في مسمى الإيمان
[ ٥٥ ]
أقوال أئمة أهل السنة والجماعة
في مسمى الإيمان
اتفق أئمة أهل السنة والجماعة - سلفًا وخلفًا - على أن الإيمان: قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح؛ يزيد بالطاعة وكثرة العبادة، وينقص بالمعصية والغفلة، وقد حكى الإجماع على ذلك أكثر أهل العلم - ﵏ - بل أصبح هذا القول من مميزات أهل السنة والجماعة، والفارقة بينهم وبين أهل البدع والأهواء.
وأقوالهم في هذا الباب كثيرة جدًا لا يمكن حصرها في هذه الرسالة، ولكن نذكر بعضًا منها على سبيل المثال لا الحصر:
كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول لأصحابه: (هلموا نزدد إيمانًا) فيذكرون الله تعالى (١) .
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁:
_________________
(١) (السنة) الخلال: ٥/٣٩ (١١٢٢) . و(شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/١٠١٢ (١٧٠٠) . و(الإبانة) ابن بطة: ٢/٨٤٦ (١١٣٤) .
[ ٥٧ ]
(الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، من لا صبر له لا إيمان له) (١) .
وقال عبد الله بن مسعود ﵁:
(اللهم زدنا إيمانًا، ويقينا، وفقها) (٢) .
وقال عبد الله بن رواحة ﵁:
(تعالوا نؤمن ساعة؛ تعالوا فلنذكر الله ونزدد إيمانًا؛ لعله يذكرنا بمغفرته) (٣) .
وقال معاذ بن جبل ﵁:
(اجلس بنا نؤمن ساعة) (٤) .
وقال جندب بن عبد الله البجلي ﵁:
(كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاورة؛ فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن؛ ثم تعلمنا القرآن؛ فازددنا به إيمانًا) (٥) .
_________________
(١) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٤/٩٢٤ (١٥٦٩) . و(الإيمان) ابن أبي شيبة: ص ٤٨ (١٣٠) .
(٢) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/١٠١٣ (١٧٠٤) .
(٣) (الإيمان) ابن أبي شيبة: ص ٤٣ (١١٦) .
(٤) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/١٠١٤ (١٧٠٦) .
(٥) (ابن ماجة) كتاب السنة، باب (الإيمان) انظر (صحيح سنن ابن ماجة): ١/١٦.
[ ٥٨ ]
وقال أبو هريرة ﵁: (الإيمان نزه؛ فمن زنى فارقه الإيمان، فإن لام نفسه وراجع راجعه الإيمان) (١) .
وكان عبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وأبو الدرداء - ﵃ - يقولون: (الإيمان يزيد وينقص) (٢) .
وقال عمير بن حبيب الخطمي ﵁: (الإيمان يزيد وينقص، قيل: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فذلك نقصانه) (٣) .
وقال عمار بن ياسر ﵁:
(ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار) (٤) .
وقال التابعي الجليل عروة بن الزبير ﵀:
(ما نقصت أمانة عبد قط؛ إلا نقص إيمانه) (٥) .
_________________
(١) (كتاب الشريعة) الآجري: ٢/٥٩٦ (٢٢٨) تحقيق د. عبد الله الدميحي؛ دار الوطن. (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/١٠١٦ (١٧١١، ١٧١٢) .
(٢) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/١٠١٦ (١٧١١، ١٧١٢) .
(٣) (الإبانة) ابن بطة: ٢/٨٤٥ (١١٣١) .
(٤) (البخاري) في (كتاب الإيمان) باب: (إفشاء السلام من السلام) .
(٥) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/١٠٢٣ (١٧٣٠) .
[ ٥٩ ]
وقال الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ﵀:
(فإن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا؛ فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان) (١) .
وقال التابعي الإمام مجاهد بن جبر ﵀:
(الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص) (٢) .
وقال الإمام الحسن البصري ﵀ (ت ١١٠هـ):
(ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال) (٣) .
وقال الوليد بن مسلم القرشي: سمعت الأوزاعي، ومالك بن أنس، وسعيد بن عبد العزيز؛ ينكرون قول من يقول: إن الإيمان قول بلا عمل، ويقولون: (لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان) (٤) .
وقال أيضًا: سمعتهم يقولون:
(ليس للإيمان منتهى هو في زيادة أبدًا، وينكرون على من
_________________
(١) (البخاري) في (كتاب الإيمان) .
(٢) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/١٠٢٣ (١٧٢٨) .
(٣) (اقتضاء العلم العمل) الخطيب البغدادي: رقم (٥٦) .
(٤) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٤/٩٣٠ (١٥٨٦) .
[ ٦٠ ]
يقول: إنه مستكمل الإيمان، وإن إيمانه كإيمان جبريل ﵇) (١) .
وقال شيخ الإسلام الإمام الأوزاعي ﵀ (ت ١٥٧هـ):
(لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة؛ فكان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع كما يجمع هذه الأديان اسمها وتصديقه العمل؛ فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق ذلك بعمله فذلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يقبل منه، وكان في الآخرة من الخاسرين) (٢) .
وقال الإمام مالك ﵀ (ت ١٧٩هـ):
(الإيمان: قول وعمل) (٣) .
_________________
(١) (السنة) عبد الله بن أحمد: ١/٣٢٢ (٦٨٧) . و(الإبانة): ٢/٩٠١ (١٢٥٩) .
(٢) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/٩٥٥ - ٩٥٦ (١٥٩١) .
(٣) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/١٠٣٠ (١٧٤٢) .
[ ٦١ ]
وقال الإمام الحافظ سفيان الثوري ﵀ (ت ١٦١هـ):
(الإيمان: يزيد وينقص) (١) .
وقال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀ (ت ١٨١هـ):
(الإيمان: قول وعمل، والإيمان يتفاضل) (٢) .
وقال الإمام الفضيل بن عياض ﵀ (ت ١٨٦هـ):
(الإيمان عندنا داخله وخارجه الإقرار باللسان والقول بالقلب، والعمل به) (٣) .
وقال الإمام أبو الثور البغدادي ﵀ (ت ٢٤٠هـ):
(الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح) (٤) .
وقال الإمام وكيل بن الجراح ﵀ (ت ١٧٩هـ):
(أهل السنة يقولون: الإيمان: قول وعمل) (٥) .
_________________
(١) (الإبانة) ابن بطة: ٢/٨٥٢ (١١٤٩) .
(٢) (السنة) عبد الله بن الإمام أحمد: ٥/٣١٥ (٦٢٧) .
(٣) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/١٠٣٠ (١٧٤٢) .
(٤) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٤/٩٣٢ (١٥٩٠) .
(٥) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/١٠٣٠ (١٧٤٩) .
[ ٦٢ ]
وقال الإمام يحيى بن سعيد القطان ﵀ (ت ١٩٨هـ):
(كل من أدركت من الأئمة كانوا يقولون: الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص، ويقدمون أبا بكر وعمر في الفضيلة والخلافة) (١) .
وقال الإمام سفيان بن عيينة ﵀ (ت ١٩٨هـ):
(الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص) (٢) .
وعن الإمام الحافظ الحميدي - ﵀ - قال: سمعت ابن عيينة يقول: (الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص) فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد، لا تقولن: يزيد وينقص؛ فغضب وقال: (اسكت يا صبي! بلى حتى لا يبقى منه شيء) (٣) .
وقال الإمام الشافعي ﵀ (ت ٢٠٤هـ):
(الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٤) .
_________________
(١) (سير أعلام النبلاء) الذهبي: ٩/١٧٩.
