والجواب: أن يقال: لقد كابر ابن محمود وبالغ في المكابرة، حيث زعم أن عقيدة المهدي من العقائد الخيالية الدخيلة وليست من عقائد الإسلام والمسلمين، وقد ذكرت عنه في أول الكتاب أنه قال في صفحة (٣): إن فكرة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة، وذكرت الجواب عن ذلك في أول الكتاب فليراجع (١)، ففيه رد لكلامه هنا وهناك، وقد قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾، قال ابن كثير على قوله -تعالى- ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾: "قال ابن عباس -﵄- وغير واحد: تعظموه، ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ من التوقير؛ وهو الاحترام والإجلال والإعظام". انتهى.
ومن رد أحاديث النبي - ﷺ - في المهدي، وزعم أن ما دلت عليه من عقائد أهل السنة أنها عقائد خيالية دخيلة وليست من عقائد الإسلام والمسلمين، فلا شك أنه قد استهان بالرسول - ﷺ - ولم يعزره ولم يوقره، وحكم من استهان بالرسول - ﷺ - لا يخفى على طالب العلم.
وقال ابن محمود في صفحة (١٩) وصفحة (٢٠): "لهذا تنبه العلماء من المتقدمين والمتأخرين لرد الأحاديث التي يتلونها ويموهون بها على الناس، فأخضعوها للتصحيح والتمحيص، وبينوا ما فيها من الجرح والتضعيف، وكونها مزورة على الرسول من قبل الزنادقة الكذابين، وممن انتقد هذه الأحاديث وبين معايبها العلامة ابن القيم -﵀- في كتابه "المنار المنيف" في الصحيح والضعيف، ومنهم الشاطبي صاحب "الاعتصام"؛ فقد ألحق المهدية والإمامية بأهل البدع، ويعني بالمهدية الذين يعتقدون صحة خروج المهدي، وكذلك ابن خلدون؛ فقد فحص أحاديث المهدي وبيَّن بطلان ما يزعمونه صحيحًا منها، فسامها كلها بالضعف وعدم الصحة، وإن من رواتها من يتهم بالتشيع، ومنهم الحروري، ومنهم من يعتقد رفع السيف على أهل القبلة، ومنهم من يتهم بالكذب، ومنهم من يتهم بسوء الحفظ، ومنهم من يتهم برفع الحديث إلى رسول الله بدون أن يتكلم به الرسول، مع ما فيها من التعارض والاضطراب والاختلاف".
وأقول: أما قوله: لهذا تنبه العلماء من المتقدمين والمتأخرين لرد الأحاديث التي يتلونها ويموهون بها على الناس.
فجوابه: أن يقال: إن رواية الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - في المهدي وتلاوتها
_________________
(١) ص ٢٦ - ٣١.
[ ١٢٩ ]
والاستدلال بها على خروجه في آخر الزمان. كل ذلك يدل على تعظيم أحاديث رسول الله - ﷺ -، والتصديق بما أخبر به من أنباء الغيب، وذلك عنوان على تحقيق الشهادة بالرسالة، وليس ذلك من التمويه كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما التمويه في الحقيقة؛ قول ابن محمود إنها أحاديث خرافة، وإنها نظرية خرافية، وإنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وإنها مختلقة، وإنها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله - ﷺ - وليست من كلامه، فلا يجوز النظر فيها فضلا عن تصديقها. هكذا قال في أحاديث المهدي، وسواء عنده في ذلك ما كان منها صحيحًا أو حسنًا، وما كان ضعيفًا أو منكرًا أو موضوعًا، فالكل عنده على حد سواء، فهذا هو التلبيس والتمويه والرد لأمر الله -تعالى- ولأقوال رسول الله - ﷺ -، واتباع غير سبيل المؤمنين.
وأما قوله: فأخضعوها للتصحيح والتمحيص، وبينوا ما فيها من الجرح والتضعيف.
فجوابه: أن يقال: لو أن ابن محمود قال: فأخضعوها للرد والإطراح وعدم المبالاة بها لكان أوضح وأليق بكلامه، وأشد مطابقة للواقع منه ومن أئمته من العصريين، الذين قلدهم واقتفى آثارهم في رد الأحاديث الثابتة في المهدي ومحاربتها بكل وسيلة، وقد تقدم نحو هذا الكلام فيما نقلته من صفحة (٥) من رسالة ابن محمود، وتقدم الرد عليه فليراجع في أول الكتاب (١).
