المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعد: فقد حذر الله ﷿ من التفرق والاختلاف بعد الائتلاف، فقال ﷾: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال ﷾: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾ [يونس: ١٩].
وقال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ [الأنعام: ١٥٩].
وقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الروم: ٣١، ٣٢].
وذكر الله ﷿ اختلاف بني إسرائيل في التوراة، فقال سبحانه
[ مقدمة / ٥ ]
وتعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)﴾ [هود: ١١٠].
والاختلاف واقع في هذه الأمة أكثر من غيرها من الأمم.
فعن عوف بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار". قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: "الجماعة" (١).
وقد أمرنا الله ﷿ أن نعتصم بحبله جميعًا ولا نتفرق، فقال ﷾: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وبيَّن قبل ذلك أن مفتاح الاعتصام وعدم الفرقة هو تقوى الله حق تقاته، فأمر به قبل الأمر بالاعتصام، فقال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
والذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا ليسوا من الذين اتقوا الله حق تقاته، بل هم من الذين اتبعوا أهواءهم، وامتلأت قلوبهم بالبغي والحسد والكبر والهوى وغير ذلك مما ينافي تقوى الله.
وقد بيَّن الله ﷿ هؤلاء في مواطن من كتابه، وبين السبب الذي لأجله اختلفوا وتفرقوا، فقال تَعَالَى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [البقرة: ٢١٣].
_________________
(١) انظر تخريجه في النص المحقق (ص ١٥).
[ مقدمة / ٦ ]
فبين ﷾ أن الناس كانوا أمة واحدة، فاختلفوا، وأن سبب الاختلاف بينهم هو البغي والظلم.
وقال ﷾: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩].
وبيَّن ﷾ أن من أسباب البغي والظلم الْمُوقِعِ في الاختلاف: الحسد الذي يجعل الحاسد يرفض الحق وهو يعرفه، ويجادل عن الباطل، فقال ﷾: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩].
ثم بيَّن أن فريقًا من الناس يعرفون سبيل الرشد ولا يتخذونه سبيلًا؛ استكبارًا وعنادًا، وهذا من الظلم والبغي، وإن يروا سبيل الغي والضلال يتخذوه سبيلًا، ولذلك صرفهم الله عن طريق الحق جزاءً وفاقًا، فقال ﷾: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ [الأعر اف: ١٤٦].
كما بيَّنْ الله ﷿ أن من سننه في خلقه أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء إذا تركوا شيئًا من شرعه ولم يعملوا به، فقال ﷾ عن النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤].
وقد اختلفت هذه الأمة كما اختلف مَنْ قبلها من الأمم؛ مصداقًا لقوله - ﷺ -: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" (١)، وظهرت فيها الفرق التي أخبر
_________________
(١) انظر تخريجه في النص المحقق (١/ ١٦، ٢/ ٩٢، ٣/ ١٢٨، ١٨٦، ١٨٨).
[ مقدمة / ٧ ]
عنها النبي - ﷺ - في حديث الافتراق، وادَّعت كل فرقة أنها على الحق وما عداها على الباطل.
ولكن مع وجود هذا الاختلاف والتفرق، فلا يزال في الأمة طائفة منصورة قائمة بالحق، داعية إليه، لا يضرها من خالفها، ولا من خذلها، إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك.
ولذلك اهتم سلف هذه الأمة بالدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، والتحذير من البدع والأهواء، وكثرت أقوالهم ومؤلفاتهم في هذه المسألة.
فكُتِبَتْ كتب كثيرة في السنة وبيان منهج السلف الصالح، وفي الرد على أهل الأهواء والبدع.
ومن هذه الكتب الكثيرة، كتاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "الرد على الجهمية"، وكتاب "السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، وكتاب "خلق أفعال العباد" للبخاري، وكتاب "السنة" لابن أبي عاصم، وكتاب "السنة" لمحمد بن نصر المروزي، وكتاب "الشريعة" للآجري، و"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" للالكائي، وغير ذلك من كتب السلف رضوان الله عليهم.
وبعض هذه الكتب، عُنِيَ فيها مؤلفوها بالكتابة في التحذير من الأهواء والبدع، فألف ابن وضاح القرطبي كتابه "البدع والنهي عنها"، وألف أبو بكر الطرطوشي كتابه "الحوادث والبدع"، وألف أبو شامة كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، ولكن اقتصرت هذه الكتب -في الغالب- على النقل المجرد للنصوص الواردة في التحذير من البدع والنهي عنها، دون تحليل لمعانيها، وتحقيق مسائلها، مما جعل الإمام الشاطبي يقوم بتصنيف كتابه الفذ "الاعتصام"، الذي أشار رحمه الله تعالى فيه إلى هذه الكتب السابقة، ومأخذه عليها، فقال: "وإذا استقام هذا الأصل -أي كَتْبَ العلم لحفظ الدين- فَاحْمِلْ عَلَيْهِ كَتْبَ الْعِلْمِ مِنَ السُّنَنِ وَغَيْرِهَا إِذَا خِيفَ عَلَيْهَا الِانْدِرَاسُ، زِيَادَةً عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ؛ مِنَ الْأَمْرِ بِكَتْبِ الْعِلْمِ، وأنا
[ مقدمة / ٨ ]
أَرْجُو أَنْ يَكُونَ كَتبُ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي وَضَعْتُ يَدِي فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنِّي رَأَيْتُ بَابَ الْبِدَعِ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ مُغْفَلًا جِدًّا إِلَّا مِنَ النَّقْلِ الْجَلِيِّ؛ كَمَا نَقَلَ ابْنُ وَضَّاحٍ، أَوْ يُؤْتَى بِأَطْرَافٍ مِنَ الْكَلَامِ لَا يَشْفِي الْغَلِيلَ بِالتَّفَقُّهِ فِيهِ كَمَا يَنْبَغِي، ولم أجده عَلَى شِدَّةِ بَحْثِي عَنْهُ، إِلَّا مَا وَضَعَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ، وَهُوَ يَسِيرُ فِي جَنْبِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ، وَإِلَّا مَا وَضَعَ النَّاسُ فِي الْفِرَقِ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ، وَهُوَ فَصْلٌ مِنْ فُصُولِ الْبَابِ وَجُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، فَأَخَذْتُ نَفْسِي بِالْعَنَاءِ فِيهِ، عَسَى أَنْ يَنْتَفِعَ واضعه، وقارئه، وَنَاشِرُهُ، وَكَاتِبُهُ، وَالْمُنْتَفِعُ بِهِ، وَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ ولي ذلك ومُسْدِيه بسعة رحمته" (١).
انتهي كلامه رحمه الله تعالى.
ويمتاز كتاب الشاطبي من غيره من الكتب الأخرى التي ألفت في البدع بميزات عدة، أهمها:
١ - دراسته للآيات والأحاديث والآثار الواردة في معنى البدعة، والتحذير منها، والأمر بلزوم السنة دراسة تحليلية، قائمة على الاستنباط والدقة في الفهم، والتحقيق العلمي للمسائل التي يطرقها.
٢ - الترتيب العلمي والتسلسلي لموضوعات الكتاب، مما يساعد القارئ على استيعاب موضوعاته، وفهمها.
٣ - قوة الشاطبي العلمية، والعقلية، ورصانة أسلوبه، ودقة عباراته وألفاظه.
٤ - شمولية الكتاب لموضوعه، وجمعه لأطراف القضية التي تصدَّى لها، فقد عرَّف البدعة، والمسائل المتعلقة بها، وأسبابها، وذم البدع، وبيَّن سوء منقلب أصحابها، وأن البدع كلها مذمومة، ثم بيَّن مأخذ أهل البدع في الاستدلال، وحكم البدع الحقيقية والإضافية، وبيَّن أن البدع ليست على مرتبة واحدة، وناقش مسألة: هل البدع تدخل في الأمور العادية أو هي خاصة بالأمور العبادية فقط، وعقد فصلًا مُهِمًّا عن الفرق بين البدع
_________________
(١) (٣/ ١٦).
