عند أهل السنة والجماعة
[ ٢٢٧ ]
تعريفات لابد منها
نرى من الضروري قبل البدء ببيان نواقض الإيمان، أن نبين بعض المفاهيم والقواعد والأسس والضوابط عند أهل السنة والجماعة في باب التكفير؛ حتى تعيننا على فهم هذه النواقض.
وتحديد المصطلحات أمر ضروري، ومهم جدًا لفهم عقيدة أهل السنة والجماعة؛ لأن الأحكام مبنية على التعريف الصحيح؛ فإذا لم نفهم التعريف الصحيح لمصطلحاتهم وقواعدهم العقدية بوضوح؛ فلن نتفق ابتداء على فهم عقيدتهم.
المصطلح:
(هو إخراج الشيء عن معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد) (١) .
المصطلح الشرعي:
وهو ما تعارف عليه العلماء في التعبير عن مقاصدهم الشرعية.
_________________
(١) (كتاب التعريفات) الجرجاني: ص ٢٨.
[ ٢٢٩ ]
ومصطلحات العقيدة الإسلامية تنقسم إلى قسمين:
١- المصطلحات العقدية الصحيحة:
هي تلك الألفاظ التي وردت في الكتاب، والسنة، وأقوال أئمة أهل السنة والجماعة، أو لم ترد ولكن دلت عليها المعاني الصحيحة.
٢- المصطلحات العقدية الفاسدة:
هي تلك الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة، ولا في أقوال أئمة أهل السنة والجماعة، أو هي من ألفاظ الكتاب والسنة، ولكنها حرفت واستعملت في غير مواضعها.
[ ٢٣٠ ]
(١)
(تعريف الناقض)
الناقض في اللغة:
المفسد لما أبرم من عقد، أو بناء.
فهو بمعنى ناكث الشيء، ومنشر العقد. والنقض ضد الإبرام.
ونقيضك؛ الذي يخالفك. قال تعالى:
﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴿٩١﴾ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ (١) .
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ (٢) (٣) .
_________________
(١) سورة النحل، الآيتان: ٩١- ٩٢.
(٢) سورة الرعد، الآية: ٢٠.
(٣) انظر معاجم اللغة: (لسان العرب): ج٧، ص ٢٤٢ و(تهذيب اللغة) ج ٨، ص ٣٤٤.
[ ٢٣١ ]
الناقض في الاصطلاح:
هو الاعتقاد والقول والفعل المكفر؛ الذي ينتفي به إيمان العبد ويزول، ويخرجه من دائرة الإسلام والإيمان إلى حظيرة الكفر، والعياذ بالله.
وفي المصطلح الفقهي عند الفقهاء؛ يطلق اسم المرتد على الذي ينقض إيمانه بهذه المكفرات الثلاث.
وفي كتب الفقه باب يسمى: (باب المرتد وأحكامه) .
[ ٢٣٢ ]
(٢)
(تعريف الردة)
الردة في اللغة:
صرف الشيء بذاته، أو بحالة من أحواله، يقال: رددته فارتد، ويقال: رده: أي صرفه. ورد الشيء عليه: لم يقبله منه.
والارتداد والردة:
الرجوع في الطريق الذي جاء منه لكن الردة تخص بالكفر، والارتداد يستعمل فيه وفي غيره، قال الله تعالى:
﴿وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ (١) . أي: لا ترجعوا.
والردة اسم من الارتداد، وهو التحول والرجوع عن الشيء إلى غيره، ومنه الرجوع عن الإسلام.
والمرتد أي: الراجع، وهو الذي رجع عن دينه، وكفر بعد إسلامه (٢) .
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٢١.
(٢) انظر معاجم اللغة: (لسان العرب): ج ٣، ص ١٧٢ و(المفردات في غريب القرآن) ص ١٩١. و(النهاية في غريب الحديث) ج٢، ص ٢١٤.
[ ٢٣٣ ]
الردة في الاصطلاح:
هي الكفر بعد الإسلام طوعا؛ إما باعتقاد، أو بفعل، أو بقول، أو شك.
و(هي قطع الإسلام بنية كفر، أو قول كفر، أو فعل مكفر؛ سواء قاله: استهزاء، أو عنادًا، أو اعتقادًا) (١) .
قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢) .
وقال النبي ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه) (٣) .
واتفق أهل السنة والجماعة؛ بأن الردة لا تصح إلا من عاقل؛ فأما من لا عقل له؛ كالطفل، والمجنون، ومن زال عقله؛ بإغماء، أو نوم، أو مرض، أو شرب دواء يباح شربه؛ فلا تصح ردته، ولا حكم لكلامه بغير خلاف.
_________________
(١) انظر (قليوبي وعميرة) (كتاب الردة) ج ٤، ص ١٧٤ وهو حاشيتا الشيخين قليوبي وعميرة على شرح جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين للنووي في فقه الشافعي.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢١٧.
(٣) (رواه البخاري) في (كتاب الجهاد) باب: (لا يعذب بعذاب الله) .
[ ٢٣٤ ]
(٣)
(تعريف الشرك)
الشرك في اللغة:
هو المقارنة وخلاف الانفراد، ويطلق على المعاني الآتية:
المخالطة، والمصاحبة والمشاركة.
تقول: شاركته في الأمر، وشركته فيه أشركته شركًا، ويأتي شركة، ويقال: أشركته، أي جعلته شريكًا (١) .
الشرك في الاصطلاح:
هو اتخاذ الند مع الله تعالى؛ سواء أكان هذا الند في الربوبية أم في الألوهية أو الأسماء والصفات، أي: جعل شريك مع الله في التوحيد، ولذا يكون الشرك ضد التوحيد، كما أن الكفر ضد الإيمان، قال تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
وغالب الشرك عند الناس يقع في الألوهية؛ كالشخص الذي يدعو مع الله تعالى غيره، أو يصرف له شيئًا من أنواع العبادة،
_________________
(١) انظر معاجم اللغة: (لسان العرب): ج٧، ص ٩٩ و(تاج العروس) ج ٧، ص ١٤٨ و(تهذيب اللغة) ج ١٠، ص ١٧ و(معجم مقاييس اللغة) ج٣، ص ٢٦٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢.
[ ٢٣٥ ]
كالذبح والنذر، والخوف والرجاء والمحبة، والخشية، والإنابة، والدعاء، والتوبة، والتعظيم والإجلال، والاستعانة، والطاعة، والتوكل به، وغيرها.
والشرك أعظم الذنوب إطلاقًا؛ لأنه تشبيه المخلوق بالخالق في خصائصه؛ ومن الخصائص الإلهية:
الكمال المطلق من جميع الوجوه.
التفرد بملك الضرر والنفع والعطاء والمنع.
العبودية المطلقة له، بأن تكون العبادة كلها له وحده، مع غاية الحب والذل.
