وصدق لهجة، ولارتفاع احتمال الخطأ ممن كان في حفظه شيء بما ثبت عن غيره ممن هو مثله في العدل والصدق وقد يكون أحفظ منه؟ ما هكذا تعلل الأحاديث". انتهى.
وقال أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في "عون المعبود": "وخرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة؛ منهم أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والبزار، والحاكم، والطبراني، وأبو يعلي الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل؛ عليّ، وابن عباس، وابن عمر، وطلحة، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وأم حبيبة، وأم سلمة، وثوبان، وقرة بن إياس، وعلي الهلالي، وعبد الله بن الحارث بن جزء -﵃-. وإسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح وحسن وضعيف، وقد بالغ الإمام المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون المغربي في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها، فلم يصب بل أخطأ". انتهى.
وقال صاحب "تحفة الأحوذي" مثل ما قال صاحب "عون المعبود": "قلت: لم يضعف ابن خلدون أحاديث المهدي كلها، بل ضعَّف أكثرها، ثم قال بعد إيرادها ما نصه: فهذه جملة الأحاديث التي خرَّجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان، وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه". انتهى.
وقال ابن محمود في صفحة (٢٠): ويقول محمد فريد وجدي في دائرة المعارف الجزء ١٩ ص (٤٨٠): "ما ورد في المهدي المنتظر من أحاديث، والناظرون فيها من أولي البصائر لا يجدون في صدورهم حرجًا من تنزيه رسول الله - ﷺ - من قولها، فإن فيها من الغلو والخبط في التواريخ، والإغراق في المبالغة، والجهل بأمور الناس، والبعد عن سنن الله المعروفة، ما يشعر المطالع لأول وهلة أنها أحاديث موضوعة، تعمد وضعها من أهل الزيغ والمشايعين لبعض أهل الدعوة من طلبة الخلافة في بلاد العرب أو المغرب، وقد ضعَّف كثير من أئمة المسلمين أحاديث المهدي، واعتبروها مما لا يجوز النظر فيه، منهم الدارقطني، والذهبي، وقد أوردناها مجتمعة لتكون بمرأى من كل باحث في هذا الأمر، حتى لا يجرؤ بعض الغلاة على التضليل بها على الناس". انتهى.
والجواب: أن يقال: إن محمد فريد وجدي قد ذكر في "دائرة المعارف" أن الذي نقله من الأحاديث الواردة في المهدي مأخوذ من مختصر الشعراني للتذكرة القرطبية، وغالب ما نقله من الموضوعات، وقد مزج معها قليلا من الأحاديث التي
[ ١٤٤ ]
رواها أبو داود والترمذي وابن ماجة، ثم قال هذا ما ورد من الأحاديث في المهدي المنتظر، وقد فاته أحاديث كثيرة من الصحاح والحسان فلم يذكرها، وما فاته من الأحاديث الضعيفة التي لا يحكم عليها بالوضع أكثر وأكثر، ومن لم يعرف من الأحاديث الواردة في المهدي إلا ما ذكره الشعراني في مختصر التذكرة فهو مزجى البضاعة، ولا ينبغي أن يلتفت إلى قدحه في أحاديث المهدي على العموم وهو لا يعرف أكثرها؛ لأن قدحه فيها من القول بغير علم.
وأيضًا فإن محمد فريد وجدي مؤرخ وثقافي، وليس من علماء الحديث وأهل الجرح والتعديل، فلا يلتفت إلى كلامه فيما ليس من اختصاصه.
وأما قوله: والناظرون فيها من أولي البصائر لا يجدون في صدورهم حرجًا من تنزيه رسول الله - ﷺ - من قولها.
فجوابه: أن يقال: أما الأحاديث الموضوعة في المهدي وغيره فإنه يجب التحذير منها وتنزيه رسول الله - ﷺ - منها، وأما الأحاديث الضعيفة فإنها تذكر للاستشهاد لا للاعتماد، وأما الصحاح والحسان فإنه يجب قبولها والتسليم لمن جاءت عنه، وهو النبي - ﷺ - قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقد ذكرت في أول الكتاب تسعة أحاديث من الصحاح والحسان الواردة في المهدي، وذكرت لبعضها عدة طرق مما رواه الأئمة بالأسانيد الجيدة فلتراجع (١)، ففيها أبلغ رد على من زعم أن أحاديث المهدي كلها ضعيفة أو موضوعة.
وأما قوله: وقد ضعَّف كثير من أئمة المسلمين أحاديث المهدي واعتبروها مما لا يجوز النظر فيه.
فجوابه: أن يقال: أما الأئمة المحققون الذين يعتد بأقوالهم في التصحيح والتضعيف فقد صححوا بعض الأحاديث الواردة في المهدي وحسنوا بعضها، وذكر غير واحد منهم أن أحاديث المهدي متواترة، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب فليراجع (٢)، ففيه رد على من ضعف أحاديث المهدي واعتبرها مما لا يجوز النظر فيه.
_________________
(١) ص ٩ - ١٧.
(٢) ص ٤١ - ٤٥.