[ مقدمة / ٩ ]
والمصالح المرسلة والاستحسان، ثم درس حديث الافتراق دراسة وافية من حيث معناه، وما يندرج تحته من مسائل مُهِمَّة، وأخيرًا عقد بابًا لبيان الصراط المستقيم الذي ينبغي للمسلم سلوكه، وهذا ترتيب دقيق، يدل على عظم فقه صاحبه رحمه الله تعالى.
٥ - مناقشته للشُّبَه التي تمسك بها أهل البدع، وجعلوها أدلة لبدعهم، وقيامه بنقضها وبيان خطأ الاستدلال بها، وأنها لا تخفي على الراسخين.
وقد طبع الكتاب عدة طبعات، معظمها مليئة بالسقط والتصحيف والأخطاء (١)، لا يزال معها الكتاب بحاجة إلى خدمة؛ من ضبط نصٍّ، وتخريج أحاديث وآثار، وتعليق على ما لا بُدَّ منه، وغير ذلك؛ مما دفعنا إلى إعادة تحقيقه، والتعليق عليه، فقام الدكتور محمد بن عبد الرحمن الشقير بكتابة قسم الدراسة من بدايته إلى نهاية المبحث الخامس: (قيمة الكتاب العلمية)، وتحقيق الأبواب الثلاثة الأولى.
وقام الدكتور سعد بن عبد الله آل حميّد بتحقيق الباب الرابع والخامس والسادس والسابع.
وقام الدكتور هشام بن إسماعيل الصيني بتحقيق الباب الثامن والتاسع والعاشر، وكتابة الملحق الخاص بالفرق في نهاية الكتاب.
وما سوى ذلك فهو عمل مشترك بين المحققين.
وأصل هذا العمل كان رسائل علمية بجامعة أم القرى، فالقسم الأول هو أطروحه الدكتور محمد الشقير للماجستير، وقد نوقشت بتاريخ ١٤١٥ هـ، والقسم الثالث هو أطروحة الدكتور هشام الصيني للماجستير أيضًا، وقد نوقشت بتاريخ ١٤١٣ هـ.
وأما القسم الثاني فلم يتم الاتفاق بين دار ابن الجوزي وبين الطالب
_________________
(١) ولا نستثني من ذلك سوى الطبعة التي قام بتحقيقها الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان فهي أحسن الطبعات السابقة؛ كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
[ مقدمة / ١٠ ]
الذي قام بتحقيقه، فقام الدكتور سعد الحميد بتحقيقه، وكان هذا من أسباب تأخير صدور هذه الطبعة.
وفيما يلي وصف لخطة العمل في هذا الكتاب:
فقد قسمنا الكتاب إلى قسمين، تعقبها الفهارس.
* القسم الأول: الدراسة، وفيه بابان:
- الباب الأول: التعريف بالمؤلف، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: عصر المؤلف، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسية.
المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية.
المبحث الثالث: الحالة العلمية.
الفصل الثاني: حياة المؤلف الشخصية، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: اسمه وكنيته ونسبه ونسبته.
المبحث الثاني: مولده ونشأته وموطنه.
المبحث الثالث: محنته وما اتهم به.
المبحث الرابع: وفاته.
الفصل الثالث: حياة المؤلف العلمية، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: طلبه للعلم وشيوخه.
المبحث الثاني: تلاميذه.
المبحث الثالث: ثقافته ومؤلفاته.
المبحث الرابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
المبحث الخامس: عقيدته.
- الباب الثاني: التعريف بالكتاب وطبعاته ونُسَخِه الْخَطِّيَّة، وفي فصلان:
[ مقدمة / ١١ ]
الفصل الأول: التعريف بالكتاب، وفيه خمس مباحث:
المبحث الأول: اسم الكتاب.
المبحث الثاني: موضوعه.
المبحث الثالث: سبب تأليفه.
المبحث الرابع: توثيق نسبته إلى مؤلِّفه.
المبحث الخامس: قيمته العلمية.
الفصل الثاني: التعريف بطبعات الكتاب، ونُسَخِه الخطّيَّة، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: التعريف بطبعات الكتاب.
المبحث الثاني: التعريف بنسخ الكتاب الخطّيَّة.
* القسم الثاني: النص المحقق.
منهجنا في تحقيق الكتاب
أولًا: المقابلة بين النسخ:
قمنا بالمقابلة بين النسخ، واتبعنا طريقة اختيار النص الصحيح، وذلك لعدم توفر نسخة يمكن الاعتماد عليها وجعلها أصلًا، مع ملاحظة ما يلي:
أ- لا نشير إلى الفروق في لفظ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، والترضي عن الصحابة ﵃، بل نثبت أكمل صيغة وردت في المخطوطات.
ب- لا نشير إلى الفروق بين النسخ في:
(قال الله تعالى) و(قال تعالى)، بل نثبت أكمل صيغة وردت في المخطوطات.
جـ- بالنسبة إلى الفروق بين نسخ الاعتصام والكتب التي نقل منها الشاطبي، لا نشير إلا إلى الفروق المهمة بينهما.
د- إذا أجمعت النسخ على كلمة أو جملة يظهر -من غير جزم- أنها
[ مقدمة / ١٢ ]
خطأ أو فيها سقط، فنثبت ما وجدناه في النسخ في الأغلب، ونشير في الهامش إلى الكلمة أو الجملة التي نظن أنها أقرب إلى الصواب.
أما إذا أجمعت النسخ على خطأ أو سقط جزمًا، وكان الخطأ في نقل نقله الشاطبي عن بعض الكتب، ووجدنا الصواب في الكتب التي نقل منها، فنثبت الصواب ونشير إلى ذلك في الهامش.
ثانيًا: التعليق:
علقنا على المسائل المهمة التي يُحتاج إليها في فهم النص، أو قد تُشكل على بعض القراء، ولم نعلق على كل مسألة ترد خشية إثقال الحواشِي بالتعليقات التي لا يحتاج إليها -في الغالب- معظم طلبة العلم.
ثالثًا: الآيات القرآنية:
قمنا بمراجعة الآيات القرآنية، وعزوها إلى سورها، مع ذكر أرقام الآيات.
رابعًا: الأحاديث والآثار:
خرجنا الأحاديث والآثار من الكتب المشهورة كالصحيحين والسنن والمسانيد، وأما بالنسبة إلى صحة الحديث، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما، اكتفينا بذلك، وإن كان في غير الصحيحين، ذكرنا حكم العلماء عليه -إن وجد- بالصحة أو الضعف، سواء من العلماء السابقين أو المعاصرين، وقد نجتهد في الحكم على الحديث والأثر أحيانًا.
خامسًا: عزو الأقوال والنصوص:
قمنا بعزو النصوص -التي نقلها الشاطبي- إلى الكتب المطبوعة حسب الاستطاعة.
سادسًا: ترجمة الأعلام:
ترجمنا ترجمة مختصرة للأعلام غير المشهورين.
[ مقدمة / ١٣ ]
سابعًا: شرح الكلمة الغريبة:
قمنا بشرح الكلمات الغريبة من معاجم اللغة، وضبطنا بالشكل الكلمات التي تحتاج إلى ضبط.
ثامنًا: التعريف بالفِرَق:
عرفنا بالفرق من خلال كتب الفرق المشهورة، وذكرنا التعريف في هامش النص، ما عدا الفرق التي سردها الشاطبي أثناء كلامه على مسألة تعيين الفرق في الباب التاسع، وهي أكثر من اثنتين وسبعين فرقة، فقد أفرد لها محقق الباب التاسع ملحقًا خاصًّا في نهاية البحث.
تاسعًا: التعريف بالبلدان والأماكن:
قمنا بالتعريف بالبلدان والأماكن غير المشهورة، من خلال كتب معاجم البلدان.