فمن أشرك مع الله أحدًا فقد شبهه به - سبحانه - وهذا من أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات؛ بالقادر الغني بالذات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) .
والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه؛ فمن عبد غير الله - ﷾ - فقد وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها، وهذا من أعظم الظلم.
والله تعالى يغفر الذنوب جميعًا إلا الشرك؛ لمن لم يتب منه.
_________________
(١) سورة لقمان، الآية: ١٣.
[ ٢٣٦ ]
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (١) .
والشرك يحبط جميع الأعمال، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) .
والمشرك حرمت عليه الجنة، وهو مخلد في النار، والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (٣) .
والمشرك حلال الدم والمال، قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (٤) .
والشرك في الشرع نوعان: شرك أكبر، وشرك أصغر.
الشرك الأكبر:
هو بمعنى الكفر الأكبر؛ يحبط جميع الأعمال، ويخرج
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٤٨.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٦٥.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٧٢.
(٤) سورة التوبة، الآية: ٥.
[ ٢٣٧ ]
صاحبه من الإسلام، ويخلده في النار، إذا مات عليه، ولم يتب منه، ولا تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة.
والشرك الأكبر: هو صرف شيء من العبادة لغير الله تعالى؛ كدعاء غير الله. ومحبة غيره تعالى كمحبته. والخوف من غيره تعالى، والاعتقاد بأن غيره يضر وينفع، أو التسوية بين الله وغيره في الخشية، وكالتقرب بالذبائح والنذور لغير الله. والتوكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. وطاعة غير الله تعالى في التشريع والحكم.
والاعتقاد بقدرة الأنبياء والصالحين والأولياء على التصرف في الكون مع الله تعالى، وغير ذلك من العبادات التي يجب أن تصرف لله تعالى وحده لا شريك له.
الشرك الأصغر:
هو ما ورد في النصوص الشرعية من تسمية بعض الذنوب شركًا، ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر، ولكنه ذريعة إليه ووسيلة للوقوع فيه، وهو أعظم وأكبر من الكبائر.
وهذا النوع لا يخرج صاحبه من الإسلام، ولا ينفي عنه أصل الإيمان، ولكن ينافي كماله الواجب. وحكمه أنه لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة، وإذا مات عليه ولم
[ ٢٣٨ ]
يتب منه؛ فهو تحت المشيئة، وأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، ولو عذب لا يخلد في النار، وتناله شفاعة الشافعين بإذن الله تعالى.
والشرك الأصغر قسمان:
القسم الأول: شرك باللسان والجوارح، وهو ألفاظ وأفعال:
فالألفاظ كالحلف بغير الله، وقول: ما شاء الله وشئت، والصواب أن يقال: ما شاء الله ثم شاء فلان.
ومنه التسمية: بملك الملوك، أو قاضي القضاة، والتعبيد لغير الله تعالى؛ كتسمية الشخص بعبد النبي، وعبد الحسين، وغيرها.
والأفعال: كلبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه، وتعليق التمائم خوفًا من العين، والتطير والتشاؤم من أشياء عند رؤيتها أو سماعها، والامتناع عن العمل المنوي فعله بسبب ذلك، وغيرها من الأعمال التي تخالف ما جاء به الشرع.
القسم الثاني: شرك خفي، وهو شرك النية، أي: يقصد بعمله رضا الناس؛ كالرياء والسمعة، وإرادة الدنيا ببعض الأعمال.
[ ٢٣٩ ]
(٤)
(تعريف الفسق)
الفسق في اللغة:
هو الخروج عن الشيء أو القصد، وهو الخروج عن الطاعة.
والفسق: الفجور. ويقال إذا خرجت الرطبة من قشرها؛ قد فسقت الرطبة من قشرها، والفأرة عن جحرها (١) .
الفسق في الاصطلاح:
العصيان وترك أمر الله تعالى، والخروج عن طاعته، وعن طريق الحق. ورجل فاسق: أي عصى وجاوز حدود الشرع.
ويقال: فسق عن أمر ربه؛ أي خرج عن طاعته.
والفسق أعم من الكفر؛ حيث إنه يشمل الكفر وما دونه من المعاصي كبائرها وصغائرها، وإذ أطلق يراد به أحيانًا الكفر المخرج من الإسلام، وأحيانًا يراد به الذنوب والمعاصي التي هي دون الكفر؛ بحسب درجة المعصية، وحال العاصي نفسه (٢) .
_________________
(١) انظر معاجم اللغة: (لسان العرب) ج١٠، ص ٣٠٨ و(معجم مقاييس اللغة) ج٤، ص ٥٠٢ و(مفردات الراغب): ص ٥٧٢.
(٢) انظر (روح المعاني) الآلوسي: ج١، ص ٢١٠ و(فتح القدير) الشوكاني: ج١، ص ٧٥.
[ ٢٤٠ ]
والفسق في الشرع نوعان: فسق أكبر، وفسق أصغر.
الفسق الأكبر: هو رديف الكفر الأكبر، والشرك الأكبر؛ يخرج صاحبه من الإسلام، وينفي عنه مطلق الإيمان، ويخلده في النار، إذا مات ولم يتب منه، ولا تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة، قال الله ﵎:
﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١) .
وقال: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) .
الفسق الأصغر:
هو رديف الكفر الأصغر، والشرك الأصغر، هو فسق دون فسق، وهو المعصية التي لا تنفي عن صاحبها أصل الإيمان، أو مطلق الإيمان، ولا تسلبه صفة الإسلام، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٣) .
وقال: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) .
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ٨٤.
(٢) سورة النور، الآية: ٥٥.
(٣) سورة الحجرات، الآية: ٦.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
[ ٢٤١ ]
(٥)
(تعريف الكفر)
الكفر في اللغة:
هو الستر والتغطية: يقال لمن غطى درعه بثوبه: قد كفر درعه. والمكفر: الرجل المتغطي بسلاحه.
ويقال: كفر الزارع البذر في الأرض: إذا غطاه بالتراب.
وسمي الليل كافرًا لتغطيته كل شيء.
والكفر: ضد الإيمان؛ سمي بذلك لأنه تغطية للحق.
والكفر جحود النعمة، وهو نقيض الشكر.
والكافر: جاحد لأنعم الله تعالى (١) .
الكفر في الاصطلاح:
هو الاعتقاد والقول والعمل المنافي للإيمان، وهو على شعب، ومراتب متفاوتة.
والكفر: هو نقيض الإيمان، أو عدم الإيمان.
_________________
(١) انظر معاجم اللغة: (لسان العرب) ج٥، ص ١٤٤ و(معجم مقاييس اللغة) مادة: كفر. و(القاموس المحيط): فصل الكاف، باب الراء. و(تاج العروس): ج ١٤، ص ٥٠. و(مفردات القرآن) ص: ٧١٤. و(المعجم الوسيط) ص: ٧٩١.
