنات.
وأهل السنة والجماعة:
يعرفون ربهم بصفاته الواردة في القرآن والسنة، ويصفون ربهم بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ولا يحرفون
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٣٦.
[ ١٢٠ ]
الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون (١)
في أسمائه وآياته، ويثبتون لله ما أثبت لنفسه من غير تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف، وقاعدتهم في كل ذلك قوله ﵎:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٢) .
وقوله: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٣) .
وأهل السنة والجماعة:
لا يحددون كيفية صفات الله تعالى؛ لأنه - جل وعلا - لم يخبر عن الكيفية، ولأنه لا أحد أعلم من الله - سبحانه - بنفسه.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ (٤) .
_________________
(١) «) (الإلحاد): هو الميل عن الحق والانحراف عنه؛ ويدخل فيه (التعطيل، والتحريف والتكييف، والتمثيل) . التعطيل: عدم إثبات الصفات، أو إثبات بعضها ونفي الباقي. التحريف: تغيير النص لفظًا أو معنى، وصرفه عن معناه الظاهر إلى معنى لا يدل عليه اللفظ إلا باحتمال مرجوح؛ فكل تحريف تعطيل، وليس كل تعطيل تحريفا. التكييف: بيان الهيئة التي تكون عليها الصفات. التمثيل: إثبات المثل للشيء؛ مشابهًا له من كل الوجوه.
(٢) سورة الشورى، الآية: ١١.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٤٠.
[ ١٢١ ]
وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١) .
ولا أحد أعلم بالله بعد الله، من رسول الله ﷺ الذي قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) .
وأهل السنة والجماعة:
يؤمنون أن الله - ﷾ - هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) .
وكما أن ذاته - ﷾ - لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته لا تشبه الصفات؛ لأنه - سبحانه - لا سمي له، ولا كفء له ولا ند له، ولا يقاس بخلقه؛ فيثبتون لله ما أثبته لنفسه إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل؛ فحين يثبتون لله ما أثبته لنفسه لا يمثلون، وإذا نزهوه لا يعطلون الصفات التي وصف نفسه بها.
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٧٤.
(٢) سورة النجم، الآيتان: ٣- ٤.
(٣) سورة الحديد، الآية: ٣.
[ ١٢٢ ]
ويؤمنون أن الله - ﷾ - محيط بكل شيء، وخالق كل شيء، ورازق كل حي، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١) .
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٢) .
ويؤمنون بأن الله تعالى استوى (٣) على العرش فوق سبع سموات، كما يؤمنون بعلو الله عن خلقه وأنه بائن من خلقه، أحاط بكل شيء علمًا، كما أخبر عن نفسه في كتابه العزيز في سبع آيات كريمات؛ بلا تكييف (٤) .
قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٥) .
_________________
(١) سورة الملك، الآية: ١٤.
(٢) سورة الذاريات، الآية: ٥٨.
(٣) «) الاستواء على العرش والعلو؛ صفتان نثبتهما لله تعالى إثباتًا يليق بجلاله، وتفسير كلمة (استوى) عند السلف: (استقر، علا، ارتفع، صعد) والسلف يفسرونها بهذه الكلمات لا يتجاوزونها ولا يزيدون عليها، ولم يرد في تفسير السلف تفسيرها بمعنى: (استولى، ولا ملك، ولا قهر) . والكيف مجهول؛ لا يعلمه إلا الله. والإيمان به واجب؛ لثبوت الأدلة. والسؤال عنه بدعة؛ لأن كيفية الاستواء لا يعلمها إلى الله، ولأن الصحابة أيضًا لم يسألوا الرسول ﷺ عن الكيفية.
(٤) «) وهي على الترتيب: سورة الأعراف، الآية:٥٤. وسورة يونس، الآية:٣. وسورة الرعد، الآية:٢. وسورة طه، الآية: ٥. وسورة الفرقان، الآية: ٥٩. وسورة السجدة، الآية: ٤.وسورة الحديد، الآية: ٤.
(٥) سورة طه، الآية: ٥.
[ ١٢٣ ]
وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) .
وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦﴾ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (٢) .
وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٣) .
وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ (٤) .
وقال النبي ﵌: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟) (٥) (٦) .
وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن الكرسي والعرش حق لا ريب فيه، قال الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٧) .
_________________
(١) سورة الحديد، الآية: ٤.
(٢) سورة الملك، الآيتان: ١٦- ١٧.
(٣) سورة فاطر، الآية: ١٠.
(٤) سورة النحل، الآية: ٥.
(٥) (رواه البخاري) في (كتاب المغازي) باب: (بعثة علي بن أبي طالب إلى اليمن) .
(٦) «) قال الإمام الحافظ إسحاق بن راهويه - ﵀ - عن الآيات الاستواء: (إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة) . رواه الإمام الذهبي - بسند صحيح - في (العلو للعلي الغفار) .
(٧) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
[ ١٢٤ ]
والعرش لا يقدر قدره إلا الله، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في فلاة وسع السموات والأرض، والله مستغن عن العرش والكرسي، وهو - سبحانه - منزه عن أن يحتاج إلى العرش، وما دونه، فشأن الله - ﵎ - أعظم من ذلك؛ بل العرش والكرسي محمولان بقدرته وسلطانه.
وأن الله تعالى خلق آدم - ﵇ - بيديه، وأن كلتا يديه يمين، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، كما وصف نفسه سبحانه، فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ (١) .
وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) .
وأهل السنة والجماعة:
يثبتون لله سمعًا، وبصرًا، وعلمًا، وقدرة، وقوة، وعزًا، وكلامًا، وحياةً، ومعيةً، ومحبةً، ورحمةً، وغضبًا، ورضًا، وقدمًا، وساقًا، ويدًا، وغيرها من الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه العزيز، وعلى لسان نبيه الكريم ﷺ بكيفية يعلمها الله
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٦٤.
(٢) سورة ص، الآية: ٧٥.
[ ١٢٥ ]
ولا نعلمها؛ لأنه لم يخبرنا عن الكيفية، قال الله ﵎:
﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (١) .
﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) .
﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٣) .
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٤) .
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٥) .
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٦) .
﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٧) .
﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٨) .
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٩) .
﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١٠) .
وغيرها من آيات الصفات.
_________________
(١) سورة طه، الآية:٤٦.
(٢) سورة التحريم، الآية:٢.
(٣) سورة النساء، الآية:١٦٤.
(٤) سورة الرحمن، الآية:٢٧.
(٥) سورة المائدة، الآية:١٩٩.
(٦) سورة المائدة، الآية:٥٤.
(٧) سورة الزخرف، الآية:٥٥.
(٨) سورة الممتحنة، الآية:١٣.
(٩) سورة القلم، الآية:٤٢.
(١٠) سورة البقرة، الآية:٢٥٥.
[ ١٢٦ ]
وأهل السنة والجماعة:
يؤمنون بأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه، قال تعالى:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) .
وسيرونه كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، كما أخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته..) (٢) .
وأن الله - ﷾ - ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل نزولًا يليق بجلاله وعظمته.
قال النبي ﷺ: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر؛ فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له؟) (٣) .
ويؤمنون بأن الله تعالى يجيء يوم الميعاد للفصل بين العباد، مجيئًا يليق بجلاله، قال ﷾: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ
_________________
(١) سورة القيامة، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.
(٢) (رواه البخاري) في (كتاب مواقيت الصلاة) باب: (فضل صلاة العصر وصلاة الفجر) .
(٣) (رواه البخاري) في (كتاب التهجد) باب: (الدعاء والصلاة في آخر الليل) .
[ ١٢٧ ]
أقوال أئمة أهل السنة والجماعة في الصفات
الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ﴿٢١﴾ وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (١) .
﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ (٢) .
فمنهج أهل السنة والجماعة في كل ذلك: الإيمان الكامل بما أخبر به الله تعالى، وأخبر به رسوله ﷺ والتسليم به؛ كما قال الإمام - التابعي الفقيه - محمد بن مسلم الزهري ﵀:
(من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم) (٣) .
وكما قال الإمام - الحافظ الحجة - سفيان بن عيينة ﵀:
(كل ما وصف الله تعالى به نفسه في القرآن فقراءته؛ تفسيره لا كيف، ولا مثل) (٤) .
وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
(آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله) (٥) .
_________________
(١) سورة الفجر، الآيتان: ٢١- ٢٢.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢١٠.
(٣) (سيرة أعلام النبلاء) الإمام الذهبي: ج ٥، ص ٣٧٧.
(٤) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ج٤/٤٧٨ (٧٣٦) .
(٥) (لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد) الإمام ابن قدامة المقدسي: ص ٧.
[ ١٢٨ ]
وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي، وسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية، فقالوا: (أمروها كما جاءت بلا كيف) (١) .
وقال الإمام مالك بن أنس ﵀:
(إياكم والبدع) قيل: وما البدع؟ قال:
(أهل البدع هم الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان) (٢) .