عاشرًا: الفهارس:
قمنا بوضع فهارس علمية تساعد الباحث في الكشف عن مسائل الكتاب، وهي:
١ - فهرس الآيات القرآنية.
٢ - فهرس الأحاديث النبوية.
٣ - فهرس الآثار.
٤ - فهرس الأعلام.
٥ - فهرس الفرق.
٦ - فهرس الأماكن والبقاع.
٧ - فهرس موضوعات الكتاب.
وبعد: فهذا ما استطعنا من جهد، فما كان فيه من صواب فهو بتوفيق
[ مقدمة / ١٤ ]
من الله ﷿، وما كان من خطأ فهو من قصور البشر وعجزهم، ولا نقول إلا كما قال الشاطبي ﵀: "فَالْإِنْسَانُ -وَإِنْ زَعَمَ فِي الْأَمْرِ أَنَّهُ أَدْرَكَهُ وَقَتَلَهُ عِلْمًا- لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ إِلَّا وَقَدْ عَقَلَ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَقَلَ، وَأَدْرَكَ مِنْ عِلْمِهِ مَا لَمْ يَكُنْ أَدْرَكَ قَبْلَ ذَلِكَ، كُلُّ أَحَدٍ يُشَاهِدُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ عِيَانًا، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِمَعْلُومٍ دون معلوم، ولا بذات دون صفة، ولا فعل دون حكم" (١).
و"المنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه" (٢).
وأخيرًا، فإنا نحمد الله ﷿ ونشكره على توفيقه لنا في إتمام هذا العمل.
ثم إنّا نشكر كل من ساعدنا في إتمام هذا الجهد، ونسأل الله ﷿ أن يكتب لهم الأجر ويحط عنهم الوزر، وأن يتقبل عملنا خالصًا لوجهه، ويغفر لنا خطأنا وتقصيرنا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المحققون
_________________
(١) انظر النص المحقق (ص ٢٨٦).
(٢) "القواعد" لابن رجب (ص ٣).
[ مقدمة / ١٥ ]
القسم الأول الدراسة
* وفيه بابان:
الباب الأول: التعريف بالمؤلف.
الباب الثاني: التعريف بالكتاب وطبعاته ونُسخِه الخطيّة.
[ مقدمة / ١٧ ]
الباب الأول التعريف بالمؤلف
* وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: عصر المؤلِّف.
الفصل الثاني: حياة المؤلف الشخصية.
الفصل الثالث: حياة المؤلف العلمية.
[ مقدمة / ١٩ ]
الفصل الأول عصر المؤلِّف
* وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسية.
المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية.
المبحث الثالث: الحالة العلمية.
[ مقدمة / ٢١ ]
المبحث الأول الحالة السياسية
عاش الإمام الشاطبي ﵀ في القرن الثامن الهجري، وكانت حياته في مدينة غرناطة (١) الأندلسية، والتي كان يحكمها في ذلك الوقت ملوك بني نصر، ويسمون كذلك ملوك بني الأحمر، ويعود نسبهم إلى الصحابي الجليل سعد بن عبادة الأنصاري - ﵁ - (٢). وقد حكمت هذه الدولة مملكة غرناطة ما يزيد على قرنين ونصف، حيث نشأت مملكتهم عام ٦٣٥ هـ على يد مؤسس الدولة الغالب بالله أبي عبد الله محمد بن يوسف بن محمد بن نصر بن قيس الخزرجي الأنصاري، وانتهت عام ٨٩٧ هـ على أيدي نصارى إسبانيا (٣).
وقد عاشت هذه الدولة اضطرابات سياسية بين ملوكها، بعد مؤسسها الأول، فها هو لسان الدين ابن الخطيب (٤) أحد وزراء الدولة المقربين يصور لنا ما وقع بين ملوكها بعد مؤسسها الأول فيقول: " وولِّي بعده ولده
_________________
(١) غرناطة: بفتح أوله وسكون ثانيه، ثم نون، وبعد الألف طاء مهملة، وأغرناطة بالألف في أوله أسقطها العامة، وهي أقدم مدن كورة البيرة من أعمال الأندلس وأعظمها وأحسنها وأحصنها. انظر: "معجم البلدان" لياقوت الحموي (٤/ ١٩٥)، "الإحاطة في أخبار غرناطة" للسان الدين ابن الخطيب (١/ ٩١).
(٢) "الإحاطة في أخبار غرناطة" (١/ ١١٩).
(٣) "نهاية الأندلس" لعبد الله عنان (ص ١٣٩).
(٤) هو محمد بن عبد الله بن سعيد المعروف بلسان الدين ابن الخطيب، ذو الوزارتين، أديب، شاعر، مؤرخ، مشارك في الطب وغيره، ومن كتبه "الإحاطة في أخبار غرناطة" و"اللمحة البدرية في الدولة النصرية" وغيرهما. انظر: "نفح الطيب" للمقري (٨/ ١٣٠)، "شجرة النور الزكية" لمحمد مخلوف (ص ٢٣٠).
[ مقدمة / ٢٢ ]
وسَمِيُّه السلطان -ثاني ملوكها وعظيمها- أبو عبد الله، وطالت مدته إلى أن توفي عام احد وسبع مئة، وولِّي بعده ولده وسَمِيُّه أبو عبد الله محمد، وخُلع يوم الفطر من عام ثمانية وسبع مئة، وتوفي في شوال عام أحد عشر وسبع مئة، وولِّي بعده خالعه أخوه نصر أبو الجيوش، وارتبك أمره، وطلب الأمر ابن عم أبيه السلطان أبو الوليد إسماعيل بن الفرج بن إسماعيل صنو الأمير الغالب بالله أول ملوكهم، فتغلب على دار الإمارة في ثاني ذي القعدة من عام ثلاثة عشر وسبع مئة، وانتقل نصر مخلوعًا إلى مدينة وادي آشي، وتوفي عام اثنين وعشرين وسبع مئة، وتمادى ملك السلطان أبي الوليد إلى الثالث والعشرين من رجب عام خمسة وعشرين وسبع مئة، ووثب عليه ابن عمه في طائفة من قرابته فقتلوه ببابه، وخاب فيما أملوه سعيهم، فقتلوا كلهم يومئذٍ، وتولَّى أمره ولده محمد، واستمر إلى ذي الحجة من عام أربعة وثلاثين وسبع مئة، وقتل بظاهر جبل الفتح بأيدي جنده من المغاربة، وتولَّى الأمر بعده أخوه أبو الحجاج يوسف، ودام ملكه إلى يوم عيد الفطر من عام خمسة وخمسين وسبع مئة، وترامى عليه في صلاته ممرور بمدية في يده فقتله، وقدم لأمره الأكبر من أولاده " (١).
وابنه هذا هو محمد بن أبي الحجاج، وقد سلب منه ملكه ثم عاد إليه عام ٧٦٣ هـ، "واستمر ملكه إلى أن توفي عام ٧٩٣ هـ، ودامت فتن داخلية حتى سقطت مملكتهم عام ٨٩٧ هـ على أيدي نصارى إسبانيا" (٢).
ولا يخفي ما يصوره نص ابن الخطيب السابق من الاضطرابات السياسية الداخلية بين ملوك هذه الدولة.
وقد عانت هذه الدولة من العدو الخارجي، وهم النصارى الإسبان الذين كانوا يتربصون بهم، ولا يفترون عن مهاجمتهم إلا إذا انشغلوا بالقتال فيما بينهم، وجهاد هذه الدولة ضد النصارى من أروع حسناتها، حيث
_________________
(١) "الإحاطة في أخبار غرناطة" (١/ ١١٩)، "اللمحة البدرية" (ص ٣٣ - ٣٤).
(٢) "نهاية الأندلس" لعبد الله عنان (ص ٢٧ - ٥٤، ١٣٩).
[ مقدمة / ٢٣ ]
واجهت النصارى ما يزيد على قرنين، مع إحاطة العدو بها، ومع بعدها عن ديار المسلمين.
