النبي - ﷺ -، ثم يردم عليهم ليلا لئلا يُكذبوه بعد ذلك، وسمَّي أصحابه الجهمية الموحدين، واستباح قتل من خالفهم من أهل العلم والإيمان، وتَسمَّى بالمهدي المعصوم.
ثم خرج المهدي الملحد عبيد الله بن ميمون القداح، وكان جده يهوديًا من بيت مجوسي، فانتسب بالكذب والزور إلى أهل البيت وادَّعى أنه المهدي الذي بشر به النبي - ﷺ -، وملك وتغلب واستفحل أمره، إلى أن استولت ذريته الملاحدة المنافقون الذين كانوا أعظم الناس عداوة لله ولرسوله على بلاد المغرب ومصر والحجاز والشام.
واشتدت غربة الإسلام ومحنته ومصيبته بهم، وكانوا يدَّعون الإلهية، ويدعون أن للشريعة باطنًا يخالف ظاهرها، وهم ملوك القرامطة الباطنية أعداء الدين، فتستروا بالرفض والانتساب كذبًا إلى أهل البيت، ودانوا بدين أهل الإلحاد وروجوه، ولم يزل أمرهم ظاهرًا إلى أن أنقذ الله الأمة منهم، ونصر الإسلام بصلاح الدين يوسف بن أيوب، فاستنقذ الملة الإسلامية منهم وأبادهم، وعادت مصر دار إسلام بعد أن كانت دار نفاق وإلحاد في زمنهم.
والمقصود أن هؤلاء لهم مهدي، وأتباع ابن تومرت لهم مهدي، والرافضة الإثني عشرية لهم مهدي، فكل هذه الفرق تدَّعي في مهديها الظلوم الغشوم أنه الإمام المعصوم والمهدي المعلوم، الذي بشر به النبي - ﷺ - وأخبر بخروجه.
وهي تنتظره كما تنتظر اليهود القائم الذي يخرج في آخر الزمان، فتعلو به كلمتهم، ويقوم به دينهم، ويُنصرون به على جميع الأمم، والنصارى تنتظر المسيح يأتي قبل يوم القيامة، فيقيم دين النصرانية، ويبطل سائر الأديان.
فالملل الثلاث تنتظر إمامًا قائمًا يقوم في آخر الزمان، ومنتظر اليهود الدجال الذي يتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفًا، والنصارى تنتظر المسيح عيسى ابن مريم، ولا ريب في نزوله، ولكن إذا نزل كسر الصليب، وقتل الخنزير، وأباد الملل كلها سوى ملة الإسلام، وهذا معنى الحديث «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» ". انتهى كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى-.
والمقصود منه ما ذكره من أقوال أهل السنة في المهدي، وأن أكثر الأحاديث تدل على أنه من بيت النبي - ﷺ -، من ولد الحسن بن علي -﵄- وفي هذا رد لقول ابن محمود أن فكرة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة القدماء.
وقال ابن محمود في صفحة (٣) وصفحة (٤): "وإن أصل من تبنى هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة، الذين من عقائدهم الإيمان بالإمام الغائب المنتظر، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا، وهو الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري، فسرت هذه
[ ٣١ ]
الفكرة وهذا الاعتقاد بطريق المجالسة والمؤانسة والاختلاط إلى أهل السنة، فدخلت في معتقدهم وهي ليست من أصل عقيدتهم، ثم انتقلت بصورة عامة إلى المجتمع الإسلامي، حين نادى بها في الناس عبد الله بن سبأ؛ المعروف بصريح الإلحاد والعداء للإسلام والمسلمين، فأخذ هو وشيعته يعملون عملهم في صياغة الأحاديث ووضعها على لسان رسول الله بأسانيد منظمة عن أهل القبور، وأخذوا في نشرها في مجتمع الناس، حتى لا يفقدوا الأمل الذي يرجونه بزعمهم في إرجاع الحكم إلى أهل البيت، ليزيلوا عنهم الظلم والاضطهاد الواقع بهم من قبل خصومهم بني أمية، فهي دعوة سياسية إرهابية، كما أن بني أمية لما سمعوا بهذه الأحاديث الموجهة لهم من العراق والتي ترجف بهم وتهددهم بالإيقاع، لهذا تنبه بنو أمية فأقاموا السفياني مقام المهدي، وعمل أنصارهم عملهم في وضع الحديث عن رسول الله في السفياني؛ من ذلك ما روى الحاكم في صحيحه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يخرج رجل يقال له السفياني من دمشق، وعامة من يتبعه من كلب، فيقتل حتى يبقر بطون النساء ويقتل الصبيان» وذكر بقية الحديث، ثم قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ثم ساق حديثًا ثانيًا في السفياني بلفظ الحديث الأول ومعناه، فتصحيح الحاكم لأحاديث السفياني هي بمثابة تصحيحه وتصحيح الترمذي لأحاديث المهدي على حد سواء، وفي الحقيقة أنها كلها غير صحيحة ولا متواترة".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال ما قرره ابن محمود من أن أصل من تبني هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة إلى آخر كلامه، فهو مما أخذه من كلام رشيد رضا وأحمد أمين وسعد محمد حسن، فأما رشيد رضا فقد زعم أن الشيعة كانوا يسعون لجعل الخلافة في آل الرسول - ﷺ - من ذرية علي، ويضعون الأحاديث تمهيدًا لذلك.