وسأله رجل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالًا) وأمر به أن يخرج من المجلس) (٣) .
وقال الإمام أبو حنيفة ﵀:
(لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء؛ بل يصفه بما
_________________
(١) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ج٣/٥٨٢ (٩٣٠) .
(٢) (شرح السنة) الإمام البغوي: ج١/٢١٧.
(٣) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ج٣/٤٤٠ (١٨٣) .
[ ١٢٩ ]
وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئًا؛ تبارك الله تعالى رب العالمين) (١) . ولما سئل - ﵀ - عن صفة النزول، فقال:
(ينزل بلا كيف) (٢) .
وقال الإمام الحافظ نعيم بن حماد الخزاعي ﵀:
(من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيهًا) (٣) .
وقال بعض السلف:
(قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم) (٤) .
فهذه عقيدة السلف الصالح وأقوال أئمتهم في الإيمان بالله؛ فمن سلك مسلكهم يكون ملتزمًا بمنهج الرسول ﷺ وأصحابه سواء كان السالك في عصرهم، أو في العصور المتأخرة، وكل من خالفهم لا يكون منهم، وإن كان موجودًا بينهم.
_________________
(١) (جلاء العينين) الآلوسي: ص ٣٦٨، و(شرح العقيدة الطحاوية) الإمام ابن أبي العز: ص ٤٢٧ تحقيق الأرناؤوط.
(٢) (عقيدة السلف أصحاب الحديث) الإمام الصابوني: ص ٤٢
(٣) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ج٤/٥٨٧ (٩٣٦) .
(٤) (شرح السنة) الإمام البغوي: ج١/١٧١.
[ ١٣٠ ]
(٢)
الإيمان بالملائكة
الإيمان بالملائكة: هو الإيمان بوجودهم إيمانًا جازمًا لا يتطرق إليه شك، ولا ريب، قال الله ﵎:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (١) .
لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا﴾ (٢) .
فأهل السنة والجماعة:
يؤمنون بهم إجمالًا، وأما تفصيلًا فبمن صح به الدليل ممن سماه الله ورسوله ﷺ؛ كجبريل الموكل بالوحي، وميكائيل الموكل بالمطر، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، وملك الموت الموكل بقبض الأرواح، ومالك خازن النار.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٥.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٣٦.
[ ١٣١ ]
وأهل السنة والجماعة:
يؤمنون بوجودهم، وأنهم عباد مخلوقون، خلقهم الله تعالى من نور، وهم ذوات حقيقية، وليسوا قوى خفية، وهم خلق من خلق الله تعالى.
والملائكة خلقتهم عظيمة، منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، وثبت أن جبريل - ﵇ - له ستمائة جناح.
وهم جند من جنود الله، قادرون على التمثل بأمثال الأشياء، والتشكل بأشكال جسمانية؛ حسبما تقتضيها الحالات التي يأذن بها الله - ﷾ - وهم مقربون من الله ومكرمون.
والملائكة لا يأكلون ولا يشربون، ولا يملون عن عبادة الله تعالى، ولا يفترون، ولا يتعبون، ويتصفون بالحسن، والجمال، والحياء، والنظام.
والملائكة يختلفون عن البشر؛ بأنهم جبلوا على الطاعة وعدم العصيان، خلقهم الله لعبادته وتنفيذ أوامره، قال تعالى عنهم:
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ﴿٢٦﴾ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴿٢٧﴾ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا
[ ١٣٢ ]
أصناف الملائكة
خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (١) .
والملائكة يسبحون الله ليلًا ونهارًا، ويطوفون بالبيت المعمور في السماء السابعة، وهم يخشون الله تعالى ويخافونه.
منهم الموكلون بحمل العرش، ومنهم الموكلون بالوحي، ومنهم الموكل بالجبال، ومنهم خزنة الجنة وخزنة النار.
ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد، ومنهم الموكلون بقبض أرواح المؤمنين، ومنهم الموكلون بقبض أرواح الكافرين، ومنهم الموكلون بسؤال العبد في القبر.
ومنهم من يستغفرون للمؤمنين ويصلون عليهم ويحبونهم، ومنهم من يشهد مجالس العلم وحلقات الذكر؛ فيحفونهم بأجنحتهم، ومنهم من هو قرين للإنسان لا يفارقه، ومنهم من يدعو العباد إلى فعل الخير، ومنهم من يشهد جنائز الصالحين، ويقاتلون مع المؤمنين ويثبتونهم في جهادهم مع أعداء الله.
ومنهم الموكلون بحماية الصالحين، وتفريج كربهم، ومنهم
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآيات: ٢٦ - ٢٨.
[ ١٣٣ ]
الموكلون بالعذاب. والملائكة لا يدخلون بيتًا فيه تمثال، ولا صورة، ولا كلب، ولا جرس، ويتأذون مما تتأذى منه بنو آدم.
قال النبي ﷺ: (إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة) (١) .
وقال: (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة) (٢) .
والملائكة كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله ﷿.
قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (٣) .
وقد حجبهم الله تعالى عنا؛ فلا نراهم في صورهم التي خلقوا عليها، ولكن كشفهم لبعض عباده، كما رأى النبي ﷺ جبريل على صورته التي خلقه الله عليها مرتين، قال الله ﵎:
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴿١٣﴾ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (٤) .
وقال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ﴿٢٢﴾ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (٥) .
_________________
(١) (رواه مسلم) في (كتاب اللباس والزينة) باب: (تحريم تصوير صورة الحيوان) .
(٢) المرجع السابق.
(٣) سورة المدثر، الآية: ٣١.
(٤) سورة النجم، الآيتان: ١٣ - ١٤.
(٥) سورة التكوير، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.
[ ١٣٤ ]
(٣)
الإيمان بالكتب
أهل السنة والجماعة: يؤمنون ويعتقدون اعتقادًا جازمًا أن الله - ﷿ - أنزل على رسله كتبًا فيها أمره، ونهيه، ووعده ووعيده، وما أراده الله من خلقه، وفيها هدى ونور، قال تعالى:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (١) .
وأن الله أنزل كتبه على رسله لهداية البشرية، قال تعالى:
﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٢) .
ومن هذه الكتب: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وأعظمها التوراة والإنجيل والقرآن، وأعظم الثلاثة وناسخها وأفضلها هو القرآن.
ولم يتكفل الله سبحانه بحفظ شيء من هذه الكتب - عدا
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٥.
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ١٠.
[ ١٣٥ ]
القرآن الكريم
القرآن - بل استحفظ عليها الأحبار والربانيون؛ لكنهم لم يحافظوا عليها، وما رعوها حق رعايتها؛ فحصل فيها تغيير وتبديل.
والقرآن العظيم:
هو كلام رب العالمين، وكتابه المبين، وحبله المتين؛ أنزله الله على رسوله محمد بن عبد الله ﷺ ليكون منهجًا للأمة، ومخرجًا للناس من الظلمات إلى النور، وهاديًا لهم إلى الرشاد، وإلى الصراط المستقيم.
وقد بين الله فيه أخبار الأولين والآخرين، وخلق السموات والأرضين، وفصل فيه الحلال والحرام، وأصول الآداب والأخلاق وأحكام العبادات والمعاملات، وسيرة الأنبياء والصالحين، وجزاء المؤمنين والكافرين، ووصف الجنة دار المؤمنين، ووصف النار دار الكافرين،، وجعله شفاء لما في الصدور، وتبيانًا لكل شيء، وهدى ورحمة للمؤمنين، قال الله تعالى:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١) .
ويجب على جميع الأمة اتباعه وتحكيمه مع ما صح من السنة
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٨٩.
[ ١٣٦ ]
عن النبي ﷺ لأن الله بعث رسوله إلى جميع الثقلين؛ ليبين لهم ما أنزله إليهم، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) .
وأهل السنة والجماعة:
يؤمنون بأن القرآن كلام الله تعالى - حروفه ومعانيه - منه بدأ وإليه يعود، منزل غير مخلوق، تكلم الله به حقًا، وأوحاه إلى جبريل؛ فنزل به جبريل - ﵇ - على محمد ﷺ.
أنزله الحكيم الخبير بلسان عربي مبين، ونقل إلينا بالتواتر الذي لا يرقى إليه شك، ولا ريب، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٩٢﴾ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ﴿١٩٤﴾ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ (٢) .
والقرآن الكريم: مكتوب في اللوح المحفوظ، وتحفظه الصدور، وتتلوه الألسن، ومكتوب في الصحف، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٣) .
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٤٤.
(٢) سورة الشعراء، الآيات: ١٩٢ - ١٩٥.
(٣) سورة العنكبوت، الآية: ٤٩.
[ ١٣٧ ]
وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴿٧٧﴾ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ﴿٧٨﴾ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ﴿٧٩﴾ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) .
والقرآن الكريم:
المعجزة الكبرى الخالدة لنبي الإسلام محمد بن عبد الله ﷺ وهو آخر الكتب السماوية؛ لا ينسخ ولا يبدل، وقد تكفل الله بحفظه من أي تحريف، أو تبديل، أو زيادة، أو نقص إلى يوم يرفعه الله تعالى، وذلك قبل يوم القيامة. قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) .
