ومأجوج، وخروج الدابة من الأرض، وظهور الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، ووقوع الخسوف الثلاثة في المشرق والمغرب وجزيرة العرب، وخروج النار التي تطرد الناس إلى محشرهم، وكذلك انحسار الفرات عن كنز من ذهب أو جبل من ذهب، وكذلك خروج القحطاني والجهجاه، والخليفة الذي يحثوا المال حثوًا ولا يعده عدًا، فكل هذه الأمور يجب الإيمان بها لثبوتها عن النبي - ﷺ -، كما يجب الإيمان بغيرها من أمور الغيب التي جاء ذكرها في القرآن أو في صحيح السنة، والإيمان ببعضها دون بعض من التفريق المذموم فاعله.
وأما قوله: وليس منها الإيمان بالمهدي.
فجوابه: أن يقال: قد جاء في المهدي عدة أحاديث صحيحة عن النبي - ﷺ -، فمن لم يؤمن بما جاء فيها فإنما يرد على الله وعلى رسوله - ﷺ -، يرد على الله أمره في قوله: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ويرد على الرسول - ﷺ - خبره الصادق عن خروج المهدي في آخر الزمان.
وقال ابن محمود في صفحة (٣٠) وصفحة (٣١): "وقد غلط السفاريني حيث أدخل الإيمان به في عقيدته فقال:
منها الإمام الخاتم الفصيح محمد المهدي والمسيح
فقد أخطأ حيث جعل المهدي هو الخاتم، وإن حملناه على جعله خاتم الأئمة الاثنا عشر خليفة الذين يستقيم بهم أمر الدين، فهذا هو نفس عقيدة الشيعة حيث؛ جعلوا الإمام الحادي عشر هو الحسن العسكري، وبعد موته انتقلت الإمامة إلى ابنه محمد بن الحسن العسكري الذي دخل سرداب سامراء، فدعوى المهدي في مبدئها للشيعة، فهم الذين آمنوا بها وصدقوها وأكثروا من ذكر هذا المهدي المنتظر، فاقتبس بعض أهل السنة هذا الاعتقاد، ثم سار في طريقه وتلقينه إلى حالة انتشار هذه الفكرة عند المتأخرين، حتى جعلوها طريقة وعقيدة متى غيرت قيل غيرت السنة، وهكذا حال البدعة، فبسبب مجاورتهم للشيعة واختلاطهم بهم اقتبسوها منهم، وإلا فإنها ليست من عقيدة أهل السنة، ولهذا لم يذكره شيخ الإسلام في عقائده؛ لا في الواسطية، ولا في الأصفهانية، ولا السبعينية، ولا التسعينية، ولا العرشية، كما أنها لم تذكر في عقيدة الطحاوية، ولا في شرحها، ولا في عقيدة ابن قدامة، ولا عقيدة ابن زيدون المالكي. فعدم ذكرهم لها يدل على أنها ليست من عقائد الإسلام
[ ١٨٣ ]
والمسلمين، والمهدي في مبدأ دعوته هو واحد وليس باثنين، فلم يقل أحد إنهما مهديان، وإنما هو مهدي واحد، تنازعته أفكار الشيعة وأفكار بعض أهل السنة، فكل لوم أو ذم ينحي به على الشيعة لإيمانهم بإمامهم محمد بن الحسن الذي هو في سرداب، فإنه ينطبق بطريق التطابق والموافقة على أهل السنة الذين يصدقون بالمهدي المجهول في عالم الغيب، فهما في فساد الاعتقاد به سيان، فبيت الشعر للسفاريني على الحالتين غير صواب ولا صحيح، والسفاريني -﵀- هو أقوى من ثبت دعائم عقيدة المهدي في قلوب المسلمين".
والجواب عن أول كلامه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: من زعم أن السفاريني قد غلط حيث أدخل الإيمان بالمهدي في عقيدته فهو الغالط في الحقيقة؛ لأن السفاريني -رحمه الله تعالى- لم يعتمد على أقوال الناس ونظرياتهم وتفكيراتهم كما قد فعل ذلك المنكرون للمهدي، وإنما اعتمد على ما ثبت عن النبي - ﷺ - في ذلك، ومن اعتمد على الأحاديث الصحيحة فالحجة معه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن أقوال الناس ونظرياتهم وتفكيراتهم ليست ميزانًا للأحاديث كما قد يفعل ذلك بعض الناس، وإنما الميزان العدل كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، فبهما توزن أقوال الناس ونظرياتهم وتفكيراتهم، فما وافقهما فهو حق، وما خالفهما فهو باطل مردود على قائله كائنًا من كان. وإذا عرضنا أقوال المنكرين للمهدي على الكتاب والسنة وجدناها مخالفة لقول الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ومخالفة للأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - في المهدي، وما كان كذلك فحقه أن يضرب به عُرض الحائط ولا يلتفت إليه، وإذا عرضنا قول السفاريني في المهدي على السنة وجدناه مطابقًا لها؛ لأنه مأخوذ مما ثبت عن النبي - ﷺ -، وما ثبت بالسنة فهو موافق للقرآن؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقوله -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وأما قول السفاريني في صفة المهدي إنه الخاتم ففيه نظر، إذ لا دليل يدل على ذلك،
[ ١٨٤ ]
وقد لحن ابن محمود في قوله: وإن حملناه على جعله خاتم الأئمة الاثنا عشر، وصوابه الاثني عشر.