وأما أحمد أمين فقد قال في صفحة ٢٤١ من الجزء الثالث من كتابه "ضحى الإسلام": "وفكرة المهدي لها أسباب سياسية واجتماعية ودينية، ففي نظري أنها نبع من الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها، وذلك بعد خروج الخلافة من أيديهم، وانتقالها إلى معاوية وقتل علي وتسليم الحسن الأمر لمعاوية"، إلى أن قال في صفحة ٢٤٣: "واستغل هؤلاء المهرة أفكار الجمهور الساذجة المتحمسة للدين والدعوة الإسلامية، فأتوهم من هذه الناحية الطيبة الطاهرة، ووضعوا الأحاديث يروونها عن رسول الله في ذلك،
[ ٣٢ ]
وأحكموا أسانيدها، وأذاعوها من طرق مختلفة، فصدقها الجمهور الطيب لبساطته، وسكت رجال الشيعة لأنها في مصلحتهم، وسكت الأمويون لأنهم قلدوها في سفيانيهم، وسكت العباسيون لأنهم حولوها إلى منفعتهم، وهكذا كانت مؤامرة شنيعة أفسدوا بها عقول الناس". انتهى.
وأما سعد محمد حسن فقد زعم في صفحة ٤٤ من كتابه "المهدي في الإسلام" أن عقيدة المهدي حِيكَت في المجتمع الإسلامي، وأن حَاكَتَهَا هم الشيعة على يد ابن السوداء اليهودي المتمسلم الغالي في تشيعه الموهوم، وزعم أيضًا في صفحة (٦٩) أن الشيعة اختلقت الأحاديث الكثيرة، ووضعتها مؤيدة لوجهة نظرها، ورفعت إلى النبي لتصبغ هذا المعتقد بصبغة إسلامية رسمية؛ من ذلك قولهم: "لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورًا"، وقال أيضًا في صفحة ١٧٤: "ونحن لا نشك في أن عقيدة العامة من أهل السنة، بل وكثير من الخاصة إنما هي أثر شيعي تسرب إليهم فعملت فيه العقلية السنية بالصقل والتهذيب". انتهى.
وإذا علم هذا فقد قال ابن محمود في صفحة (٥) ما نصه: "وأكثر الناس مقلدة يقلد بعضهم بعضًا، وقليل منهم المحققون". انتهى، ولا شك أن قوله هذا يعود عليه كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني: أن يقال: في هذا الكلام من فساد التصور ما لا يخفي على عاقل؛ وذلك أنه ذكر أن أصل من تبنى الفكرة والعقيدة في المهدي هم الشيعة، الذين من عقائدهم الإيمان بالإمام الغائب المنتظر وهو محمد بن الحسن العسكري، وأن هذه الفكرة سرت إلى أهل السنة فدخلت في معتقدهم بطريق المجالسة والاختلاط، ثم انتقلت إلى المجتمع الإسلامي حين نادى بها في الناس عبد الله بن سبأ، إلى آخر كلامه. وهذا كلام غير معقول؛ لأن محمد بن الحسن العسكري الذي زعمت الرافضة الإمامية أنه الإمام المنتظر قد ولد في سنة خمس وخمسين ومائتين، ذكر ذلك ابن خلكان في تاريخه، وهذا على القول بوجوده، والصحيح أنه لا وجود له، وأما عبد الله بن سبأ وهو الذي يقال له ابن السوداء، فإنه كان يهوديًا من أهل صنعاء، وأظهر الإسلام في زمان عثمان -﵁-، وهو أول من ابتدع الرفض، وكان منافقًا زنديقًا، أراد إفساد دين الإسلام كما فعل بولص بدين النصرانية، وقد سعى في الفتنة وحصل بسببه تحريش وفتنة قُتل فيها عثمان -﵁-.
[ ٣٣ ]
زعمه أن ابن سبأ وشيعته كانوا يضعون الأحاديث في المهدي، والرد عليه
وإذا علم أن ابن سبأ كان في زمان عثمان -﵁-، وأن محمد بن الحسن العسكري كان بعد زمان ابن سبأ بمدة طويلة تزيد على مائتي سنة، فهل يعقل والحالة هذه أن تكون فكرة الشيعة في محمد بن الحسن العسكري سرت بطريق المجالسة والاختلاط إلى أهل السنة، ثم انتقلت إلى المجتمع الإسلامي حين نادى بها عبد الله بن سبأ؟! فكيف تنتقل الفكرة المتأخرة إلى الزمان الذي مضى قبلها بأكثر من مائتي سنة، وكيف ينادي عبد الله بن سبأ بفكرة كان ابتداؤها بعده بأكثر من مائتي سنة، هذا تصور لا يقوله عاقل.
