المهدي كلها بالضعف وعدم الصحة، ولا يخفى ما في كلام ابن محمود من التقوُّل على ابن خلدون.
الوجه الثالث: أن يقال: إن ابن خلدون قد توسع في تضعيف أحاديث المهدي، حتى آل به التوسع إلى تضعيف عدة أحاديث من الصحاح والحسان، التي قد حكم بصحتها أو حسنها غير واحد من الأئمة الحفاظ النقاد، الذين لا يدانيهم ابن خلدون في معرفة الأحاديث وعللها، وقد تقدم ذكرهم في أول الكتاب فليراجع (١)، والعبرة بأقوالهم في تصحيح بعض الأحاديث الواردة في المهدي وتحسين بعضها، ولا عبرة بأقوال ابن خلدون وأمثاله ممن ليسوا من أهل الجرح والتعديل، وقد ردَّ غير واحد من العلماء على ابن خلدون وخطَّؤوه في رده لبعض الأحاديث الثابتة في المهدي وحكمه بضعفها، وقد تقدم ما نقلته من كلام جعفر الحسني الإدريسي في كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" فقد قال فيه: "إن كثيرًا من الناس يقف مع كلام ابن خلدون ويعتمده، مع أنه ليس من أهل هذا الميدان، والحق الرجوع في كل فن لأربابه". انتهى (٢).
وقد رد أحمد بن محمد الغماري على ابن خلدون في كتابه الذي سماه "إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون"، ورد عليه الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد، فقال في الكلام على حديث عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن عبد الله بن مسعود -﵁- عن النبي - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي»: إسناده صحيح إلى أن قال: "أما ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحمًا لم يكن من رجالها، وغلبه ما شغله من السياسة وأمور الدولة وخدمة من كان يخدم من الملوك والأمراء، فأوهم أن شأن المهدي عقيدة شيعية أو أوهمته نفسه ذلك، فعقد في مقدمته المشهورة فصلا طويلا، جعل عنوانه: "فصل في أمر الفاطمي، وما يذهب إليه الناس في شأنه، وكشف الغطاء عن ذلك". تهافت في هذا الفصل تهافتًا عجيبًا، وغلط فيه أغلاطًا واضحة.
فبدأه بأن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت، يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي. ثم قال: ويحتجون في الباب
_________________
(١) ص ٤١ - ٤٣.
(٢) ص ٤٤.
[ ١٤٢ ]
بأحاديث خرجها الأئمة، وتكلم فيها المنكرون لذلك، ثم أشار إلى بعض الأحاديث الواردة في المهدي، وقال وربما تعرض لها المنكرون كما نذكره، إلا أن المعروف عند أهل الحديث أن الجرح مقدم على التعديل، فإذا وجدنا طعنًا في بعض رجال الأسانيد؛ بغفلة، أو بسوء حفظ، أو ضعف، أو سوء رأي، تطرق ذلك إلى صحة الحديث وأوهن منها، ولا تقولن مثل ذلك ربما يتطرق إلى رجال الصحيحين؛ فإن الإجماع قد اتصل في الأمة على تلقيهما بالقبول والعمل بما فيهما، وفي الإجماع أعظم حماية وأحسن دفع، وليس غير الصحيحين بمثابتهما في ذلك، ثم شرع يورد بعض الأحاديث بنصها، ويتكلم في تعليلها، ومنها حديث ابن مسعود هذا، جعل مطعنه فيه على عاصم، بما تكلم فيه بعضهم في حفظه، ثم قال: وإن احتج أحد بأن الشيخين أخرجا له، فنقول: أخرجا له مقرونًا بغيره لا أصلا.
قال أحمد محمد شاكر: "وأولا: إن ابن خلدون لم يحسن قول المحدثين: "الجرح مقدم على التعديل"، ولو اطلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئا مما قال، وقد يكون قرأ وعرف، ولكنه أراد تضعيف أحاديث المهدي بما غلب عليه من الرأي السياسي في عصره.
وثانيًا: إن عاصم بن أبي النجود من أئمة القراءة المعروفين، ثقة في الحديث، أخطأ في بعض حديثه، ولم يغلب خطؤه على روايته حتى ترد. قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: أخبَرَنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل فيما كتب إليَّ قال: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة، فقال: "ثقة، رجل صالح، خير ثقة، والأعمش أحفظ منه، وكان شعبة يختار الأعمش عليه في تثبيت الحديث"، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة فقال: "هو صالح، هو أكثر حديثًا من أبي قيس الأودي، وأشهر منه، وأحب إلي من أبي قيس"، وقال سُئل أبي عن عاصم بن أبي النجود، وعبد الملك بن عمير، فقال: "قدِّم عاصمًا على عبد الملك؛ عاصم أقل اختلافًا عندي من عبد الملك"، وقال: سألت أبا زرعة عن عاصم بن بهدلة فقال: "ثقة"، قال: فذكرته لأبي فقال: "ليس محله هذا أن يقال هو ثقة وقد تكلم فيه ابن عليه، فقال: كأن كل من كان اسمه عاصمًا سيء الحفظ"، وهذا أكثر ما قيل فيه من الجرح، أفمثل هذا يطرح حديثه، ويجعل سبيلا لإنكار شيء ثبت بالسنة الصحيحة، من طرق متعددة من حديث كثير من الصحابة، حتى لا يكاد يشك في صحته أحد لما في رواته من عدل
[ ١٤٣ ]