قد علمنا فيما سبق - من هذه الرسالة - مضمون الإيمان عند أهل السنة والجماعة: تعريفه، وحقيقته، وشروطه، وأركانه، ومراتبه، ودرجاته، وثمراته، وصفات أهله، وخوارمه.
وعرفنا كل ذلك على النحو الذي بينه الله تعالى في كتابه العزيز، وبينه لنا رسوله ﷺ في سنته المطهرة، من خلال أقوال وفهم أئمة السنة والجماعة.
فتبين أن الملتزمين العاملين بأوامر الله تعالى، والمتباعدين عن نواهيه؛ هم الصادقون حقًا وصدقًا في دعوى الإيمان.
والسعيد من تمسك وعمل بهذا الإيمان الذي كان يؤمن به النبي ﷺ وأصحابه والتابعون ومن تبعهم بإحسان.
والشقي من صرف عن هذا الإيمان، وترك العمل، أو ترك بعضه، أو تهاون فيه؛ بمداخل الشيطان وخطواته؛ من جهل، وتأويل، وشبهة، واتباع للهوى؛ فهو في الحقيقة من الكاذبين الغاشين لأنفسهم لا غير.
[ ٢٨١ ]
فإذا تبينت لنا حقيقة الإيمان على النحو الذي رضيه لنا الله تعالى، وجب علينا أن نعرف أن هذه الحقيقة لها نواقض تنقض عراها، عروة عروة؛ حتى تعري صاحبها منها، فالعبد المسلم قد يتصف بحقيقة الإيمان كما بينها أهل السنة والجماعة، ولكن قد يطرأ عليه اعتقاد أو قول أو عمل أو شك؛ يخرجه من حقيقة الإيمان إلى دائرة الكفر، وهو لا يشعر!
ونواقض الإيمان الاعتقادية والقولية والعملية التي يكفر بها صاحبها؛ كثيرة جدًا لا يمكن حصرها هنا في هذه الرسالة، ولذلك سأورد أصول هذه النواقض، وبعض الأمثلة عليها (١) .
كما يجب أن نعلم قبل ذلك؛ أن الإيمان حقيقة كلية بأركانها ومسماها لا تقبل التجزئة، وتندرج تحتها فروع كثيرة، يجب الإيمان بجميعها جملة واحدة كما أمرنا الله تعالى؛ فإنكار أي فرع من فروعها، أو مسألة منها؛ هو كفر ببقية الفروع والمسائل، وخروج من دائرة الإيمان إلى حظيرة الكفر.
_________________
(١) «) ومن شاء البسط في معرفة أدلة نواقض الإيمان أكثر؛ فعليه الرجوع إلى مصادرها في كتب عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي كثيرة ومتوفرة، ولله الحمد والمنة، وقد ذكرت بعضها في نهاية هذه الرسالة.
[ ٢٨٢ ]
قال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿١٥٠﴾ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (٢) .
ففي هذه النصوص - وغيرها كثيرة - دلالة واضحة وصريحة على أن الإيمان والالتزام يجب أن يكون كليًا غير منقوص، والإيمان لا يقبل التجزئة في عناصره وأركانه ومسماه.
والإيمان ينتقض بانتقاض عنصر واحد من عناصره، فمن طعن في مسألة جزئية من مسائله، أو استحل المعصية؛ كأنما طعن في الإيمان كله.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٨٥.
(٢) سورة النساء، الآيتان: ١٥٠- ١٥١.
[ ٢٨٣ ]
فالإيمان ليس أجزاء مفرقة مبعثرة نستطيع أن نأخذ من أركانها وعناصرها ما نشاء، ونترك ما نشاء، ثم نبقي في دائرة الإيمان!
فإن من قال قولًا، أو فعل فعلًا، أو اعتقد أمرًا؛ يدل على إنكار شيء من عناصر الإيمان أو أجزائه أو أركانه؛ فقد نقض إيمانه، وخرج من دائرة الإسلام، وتنطبق عليه أحكام الردة؛ ولو آت ببعض أجزاء الإيمان.
وإذا لم يتب يكون من المخلدين في النار، والعياذ بالله.
[ ٢٨٤ ]
نواقض الإيمان وأنواعها
بعد أن علمنا أن هنالك نواقض للإيمان، وجب علينا معرفة أنواعها، وهي التي تكون بالاعتقاد والقول والعمل.
ويمكن حصر هذه النواقض وتلخيصها في النقاط التالية:
- نواقض توحيد الله تعالى في ربوبيته.
- نواقض توحيد الله تعالى في أسمائه وصفاته.
- نواقض توحيد الله تعالى في ألوهيته.
- نواقض عموم الدين.
١- نواقض توحيد الله تعالى في ربوبيته:
فكل اعتقاد، أو قول، أو فعل؛ فيه إنكار لخصائص ربوبية الله تعالى، أو بعضها؛ كفر وردة.
أو ادعاء شيء من هذه الخصائص؛ كادعاء الربوبية، كما قال فرعون: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ (١) .
_________________
(١) سورة النازعات، الآية: ٢٤.
[ ٢٨٥ ]
أو ادعاء الملك، أو الرزق، أو التصرف من دون الله تعالى، وغيرها من الأمور التي هي من أفعال الله تعالى وخصائصه، وكذلك يكفر من يصدق بهذه الدعوى، ومن الأمثلة على ذلك:
- الاعتقاد بأن لله تعالى شريكًا في الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير.
- الاعتقاد بأن الأولياء لهم تصرف في الكون مع الله تعالى.
- اعتقاد تأثير وتصرف غير الله تعالى؛ من الأبراج والكواكب ومساراتها ومواقعها على حياة الناس.
- الاعتقاد بأن المخلوق يمكنه أن يزرق المخلوق، أو يمنع عنه الرزق، أو يمكنه أن يضر، أو ينفع من دون الله تعالى.
- الاعتقاد بأن أحدًا دون الله تعالى يعلم الغيب.
- اعتقاد حلول الله تعالى في خلقه، أو أن الله في كل مكان.
- الاعتقاد بأن الشفاء من الطبيب أو الدواء، أو اعتقاد التوفيق في حياة العبد من ذكائه، أو جهده واجتهاده.
- الاعتقاد بأن للمخلوق حقًا في سن القوانين وتشريعها، وهي تلك النظم التي تحكم في أموال الناس وأعراضهم.
وغيرها من الاعتقادات التي تناقض الإيمان وتبطله.