[ ٢٤٢ ]
والإيمان: هو الإقرار التام ظاهرًا وباطنًا بما جاء به الرسول ﷺ من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، والعمل به ظاهرًا وباطنًا.
أي: هو جميع الطاعات الباطنة والظاهرة.
والكفر: ما يناقض الإيمان؛ من اعتقاد، أو قول، أو عمل.
والكفر: هو الكفر بالله - ﷿ - وعدم الإيمان به - ﷾ - أو بما جاء به رسوله ﷺ من التشريع، أو إنكار شيء من ذلك، أو الإيمان ببعضه دون بعض؛ سواء كان معه تكذيب، أو لم يكن معه تكذيب؛ بل مجرد شك وريب، أو توقف، أو إعراض، أو حسد، أو كبر، أو بغض الدين، أو بغض الرسول ﷺ أو سبه، أو عداوته، أو اتباع لبعض الأهواء الصادة عن اتباع حكم الله ﷾.
ويقع الكفر: باعتقاد القلب، وبالفعل، وبالقول، وبالشك، وبالترك.
فالإيمان والكفر نقيضان لا يجتمعان أبدًا؛ فمتى وجد أحدهم انتفى الآخر، ومن المقرر في المعقول أن النقيضين لا يجتمعان.
[ ٢٤٣ ]
والكفر ذو أصول وشعب متفاوتة: منها ما يوجب الخروج من ملة الإسلام، ومنها ما هو دون ذلك.
فيرد ذكر الكفر في النصوص الشرعية؛ مرادًا به - أحيانًا - الكفر الأكبر أي المخرج عن الملة، وأحيانًا الكفر الأصغر غير المخرج عن الملة، وذلك أن للكفر شعبًا كما أن للإيمان شعبًا، وكما أن الإيمان قول وعمل، فكذلك الكفر قول وعمل.
والمعاصي والذنوب كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان.
ومن أصول أهل السنة والجماعة؛ أنه من الممكن أن يجتمع في العبد بعض شعب الإيمان، وبعض شعب الكفر أو النفاق التي لا تنافي أصل الإيمان وحقيقته، قال الله ﵎:
﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ (١) (٢) .
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٦٧.
(٢) «) قال الإمام ابن كثير - ﵀ - عن هذه الآية: (استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال؛ فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان) . قال العلامة ابن السعدي - ﵀ - عن هذه الآية: (وفي هذه الآيات دليل على أن العبد قد يكون فيه خصلة كفر وخصلة إيمان، وقد يكون إلى أحدهما أقرب منه إلى الأخرى) .
[ ٢٤٤ ]
أصناف الكفار
والكفار في الشرع صنفان:
الصنف الأول: كفار أصليون؛ أي الذين لم يدخلوا في دين الإسلام أصلًا، وهم: الدهريون، والفلاسفة، والمشركون، والمجوس، والوثنيون، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وغيرهم من أمم الكفر؛ فهؤلاء قد دل على كفرهم الكتاب والسنة والإجماع، وموتاهم مخلدون في النار، ويحرم عليهم دخول الجنة، وأمرهم معلوم من الدين بالضرورة.
فهؤلاء الكفار؛ يجب على المسلمين دعوتهم إلى الإسلام حتى يستجيبوا؛ فإن لم يستجيبوا وجب قتالهم متى استطاعوا ذلك؛ حتى يدخلوا في الإسلام، أو يدفعوا الجزية وهم صاغرون.
الصنف الثاني: المرتدون؛ الذين ينتسبون إلى الإسلام، ولكن يصدر منهم اعتقاد، أو فعل، أو قول، يناقض إسلامهم؛ فيكفرون بذلك، وإن قاموا ببعض شعائر الإسلام؛ كالباطنية، وغلاة الرافضة، والقاديانية، ونحوهم.
[ ٢٤٥ ]
أنواع الكفر
الكفر الأكبر
والكفر في الشرع نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر.
النوع الأول: كفر أكبر مخرج من الملة:
وهو يناقض الإيمان، ويخرج صاحبه من الإسلام، ويوجب الخلود في النار، ولا تناله شفاعة الشافعين، ويكون بالاعتقاد، وبالقول، وبالفعل، وبالشك والريب، وبالترك، وبالإعراض، وبالاستكبار.
ولهذا الكفر أنواع كثيرة؛ من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له، ولا تنفعه الشفاعة يوم القيامة، ومن أهمها:
١- كفر الإنكار والتكذيب:
وهو ما كان ظاهرًا وباطنًا، مثل اعتقاد كذب الرسل، وأن إخبارهم عن الحق بخلاف الواقع، أو ادعاء أن الرسول ﷺ جاء بخلاف الحق، وكذلك من ادعى أن الله تعالى حرم شيئًا أو أحله مع علمه بأن ذلك خلاف أمر الله ونهيه.
٢- كفر الجحود الإباء والاستكبار مع التصديق:
وهو عدم الانقياد والإذعان لرسول الله ظاهرًا مع العلم به ومعرفته باطنًا، وذلك بأن يقر أن ما جاء به الرسول ﷺ حق من ربه؛ لكنه يرفض اتباعه أشرًا وبطرًا واحتقارًا للحق وأهله.
[ ٢٤٦ ]
٣- كفر الشك:
بأن لا يجزم بصدق النبي ﷺ ولا كذبه؛ بل يشك في أمره، ويتردد في اتباعه؛ إذ المطلوب هو اليقين بأن ما جاء به الرسول من ربه حق لا مرية فيه؛ فمن شك في الاتباع لما جاء به الرسول، أو جوز أن يكون الحق خلافه؛ فقد كفر كفر شك.
٤- كفر الإعراض:
بأن يعرض بسمعه وقلبه عما جاء به الرسول ﷺ؛ فلا يصدق ذلك ولا يكذبه، ولا يوالي الرسول ﷺ ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ماجاء به، ويترك الحق لا يتعلمه ولا يعمل به، ويهرب من الأماكن التي يذكر فيها الحق؛ فهو كافر كفر إعراض.
٥- كفر النفاق:
هو إظهار الإسلام والخير، وإبطان الكفر والشر.
وهو مخالفة الباطن للظاهر، وإظهار القول باللسان، أو الفعل؛ بخلاف ما في القلب من الاعتقاد.
والمنافق: يخالف قوله فعله، وسره علانيته؛ فهو يدخل الإسلام من باب، ويخرج من باب آخر، ويدخل في الإيمان ظاهرًا، ويخرج منه باطنًا؛ فهذا هو النفاق الأكبر.
[ ٢٤٧ ]
٦- كفر السب والاستهزاء:
وهو استهزاء، أو سخرية أو انتقاص، أو سب بشيء من دين الإسلام مما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ سواء كان هازلًا، أو لاعبًا، أو مجاملًا لكفار، أو في حال مشاجرة، أو في حال عضب، ونحوها؛ فقد أجمع الأئمة على كفر فاعله.