وكان من حسنات هذه الدولة إيواؤها للمسلمين الذين كانت تسقط مدنهم في أيدي النصارى.
وقد كان للعلماء دور هام في الساحة السياسية، ويبرز ذلك في توعيتهم للناس، وتحذيرهم من هذا العدو، وتحريك حمياتهم. قال في أزهار الرياض: "لما تقلص الإسلام بالجزيرة، واسترد الكفار أكثر أمصارها وقراها على وجه العنوة والصلح والاستسلام، لم يزل العلماء والكتاب والوزراء يحركون حميات ذوي البصائر والأبصار، ويستنهضون عزماتهم في كل الأمصار" (١).
ولم يقتصر علماء الأندلس على الجهاد باللسان والقلم، بل شاركوا بأنفسهم في المعارك ضد النصارى، ومن ذلك معركة طريف (٢) وغيرها.
وقد عاصر الإمام الشاطبي ﵀ ما يقارب أربعة ملوك من ملوك هذه الدولة بداية من السلطان أبي الوليد إسماعل بن فرج ٧٢٢ - ٧٢٥ هـ، ونهاية بمحمد بن يوسف بن إسماعيل ٧٥٥ - ٧٩٣ هـ.
ولا يظهر من ترجمة الإمام الشاطبي أنه كان ذا عناية بما يدور في الواقع السياسي، وإنما كان شغله العلم والتعليم، والدعوة إلى السنة والنهي عن البدع، والاجتهاد في الإصلاح. ولا شك أن ذلك من أعظم أسباب قيام الدول وبقائها.
_________________
(١) "أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض" للمقري (١/ ٦٣).
(٢) هي موقعة وقعت بين المسلمين والنصارى في الأندلس سنة (٧٤١ هـ)، وقد استشهد في هذه المعركة عدد كبير من العلماء، وقد انتصر المسلمون فيها. انظر: "الإحاطة في أخبار غرناطة" (٤/ ٣٣٢)، "نفح الطيب" (٥/ ١٤).
[ مقدمة / ٢٤ ]
المبحث الثاني الحالة الاجتماعية
لقد صور لنا لسان الدين ابن الخطيب الحالة الاجتماعية في مملكة غرناطة تصويرًا حسنًا، ولا سيما أنه كان من أهلها. فقد تكلم عن سكان مملكة غرناطة من حيث قوتهم، وعملتهم، وملابسهم، وحُلِيُّ نسائهم، وأجناسهم البشرية، وتعداد قراهم، وأحوالهم الدينية، بل حتى أوصافهم الخلقية.
فعن أقواتهم قال ﵀: "وقوتهم الغالب البر الطيب عامة العام ، وفواكههم اليابسة عامة العام متعددة، يدخرون العنب سليمًا من الفساد إلى شطر العام، إلى غير ذلك من التين والزبيب والتفاح ..، إلى غير ذلك مما لا ينفد ولا ينقطع مدده إلا في الفصل الذي يُزهد في استعماله" (١).
ويقول ﵀ عن عملتهم: "وصرفهم فضة خالصة، وذهب إبريز طيب محفوظ" (٢).
وعن خيرات بلادهم قال ﵀: "ولها معادن جوهرية من ذهب وفضة ورصاص وحديد ..، وقال بعض المؤرخين: ومن كرم أرضنا أنها لا تعدم زريعة بعد زريعة، ورعيًا بعد رعي طول العام، وفي عمالتها المعادن الجوهرية .. " (٣)، ثم ذكر خيراتها المتعددة.
وقال عن قرى هذه المملكة: "وتنيف أسماؤها على ثلاث مئة قرية ما
_________________
(١) انظر: "الإحاطة في أخبار غرناطة" لابن الخطيب (١/ ١٣٧).
(٢) نفس المرجع (١/ ١٣٧).
(٣) نفس المرجع (١/ ٩٨ - ٩٩).
[ مقدمة / ٢٥ ]
عدا ما يجاور الحضرة من كثير من قرى الإقليم، أو ما استضافته الحصون المجاورة" (١). ثم شرع في ذكرها.
وقال في موضع آخر: "وقد ذكرنا أن أكثر هذه القرى أمصار فيها ما يناهز خمسين خطبة، تنصب فيها لله المنابر، وترفع الأيدي، وتتوجه الوجوه" (٢).
وقال عن ألسنتهم وأجناسهم: "وألسنتهم فصيحة عربية، ويتخللها غرب كثير، وتغلب عليهم الإمالة، وأخلاقهم أبية في معاني المنازعات، وأنسابهم عربية، وفيهم من البربر والمهاجرة كثير" (٣).
ولقد جمعت مملكة غرناطة كثيرًا من مسلمي الأندلس الذين كانوا يأوون إليها بسبب احتلال النصارى لبلادهم مما أدى إلى استثمار ما في هذه البلاد من خيرات وافرة.
وأما تجارة غرناطة فقد كانت تجارة واسعة بسبب الثغور الجنوبية البحرية، لا سيما مالقة (٤) والمريّة (٥)، فهي من أغنى الثغور الأندلسية وأزخرها بالحركة التجارية، فاستطاعت غرناطة أن تربط صلات اقتصادية تجارية مع دول أخرى" (٦).
ويبدو أن الوضع الاقتصادي في زمن الإمام الشاطبي قد اعتراه الضعف حتى إن بيت المال أصبح عاجزًا عن تجديد بناء أسوار الحصون، واختلف
_________________
(١) نفس المرجع (١/ ١٢٦).
(٢) انظر: "الإحاطة في أخبار غرناطة" (١/ ١٣٢).
(٣) نفس المرجع (١/ ١٣٤).
(٤) مالقة: بفتح اللام والقاف، مدينة بالأندلس عامرة من أعمال (رية) سورها على شاطىء البحر بين الجزيرة الخضراء والمرية. "معجم البلدان" (٥/ ٤٣).
(٥) المرية: بالفتح ثم الكسر وتشديد الياء بنقطتين من تحتها، وهي مدينة كبيرة من كورة البيرة من أعمال الأندلس من بناء الأمير الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد. انظر: "معجم البلدان" (٥/ ١١٩ - ١٢٠).
(٦) انظر: "نهاية الأندلس" لعبد الله عنان (ص ٣٢٦).
[ مقدمة / ٢٦ ]
الفقهاء هل يجوز توظيف ذلك على الأهالي؟ وكان الإمام الشاطبي ممن أفتى بالجواز اعتمادًا على مبدأ المصلحة المرسلة (١).
ومن مظاهر الضعف المالي: استفتاء بعضهم للإمام الشاطبي: "هل يباح لأهل الأندلس بيع الأشياء التي منع العلماء بيعها من أهل الحرب كالسلاح وغيره، لكونهم محتاجين إلى النصارى في أشياء أخرى من المأكول والملبوس وغير ذلك؟ أم لا فرق بين أهل الأندلس وغيرهم من أرض الإسلام؟ " (٢).
ولعل سبب ما وقع فيه أهل الأندلس من الضيق: بعدهم عن الله والإسراف في التنعم، فقد وصفهم ابن الخطيب بالعناية البالغة بالتّزيُّن، كما ذكر فشو الغناء في بلادهم؛ حيث قال عن نسائهم: "وقد بلغن من التفنن في الزينة لهذا العهد، والمظاهرة بين المصبغات، والتنفيس بالذهبيات والديباجيات، والتماجن في أشكال الحلي، إلى غاية نسأل الله أن يغض عنهن فيها عين الدهر، ويكفكف الخطب، ولا يجعلها من قبيل الابتلاء والفتنة، وأن يعامل جميع من بها بستره، ولا يسلبهم خفي لطفه بعزته وقدرته" (٣).
وقال عن فشو الغناء عندهم: "والغناء بمدينتهم فاش حتى في الدكاكين التي تجمع صنائعها كثيرًا من الأحداث " (٤).