(٢) (سير أعلام النبلاء) الذهبي: ٨/٤٦٨.
(٣) (كتاب الشريعة) الآجري: ٢/٦٠٧ (٢٢٤) .
(٤) (حلية الأولياء) الأصفهاني: ٩/١١٥. والآية: ١٣١ من سورة المدثر.
[ ٦٣ ]
وقال: (كان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم: أن الإيمان: قول وعمل ونية، ولا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر) (١) .
وقال الإمام عبد الرزاق الصنعاني ﵀ (ت ٢١١هـ):
(سمعت معمرًا، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن جريح، وسفيان بن عيينة، يقولون: الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص) (٢) .
وقال الإمام عبد الله الحميدي ﵀ (ت ٢١٩هـ):
(الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص، لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل ولا قول إلا بنية، ولا قول وعمل بنية إلا بسنة) (٣) .
قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ (ت ٢٢٤هـ):
(اعلم - رحمك الله - أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين: فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله
_________________
(١) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/٩٥٦ (١٥٩٣) .
(٢) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/١٠٢٨ (١٧٣٥) .
(٣) (أصول السنة) الحميدي: مطبوعة في آخر (مسنده) ج٢، ص ٥٤٦.
[ ٦٤ ]
وشهادة الألسنة وعمل. وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنما هي تقوى وبر، وليست من الإيمان. وإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين؛ فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعًا، وينفيان ما قالت الأخرى) (١) .
وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (ت ٢٤١هـ):
(أجمع تسعون رجلًا من التابعين وأئمة السنة، وأئمة السلف، وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عنها رسول الله ﷺ.. - فذكر أمورًا منها -: الإيمان: قول وعمل؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية) (٢) . وقال: (الإيمان: يزيد وينقص؛ فزيادته بالعمل، ونقصانه بترك العمل) (٣) .
وعن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني: أنه سأل أبا عبد الله: الإيمان قول ونية؟ فقال لي: (كيف يكون بلا نية؛ نعم قول وعمل ونية، لابد من النية - قال لي - النية متقدمة) (٤) .
_________________
(١) (كتاب الإيمان) أبو عبيد القاسم بن سلام: ص ٩. تحقيق الألباني.
(٢) (طبقات الحنابلة) ابن رجب الحنبلي: ١/١٣٠.
(٣) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/١٠٥٦ (٨١٧٩) .
(٤) (السنة) الخلال: ٣/٥٧٩ (١٠٠٢) .
[ ٦٥ ]
وقال الإمام البخاري ﵀ (ت ٢٥٦هـ):
(كتبت عن ألف من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلا عمن قال: الإيمان: قول وعمل ولم أكتب عن من قال: الإيمان: قول) (١) .
وقال: (لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا يختلف في أن الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص) (٢) .
وقال الإمام إسحاق بن راهويه ﵀ (ت ٢٨٣هـ):
(الإيمان: يزيد وينقص؛ حتى لا يبقى منه شيء) (٣) .
وقال الإمام أبو زرعة الرازي ﵀ (ت ٢٦٤هـ):
(الإيمان عندنا قول وعمل؛ يزيد وينقص، ومن قال غير ذلك؛ فهو مبتدع مرجئ) (٤) .
وقال الإمام أبو حاتم الرازي ﵀ (ت ٢٧٤هـ):
(مذهبنا واختيارنا وما نعتقده وندين الله به ونسأله السلامة في الدين والدنيا: أن الإيمان قول وعمل؛ يزيد وينقص) (٥) .
_________________
(١) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/٩٥٩ (١٥٩٧) .
(٢) (فتح الباري) ابن حجر العسقلاني: ج١، ص ٤٧.
(٣) (السنة) الخلال: ٤/٦٨٠ (١٠١١) .
(٤) (طبقات الحنابلة) ابن رجب الحنبلي: ١/٢٠٣.
(٥) (طبقات الحنابلة) ابن رجب الحنبلي: ١/٢٨٦.
[ ٦٦ ]
وقال الإمام يعقوب بن يوسف الفسوي ﵀ (ت ٢٧٧هـ):
(الإيمان عند أهل السنة: الإخلاص لله بالقلوب والألسنة والجوارح، وهو قول وعمل؛ يزيد وينقص، على ذلك وجدنا كل من أدركنا من عصرنا بمكة والمدينة والشام والبصرة والكوفة) ثم ذكر منهم ثلاثين ونيفا) (١) .
وقال الإمام محمد بن نصر المروزي ﵀ (ت ٢٩٤هـ):
(الإيمان: أن تؤمن بالله): أن توحده، وتصدق به بالقلب واللسان، وتخضع له ولأمره، بإعطاء العزم للأداء لما أمر، مجانبًا للاستكشاف والاستكبار، والمعاندة، فإذا فعلت ذلك لزمت محابه، واجتنبت مساخطه) (٢) .
وقال الإمام ابن جرير الطبري ﵀ (ت ٣١٠هـ):
(أما القول في الإيمان هل هو قول وعمل، وهل يزيد وينقص، أم لا زيادة فيه ولا نقصان؟ فإن الصواب فيه قول من قال: هو قول وعمل يزيد وينقص، وبه جاء الخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وعليه مضى أهل الدين والفضل) (٣) .
_________________
(١) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/١٠٣٥ (١٧٥٣) .
(٢) (تعظيم قدر الصلاة) المروزي: ١/٣٩٤.
(٣) (صريح السنة) الإمام ابن جرير الطبري: ص ٢٥. تحقيق بدر بن يوسف المعتوق.
[ ٦٧ ]
وقال الإمام أبو الحسن الأشعري - ﵀ - عن ما أجمع عليه السلف من الأصول (ت ٣٢٤هـ): (وأجمعوا على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) (١) .
وقال الإمام البربهاري ﵀ (ت ٣٢٩هـ):
الإيمان قول وعمل. وعمل وقول، ونية وإصابة؛ يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه شيء) (٢) .
وقال الإمام الآجري ﵀ (ت ٣٦٠هـ):
(اعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق؛ وهو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح. ثم اعلموا: أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق؛ إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقًا، ولا تجزئ معرفة بالقلب، ونطق باللسان؛ حتى يكون عمل بالجوارح؛ فإذا كملت فيه هذه الثلاث خصال: كان مؤمنًا. دل على ذلك القرآن والسنة، وقول علماء المسلمين) (٣) .
_________________
(١) (رسالة إلى أهل الثغر) الأشعري: ص ٢٧٢. تحقيق عبد الله شاكر الجندي.
(٢) (شرح السنة) الإمام الحسن بن علي البربهاري: ص ٦٧. تحقيق خالد الردادي.
(٣) (كتاب الشريعة) الإمام الآجري: ٢/٦١١. دار الوطن.
[ ٦٨ ]
وقال: (فالأعمال - رحمكم الله - بالجوارح تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان، فمن لم يصدق الإيمان بعمل جوارحه؛ مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وأشباه لهذه، ورضي من نفسه بالمعرفة والقول لم يكن مؤمنًا، ولم تنفعه المعرفة والقول، وكان تركه للعمل تكذيبًا لإيمانه، وكان العمل بما ذكرناه تصديقًا منه لإيمانه، وبالله التوفيق) (١) .