٧- كفر البغض:
وهو كره دين الإسلام، أو شيئًا من أحكامه، أو شيئًا من شرع الله تعالى، أو مما أنزل، أو كره نبي الإسلام ﷺ أو ما جاء به من الشرع، أو شيئًا من ذلك، وتمنى أنه لم يكن، أو كره شيئًا مما أجمع أهل العلم عليه أنه من الدين.
لأن من تعظيم هذا الدين العظيم محبته، ومحبة الله تعالى ورسوله الأمين ﷺ وما أنزل الله من الشرع من أوامره ونواهيه، ومحبة أوليائه، والمحبة: شرط من شروط (لا إله إلا الله) .
والبغض يناقض المحبة والقبول والانقياد والتسليم، ويريد العداوة والكراهية للحق ولأوليائه.
[ ٢٤٨ ]
الكفر الأصغر
النوع الثاني: كفر أصغر غير مخرج من الملة:
وهو ما لا يناقض أصل الإيمان؛ بل ينقصه ويضعفه، ولا يسلب صاحبه صفة الإسلام وحصانته، وهو المشهور عند العلماء بقولهم: (كفر دون كفر) ويكون صاحبه على خطر عظيم من غضب الله - ﷿ - إذا لم يتب منه؛ وقد أطلقه الشارع على بعض المعاصي والذنوب على سبيل الزجر والتهديد؛ لأنها من خصال الكفر، وهي لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وما كان من هذا النوع فمن كبائر الذنوب.
وهو مقتض لاستحقاق الوعيد والعذاب دون الخلود في النار، وصاحب هذا الكفر ممن تنالهم شفاعة الشافعين، ولهذا النوع من الكفر صور كثيرة، منها:
١- كفر النعمة:
وذلك بنسبتها إلى غير الله تعالى بلسانه دون اعتقاده.
قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) .
كقول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي على سبيل إسناد
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٨٣.
[ ٢٤٩ ]
النعمة إلى آبائه، أو قول أحدهم: لولا فلان لم يكن كذا.. وغيرها مما هو جار على ألسنة كثير من الناس، والمراد أنهم ينسبونه إلى أولئك، مع علمهم أن ذلك بتوفيق الله.
ومن ذلك تسمية الأبناء بعبد الحارث، وعبد الرسول، وعبد الحسين ونحوها؛ لأنه عبده لغيره الله مع أنه هو خالقه والمنعم عليه.
٢- كفران العشير والإحسان:
عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال النبي ﷺ: (أريت النار؛ فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن) قيل: أيكفرن بالله. قال: (يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت خيرًا قط) (١) .
٣- الحلف بغير الله تعالى: لقوله ﷺ:
(من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك) (٢) .
فإجماع أهل السنة والجماعة على أن هذا الشرك والكفر هما
_________________
(١) (رواه البخاري) في (كتاب الإيمان) باب: (كفران العشير، وكفر بعد كفر) .
(٢) (رواه الترمذي) في (كتاب الأيمان والنذور) باب: (في كراهية الحلف بغير الله) وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي) ج٢، ص ٩٩.
[ ٢٥٠ ]
من الأصغر الذي لا يخرج صاحبه من الإسلام، ما لم يعظم المخلوق به في قلب الحالف كعظمة الله تعالى.
٤- قتال المسلم: لقوله ﷺ:
(سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) (١) .
وقوله ﷺ: (لا ترجعوا بعدي كفارًا؛ يضرب بعضكم رقاب بعض) (٢) .
فهذا النوع من الكفر غير مخرج من الملة باتفاق الأئمة؛ لأنهم لم يفقدوا صفات الإيمان، لقول الله تعالى:
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٣) .
٥- الطعن في النسب، والنياحة على الميت:
قال النبي ﷺ: (اثنتان في الناس هما بهم كفر؛ الطعن في النسب، والنياحة على الميت) (٤) .
_________________
(١) (رواه البخاري) في (كتاب الإيمان) باب: (خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر) .
(٢) (رواه البخاري) في (كتاب الفتن) باب: (قول النبي ﷺ لا ترجعوا بعدي كفارًا) .
(٣) سورة الحجرات، الآية: ٩.
(٤) (رواه مسلم): (كتاب الإيمان) باب (إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة) .
[ ٢٥١ ]
٦- الانتساب إلى غير الأب:
قال النبي ﵌:
(لا ترغبوا عن آبائكم؛ فمن رغب عن أبيه فهو كفر) (١) .
وقال ﷺ: (ليس من رجل ادعى لغير أبيه - وهو يعلمه - إلا كفر، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم نسب؛ فليتبوأ مقعده من النار) (٢) .
وأنواع الكفر الأصغر كثيرة يتعذر حصرها؛ فكل ما جاءت به النصوص الشرعية من تسميته كفرًا، ولم يصل إلى حد الكفر الأكبر، أو النفاق الأكبر، أو الشرك الأكبر، أو الفسق الأكبر، أو الظلم الأكبر؛ فهو كفر أصغر.
_________________
(١) (رواه البخاري) في (كتاب الفرائض) باب: (من ادعى إلى غير أبيه) .
(٢) (رواه البخاري) في (كتاب الفرائض) باب: (من ادعى إلى غير أبيه) .
[ ٢٥٢ ]
(٦)
(تعريف النفاق)
النفاق في اللغة:
هو مأخوذ من النفق، وهو السرب في الأرض الذي يستتر فيه؛ سمي النفاق بذلك؛ لأن المنافق يستر كفره ويغيبه.
وقيل إنه مأخوذ من نافقاء اليربوع، وهو باب جحره؛ لأنه في ظاهره أرض مستوية وباطنه حفرة قد أعدها اليربوع للتخلص من الخطر وقت الحاجة؛ فاستطاع بهذا الفعل أن يخدع الصياد؛ فكذلك المنافق يظهر خلاف ما يبطن) (١) .
النفاق في الاصطلاح:
هو إظهار الإسلام والخير، وإبطال الكفر والشر.
وهو مخالفة الباطن للظاهر، وإظهار القول باللسان، أو الفعل؛ بخلاف ما في القلب من الاعتقاد.
أي: هو إظهار متابعة ما جاء به الرسول ﷺ مع إبائه وجحده بالقلب، فهو مظهر للإيمان ومبطن للكفر.
_________________
(١) انظر معاجم اللغة؛ مادة (نفق): (لسان العرب) ج١٠، ص ٣٥٨. (تاج العروس) ج ١٣، ص ٤٦٣. و(معجم مقاييس اللغة) ج ٥، ص ٤٥٤. و(مفردات القرآن) ص: ٨١٩.
[ ٢٥٣ ]
والمنافق: يخالف قوله فعله، وسره علانيته؛ فهو يدخل الإسلام من باب، ويخرج من باب آخر، ويدخل في الإيمان ظاهرًا، ويخرج منه باطنًا.