وأهل السنة والجماعة:
يكفرون من أنكر حرفًا منه أو زاد أو نقص، وعلى هذا فنحن نؤمن إيمانًا جازمًا بأن كل آية من آيات القرآن منزلة من عند الله، وقد نقلت إلينا بطريق التواتر القطعي.
والقرآن الكريم: لم ينزل جملة واحدة على رسول الله ﷺ بل نزل منجمًا، أي مفرقًا حسب الوقائع، أو جوابًا عن أسئلة، أو حسب مقتضيات الأحوال في ثلاث وعشرين سنة.
_________________
(١) سورة الواقعة، الآيات: ٧٧ - ٨٠.
(٢) سورة الحجر، الآية: ٩.
[ ١٣٨ ]
والقرآن الكريم:
يحتوي على (١١٤) سورة، (٨٦) منها نزلت في مكة، و(٢٨) منها نزلت في المدينة، وتسمى السور التي نزلت قبل الهجرة النبوية بالسور المكية، والسور التي نزلت بعد الهجرة بالسور المدنية، وفيه تسع وعشرون سورة افتتحت بالحروف المقطعة.
وقد كتب القرآن في عهد النبي ﷺ وبمرأى منه؛ حيث كان للوحي كتبة من خيرة الصحابة - ﵃ - يكتبون كل ما نزل من القرآن وبأمر من النبي ﷺ ثم جمع في عهد أبي بكر بين دفتي المصحف، وفي عهد عثمان على حرف واحد؛ رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وأهل السنة والجماعة:
يهتمون بتعليم القرآن وحفظه، وتلاوته، وتفسيره، والعمل به.
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (١) .
ويتعبدون لله تعالى بقراءته؛ لأن في قراءة كل حرف منه حسنة كما أخبر النبي ﷺ حيث قال:
_________________
(١) سورة ص، الآية: ٢٩.
[ ١٣٩ ]
(من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، ولا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) (١) .
وأهل السنة والجماعة:
لا يجوزون تفسير القرآن بالرأي المجرد؛ فإنه من القول على الله - ﷿ - بغير علم، ومن عمل الشيطان، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿١٦٨﴾ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
بل يفسر القرآن بالقرآن وبالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم بأقوال التابعين، ثم باللغة العربية التي نزل بها القرآن.
_________________
(١) (رواه الترمذي) في (كتاب فضائل القرآن) باب: (ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن) وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي) ج ٣، ص٩.
(٢) سورة البقرة، الآيتان: ١٦٨- ١٦٩.
[ ١٤٠ ]
(٤)
الإيمان بالرسل
أهل السنة والجماعة: يؤمنون ويعتقدون اعتقادًا جازمًا بأن الله تعالى أرسل إلى عباده رسلًا مبشرين ومنذرين، ودعاة إلى دين الحق؛ لهداية البشر، وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
فكانت دعوتهم إنقاذًا للأمم من الشرك والوثنية، وتطهيرًا للمجتمعات من التحلل والفساد، وأنهم بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، ونصحوا أممهم، وجاهدوا في الله حق جهاده، وقد جاؤوا بمعجزات باهرات تدل على صدقهم، ومن كفر بواحد منهم؛ فقد كفر بالله تعالى وبجميع الرسل - ﵈ - قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿١٥٠﴾ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴿١٥١﴾ وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (١) .
_________________
(١) سورة النساء، الآيات: ١٥٠- ١٥٣.
[ ١٤١ ]
وقد بين الله الحكمة من بعثة الرسل الكرام، فقال تعالى:
﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١) .
ولقد أرسل الله تعالى رسلًا وأنبياء كثيرين منهم من ذكره لنا في كتابه أو على لسان نبيه ﷺ ومنهم من لم يخبرنا عنهم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (٢) .
وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ (٣) .
والمذكور من أسمائهم في القرآن خمسة وعشرون رسولًا ونبيًا، وهم: أبو البشر آدم، إدريس، نوح، هود، صالح، إبراهيم، لوط، إسماعيل، إسحاق، يعقوب، يوسف، شعيب، أيوب، ذو الكفل، موسى، هارون، داود، سليمان، إلياس، اليسع، يونس، زكريا، يحيى، عيسى، ومحمد خاتم الأنبياء والرسل؛ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١٦٥.
(٢) سورة غافر، الآية: ٧٨.
(٣) سورة النحل، الآيات: ٣٦.
[ ١٤٢ ]
وقد فضل الله - ﷾ - بعض الأنبياء والرسل على بعض، وقد أجمعت الأمة على أن الرسل أفضل من الأنبياء، والرسل بعد ذلك متفاضلون فيما بينهم، وأفضل الرسل والأنبياء أولو العزم، وهم خمسة: محمد، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وأفضل أولي العزم نبي الإسلام، وخاتم الأنبياء والمرسلين ورسول رب العالمين؛ محمد بن عبد الله ﷺ قال تعالى:
﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) .
وأهل السنة والجماعة:
يؤمنون بهم جميعًا من سمى الله منهم ومن لم يسم، من أولهم آدم.. إلى آخرهم وخاتمهم وأفضلهم نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله؛ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
والإيمان بالرسل إيمان مجمل، والإيمان بنبينا محمد ﷺ إيمان مفصل؛ يقتضي ذلك من المسلمين اتباعه ﷺ فيما جاء به من ربه على وجه التفصيل.
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٤٠.
[ ١٤٣ ]
(محمد رسول الله)
(صلى الله عليه وعلى آله وسلم)
هو: أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وعدنان من ولد نبي الله إسماعيل بن إبراهيم الخليل على نبينا وعليهما السلام.
وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، ورسول الله إلى الناس أجمعين، عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، وهو خير الخلائق، وأفضلهم وأكرمهم على الله تعالى، وأعلاهم درجة، وأقربهم إليه وسيلة.
وهو المبعوث إلى الثقلين؛ بالحق والهدى، بعثه الله رحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (١) .
أنزل عليه كتابه وأتمنه على دينه، وكلفه بتبليغ رسالته، وقد عصمه من الزلل في تبليغه لهذه الرسالة، قال تعالى:
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) .
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.
(٢) سورة النجم، الآيتان: ٣ - ٤.
[ ١٤٤ ]
معجزات الرسول ﷺ
ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، ومن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، قال تعالى:
﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (١) .
وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، ومحمد ﷺ بعث إلى الناس كافة، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢) .
وأهل السنة والجماعة:
يؤمنون بأن الله تعالى أيد نبيه ﷺ بالمعجزات (٣) الظاهرة والآيات الباهرة:
ومن تلك المعجزات وأعظمها القرآن الذي تحدى الله تعالى به أفصح الأمم وأبلغها، وأقدرها على المنطق (٤) .
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٦٥.
(٢) سورة سبأ، الآية: ٢٨.
(٣) «) (المعجزة): هي أمر خارق للعادة لا يقدر عليه البشر، يظهره الله على يد النبي وفق دعواه تصديقًا له، وإن وقوع المعجزة أمر ممكن؛ ذلك أن الله الذي خلق الأسباب والمسببات قادر على أن يغير نظامها؛ فلا تخضع لما كانت له من قبل! ولا عجب في ذلك ولا غرابة بالنسبة لقدرة الله التي لا تحد بحدود؛ فهو يفعل ما يريد وبأسرع ما يكون، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] .
(٤) «) انظر الركن الثالث من هذا الكتاب (الإيمان بالكتب): ص (١٣٦) .
[ ١٤٥ ]
ومن أكبر المعجزات - بعد القرآن - التي أيد الله بها نبيه ﷺ؛ معجزة الإسراء والمعراج.
فأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن النبي ﷺ عرج به في اليقظة بروحه وجسده إلى السماء، وذلك في ليلة الإسراء، وقد أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بنص القرآن.
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (١) .
ثم عرج به ﷺ إلى السماء، حيث صعد حتى السماء السابعة، ثم فوق ذلك حيث شاء الله من العلى، عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه وكلمه، وشرع له خمس صلوات في اليوم والليلة، ودخل الجنة فاطلع عليها، واطلع على النار، ورأى الملائكة، ورأى جبريل على صورته الحقيقة التي خلقه الله عليها، وما كذب فؤاد النبي ﷺ ما رأى، بل كان كل ما رآه بعيني رأسه حقًا، تعظيمًا له وتشريفًا على سائر الأنبياء وإظهارًا لعلو مقامه ﷺ فوق الجميع، ثم نزل
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ١.
[ ١٤٦ ]
بيت المقدس وصلى إمامًا بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ثم عاد إلى مكة قبل الفجر (١) .
قال الله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴿١٢﴾ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴿١٣﴾ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴿١٤﴾ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ﴿١٥﴾ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴿١٦﴾ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴿١٧﴾ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٢) .
ومن معجزاته أيضًا؛ صلى الله عليه وآله سلم:
انشقاق القمر: آية عظيمة أعطاها الله لنبيه ﷺ دليلًا على نبوته، وكان ذلك في مكة حينما طلب المشركون منه آية.