وقال أيضًا: - اعلموا - رحمنا الله وإياكم - يا أهل القرآن، ويا أهل العلم بالسنن والآثار، ويا معشر من فقههم الله تعالى في الدين بعلم الحلال والحرام: أنكم إن تدبرتم القرآن - كما أمركم الله تعالى - علمتم أن الله تعالى أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله العمل، وأنه تعالى لم يثن على المؤمنين بأنه قد رضي عنهم وأنهم قد رضوا عنه، وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة والنجاة من النار إلا بالإيمان وحده حتى ضم إليه العمل الصالح. قرن مع الإيمان العمل الصالح، لم يدخلهم الجنة بالإيمان وحده حتى ضم إليه العمل الصالح الذي وفقهم له، فصار الإيمان لا يتم لأحد حتى يكون مصدقًا بقلبه، وناطقًا بلسانه، وعاملًا بجوارحه،
_________________
(١) (كتاب الشريعة) الإمام الآجري: ٢/٦١٤. دار الوطن.
[ ٦٩ ]
لا يخفى على من تدبر القرآن وتصفحه، وجده كما ذكرت.
واعلموا - رحمنا الله وإياكم - أني قد تصفحت القرآن فوجدت ما ذكرته في شبيه من خمسين موضعًا من كتاب الله تعالى، أن الله ﵎ لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده؛ بل أدخلهم الجنة برحمته إياهم، وبما وفقهم له من الإيمان والعمل الصالح) (١) .
وقال الإمام ابن بطة ﵀ (ت ٣٨٧هـ):
(واعلموا - رحمكم الله - أن الله - ﷿ - لم يثن على المؤمنين، ولم يصف ما أعد لهم من النعيم المقيم والنجاة من العذاب الأليم، ولم يخبرهم برضاه عنهم إلا بالعمل الصالح والسعي الرابح، وقرن القول بالعمل، والنية بالإخلاص؛ حتى صار اسم الإيمان مشتملًا على المعاني الثلاثة، لا ينفصل بعضها من بعض، ولا ينفع بعضها دون بعض؛ حتى صار الإيمان قولًا باللسان، وعملًا بالجوارح، ومعرفة بالقلب؛ خلافًا لقول المرجئة الضالة الذين زاغت قلوبهم، وتلاعبت الشياطين بعقولهم) (٢) .
_________________
(١) (كتاب الشريعة) الإمام الآجري: ٢/٦١٨. دار الوطن.
(٢) (الإبانة) الإمام ابن بطة: ٢/٧٧٩. دار الراية.
[ ٧٠ ]
وقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي - ﵀ - عن اعتقاد أئمة الحديث؛ أنهم يقولون (ت ٣٧١هـ):
(إن الإيمان قول وعمل ومعرفة) (١) .
وقال الإمام ابن أبي زيد القيرواني ﵀ (ت ٣٨٦هـ):
(أن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح؛ يزيد ذلك بالطاعة، وينقص بالمعصية نقصًا عن حقائق الكمال لا محبط للإيمان، ولا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة، وأنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب وإن كان كبيرًا، ولا يحبط الإيمان غير الشرك بالله تعالى) (٢) .
وقال الإمام الحافظ ابن مندة ﵀ (ت ٣٩٥هـ):
(الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالأركان؛ يزيد وينقص) (٣) .
_________________
(١) (اعتقاد أئمة الحديث) الإمام أبو بكر الإسماعيلي: ص ٦٣.
(٢) نقل جملة من اعتقاده الإمام ابن القيم في (اجتماع الجيوش الإسلامية): ص ١٤٩، ١٥٦. تحقيق د. عواد بن عبد الله المعتق؛ فانظر.
(٣) (كتاب الإيمان) الإمام ابن مندة: ٢/٣٤١.
[ ٧١ ]
وقال الإمام الحافظ ابن أبي زمنين ﵀ (ت ٣٩٩هـ):
(ومن أقوال أهل السنة: أن الإيمان إخلاص لله بالقلوب، وشهادة بالألسنة، وعمل بالجوارح؛ على نية حسنة، وإصابة السنة.. أن الإيمان درجات ومنازل يتم ويزيد وينقص، ولولا ذلك استوى الناس فيه، ولم يكن للسابق فضل على المسبوق) (١) .
وقال الإمام إسماعيل الصابوني ﵀ (ت ٤٤٩هـ):
(ومن مذهب أهل الحديث: أن الإيمان قول وعمل ومعرفة؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية) (٢) .
وقال الإمام ابن بطَّال المالكي ﵀ (ت ٤٤٩هـ):
(مذهب أهل السنة من سلف الأمة وخلفها: أن الإيمان قول وعمل؛ يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه؛ ما أورده البخاري في كتاب الله من ذكر الزيادة في الإيمان، وبيان ذلك أنه من لم تحصل له بذلك الزيادة؛ فإيمانه أنقص من إيمان من حصلت له) (٣) .
_________________
(١) (أصول السنة) الإمام ابن أبي زمنين: ص ٢٠٧. (مكتبة الغرباء الأثرية) .
(٢) (عقيدة السلف) الإمام الصابوني: ص ٢٦٤. (دار العاصمة) .
(٣) (شرح صحيح البخاري) ابن بطال: ١/٥٦. (مكتبة الرشد) .
[ ٧٢ ]
وقال الإمام الحليمي ﵀ (ت ٤٠٣هـ):
(ومما يدل على أن الإيمان يزيد وينقص قول النبي ﷺ للنساء: (إنكن ناقصات عقل ودين) (١) .
وقال الإمام القاضي أبو يعلى الفراء (ت ٤٥٨هـ) - ﵀ - عن تعريف الإيمان الشرعي:
(وأما حده في الشرع فهو جميع الطاعات الباطنة والظاهرة؛ فالباطنة أعمال القلب، وهو تصديق القلب، والظاهرة هي أفعال البدن الواجبات والمندوبات) (٢) .
وقال الإمام البيهقي ﵀ (ت ٤٥٨هـ):
(أن الإيمان يزيد وينقص، وإذا قبل الزيادة قبل النقص) (٣) .
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀ (ت ٤٦٠هـ):
(أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل؛ ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان) (٤) .
_________________
(١) (المنهاج في شعب الإيمان) الإمام الحليمي البخاري: ١/٦٣.
(٢) (مسائل الإيمان) الإمام القاضي أبو يعلى: ص ١٥٢. (دار العاصمة) .
(٣) (الاعتقاد) الإمام البيهقي: ص ١١٥ باب: (القول في الإيمان) .
(٤) (التمهيد) الإمام ابن عبد البر: ٩/٢٣٨.
[ ٧٣ ]
وقال الإمام البغوي ﵀ (ت ٥١٦هـ):
(اتفقت الصحابة والتابعين فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان.. وقالوا إن الإيمان قول وعمل وعقيدة؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء في الحديث بالنقصان في وصف النساء) (١) .
وقال الإمام قوَّام السنة الأصفهاني ﵀ (ت ٥٣٥هـ):
(الإيمان في الشرع عبارة عن جميع الطاعات الظاهرة والباطنة) (٢) .
وقال: (قال علماء السلف.. والإيمان قول وعمل ونية؛ يزيد وينقص، زيادته البر والتقوى، ونقصانه الفسوق والفجور) (٣) .
وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني ﵀ (ت ٥٦١هـ):
(ونعتقد أن الإيمان قول باللسان، ومعرفة بالجنان، وعمل بالأركان) (٤) .
_________________
(١) (شرح السنة) الإمام البغوي: ١/٣٨.
(٢) (الحجة في بيان المحجة): ١/٤٠٣. .
(٣) (الحجة) ٢/٢٦٢-٢٦٤ (دار الراية) .
(٤) (الغنية لطالبي طريق الحق) الجيلاني: ١/٦٢. (دار الألباب) دمشق.
[ ٧٤ ]
وقال الحافظ عبد الغني المقدسي ﵀ (ت ٦٠٠هـ):
(الإيمان قول وعمل ونية؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) (١) .