والنفاق: هو مصطلح شرعي لم تعرفه العرب بهذا المعنى الخاص، وإن كان أصله الذي أخذ منه في اللغة معروفًا (١) .
قال الله - ﵎ - عن المنافقين في كتابه العزيز:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ ﴿١٧﴾ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴿١٨﴾ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ﴿١٩﴾ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ
_________________
(١) انظر (لسان العرب) ج١٠، ص ٣٥٩. و(الإيمان) لابن تيمية: ص ٢٨٤.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٨.
[ ٢٥٤ ]
عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴿٦٤﴾ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ ﴿٦٥﴾ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٧٣﴾ يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ
_________________
(١) سورة البقرة، الآيات: ١٧ - ٢٠.
(٢) سورة المنافقون، الآية: ٣.
(٣) سورة التوبة، الآيات: ٦٤- ٦٦.
[ ٢٥٥ ]
الزنديق والزندقة
يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ (١) .
ولهذا جعل الله - ﵎ - المنافقين شرًا من الكافرين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٢) .
ولهذا جعل الله - ﵎ - المنافقين شرًا من الكافرين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (٣) .
الزنديق والزندقة: وهناك مصطلح آخر عند بعض الفقهاء للمنافق؛ فإنه يطلقون عليه لفظ (الزنديق) وهو في الأصل لفظ أعجمي، ولكنه شاع على ألسن الفقهاء.
والزنديق: هو نفس المنافق من حيث إنه يعتقد عقائد كفرية، ويظهر شعائر الإسلام، ولكن الزنديق في الغالب يظهر كفره ويدعو إليه، ويعرف عنه ذلك؛ كطوائف الباطنية ومن كان مثلهم.
_________________
(١) سورة التوبة، الآيتان: ٧٣ - ٧٤.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٤٥.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٤٠.
[ ٢٥٦ ]
النفاق الأكبر
النفاق في الشرع نوعان:
النفاق كالكفر والشرك والفسق - درجات ومراتب؛ منها ما هو مخرج من الإسلام، ومنها غير مخرج منه:
أولًا - النفاق الأكبر؛ المخرج من الملة، والموجب للخلود في الدرك الأسفل من النار:
هو إبطان الكفر في القلب، وإظهار الإيمان على اللسان والجوارح، ويترتب على هذا النوع ما يترتب على الكفر الأكبر؛ من حيث انتفاء الإيمان عن صاحبه، وخلوده في جهنم؛ لكن المنافق أشد عذابًا من الكافر؛ لأنه في الدرك الأسفل من النار - إذا مات عليه.
والمنافق: إذا لم يظهر ما في باطنه من مخالفة الدين، وأظهر الأعمال الظاهرة من الإسلام؛ فهو في الظاهر مسلم، وتجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة في الدنيا، ويعامل معاملة المسلمين؛ لأننا لم نؤمر بالشق عن ما في القلوب، وهذا في الأصل خارج عن نطاق وقدرة ابن آدم.
لأن الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان الباطن الذي يكون صاحبه من المؤمنين حقًا.
[ ٢٥٧ ]
والنفاق: إذا أطلق ذكره في القرآن؛ فإن المراد به النفاق الأكبر المنافي للإيمان؛ بخلاف الكفر فإنه يأتي - أحيانًا - بمعنى الكفر الأصغر، وكذلك الظلم والفسق والشرك، أما في السنة فقد ورد النفاق الأصغر.
والمنافقون شر وأسوأ أنواع الكفار؛ لأنهم زادوا على كفرهم الكذب والمراوغة والخداع للمؤمنين، ولذلك أخبرنا الله تعالى عن صفاتهم في القرآن بالتفصيل، ووصفهم بصفات الشر كلها؛ لكي لا يقع المؤمنون في حبائلهم وخداعهم، ومن صفاتهم:
- الكفر وعدم الإيمان.
- التولي والإعراض عن حكم الله تعالى وحكم رسوله ﷺ.
- الاستهزاء بالدين وأهله والسخرية منهم.
- الميل بالكلية إلى أعداء الدين، ومظاهرتهم ومناصرتهم على المؤمنين والمسلمين.
ومن أنواع النفاق الكثيرة: من أظهر الإسلام وهو مكذب بما جاء به الله، أو بعض ما جاء به الله، أو كذب الرسول ﷺ، أو بعض ما جاء به الرسول، وكمثل من لم يعتقد وجوب طاعته ﷺ، أو أبغض الرسول ﷺ، أو آذى الرسول ﷺ، أو كره
[ ٢٥٨ ]
الانتصار لدين الرسول ﷺ أو سر بكسر راية الدين، أو الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين؛ لأجل إيمانهم وطاعتهم لله تعالى ولرسوله ﷺ، أو التولي والإعراض عن الشرع.. إلى غير ذلك من الاعتقادات الكفرية المخرجة من الملة.
وهذا الصنف من المنافقين موجودون في كل زمان ومكان.
ثانيًا - النفاق الأصغر؛ غير المخرج من الملة:
هو النفاق العملي، واختلاف السر والعلانية في الواجبات، وذلك بعمل شيء من أعمال المنافقين؛ مع بقاء أصل الإيمان في القلب وصاحبه لا يخرج من الملة، ولا ينفى عنه مطلق الإيمان، ولا مسمى الإسلام، وهو معرض للعذاب كسائر المعاصي، دون الخلود في النار، وصاحبه ممن تناله شفاعة الشافعين بإذن الله.
وهذا النوع من النفاق مقدمة وطريق للنفاق الأكبر؛ لمن سلكه وكان ديدنه.
وأمثلة ذلك: الكذب في الحديث، وإخلاف الوعد، وخيانة الأمانة، والفجور في الخصومة، والغدر بالعهود، وكالرياء الذي لا يكون في أصل العمل، وإظهار المودة للغير والقيام له بالخدمة مع إضمار عكسه في النفس.
[ ٢٥٩ ]
قال النبي ﵌:
(أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) (١) .
وقال النبي ﵌: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) (٢) .
وقال النبي ﵌: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) (٣) .
وقال النبي ﵌: (من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه؛ مات على شعبة من نفاق) (٤) .
_________________
(١) (رواه البخاري) في (كتاب الإيمان) باب: (علامة المنافق) .
(٢) المرجع السابق.
(٣) (رواه البخاري) في (كتاب الإيمان) باب: (علامة الإيمان حب الأنصار) .
(٤) (رواه مسلم) في (كتاب الإمارة) باب: (ذم من مات ولم يغز) .
[ ٢٦٠ ]
(٧)
(خطورة التكفير)
(من ثبت إسلامه فلا يزول بشك)
اتفق أئمة أهل السنة والجماعة على هذه القاعدة؛ فكانوا أعظم الناس ورعًا؛ لأن تكفير المسلم مسألة خطيرة، يجب عدم الخوض فيها دون دليل وبرهان، وينبغي الاحتراز من التكفير ما وجد إلى ذلك سبيلًا، فباب التكفير باب خطير، وقد حذر النبي ﷺ أن يكفر أحد أحدًا دون برهان.