وأما قوله: وكونها مزورة على الرسول من قبل الزنادقة الكذابين.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن أقول: لا أعلم عن أحد من العلماء المتقدمين أنه رد الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - في المهدي، ولا أعلم عن أحد منهم أنه أخضع الأحاديث الثابتة فيه لما زعم ابن محمود أنه تصحيح وتمحيص، ومعناه في الحقيقة الرد والإطراح لها والاستخفاف بشأنها، ولا أعلم عن أحد منهم أنه قال في الأحاديث الثابتة في المهدي إنها مزورة على الرسول - ﷺ - من قبل الزنادقة الكذابين، فما ألصقه ابن محمود بالعلماء المتقدمين فهو من التقول عليهم ولا صحة له.
وإنا نطالب ابن محمود أن يذكر أسماء العلماء المتقدمين الذين زعم أنهم أخضعوا أحاديث المهدي للتصحيح والتمحيص، الذي معناه الرد والإطراح لها، وأنهم حكموا عليها بأنها مزورة على الرسول - ﷺ - من قبل الزنادقة الكذابين، وأن يذكر الكتب
_________________
(١) ص ٥٠ - ٥١.
[ ١٣٠ ]
التي ذكروا ذلك فيها، وأن يذكر مواضعها من صفحات الكتب، ولن يجد إلى ذلك سبيلا.
وقد ذكرت في أول الكتاب عددًا كثيرًا من الأئمة الذين رووا بعض الأحاديث الواردة في المهدي وخرجوها في كتبهم المعتمدة عند المسلمين، وذكرت أيضًا عددًا كثيرًا من أكابر العلماء الذين صححوا بعض أحاديث المهدي، ومن قال منهم إنها متواترة، فليراجع ذلك في أول الكتاب (١)، ففيه أبلغ رد على ما ألصقه ابن محمود بالعلماء المتقدمين، فأما العلماء المتأخرون، فجمهورهم على طريقة العلماء المتقدمين؛ يرون أن بعض الأحاديث الواردة في المهدي ثابتة، ويقابلونها بالقبول والتسليم، وإنما شذ عنهم أفراد قليلون من العصريين، الذين هم سلف ابن محمود في رد الأحاديث الثابتة في المهدي؛ ومنهم رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، ولهم أمثال من العصريين الذين لا يبالون برد الأحاديث الثابتة إذا كانت مخالفة لآرائهم وتفكيرهم الفاسد، وهؤلاء لا يستغرب منهم الاستخفاف بأحاديث المهدي، ولا يستغرب منهم ردها وإطراحها، والقول بأنها مزورة على الرسول - ﷺ - من قبل الزنادقة الكذابين، فقد رد بعضهم ما هو أعظم منها؛ مما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما من أحاديث الفتن، وأشراط الساعة، وخوارق الأنبياء ومعجزاتهم، ومن طالع كتب العصريين وتعليقاتهم على الكتب رأى في بعضها الشيء الكثير من رد الأحاديث الثابتة وإطراحها.
الوجه الثاني: أن يقال: أما الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - في المهدي فليست مزورة على النبي - ﷺ -، وليس للكذابين علاقة بها، وليس في رواتها أحد من المغفلين الذين يقبلون التلقين، ومن زعم أنها مزورة على النبي - ﷺ - وليست من كلامه فهو صاحب الزور والبهتان العظيم على الحقيقة، وكذلك الأحاديث الضعيفة المنجبرة وهي التي تصلح للاستشهاد بها، فليست مزورة على النبي - ﷺ - وإن كان في أسانيدها بعض الضعفاء؛ لأنه يحتمل أن تكون من كلام النبي - ﷺ -، ولأن الأحاديث الثابتة تشهد لها أو لبعضها، وما شهدت له الأحاديث الثابتة فليس بمزور، وإنما المزور ما يكون من طريق بعض الوضاعين، وليس في رواة الأحاديث الثابتة في المهدي ولا في رواة الأحاديث الضعيفة المنجبرة أحد من الوضاعين، فالحكم عليها بالوضع والتزوير من أكبر الخطأ وأعظم الزور.