وقال الإمام ابن قدامة المقدسي ﵀ (ت ٦٢٠هـ):
(الإيمان: قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان؛ يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان) (٢) .
وقال الإمام النووي ﵀ (ت ٦٧٦هـ):
(قال عبد الرزاق: سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبيد بن عمر، والأوزاعي، ومعمر بن راشد، وابن جريح، وسفيان بن عيينة، يقولون: الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص. وهذا قول: ابن مسعود، وحذيفة، والنخعي، والحسن البصري، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعبد الله بن المبارك؛ فالمعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين هو إتيانه بهذه الأمور الثلاثة: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح) (٣) .
_________________
(١) (الاقتصاد في الاعتقاد) الإمام المقدسي: ١٨٢. تحقيق د. أحمد الغامدي.
(٢) (لمعة الاعتقاد): ص ٣٣. تحقيق عبد القادر الأرناؤوط (مكتبة دار البيان) .
(٣) (شرح صحيح مسلم) النووي: ١/١٤٦.
[ ٧٥ ]
وقال: (إن الطاعات تسمى إيمانًا ودينًا، وإذا ثبت هذا علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقص عبادته نقص دينه) (١) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت ٧٢٨هـ):
(ومن أصول أهل السنة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) (٢) .
وقال: (ولهذا كان القول: إن الإيمان قول وعمل - عند أهل السنة - من شعائر السنة، وحكى غير واحد الإجماع على ذلك) (٣) .
وقال الإمام الحافظ ابن القيم ﵀ (ت ٧٥١هـ):
(حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. والقول قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد، وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام، والعمل قسمان: عمل القلب، وهو نيته وإخلاصه،
_________________
(١) (شرح صحيح مسلم) النووي: ٢/٦٨.
(٢) (مجموع الفتاوى): ٣/١٥١.
(٣) (الإيمان) ابن تيمية: ٢٩٢.
[ ٧٦ ]
وعمل الجوارح؛ فإذا زالت هذه الأربعة، زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب، لم تنفع بقية الأجزاء) (١) .
وقال الإمام الحافظ ابن كثير ﵀ (ت ٧٤٤هـ) في تفسير الآية ﴿٢﴾ من سورة الأنفال:
(وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأمة؛ بل قد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد، كما بينا ذلك مستقصى في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة) .
وقال - أيضًا - في تفسير الآية ﴿١٢٤﴾ من سورة التوبة:
(وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء؛ بل قد حكى غير واحد الإجماع على ذلك، وقد بسط الكلام على هذه المسألة في أول شرح البخاري ﵀) .
_________________
(١) (كتاب الصلاة وحكم تاركها) ابن القيم: ص ٥٤ فصل: (في الحكم بين الفريقين) .
[ ٧٧ ]
وقال العلامة ابن أبي العز الحنفي ﵀ (ت ٧٩٢هـ):
(اختلف الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلافًا كثيرًا: فذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وسائر أهل الحديث، وأهل المدينة ﵏، وأهل الظاهر، وجماعة من المتكلمين: إلى أنه تصديق بالجنان، وإقرار باللسان وعمل بالأركان) (١) .
وقال الإمام ابن رجب الحنبلي ﵀ (ت ٧٩٥هـ) في شرح حديث النبي ﷺ: (اللهم! زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهديين) (٢): (أما زينة الإيمان؛ فالإيمان قول وعمل ونية؛ فزينة الإيمان تشمل زينة القلب بتحقيق الإيمان له، وزينة اللسان بأقوال الإيمان، وزينة الجوارح بأعمال الإيمان) (٣) .
وقال في شرحه لقول البخاري: الإيمان قول وعمل:
(وأكثر العلماء قالوا: هو قول وعمل. وهذا كله إجماع من السلف وعلماء أهل الحديث، وقد حكى الشافعي إجماع
_________________
(١) (شرح العقيدة الطحاوية): ٢/٤٥٩. تحقيق شعيب الأرناؤوط.
(٢) (رواه النسائي) في (كتاب السهو) باب: (الدعاء بعد الذكر) وصححه الألباني.
(٣) (شرح حديث عمار بن ياسر) ص ٤٨ تحقيق إبراهيم العرف. (مكتبة السوادي) .
[ ٧٨ ]
الصحابة والتابعين عليه، وحكى أبو ثور الإجماع عليه أيضًا.
وقال الأوزاعي: كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل، وحكاه غير واحد من سلف العلماء عن أهل السنة والجماعة، وممن حكى ذلك عن أهل السنة والجماعة: الفضيل بن عياض، ووكيع ابن الجراح، وممن روي عنه أن الإيمان قول وعمل: الحسن، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والزهري، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وغيرهم) وقال أيضًا: (زيادة الإيمان ونقصانه قول جمهور العلماء) (١) .
وقال العلامة أبو الفضل شهاب الدين محمود الآلوسي ﵀ (ت ١٢٧٠هـ) في تفسير الآية ﴿٢﴾ من سورة الأنفال:
(وهذا أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يقبل الزيادة والنقص، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، وبه أقوال لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلًا؛ بل قد احتج عليه
_________________
(١) (فتح الباري شرح صحيح البخاري) لابن رجب الحنبلي: ١/٥٠٨ (مكتبة الغرباء) .
[ ٧٩ ]
بعضهم بالعقل أيضًا، وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساويًا لإيمان الأنبياء والملائكة - عليهم الصلاة والسلام - واللازم باطل؛ فكذا الملزوم (١) .
وقال العلامة السفاريني ﵀ (ت ١١٨٨هـ):
(الذي اعتمده أئمة الأثر وعلماء السلف: أن الإيمان: تصديق بالجنان وإقرار باللسان، وعمل بالأركان؛ يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وإلا فمجرد تصديق القلب من غير إقرار باللسان لا يحصل به الإيمان؛ فإن إبليس لا يسمى مؤمنا بالله، وإن كان مصدقًا بوجوده وربوبيته) (٢) .
وقال العلامة صديق حسن القنوجي ﵀ (ت ١٣٠٧هـ):
(إن الإيمان الشرعي المطلوب لا يكون؛ إلا اعتقادًا وقولًا وعملًا؛ هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة بل قد حكاه الشافعي وأحمد وأبو عبيد، وغير واحد إجماعًا أن الإيمان قول وعمل) (٣) .
_________________
(١) (روح المعاني) الآلوسي: ٥/١٦٥.
(٢) (شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد) السفاريني: ٢/٢١.
(٣) (بغية الرائد في شرح العقائد) القنوجي: ص ٤٤. الطبعة الهندية.
[ ٨٠ ]
وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ (ت ١٣٧٦هـ) في تفسير الآية ﴿٧٦﴾ من سورة مريم:
(وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصه؛ كما قاله السلف الصالح، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ويدل عليه أيضًا الواقع؛ فإن الإيمان: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، والمؤمنون متفاوتون في هذه الأمور أعظم تفاوت.
وقال العلامة حافظ الحكمي ﵀ (ت ١٣٧٧هـ):
(الإيمان: قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويتفاضل أهله فيه) (١) .
وقال الشيخ العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي ﵀ (ت ١٣٩٣هـ):
(إن الحق الذي لا شك فيه الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان شامل للقول والعمل مع الاعتقاد، وذلك ثابت في أحاديث صحيحة كثيرة) (٢) .
_________________
(١) (أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة): ص ٤٥ تحقيق أحمد الرشد.
(٢) (أضواء البيان) الشنقيطي: ٧/٢٠١.