تكثير الطعام له، وقد وقع هذا منه ﷺ أكثر من مرة.
تكثير الماء ونبعه من بين أصابعه الشريفة، وتسبيح الطعام له وهو يؤكل، وقد وقع هذا الشيء كثيرًا من الرسول ﷺ.
إبراء المرضى، وشفاء بعض أصحابه على يديه ﷺ دون دواء حسي.
_________________
(١) «) وقد ثبت في (الصحيحين) وغيرهما من كتب السنن والمسانيد؛ تفاصيل ما كان في تلك الليلة المباركة.
(٢) سورة النجم، الآيات: ١٢ - ١٨.
[ ١٤٧ ]
أدب الحيوان معه، وإذعان الأشجار إليه، وتسليم الأحجار عليه؛ صلوات الله وسلامه عليه.
الانتقام العاجل من بعض من خانه وعانده ﷺ.
إخباره ببعض الأمور الغيبية، وإخباره عن الأمور التي وقعت بعيدًا عنه فور وقوعها، وإخباره عن أمور غيبية قبل حدوثها؛ فحدثت بعد ذلك كما أخبر به ﷺ.
إجابة دعائه ﷺ عامة.
وحفظ الله تعالى له ﷺ وكف الأعداء عنه.
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم! قال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة؛ فقال رسول الله ﷺ:
(لو دنا مني لاختطفته الملائكة؛ عضوًا عضوًا) (١) .
_________________
(١) (رواه مسلم) في (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم) باب: (إن الإنسان ليطغى) .
[ ١٤٨ ]
(٥)
الإيمان باليوم الآخر
أهل السنة والجماعة: يعتقدون ويؤمنون باليوم الآخر، ومعناه الاعتقاد الجازم والتصديق الكامل؛ بيوم القيامة، والإيمان بكل ما أخبر به الله تعالى في كتابه، وأخبر به رسوله ﷺ مما يكون بعد الموت، وحتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.
لقد أكد الله - ﷾ - ذكر اليوم الآخر في كتابه العزيز في مواضع كثيرة، وربط الإيمان به بالإيمان بالله.
قال تعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (١) .
وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن وقت قيام الساعة علمه عند الله - ﷾ - لا يعلمه أحد إلا الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٢) .
وإذا كان الله قد أخفى وقت وقوع الساعة عن عباده فإنه تعالى
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٤.
(٢) سورة لقمان، الآيات: ٣٤.
[ ١٤٩ ]
قد جعل لها أمارات وعلامات وأشراطًا؛ تدل على قرب وقوعها.
ويؤمنون بكل ما وقع وسيقع من أشراط الساعة الصغرى والكبرى التي هي أمارات على قيام الساعة؛ لأنها تدخل في الإيمان باليوم الآخر.
علامات الساعة الصغرى:
وهي التي تتقدم الساعة بأزمان متفاوتة، وتكون من النوع المعتاد وقد يظهر بعضها مصاحبًا للأشراط الكبرى، وعلامات أشراط الساعة الصغرى كثيرة جدًا؛ نذكر شيئًا مما صح منها:
فمن ذلك بعثة النبي ﷺ وختم النبوة والرسالة به، وموته ﷺ وفتح بيت المقدس، وظهور الفتن، واتباع سنن الأمم الماضية من اليهود والنصارى، وخروج الدجالين، وأدعياء النبوة.
ووضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ ورفض سنته، وكثرة الكذب، وعدم التثبت في نقل الأخبار، ورفع العلم والتماس العلم عند الأصاغر، وظهور الجهل والفساد، وذهاب الصالحين، ونقض عرى الإسلام عروة عروة، وتداعي الأمم على أمة محمد ﷺ ثم غربة الإسلام وأهله.
وكثرة القتل، وتمني الموت من شدة البلاء، وغبطة أهل القبور
[ ١٥٠ ]
وتمني الرجل أن يكون مكان الميت من شدة البلاء، وكثرة موت الفجأة والموت في الزلازل والأمراض، وقلة عدد الرجال، وكثرة النساء، وظهورهن كاسيات عاريات، وتفشي الزنا في الطرقات، وظهور أعوان الظلمة الذين يجلدون الناس.
وظهور المعازف، والخمر، والزنا، والربا، والحرير، واستحلالها، وظهور الخسف والمسخ والقذف.
وتضييع الأمانة، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وزعامة الأراذل من الناس، وارتفاع أسافلهم على خيارهم، وولادة الأمة ربتها، والتطاول في البنيان، وتباهي الناس في زخرفة المساجد، وتغير الزمان؛ حتى تعبد الأوثان، ويظهر الشرك في الأمة.
والسلام على المعارف فقط، وكثرة التجارة، وتقارب الأسواق ووجود المال الكثير في أيدي الناس مع عدم الشكر، وكثرة الشح، وكثرة شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور الفحش، والتخاصم والتباغض والتشاحن، وقطيعة الرحم، وسوء الجوار.
وتقارب الزمان وقلة البركة في الأوقات، وانتفاخ الأهلة، وحدوث الفتن كقطع الليل المظلم، ووقوع التناكر بين الناس، والتهاون بالسنن التي رغب فيها الإسلام، وتشبه الشيوخ بالشباب.
وكلام السباع والجمادات للإنس، وحسر ماء الفرات عن جبل من ذهب، وصدق رؤيا المؤمن.
[ ١٥١ ]
وما يقع من مدينة رسول الله ﷺ حيث تنفي الخبث، فلا يبقى فيها إلا الأتقياء الصالحون، وعودة جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا، وخروج رجل من قحطان يدين له الناس.
وكثرة الروم وقتالهم للمسلمين، وقتال المسلمين لليهود حتى يقول الحجر والشجر: (يا مسلم هذا يهودي؛ فتعال فاقتله) (١) .
وفتح روما كما فتحت القسطنطينية.. إلى غير ذلك من علامة الساعة الصغرى الثابتة في الأحاديث الصحيحة.
علامات الساعة الكبرى:
وهي التي تدل على قرب قيام الساعة؛ فإذا ظهرت كانت الساعة على إثرها، وأهل السنة والجماعة؛ يؤمنون بها كما جاءت عن النبي ﷺ ومنها:
ظهور المهدي: وهو محمد بن عبد الله من أهل بيت النبي ﷺ ويخرج من قبل المشرق يملك سبع سنين، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملئت ظلمًا وجورا، تنعم الأمة في عهده نعمة لم تنعمها قط، تخرج الأرض نباتها، وتمطر السماء قطرها، ويعطي المال بغير عدد.
_________________
(١) (رواه البخاري) في (كتاب الجهاد) باب: (قتال اليهود) .
[ ١٥٢ ]
وخروج المسيح الدجال (١) ونزول المسيح عيسى بن مريم - ﵇ - عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشام، وينزل حاكمًا بشريعة محمد ﷺ عاملًا بها، وأنه يقتل الدجال، ويحكم في الأرض بالإسلام، ويكون نزوله على الطائفة المنصورة التي تقاتل على الحق، وتكون مجتمعة لقتال الدجال؛ فينزل وقت إقامة الصلاة يصلي خلف أمير تلك الطائفة.
وخروج يأجوج ومأجوج، والخسوفات الثلاثة: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وخروج الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض وتكليمها للناس، والنار التي تسوق الناس إلى أرض المحشر.
وأهل السنة والجماعة:
يؤمنون بكل ما يكون من أمور الغيب بعد الموت، مما أخبر به الله ورسوله ﷺ من سكرات الموت، وحضور ملائكة الموت، وفرح المؤمن بلقاء ربه، وحضور الشيطان عند الموت، وعدم قبول إيمان
_________________
(١) «) وفتنة المسيح الدجال من أعظم الفتن؛ لأن الدجال هو منبع الكفر والضلال والفتن، ومن أجل ذلك فقد حذر منه الأنبياء أقوامهم، وكان النبي ﷺ يستعيذ من فتنة الدجال دبر كل صلاة، وحذر منه أمته.
[ ١٥٣ ]
الكافر عند الموت، وعالم البرزخ، ونعيم القبر وعذابه وفتنته للروح والجسد، وسؤال الملكين وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وأن أرواح أهل السعادة منعمة، وأرواح أهل الشقاوة معذبة.
ويؤمنون بيوم القيامة الكبرى الذي يحيي الله فيه الموتى، ويبعث العباد من قبورهم، ثم يحاسبهم.
ويؤمنون بالنفخ في الصور، وهي نفختان، وقيل: ثلاث نفخات: الأولى: نفخة الفزع.
الثانية: نفخة الصعق التي يتغير بها العالم المشاهد، ويختل نظامه، وفيها الفناء والصعق، وفيها هلاك من قضى الله إهلاكه.
الثالثة: نفخة البعث، والنشور، والقيام لرب العالمين.
ويؤمنون بالبعث والنشور، وأن الله يبعث من في القبور؛ فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا، تدنو منهم الشمس؛ فيعرقون على قدر أعمالهم، ومنهم من يلجمه العرق، وأول من يبعث وتنشق عنه الأرض نبينا محمد ﷺ.