[ ٢٨٦ ]
٢- نواقض توحيد الله تعالى في أسمائه وصفاته:
فقد أثبت الله تعالى لنفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ صفات وأسماء، ونفى - سبحانه - كذلك عن نفسه صفات؛ فمن انتقص شيئًا مما أثبته الله لنفسه، أو أثبت لله تعالى شيئًا مما نفاه عن نفسه؛ فقد كفر، ومن الأمثلة على ذلك:
- إنكار أو جحد أسماء الله، أو صفاته، أو بعض أسمائه، أو بعض صفاته، أو إثبات صفات لله تعالى نفاها الله عن نفسه.
- الإلحاد في أسماء الله وصفاته، أو نفيها، أو جحد معانيها، أو تحريفها عن الصواب، وإخراجها عن الحق المراد بالتأويلات الباطلة، أو تعطيل الله - ﷾ - عن صفات كماله، ونعوت جلاله؛ الثابتة في الكتاب والسنة.
- تشبيه صفات الله - جل وعلا - بصفات خلقه، أو وصفه تعالى بصفة يجب تنزيهه عنها، مثل: أن يزعم أن لله تعالى شريكًا، أو ولدًا، أو يصفه - سبحانه - بالنوم، أو السنة، أو الغفلة.. إلى غير ذلك من صفات النقص التي تعتري ابن آدم.
[ ٢٨٧ ]
٣- نواقض توحيد الله تعالى في ألوهيته:
توحيد الألوهية: هو إفراد الله تعالى بأفعال العباد، أي: إفراده - جل وعلا - بالعبادة والخضوع والطاعة المطلقة، وأن لا يشرك به أحد كائنًا من كان، ولا يصرف شيء من العبادة لغيره تعالى.
أي: أن الله تعالى وحده هو المعبود بحق، وأن ما سواه من المعبودات كلها باطل لا تستحق أي شيء من العبادة.
فمن اعتقد غير هذا، أو قال قولًا، أو فعل فعلًا، ينافي هذا المعنى، أو أنكر حق الله تعالى في ألوهيته، أو انتقص شيئًا منه، أو صرف شيئًا منه لغيره؛ فقد كفر، وارتد عن الإسلام.
فأكثر الأمم السابقة، وأكثر الناس في الإسلام وقعوا في الشرك أو الكفر في توحيد الألوهية؛ لأنهم لم يكونوا ينكرون ربوبية الله تعالى؛ بل أقروا بأن الله تعالى هو الرب والخالق والرازق والمحي والمميت، ولكنهم صرفوا شيئًا من العبادة لغيره تعالى؛ فجعلهم الله في عداد الكافرين بإشراكهم غيره في العبادة.
وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له؛ هي غاية الخالق - ﷻ - من خلق عباده، ولذلك هي موضوع الامتحان للعبادة في الدنيا، قال تعالى:
[ ٢٨٨ ]
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) .
فكل اعتقاد، أو قول، أو عمل؛ يتضمن أحد هذين الأمرين يخرج صاحبه من الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ (٢) .
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) .
وقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٤) .
_________________
(١) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٦٥.
(٣) سورة البقرة، الآيتان: ٢١- ٢٢.
(٤) سورة يوسف، الآية: ٤٠.
[ ٢٨٩ ]
الأمثلة من نواقض الإيمان في توحيد الألوهية والعبادة:
- عبادة أحد مع الله، أو دون الله، أو يدعي مع الله تعالى، وأن يستغاث بغيره سبحانه؛ في جلب خير، أو دفع ضر، أو يتوكل عليه، أو يستعاذ به، أو يخاف منه، أو يرجى، أو يخضع له، أو يتقرب إليه بأي نوع من أنواع العبادة، أو يطاع الطاعة المطلقة، أو يحب كحب الله ﵎، أو يعظم كتعظيم الله تعالى؛ سواء كان هذا المعظم أو المدعو ملكًا، أو نبيًا، أو وليًا، أو قبرًا، أو حجرًا، أو شجرًا.
- الركوع، والسجود، والصوم، والطواف، والذبح، والنذر، والخشوع لغير الله تعالى.
- الطاعة والانقياد لغير الله تعالى، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
- الاعتقاد بأن لشخص حق تشريع ما لم يأذن به الله تعالى؛ من التحليل والتحريم وسن القوانين.
- الاعتقاد بأن شرع الله تعالى لا يصلح في هذا الزمان.
يكفر من أتى شيئًا من هذه النواقض، أو رضي بها، أو عمل بعضها، وإلى غير ذلك من النواقض التي تخص توحيد العبادة.
[ ٢٩٠ ]
٤- نواقض عموم الدين:
الدين الإسلامي هو التشريع الإلهي؛ سواء كان من الاعتقادات، أو العبادات، أو المعاملات، أو الأخلاق، وهو أوامر الله تعالى ونواهيه، وهو - ﷾ - الذي يعلم ما يصلح لعباده وما يفسدهم؛ كيف لا وهو خالقهم سبحانه.
فالتشريع الإلهي؛ واجب وفرض على كل من يعقل، لا يجوز مخالفته البتة بأي شكل من الأشكال؛ لأنه الغاية والمقصود من خلق العباد، وإلا أصبح خلقهم عبثًا وهملًا.
ومخالفة أحد أوامر الله سبحانه، أو مخالفتها بالكلية؛ سواء عند الله تعالى، وكذلك الاعتراض على أوامره، أو على أحدها؛ اعتراض عليه ﷾؛ وهذا كفر وردة.
فإن مقتضى الإيمان به تنفيذ أوامره وترك نواهيه سبحانه، وواجب المسلم أمام شرع الله - ﷿ - التسليم والرضى لحكمه تعالى، بقول: (سمعنا وأطعنا، آمنا وصدقنا) لاغير.
وهكذا كان شعار الصادقين مع الله تعالى؛ من الصحابة الكرام والتابعين العظام، وشعار من تبعهم من الصالحين الصادقين بإحسان إلى يومنا هذا، قال تعالى:
[ ٢٩١ ]
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥١﴾ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (١) .
وأما دأب الكافر - ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا - هو الاعتراض والاستهزاء والطعن في تشريع الله سبحانه، قال تعالى:
﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴿٧﴾ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٨﴾ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (٢) .
إذن الاعتراض وعدم الرضا بتشريع الله تعالى؛ كفر وردة.
وهذا الاعتراض والطعن يقتضي الاعتراض والطعن في صاحب الرسالة محمد ﷺ، أو إنكار ما جاء وأخبر به؛ وهو ناقض من نواقض الإيمان وردة عن الإسلام.