[ ٨١ ]
وهذا غيض من فيض؛ من أقوال أئمة السلف الصالح أهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول وعمل؛ يزيد وينقص، لا قول لهم غيره؛ بل أجمعوا على ذلك، ومن نسب إليهم خلاف ذلك؛ فقد أخطأ، وجهل مذهبهم، ونسب إليهم ما لم يقولوه.
وعلى هذه العقيدة توفي الرسول ﷺ وعلى هذا المنهج كان جميع الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان: من المحدثين، والفقهاء، وجميع أئمة الدين، ولم يخالفهم أحد من السلف والخلف؛ إلا الذين مالوا عن الحق في هذا الأمر، وجانبوا الصواب.
والآثار عن السلف في مسمى الإيمان وحقيقته كثيرة جدًا، ولا يمكن حصرها هنا، وقد قال بهذا القول خلق كثير - غيرهم - من أهل السنة والجماعة؛ فمن أراد البسط في معرفة أقوالهم في هذا الباب؛ فعليه مراجعة مصنفاتهم وكتب أئمتهم، وخصوصًا كتب العقيدة المسندة، وقد ذكرنا بعضًا منها في نهاية هذه الرسالة.
[ ٨٢ ]
الإيمان والإسلام
اختلف أئمة أهل السنة والجماعة في مسمى الإسلام والإيمان على قولين: هل هما بمعنى واحد، أم أن أحدهما غير الآخر؟ والمتتبع للآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ يجد أن اسم الإيمان تارة يذكر مفردًا غير مقرون باسم الإسلام، وتارة يذكر مقرونًا به، وكذلك العكس؛ فإنهما أحيانًا يكونان بمعنى واحد فهما مترادفان، وتارة يراد من أحدهما معنى يغاير لمعنى الآخر؛ فيكونان متغايرين.
والذي عليه أكثر العلماء؛ أن مسمى الإسلام غير مسمى الإيمان، وبينهما فرق؛ فباعتبار الحقيقة اللغوية يفترق الإسلام والإيمان وباعتبار الحقيقة الشرعية يتضمن الإيمان الإسلام؛ لأن بينهما تلازمًا في الوجود، فكل واحد منهما مكمل للآخر بحيث لا ينفكان عن بعضهما، وأنهما إذا اجتمعا اختلفا في مدلولهما، وإذا افترقا اجتمعا في مدلولهما، وأنه إذا وجد أحدهما في نص دون الآخر فهو لازم له، وإن اجتمعا في نص واحد فكل منهما يفسر بمعناه المذكور، قال الله ﵎:
[ ٨٣ ]
﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) .
بمعنى أنه إذا اجتمعا باللفظ افترقا بالمعنى، أي: إذا قرن الإسلام والإيمان في نص:
فيراد بالإسلام الأعمال الظاهرة من العبادات: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، أي: الاستسلام لله تعالى، والخضوع والإنقياد له - سبحانه - بالعمل.
ويراد بالإيمان الاعتقادات الباطنة، وهي الإيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، أي: تصديق القلب وإقراره ومعرفته.
وإذا افترقا في نص اجتمعا؛ فيشمل كل واحد منهما الدين كله؛ من أصوله وفروعه؛ من اعتقاداته وأفعاله الظاهرة والباطنة.
أي: إذا جاء ذكر الإسلام مفردًا، أو الإيمان مفردًا فالمراد بهما الدين كله، بما فيه من إسلام، وإيمان، واستسلام، وشعائر، وشرائع، ومناهج، وأحكام، قال الله تعالى:
_________________
(١) سورة الحجرات، الآية: ١٤.
[ ٨٤ ]
﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ (١) .
وقال: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ﴾ (٢) .
وقال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) .
وقال: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤) .
وقال: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿٧﴾ وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٥) .
وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٦) .
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٩.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٣.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٨٥.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٥.
(٥) سورة الحديد، الآيتان ٧-٨.
(٦) سورة الحجرات، الآية: ١٥.
[ ٨٥ ]
وقال النبي ﵌:
(الإيمان بضع وسبعون، أوبضع وستون شعبة؛ فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) (١) .
وعن عمر - ﵁ - قال:
بينما نحن عند رسول الله ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد؛ حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ:
الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا.
_________________
(١) سورة الحجرات، الآية: ١٥.
[ ٨٦ ]
قال: صدقت؛ فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال:
أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره.
قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال:
أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال:
ما المسؤول عنها بأعلم بها من السائل.
قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال:
أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء؛ يتطاولون في البنيان) . ثم انطلقت فلبثت مليًا، ثم قال:
يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) (١) .
_________________
(١) (رواه مسلم) في (كتاب الإيمان) باب: (بيان الإيمان والإسلام والإحسان) .
[ ٨٧ ]
فمثل الإسلام من الإيمان؛ كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى؛ فالشهادة للرسول ﷺ بالرسالة غير الشهادة لله بالوحدانية والعبادة، ومثل لفظ الفقير إذا أطلق دخل فيه المسكين، وإذا أطلق لفظ المسكين تناول الفقير، وإذا قرن بينهما؛ فأحدهما غير الآخر.
كذلك الإسلام والإيمان؛ إذ لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، ولا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه، ولا يخلو المؤمن من إسلام به يحقق إيمانه.
وبهذا التفصيل يحصل الجمع بين الأدلة، وهذا هو القول الوسط، وبه تجتمع النصوص الشرعية.
ويمكن القول إن الخلاف بين السلف في هذه المسألة خلاف لفظي يسير؛ لأن الجميع متفقون على أن العمل يدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأنهم لا يخرجون أهل المعاصي من الإيمان إلى الكفر؛ وإذا أخرجوهم من الإيمان إلى الإسلام؛ فلم يقولوا إنه لا يبقى معهم شيء من الإيمان؛ بل يبقى معهم أصل الإيمان.
[ ٨٨ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
(لو قدر أن الإسلام يستلزم الإيمان الواجب، فغاية ما يقال: إنهما متلازمان؛ فكل مسلم مؤمن، وكل مؤمن مسلم.
وهذا صحيح إذا أريد أن كل مسلم يدخل الجنة معه الإيمان الواجب، وهو متفق عليه؛ إذا أريد أن كل مسلم يثاب على عبادته؛ فلابد أن يكون معه أصل الإيمان فما من مسلم إلا وهو مؤمن، وإن لم يكن هو الإيمان الذي نفاه النبي ﷺ عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وعمن يفعل الكبائر، وعن الأعراب وغيرهم.
فإذا قيل: إن الإسلام والإيمان التام متلازمان، لم يلزم أن يكون أحدهما هو الآخر؛ كالروح والبدن، فلا يوجد عندنا روح إلا مع البدن، ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح، وليس أحدهما الآخر؛ فالإيمان كروح، فإنه قائم بالروح ومتصل بالبدن.
والإسلام كالبدن، ولا يكون البدن حيًا إلا مع الروح، بمعنى أنهما متلازمان، لا أن مسمى أحدهما هو مسمى الآخر، وإسلام المنافقين كبدن الميت، جسد بلا روح، فما من بدن حي إلا وفيه
[ ٨٩ ]
روح..؛ فكل من خشع قلبه، خشعت جوارحه، ولا ينعكس، ولهذا قيل: إياكم وخشوع النفاق، وهو أن يكون الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع؛ فإذا صلح القلب صلح الجسد كله، وليس إذا كان الجسد في عبادة يكون القلب قائمًا بحقائقهما) (١) .
_________________
(١) (مجموع الفتاوى) ج ٧، ص ٣٦٧.