وفي ذلك اليوم العظيم يخرج الناس من الأجداث كأنهم جراد منتشر، مسرعين مهطعين إلى الداعي، وقد خفتت كل حركة، وخيم الصمت الرهيب، حيث تنشر صحف الأعمال؛
[ ١٥٤ ]
فيكشف المخبوء، ويظهر المستور، ويفتضح المكنون في الصدور، ويكلم الله عباده يوم القيامة ليس بينه وبينهم ترجمان، ويدعى الناس بأسمائهم وأسماء آبائهم.
ويؤمنون بالميزان الذي له كفتان توزن به أعمال العباد.
ويؤمنون بما يكون من نشر الدواوين، وهي صحائف الأعمال، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره.
والصراط منصوب على متن جهنم، يتجاوزه الأبرار، ويزل عنه الفجار (١) .
والجنة والنار مخلوقتان، وموجودتان الآن، لا تفنيان أبدًا، وقد خلقهما الله تعالى قبل الخلق، والجنة دار المؤمنين الموحدين والمتقين، والنار دار المذنبين، والكافرين من المشركين، واليهود، والنصارى، والمنافقين، والملحدين، والوثنيين.
_________________
(١) «) (الصراط): هو الجسر الممدود على ظهر جهنم ليعبر الناس عليه إلى الجنة. ويمرون الناس على الصراط بقدر أعمالهم؛ فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنه من يعدو عدوا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يخطف ويلقى في جهنم؛ كل بحسب عمله، حتى يطهر من ذنوبه وآثامه، ومن اجتاز الصراط تهيأ لدخول الجنة؛ فإذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار؛ فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة.
[ ١٥٥ ]
ويؤمنون بأن أمة محمد ﷺ أولى الأمم محاسبة يوم القيامة، وأولى الأمم في دخول الجنة، وهم نصف أهل الجنة، ويدخل الجنة منهم سبعون ألفًا بغير حساب.
ويؤمنون بعدم خلود الموحدين في النار، وهم الذين دخلوا النار بمعاص ارتكبوها غير الإشراك بالله تعالى؛ لأن المشركين خالدون في النار لا يخرجون منها أبدا، والعياذ بالله.
ويؤمنون بحوض نبينا ﷺ في عرصات القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وريحه أطيب من المسك، وآنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر وعرضه شهر، من شرب منه لا يظمأ أبدا، ويحرم ذلك على من ابتدع في الدين.
قال النبي ﷺ: (حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدا) (١) .
وقال: (إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدًا. ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم) .
وفي رواية:
_________________
(١) (رواه البخاري) في (كتاب الرقاق) باب: (في الحوض) .
[ ١٥٦ ]
(فأقول: إنهم مني؛ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي) (١) .
والشفاعة والمقام المحمود لنبينا محمد بن عبد الله ﷺ يوم القيامة، وشفاعته لأهل الموقف لفصل القضاء بينهم هي المقام المحمود، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، ويكون الرسول ﷺ أول داخل فيها، وشفاعته لعمه أبي طالب أن يخفف عنه من العذاب.
وهذه الشفاعات الثلاث خاصة بالنبي ﷺ وليست لأحد غيره.
وشفاعته ﷺ لرفع درجات بعض أمته ممن يدخلون الجنة إلى درجات عليا، وشفاعته ﷺ لطائفة من أمته يدخلون الجنة بغير حساب.
وشفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.
وشفاعته ﷺ في إخراج عصاة الموحدين من النار؛ فيشفع لهم ﷺ فيدخلون الجنة.
وهذه الشفاعة تشاركه فيها الملائكة، والنبيون، والشهداء،
_________________
(١) (رواه البخاري) في (كتاب الرقاق) باب: (في الحوض) .
[ ١٥٧ ]
والصديقون، والصالحون، والمؤمنون (١) . ثم يخرج الله - ﵎ - من النار أقوامًا بغير شفاعة؛ بل بفضله ورحمته.
فأما الكفار؛ فلا شفاعة لهم، لقوله تعالى:
﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٢) .
وعمل المؤمن يوم القيامة يشفع له أيضًا، كما أخبر بذلك النبي ﷺ فقال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة) (٣) .
والموت يؤتى به يوم القيامة؛ فيذبح كما أخبر النبي ﷺ:
(إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، أتي بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار؛ ثم يذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة! لا موت. ويا أهل النار! لا موت؛ فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم) (٤) .
_________________
(١) «) ويشترط لهذه الشفاعة شرطان: الأول: إذن الله تعالى في الشفاعة، لقوله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] . الثاني: رضا الله تعالى عن الشافع والمشفوع له، لقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] .
(٢) سورة المدثر، الآية: ٤٨.
(٣) انظر (صحيح الجامع الصغير) للألباني برقم: (٣٨٨٢) .
(٤) (رواه مسلم) في (كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها) باب: (النار يدخلها الجبارون) .
[ ١٥٨ ]
(٦)
الإيمان بالقدر
أهل السنة والجماعة: يعتقدون اعتقادًا جازمًا أن كل خير وشر يكون بقضاء الله وقدره، وأن الله فعال لما يريد؛ فكل شيء بإرادته، ولا يخرج عن مشيئته وتدبيره، وعلم كل ما كان وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وقدر المقادير للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته، وعلم أحوال عباده، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وغير ذلك من شؤونهم؛ فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته.
وملخص القول في القدر: هو ما سبق به العلم، وجرى به القلم، مما هو كائن إلى الأبد.
قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ (١) .
وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢) .
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٨.
(٢) سورة القمر، الآية: ٤٩.
[ ١٥٩ ]
وقال النبي ﷺ: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه) (١) .
وأهل السنة يقولون: الإيمان بالقدر لا يتم إلا بأربعة أمور، وتسمى: مراتب القدر، أو أركانه، وهذه الأمور هي المدخل لفهم مسألة القدر، ولا يتم الإيمان بالقدر إلا بتحقيق جميع أركانه؛ لأن بعضها مرتبط ببعض؛ فمن أقر بها جميعا اكتمل إيمانه بالقدر، ومن انتقص واحدًا منها، أو أنكره؛ فقد اختل إيمانه بالقدر.
المرتبة الأولى: العلم:
الإيمان بأن الله تعالى عالم بكل ما كان، وما يكون، وما لم يكن، لو كان كيف يكون؛ جملة وتفصيلًا، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل خلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وحركاتهم وسكناتهم، وعلم الشقي منهم والسعيد، وذلك بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا، قال الله ﵎:
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) .
_________________
(١) (رواه الترمذي) في (كتاب القدر) باب: (ما جاء أن الإيمان بالقدر خيره وشره) وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي) ج ٢، ص ٢٧٧.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١١٥.
[ ١٦٠ ]
المرتبة الثانية: الكتابة:
وهي الإيمان بأن الله كتب ما سبق به علمه من مقادير المخلوقات في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء؛ فكل ما جرى وما يجري وكل كائن إلى يوم القيامة؛ فهو مكتوب عند الله تعالى في أم الكتاب، ويسمى: الذكر، والإمام، والكتاب المبين، قال الله ﵎:
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (١) .
وقال النبي ﵌:
(إن أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد) (٢) .
المرتبة الثالثة: الإرادة والمشيئة:
أي: أن كل ما يجري في هذا الكون فهو بإرادة الله ومشيئته الدائرة بين الرحمة والحكمة، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه، وهم
_________________
(١) سورة يس، الآية: ١٢.
(٢) (رواه الترمذي) في (كتاب القدر) باب: (الرضا بالقضاء) وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي) ج ٢، ص ٢٩٩.
[ ١٦١ ]
يسألون، وما وقع من ذلك؛ فإنه مطابق لعلمه السابق المكتوب في اللوح المحفوظ، فمشيئة الله نافذة، وقدرته شاملة، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فلا يخرج عن إرادته شيء.
قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) .
وقال النبي ﷺ: (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد؛ يصرفه حيث يشاء) (٢) .
المرتبة الرابعة: الخلق:
وهي الإيمان أن الله خالق كل شيء، لا خالق غيره ولا رب سواه، وأن كل ما سواه مخلوق؛ فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، قال الله ﵎:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٣) .
فهو - ﷾ - خالق العباد وأفعالهم، وأن كل ما يجري من خير وشر، وكفر وإيمان، وطاعة ومعصية شاءه الله، وقدره، وخلقه، قال الله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ (٤) .
_________________
(١) سورة التكوير، الآية: ٢٩.
(٢) (رواه مسلم) في (كتاب القدر) باب: (تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء) .
(٣) سورة الفرقان، الآية: ٢.
(٤) سورة يونس، الآية: ١٠٠.
[ ١٦٢ ]
وقال: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ (١) .
وأن الله تعالى الخالق المتفرد بالخلق والإيجاد؛ فهو خالق كل شيء بلا استثناء، لا خالق غيره ولا رب سواه، قال تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٢) .