وأما قوله: إن ابن سبأ أخذ هو وشيعته يعملون عملهم في صياغة الأحاديث، ووضعها على لسان رسول بأسانيد منظمة عن أهل القبور، وأخذوا في نشرها في مجتمع الناس.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن أقول: إني لم أر أحدًا من المحدثين ولا من أهل التاريخ والسير نقل عن ابن سبأ أنه تكلم في المهدي بشيء، فضلا عن صياغة الأحاديث في ذلك ووضعها على لسان رسول الله - ﷺ - ونشرها في مجتمع الناس، ولو وقع شيء من ذلك لنقله أهل العلم بالرجال، وذكروه في كتب الموضوعات، كما فعلوا ذلك في أحاديث الوضاعين؛ فإنهم قد نبهوا عليها وذكروا مع كل حديث موضوع اسم الرجل الذي وضعه، فإن كان ابن محمود قد اطلع على شيء من الأحاديث التي زعم أن ابن سبأ قد وضعها في ذكر المهدي فليفدنا بذلك، وليذكر الكتاب الذي يوجد فيه تلك الأحاديث التي يكون ابن سبأ أحد رجال الأسانيد فيها، فأما التحايل على رد الأحاديث الثابتة وإبطالها بمجرد الدعوى التي لا دليل عليها، ولم تنقل عن أحد من علماء الجرح والتعديل، فلا يليق ذلك بمن له أدنى عقل وعلم ودين.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الأحاديث الثابتة في خروج المهدي كانت من رواية الثقات عن الثقات، من لدن الصحابة الذين رووها عن النبي - ﷺ - إلى الأئمة المخرجين لها في كتبهم، ولم يكن لعبد الله بن سبأ ولا لأحد من شيعته علاقة بشيء من تلك الأسانيد الثابتة، وليس في رواتها أحد من المغفلين الذين يقبلون التلقين حتى يتهيأ للناقد الطعن فيها، وإذا فما زعمه ابن محمود ههنا فهو تمويه وتلبيس على الأغبياء، ولا أساس له من الصحة.
[ ٣٤ ]
وقد كان علماء الجرح والتعديل إذا طعنوا في شيء من الأحاديث، وحكموا عليها بالوضع، يذكرون المتهمين بوضعها ممن يكون في أسانيد تلك الأحاديث من الوضاعين والكذابين، فأما الأحاديث التي يكون في أسانيدها بعض الضعفاء فقد كانوا يحكمون عليها بالضعف، ولا يتجاوزون ذلك إلى الحكم بالوضع، لاحتمال أن تكون من كلام النبي - ﷺ -، وأما الأحاديث التي قد رواها الثقات عن الثقات عن النبي - ﷺ - فقد كانوا يعظمونها ويعتمدون عليها في أصول الدين وفروعه، وقد تقدم كلام الإمامين الشافعي وأحمد في ذلك، وكذلك كلام ابن شاقلا، وأبي الحسن الأشعري، وأبي محمد المقدسي في ذلك فليراجع (١).
وقد خلف من بعد العلماء العالمين بالأحاديث خلف من العصريين المفتونين بأفكار الغربيين، فهجموا على الأحاديث الصحيحة، والأحاديث الحسنة، وتجرءوا على الكلام فيها وفي رواتها، ولم يبالوا بردها وإطراحها، ولا سيما إذا خالفت أفكارهم أو أفكار من يعظمونه من الغربيين وتلاميذهم المفتونين بما يسمونه حرية الفكر، وتقديم الأفكار على الأحاديث الصحيحة والأحاديث الحسنة. وقد جعلوا عبد الله بن سلام -﵁- وكعب الأحبار ووهب بن منبه هدفًا لطعنهم في الأحاديث الصحيحة وردها، ولو لم يكونوا من رواة تلك الأحاديث. وقد زعم بعضهم ظلمًا وزورًا أن هؤلاء الثلاثة كانوا يضعون الأحاديث ويدسونها على المسلمين.
وأما ابن محمود فقد جعل هدفه عبد الله بن سبأ وشيعته، فزعم أنهم هم الذين صاغوا الأحاديث الواردة في المهدي ووضعوها على لسان رسول الله - ﷺ -، فطريقة ابن محمود في رد الأحاديث الثابتة في المهدي، هي نفس الطريقة التي كان يسلكها غيره من العصريين في رد الأحاديث الثابتة إذا كانت مخالفة لأفكارهم أو أفكار من يعظمونه.
