من أهل السنة، فردوا أقوالهم الباطلة التي روجوها في إنكار خروج المهدي، وفندوا مزاعمهم التي اعتمدوا عليها في رد الأحاديث الثابتة في خروجه، فجزاهم الله عن دفاعهم عن أحاديث رسول الله - ﷺ - خير الجزاء.
وأما قوله: صنعها غلاة الزنادقة لما زال الملك عن أهل البيت إلى آخر كلامه.
فجوابه: أن يقال: إن الإحالة على الزنادقة في رد الأحاديث الثابتة قاعدة ألقاها الشيطان إلى بعض العصريين، وتلقاها بعضهم عن بعض، فكل حديث لا يتفق مع تفكيرهم أو تفكير من يعظمونه فإنهم يحيلونه إلى وضع الزنادقة، ثم لا يبالون برده وإطراحه، ولو كان إسناده ثابتًا إلى النبي - ﷺ -.
ومن هذا الباب قدحهم في الأحاديث الثابتة في المهدي، وزعمهم أنها من وضع الزنادقة، مع أنه لا علاقة للزنادقة بها، إذ كل رواتها ثقات، من لدن الصحابة إلى الأئمة المخرجين لها في كتبهم المعتمدة عند أهل السنة والجماعة، فلا طريق للزنادقة إلى شيء من هذه الأحاديث الثابتة البتة، ومن كابر وزعم أنها من وضع الزنادقة طالبناه بإبراز الأسانيد التي يكون فيها بعض الزنادقة، ولن يجد إلى ذلك سبيلا البتة.
وقال ابن محمود في صفحة (١٦) وصفحة (١٧): "وكان لعبد الله بن سبأ اليد العاملة في صياغة الحديث والتلاعب بعقول الناس، وكان يقول إن المهدي هو محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب، وإنه بعث بعد موته، وسكن بجبل رضوى في الحجاز بين مكة والمدينة، وأن عنده عين عسل وعين ماء، وسيقود الجموع لقتال بني أمية، وسموا بالسبئية، وفيه يقول كُثير عزة وهو سبئي:
وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الجيش يقدمه اللواء
تغيَّب لا يُرى فيهم زمانا برضوى عنده عسل وماء
والجواب: أن يقال: أما قوله: إن عبد الله بن سبأ كانت له اليد العاملة في صياغة الحديث والتلاعب بعقول الناس.
فهو مما قاله بعض العصريين، وأخذه ابن محمود عنهم، مع أنه كان يذم التقليد، ويقول إن المقلد لا يعد من أهل العلم.
وقد تقدم الجواب عما ألصقه بابن سبأ من صياغة الحديث، مع الكلام على ما جاء في صفحة (٣) وصفحة (٤) من كتاب ابن محمود، فليراجع في أول الكتاب (١).
وأما قوله: إن عبد الله بن سبأ كان يقول إن المهدي هو محمد بن الحنفية إلى آخر كلامه.
_________________
(١) ص٣٣ - ٣٦.
[ ١٢٢ ]
فجوابه: أن يقال: هذا من أوهام ابن محمود؛ فإن هذا القول مذكور عن المختار بن أبي عبيد لا عن عبد الله بن سبأ، قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة": "كان أول أمر المختار أن ابن الزبير أرسله إلى الكوفة ليؤكد له أمر بيعته، فأظهر المختار أن ابن الزبير دعا في السر للطلب بدم الحسين، ثم أراد تأكيد أمره فادَّعى أن محمد بن الحنفية هو المهدي الذي سيخرج في آخر الزمان، وأنه أَمَرَه أن يدعو الناس إلى بيعته، وزوَّر على لسانه كتابا، فدخل في طاعته جمع جم، فتقوى بهم وتتبع قتلة الحسين فقتلهم، فقوي أمره بمن يحب أهل البيت". انتهى.
وذكر الشهرستاني في "الملل والنحل" أن المختار بن أبي عبيد قال بإمامة محمد بن الحنفية بعد علي، ولما وقف محمد بن الحنفية على ذلك تبرأ منه. وقال أبو الحسن الأشعري في كتابه "مقالات الإسلاميين": "الفرقة الثانية منهم- أي من الإمامية- وهم الكيسانية، وهم إحدى عشرة فرقة، وإنما سموا كيسانية؛ لأن المختار الذي خرج وطلب بدم الحسين بن علي، ودعا إلى محمد بن الحنفية، كان يقال له كيسان". ثم ذكر الأشعري عن الفرقة الثالثة من الكيسانية وهي الكربية أصحاب أبي كرب الضرير: "أنهم يزعمون أن محمد بن الحنفية حي بجبال رضوى، أسد عن يمينه ونمر عن شماله يحفظانه، يأتيه رزقه غدوة وعشية إلى وقت خروجه، ومن القائلين بهذا كُثير الشاعر، وفي ذلك يقول ثم ذكر خمسة أبيات له". ومنها البيتان اللذان ذكرهما ابن محمود.
وذكر ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان" في ترجمة محمد بن الحنفية أن الفرقة الكيسانية تعتقد إمامته، وأنه مقيم بجبل رضوى، وإلى هذا أشار كُثير عزة بقوله من جملة أبيات، وكان كيساني الاعتقاد:
وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيب لا يرى فيهم زمانا برضوى عنده عسل وماء
وكان المختار بن أبي عبيد الثقفي يدعو الناس إلى إمامة محمد بن الحنفية، ويزعم أنه المهدي. وقال الجوهري في كتاب "الصحاح": "كيسان لقب المختار المذكور"، وقال غيره: "كيسان مولى -علي ﵁-، والكيسانية يزعمون أنه مقيم برضوى في شعب منه ولم يمت، دخل إليه ومعه أربعون من أصحابه، ولم يوقف لهم على خبر، وهم أحياء يرزقون، ويقولون إنه مقيم في هذا الجبل بين أسد ونمر، وعنده عينان
[ ١٢٣ ]