وأن الله يحب الطاعة ويكره المعصية، ويهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، قال الله تعالى:
﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣) .
ولا حجة لمن أضله ولا عذر له؛ لأن الله قد أرسل الرسل لقطع الحجة، وأضاف عمل العبد إليه، وجعله كسبا له، ولم يكلفه إلا بما يستطيع، قال الله ﵎:
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ (٤) .
وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (٥) .
وقال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٦) .
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ٥١.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٦٢.
(٣) سورة الزمر، الآية: ٧.
(٤) سورة غافر، الآية: ١٧.
(٥) سورة الإنسان، الآية: ٣.
(٦) سورة النساء، الآية: ١٦٥.
[ ١٦٣ ]
وقال: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١) .
ولكن لا ينسب الشر إلى الله لكمال رحمته؛ لأنه أمر بالخير ونهى عن الشر، وإنما يكون الشر في مقتضياته وبحكمته.
قال تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ (٢) .
والله - ﷾ - منزه عن الظلم، ومتصف بالعدل؛ فلا يظلم أحدًا مثقال ذرة، وكل أفعاله عدل ورحمة.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (٣) .
وقال: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٤) .
وقال: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٥) .
والله تعالى لا يسأل عما يفعل وعما يشاء لقوله تعالى:
﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٦) .
فالله تعالى خلق الإنسان وأفعاله، وجعل له إرادة، وقدرة، واختيارًا، ومشيئة، وهبها الله له لتكون أفعاله منه حقيقة لا مجازا،
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.
(٢) سورة النساء، الآية: ٧٩.
(٣) سورة ق، الآية: ٢٩.
(٤) سورة الكهف، الآية: ٤٩.
(٥) سورة النساء، الآية: ٤٠.
(٦) سورة الأنبياء، الآية: ٢٣.
[ ١٦٤ ]
ثم جعل له عقلًا يميز به بين الخير والشر، ولم يحاسبه إلا على أعماله التي هي بإرادته واختياره؛ فالإنسان غير مجبر بل له مشيئة واختيار؛ فهو يختار أفعاله وعقائده؛ إلا أنه تابع في مشيئته لمشيئة الله، وكل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فالله تعالى هو الخالق لأفعال العباد، وهم الفاعلون لها؛ فهي من الله خلقًا وإيجادًا وتقديرًا، ومن العبد فعلًا وكسبا، قال تعالى: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴿٢٨﴾ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) .
ولقد رد الله تعالى على المشركين حين احتجوا بالقدر، وقالوا: ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ (٢) .
فرد الله عليهم كذبهم، بقوله: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ (٣) .
وأهل السنة والجماعة:
يعتقدون أن القدر سر الله في خلقه، لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ضلالة؛ لأن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، قال تعالى:
_________________
(١) سورة التكوير، الآيتان: ٢٨ - ٢٩.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٤٨.
(٣) المرجع السابق.
[ ١٦٥ ]
﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (١) .
وأهل السنة والجماعة:
يسلمون تسليمًا مطلقًا لقول الله ﵎:
﴿قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (٢) .
ويحاجون به من خالفهم من الفرق الضالة والمنحرفة.
وهذا هو الذي آمن به السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان؛ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
_________________
(١) سورة يس، الآية: ١٢.
(٢) سورة النساء، الآية: ٧٨.
[ ١٦٦ ]
نعمة الإيمان وحالاته
[ ١٦٧ ]
نعمة الأيمان
إن الإيمان نعمة عظيمة جليلة في حياة المسلم، تزكي العمر وتبارك الحياة، وتضمن الآخرة، وترفع صاحبها في الدنيا والآخرة؛ لأن فيها الحياة الحقيقية والسعادة الأخروية، وهذه النعمة لا يعرفها إلا من ذاق طعمها، ولا يحس بها إلا من عاشها.
والإيمان نور هاد مضيء يهبه الله تعالى لمن يشاء من عباده، ويصرفه عمن يشاء، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ (١) .
فالإيمان منحة ربانية يمنها الله تعالى على عباده المؤمنين الصادقين برحمته وبفضله وعطائه، فمن وجده فقد وجد الخير كله، ومن فقده فقد كل شيء، ولم ينفعه أي شيء، قال تعالى:
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢) .
_________________
(١) سورة الرعد، الآية: ٢٧.
(٢) سورة الحجرات، الآية: ١٧.
[ ١٦٩ ]
والإيمان نعمة يشعر بها من آمن بالله تعالى ربًا، وبرسوله ﷺ نبيًا، وأطاع الله، وأطاع رسوله ﷺ وعمل فيما أمر به، وانتهى عما نهي عنه، باطنًا وظاهرًا؛ فإذا فعل ذلك كان من المؤمنين الصادقين، وحشر في زمرتهم ومع خيرتهم، قال تعالى:
﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١) .
وللإيمان مع المؤمنين المتقين الصادقين العاملين بأوامر الله تعالى بإخلاص، والمتبعين لسنة رسوله ﷺ؛ حالات وصفات يهبها الله تعالى لهم بفضله ورحمته، منها:
كتابة الإيمان في القلوب:
يكتب الله - ﷾ - الإيمان في قلوب عبادة كتابة دائمة ثابتة؛ فلا يفارقهم ما داموا مع الله - جل وعلا - فإذا ثبت ورسخ واستقر في القلوب، لا يقوى أحد على محوه أبدًا؛ لأنه هبة الله - جل وعلا - لعباده الصالحين العاملين، قال تعالى:
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٦٩.
[ ١٧٠ ]
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) .
حلاوة الإيمان في القلوب:
يجد المؤمن حلاوة الإيمان في قلبه، ويذوقها ويسعد بها، وإذا ذاقها سيبقى يطلبها ويشتاق إليها، وإذا عاش معها تتحول حياته إلى سعادة واستقرار دائم.
قال النبي ﵌:
(ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدًا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله، كما يكره أن يلقى في النار) (٢) .
_________________
(١) سورة المجادلة، الآية: ٢٢.
(٢) (رواه البخاري) في (كتاب الإيمان) باب: (من كره أن يعود في الكفر) .
[ ١٧١ ]
طعم الإيمان في القلوب:
الإيمان رغم كونه أمرًا معنويًا، له طعم لذيذ حلو طيب؛ يجده ويذوقه المؤمن في قلبه وكيانه.
قال النبي ﵌:
(ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان: من كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه) (١) .
وقال: (ذاق طعم الإيمان؛ من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا) (٢) .
نور الإيمان في القلوب:
الإيمان نور مشرق مضيء؛ يشرق قلب المؤمن، ثم يضيء جوارحه وطريقه، ثم ينعكس على حياته، ويجعله من أسعد
_________________
(١) (رواه مسلم) في كتاب (الإيمان) باب: (بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان) .
(٢) (رواه مسلم) في كتاب (الإيمان) باب: (الدليل على أن من رضي الله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا، فهو مؤمن) .
[ ١٧٢ ]
الناس إطلاقًا، ثم ينير طريقه إلى جنة الخلد التي تجري من تحتها الأنهار، والتي نعيمها دائم لا يفنى.
ونور الإيمان ينبع من نور الله جل وعلا، قال تعالى:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٣٥﴾ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال ﴿٣٦﴾ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢) .
_________________
(١) سورة النور، الآيات: ٣٥- ٣٧.
(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٨.
[ ١٧٣ ]
محبة الإيمان في القلوب:
محبة الإيمان غامرة ظاهرة بدهية فطرية؛ جبل الإنسان عليها، وإذ استقرت محبته في قلب المؤمن عكست على ظاهره نوره، ولا يبقى لنقيضه مكان فيه، ونقيضه هو الكفر والفسوق والعصيان.
والله - ﷾ - هو الذي يحبب الإيمان إلى عباده الصالحين العاملين، ويكره إليهم نقيضه، قال تعالى:
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (١) .
زينة الإيمان في القلوب:
الإيمان زينة جميلة لصاحبه في الدنيا والآخرة؛ ولن يبدو صاحبه جميلًا بدونه، وهذه الزينة يهبها الله تعالى لمن يشاء من عباده، ويضاعفها عليهم، ويقذفها في قلوبهم، قال تعالى:
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴿٧﴾ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) .
_________________
(١) سورة الحجرات، الآية: ٧.
(٢) سورة الحجرات، الآية: ٧- ٨.
[ ١٧٤ ]
الإيمان كشجرة راسخة في القلوب:
إنه كشجرة طيبة، مباركة، كريمة، خيرة، نافعة، مثمرة، حية، راسخة، قوية، ثابتة، نامية؛ أصلها ثابت، جذورها ضاربة في أعماق الأرض، وهكذا الإيمان في قلب المؤمن؛ يرسخ في أعماق القلب، ويثمر ثمارًا يانعة هي الطاعات والحسنات، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء ﴿٢٤﴾ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٢٥﴾ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ (١) .