[ ١٤٥ ]
تقول ابن محمود على الدارقطني والذهبي وإدخال ذلك في كلام محمد فريد وجدي والرد عليه
وأول من توسع في تضعيف أحاديث المهدي عبد الرحمن بن خلدون، وزاد في التوسع حتى حكم على بعض الصحاح والحسان بالضعف، وتبعه بعض العصريين الذين يُحِّكمون أفكارهم في الأحاديث، فيصححون ما وافق أفكارهم ويضعفون ما خالفها، وإذا كانت الأحاديث التي تخالف أفكارهم ثابتة الأسانيد ولا مطعن فيها جعلوها من وضع الزنادقة أو من دسائس كعب الأحبار ووهب بن منبه أو غيرهما، ولو لم يكن لأحد منهم علاقة بتلك الأحاديث، وهكذا فعلوا في أحاديث المهدي، فزعم ابن محمود تقليدًا لسعد محمد حسن أنها من وضع عبد الله بن سبأ، وزعم غيره أنها من وضع غيره من الزنادقة، وليس مع هؤلاء ما يستندون إليه سوى الدعاوي المجردة عن الدليل.
وأما قوله: منهم الدارقطني والذهبي.
فجوابه: أن يقال: هذا مما زاده ابن محمود في كلام محمد فريد وجدي، ولم يبين ذلك، بل أوهم أنه من كلام محمد فريد، وهذا عمل غير مُرضٍ؛ لأنه ينافي الأمانة، ولو فعل مثل هذا الفعل أحد في زمان شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، أو في زمان أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، لقالوا فيه أعظم قول، وربما ألحقوه بغياث بن إبراهيم النخعي وأضرابه ممن لا تقبل أحاديثهم ولا يعتد بأقوالهم.
فأما الدارقطني، فما رأيت له كلامًا في أحاديث المهدي، ولا رأيت أحدًا من العلماء ذكر ذلك عنه، وإنا نطالب ابن محمود أن يذكر الكتاب الذي وجد فيه كلام الدارقطني إن كان صادقًا، وأن يذكر الصفحة التي ذكر فيها ذلك من الكتاب، حتى يبرأ من عهدة النقل.
وأما الذهبي، فكلامه صريح في الرد على ابن محمود، قال في كتابه "المنتقى من منهاج الاعتدال" ما نصه: "الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي صحيحة، رواها أحمد وأبو داود والترمذي، منها حديث ابن مسعود مرفوعًا: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا». وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث أم سلمة، وفيه: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة». ورواه أبو داود من طريق أبي سعيد وفيه: «يملك الأرض سبع سنين». وعن عليٍّ أنه نظر إلى الحسن فقال: "سيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في
[ ١٤٦ ]
الرد على أخطاء محمد فريد وجدي
قول الشوكاني إنه ورد في المهدي خمسون حديثا وثمانية وعشرون أثرا
الخُلُق ولا يشبهه في الخَلق يملأ الأرض قسطًا". فأما حديث: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» فضعيف، فلا يعارض هذه الأحاديث" انتهى. وقد صحَّح الذهبي أيضًا في تلخيص المستدرك عدة أحاديث من أحاديث المهدي، وضعَّف أحاديث أخر، ومن الأحاديث التي صححها حديث زر بن حبيش، عن ابن مسعود -﵁- قال الذهبي فيه: "صحيح"، ومنها حديث أبي سعيد -﵁- قال فيه الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي على ذلك، ورواه الحاكم أيضا من وجه آخر وصححه، ووافقه الذهبي على ذلك. وقد تقدم إيراد هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع (١)، ففيها رد على من تقوَّل على الذهبي، وزعم أنه ممن ضعف أحاديث المهدي واعتبرها مما لا يجوز النظر فيه.
وأما قول محمد فريد وجدي في أحاديث المهدي: وقد أوردناها مجتمعة لتكون بمرأى من كل باحث في هذا الأمر، حتى لا يجرؤ بعض الغلاة على التضليل بها على الناس.
فجوابه: أن يقال: إن الأحاديث الواردة في المهدي كثيرة جدًا، وقد قال الشوكاني فيما نقله عنه صاحب "تحفة الأحوذي": "الذي أمكن الوقوف عليه من الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر خمسون حديثًا، وثمانية وعشرون أثرًا. ثم سردها مع الكلام عليها، ثم قال: وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع". انتهى.
وإذا علم هذا، فليعلم أيضًا أن محمد فريد لم يذكر من الأحاديث الواردة في المهدي إلا نزرًا يسيرًا، وأكثر ما ذكر فيه من الموضوعات، وقد ذكرت في أول الرد عليه أنه لم يذكر مما ورد في المهدي من الأحاديث الصحيحة والحسنة شيئًا، وكذلك الأحاديث الضعيفة، فإنه لم يذكر منها إلا حديثين أو ثلاثة، مع أنها كثيرة جدًا، ومع هذا يقول أنه قد أورد أحاديث المهدي مجتمعة، وهذا القول بعيد من الصواب كما لا يخفى على من طالع "دائرة المعارف".
_________________
(١) ص ١١و ١٢و ١٤و ١٦، ٣٨.
[ ١٤٧ ]