الوجه الثالث: أن يقال: إن ابن سبأ كان في زمن الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي عن النبي - ﷺ -، وفي ذلك الزمان لم يكن لتلك الأحاديث أسانيد، وإنما وجدت أسانيدها بعد زمانهم وزمان ابن سبأ، فهل يعقل والحالة هذه أن يكون ابن سبأ هو الذي صاغ أحاديث المهدي ووضعها على لسان رسول الله - ﷺ - بأسانيد لم توجد إلا بعد زمانه؟! وهل يظن ابن محمود أن ابن سبأ قد بقي إلى ما بعد المائتين من الهجرة حتى يصوغ أحاديث المهدي بالأسانيد التي عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجة، وغيرهم ممن روى أحاديث المهدي؟! وقد قال
_________________
(١) ص ١٩ - ٢٠.
[ ٣٥ ]
حديث "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث"
زعمه أن القول بخروج المهدي دعوة سياسية إرهابية، والرد عليه
الذهبي في "الميزان": "عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة، ضال مضل، أحسب عليًا حرقه بالنار"، وكذا قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" قال: "وله اتباع يقال لهم السبائية، يعتقدون إلاهية علي بن أبي طالب، وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته". انتهى.
الوجه الرابع: أن يقال: كان ينبغي لابن محمود أن يذكر له مستندًا صحيحا فيما ألصقه بابن سبأ وشيعته، من صياغة الأحاديث في المهدي ووضعها على لسان رسول الله - ﷺ - بأسانيد منظمة عن أهل القبور، ونشرها في مجتمع الناس، وحيث لم يذكر له مستندًا من المصادر الموثوق بها، فلا شك أن مستنده الذي اعتمد عليه هو التوهم والتخيل واتباع الظن، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» [متفق عليه من حديث أبي هريرة -﵁-].
وأما قوله: فهي دعوة سياسية إرهابية.
فجوابه: أن يقال: أما الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا؛ مثل ابن التومرت، ومهدي القرامطة والبابية البهائية والقاديانية، وأمثالهم من الكذابين المتحيلين لتحصل الرئاسة فهؤلاء دعوتهم سياسية إرهابية بلا شك، وكذلك الفئة التي نكثت البيعة وشقت العصا وألحدت في المسجد الحرام في أول سنة ١٤٠٠ من الهجرة، وأراقت الدماء المحرمة في أشرف البقاع وأعظمها حرمة عند الله -تعالى-، وادعت المهدية فيمن ليس لها بأهل، فهؤلاء دعواهم المهدية مثل دعوى غيرهم ممن ادعى المهدية كذبًا وزورًا، ودعوتهم إلى مبايعة مهديهم المزعوم دعوة جهل وضلال وإرهابية بلا شك.
وأما المهدي الذي أخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- بخروجه في آخر الزمان فليس الإيمان بخروجه ورواية الأحاديث الثابتة فيه دعوة سياسية إرهابية كما قد توهم ذلك ابن محمود، وإنما هو من الإيمان والتسليم لما أخبر به رسول الله - ﷺ - من الأمر الغيبي الذي سيقع طبق ما أخبر به، ومن لم يؤمن بما أخبر به رسول الله - ﷺ - من الأمور الغيبية فلا شك أنه لم يحقق الشهادة بالرسالة.
والمهدي الذي أخبر النبي - ﷺ - بخروجه في آخر الزمان لا تكون دعوته سياسية إرهابية، وإنما تكون دعوة حق وهدى، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا،
[ ٣٦ ]
تناقض كلام ابن محمود
وتنعم الأمة في زمانه نعمة لم ينعموا مثلها، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض؛ أي يستقر قراره فلا تكون فتنة ولا هيج، وتجري أحكام الإسلام على العدل والاستقامة، وليس هو الذي يسمى نفسه بالمهدي، وإنما يسميه الناس بذلك إذا رأوا أعماله الصالحة، وعمله بالسنة، ونشره للقسط والعدل، وإزالته للجور والظلم.
وأما قوله: كما أن بني أمية لما سمعوا بهذا الأحاديث الموجهة لهم من العراق والتي ترجف بهم وتهددهم بالإيقاع، لهذا تنبه بنو أمية فأقاموا السفياني مقام المهدي وعمل أنصارهم عملهم في وضع الحديث عن رسول الله في السفياني، من ذلك ما روى الحاكم في صحيحه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يخرج رجل يقال له السفياني من دمشق، وعامة من يتبعه من كلب، فيقتل حتى يبقر بطون النساء ويقتل الصبيان» وذكر بقية الحديث، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ثم ساق حديثًا ثانيًا في السفياني بلفظ الحديث الأول ومعناه، فتصحيح الحاكم لأحاديث السفياني هي بمثابة تصحيحه وتصحيح الترمذي لأحاديث المهدي على حد سواء، وفي الحقيقة أنها كلها غير صحيحة ولا متواترة.