وكذلك الاستهزاء بمن يعمل بهذا التشريع من المسلمين، أو الاستهزاء بهم بسبب تمسكهم بشعيرة من شعائره، أو معاداتهم
_________________
(١) سورة النور، الآيتان: ٥١- ٥٢.
(٢) سورة الجاثية، الآيات: ٧- ٩.
[ ٢٩٢ ]
من أجل ذلك؛ يكون كفرًا وردة؛ لأنه محاربة لدين الله تعالى ومحادة له، وصد عن سبيل الله جل وعلا؛ لأن هذا الاستهزاء ينصرف في حقيقة الأمر إلى التشريع نفسه، ومن ثم إلى مبلغه ﷺ ومن ثم إلى منزله ﷾، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴿٢٩﴾ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴿٣٠﴾ وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ ﴿٣١﴾ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاء لَضَالُّونَ ﴿٣٢﴾ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ﴿٣٣﴾ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴿٣٤﴾ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ (١) .
وقال: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢) .
وهذه النواقض تكون باعتقاد، أو قول، أو فعل أي أمر يمس دين الإسلام، أو تشريعه، أو رسوله، أو سنته ﷺ؛ بطعن، أو
_________________
(١) سورة المطففين، الآيات: ٢٩- ٣٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢١٢.
[ ٢٩٣ ]
بعض الأمثلة على نواقض الإيمان بأقسامة الثلاثة
تنقيص، أو استهزاء، أو تكذيب، أو شك، أو ريب، كل هذه الأمور تعتبر ناقضًا من نواقض الإيمان، وردة عن الإسلام.
وللزيادة في الإيضاح؛ نذكر بعض الأمثلة - على سبيل المثال لا الحصر - لأقسام نواقض الإيمان الثلاثة؛ الاعتقاد، والفعل، والقول.
الأول: نواقض الإيمان بالاعتقاد:
ويكون بمجرد اعتقاد القلب، وإن لم يتكلم به، وإن لم يفعل شيئًا منه، وأسبابه كثيرة نذكر منها:
١- الجحد، أو الشك في وجود الله ﷾، أو الاعتقاد بأن لله تعالى شريكًا في ربوبيته جل وعلا.
٢- التكذيب أو الشك في رسالة محمد ﷺ وجحد عموم رسالته، وختمه للنبوة، أو إنكار بعض ما أخبر به الرسول ﷺ أو الطعن فيه بعد ثبوته.
٣- الاعتقاد بأن الرسول ﷺ كتم شيئًا مما أوحى الله تعالى إليه وهو مأمور بتبليغه، أو بلغه لبعض المسلمين دون بعض.
٤- التكذيب أو الشك في شيء من أركان الإسلام الخمسة، أو أركان الإيمان الستة، أو الجنة أو النار، أو الثواب
[ ٢٩٤ ]
والعقاب، أو الجن أو الملائكة، أو شيء مما هو مجمع عليه؛ كالإسراء والمعراج، وغيرها.
٥- إنكار شيء من القرآن، أو اعتقاد زيادة فيه، أو الاعتقاد أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، وأن باطنه يخالف ظاهره، وأن هذا الباطن مخصوص للبعض دون بعض.
٦- الإيمان بشريعة غير الإسلام، واعتقاد صلاحيتها للبشر، والعمل بها، وتطبيقها.
٧- اعتقاد عدم كفر الكفار من الملحدين والمشركين والمرتدين، أو الشك في كفرهم، أو موالاتهم على حساب الدين.
٨- الاعتقاد بأن الكنائس بيوت الله - جل وعلا - وأن الله تعالى يعبد فيها، وأن ما يفعله اليهود والنصارى عبادة لله، وطاعة له - سبحانه - ولأنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام.
٩ - جحد وجوب شيء معلوم من الدين بالضرورة؛ كالصلوات الخمس، والزكاة، والصوم، والحج وغيرها.
١٠- اعتقاد تحريم مباح معلوم من الدين بالضرورة؛ كالبيع والنكاح، أو اعتقاد إباحة محرم معلوم من الدين بالضرورة؛ كالقتل، والزنا، والربا، أو إعطاء غير الله تعالى حق الأمر والنهي،
[ ٢٩٥ ]
وحق التحليل والتحريم، وحق التشريع، أو اعتقاد جواز الاحتكام إلى غيره تعالى.
١١- تكذيب واحد من رسل الله تعالى، في أي أمر من الأمور الثابتة عنهم.
١٢- ادعاء النبوة، أو تصديق من يدعيها.
١٣- الاعتقاد بأن البعض يسعه الخروج عن شريعة الإسلام، وأنه يجوز للشخص أن يلتزم بدين آخر غير الإسلام.
١٤- الاعتقاد بأن جمهور الصحابة - ﵃ - ارتدوا، أو فسقوا؛ بعد وفاة النبي ﷺ.
١٥- الرضا بالكفر، والعزم على الكفر، أو تعليق الكفر بأمر مستقبل.
١٦- من ضحك لمن تكلم بالكفر مع الرضا به.
١٧- من شك في كفر من عمل الأعمال المكفرة الظاهرة التي استبان دليلها واتفق أئمة أهل السنة والجماعة عليها.
وغيرها من صور نواقض الإيمان الاعتقادية.
[ ٢٩٦ ]
الثاني: نواقض الإيمان بالقول:
١- سب الله تعالى، أو نسبه العيب إليه - جل وعلا - أو سب الرسول ﷺ أو أحد الرسل - ﵈ - أو سب الملائكة، أو سب دين الإسلام.
٢- دعاء الأولياء والصالحين، والاستغاثة بهم عند الكرب والشدة، وسؤالهم ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وكذلك الاستعاذة بهم.
٣- الاستهزاء بالله تعالى، أو بكلامه وكتابه (القرآن العظيم)، أو سائر كتبه، أو بآية من آياته، أو بالرسول ﷺ مثل: الطعن في صدقه، أو في أمانته، أو عفته، أو الاستهزاء والاستخفاف به، أو بسنته ﷺ.
وكذلك السخرية من أسماء الله تعالى، أو تنقصه، أو بوعده بالجنة أو وعيده بالنار؛ كقول بعضهم: لو أعطاني الله الجنة ما دخلتها، لو شهد عندي الأنبياء والرسل بكذا ما قبلت شهادتهم، أو ما لحقني خير منذ صليت، أو ما نفعتك صلاتك، وغير ذلك.
٤- القول: أنا لا أخاف الله. أو أنا لا أحب الله تعالى.
[ ٢٩٧ ]
٥- القول: إن الرسول ﷺ لم يوجب علينا الصلاة، أو الزكاة، أو الصوم، أو الحج.. إلخ.