_________________
(١) ص ٩ - ١٧ وص ٤١ - ٤٥.
[ ١٣١ ]
الوجه الثالث: أن أقول: سأذكر ههنا نموذجًا من أسانيد الأحاديث الثابتة في المهدي؛ ليعلم المنصفون ما في كلام ابن محمود من الخطأ الكبير، والمجازفة القبيحة.
الحديث الأول: قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في مسنده: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا عاصم، عن زر، عن عبد الله -﵁- عن النبي - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي». ورواه أيضًا عن عمر بن عبيد الطنافسي عن عاصم، ورواه أيضًا عن يحيى بن سعيد عن سفيان – وهو الثوري–حدثني عاصم فذكره. وهذه أسانيد صحيحة، رجالها كلهم من رجال الصحيحين.
أما سفيان بن عيينة؛ فهو أحد أئمة الإسلام، روى له الجماعة كلهم، واتفق الأئمة على توثيقه، والثناء عليه في الفقه والعلم والورع والحفظ. قال اللالكائي: "هو مستغن عن التزكية لتثبته وإتقانه"، وقال الذهبي: "كان إمامًا حجة حافظًا واسع العلم كبير القدر"، وقال الذهبي أيضًا: "اتفقت الأئمة على الاحتجاج بابن عيينة لحفظه وأمانته".
وأما عمر بن عبيد الطنافسي؛ فقد روى له الجماعة كلهم، ووثقه أحمد وابن معين في رواية عثمان الدارمي عنه، ووثقه أيضًا ابن سعد والدارقطني وابن حبان.
وأما يحيى بن سعيد القطان؛ فهو الإمام الحافظ الحجة، احتج به الأئمة كلهم، وقالوا: من تركه يحيى تركناه، قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ": "الإمام العَلَم سيد الحفاظ"، وقال ابن سعد: "كان ثقة حجة رفيعًا مأمونًا"، وقال النسائي: "أمناء الله على حديث رسول الله - ﷺ -؛ مالك، وشعبة، ويحيى القطان"، وقال الخليلي: "هو إمام بلا مدافعة، وكلام الأئمة في الثناء عليه كثير جدًا".
وأما سفيان الثوري؛ فهو أحد أئمة الإسلام، قال الذهبي: "الإمام شيخ الإسلام سيد الحفاظ"، وقال شعبة وابن عيينة وأبو عاصم وابن معين وغير واحد من العلماء: "سفيان أمير المؤمنين في الحديث"، وقال الخطيب: "كان إمامًا من أئمة المسلمين، وعلمًا من أعلام الدين، مُجمعًا على إمامته بحيث يستغني عن تزكيته، مع الاتقان والحفظ والمعرفة والضبط والورع والزهد"، وقال النسائي: "هو أجلُّ من أن يقال فيه ثقة، وهو أحد الأئمة الذين أرجو أن يكون الله ممن جعله للمتقين إماما، وكلام الأئمة في الثناء عليه كثير جدا، وقد روى له الجماعة كلهم".
[ ١٣٢ ]
وأما عاصم فهو ابن أبي النجود؛ وهو ثقة أخرج له البخاري ومسلم مقرونًا بغيره، ولو كان غير موثوق به عندهما لما أخرجا له شيئًا، وروى له بقية الجماعة، وقال أحمد: "ثقة رجل صالح خير ثقة"، وقال ابن معين: "ليس به بأس"، وقد قال ابن معين فيما ذكره ابن الصلاح عن ابن أبي خيثمة: "إذا قلت ليس به بأس فهو ثقة"، ووثقه العجلي ويعقوب بن سفيان وأبو زرعة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحاكم في المستدرك: "هو إمام من أئمة المسلمين".
وأما زر فهو ابن حبيش؛ وهو تابعي جليل مخضرم، روى له الجماعة كلهم، واحتج به البخاري ومسلم، وقد وثقه ابن معين وأحمد وابن سعد والعجلي وغيرهم.