فجوابه: من وجوه:
أحدها: أن يقال: قد تقدم عن ابن محمود أنه قال إن فكرة المهدي لم يقع لها ذكر بين الصحابة في القرن الأول ولا بين التابعين، وأن أصل من تبني هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة، الذين من عقائدهم الإيمان بالإمام الغائب المنتظر وهو الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري. فعلى قول ابن محمود يكون ابتداء الفكرة في المهدي في أواخر القرن الثالث من الهجرة، بعدما ولد محمد بن الحسن العسكري وبعدما دخل السرداب على حد زعم الرافضة فيه. ثم إن ابن محمود أتى بما يناقض ما قرره أولا؛ فزعم أن بني أمية لما سمعوا الأحاديث في المهدي أقاموا السفياني مقام المهدي، وعمل أنصارهم عملهم في وضع الحديث في السفياني، ومن المعلوم أن بني أمية كانوا في أثناء القرن الأول وآخره وأول القرن الثاني، وكان الصحابة كثيرين جدًا في أول زمان بني أمية، وأما التابعون فكانوا متوافرين في زمان بني أمية، فإذا لم يكن للفكرة في المهدي ذكر بين الصحابة ولا بين التابعين، وكان ابتداؤها في أواخر القرن الثالث حين ولد محمد بن الحسن العسكري، فكيف يقال إن بني أمية تنبهوا حين سمعوا الأحاديث في المهدي، وأقاموا السفياني مقام
[ ٣٧ ]
الحديث الذي في ذكر السفياني والمهدي صحيح
المهدي، وعمل أنصارهم عملهم في وضع الحديث في السفياني؟! هذا تناقض وتخليط صدران عن المجازفة وعدم التثبت في الكلام.
الوجه الثاني: أن يقال: إن كلام ابن محمود ينقض بعضه بعضًا؛ لأنه ذكر أولا عن ابن سبأ وشيعته أنهم صاغوا الأحاديث ووضعوها في المهدي، ثم ذكر ثانيًا أن بني أمية سمعوا بتلك الأحاديث موجهة لهم من العراق، فإن كانت أحاديث المهدي موجهة من العراق كما جزم به ابن محمود في هذا الموضع، فليس من وضع ابن سبأ وشيعته؛ لأن ابن سبأ قد نفي إلى مصر، فاستقر فيها وجعل يبث شره في الناس. ذكر ذلك ابن جرير وغيره. وإن كان ابن سبأ هو الذي وضع أحاديث المهدي كما جزم به ابن محمود فيما تقدم من كلامه (١)، فإنها تكون موجهة من مصر لا من العراق. وهذا التناقض يدل على بطلان قول ابن محمود في أحاديث المهدي حيث زعم أنها موضوعة.
الوجه الثالث: أن يقال: إن الحديث الذي رواه الحاكم في مستدركه في ذكر السفياني والمهدي رواته كلهم ثقات، فإنه رواه عن أبي محمد أحمد بن عبد الله المزني، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق، وعامة من يتبعه من كلب، فيقتل حتى يبقر بطون النساء ويقتل الصبيان، فتجمع لهم قيس فيقتلها، حتى لا يمنع ذنب تلعة، ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرة، فيبلغ السفياني فيبعث إليه جندًا من جنده فيهزمهم، فيصير إليه السفياني بمن معه، حتى إذا صار ببيداء من الأرض خسف بهم، فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم».
قلت: أما محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة ومن فوقه فكلهم من رجال الصحيح، فلا حاجة إلى الكلام فيهم سوى الوليد بن مسلم؛ الإمام الحافظ، فقد قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ": "لا نزاع في حفظه وعلمه، وإنما الرجل مدلس، فلا يحتج به إلا إذا صرح بالسماع".
_________________
(١) انظر ص٣٢.
[ ٣٨ ]
قلت: وقد صرح أن الأوزاعي حدثه بهذا الحديث، فزال ما يخشى من تدليسه، وأما زكريا بن يحيى الساجي؛ فقال فيه ابن أبي حاتم: "كان ثقة، يعرف الحديث والفقه، وله مؤلفات حسان في الرجال واختلاف العلماء وأحكام القرآن"، وقال الذهبي في "الميزان": "أحد الأثبات، ما علمت فيه جرحًا أصلا"، وقال أبو الحسن القطان: "مختلف فيه في الحديث، وثَّقه قوم، وضعَّفه آخرون". انتهى، قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان": "ولا يغتر أحد بقول ابن القطان، فقد جازف بهذه المقالة، وما ضعَّف زكريا الساجي هذا أحد قط كما أشار إليه، ثم ذكر قول ابن أبي حاتم فيه، قال: وقال مسلمة بن القاسم: بصري ثقة". انتهى.