٦- القول: إن الدين لا صلة له بالدولة، وسائر شؤون الحياة، أو إن تعاليم الإسلام لا تتناسب مع هذا الدين.
٧- القول لمن عمل بدين الإسلام: أنت رجعي.
٨- القول: إن دين الإسلام وتعاليمه؛ هو سبب تأخر المسلمين، أو بلاد المسلمين.
٩- قول شخص عن عدوه: لو كان ربي ما عبدته، أو لو كان نبيًا ما آمنت به.
١٠- قول شخص عن ولده أو زوجته: هو أحب إلي من الله، أو من رسوله ﷺ.
١١- ادعاء الوحي، وإن لم يدع معها النبوة.
١٢- قول الشخص: إن الله نقص من مالي، وأنا أنقص من حقه ولا أصلي.
١٣- قول من صلى في رمضان فقط، ثم قال: هذا أيضًا كثير، أو هذا يكفي وزيادة.
[ ٢٩٨ ]
١٤- قول الفاسق إذا قيل له صل حتى تجد حلاوة الصلاة: لا أصلي حتى أجد حلاوة الترك.
١٥- من طعن في عدالة الصحابة، أو جمهورهم، كأن يقول عنهم: فساق، أو ضلال.
١٦- من قال بألوهية علي - ﵁ - أو نبوته.
١٧- ادعاء أن جبريل - ﵇ - خان الأمانة؛ فأنزل الوحي على محمد ﷺ بدلًا من أن ينزله على علي.
١٨- قذف أم المؤمنين عائشة بنت الصديق - ﵂ - بما برأها الله تعالى منه من فوق سبع سموات.
إلى غير ذلك من الأقوال القبيحة المناقضة للإيمان والإسلام.
[ ٢٩٩ ]
الثالث: نواقض الإيمان بالفعل:
١- السجود لغير الله تعالى، والنذر لغير الله سبحانه، والذبح لغيره تعالى.
٢- السخرية باسم من أسماء الله تعالى، أو بأمره، أو وعيده، أو ذكر اسم الله تعالى عند تعاطي الخمر والزنا والدخان؛ استخفافًا.
٣- الاستهانة بالمصحف الشريف، أو إلقاؤه في القاذورات، أو دوسه بالقدم متعمدًا، أو الإشارة إليه باليد أو بالقدم أو بالشفة؛ إشارة استهانة، أو قراءته على ضرف الدف على سبيل الاستخفاف، وهكذا فعل أمثال هذه الأشياء بحديث رسول الله ﷺ.
٤- الطواف بالأضرحة وقبور الأولياء والصالحين؛ من أجل التقرب إليهم.
٥- إظهار المقت والكراهية عند ذكر الله تعالى، أو عند ذكر رسوله ﷺ، أو عند ذكر الإسلام، أو عند الدعوة إليه.
٦- لبس شيء من شعائر الكفار؛ كالصليب، أو قلنسوة المجوس، ونحوه مما هو خاص بشعائرهم الدينية؛ عالمًا، عامدًا، راضيًا بذلك.
[ ٣٠٠ ]
الحكم بغير ما أنزل الله
٧- مشاركة أهل الكفر في عباداتهم؛ كصلاتهم ونحوها.
٨ - هدم معالم الإسلام؛ كهدم المساجد لأجل ما يفعل فيها من العبادة.
٩ - بناء دور العبادة للكفار، أو إعانتهم على ذلك؛ كبناء الكنائس ونحوها.
١٠- أن يعمل فعلًا أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر.
١١- تعلم السحر، وتعاطيه، وتعليمه.
١٢- الإعراض التام عن دين الإسلام لا يتعلمه ولا يعمل به.
١٣- عدم تكفير الكفار من الملحدين والمشركين والمرتدين، وموالاتهم، أو إظهار موافقتهم على دينهم، والتقرب إليهم بالأقوال والأفعال والنوايا.
١٤- عدم إفراد الله تعالى بالحكم والتشريع:
كالحكم بغير ما أنزل الله، أو التشريع المخالف لشرع الله، وتطبيقه، والإلزام به: فمن شرع حكمًا غير حكم الله تعالى، وحكمه في عباده، أو بدل شرع الله تعالى، أو عطله، ولم يحكم
[ ٣٠١ ]
به، واستبدل به حكمًا طاغوتيًا وحكم به؛ فهذا كفر أكبر، لأنه ناقض من نواقض الإيمان وردة عن الإسلام.
ولا يشترط فيه الاستحلال؛ لأن فعله إباء وامتناع عن الالتزام بشرع الله تعالى، وتشريع من دون الله، وكره واحتقار لما جاء به الله، ودليل على تسويغه اتباع غير شرع الله، ولو لم يصرح بلسانه؛ لأن لسان الحال أقوى من لسان المقال.
وذلك لأن التشريع والتحليل والتحريم من خصائص الله تعالى؛ فهو حق خالص لله وحده لا شريك له؛ فالحلال ما أحله الله ورسوله ﷺ والحرام ما حرمه الله ورسوله ﷺ والدين ما شرعه الله ورسوله ﷺ؛ فمن شرع من دون الله، أو ألزم الناس بغير شرع الله؛ فقد نازع الله فيما اختص به ﷾، وتعدى على حق من حقوقه، وأعاره لنفسه، ورفض شريعة الله؛ فهذا العمل شرك بالله تعالى، وصاحبه مشرك ضال ضلالًا بعيدًا.
وأما من تحاكم إلى الطاغوت، أو حكمه في نفسه، أو في غيره؛ ثم ادعى الإيمان؛ فهذه دعوى كاذبة لا وزن لها عند رب العالمين؛ لأن الله تعالى جعل طاعته وطاعة رسوله ﷺ من لوازم الإيمان ومقتضياته.
[ ٣٠٢ ]
حكم تارك الصلاة
حكم السخرية والاستهزاء بنواقض الإيمان
١٥- ترك الصلاة - وإن كان مقرًا بوجوبها - من الكفر الأكبر المخرج من الملة؛ لأن باعث الإعراض عن الطاعة بالكلية فقدان عمل القلب الذي هو شرط لصحة الإيمان.
والصلاة هي آكد الأعمال التي لا يصح إيمان العبد بدون شيء منها، وهي أعظم الواجبات وأدلها وأجلها.
وهي كذلك أعظم قرينة دالة على إسلام المرء؛ تمنع من تكفيره، أو إساءة الظن فيه، قال النبي ﷺ:
(من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله؛ فلا تخفروا الله في ذمته) (١) .