وكانت البدع فاشية أيضًا في هذا المجتمع، فقد قال الإمام الشاطبي في مقدمة هذا الكتاب: " .. لِأَنَّهُ لَمَّا كَثُرَتِ الْبِدَعُ وَعَمَّ ضَرَرُهَا، وَاسْتَطَارَ شَرَرُهَا، وَدَامَ الْإِكْبَابُ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا، وَالسُّكُوتُ من المتأخرين على الْإِنْكَارِ لَهَا، وَخَلَفَتْ بَعْدَهُمْ خُلُوفٌ جَهِلُوا أَوْ غفلوا عن القيام بفرض القيام
_________________
(١) انظر: "فتاوى الإمام الشاطبي" (ص ٢٨)، وقريب من هذا ما في "الاعتصام" للشاطبي (٢/ ١٢١ - ١٢٣).
(٢) انظر: "فتاوى الإمام الشاطبي" (ص ١٤٤ - ١٤٧).
(٣) انظر: "الإحاطة في أخبار غرناطة" (١/ ١٣٩).
(٤) المصدر السابق (١/ ١٣٧).
[ مقدمة / ٢٧ ]
فِيهَا، صَارَتْ كَأَنَّهَا سُنَنٌ مُقَرَّرَاتٌ، وَشَرَائِعُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ مُحَرَّرَاتٌ، فَاخْتَلَطَ الْمَشْرُوعُ بِغَيْرِهِ، فَعَادَ الرَّاجِعُ إِلَى مَحْضِ السُّنَّةِ كَالْخَارِجِ عَنْهَا كَمَا تقدم، فالتبس بعضها ببعض " (١).
ولا شك أن فشو المعاصي والبدع، وركون الناس إلى الدنيا سبب في زوال النعم، وقد كانت هذه الأمور سببًا في ذهاب دولة المسلمين بالأندلس.
_________________
(١) انظر النص المحقق (ص ٣٦).
[ مقدمة / ٢٨ ]
المبحث الثالث الحالة العلمية
لقد كان الزمن الذي عاش فيه الإمام الشاطبي من أفضل الأزمنة العلمية، سواء في المشرق أو في المغرب، فقد عاش الإمام الشاطبي في القرن الثامن الهجري، وهو قرن حافل بشخصيات علمية ومؤلفات رائعة في جميع الفنون.
ففي المشرق كان زمن الإمام ابن القيم، والحافظ الذهبي، والإمام ابن كثير، والإمام ابن رجب، وأمثال هؤلاء العلماء الكبار.
وفي المغرب أيضًا كان المستوى العلمي في أروع مراحله، إذ نجد العلماء الكبار، والفنون المتعددة، والمناظرات العلمية، واهتمام الأمراء بالعلم، وغير ذلك من صور الرقي العلمي.
يقول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: "وكان العلماء من سائر الفنون متوافرين في بلاد الأندلس. وهذه طائفة كانت في عصر واحد أواخر القرن الثامن، من سنة ٧٧٢ حتى ٨٠٠ ما منها إلا إمام يُعْنَى إليه ويعتمد في علمه عليه؛ مثل ابن جُزَيّ وابن لب وابن الفخار وابن الجياب وابن عاصم في الفقهاء، وأبي حيان وابن الصايغ في النحاة، والشاطبي في الأصول وفلسفة الشريعة، وابن الخطيب وابن زمرك والوزير ابن عاصم في رجال القلم والسياسة، وابن هذيل الحكيم في الفلسفة. إنما كان القضاء الأخير على العلم بالأندلس في القرن التاسع" (١).
وقد كان لاهتمام أمراء الدولة النصرية بالعلم وتشجيعهم لأهله دور
_________________
(١) "أليس الصبح بقريب" لابن عاشور (ص ٧٩).
[ مقدمة / ٢٩ ]
هام في رفع المستوى العلمي في مملكتهم، خاصة في عهد السلطان أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل النصري المتوفي سنة ٧٥٥ هـ، فقد كان عالمًا أديبًا شغوفًا بالعلوم (١).
واشتهر الأمير أبو الوليد إسماعيل بن السلطان يوسف الثاني المتوفي سنة ٨٠٥ هـ بحبه للأدباء والعلماء، وله في الأدب كتاب "نثير الجمان في شعر من نظمني وإياه الزمان"، وقد ترجم فيه لأعلام عصره في الشعر والأدب.
وأما عن المراكز العلمية في مملكة غرناطة، فاشتهر منها مركزان:
الأول: الجامع الأعظم، وقد كان مقصدًا لطلاب العلم، كما كان مقصدًا للعباد. ومن أشهر مدرسيه: أبو سعيد فرج بن لب، وأبو بكر أحمد بن جُزَيّ.
الثاني: المدرسة النصرية، وقد أنشئت هذه المدرسة في عهد السلطان يوسف أبي الحجاج المتوفي سنة ٧٥٥ هـ، وقد قال عنها لسان الدين ابن الخطيب: "جاءت نسيجة وحدها بهجة وصدرًا وظرفًا وفخامة" (٢).
وممن قام بالتدريس فيها محمد بن علي بن أحمد الخولاني المعروف بابن الفخار المتوفي سنة ٧٥٤ هـ (٣)، وفرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبي المتوفي سنة ٧٨٣ هـ (٤).
وقد كان من أسباب هذه النهضة العلمية في غرناطة: تجمع مسلمي الأندلس فيها بسب استيلاء النصارى على مدنهم، فاجتمعت في غرناطة ثقافات عديدة، وقدرات علمية متنوعة.
وأما المذهب السائد عند أهل الأندلس فهو مذهب الإمام مالك ﵀ (٥)، فقد كان هو العمدة في الفتوى والقضاء (٦).
_________________
(١) انظر: "الإحاطة في أخبار غرناطة" لابن الخطيب (١/ ٢٠).
(٢) نفس المرجع (١/ ٥٠٩).
(٣) نفس المرجع (٣/ ٣٥).
(٤) نفس المرجع (٤/ ٢٥٤).
(٥) انظر: "الإحاطة في أخبار غرناطة" لابن الخطيب (١/ ١٣٤).
(٦) "فتاوى الإمام الشاطبي" (ص ٣١).
[ مقدمة / ٣٠ ]
الفصل الثاني حياة المؤلف الشخصية
* وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: اسمه، وكنيته، ونسبه.
المبحث الثاني: مولده، ونشأته، وموطنه.
المبحث الثالث: محنته، وما ابتلي به، واتهامه من خصومه.
المبحث الرابع: وفاته.
[ مقدمة / ٣١ ]
المبحث الأول اسمه، وكنيته، ونسبه
أجمع من ترجم للإمام الشاطبي على أن اسمه: إبراهيم بن موسى بن محمد. ولم يزيدوا على هذا الاسم أحدًا.
أما كنيته: فقد أجمعوا أيضًا على أن كنيته: أبو إسحاق.
وأما نسبه: فهو من قبيلة لَخْم، وهي قبيلة من قبائل اليمن، ومنهم كانت ملوك العرب في الجاهلية، وهم آل عمرو بن عدي بن نصر الَّلخْمي (١).
وأما نسبته: فهو الغرناطي الشاطبي.
فأما الغرناطي فنسبة إلى مملكة غرناطة التي عاش بها، وتقدم الكلام عليها.
وأما الشاطبي فنسبة إلى مدينة شاطبة، وهي مدينة في شرق الأندلس (٢).
ولا نعلم سبب نسبته إلى شاطبة، فلعلها كانت مهاجر أسرته قبل غرناطة.
_________________
(١) انظر:"الأنساب" للسمعاني (٥/ ١٣٢)،"الصحاح" للجوهري (٢٠٢٨٥)، "معجم قبائل العرب" لكحالة (٣/ ١٠١٢).
(٢) انظر: "معجم البلدان" لياقوت (٣/ ٣٠٩).
[ مقدمة / ٣٢ ]
المبحث الثاني مولده، ونشأته، وموطنه
أما مولده: فلم يذكر أحد ممن ترجم له سنة ولادته ولا مكانها، بل إن منهم من نص على أنه لم يقف عليها، كما قال أحمد بابا التنبكتي (١) -مع سعة ترجمته-: "ولم أقف على مولده ﵀" (٢).