وأما أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني؛ فقد ذكر السبكي في "طبقات الشافعية" عن الحاكم أنه قال: "كان إمام أهل العلم والوجوه وأولياء السلطان بخراسان في عصره بلا مدافعة"، قال: وقال أبو النصر عبد الرحمن بن عبد الجبار النامي في "تاريخ هراة": "كان إمام عصره بلا مدافعة في أنواع العلوم، مع رتبة الوزارة وعلو القدر عند السلطان"، وقال أبو سعد السمعاني: "إنه الذي يقال له الشيخ الجليل ببخاري". انتهى.
وإذا علم إن رجال هذا الحديث كلهم ثقات وليس فيهم ضعيف، فضلًا عن الكذابين والوضاعين فليعلم أيضًا أنه ليس فيهم أحد من أنصار بني أمية، أما الوليد بن مسلم ومن كان بعده في الإسناد فكلهم كانوا في زمان بني العباس، فلا يقول عاقل إنهم من أنصار بني أمية وقد كانوا بعد زمانهم، وأما أبو هريرة -﵁- وأبو سلمة بن عبد الرحمن فهما مدنيان وليسا من أنصار بني أمية، وأما يحيى بن أبي كثير فهو من أهل اليمامة وليس من أنصار بني أمية، وقد رُوي أنه امتحن وضرب وحلق لكونه انتقص بني أمية. ذكر ذلك الذهبي في "تذكرة الحفاظ"، وأما الأوزاعي فقد كان في آخر زمان بني أمية وأول زمان بني العباس ولم يكن من أنصار بني أمية، وإذا فليبين ابن محمود أنصار بني أمية الذين وضعوا هذا الحديث على حد زعمه، وليذكر الكتاب الذي وجد فيه ذلك. فأما المجازفة بالقول الذي لا صحة له فهذا مما يتنزه عنه كل ذي عقل ودين.
وأما قول ابن محمود: إن الحاكم ساق حديثًا ثانيًا في السفياني بلفظ الحديث الأول ومعناه.
[ ٣٩ ]
طعن ابن محمود في تصحيح الترمذي والحاكم لأحاديث المهدي، والرد عليه
فجوابه: أن يقال: لا صحة لما ذكره ابن محمود ههنا؛ فليس في مستدرك الحاكم حديث آخر في السفياني بلفظ حديث أبي هريرة -﵁- ومعناه، وإنما فيه أثر موقوف على علي -﵁- ولفظه قال: «يظهر السفياني على الشام، ثم يكون بينهم وقعة بقر قيسيًا، حتى تشبع طير السماء وسباع الأرض من جيفهم، ثم ينفتق عليهم فتق من خلفهم، فتقبل طائفة منهم حتى يدخلوا أرض خراسان، وتقبل خيل السفياني في طلب أهل خراسان، ويقتلون شيعة آهل محمد - ﷺ - بالكوفة، ثم يخرج أهل خراسان في طلب المهدي» لم يتكلم عليه الحاكم، وقال الذهبي في تلخيصه: "قلت خبر واهٍ". انتهى.
وهذا الأثر مع ضعفه الشديد لا يتفق مع حديث أبي هريرة -﵁- لا في اللفظ ولا في المعنى، ثم إن السفياني الذي جاء ذكره في حديث أبي هريرة، وأنه يخرج في آخر الزمان عند خروج المهدي، لا يلزم أن يكون من بني أمية ومن ذرية أبي سفيان؛ لأنه لم يأت في حديث أبي هريرة -﵁- تصريح بذلك، بل قد يكون من غيرهم، وتكون نسبته موافقة لنسبتهم، وإذ لم يثبت أن السفياني من بني أمية فمن أكبر الخطأ بهت بني أمية بأنهم أقاموا السفياني مقام المهدي، وبهت أنصارهم بأنهم وضعوا الحديث على رسول الله - ﷺ - في السفياني، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
وأما قوله: فتصحيح الحاكم لأحاديث السفياني هي بمثابة تصحيحه وتصحيح الترمذي لأحاديث المهدي على حد سواء.
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أن يقال: ظاهر كلام ابن محمود يقتضي أن يكون الحاكم قد روي في السفياني عدة أحاديث وصححها، وهذا غلط؛ لأن الحاكم لم يرو في السفياني سوى حديث واحد عن أبي هريرة -﵁- وقد تقدم ذكره، وأنه حديث صحيح، وروى أيضًا أثرًا عن علي -﵁- ولم يصححه ووهَّاه الذهبي، وقد تقدم ذكره قريبًا. فإن كان ابن محمود قد وقف على عدة أحاديث في السفياني رواها الحاكم في مستدركه وصححها فليفدنا بذلك، وليذكر مواضعها في المستدرك، وإن لم يجد سوى حديث أبي هريرة -﵁- فالأولى له لزوم الورع وترك المجازفة.