الإيمان يتبوأ في القلوب:
تبوؤ الإيمان في الأصل أمر معنوي، ولكن عندما يتبوأ الإيمان في القلب المؤمن يتحول إلى أمر محسوس يدركه المؤمن ويلمحه، ويصبح له (بيت الإيمان) أي: أن الإيمان يكون له دارًا ومنزلًا وقرارًا، يقيم فيه.
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآيات: ٢٤ - ٢٦.
[ ١٧٥ ]
وقال تعالى عن الأنصار حين تبوؤا الدار قبل المهاجرين فامتلكوها، وتبوؤا الإيمان فتمكنوا منه:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) .
نداء الإيمان في القلوب:
نداء الإيمان محبب إلى قلوب المؤمنين الصادقين العاملين المستجيبين لله تعالى ولرسوله ﷺ؛ لأنه نداء الفطرة، ويحمل أعظم رسالة، ويؤدي أفضل وظيفة، إنه الداعي إلى الله - ﵎ - وإلى الخير كله، وإلى النور والطمأنينة، والحياة السعيدة في الدنيا، ويبشر بالحياة الكريمة الأبدية في الآخرة، قال تعالى:
﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ﴾ (٢) .
_________________
(١) سورة الحشر، الآيات: ٩.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٩٣.
[ ١٧٦ ]
الإيمان ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة:
ينفع صاحبه في حياة الدنيا؛ وهذا ملحوظ في أهل الإيمان، أهل الطاعة، والفضل، والقيم، والأخلاق؛ من المؤمنين الصالحين.
وينفع صاحبه يوم الحساب، يوم الحسرة والندامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، يوم يخسر الكافرون أنفسهم وأهليهم وأموالهم، ومن حولهم، يومها يتبوأ المؤمنون مكانهم في جنات الخلد خالدين فيها أبدًا، قال تعالى:
﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ (١) .
قال: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (٢) .
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.
(٢) سورة يونس، الآية: ٩٨.
[ ١٧٧ ]
للإيمان مجالس يزداد فيه ويتجدد:
مجالس الإيمان: هي الجلسات الإيمانية المباركة التي يجتمع فيها أهل الإيمان والطاعة من المؤمنين العاملين الصادقين؛ يذكرون فيها الله تعالى، ويتدارسون كتابه ويتدبرونه، ويفقهون سنة نبيه ﷺ وأحكام شرعه لكي يطبقوها، ويتواصون فيها بالحق والصبر، ويحيون فيها إيمانهم ويعيشونه، فيزدادون إيمانًا على إيمانهم، وتنزل عليهم الرحمة والبركة والسكينة، قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ٢٨﴾﴾ (١) .
وقال النبي ﵌: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) (٢) .
_________________
(١) سورة الكهف، الآية: ٢٨.
(٢) سور (رواه مسلم) في (كتاب الذكر والدعاء) باب: (فضل الاجتماع على تلاوة القرآن) .
[ ١٧٨ ]
الإيمان يعلو ولا يعلى عليه:
الإيمان الصادق الرباني: هو أساس كل خير، ومنبع العزة، ومصدر الكرامة، والشرف، والسيادة، يعيش صاحبه عزيزًا، سعيدًا، قويًا، ثابتًا على طريق الحق، وقد وعد الله - ﷿ - أهل الإيمان والطاعة بالنصر والتمكين في الأرض، قال تعالى:
﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ١٣٩ ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٠﴾ وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (١) .
الإيمان شعب ودرجات:
قال النبي ﵌: (الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) (٢) .
_________________
(١) سورة آل عمران، الآيات: ١٣٩- ١٤١.
(٢) (رواه مسلم) في (كتاب الإيمان) باب: (بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها) .
[ ١٧٩ ]
فوائد الإيمان وثمراته
الإيمان الصحيح الصادق له من الفوائد والثمرات العاجلة والآجلة، في حياة الدنيا، وفي الآخرة، منها:
أن أهل الإيمان يغتبطون بولاية الله ﵎:
قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) .
أهل الإيمان ينعمون بالحياة الطيبة: قال تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٢) .
أهل الإيمان يحبهم الله تعالى ويحبهم المؤمنون:
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٧.
(٢) سورة النحل، الآية: ٩٧.
[ ١٨٠ ]
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (١) .
أهل الإيمان يدافع عنهم الله قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (٢) .
أهل الإيمان لهم البشرى في الحياة الدنيا والآخرة:
قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦٢﴾ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴿٦٣﴾ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣) .
أهل الإيمان من أعظم تسليتهم عند المصائب؛ الإيمان:
قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) .
_________________
(١) سورة مريم، الآية: ٩٦.
(٢) سورة الحج، الآية: ٣٨.
(٣) سورة يونس، الآيات: ٦٢-٦٤.
(٤) سورة التغابن، الآية: ١١.
[ ١٨١ ]
أهل الإيمان هم أهل الأمن والاطمئنان:
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨١﴾ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (١) .
أهل الإيمان يهرعون إلى إيمانهم ويتقوون به في كل ما يعتريهم من خير وشر، وطاعة ومعصية، ويسر وعسر:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٢) .
أهل الإيمان ينتفعون من المواعظ والتذكير:
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ
_________________
(١) سورة التغابن، الآية: ١١.
(٢) سورة التغابن، الآية: ١١.
[ ١٨٢ ]
زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿١٢٤﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (١) .
أهل الإيمان في معية الله تعالى:
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) .
وقال: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (٣) .
أهل الإيمان يحفظهم إيمانهم من الوقوع في الفواحش:
قال الله تعالى عن نبيه يوسف ﵊:
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤) .
أهل الإيمان بنور إيمانهم يميزون بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبين البدعة والسنة:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ
_________________
(١) سورة التغابن، الآية: ١١.
(٢) سورة التغابن، الآية: ١١.
(٣) سورة التغابن، الآية: ١١.
(٤) سورة التغابن، الآية: ١١.
[ ١٨٣ ]
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) .
أهل الإيمان وعدهم الله تعالى بالنصر والتمكين:
قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) .
أهل الإيمان هم أهل العز والكرامة:
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) .
قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٤) .
أهل الإيمان تستغفر لهم ملائكة عرش الرحمن ﷻ:
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ
_________________
(١) سورة التغابن، الآية: ١١.
(٢) سورة التغابن، الآية: ١١.
(٣) سورة التغابن، الآية: ١١.
(٤) سورة التغابن، الآية: ١١.
[ ١٨٤ ]
كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (١) .
أهل الإيمان يهديهم الله تعالى بإيمانهم إلى الصراط المستقيم: قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٢) .
أهل الإيمان يبشرهم الله تعالى في الدنيا والآخرة بالأمن والسعادة، وبالنعيم الدائم في الآخرة:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣٠﴾ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿٣١﴾ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ (٣) .
_________________
(١) سورة التغابن، الآية: ١١.
(٢) سورة التغابن، الآية: ١١.
(٣) سورة التغابن، الآية: ١١.
[ ١٨٥ ]
أهل الإيمان وعدهم الله - سبحانه تعالى - جنة الخلد، وما فيها من النعم الذي لا عين رأت ولا أذن سمعت:
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) .
وغيرها من ثمرات شجرة الإيمان المباركة التي لا يكاد يمضي على المؤمن زمن قليل حتى يجني ثمرة من ثمراتها، وتبلغ الثمرة كمالها ونضجها، إذا كان الله تعالى ورسوله ﷺ أحب إليه مما سواهما، ويصبح العبد يحب ويبغض لله، ويكره أن يعود إلى الكفر، كما يكره أن يقذف في النار.
نسأل الله - جلت قدرته - أن يرزقنا حلاوة الإيمان وحقيقته وكماله؛ حتى يحشرنا مع النبيين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا؛ إنه جواد كريم.
_________________
(١) سورة التغابن، الآية: ١١.
[ ١٨٦ ]
من صفات أهل الإيمان
صفات عباد الرحمن المؤمنين الصادقين المتقين المخلصين - أهل الإيمان والطاعة - كثيرة جدًا في القرآن والسنة، وتفاوتت هذه الصفات قلة وكثرة؛ فقد عرضها ووصفها لنا الوحيان الشريفان بأنها صفات كريمة، فاضلة، مباركة، خيرة، حميدة، عالية، سامية، عزيزة؛ فهم صفوة خلق الله تعالى بصفاتهم المميزة، وهم الذين يستحقون أن يضافوا إلى الرحمن - ﷾ - ويكونوا عباده ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ كيف لا، وقد تكفل الإسلام بتهذيبهم وتربيتهم، قال الله ﵎:
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ﴿١٢٣﴾ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (١) .
وقد دعا الله تعالى، ورسوله ﷺ جميع المؤمنين إلى أن يتصفوا بصفاتهم، ويتخلقوا بأخلاقهم؛ حتى يعيشوا حياة إيمانية
_________________
(١) سورة طه، الآيتان: ١٢٣ - ١٢٤.
[ ١٨٧ ]
كريمة مباركة سعيدة؛ ثم ينالوا بذلك ثواب الله تعالى ورضوانه وجنته ونعيمه الأبدي.