وقد اجتهد الشيخ محمد أبو الأجفان في تقدير سنة ولادته فقال: "لم يعين المترجمون لأبي إسحاق .. الشاطبي سنة ولادته، ويمكننا أن نقدر الفترة التي ولد فيها، استنتاجًا من تاريخ وفاة شيخه أبي جعفر أحمد بن الزيات الذي كان أسبق شيوخه وفاة، فقد كانت وفاته سنة ٧٢٨ هـ، وهي السنة التي يكون فيها مترجمنا يافعًا، وذلك مما يجعلنا نرجح أن ولادته كانت قبيل سنة ٧٢٠ هـ" (٣).
وأما نشأته وموطنه: فقد كانت في غرناطة آخر مملكة للمسلمين بالأندلس، فبها نشأ، وبها طلب العلم، وفيها أصبح عالمًا مفتيًا. ولم يذكر الذين ترجموا له المسائل الدقيقة في نشأته، ولا ذكروا أسرته، وإنما ركزوا على ذكر شيوخه وسماعاته ﵀.
ولم يذكر عن الإمام الشاطبي أنه رحل من غرناطة.
_________________
(١) هو أحمد بن أحمد بن أحمد بن عمر بن محسن الصنهاجي الماسي السوداني التنبكتي، التكروري المالكي، فقيه عالم مؤرخ، ومن مؤلفاته: "كفاية المحتاج"، و"نيل الابتهاج". توفي سنة (١٠٣٢ هـ). انظر: "خلاصة الأثر" للمحبي (١/ ٢١٧٠)، "شجرة النور الزكية" (ص ٢٩٨).
(٢) "نيل الابتهاج" (ص ٤٩).
(٣) انظر: "مقدمة الأستاذ محمد أبو الأجفان لفتاوى الشاطبي" (ص ٣٢).
[ مقدمة / ٣٣ ]
المبحث الثالث محنته، وما ابتلي به، واتهامه من خصومه
كان لتصدي الإمام الشاطبي لأنواع من البدع التي أَلِفَها الناس واعتادوها أثره في المواجهة، ليس مع العامة والدهماء، بل ومع بعض العلماء، ومنهم من كان من شيوخه، وكان مما اتهم به ﵀:
١ - القول بأن الدعاء لا ينفع وأنه لا فائدة فيه (١):
وسبب هذه التهمة أن الإمام الشاطبي لم يلتزم الدُّعَاءَ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَاةِ حَالَةَ الإمامة (٢)، وقد كان الناس في الأندلس يلتزمونه في ذلك الزمن.
وممن رمى الإمام الشاطبي بهذه التهمة شيخه أبو سعيد ابن لب (٣).
_________________
(١) وهذا القول عزاه شارح الطحاوية إلى قوم من المتفلسفة وغالية المتصوفة، محتجِّين بأن المشيئة الإلهية إن اقتضت حصول المطلوب، فلا حاجة إلى الدعاء، وإن لم تقتضه فلا فائدة فيه أيضًا. وقد بين بطلان قولهم بضرورة الدين والعقل والحس والفطرة، وردَّ قولهم بمنع المقدمتين حيث ذكر قسمًا ثالثًا وهو أن تقتضيه المشيئة بشرط لا تقتضيه مع عدمه، وقد يكون الدعاء من شرطه، كما توجب الثواب مع العمل الصالح ..، ثم إنه إذا لم يحصل المطلوب فقد يحصل غيره للسائل من خيري الدنيا والآخرة، كما قال - ﷺ -: "ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجِّل له دعوته، أو يدَّخِر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها، قالوا: إذًا نُكْثِر، قال: الله أكثر" "المسند" (٣/ ١٨)، وصححه الألباني في تعليقه على "شرح الطحاوية" (ص ٤٦٢)، وانظر: "شرح الطحاوية" (ص ٤٦٠ - ٤٦٢).
(٢) انظر النص المحقق (ص ٢٥).
(٣) انظر كلامه في: "المعيار المعرب" للونشريسي (٦/ ٣٦٩ - ٣٧٠).
[ مقدمة / ٣٤ ]
وقد رد الإمام الشاطبي على أصحاب هذا القول، وبيَّن أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، ولا من قوله ولا إقراره، كما لم يفعله أحد من السلف (١).
ورأي الإمام الشاطبي في هذه المسألة هو الصواب، إذ إن هذا العمل من المحدثات، وسبقه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الحكم ببدعية هذا العمل حيث قال: "أما دعاء الإمام والمأمومين جميعًا عقيب الصلوات فهو بدعة" (٢).
٢ - اتهم ﵀ بالرفض وبغض الصحابة ﵃:
وسبب هذه التهمة أن الإمام الشاطبي لم يلتزم ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة على الخصوص، واحتج بأن ذلك لم يكن مِنْ شَأْنِ السَّلَفِ فِي خُطَبِهِمْ، وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ فِي أَجْزَاءِ الْخُطَبِ (٣).
وليس في موقف الإمام الشاطبي من هذه المسألة ما يدل على بغضه للصحابة ﵃، ثم إن له سلفًا فيما ذهب إليه، فقد عزا هذا القول إلى أصبغ (٤)، والعز بن عبد السلام (٥) كما سيأتي في المقدمة.
وإذا نظرنا إلى أن ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة كان مُلْتَزَمًا به في بيئة الإمام الشاطبي، بل يعد تاركه مبتدعًا، فلا شك أن كسر هذه القاعدة أمر مطلوب، لأن ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة ليس ركنًا فيها ولا واجبًا.
والمسألة من المسائل الخلافية، ولشيخ الإسلام ابن تيمية تفصيل فيها؛ حيث ذكر أن من أهل السنة من يفعله ومنهم من يتركه، إلا أنه قد يكون مأمورًا به إذا كان فيه تحصيل لمقصد شرعي؛ كالرد على الخوارج الذين
_________________
(١) انظر: "الاعتصام" (١/ ٣٤٩ - ٣٦٨)، (٢/ ١ - ٦).
(٢) "الفتاوى" (٢٢/ ٥١٩).
(٣) انظر النص المحقق (ص ٢٦).
(٤) ستأتي ترجمته في النص المحقق (ص ٢٦).
(٥) ستأتي ترجمته في النص المحقق (ص ٢٦).
[ مقدمة / ٣٥ ]
يبغضون عليًا وعثمان ويكفرونهما (١).
والذي رمى الشاطبي بذلك هو شيخه أبو سعيد ابن لب (٢).
٣ - اتهم الإمام الشاطبي ﵀ بالقول بجواز القيام على الأئمة حيث قال:
"وَتَارَةً أُضِيفَ إليَّ الْقَوْلُ بِجَوَازِ الْقِيَامِ عَلَى الْأَئِمَّةِ، وَمَا أَضَافُوهُ إِلَّا مِنْ عَدَمِ ذِكْرِي لهم في الخطبة، وذكرهم فيها محدث لم يكن عليه من تقدم" (٣).
وهذه المسألة من جنس المسألة التي قبلها، وليس في موقف الشاطبي منها ما يدل على هذه التهمة، بل له سلف فيما ذهب إليه، فإن ترك الدعاء لأحد في الخطبة هو رأي الإمام الشافعي في كتابه "الأم" (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣)، والإمام البيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٢١٧)، والعز بن عبد السلام في "فتاويه"، فتوى رقم (١٦).
وهناك من أجاز الدعاء للسلطان في الخطبة؛ كالطحطاوي في "حاشيته على مراقي الفلاح" (ص ٤٢٢)، والإمام النووي في "روضة الطالبين" (٤/ ٥٢٧)، والإمام ابن قدامة في "المغني" (٢/ ١٥٧).
