الوجه الثاني: أن يقال: إن المهدي يعمل بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وقد تقدم (١) فيما رواه علي وابن مسعود وأبو سعيد -﵃- عن النبي - ﷺ - أنه أخبر عن المهدي أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وهذا إنما يكون بالعمل بالكتاب والسنة، وتقدم (٢) أيضًا في حديث أم سلمة -﵂- عن النبي - ﷺ - أنه قال في المهدي: «فيقسم بين الناس فيئهم، ويعمل فيهم بسنة نبيهم - ﷺ -، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض». وهذا نص في أن المهدي يعمل بسنة النبي - ﷺ -، ومن كان هكذا فلا يستغني عنه المسلمون، بل هم محتاجون إليه وإلى أمثاله من أئمة العدل غاية الحاجة.
الوجه الثالث: أن يقال: إن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - لا يستغنى بهما عن أئمة العدل الذين يعملون بهما ويحملون الناس على العمل بهما، وهل يقول عاقل: إن الصحابة -﵃- كانوا في غنية بكتاب الله -تعالى- وسنة رسوله - ﷺ - عن ولاية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -﵃-، وكذلك من كان بعدهم من الخلفاء والملوك؟! لا يقول عاقل إن الناس كانوا في غنية بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - عن ولايتهم؛ لأن الناس في أمسِّ الحاجة إلى الولاية التي تنفذ أحكام كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله - ﷺ -، وتعدل بين الناس، وتنصف المظلوم من الظالم، وتأخذ للضعيف حقه من القوي، وقد قال عبد الله بن المبارك -رحمه الله تعالى- وأحسن فيما قال:
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانا
كم يدفع الله بالسلطان معضلة في ديننا رحمة منه ودنيانا
لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل وكان أضعفنا نهبًا لأقوانا
والمهدي الذي أخبر النبي - ﷺ - أنه يخرج في آخر الزمان طريقته كطريقة الخلفاء الراشدين، الذين يعملون بالكتاب والسنة، ويقومون بالقسط والعدل، وينفون الجور والظلم، ومن كان هكذا فلا يقول عاقل أنه يستغني عنه بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
إذا شئت أن تحيا عزيزًا مسلّمًا فدبِّر وميِّز ما تقول وتفعل
وقال ابن محمود في صفحة (٢٧): "ولعل العلماء الكرام والأكابر من الطلاب
_________________
(١) ص ١٠ - ١٥.
(٢) ص ١٧.
[ ١٧٠ ]