والمؤمن الصادق مع ربه - جل وعلا - حريص على هذه الصفات الكريمة، والأخلاق الحميدة، لكي يبقى قلبه وحياته في الإيمان ومع الإيمان، وأن يتصف بصفات أهلها، ويحاول جادًا أن يعيها ثم يعيشها؛ حتى ينال بها رضوان الله تعالى والجنة.
فهذه بعض صفاتهم كما جاءت في كتاب ربهم وخالقهم وهاديهم، وفي سنة نبيهم ومربيهم ومرشدهم؛ لعلنا نحذو حذوهم، ونتمسك بمنهجهم، ونتصف بصفاتهم؛ حتى نحقق كمال الإيمان، ونكون مع المحسنين السابقين إلى جنات الخلد.
فمن صفاتهم التي هي سبب لفلاحهم، والفوز بجنة الفردوس والخلود فيها، ما وصفهم الله - ﵎ - به في صدر سورة (المؤمنون)، قال تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾
[ ١٨٨ ]
فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴿٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) .
ومن صفاتهم الخوف والوجل عند ذكر الله تعالى، وذلك لقوة إيمانهم، ومراقبتهم لربهم، وكأنهم بين يديه، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣﴾ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢) .
ومن صفاتهم عدم الشك في إيمانهم، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٣) .
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآيات: ١- ١١.
(٢) سورة الأنفال، الآيات: ٢- ٤.
(٣) سورة الحجرات، الآية: ١٥.
[ ١٨٩ ]
ومن صفاتهم طاعتهم لله تعالى ولرسوله ﷺ وموالاتهم للمؤمنين، وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) .
ومن صفاتهم الجليلة ما وصفهم الله - ﷿ - بقوله:
﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) .
ومن صفاتهم العظيمة والمميزة؛ محبتهم لحكم الله تعالى، والتسليم التام لشرعه في كل صغيرة وكبيرة، قال تعالى:
﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (٣) .
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ٧١.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١١٢.
(٣) سورة النساء، الآية: ٦٥.
[ ١٩٠ ]
ومن صفاتهم الحميدة، الكريمة، العالية، والكثيرة ما جمعها الله - ﷻ - في قوله الكريم:
﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١) .
ومن صفاتهم؛ أنهم يقدمون طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله ﷺ ورضاهما على كل شيء، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) .
وقال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) .
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.
(٢) سورة النور، الآية: ٥١.
(٣) سورة التوبة، الآية: ٦٢.
[ ١٩١ ]
ومن صفاتهم؛ أنهم يخشون الله تعالى وحده، ولا يخافون أحدًا سواه - سبحانه - قال تعالى:
﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ﴾ (١) .
ومن صفاتهم؛ أنهم يخلصون دينهم لله، قال تعالى:
﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢) .
ومن صفاتهم؛ أنهم لا تأخذوهم رأفة في إقامة حدود الله - ﷿ - قال تعالى:
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) .
ومن صفاتهم؛ أنهم يردون الأمر إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ عند النزاع والخلاف، قال تعالى:
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ١٣.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٤٦.
(٣) سورة النور، الآية: ٢.
[ ١٩٢ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) .
ومن صفاتهم؛ أنهم صادقون مع الله تعالى في عهدهم لنصرة الدين، قال تعالى:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٢) .
ومن صفاتهم؛ أنهم يعملون الصالحات، قال تعالى:
﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (٣) .
ومن صفاتهم؛ أنهم إخوة في الله، والمؤمن أخو المؤمن، يحبون لإخوانهم ما يحبونه لأنفسهم، ولا يحملون عليهم حقدًا ولا غلًا؛ بل يدعون لهم بظهر الغيب بالمغفرة والهداية والصلاح والتوفيق، والسداد، قال تعالى:
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٥٩.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٢٣.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٢٤.
[ ١٩٣ ]
﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) .
وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) .
وقال النبي ﵌: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (٣) .
ومن صفاتهم؛ أنهم يحبون النبي ﷺ محبة قوية، لا تعدلها محبة أحد غيره كائنًا من كان:
قال النبي ﵌: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) (٤) .
_________________
(١) سورة الحشر، الآية: ١٠.
(٢) سورة الحجرات، الآية: ١٠.
(٣) (رواه البخاري) في (كتاب الإيمان) باب: (من الإيمان ما يحب لأخيه ما يحب لنفسه) .
(٤) (رواه البخاري) في (كتاب الإيمان) باب: (حب النبي ﷺ من الإيمان) .
[ ١٩٤ ]
ومن صفات المؤمنين ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾:
أنهم مبتلون وممتحنون في دينهم ودنياهم، والبلاء والامتحان كفارة لهم من الذنوب والخطايا، ورفعة لهم في الدرجات، والدنيا لهم كالسجن بالنسبة إلى نعيم الآخرة؛ سجن لقلوبهم وجوارحهم من زينتها وفتنها وشهواتها ومعاصيها، قال تعالى:
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (١) .
وقال النبي ﵌: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله؛ حتى يلقى الله وما عليه خطيئة) (٢) .
وقال: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) (٣) .
ومن صفاتهم؛ أنهم أحسن الناس أخلاقًا، وأكملهم خلقًا وسيرة؛ لا يتكلمون إلا بالخير، ويكرمون الجار ويحسنون إليه، ويكرمون الضيف؛ بطيب الكلام، وطلاقة الوجه، والخدمة بالنفس، قال الله تعالى عن ضيف خليله إبراهيم ﵇:
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ١١.
(٢) (رواه الترمذي) في (كتاب الزهد) باب: (ما جاء في الصبر على البلاء) .
(٣) (رواه مسلم) في كتاب (الزهد) .
[ ١٩٥ ]
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (١) .
وقال النبي ﵌: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا) (٢) .
وقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) (٣) .
من أقوال أئمة أهل السنة والجماعة في المؤمنين وصفاتهم:
قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁:
(المؤمن يطبع على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب) (٤) .
وقال الصحابي الجليل أبي بن كعب ﵁:
(المؤمن بين أربع: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل) (٥) .
_________________
(١) انظر: (الذاريات) الآيات: ٢٤- ٣٠.
(٢) (رواه أبو داود) في (كتاب السنة) باب: (الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه) .
(٣) (رواه البخاري) في (كتاب الرقاق) باب: (حفظ اللسان) .
(٤) (كتاب الإيمان) ابن أبي شيبة: (٨٠) ص ٣٥ وصححه الألباني.
(٥) (حلية الأولياء) أبو نعيم الأصفهاني: ج ١، ص ٢٥٥.
[ ١٩٦ ]
وقال التابعي الجليل الحسن البصري ﵀:
(الرجاء والخوف مطيتا المؤمن) (١) .
وقال الإمام الفضيل بن عياض ﵀:
(المؤمن قليل الكلام كثير العمل، والمنافق كثير الكلام قليل العمل؛ كلام المؤمن حكم، وصمته تفكر، ونظره عبر، وعمله بر، وإذا كنت كذلك، لم تزل في عبادة) (٢) .
وقال الإمام الزاهد مالك بن دينار ﵀:
(مثل المؤمن؛ مثل اللؤلؤة أينما كانت حسنها معها) (٣) .
وقال التابعي وهب بن منبه ﵀:
(المؤمن يخالط ليعلم، ويسكت ليسلم، ويتكلم ليفهم، ويخلو لينعم) (٤) .
وقال الزاهد شقيق بن إبراهيم البلخي ﵀:
_________________
(١) (كتاب الزهد) الإمام أحمد بن حنبل: ج٢، ص ٢٣٨.
(٢) (حلية الأولياء) أبو نعيم الأصفهاني: ج ٨، ص ٩٨.
(٣) (حلية الأولياء) أبو نعيم الأصفهاني: ج ٢، ص ٣٧٧.
(٤) (حلية الأولياء) أبو نعيم الأصفهاني: ج ٤، ص ٦٨.
[ ١٩٧ ]
(المؤمن مشغول بخصلتين، والمنافق مشغول بخصلتين؛ المؤمن بالعبر والتفكر، والمنافق بالحرص والأمل) (١) .
وقال الإمام الزاهد محمد بن المنكدر ﵀:
(إن الله تعالى يحفظ العبد المؤمن في ولده وولد ولده، ويحفظ في دويرته، وفي دويرات حوله؛ فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين ظهرانيهم) (٢) .
فهذا قل من كثر من صفات عباد الرحمن؛ فإذا أردنا الفلاح والنجاح والنجاة؛ فعلينا التمسك بما كان عليه هؤلاء العظام، وأن نأتسي بهم؛ فهم اقتدوا برسول الله ﷺ وتخلقوا بأخلاقه، وامتثلوا أوامره، وكانوا كما قال تعالى:
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (٣) .
_________________
(١) (حلية الأولياء) أبو نعيم الأصفهاني: ج ٨، ص ٧١.
(٢) (حلية الأولياء) أبو نعيم الأصفهاني: ج ٣، ص ١٤٨.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١١٠.
[ ١٩٨ ]