هذه هي بعض نواقض الإيمان الاعتقادية، والقولية، والفعلية؛ التي يعتبر العبد بملابسة أحدهما كافرًا كفرًا مخرجًا من الملة؛ إذا وقع في أحد صورها.
وإن السخرية والاستهزاء بشيء مما سبق من نواقض الإيمان، ولو على سبيل المزاح فهو كفر؛ لأنه يدخل في باب الاحتقار والاستخفاف، مما يجعل التلفظ بتلك الأقوال ردة عن الإسلام.
_________________
(١) (رواه البخاري) في (كتاب أبواب القبلة) باب: (فضل استقبال القبلة) .
[ ٣٠٣ ]
فيجب على كل مسلم أن يحتاط لدينه؛ فلا يتلفظ بشيء فيه ما يخرج به من الدين؛ كما يجب على من وقع منه شيء من ذلك؛ النطق بالشهادتين فورًا، والاستغفار والندم على ما صدر منه، والعزم على أن لا يعود لمثله أبدًا، قال تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١) .
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (٢) .
وقال النبي ﷺ: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا؛ يهوي بها سبعين خريفًا في النار) (٣) .
وقال ﷺ: (من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك؛ فليتصدق) (٤) .
_________________
(١) سورة ق، الآية: ١٨.
(٢) سورة ق، الإسراء، الآية: ٣٦.
(٣) (رواه الترمذي) في (كتاب الزهد) باب: (ما جاء في من تكلم بالكلمة ليضحك الناس) وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي) ج٢، ص ٢٦٨.
(٤) (رواه البخاري) في (كتاب التفسير) باب: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى) .
[ ٣٠٤ ]
أقوال أئمة أهل السنة والجماعة على أن الكفر يكون
بالاعتقاد والقول والفعل
قال الإمام سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى - عندما سئل عن الإرجاء:
(يقولون: الإيمان قول، ونحن نقول: الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله؛ مصرًا بقلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارب، وليس بسواء؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عذر هو كفر) (١) .
قال الإمام الشافعي - ﵀ - حين سئل عمن هزل بشيء من آيات الله تعالى: (هو كافر) واستدل بقول الله تعالى:
﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ ﴿٦٥﴾ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢) (٣) .
_________________
(١) (كتاب السنة) الإمام عبد الله بن أحمد: ج١، ص ٣٤٧ (٧٤٥) .
(٢) سورة التوبة، الآيتان: ٦٥ - ٦٦.
(٣) (الصارم المسلول) ابن تيمية: ج٣، ص ٩٥٦ رمادي للنشر.
[ ٣٠٥ ]
قال الإمام عبد الله بن الزبير الحميدي ﵀:
(أخبرت أن ناسًا يقولون: من أقر بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ولم يفعل من ذلك شيئًا حتى يموت، أو يصلي مستدبر القبلة حتى يموت؛ فهو مؤمن ما لم يكن جاحدًا.. إذا كان يقر بالفرائض واستقبال القبلة؛ فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفعل المسلمين، قال ﷿:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١) .
قال الإمام إسحاق بن راهويه ﵀:
(ومما أجمعوا على تكفيره، وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد؛ فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى، وبما جاء من عنده، ثم قتل نبيًا، أو أعان على قتله، وإن كان مقرًا، ويقول: قتل الأنبياء محرم؛ فهو كافر، وكذلك من شتم نبيًا، أو رد عليه قوله من غير تقية ولا خوف) (٢) .
_________________
(١) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) الإمام اللالكائي: ج ٥، ص ٩٥٧ (١٥٩٤) . والآية: ٥ من سورة البينة.
(٢) (تعظيم قدر الصلاة) الإمام المروزي: ج٢، ص ٩٣٠، (٩٩١) .
[ ٣٠٦ ]
قال الإمام الفقيه أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي ﵀:
(فاعلم - يرحمنا الله وإياك - أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح. وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: أشهد أن الله - ﷿ - واحد، وأن ما جاءت به الرسل حق، وأقر بجميع الشرائع، ثم قال: ما عقد قلبي على شيء من هذا، ولا أصدق به؛ أنه ليس بمسلم.
ولو قال: المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، وقال: لم يعتقد قلبي على ذلك؛ أنه كافر بإظهار ذلك، وليس بمؤمن) (١) .
قال الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ - عندما سأله ابنه عبد الله عن رجل قال لرجل: يا ابن كذا وكذا أنت ومن خلقك:
(هذا مرتد عن الإسلام) وسأله: تضرب عنقه؟ قال: (نعم تضرب عنقه) (٢) .
قال الإمام محمد بن سحنون المالكي - ﵀ -:
(أجمع العلماء أن شاتم النبي ﷺ المنتقص له؛ كافر، والوعيد
_________________
(١) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) الإمام اللالكائي: ج ٤/٩٣٢ (١٥٩٠) .
(٢) (مسائل الإمام أحمد) رواية ابنه عبد الله: ج٢، ص ١٢٩١.
[ ٣٠٧ ]
جار عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة: القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر) (١) .
قال الإمام البربهاري ﵀:
(ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام، حتى يرد آية من كتاب الله ﷿، أو يرد شيئًا من آثار رسول الله ﷺ، أو يذبح لغير الله، أو يصلي لغير الله، وإن فعل شيئًا من ذلك؛ فهو مؤمن ومسلم بالاسم لا بالحقيقة) (٢) .
قال الإمام النووي - ﵀ - في تعريف الردة:
(هي قطع الإسلام، ويحصل ذلك تارة بالقول الذي هو كفر، وتارة بالفعل، والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمد واستهزاء بالدين صريحًا؛ كالسجود للصنم أو للشمس، وإلقاء المصحف في القاذورات، والسحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها. قال الإمام: في بعض التعاليق عن شيخي إن الفعل بمجرده لا يكون كفرًا، قال: وهذا زلل عظيم من المعلق ذكرته
_________________
(١) (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) القاضي عياض: ج٢، ص ٢١٤.
(٢) (شرح السنة) البربهاري: ص ٧٣ (٥٠) دار السلف.
[ ٣٠٨ ]
للتنبيه على غلطه، وتحصل الردة بالقول الذي هو كفر؛ سواء صدر عن اعتقاد أو عناد أو استهزاء) (١) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
(إن من سب الله، أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا؛ سواءً كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل) (٢) .