[ ٩٠ ]
التلازم الظاهر بالباطن
إن ظاهر العبد - عند أهل السنة والجماعة - هو الوجه الآخر لقلبه وباطنه، وأنه انعكاس مباشر له لا يتخلف عنه ولا يغايره، وإذا كان الباطن صالحًا كان الظاهر كذلك، وإذا كان الباطن فاسدًا كان الظاهر كذلك فاسدًا بحسبه؛ لأن الإيمان أصله في القلب، وهو:
- قول القلب من المعرفة والعلم والتصديق.
- عمل القلب من الإذعان والانقياد والاستسلام.
ولكن من لوازم هذا الإيمان - إذا تحقق في القلب - تحقيقها في الظاهر، فالظاهر لا يتخلف عن الباطن ولا يضاده؛ لأنه ترجمان الباطن، ومرتبط به ارتباطًا وثيقًا.
فالظاهر والباطن متلازمان لا يكون الظاهر مستقيمًا إلا باستقامة الباطن، وكذلك العكس.
[ ٩١ ]
والإيمان المطلوب شرعًا هو الإيمان الظاهر والباطن، وتلازم عمل القلب بعمل الجوارح؛ لأنه لا يصح إيمان العبد بواحدة دون الأخرى؛ فمن زعم وجود العمل في قلبه دون جوارحه؛ لا يثبت له اسم الإيمان؛ لأن الأعمال والأقوال الظاهرة من لوازم الإيمان التي لا تنفك عنه، قال الله ﵎:
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢) .
وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٢﴾
_________________
(١) سورة المجادلة، الآية: ٢٢.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٨١.
[ ٩٢ ]
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣﴾ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (١) .
وقال النبي ﷺ: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل رجل الجنة لا يأمن جاره بوائقه) (٢) .
وقال ﷺ: (ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب.) (٣) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في شرح هذا الحديث: (فبين أن صلاح القلب مستلزم لصلاح الجسد؛ فإذا كان الجسد غير صالح، دل على أن القلب غير صالح، والقلب المؤمن صالح؛ فعلم أن من يتكلم بالإيمان، ولا يعمل به، لا يكون قلبه مؤمنًا، حتى أن المكره إذا كان في إظهار الإيمان؛ فلابد أن يتكلم مع نفسه، وفي السر مع من يأمن إليه، ولابد أن يظهر على صفحات وجهه وفلتات لسانه؛ كما قال عثمان. وأما إذا لم يظهر
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ٢ - ٤.
(٢) رواه أحمد في (المسند) مسند أنس بن مالك؛ ج٣، ص ١٩٨ وحسنه الألباني في (السلسلة الصحيحة): ج ٦، ص ٨٢٢ (٢٨٤١) .
(٣) (رواه البخاري) في (كتاب الإيمان) باب: فضل من استبرأ لدينه) .
[ ٩٣ ]
أثر ذلك إلا بقوله، ولا بفعله قط؛ فإنه يدل على أنه ليس في القلب إيمان، وذلك أن الجسد تابع للقلب؛ فلا يستقر شيء في القلب إلا ظهر موجبه ومقتضاه على البدن، ولو بوجه من الوجوه) (١) .
وقال الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي - ﵀ - في شرحه لهذا الحديث أيضًا:
(إن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه للمحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه.
فإن كان قلبه سليمًا، ليس فيه إلا محبة الله، ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله، وخشية الوقوع فيما يكرهه؛ صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقي الشبهات حذرًا من الوقوع في المحرمات.
وإن كان القلب فاسدًا، قد استولى عليه اتباع هواه، وطلب ما يحبه، ولو كرهه الله، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب.
_________________
(١) (مجموع الفتاوى) ج ١٤، ص ١٢١.
[ ٩٤ ]
ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون له، مبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من ذلك؛ فإن كان الملك صالحًا كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدًا كانت جنوده بهذه المثابة فاسدة، ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم.. .
فإن أعمال الجوارح لا تستقيم إلا باستقامة القلب، ومعنى استقامة القلب أن يكون ممتلئًا من محبة الله، ومحبة طاعته، وكراهية معصيته وحركات الجسد تابعة لحركة القلب وإرادته، فإن كانت حركته وإرادته لله وحده؛ فقد صلح وصلحت حركات الجسد كله، وإن كانت حركة القلب وإرادته لغير الله تعالى، فسد، وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب.. .
ومعنى هذا أن حركات القلب والجوارح إذا كانت كلها لله؛ فقد كمل إيمان العبد بذلك ظاهرًا وباطنًا، ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح الجوارح؛ فإذا كان القلب صالحًا ليس فيه إلا إرادة الله، وإرادة الله ما يريده لم تنبعث الجوارح إلا فيما يريده الله) (١) .
_________________
(١) انظر: (جامع العلوم والحكم) لابن رجب؛ ج١، ص ٢١٠ في شرح الحديث السادس من الأربعين النووية. تحقيق شعيب الأرناؤوط.
[ ٩٥ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
(فأصل الإيمان في القلب، وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد، وما كان في القلب، فلا بد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه، ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه، وهي التصديق لما في القلب، ودليل عليه وشاهد له، وهي شعبة من مجموع الإيمان المطلق وبعض له؛ لكن ما في القلب هو الأصل لما على الجوارح؛ كما قال أبو هريرة - ﵁ - إن القلب ملك، والأعضاء جنوده؛ فإن طاب الملك، طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده) (١) .
وقال أيضًا: (فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء إنه إذا أقر بالواجب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه؛ فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل
_________________
(١) (مجموع الفتاوى) ج ٧، ص ٦٤٤.
[ ٩٦ ]
هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع؛ سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزء من الإيمان) (١) .
وقال في موضع آخر: (وهنا أصول تنازع الناس فيها: منها أن القلب هل يقوم به تصديق، أو تكذيب، ولا يظهر قط منه شيء على اللسان والجوارح، وإنما يظهر نقيضه من غير خوف؟ فالذي عليه السلف والأئمة وجمهور الناس؛ أنه لابد من ظهور موجب ذلك على الجوارح، فمن قال: إنه يصدق الرسول ويحبه ويعظمه بقلبه، ولم يتكلم قط بالإسلام، ولا فعل شيئًا من واجباته بلا خوف؛ فهذا لا يكون مؤمنًا في الباطن، وإنما هو كافر) (٢) .
وقال كذلك: (وقد تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله بقلبه، أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبًا ظاهرًا، ولا صلاة ولا زكاة ولا صيامًا، ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها؛ مثل أن يؤدي الأمانة، أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه؛ من غير
_________________
(١) (مجموع الفتاوى) ج ٧، ص ٦١٦.
(٢) (مجموع الفتاوى) ج ١٤، ص ١٢٠.
[ ٩٧ ]
إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر؛ فإن المشركين، وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد ﷺ (١) .
وقال - أيضًا - ﵀: (إذا نقصت الأعمال الظاهرة الواجبة؛ كان ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان؛ فلا يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب أن تعدم الأعمال الظاهرة الواجبة، بل يلزم من وجود هذا كاملًا، وجود هذا كاملًا؛ كما يلزم من نقص هذا، نقص هذا؛ إذ تقدير إيمان تام في القلب بلا ظاهر من قول وعمل، كتقدير موجب تام بلا موجبه، وعلة تامة بلا معلولها، وهذا ممتنع (٢) .
وقال الإمام الحافظ ابن القيم ﵀:
(وها هنا أصل آخر: وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. والقول قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد. وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب، وهو نيته وإخلاصه. وعمل الجوارح.
_________________
(١) (مجموع الفتاوى) ج ٧، ص ٦٢١.
(٢) (مجموع الفتاوى) ج ٧، ص ٥٨٢.