٤ - اتهم الإمام الشاطبي ﵀ بالتزام الحرج والتنطُّع في الدين:
وسبب هذا كما قال الشاطبي: "وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنِّي الْتَزَمْتُ فِي التَّكْلِيفِ وَالْفُتْيَا الْحَمْلَ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ الْمُلْتَزَمِ لَا أَتَعَدَّاهُ، وَهُمْ يَتَعَدَّوْنَهُ وَيُفْتُونَ بِمَا يُسَهِّلُ عَلَى السَّائِلِ وَيُوَافِقُ هَوَاهُ، وَإِنْ كَانَ شَاذًّا فِي الْمَذْهَبِ الْمُلْتَزَمِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، وَأَئِمَّةُ العلم على خلاف ذلك " (٤).
وليس في موقف الشاطبي أي تنطع، وانما أراد إغلاق باب تتبع
_________________
(١) انظر: "منهاج السنة" (٤/ ١٥٦ - ١٧٠).
(٢) انظر ذلك في: "المعيار المعرب" للونشريسي (٦/ ٣٧١ - ٣٧٢).
(٣) انظر النص المحقق (ص ٢٧).
(٤) انظر النص المحقق (ص ٢٧).
[ مقدمة / ٣٦ ]
الرخص، وتحكيم الهوى في اختيار الفتوى. وقد تكلم الإمام الشاطبي عن هذه المسألة بشكل أوسع في كتابه الموافقات (١).
والصواب أن الفتوى ينبغي أن تكون بالقول الراجح الذي يعضده الدليل، سواء كان في المذهب أو في غيره من المذاهب الأخرى.
٥ - اتهم أيضًا بمعاداة أولياء الله:
قال ﵀: "وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنِّي عَادَيْتُ بَعْضَ الْفُقَرَاءِ الْمُبْتَدِعِينَ الْمُخَالِفِينَ لِلسُّنَّةِ، الْمُنْتَصِبِينَ -بِزَعْمِهِمْ- لِهِدَايَةِ الْخَلْقِ، وَتَكَلَّمْتُ لِلْجُمْهُورِ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ أَحْوَالِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَسَبُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَى الصُّوفِيَّةِ وَلَمْ يَتَشَبَّهُوا بهم" (٢).
وقد وصف الإمام الشاطبي طريقة هؤلاء الصوفية في زمنه بقوله: "حَتَّى صَارَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ الْأَخِيرِ كَأَنَّهَا شَرِيعَةٌ أُخْرَى غَيْرَ مَا أَتَى بِهَا مُحَمَّدٌ - ﷺ -" (٣).
ولا شك أن هؤلاء تجب معاداتهم في الله.
٦ - اتهم ﵀ بأنه مخالف للسنة والجماعة، حيث قال:
"وَتَارَةً نُسِبْتُ إِلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّتِي أُمِرَ بِاتِّبَاعِهَا وَهِيَ النَّاجِيَةُ، مَا عَلَيْهِ الْعُمُومُ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْجَمَاعَةَ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ" (٤).
وقد تكلم الإمام الشاطبي عن المراد بالجماعة الواردة في الحديث بشكل أوسع في الباب التاسع من الكتاب (٥).
وقد رد الإمام الشاطبي هذه الافتراءات بقوله: "وكذبوا عليَّ في جميع
_________________
(١) (٤/ ١٤٦).
(٢) انظر النص المحقق (ص ٢٧).
(٣) أنظر النص المحقق (ص ١٥١).
(٤) انظر النص المحقق (ص ٢٧).
(٥) انظر: "الاعتصام" (٢/ ٢٥٨ - ٢٦٧).
[ مقدمة / ٣٧ ]
ذَلِكَ، أَوْ وَهِمُوا (١)، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حال" (٢).
ولا شك أن الإمام الشاطبي كان بريئًا من هذه التهم الزائفة التي لا مستند لها إلا الجهل والتعصب واتباع الهوى، فلم نجد في شيء من كتب الإمام الشاطبي ما يشهد لشيء من هذه المزاعم الكاذبة.
وقد كان لهذه المزاعم تأثير بالغ في نفس الإمام الشاطبي كما هو واضح من مقدمته للاعتصام، إلا أن ذلك لم يثنه عن الحق، بل ازداد ثباتًا على ما اعتقده وكان من ثمرات ما ابتلي به الإمام الشاطبي اعتناؤه بموضوع البدع والتأليف فيه.
_________________
(١) هذا أدب رفيع من المؤلف، حيث يلتمس لخصومه العذر مع رميهم له بهذه الاتهامات العظيمة.
(٢) انظر النص المحقق (ص ٢٨).
[ مقدمة / ٣٨ ]
المبحث الرابع وفاته
توفي الإمام الشاطبي ﵀ في يوم الثلاثاء الثامن من شعبان سنة ٧٩٠ هـ في مدينة غرناطة.
ولم يقع خلاف في تاريخ وفاته ﵀ (١).
_________________
(١) انظر تاريخ وفاته في: "برنامج المجاري" (ص ١٢٢)، "نيل الابتهاج" للتنبكتي (ص ٤٩)، "الفتح المبين في طبقات الأصوليين" للمراغي (٢/ ٢٠٥)، "شجرة النور الزكية" لمخلوف (ص ٢٣)، "الأعلام" للزركلي (١/ ٧١)، "معجم المؤلفين" لكحالة (١/ ١١٨).
[ مقدمة / ٣٩ ]
الفصل الثالث حياة المؤلف العلمية
* وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: طلبه للعلم وشيوخه.
المبحث الثاني: تلاميذه.
المبحث الثالث: ثقافته ومؤلفاته.
المبحث الرابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
المبحث الخامس: عقيدته.
[ مقدمة / ٤١ ]
المبحث الأول طلبه للعلم وشيوخه
لقد اشتغل الإمام الشاطبي بالعلم منذ صباه، وسلك في طلبه مسلكًا تربويًا حسنًا، حيث بدأ بِأُصُولِ الدِّينِ عَمَلًا وَاعْتِقَادًا، ثُمَّ بِفُرُوعِهِ الْمَبْنِيَّةِ على تلك الأصول، وقد امتاز طلبه للعلم بالشمولية حيث لم يقتصر من العلوم على علم دون علم، ولا أفرد عن أنواعه نوعًا دون آخر، ولم يزل كذلك إلى أن منَّ الله عليه، فشرح له مِنْ مَعَانِي الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حسابه، وسيأتي نص كلامه عن طلبه للعلم (١).
وقد أخذ الإمام الشاطبي العلم عن علماء كبار، كان لهم الفضل بعد الله في نبوغه وتقدُّمه في العلم، وقد أجازه بعضهم في ما أخذ عنهم من العلوم، وقد أخذ عن بعضهم العلوم بأسانيدها، وفيما يلي ذكرهم مع إشارة يسيرة لتراجمهم:
١ - أبو عبد الله محمد بن الفخار (٢) (ت ٧٥٤ هـ):
قال عنه في نفح الطيب: "الإمام المجمع على إمامته في فن العربية، المفتوح عليه من الله تعالى فيها حفظًا واطلاعًا واضطلاعًا ونقلًا وتوجيهًا، بما لا مطمع فيه لسواه" (٣). وقد قرأ عليه الإمام الشاطبي القرآن بالقراءات السبع في سبع ختمات، وأكثر عليه في التفقه في العربية وغيرها (٤)، ولازمه إلى أن مات (٥).
_________________
(١) انظر النص المحقق (ص ١٩).
(٢) انظر ترجمته في: "شجرة النور الزكية" (ص ٢٢٨)، و"نفح الطيب" (٥/ ٣٥٥ - ٣٥٩).
(٣) انظر: "نفح الطيب" (٥/ ٣٥٥).
(٤) انظر: "برنامج المجاري" لعبد الله المجاري تلميذ الشاطبي (ص ١١٩).
(٥) انظر: "نيل الابتهاج" للتنبكتي (ص ٤٧).