قال الإمام ابن كثير - ﵀ - في تفسير الآية (١٠٦ - ١٠٩) من سورة النحل:
(أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به؛ أنه قد غضب عليه لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه، وأن لهم عذابًا عظيمًا في الدار الآخرة؛ لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا ولم يهد الله قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق؛ فطبع على قلوبهم، فهم لا يعقلون بها شيئًا ينفعهم) .
_________________
(١) (روضة الطالبين) النووي: ج ١٠، ص ٦٤ (كتاب الردة) .
(٢) (الصارم المسلول) ابن تيمية: ج٣، ص ٩٥٥ رمادي للنشر.
[ ٣٠٩ ]
قال الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀:
(فقد يترك دينه، ويفارق الجماعة، وهو مقر بالشهادتين، ويدعي الإسلام؛ كما إذا جحد شيئًا من أركان الإسلام، أو سب الله ورسوله، أو كفر ببعض الملائكة، أو النبيين، أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك) (١) .
وقال أيضًا - ﵀ - في شرحه لحديث (بني الإسلام على خمس..):
(وهذا الحديث دل على أن الإسلام مبني على خمسة أركان.. وأن الإسلام مثله كبنيان، وهذه الخمس: دعائم البنيان وأركانه التي يثبت عليها البنيان وأما هذه الخمس؛ فإذا زالت كلها سقط البنيان ولم يثبت بعد زوالها، وكذلك إن زال منها الركن الأعظم وهو الشهادتان، وزوالهما يكون بالإتيان بما يضادهما ولا يجتمع معهما.
وأما زوال الأربع البواقي: فاختلف العلماء وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة.
_________________
(١) (جامع العلوم والحكم) ابن رجب: (شرح الحديث الرابع عشر من الأربعين النووية) .
[ ٣١٠ ]
وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعًا منهم حتى إنه جعل قول من قال: لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة.. وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس وعلماء اليهود الذين أقروا ببعث النبي ﷺ بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه.
وروي عن عطاء ونافع - مولى ابن عمر - أنهما سئلا عمن قال: الصلاة فريضة ولا أصلي، فقالا: هو كافر. وكذا قال الإمام أحمد.
ونقل حرب عن إسحاق قال: غلب المرجئة حتى صار من قولهم: إن قومًا يقولون: من ترك الصلوات المكتوبات، وصوم رمضان، والزكاة، والحج، وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره، يرجى أمره إلى الله بعد؛ إذ هو مقر؛ فهؤلاء الذين لا شك فيهم - يعني في أنهم مرجئة.
وظاهر هذا: أنه يكفر بترك هذه الفرائض
وممن قال بذلك: ابن المبارك، وأحمد - في المشهور عنه -، وإسحاق، وحكى عليه إجماع أهل العلم - كما سبق - وقال أيوب: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه.
وقال عبد الله بن شفيق: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. خرجه الترمذي.
[ ٣١١ ]
وقد روي عن علي وسعد وابن مسعود وغيرهم قالوا: من ترك الصلاة فقد كفر ) (١) .
قال الإمام العلامة مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي - ﵀ - في تعريف الردة:
(وهو من كفر بعد إسلامه، ويحصل الكفر بأحد أربعة أمور: بالقول كسب الله تعالى ورسوله، أو ملائكته، أو ادعاء النبوة، أو الشرك له تعالى، وبالفعل كالسجود للصنم ونحوه وكإلقاء المصحف في قاذورة، وبالاعتقاد كاعتقاده الشريك له تعالى، أو أن الزنا أو الخمر حلال، أو أن الخبز حرام، ونحو ذلك، ومما أجمع عليه إجماعًا قطعيًا، وبالشك في شيء من ذلك) (٢) .
_________________
(١) (فتح الباري) لابن رجب: ج١، ص ٢٢، حديث رقم (٨) شرك كتاب الإيمان.
(٢) (دليل الطالب): ص ٣١٧.
[ ٣١٢ ]
أسباب ترك الإيمان والإعراض عنه (١)
_________________
(١) نقلت هذا الفصل باختصار وتصرف من (تعليم أصول الإيمان وبيان موانعه) للشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: ص ٣٣. (دار أضواء السلف) .
[ ٣١٣ ]
إذا علمنا مما سبق أن الإيمان الصحيح كما جاءنا من رسول الله ﷺ فيه السعادة العاجلة والآجلة.
وأنه يصلح الظاهر والباطن، والعقائد، والأخلاق، والآداب.
وأنه يدعو جميع العباد إلى ما فيه من كل خير وصلاح، ويهدي للتي هي أقوم.
فإذا كان الأمر كما ذكرنا؛ فلم أكثر الناس عن الدين والإيمان معرضون، وله محاربون، ومنه ساخرون؟
وهلا كان الأمر بالعكس؛ لأن الناس لهم عقول وأذهان تختار الصالح على الطالح، والخير على الشر، والنافع على الضار؟
نعم كان من المفروض أن يكون الأمر كذلك! واعلم أن الله تعالى قد ذكر هذا الإيراد في كتابه العزيز، وأجاب عنه بذكر
[ ٣١٥ ]
الأسباب الواقعة، وبالموانع العائقة، وبذكر الأجوبة عن هذا الإيراد فلا يهول العبد ما يراه من إعراض أكثر البشر عنه، ولا يستغرب ذلك؛ فقد ذكر الله - ﷿ - من أسباب عدم الإيمان بالدين؛ موانع عديدة، واقعة من جمهور البشر، منها:
١- الجهل بالإيمان:
الجهل به، وعدم معرفته حقيقة، وعدم الوقوف على تعاليمه العالية، وإرشاداته السامية. والجهل بالعلوم النافعة؛ أكبر عائق، وأعظم مانع من الوصول إلى الحقائق الصحيحة، والأخلاق الحميدة، قال الله ﵎:
﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ (١) .
وقال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (٢) .
وقال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) .
وقال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ (٤) .
_________________
(١) سورة يونس، الآية: ٣٩.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١١١.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ٣٧.
(٤) سورة الروم، الآية: ٢٤.
[ ٣١٦ ]
والجهل إما أن يكون بسيطًا؛ كحال كثير من دهماء المكذبين للرسول الرادين لدعوته اتباعًا لرؤسائهم وساداتهم.
وهم الذين يقولون إذا مسهم العذاب:
﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ (١) .
وإما أن يكون الجهل مركبًا؛ وهذا على نوعين:
أحدهما: أن يكون على دين قومه وآبائه، ومن هو ناشئ معهم فيأتيه الحق فلا ينظر فيه وإن نظر فنظر قاصر جدًا لرضاه بدينه الذي نشأ عليه وتعصبه لقومه، وهؤلاء جمهور المكذبين للرسل، الرادين لدعوتهم، الذين قال الله فيهم:
﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ (٢) .