[ ٤٠ ]
زعمه أن أحاديث المهدي غير صحيحة ولا متواترة، والرد عليه
ذكر العلماء الذين صححوا بعض أحاديث المهدي
الوجه الثاني: أن يقال: ما صححه الترمذي في جامعه فهو صحيح مقبول عند أهل العلم بالحديث، وسواء في ذلك أحاديث المهدي وغيرها، وكذلك ما حسنه الترمذي من الأحاديث فهو مقبول عند أهل العلم إلا ما ظهرت علته. فأما الحاكم فإنه كان يتساهل في تصحيح بعض الأحاديث، ولكن كان الذهبي يتعقبه في تلخيصه للمستدرك فيضعف ما صححه من الأحاديث الضعيفة، ويوافقه على تصحيح الصحيح منها، وقد وافقه على تصحيح حديثي ابن مسعود وأبي سعيد -﵄- في المهدي. ومحل الذهبي في معرفة صحيح الأحاديث وضعيفها، ونقد الرجال لا يخفى على طالب العلم.
وأما قوله: وفي الحقيقة أنها كلها غير صحيحة ولا متواترة.
فجوابه: أن يقال: هذا من مجازفات ابن محمود، وما زعمه من الحقيقة فهو خلاف الحقيقة بلا شك؛ لأن أحاديث المهدي بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، وهذا القول هو الصحيح المطابق للحقيقة، وقد قرر ذلك غير واحد من العلماء كما سأذكره -إن شاء الله تعالى- وصرح بعضهم أنها متواترة، وقد تقدم إيراد تسعة أحاديث من الصحاح والحسان بأسانيدها الثابتة فلتراجع (١)،ففيها أبلغ رد على الحقيقة التي زعمها ابن محمود، وقد صحح الترمذي منها حديث ابن مسعود وحديث أبي هريرة، وحسَّن حديث أبي سعيد، وصحح ابن حبان والحاكم وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والذهبي حديث ابن مسعود.
وصحح ابن حبان وابن القيم أيضًا حديث أبي هريرة، وصحح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي حديث أبي سعيد، وصححه الحاكم والذهبي أيضًا من وجهين آخرين، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد": "رواه أحمد بأسانيد وأبو يعلي ورجالهما ثقات"، وقد أقرَّه الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني؛ لكونهما قد حررا مجمع الزوائد مع الهيثمي، وقال ابن القيم: "رواه أبو داود، وإسناده جيد"، وقال شمس الحق العظيم آبادي في حديث علي -﵁- المرفوع: "سنده حسن قوي"، وقال الهيثمي في حديث آخر عن أبي هريرة: "رجاله ثقات"، وأقره على ذلك زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، وصحح الحاكم والذهبي حديث علي الموقوف.
_________________
(١) ص (٩ - ١٧).
[ ٤١ ]
وصحح ابن حبان حديث أم سلمة، وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح"، وأقره الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، وقال ابن القيم فيه: "إنه حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح"، وقال ابن القيم أيضًا في حديث جابر، الذي رواه الحارث ابن أبي أسامة: "إسناده جيد"، وصحح الحاكم والذهبي حديث أبي هريرة في ذكر السفياني والمهدي، وقال أبو جعفر العقيلي: "في المهدي أحاديث جياد" ذكر ذلك في ترجمة علي بن نفيل الحراني، وقال في ترجمة زياد بن بيان الرقي: "وفي المهدي أحاديث صالحة الأسانيد، أن النبي - ﷺ - قال: «يخرج مني رجل - ويقال من أهل بيتي - يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي» ". انتهى، ونقل أبو عبد الله القرطبي في "التذكرة" عن الحاكم أنه قال: "الأحاديث عن النبي - ﷺ - في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة، أصح من هذا الحديث، فالحكم لها دونه". انتهى، قال ذلك في رده لحديث أنس -﵁- الذي رواه ابن ماجة من طريق محمد بن خالد الجندي وفيه: "ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم» "، وقد نقل ابن القيم في كتابه "المنار المنيف" عن البيهقي أنه قال: "الأحاديث على خروج المهدي أصح إسنادًا"، ونقله أيضًا الحافظ أبو الحجاج المزي في "تهذيب الكمال"، والحافظ ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" في ترجمة محمد بن خالد الجندي عن البيهقي أنه قال: "الأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصح إسنادًا"، قال المزي: "وفيها بيان كونه من عترة النبي - ﷺ - ". انتهى، وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في رده على الرافضي: "الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة"، وقد أورد الذهبي كلام شيخ الإسلام فيما انتقاه من المنهاج وأقره، وقال ابن حجر الهيتمي في "القول المختصر": "الذي يتعين اعتقاده ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من وجود المهدي المنتظر، الذي يخرج الدجال وعيسى في زمانه، ويصلي عيسى خلفه"، وقال الشوكاني: "الأحاديث الواردة في المهدي، التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر".