[ ٩٨ ]
فإذا زالت هذه الأربعة، زال الإيمان بكماله. وإذا زال تصديق القلب، لم ينفع بقية الأجزاء؛ فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة.
وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق؛ فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة؛ فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده؛ كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه، واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول؛ بل ويرون به سرًا وجهرًا، ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه، ولا نؤمن به.
وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب؛ فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح، ولا سيما إذا كان ملزومًا لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم - كما تقدم تقريره - فإنه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح، إذ لو أطاع القلب وانقاد؛ أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة، وهو حقيقة الإيمان.
فإن الإيمان ليس مجرد التصديق - كما تقدم بيانه - وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس هو مجرد
[ ٩٩ ]
معرفة الحق وتبيينه؛ بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه، والعمل بموجبه، وإن سمي الأول هدى؛ فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء؛ كما أن اعتقاد التصديق، وإن سمي تصديقًا؛ فليس هو التصديق المستلزم للإيمان، فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته) (١) .
وقال العلامة المحقق أبو إسحاق الشاطبي ﵀:
(ومن هنا جعلت الأعمال الظاهرة في الشرع دليلًا على ما في الباطن؛ فإن كان الظاهر منخرمًا؛ حكم على الباطن بذلك، أو مستقيمًا؛ حكم على الباطن بذلك أيضًا، وهو أصل عام في الفقه وسائر الأحكام العاديات والتجريبيات؛ بل الالتفات إليها من هذا الوجه نافع في جملة الشريعة جدًا، والأدلة على صحته كثيرة جدًا، وكفى بذلك عمدة أنه الحاكم بإيمان المؤمن، وكفر الكافر، وطاعة المطيع، وعصيان العاصي، وعدالة العدل، وجرحة المجرح، وبذلك تنعقد العقود وترتبط المواثيق، إلى غير ذلك من الأمور؛ بل هو كلية التشريع، وعمدة التكليف بالنسبة إلى إقامة حدود الشعائر الإسلامية الخاصة والعامة) (٢) .
_________________
(١) (كتاب الصلاة وحكم تاركها): ص ٥٤ تحقيق تيسير زعيتر.
(٢) (الموافقات) للشاطبي: ج١، ص ٣٦٧ تحقيق مشهور حسن السلمان.
[ ١٠٠ ]
الاستثناء في الإيمان
أهل السنة والجماعة: يرون جواز الاستثناء في الإيمان في أحوال، وذهب إلى هذا جمهور أئمتهم من السلف والخلف.
أي: قول الإنسان عن نفسه إذا سئل هل (أنت مؤمن؟) فيقول بإجابة ليس فيها ما يوهم الجزم والقطع بكمال الإيمان:
(أنا مؤمن إن شاء الله) أو (أرجو ) أو نحو ذلك.
لأن الذي يقول: إن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص؛ ينبغي عليه إذا قال (أنا مؤمن) أن يستثني؛ لأنه لا يستطيع أن يجزم بأن معه كمال الإيمان، وإن جزم! فقد زكى نفسه؛ لأن الإيمان شامل للاعتقادات والأقوال والأعمال.
وأهل السنة والجماعة: يرون الاستثناء في الإيمان؛ لشدة خوفهم من الله تعالى، وإثباتًا لأقداره، ونفيًا لتزكية أنفسهم، لا شكًا فيما يجب عليهم الإيمان به، ولكن خوفًا أن لا يكونوا قاموا بحقائقه، ورجاء أن يأتوا بواجباته وكمالاته.
ويمنعون الاستثناء إذا كان على وجه الشك في الإيمان؛ لأن
[ ١٠١ ]
الشك في ذلك كفر؛ بل يقصدون من ذلك: نفي الشك في إيمانهم من جهة، وعدم الجزم بكماله من جهة أخرى.
- لإن الإيمان النافع هو المتقبل عند الله تعالى، إذ أن من قام بالعمل الصالح وأتى به، لا يدري هل يقبل منه عمله أم لا؟ فالاستثناء هنا معناه عدم العلم بالعاقبة.
- فأهل السنة والجماعة لا يجزمون لأنفسهم بالإيمان المطلق؛ لأن الإيمان يشمل فعل جميع الطاعات، وترك جميع المنهيات، ولن يستطيع أحد أن يدعي لنفسه أنه جاء بذلك كله على التمام والكمال، وإن قال؛ فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين، وأولياء الله الصالحين! وضمن لنفسه دخول الجنة ابتداءً، وهذا من التألي على الله تعالى - والعياذ بالله - ولا يقولها مسلم عاقل.
- وهم بعيدون عن تزكية أنفسهم، ولا أعظم للنفس تزكية وراء الشهادة لها بالإيمان الشامل لكل شعبة.
- الاستثناء - عندهم - في الأمور المتيقنة غير المشكوك فيها؛ فما كان مقطوعًا به؛ فلا يجوز الاستثناء.
- ومن حكمتهم وتأدبهم مع الله - جل وعلا - يعلقون الأمور كلها بمشيئته ﷾.
[ ١٠٢ ]
- وهم يفضلون الاستثناء ولم يوجبوه؛ لما في تركه من الإيهام بتزكية النفس، والشهادة لها بالكمال.
ويكرهون تركه ولم يحرموه؛ وأجازوه على معنى الدخول في الإيمان، لا على كماله؛ فهم يجوزون الأمرين لعدم ورود الدليل على التحريم، أو الوجوب، والله أعلم.
- وهم يرون أن السؤال: (هل أنت مؤمن؟) بدعة أحدثها أهل البدع من المرجئة؛ ليحتجوا بها على قولهم في الإيمان: إنه التصديق، وإن العمل ليس من الإيمان؛ خلافًا لعقيدة السلف الصالح.
والأدلة على جواز الاستثناء كثيرة في الكتاب، والسنة، وآثار السلف الصالح، وأقوال الأئمة والعلماء منها:
قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ (١) .
وقوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (٢) .
_________________
(١) سورة الكهف، الآيتان: ٢٣، ٢٤.
(٢) سورة الفتح، الآية: ٢٧.
[ ١٠٣ ]
وقوله: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (١) .
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٢) .
وكان النبي ﷺ يقول حين يدخل المقبرة: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون. وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) (٣) .
وقال عبد الله بن مسعود ﵁:
(من شهد على نفسه أنه مؤمن؛ فليشهد أنه في الجنة) (٤) .
وقال رجل عند ابن مسعود ﵁: (أنا مؤمن) . فقال ابن مسعود: (أفأنت في الجنة؟) فقال: (أرجو) . فقال ابن مسعود: (أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى؟) (٥) .
_________________
(١) سورة النجم، الآية: ٣٢.
(٢) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.
(٣) (رواه مسلم) في (كتاب الجنائز) باب: (ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها) .
(٤) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/١٠٤٨ (١٧٧٩) . و(كتاب الإيمان) ابن أبي شيبة: ص ٤٩ (١٣٨) . و(السنة) عبد الله بن الإمام أحمد: ١/٣٢٢ (٦٥٦) .
(٥) (كتاب الإيمان) الإمام أبو عبيد القاسم: ص ٢٠ (٩) .
[ ١٠٤ ]
وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀:
(أذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان؛ لأن الإيمان قول وعمل، والعمل الفعل، فقد جئنا بالقول، ونخشى أن نكون قد فرطنا في العمل؛ فيعجبني أن نستثني في الإيمان، نقول: أنا مؤمن إن شاء الله) (١) .
وقال الوليد بن مسلم: سمعت أبا عمرو - يعني الأوزاعي - ومالك بن أنس، وسعيد بن عبد العزيز؛ لا ينكرون أن يقول: أنا مؤمن، ويأذنون في الاستثناء أن أقول: (أنا مؤمن إن شاء الله) (٢) .