وهذا هو التقليد الأعمى؛ الذي يظن صاحبه أنه على حق، وهو على الباطل.
ويدخل في هذا النوع: أكثر الملحدين الماديين؛ فإن علومهم عند التحقيق تقليد لزعمائهم؛ إذا قالوا مقالة قبلوها كأنها وحي
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٦٧.
(٢) سورة الزخرف، الآية: ٢٣.
[ ٣١٧ ]
منزل، وإذا ابتكروا نظرية خاطئة سلكوا خلفهم في حال اتفاقهم وحال تناقضهم، وهؤلاء فتنة لكل مفتون لا بصيرة له.
النوع الثاني من الجهل المركب: حالة أئمة الكفر وزعماء الملحدين الذين مهروا في علوم الطبيعة والكون.
واستجهلوا غيرهم، وحصروا المعلومات في معارفهم الضئيلة الضيقة الدائرة، واستكبروا على الرسل وأتباعهم.
وزعموا أن العلوم محصورة فيما وصلت إليه الحواس الإنسانية، والتجارب البشرية، وما سوى ذلك أنكروه، وكذبوه مهما كان من الحق؛ فأنكروا رب العالمين، وكذبوا رسله، وكذبوا بما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب كلها.
وهؤلاء أحق الناس بالدخول تحت قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون﴾ (١) .
ففرحهم بعلومهم - علوم الطبيعة - ومهارتهم فيها هو السبب الأقوى الذي أوجب لهم تمسكهم بما معهم من الباطل،
_________________
(١) سورة غافر، الآية: ٨٣.
[ ٣١٨ ]
وفرحهم بها يقتضي تفضيلهم لها، ومدحهم لها وتقديمها على ما جاءت به الرسل من الهدى والعلم؛ بل لم يكفهم هذه الحال؛ حتى وصلوا إلى الاستهزاء بعلوم الرسل واستهجانها، وسيحيق بهم ما كانوا به يستهزؤن.
ولقد انخدع لهؤلاء الملحدين كثير من المشتغلين بالعلوم العصرية التي لم يصحبها دين صحيح، والعهدة في ذلك على المدارس التي لم تهتم بالتعاليم الدينية العاصمة من هذا الإلحاد.
فإن التلميذ إذا تخرج فيها ولم يمهر في العلوم الدينية، ولا تخلق بالأخلاق الشرعية، ورأى نفسه أنه يعرف ما لا يعرفه غيره؛ احتقر الدين وأهله، وسهل عليه الانقياد لهؤلاء الملحدين الماديين.
وهذا أكبر ضرر ضرب به الدين الإسلامي.
فالواجب قبل كل شيء على المسلمين نحو المدارس:
- أن يكون اهتمامهم بتعليم العلوم الدينية قبل كل شيء.
- أن يكون النجاح وعدمه متعلقًا بها لا بغيرها؛ بل يجعل غيرها تبعًا.
وهذا من أفرض الفرائض على من يتولاها ويباشر تدبيرها؛ فليتق الله من له ولاية، أو كلام عليها، وليحتسب الأجر عند الله.
[ ٣١٩ ]
٢- الحسد والبغي:
كحال اليهود الذين يعرفون النبي ﷺ وصدقه وحقيقة ما جاء به كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم يكتمون الحق وهم يعلمون؛ تقديمًا للأغراض الدنيوية والمطالب السفلية على نعمة الإيمان.
وقد منع هذا الداء كثيرًا من رؤساء قريش كما هو معروف من أخبارهم وسيرهم، وهذا الداء في حقيقة الأمر ناشئ عن داء آخر، وهو الكبر.
٣- الكبر:
الذي هو أعظم الموانع من اتباع الحق، قال تعالى:
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (١) .
فالتكبر - الذي هو رد الحق واحتقار الخلق - منع خلقًا كثيرًا من اتباع الحق والانقياد له بعد ما ظهرت آياته وبراهينه، قال تعالى:
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٤٦.
[ ٣٢٠ ]
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١) .
٤ - الإعراض عن الحق والإيمان:
الإعراض عن الأدلة السمعية، والأدلة العقلية الصحيحة؛ من أهم موانع الإيمان، قال الله ﵎:
﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴿٣٦﴾ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (٢) .
وقال: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٣) .
فلم يكن لأمثال هؤلاء الذين اعترفوا بعدم عقلهم وسمعهم النافع رغبة في علوم الرسل، والكتب المنزلة من الله، ولا عقول صحيحة يهتدون بها إلى الصواب، وإنما لهم آراء ونظريات
_________________
(١) سورة النمل، الآية: ١٤.
(٢) سورة الزخرف، الآيتان: ٣٦- ٣٧.
(٣) سورة الملك، الآية: ١٠.
[ ٣٢١ ]
خاطئة يظنونها عقليات، وهي جهالات ولهم اقتداء خلف زعماء الضلال منعهم من اتباع الحق؛ حتى وردوا نار جهنم، فبئس مثوى المتكبرين.
٥- رد الإيمان بعد معرفته:
رد الإيمان بعد ما تبين؛ فيعاقب العبد بانقلاب قلبه ورؤيته الحسن قبيحًا والقبيح حسنًا، قال تعالى:
﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (١) .
لأن الجزاء من جنس العمل، وقد ولاهم الله ما قالوا لأنفسهم: ﴿اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ﴾ (٢) .
٦- الانغماس في الترف والإسراف في التنعم:
فإنه يجعل العبد تابعًا لهواه، منقادًا للشهوات الضارة، كما ذكر الله هذا المانع في عدة آيات، مثل قوله:
﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ (٣) .
_________________
(١) سورة الصف، الآية: ٥.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ٣٠.
(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٤٤.
[ ٣٢٢ ]
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ (١) .
فلما جاءتهم الأديان الصحيحة بما يعدل ترفهم، ويوقفهم على الحد النافع، ويمنعهم من الانهماك الضار في اللذات؛ رأوا ذلك صادًا لهم عن مؤاداتهم.
وصاحب الهوى الباطل ينصر هواه بكل وسيلة. لما جاءهم الدين بوجوب عبادة الله، وشكر المنعم على نعمه، وعدم الانهماك في الشهوات، ولو على أدبارهم نفورا.
٧- احتقار الحق وأهله:
احتقار المكذبين للرسل - ﵈ - وأتباعهم، واعتقاد نقصهم، والتهكم بهم، والتكبر عليهم؛ من الموانع الصادة عن وصول الإيمان إلى القلب؛ كما قال نوح ﵇:
﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ (٢) .