وأما قول ابن محمود: هذا هو نفس عقيدة الشيعة.
فجوابه: أن يقال: ليس الأمر كذلك، بل هذا من أقوال أهل السنة، ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" في ترتيب إخبار النبي - ﷺ - بالغيوب المستقبلة بعده، فقد ذكر فيه حديث جابر بن سمرة -﵄- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يزال هذا الدين قائمًا ما كان اثنا عشر خليفة كلهم من قريش»، قال ابن كثير: "من الناس من قال إن الدين لم يزل قائمًا حتى ولي اثنا عشر خليفة، ثم وقع تخبيط بعدهم في زمان بني أمية، وقال آخرون: بل هذا الحديث فيه بشارة بوجود اثني عشر خليفة عادلا من قريش وإن لم يوجدوا على الولاء، وإنما اتفق وقوع الخلافة المتتابعة بعد النبوة في ثلاثين سنة، ثم كان بعد ذلك خلفاء راشدون فيهم عمر بن عبد العزيز، ومنهم من ذكر من هؤلاء المهتدي بأمر الله العباسي، والمهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان منهم أيضًا، بالنص على كونه من أهل البيت، واسمه محمد بن عبد الله، وليس بالمنتظر في سرداب سامراء، فإن ذلك ليس بموجود بالكلية، وإنما ينتظره الجهلة من الروافض". انتهى، وقد جزم بالقول الأخير في تفسيره لسورة المائدة.
وأما قول ابن محمود: فدعوى المهدي في مبدئها للشيعة إلى قوله: إنها ليست من عقيدة أهل السنة.
فالجواب عنه قد تقدم في أول الكتاب، مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٣) وصفحة (٤): إن أصل من تبنى هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة، الذين من عقائدهم الإيمان بالإمام الغائب المنتظر، فليراجع هناك (١).
وأما قوله: ولهذا لم يذكره شيخ الإسلام في عقائده إلى قوله: فعدم ذكرهم لها يدل على أنها ليست من عقائد الإسلام والمسلمين.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: كل ما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه أخبر بوقوعه فيما مضى قبله، أو أخبر أنه سيقع فيما بعده، فالإيمان به واجب، وهو من عقائد المسلمين، سواء ذكره العلماء في كتب العقائد أو لم يذكروه، وقد ثبت عن
_________________
(١) ص ٣٢ - ٣٣.
[ ١٨٥ ]
النبي - ﷺ - أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، فوجب الإيمان بخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- وإن لم يُذكر ذلك في كتب العقائد.
الوجه الثاني: أن يقال: قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على الرافضي أن الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة (١)، وذكر الشيخ له في كتابه "المنهاج" يغني عن ذكره في الواسطية والاصفهانية والسبعينية والتسعينية والعرشية، وقد ذكر الذهبي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فيما انتقاه من المنهاج وأقره، وقد ذكره من المتقدمين أبو محمد البربهاري في كتابه "شرح السنة" وهو من كتب العقائد، وكان البربهاري في آخر القرن الثالث من الهجرة وأول القرن الرابع، وذكره محمد بن الحسين الآبري في كتابه "مناقب الشافعي"، وقد تقدم كلام البربهاري وكلام الآبري في أول الكتاب فليراجع (٢)، ففيه مع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي أبلغ رد على ابن محمود.
وسأذكر -إن شاء الله تعالى- مزيدًا لهذا البحث مع الجواب على قول ابن محمود في صفحة (٥٦): إن أحاديث المهدي لا تعلق لها بالعقيدة الدينية، ولم يدخلها علماء السنة في عقائدهم. وأذكر أيضًا -إن شاء الله تعالى- كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية، وكلام الطحاوي وشارح العقيدة الطحاوية في وجوب التسليم لما ثبت عن النبي - ﷺ - وتلقي أخباره بالقبول والتصديق، وأذكر أيضًا كلام بعض الأئمة فيما يتعلق بهذا البحث، فليراجع ذلك في موضعه.
وأما قوله: والمهدي في مبدأ دعوته واحد وليس باثنين، تنازعته أفكار الشيعة وأفكار بعض أهل السنة.
فالجواب عنه قد تقدم في أول الكتاب، مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٥): والمهدي واحد وليس باثنين، تنازعته أفكار الشيعة وأفكار أهل السنة، فليراجع هناك (٣).
وأما قوله: فكل لوم أو ذم ينحي به على الشيعة، فإنه ينطبق بطريق التطابق والموافقة على أهل السنة، الذين يصدقون بالمهدي المجهول في عالم الغيب، فهما في فساد الاعتقاد به سيان.
_________________
(١) ذكر ذلك في صفحة (٢١١) من الجزء الرابع من المنهاج. طبع المطبعة الأميرية سنة ١٣٢٢ هـ.
(٢) ص ٢٨.
(٣) ص ٤٧ - ٤٨.
[ ١٨٦ ]