وأما عبد الله فهو ابن مسعود -﵁- وهو حبر الأمة، وأحد السابقين الأولين، قال علقمة: "كان يشبه النبي - ﷺ - في هديه ودله وسمته"، وقد ذكرت في أول الكتاب أن حديث ابن مسعود -﵁- رواه أبو داود، والترمذي، وابن حبان في صحيحه من طرق صحيحة عن عاصم بن أبي النجود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه أيضًا الحاكم والذهبي وابن القيم.
وإذا علم أن أسانيد هذا الحديث كلها صحيحة لا مطعن فيها بوجه من الوجوه، فنقول لابن محمود: من هو الزنديق الكذاب المتهم عندك بوضع هذا الحديث وتزويره على النبي - ﷺ -؟ فهل تتهم به ابن مسعود -﵁- أو تتهم به زر بن حبيش، أو عاصم بن أبي النجود، أو سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعمر بن عبيد الطنافسي، ويحيى بن سعيد القطان، أو الإمام أحمد بن حنبل؟ ألا تخاف الله وتتقيه يا ابن محمود؟! ألا تتثبت فيما تقوله في أئمة العلم والهدى، وفيما تحكم به على الأحاديث الصحيحة، ورواتها الثقات الأثبات؟ أما تعلم أنك موقوف بين يدي الله -﷿- يوم القيامة، ومسئول عن أقوالك وأعمالك؟
الحديث الثاني: قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلمًا وعدوانا، قال: ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملؤها قسطًا وعدلا كما ملئت ظلمًا وعدوانًا». إسناده صحيح على شرط الشيخين.
أما محمد بن جعفر؛ فهو المعروف بغندر، وهو
[ ١٣٣ ]
ثقة ثبت، روى له الجماعة كلهم، ووثقه ابن معين وابن سعد والعجلي وابن حبان وغيرهم، وقال الذهبي: "أحد الأثبات المتقنة، لا سيما في شعبة".
وأما عوف؛ فهو ابن أبي جميلة الأعرابي، وهو ثقة ثبت، روى له الجماعة كلهم، ووثقه ابن معين وأحمد والنسائي وابن سعد وابن حبان وغيرهم، وقال النسائي: "ثقة ثبت"، وقال الذهبي: "ثقة مشهور".
وأما أبو الصديق الناجي؛ واسمه بكر بن عمرو وقيل بكر بن قيس، فهو ثقة، روى له الجماعة كلهم، ووثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وابن حبان.
وأما أبو سعيد الخدري -﵁- فهو صحابي جليل، مكثر في الحديث، واسمه سعد بن مالك بن سنان.
وإذا علم أن إسناد هذا الحديث صحيح لا مطعن فيه بوجه من الوجوه، فنقول لابن محمود: من هو الزنديق الكذاب المتهم عندك بوضع هذا الحديث وتزويره على النبي - ﷺ -؟ فهل تتهم به أبا سعيد الخدري -﵁- أو تتهم به أبا الصديق الناجي، أو عوف بن أبي جميلة الأعرابي، أو محمد بن جعفر، أو الإمام أحمد بن حنبل؟ فأنت بين أمرين لا ثالث لهما؛ إما أن تبين الزنديق الكذاب المتهم عندك بوضع هذا الحديث من الثقات الذين رووه، وإما أن ترجع عن قولك الباطل، وتعترف بالخطأ، وتتوب إلى الله -تعالى- مما رميت به الأتقياء الأبرياء، الذين هم من أكبر الأعداء للزنادقة الكذابين المزورين على الرسول - ﷺ -. وقد ذكرتُ في أول الكتاب أن حديث أبي سعيد -﵁- رواه الإمام أحمد من عدة طرق بعضها صحيح وبعضها حسن، ورواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة بأسانيد حسنة، وقال الترمذي: "حديث حسن"، ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من طرق، قال في أحدها: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقال في آخر: "صحيح على شرط مسلم"، وأقره الذهبي على ذلك، وقال في آخر: "صحيح"، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
الحديث الثالث: قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج وأبو نعيم، قالا: حدثنا فطر، عن القاسم بن أبي برة، عن أبي الطفيل قال حجاج: سمعت عليًا -﵁- يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله -﷿- رجلا منا يملؤها
[ ١٣٤ ]
عدلا كما ملئت جورًا». قال أبو نعيم «رجلا منا». قال: وسمعته مرة يذكره عن حبيب، عن أبي الطفيل، عن علي -﵁- عن النبي - ﷺ -، إسناداه صحيحان.