قال النبي ﷺ: (أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر. فقد باء بها أحدهما. إن كان كما قال. وإلا رجعت عليه) (١) .
وقال النبي ﷺ: (لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر؛ إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك) (٢) .
ولأن التكفير حكم شرعي يترتب عليه إباحة دم شخص قد ظهر إسلامه، ونطق بالشهادتين؛ لقول النبي ﷺ:
_________________
(١) (رواه مسلم) في (كتاب الإيمان) باب: (بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم يا كافر) .
(٢) (رواه البخاري) في (كتاب الإيمان) باب: (ما ينهى من السباب واللعن) .
[ ٢٦١ ]
(من بدل دينه فاقتلوه) (١) .
وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن الشخص المكفر يترتب على كفره أحكام، منها:
١- عدم حل زوجته - المسلمة - له، وتحريم بقائها، وبقاء أولادها تحت سلطانه؛ لأن المرأة المسلمة لا يصح أن تكون زوجة لكافر بالإجماع.
٢- وجوب محاكمته أمام القضاء؛ لتنفيذ حد الردة عليه - وهو القتل - لأنه كفر بعد إسلامه، وذلك بعد استتابته وإقامة الحجة، وإزالة الشبه.
٣- أنه إذا مات على ردته وكفره؛ لا تجري عليه أحكام المسلمين؛ فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث، كما أنه لا يرث إذا مات له موروث قبله.
٤- أنه إذا مات على الكفر؛ وجبت عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، والخلود الأبدي في النار - والعياذ بالله - ولا يدعى له بالرحمة، ولا يستغفر له.
_________________
(١) (رواه البخاري) في (كتاب الجهاد) باب: (لا يعذب بعذاب الله) .
[ ٢٦٢ ]
(٨)
(التفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين)
ومن أصول أهل السنة والجماعة: التفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين؛ لأنه من الممكن أن يقول المسلم قولًا أو يفعل فعلًا؛ قد دل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أنه كفر وردة عن الإسلام، ولكن لا تلازم عندهم بين القول بأن هذا كفر، وبين تكفير الشخص بعينه؛ فليس كل من فعل مكفرًا يحكم بكفره بإطلاق؛ فقد يكون القول أو الفعل كفرًا؛ لكن لا يطلق الكفر على القائل، أو الفاعل إلا بشرطه؛ لأنه لابد أن تثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه، فالمرء قد يكون حديث عهد بالإسلام، وقد يكون جاهلًا جهلًا يعذر بمثله؛ فإذا بين له رجع، وقد ينكر شيئًا متأولًا أخطأ بتأويله، وغير ذلك من الموانع التي تمنع من التكفير.
فأهل السنة والجماعة: يطلقون القول في التكفير، فيقولون: من قال كذا، أو فعل كذا؛ فهو كافر، وعندما يتعلق الأمر بالشخص المعين الذي قاله أو فعله، لا يحكمون على كفره إطلاقًا؛ حتى تجتمع فيه الشروط، وتنتفي عنه الموانع، فعندئذ تقوم
[ ٢٦٣ ]
عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذه قاعدة عظيمة يتميزون بها عن غيرهم؛ لأن التكفير ليس حقًا لأحد، يحكم به على من يشاء على وفق هواه؛ بل التكفير حكم شرعي، فيجب الرجوع في ذلك إلى ضوابط الشرع؛ فمن كفره الله تعالى ورسوله ﷺ وقامت عليه الحجة؛ فهو الكافر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(فقد يكون الفعل أو المقالة كفرًا، ويطلق القول بتكفير من قال ذلك؛ فهو كافر. لكن الشخص المعين الذي قال ذلك القول أو فعل ذلك الفعل لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها. وهذا الأمر مطرد في نصوص الوعيد عند أهل السنة والجماعة؛ فلا يشهد على معين من أهل القبلة بأنه من أهل النار؛ لجواز أن لا يلحقه، لفوات شرط أو لثبوت مانع) (١) .
وقال أيضًا: (وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط؛ حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة) (٢) .
_________________
(١) (مجموع الفتاوى) ج ٧، ص ٢٩١.
(٢) (مجموع الفتاوى) ج ٧، ص ٢٩١.
[ ٢٦٤ ]
(٩)
(موانع التكفير)
التكفير عند أهل السنة والجماعة له موانع يمنع من تنزيل الحكم على الشخص بعينه؛ إلا بعد توفر الشروط، وانتفاء الموانع التي تمنع تكفير المعين، ومن هذه الموانع وأهمها:
الجهل:
إن من شروط الإيمان - عند أهل السنة والجماعة - وجود العلم والمعرفة عند الشخص المؤمن به؛ لذا فمن أنكر أمرًا من أمور الشرع جاهلًا به، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله؛ فإنه لا يكفر؛ حتى لو وقع في مظهر من مظاهر الشرك أو الكفر:
لأنه لم يكن يعلم بهذا المكفر قبل إسلامه. أو يعيش في بلد فاش فيه الجهل، أو بعيد عن ديار العلم وأهله، أو نشأ في بلد انقلبت فيه موازين الشرع؛ فصار الشرك فيه هو التوحيد، والبدعة فيه هي السنة، وكثر فيه الانحراف، وزين فيه الباطل والكفر، ولبس عليهم. أو أنه وقع في المكفر وهو غير قاصد له، أو أن هذا المكفر من المسائل الخفية التي لا يطلع عليها إلا العلماء.
[ ٢٦٥ ]
فمثل هذا الشخص لا يستحق العقوبة حتى تقام عليه الحجة؛ لأن الجهل ببعض الأمور العقدية قد وقع في عهد النبي ﷺ مع بعض الصحابة - ﵃ - ومع ذلك لم يكفرهم ﷺ.
وأهل السنة والجماعة؛ يراعون اختلاف أحوال الناس، وأماكنهم وزمانهم؛ من حيث انتشار العلم، أو عدم انتشاره، لأنهم لا يشتركون جميعًا في معرفة الأمور الضرورية على درجة واحدة؛ بل قد يعرف البعض ما لا يعرفه الآخرون؛ أو قد يكون بعض المسائل من المسلمات عند البعض مع أن غيرهم يجهلها.
ومع هذا فلا يعني أن الجهل عندهم عذر مقبول لكل من ادعاه؛ فالجهل عندهم درجات مختلفة، فجهل ما هو معلوم من الدين بالضرورة، غير جهل ما دونه.
والجاهل العاجز عن السؤال والعلم؛ غير الجاهل المتمكن المفرط تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله تعالى.
وكون الرجل يعذر بالجهل - عندهم - لا يعني ذلك إبقاء منزلته كما هي؛ بل تنحط منزلته، وينقص إيمانه بقدر بعده عن الحق.