وقال صديق بن حسن في كتابه "الإذاعة": "أحاديث المهدي عند الترمذي وأبي داود وابن ماجة والحاكم والطبراني وأبي يعلي الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة، فتعرض المنكرين لها ليس كما ينبغي، والحديث يشد بعضه بعضًا، ويتقوى أمره بالشواهد والمتابعات، وأحاديث المهدي بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، وأمره مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، وأنه لا بد في آخر
[ ٤٢ ]
ذكر العلماء الذين أثبتوا تواتر الأحاديث في المهدي
الزمان من ظهور رجل من أهل البيت النبوي، يؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على إثره، وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله -إلى أن قال: وقد جمع السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير اليماني الأحاديث القاضية بخروج المهدي، وأنه من آل محمد - ﷺ - وأنه يظهر في آخر الزمان، ثم قال: ولم يأت تعيين زمنه إلا أنه يخرج قبل خروج الدجال". انتهى، فهذا ما وقفت عليه من أقوال العلماء الذين صححوا أحاديث المهدي، وفي أقوالهم أبلغ رد على من جازف وزعم أن أحاديث المهدي غير صحيحة.
وأما القول بأنها متواترة فقد صرح به غير واحد من العلماء، وقد تقدم قول أبي الحسين محمد بن الحسين الآبري في كتاب "مناقب الشافعي": "إنها قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله - ﷺ - بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه". انتهى.
وقد نقله عنه جماعة من أكابر العلماء وأقروه، منهم أبو عبد الله القرطبي في "التذكرة"، وابن القيم في كتابه "المنار المنيف"، والحافظ أبو الحجاج المزي في "تهذيب الكمال" في ترجمة محمد بن خالد الجندي الصنعاني، والحافظ ابن حجر في "باب نزول عيسى ابن مريم -﵉-" من "فتح الباري"، ونقله أيضًا في "تهذيب التهذيب" في ترجمة محمد بن خالد الجندي، والحافظ السخاوي في "فتح المغيث"، والسيوطي في "أخبار المهدي" وغيرهم.
وقال جعفر الحسني الإدريسي الشهير بالكتاني في كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر": "وقد نقل غير واحد عن الحافظ السخاوي أنها متواترة"، والسخاوي ذكر ذلك في "فتح المغيث"، ونقله عن أبي الحسين الآبري، وفي تأليف لأبي العلاء إدريس بن محمد بن إدريس الحسيني العراقي في المهدي أن أحاديثه متواترة أو كادت قال: "وجزم بالأول غير واحد من الحفاظ النقاد"، وفي شرح الرسالة للشيخ جسوس ما نصه: "ورد خبر المهدي في أحاديث ذَكَرَ السخاوي أنها وصلت إلى حد التواتر"، وفي "شرح المواهب" نقلا عن أبي الحسين الآبري في "مناقب الشافعي" قال:
"تواترت الأخبار أن المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلي خلفه"، وفي "مغاني
[ ٤٣ ]
الوفاء بمعاني الاكتفاء" قال الشيخ أبو الحسين الآبري: "قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى - ﷺ - بمجيء المهدي، وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا".
وتتبع ابن خلدون في مقدمته طرق أحاديث خروجه مستوعبًا لها على حسب وسعه، فلم تسلم له من علة، لكن ردوا عليه بأن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها كثيرة جدًا تبلغ حد التواتر، وللقاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني اليمني رسالة سماها "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح"، قال فيها: "والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها، منها خمسون حديثًا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضًا لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك". انتهى، وانظره فقد ذكر أحاديثه وتكلم عليها.
وفي الصواعق لابن حجر الهيتمي ما نصه: "قال أبو الحسين الآبري: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى - ﷺ - بخروج المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأنه يخرج مع عيسى -صلى الله على نبينا وعليه-، فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه". انتهى، ومثله له في "القول المختصر في علامات المهدي المنتظر"، إلا أنه عبر عن أبي الحسين المذكور ببعض الأئمة، ونصه: "قال بعض الأئمة: قد تواترت الأخبار " إلى آخر ما مر عنه في الصواعق، وقال قبله بيسير ما نصه: "قال بعض الأئمة الحفاظ: إن كونه؛ أي المهدي من ذريته - ﷺ - قد تواتر عنه - ﷺ - "، ثم قال جعفر الحسني الإدريسي: "ولولا مخافة التطويل لأوردت ههنا ما وقفت عليه من أحاديثه؛ لأني رأيت الكثير من الناس في هذا الوقت يتشككون في أمره، ويقولون يا ترى هل أحاديثه قطعية أم لا؟! وكثير منهم يقف مع كلام ابن خلدون ويعتمده، مع أنه ليس من أهل هذا الميدان، والحق الرجوع في كل فن لأربابه". انتهى كلام الإدريسي.
وقال السفاريني في كتابه "لوائح الأنوار البهية": "وقد كثرت الروايات بخروجه؛ يعني المهدي، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى
عُدَّ من معتقداتهم إلى أن قال: وقد روي عن بعض الصحابة بروايات متعددة،
[ ٤٤ ]