أما حجاج؛ فهو ابن محمد الأعور، ثقة حافظ ثبت، روى له الجماعة كلهم، ووثقه ابن المديني، ومسلم، والنسائي، والعجلي، وابن قانع، ومسلمة بن قاسم، وابن حبان، وقال الذهبي: "أحد الأثبات".
وأما أبو نعيم؛ فهو الفضل بن دكين، ثقة حافظ ثبت، روى له الجماعة كلهم، قال أحمد: "ثقة يقظان عارف بالحديث"، وقال يعقوب الفسوي: "أجمع أصحابنا على أن أبا نعيم كان غاية في الإتقان"، وقال أبو حاتم: "أبو نعيم حافظ متقن"، وقال الذهبي: "حافظ ثبت".
وأما فطر؛ فهو ابن خليفة، روى له البخاري مقرونًا بآخر، وروى له أهل السنن، ووثقه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وحسبك بتوثيق هؤلاء، وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن فطر بن خليفة، فقال: صالح، كان يحيى القطان يرضاه، ويحسن القول فيه ويحدث عنه"، وذكر الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" عن العجلي أنه قال: "كوفي ثقة حسن الحديث، وكان فيه تشيع قليل"، وقال النسائي: "لا بأس به"، وقال في موضع آخر: "ثقة حافظ كيِّس"، وقال ابن سعد: "كان ثقة -إن شاء الله تعالى- ومن الناس من يستضعفه"، وقال أبو زرعة الدمشقي: "سمعت أبا نعيم يرفع من فطر ويوثقه، ويذكر أنه كان ثبتًا في الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي في الكُنى: حدثنا يعقوب بن سفيان، عن ابن نمير قال: "فطر حافظ كيِّس"، وقال ابن عدي: "له أحاديث صالحة عند الكوفيين، وهو متماسك، وأرجو أن لا بأس به"، وقال شمس الحق في "عون المعبود": "وأما فطر بن خليفة الكوفي فوثَّقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن معين، والنسائي، والعجلي، وابن سعد، والساجي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وأخرج له البخاري، ويكفي توثيق هؤلاء الأئمة لعدالته، فلا يلتفت إلى قول ابن يونس، وأبي بكر بن عياش، والجوزجاني في تضعيفه، بل هو قول مردود". انتهى.
وأما القاسم بن أبي بزة؛ فقد روى له الجماعة، ووثَّقه ابن معين والعجلي والنسائي، وقال ابن سعد: "كان ثقة قليل الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات.
وأما أبو الطفيل؛ فهو عامر بن واثلة الكناني الليثي من صغار الصحابة، قال الخزرجي في الخلاصة: "ولد عام أحد"، وأثبت مسلم وابن عدي صحبته، وهو آخر من
[ ١٣٥ ]
مات من جميع الصحابة على الإطلاق، وقد روى له الجماعة كلهم.
وأما علي -﵁- فهو أمير المؤمنين، وأحد الخلفاء الراشدين المهديين، وهو مستغن عن التعريف به، وقد ذكرت في أول الكتاب أن أبا داود روى حديث علي -﵁- بإسناد صحيح.
وإذا علم هذا، فنقول لابن محمود: من هو الزنديق الكذاب المتهم عندك بوضع هذا الحديث وتزويره على النبي - ﷺ -؟ فهل تتهم به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- أو تتهم به أبا الطفيل -﵁- أو القاسم بن أبي بزة، أو فطر بن خليفة، أو حجاج بن محمد، وأبا نعيم الفضل بن دكين، أو أحمد بن حنبل؟ ألا تتقي الله يا ابن محمود؟! ألا تصون علمك ومنصبك عما يدنسه ويشينه؟
الحديث الرابع: قال الحارث بن أبي أسامة في مسنده: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنا إبراهيم بن عقيل عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن جابر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة». قال ابن القيم في كتابه "المنار المنيف": "وهذا إسناد جيد".