[ ٢٦٦ ]
الخطأ:
اتفق أئمة أهل السنة والجماعة؛ على أن الخطأ من موانع التكفير في المسائل العلمية والعملية، إذا كان اجتهادًا لطلب الحق ومتابعة النبي ﷺ، وغير مقصود لمخالفة الشرع، وقاعدتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١) .
وقول النبي ﷺ: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) (٢) .
لأن الله تعالى أمر الناس بطلب الحق على قدر وسعهم وإمكانهم؛ فإن لم يصيبوا الحق في اجتهادهم، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٥.
(٢) (رواه ابن ماجة) في (كتاب الطلاق) باب: (طلاق المكره والناسي) وصححه الألباني في (صحيح سنن ابن ماجة) ج ١، ص ٣٤٧.
[ ٢٦٧ ]
الإكراه:
اتفق أئمة أهل السنة والجماعة على أن الإكراه على الكفر بضوابطه الشرعية يعتبر من موانع التكفير في حق المعين.
ومن ضوابط الإكراه - عندهم - أن يقع بسبب التهديد بالضرب والقتل والتعذيب، أو قطع عضو من أعضائه، بالفعل لا بمجرد التهديد اللفظي، وقد رفع السيف فوق رأسه؛ حتى يتحقق الإكراه، وأن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك فورًا لا محالة؛ فحينئذ يجوز له القيام بما دفع إليه بالتهديد، باعتباره في حالة ضرورية شرعية؛ فيباح عندئذ إظهار ما يخالف الدين، ولا يأثم إن نطق بالكفر أو فعل؛ لأن في هذه الحالة ينعدم في الإنسان الرضا، ويفسد الاختيار، وتنتفي الإرادة والقصد، أما ما دون ذلك فيدفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما؛ ففي هذه الحالة لا يكفر المسلم ما دامت الموافقة باللسان دون القلب، وقلبه مطمئن بالإيمان، وموقن بحقيقته، وذلك لظاهر قوله تعالى:
﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١) .
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ١٠٦.
[ ٢٦٨ ]
كما أجمعوا على أن من أكره على الكفر، فاختار القتل؛ أعظم أجرًا عند الله تعالى ممن اختار الرخصة؛ وذلك لأن الصبر والأخذ بالعزيمة له منزلة رفيعة عند الله تعالى، وأولى من الأخذ بالرخص، ولو كانت مباحة، قال النبي ﷺ:
(سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر؛ فأمره ونهاه فقتله) (١) .
أما من نطق بالكفر، وقال: قصدت المزاح؛ فهو كافر ظاهرًا وباطنًا، إذ حكم الكفر يلزم الجاد، والهازل، والمازح على السواء، وفي الآخرة أمرهم إلى الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(فمن قال بلسانه كلمة الكفر من غير حاجة عامدًا لها عالمًا بأنها كلمة كفر؛ فإنه يكفر بذلك ظاهرًا وباطنًا، ولا يجوز أن يقال: إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنًا، ومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام) (٢) .
_________________
(١) (صحيح) رواه الحاكم في (المستدرك) . وانظر: (مجموع الزوائد) ج٩، ص ٢٦٨.
(٢) (الصارم المسلول) ص ٥٣٢.
[ ٢٦٩ ]
التأويل:
هو التلبس والوقوع في الكفر متأولًا من غير قصد لذلك.
اتفق أئمة أهل السنة والجماعة على أن التأويل السائغ - الذي له وجه في العلم واللغة العربية - يعتبر من موانع التكفير؛ إذا كان سببه القصور في فهم الأدلة الشرعية، أو الاستناد إلى الشبه التي تصرف عن اتباع الحق دون تعمد للمخالفة، أو المعارضة، أو التكذيب، أو الرد، أو العناد؛ بل اعتقاد العكس بأن الحق معه والتزمه بذلك.
وهذا النوع من المتأول إذا أخطأ، وكان من أهل الإيمان؛ فهو معذور حتى تقام عليه الحجة، وتزول عنه الشبهة.
وهذا النوع من التأويل مذموم؛ إذا لم يعطل بعض أحكام الشريعة المعلومة من الدين بالضرورة، ولكن يؤدي إلى المخالفة دون القصد؛ فهو من قبيل الخطأ الذي غالبًا ما يكون سببه الجهل.
وإن كان مما يعطل بعض أحكام الشريعة؛ فهو أشد ذمًا؛ لأنه من أصول الضلال والانحراف، وذريعة للغلو في الدين.
واتفق أهل السنة والجماعة - أيضًا - على أن هنالك تأويلات لا يعذر بها؛ كتأويلات الباطنية، والفلاسفة، وغيرهم
[ ٢٧٠ ]
من الغلاة؛ لأن حقيقة أمرهم هي تكذيب للدين جملة وتفصيلًا، أو التكذيب لأصل لا يقوم الدين إلا به، أو عدم عبادة الله وحده؛ كإنكار الفلاسفة لحشر الأجساد، وقولهم إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات، أو القول بتحريف القرآن، أو اعتقاد النفع والضر في الأموات كما يفعله غلاة القبوريين..
ونحو ذلك من الاعتقادات الغالية التي لا تعتمد على أصول شرعية.
فالتأويل - عند أهل السنة والجماعة - نوعان:
نوع يعذر به الإنسان، ونوع لا يعذر به.
[ ٢٧١ ]
التقليد: هو: (اتباع قول من ليس قوله حجة) .
والتقليد لا يكون إلا مع عدم معرفة الدليل الشرعي؛ لأنه اتباع قول الغير من غير معرفة دليله.
والاتباع هو الحجة في الإسلام، وهو العلم الصحيح؛ لأنه قول الله تعالى، وقول رسوله ﷺ وقول الصحابة، وما سوى ذلك يسمى تقليدًا. والتقليد نوعان:
١- التقليد المباح: يكون في حق العامي الذي لا يعرف طرق الأحكام الشرعية، ويعجز عن معرفتها، ولا يمكنه فهم أدلتها، ولكن له طلب الدليل الشرعي من المفتي؛ لأن المسلم من حقه أن يستوثق من أمر دينه.
٢- التقليد المذموم: هو تقليد رجل واحد معين دون غيره من العلماء في جميع أقواله، أو أفعاله، ولا يرى الحق إلا فيه.
ذهب جمهور أئمة أهل السنة والجماعة إلى جواز التقليد في العقائد والأحكام للعامي، والذي يعجز عن فهم الحجة والنظر والاستدلال.
ويحرم التقليد على العالم، أو الذي يستطيع النظر والاستدلال؛ إذا اجتهد وبان له الحق في المسألة أن يقلد غيره، سواء كان ذلك
[ ٢٧٢ ]
في العقائد أو الأحكام؛ لورود الأدلة في ذم التقليد والمقلدين.