وهذا الداء منشؤه من الكبر؛ فإذا تكبر وتعاظم في نفسه، واحتقر غيره اشمأز من قبول ما جاء به من الحق؛ حتى لو فرض أن هذا الذي رده جاءه من طريق من يعظمه لقبله بلا تردد.
_________________
(١) سورة الواقعة، الآية: ٤٥.
(٢) سورة الشعراء، الآية: ١١١.
[ ٣٢٣ ]
٨- الفسق:
فالفسق أكبر مانع من قبول الحق علمًا وعملًا، قال تعالى:
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) .
والفسق: هو خروج العبد عن طاعة الله إلى طاعة الشيطان.
والله تعالى لا يزكي من كان هذه حاله؛ بل يكله إلى نفسه الظالمة فتجول في الباطل عنادًا وضلالًا، وتكون حركاته كلها شرًا وفسادًا؛ فالفسق يقرنه الباطل، ويصده عن الحق؛ لأن القلب متى خرج عن الانقياد لله والخضوع؛ فلابد أن ينقاد لكل شيطان مريد:
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (٢) .
٩- حصر العلوم والحقائق في دائرة ضيقة:
كما فعل ملاحدة الماديين في حصرهم العلوم بمدركات الحس؛ فما أدركوه بحواسهم أثبتوه، وما لم يدركوه بها نفوه،
_________________
(١) سورة يونس، الآية: ٣٣.
(٢) سورة الحج، الآية: ٤.
[ ٣٢٤ ]
ولو ثبت بطرق وبراهين أعظم بكثير، وأوضح وأجلى من مدركات الحس، وهذه فتنة وشبهة؛ ضل بها خلق كثير.
ولكن المؤمن البصير يعرف بنور بصيرته أنهم في ضلال مبين.
١٠- تجرد الماديين ومن تبعهم من المغرورين:
زعم هؤلاء الماديون: أن البشر لم يبلغوا الرشد، ونضوج العقل إلا في هذه الأوقات التي طغت فيها المادة، وعلوم الطبيعة، وأنهم قبل ذلك لم يبلغوا الرشد.
وهذا فيه من الجراءة والإقدام على السفسطة والمكابرة للحقائق، والمباهتة ما لا يخفى على من له أدنى معقول لم تغيره الآراء الخبيثة.
فلو قالوا: إن المادة والصناعة والاختراعات، وتطويع الأمور الطبيعية لم تنضج ولم تتم إلا في الوقت الأخير لصدقهم كل واحد.
فإن العقول والعلوم الصحيحة؛ إنما تعرف ويستدل على كمالها، أو نقصها بآثارها وبأدلتها وغاياتها.
انظر إلى الكمال والعلو في العقائد، والأخلاق، والدين، والدنيا، والرحمة، والحكمة التي جاء بها محمد ﷺ وأخذها عنه
[ ٣٢٥ ]
المسلمون وأوصلتهم وقت عملهم بها إلى كل خير ديني ودنيوي، وكل صلاح، وأخضعت لهم جميع الأمم؛ وأنهم وصلوا إلى حالة وكمال؛ يستحيل أن يصل إليه أحد، حتى يسلك طريقهم.
ثم انظر إلى ما وصلت إليه أخلاق الماديين الإباحيين الذين أطلقوا السراح لشهواتهم، ولم يقفوا عند حد؛ حتى هبطوا بذلك إلى أسفل سافلين، ولولا القوة المادية تمسكهم بعض التماسك لأردتهم هذه الإباحية والفوضى في الهلاك العاجل:
﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) .
ثم لولا بقايا من آداب الأديان بقيت بعض آثارها في الشعوب الراقية صلحت بها دنياهم لم يكن لرقيهم المادي قيمة عاجلة؛ فإن الذين فقدوا الدين عجزوا كل العجز عن الحياة الطيبة، والراحة الحاضرة، والسعادة العاجلة، والمشاهدة أقوى شاهد لذلك.
ومشركو العرب ونحوهم ممن عندهم بعض الإيمان، وبعض الاعتراف بالأصول الإيمانية؛ كتوحيد الربوبية والاعتراف بالجزاء؛ خير بكثير من هؤلاء الماديين، بلا ريب ولا شك.
_________________
(١) سورة إبراهيم، الآية: ٤٢.
[ ٣٢٦ ]
ثم قد علم بالضرورة أن الرسل - ﵈ - جاؤوا بالوحي، والهداية جملة وتفصيلًا، وبالنور والعلم الصحيح، والصلاح المطلق من جميع الوجوه، واعترفت العقول الصحيحة بذلك، وعلمت أنها في غاية الافتقار إليه، وخضعت لما جاءت به الرسل، وعلمت العقول أنها لو اجتمعت من أولها إلى آخرها لم تصل إلى درجة الكتب والحقائق النافعة التي جاءت بها الرسل، ونزلت بها الكتب، وأنه لولاها لكانت في ضلال مبين، وعمى عظيم وشفاء وهلاك مستمر، قال تعالى:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (١) .
فالعقول لم تبلغ الرشد الصحيح، ولم تنضج إلا بما جاءت به الرسل، ومن ذلك انخداع أكثر الناس بالألفاظ التي يزوق بها الباطل، ويرد بها الحق من غير بصيرة، ولا علم صحيح، وذلك لتسميتهم علوم الدين، وأخلاقه العالية رجعية، وتسميتهم العلوم والأخلاق الأخر المنافية لذلك ثقافة وتجديدًا.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٦٤.
[ ٣٢٧ ]
ومن المعلوم لكل صاحب عقل سليم: أن كل ثقافة وتجديد لم يستند في أصوله إلى هداية الدين، وإلى توجهاته؛ فإنه شر وضرر، عاجل وآجل.
ومن تأمل ما عليه حال من يسمون (المثقفين الماديين) من هبوط الأخلاق، والإقبال على كل ضار، وترك كل نافع؛ عرف أن الثقافة الصحيحة تثقيف العقول بهداية الرسل، وعلومهم الصحيحة.
ومن تأمل ما جاء به الدين الإسلامي من الكتاب والسنة جملة وتفصيلًا عرف أنه لا صلاح للبشر إلابالرجوع إلى هدايته وإرشاده، وأنه كما أصلح العقائد والأخلاق والأعمال؛ فقد أصلح أمور الدنيا، وأرشد إلى كل ما يعود إلى الخير والنفع العام والخاص، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
[ ٣٢٨ ]