قلت: أما الحرث بن أبي أسامة؛ فهو الإمام الحافظ أبو محمد التميمي البغدادي صاحب المسند، وثَّقه إبراهيم الحزبي، وأبو حاتم بن حبان، وقال الدارقطني: "صدوق".
وأما إسماعيل؛ فهو ابن عبد الكريم بن معقل بن منبه الصنعاني، قال ابن معين: "ثقة رجل صدق"، وقال النسائي: "ليس به بأس"، وقال مسلمة بن قاسم: "جائز الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب": "صدوق من التاسعة".
وأما إبراهيم؛ فهو ابن عقيل بن معقل بن منبه الصنعاني، قال ابن معين: "لم يكن به بأس"، وقد قال ابن معين: "إذا قلت فلان ليس به بأس فهو ثقة"، ووثقه العجلي، وذكر ابن أبي خيثمة عن ابن معين أنه قال: "إبراهيم ثقة، وأبوه ثقة"، وقال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب": "صدوق من الثامنة"، وقد أخرج له ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
وأما عقيل بن معقل بن منبه؛ فهو ابن أخي وهب بن منبه، قال أحمد: "عقيل من ثقاتهم"، ووثقه أيضًا ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ ابن حجر
[ ١٣٦ ]
في "تقريب التهذيب": "صدوق من السابعة".
وأما وهب بن منبه؛ فهو الأبناوي الصنعاني، اتفق البخاري ومسلم على إخراج حديثه، وأخرج له أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، ووثقه العجلي وأبو زرعة والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في "الميزان": "كان ثقة صادقًا"، وقال في "تذكرة الحفاظ": "كان ثقة واسع العلم"، وقال الحافظ بن حجر في "تقريب التهذيب": "ثقة من الثالثة".
وأما جابر؛ فهو ابن عبد الله بن حرام الأنصاري، صحابي مشهور.
وإذا علم أن رجال هذا الحديث كلهم ثقات، فنقول لابن محمود: من هو الزنديق الكذاب المتهم عندك بوضع هذا الحديث وتزويره على النبي - ﷺ -؟ فهل تتهم به جابر بن عبد الله، أو وهب بن منبه، أو عقيل بن معقل، أو ابنه إبراهيم، أو ابن أخيه إسماعيل، أو الحارث بن أبي أسامة؟ فكل هؤلاء لا سبيل لأحد إلى الطعن فيهم، وكذلك رواة الأحاديث الثلاثة التي تقدم ذكرها لا سبيل لأحد إلى الطعن فيهم.
ولولا إيثار الاختصار لذكرت جميع الأحاديث الثابتة في المهدي، وذكرت كلام أهل الجرح والتعديل في توثيق رواتها، وفيما ذكرته من الأحاديث الثابتة أبلغ رد على من زعم أن أحاديث المهدي مزورة على الرسول - ﷺ - من قبل الزنادقة الكذابين.
فإن قال ابن محمود: إن عبد الله بن سبأ وشيعه هم الذين زوروا أحاديث المهدي على رسول الله - ﷺ -، كما قد جزم بذلك في صفحة (٤) وصفحة (١٦) وصفحة (١٨) من رسالته.
فالجواب: أن يقال: إن عبد الله بن سبأ كان في زمان عثمان وعلي -﵄- وقد قال الذهبي في "الميزان": "أحسب أن عليًا حرقه بالنار"، وكذا قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" قال: "وله أتباع يقال لهم السبائية، يعتقدون إلاهية علي بن أبي طالب، وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته". انتهى. وحيث أن عبد الله بن سبأ كان معاصرًا للصحابة -﵃- ولم يذكر أحد من المؤرخين أنه كان باقيًا بعد موت علي -﵁-، فإن كان هو الذي زوَّر أحاديث المهدي كما قد زعم ذلك ابن محمود، فإنه يلزم على هذا أن يكون ابن سبأ قد أدخل ما زوره من الأحاديث على عليٍّ وابن مسعود وأبي سعيد وأبي هريرة وجابر وأم سلمة -﵃- وغيرهم من الصحابة الذين رويت عنهم الأحاديث في المهدي، وهذا معلوم
[ ١٣٧ ]