واتفقوا على أن التقليد من موانع التكفير؛ لأن المقلد جاهل لا يفهم الدليل أو الحجة، ولا بصيرة له ولا فقه؛ فهو معذور حتى تقام عليه الحجة ويعلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(والذي عليه جماهير الأمة: أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد؛ فأما القادر على الاجتهاد فهل يجوز له التقليد؟ هذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد، إما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد، وإما لعدم ظهور الدليل له؛ فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه، وانتقل إلى بدله وهو التقليد، كما لو عجز عن الطهارة بالماء، وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل جاز له الاجتهاد؛ فإن الاجتهاد منصب يقبل التجزي والانقسام، فالعبرة بالمقدرة والعجز) (١) .
_________________
(١) (مجموع الفتاوى) ج ٢٠، ص ٢٠٣.
[ ٢٧٣ ]
العجز:
إن الشريعة الإسلامية سهلة ميسرة، ومحكمة شاملة لجميع نواحي الحياة، ومناسبة لجميع أحوال العباد حسب طاقاتهم وقدراتهم، وأحكامها مختلفة حسب حال العبد من السعة والرخاء، والعبد لا يكلف ما لا يطيق ولا يقدر على أدائه.
قال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١) .
اتفق أئمة أهل السنة والجماعة على أن العجز عن أداء ما شرع الله تعالى أو عن أداء بعضه؛ يعتبر من موانع التكفير؛ إذا كان سببه انتفاء الإرادة وعدم الاختيار والرضا والقصد بذلك، واتقى صاحبه الله ما استطاع؛ فإنه معذور غير مؤاخذ على ما تركه.
كالذين بلغتهم دعوة الإسلام وهم في دار الكفر وأسلموا ولكن لم يتمكنوا من الهجرة إلى دار الإسلام، ولا الالتزام بجميع شرائعه؛ لأنهم ممنوعون من إظهار دين الإسلام، أو ليس عندهم من يعلمهم جميع شرائع الدين؛ فهؤلاء معذرون، وإن ماتوا على حالهم فهم من أهل الجنة إن شاء الله.
_________________
(١) (مجموع الفتاوى) ج ٢٠، ص ٢٠٣.
[ ٢٧٤ ]
(١٠)
(تكفير أهل السنة والجماعة لمن ثبت كفره)
علمنا أن أئمة أهل السنة والجماعة كانوا يحترزون من تكفير المعين، وبينوا خطورة الإقدام على تكفير المسلم دون علم، ولكن لم يمنعهم هذا من الحكم بالكفر على من ثبت في حقه الكفر بشروطه الشرعية، ولم يترددوا في تكفير من كفره الله تعالى ورسوله ﷺ لأن النصوص الشرعية دلت على جواز تكفير من ارتكب عملًا أو قولًا مكفرًا؛ بل جعلوا تكفير الكافر من أصولهم في الاعتقاد، وحكموا بكفر من لم يكفر الكافر، أو يشك في كفره.
ويقول القاضي عياض - ﵀ - إجماع العلماء على ذلك، فقال: فقالوا: (بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدًا من النصارى واليهود، وكل من فارق دين المسلمين، أو وقف في تكفيرهم، أو شك) (١) .
فاهتمامهم في تكفير الكفار والمشركين، أو من ثبت كفره، أو ردته؛ ليس لهوى في النفس؛ وإنما يريدون التعبد لله تعالى
_________________
(١) (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) ج٢، ص ٢٨١.
[ ٢٧٥ ]
بذلك، والقيام بواجب الولاء والبراء، فمعرفة حال الشخص من إيمان، أو كفر، تحقق للمؤمن التعبد بمحبته إن كان مؤمنًا، وكراهيته إن كان كافرًا.
قال النبي ﷺ: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان) (١) .
فتكفير أهل السنة والجماعة للكفار، وعداؤهم لهم وبغضهم إياهم؛ ما هو إلا استجابة لله ﷿، قال الله ﵎:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٢) .
وكذلك حبهم للعبد نفسه إذا دخل في الإيمان بعد الكفر؛ استجابة لله جل وعلا، قال تعالى:
﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ﴾ (٣) .
_________________
(١) (رواه أبو داود) في (كتاب السنة) باب: (الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه) .
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٦١.
(٣) سورة الأنفال، الأية: ٣٨.
[ ٢٧٦ ]
فموالاة أهل السنة والجماعة ومعاداتهم للعبد مبنية على أساس صفات الإيمان والكفر التي تلازمه، قال الله تعالى:
﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ (١) .
_________________
(١) سورة آل عمران، الأية: ٢٨.
[ ٢٧٧ ]
(١١)
(ما يمحو الكفر بعد ثبوته على المعين)
أجمع أهل السنة والجماعة؛ على أن الكفر إذا ثبت ووقع في حق المعين؛ لم يمحه شيء إلا التوبة الصادقة وبشروطها المعروفة؛ لأن التوبة تمحو جميع الخطايا والسيئات.
والتوبة هي المانع الوحيد الذي يمنع إطلاق اسم الكفر على المعين بعد رجوعه عن الكفر الذي وقع فيه؛ بخلاف الموانع السابقة؛ التي تمنع إلحاق الكفر به ابتداء؛ حتى يزول المانع.
والله تعالى يقبل توبة العبد الصادق المقبل إليه إقبالًا صادقًا من قلبه، ويغفر جميع الذنوب والخطايا والمعاصي والكفر والشرك وما دونه، وأن كل من تاب وأناب إلى الله في هذه الدنيا؛ تاب الله عليه وغفر له، وليس شيء يغفر جميع الذنوب إلا التوبة، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١) .
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٥٣.
[ ٢٧٨ ]
وقال: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٧٣﴾ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) .
وقال: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
وقال: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ﴾ (٣) .
وقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ (٤) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(فثبت بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ أن كل من تاب، تاب الله عليه. ومعلوم أن من سب الرسول من الكفار المحاربين، وقال:
_________________
(١) سورة المائدة، الآيتان: ٧٣- ٧٤.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١١.
(٣) سورة الأنفال، الآية: ٣٨.
(٤) سورة الزمر، الآية: ٥٤.
[ ٢٧٩ ]
هو ساحر، أو شاعر، أو مجنون، أو معلم، أو مفتر، وتاب تاب الله عليه. وقد كان طائفة يسبون النبي ﷺ من أهل الحرب؛ ثم أسلموا، وحسن إسلامهم، وقبل النبي ﷺ منهم:
منهم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وكان قد ارتد، وكان يكذب على النبي ﷺ، ويقول: أنا كنت أعلمه القرآن؛ ثم تاب، وأسلم، وبايعه النبي ﷺ على ذلك) (١) .
أما من مات على الكفر؛ فقد استحق الوعيد والخلود في النار، وتحقق فيه قول الله ﵎:
﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ (٢) .
_________________
(١) (مجموع الفتاوى) ج ٣، ص ٢٩١.
(٢) سورة النساء، الآية: ١١٦.
[ ٢٨٠ ]