وقال الإمام يحيى بن سعيد القطان ﵀:
(ما أدركت أحدًا من أصحابنا ولا بلغنا إلا على الاستثناء) (٣) .
وعن جرير بن عبد الحميد قال: سمعت منصور بن المعتمر، والمغيرة بن مقسم، والأعمش، وليث بن أبي سليم، وعمارة بن القعقاع، وابن شبرمة، والعلاء بن المسيب، وإسماعيل بن أبي خالد، وعطاء بن السائب، وحمزة بن حبيب الزيات، ويزيد بن أبي زياد، وسفيان الثوري، وابن المبارك، ومن أدركت:
_________________
(١) (السنة) الإمام الخلال: ٣، ٦٠٠ (١٥٦) .
(٢) (السنة) عبد الله بن الإمام أحمد: ١/٣٤٧ (٧٤٤) .
(٣) (السنة) الخلال: ٣/ ٥٩٥ (١٠٥٣) .
[ ١٠٥ ]
(يستثنون في الإيمان، ويعيبون على من لا يستثني) (١) .
وقال الإمام البيهقي ﵀:
(وقد روينا هذا - يعني الاستثناء - عن جماعة من الصحابة والتابعين والسلف الصالح ﵃ أجمعين) (٢) .
وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن الإيمان؟ فقال: (قول وعمل ونية) قيل له: فإذا قال الرجل: مؤمن أنت؟ قال: (هذه بدعة) قيل له: فما يرد عليه؟ قال: (يقول: مؤمن إن شاء الله؛ إلا أن يستثني في هذا الموضع) (٣) .
وقال الإمام إبراهيم النخعي ﵀:
(سؤال الرجل الرجل: أمؤمن أنت؟ بدعة) (٤) .
وقال الإمام سفيان بن عيينة ﵀:
(إذا سئل: أمؤمن أنت؟ إن شاء لم يجبه، أو يقول: سؤالك إياي بدعة، ولا أشك في إيماني، ولا يعنف من قال: إن
_________________
(١) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/١٠٥٠ (١٧٨٥) .
(٢) (شعب الإيمان) البيهقي: ١/ ٢١٢.
(٣) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: ٥/١٠٥٧ (١٧٩٨) .
(٤) (الإبانة) ابن بطة: ٢/٨٨٠ (١٢١٢) .
[ ١٠٦ ]
الإيمان ينقص، أو قال: مؤمن إن شاء الله، وليس يكره وليس بداخل في الشك) (١) .
وقال الإمام الآجري ﵀:
(من صفة أهل الحق ممن ذكرنا من أهل العلم: الاستثناء في الإيمان، لا على جهة الشك - نعوذ بالله من الشك في الإيمان - ولكن خوف التزكية لأنفسهم من الاستكمال للإيمان، لا يدري أهو ممن يستحق حقيقة الإيمان أم لا؟
هذا طريق الصحابة والتابعين بهم بإحسان، عندهم أن الاستثناء في الأعمال لا يكون في القول والتصديق في القلب، وإنما الاستثناء في الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان، والناس عندهم على الظاهر مؤمنون، به يتوارثون به، يتناكحون به، تجري أحكام ملة الإسلام، ولكن الاستثناء منهم على حسب ما بيناه لك، وبينه العلماء من قبلنا، روي في هذا سنن كثيرة، وآثار تدل على ما قلنا) (٢) .
_________________
(١) (الإبانة) ابن بطة: ٢/٨٨١ (١٢١٣) .
(٢) (كتاب الشريعة) الآجري: ٢/٦٥٦ (باب ذكر الاستثناء من الإيمان من غير شك فيه) .
[ ١٠٧ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
(إن الإيمان المطلق؛ يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها؛ فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهو عنه؛ فيكون من أولياء الله، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادته لنفسه بما لا يعلم، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة؛ لكان ينبغي له أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، ولا أحد يشهد لنفسه بالجنة؛ فشهادته لنفسه بالإيمان؛ كشهادته لنفسه بالجنة إذا مات على هذه الحال، وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر) (١) .
وقال: (والمأثور عن الصحابة، وأئمة التابعين، وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب إلى أهل السنة: أن الإيمان قول وعمل؛ يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وأنه يجوز الاستثناء فيه) (٢) .
_________________
(١) (مجموع الفتاوى) ج٧، ص ٤٤٦.
(٢) (مجموع الفتاوى) ج٧، ص ٥٠٥.
[ ١٠٨ ]
الاستثناء في الإسلام
أي: قول الإنسان (أنا مسلم إن شاء الله) .
فجمهور أهل السنة والجماعة؛ لا يرون الاستثناء في الإسلام كما يرونه في الإيمان؛ لأن الإسلام غير الإيمان كما علمنا سابقًا.
فالإيمان درجات، والناس فيه طبقات: منهم المحسن، ومنهم المؤمن، ومنهم المسلم؛ فالإسلام هو أقل هذه الدرجات، وليس وراءه إلا الكفر؛ فمن لم يكن مسلمًا كان كافرًا، وأما من لم يكن مؤمنًا فقد يكون مسلمًا، لأن من نطق بالشهادتين أصبح مسلمًا، وتميز عن غيره من الكفار، فتجري عليه أحكام الإسلام.
فقد دلت النصوص الشرعية على جواز القول: (أنا مسلم) بدون استثناء؛ كما في قول الله تعالى:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) .
وقوله: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا
_________________
(١) سورة فصلت، الآية: ٣٣.
[ ١٠٩ ]
هل الإيمان مخلوق أم غير مخلوق
أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - عن هذه الآية:
(وهذه الآية مما احتج بها أحمد بن حنبل وغيره على أنه يستثنى في الإيمان دون الإسلام، وأن أصحاب الكبائر يخرجون من الإيمان إلى الإسلام. قال الميموني: سألت أحمد بن حنبل عن رأيه في أنا مؤمن إن شاء الله؟ فقال: أقول: مؤمن إن شاء الله، وأقول: مسلم ولا أستثني. قال: قلت لأحمد: تفرق بين الإسلام والإيمان؟ فقال لي: نعم. فقلت له: بأي شيء تحتج؟ قال لي: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٢) (٣) .
_________________
(١) سورة الحجرات، الآية: ١٤.
(٢) (مجموع الفتاوى) ج ٧، ص ٢٥٣.
(٣) «) تنبيه لمسألة: (هل الإيمان مخلوق أم غير مخلوق؟) تفرعت هذه المسألة من مسألة خلق القرآن التي ابتدعها أهل البدع والأهواء. وأهل السنة والجماعة: اتفقوا على أن القرآن كلام الله تعالى؛ منزل غير مخلوق، والله - سبحانه - لم يزل متكلمًا إذا شاء، وكلامه لا نهاية له؛ وهم بهذا أثبتوا ما أثبته الكتاب والسنة، ومن اتبع الوحيين فقد أصاب؛ فعليها إن كان المراد من الإيمان شيئًا من صفات الله تعالى وكلامه، كقول (لا إله إلا الله) فهو غير مخلوق. وإن كان المراد منه شيئًا من أفعال العباد وصفاتهم؛ فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة. للبسط في هذا الموضوع انظر: (مجموع الفتاوى) لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ ج ٦، ص ٣١٣، وما بعدها. ج ٧، ص ٦٥٢، ج ٨، ص ٤٢٢. فقد فصَّل فيه كعادته، رحمه الله تعالى وجزاه عن المسلمين خيرًا.
[ ١١٠ ]