[ مقدمة / ٤٢ ]
٢ - أبو سعيد فرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبي (١) (ت ٧٨٢ هـ):
كان مفتي غرناطة، وخطيب الجامع الأعظم، والمدرس بالمدرسة النصرية.
قال عنه المقِّري: "قَلَّ من لم يأخذ عنه في الأندلس في وقته" (٢)، وقد عرض عليه الإمام الشاطبي مختصر ابن الحاجب في الأصول في مجلس واحد، وأجاز له أن يروي عنه (٣)، وقد ناظره الإمام الشاطبي في مسألة دعاء الإمام بعد الصلاة على الهيئة الاجتماعية (٤).
٣ - أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المقَّري (٥) (الجد) (ت ٧٥٩ هـ):
إمام علامة، كان قاضي الجماعة بفاس، ومن كتبه: كتاب القواعد، وكتاب الطرف والتحف، وكتاب اختصار المحصل وغيرها.
وقد تفقه به الإمام الشاطبي، وسمع عليه بعضًا من كتابه المسمى بتكميل التعقيب على صاحب التهذيب، وبعض لمحة العارض تكملة ألفية ابن الفارض من نظمه، وبعض اختصاره لجمل الخونجي، وتمهيد القواعد له أيضًا.
وسمع عليه جميع كتاب الحقائق والرقائق من تأليفه، وأجازه به وبجميع ثلاثيات البخاري (٦).
_________________
(١) انظر ترجمته في: "نثير الجمان" (ص ١٨٦)، و"النيل" (ص ٢١٩ - ٢٢٠)، و"نفح الطيب" (٥/ ٤٠٩ - ٥١٤)، و"الأعلام" للزركلي (٥/ ١٤٠).
(٢) انظر: "نفح الطيب" للمقري (٥/ ٥١٣).
(٣) "برنامج المجاري" (ص ١١٨).
(٤) وقد ذكر الإمام الشاطبي هذه المسألة في "الاعتصام"، ورد على القائلين بجوازها. انظر: "الاعتصام" (١/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، (٢/ ٣ - ٦).
(٥) انظر ترجمته في: "الإحاطة" (٢/ ١٩١)، و"نفح الطيب" (٥/ ٢٠٣).
(٦) "برنامج المجاري" لعبد الله المجاري (ص ١١٩ - ١٢٠).
[ مقدمة / ٤٣ ]
٤ - أبو علي منصور بن عبد الله الزواوي (١):
له مشاركة في كثير من العلوم العقلية والنقلية، ونظر في الأصول والمنطق والكلام ..، قدم الأندلس عام ٧٥٣ هـ، وكان حيًا بعد عام ٧٧٠ هـ. قرأ عليه الإمام الشاطبي مختصر منتهي السول والأمل في علمي الأصول والجدل للإمام أبي عمرو بن الحاجب من أول مبادئ اللغة إلى آخره بلفظه إلا يسيرًا منه سمعه بقراءة غيره، وكل ذلك قراءة تفقه ونظر، وأجازه إجازة عامة بشرطها (٢).
٥ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق الخطيب التلمساني (٣) (ت ٧٨١ هـ):
رحل مع والده للشرق سنة (٧١٨ هـ)، وأخذ في رحلته عن نحو ألفي شيخ من أهل المشرق والمغرب، وبرع في الطب والرواية، ومن تصانيفه شرح العمدة في الحديث (خمس مجلدات)، وشرح الشفا في التعريف بحقوق المصطفي لم يكمل، وشرح الأحكام الصغرى لعبد الحق.
وقد سمع عليه الإمام الشاطبي جميع الجامع الصحيح للبخاري، بقراءة غيره عليه، وموطأ الإمام مالك بن أنس برواية يحيى بن يحيى، وذلك بالمدرسة النصرية، وأجازه بهما بجميع ما يحمل إجازة عامة بشرطها (٤).
٦ - أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسني السبتي (٥) (ت ٧٦٠ هـ):
رئيس العلوم اللسانية بالأندلس، ولِّي ديوان الإنشاء بغرناطة،
_________________
(١) انظر ترجمته في: "نيل الابتهاج" للتنبكتي (ص ٣٤٥ - ٣٤٧)، و"الإحاطة في أخبار غرناطة" لابن الخطيب (٢/ ٣٠٣)، و"نفح الطيب" للمقري (٧/ ١٤٧)، و"شجرة النور الزكية" لمحمد مخلوف (ص ٢٣٤).
(٢) "برنامج المجاري" (ص ١١٩).
(٣) انظر ترجمته في: "نفح الطيب" للمقري (٥/ ٣٩٠ - ٤١٨)، و"نيل الابتهاج" للتنبكتي (ص ٢٦٨)، و"شجرة النور الزكية" لمحمد مخلوف (ص ٢٣٦).
(٤) "برنامج المجاري" (ص ١١٩).
(٥) انظر ترجمته في: "نفح الطيب" للمقري (٥/ ١٨٩)، و"برنامج المجاري" لعبد الله المجاري (ص ٩٠)، و"الأعلام" للزركلي (٦/ ٢٢٤).
[ مقدمة / ٤٤ ]
ثم القضاء والخطابة فيها، له شروح في الأدب والنحو.
وقد ذكره التنبكتي ضمن شيوخ الشاطبي (١)، ونقل عنه الشاطبي بعض الفوائد (٢).
٧ - أبو عبد الله محمد بن أحمد الشريف التلمساني (٣) (ت ٧٧١ هـ):
من أعلام المالكية، انتهت إليه إمامتهم بالمغرب، من كتبه المفتاح في أصول الفقه، وشرح جمل الخونجي. بنيت له مدرسة فقام يدرس بها إلى أن مات، ذكره أحمد بابا التنبكتي ضمن شيوخ الشاطبي (٤)، ونقل عنه الشاطبي بعض الشعر (٥).
٨ - أبو عبد الله محمد بن أبي الحجاج يوسف بن عبد الله بن محمد اليحصبي اللوشي (٦) (ت ٧٥٢ هـ):
اشتهر بالأدب الجيد، وكان خطيبًا بالمسجد الجامع بغرناطة، تزهد في آخر حياته.
وقد استجازه الإمام الشاطبي فأجازه إجازة عامة (٧).
٩ - أبو عبد الله محمد بن علي بن أحمد البلنسي الأوسي (٨) (ت ٧٨٢ هـ):
من علماء غرناطة. لازم شيخ الجماعة ابن الفخار وانتفع به، وكان
_________________
(١) انظر: "نيل الابتهاج" (ص ٤٧).
(٢) انظر: "الإفادات والإنشادات" للشاطبي (ص ٨٩، ١٠١، ١٢٥).
(٣) انظر ترجمته في: "نيل الابتهاج" للتتبكتي (ص ٢٥٥ - ٢٥٦)، و"الأعلام" للزركلي (٦/ ٢٢٤).
(٤) انظر: "نيل الابتهاج" (ص ٢٥٧).
(٥) انظر: "الإفادات والإنشادات" للشاطبي (ص ١٢١).
(٦) انظر ترجمته في: "الإحاطة" لابن الخطيب (٢/ ٢٦٩ - ٢٧٢)، و"نفح الطيب" للمقري (٥/ ١٢).
(٧) "برنامج المجاري" (ص ١١٩).
(٨) انظر ترجمته في: "الإحاطة" لابن الخطيب (٣/ ٣٨)، و"نيل الابتهاج" للتنبكتي (ص ٢٧٠).
[ مقدمة / ٤٥ ]
قائمًا على العربية والبيان متقنًا، ألف كتابًا في تفسير القرآن متعدد الأسفار، واستدرك على السهيلي في أعلام القرآن كتابًا نبيلًا.
وقد ذكره التنبكتي ضمن شيوخ الشاطبي (١)، ونقل عنه الشاطبي في الإفادات (٢).
١٠ - أبو جعفر أحمد بن الحسن الكلاعي المعروف بابن الزيات (٣) (ت ٧٢٨ هـ):
قال عنه ابن الخطيب: "كان جليل القدر، كثير العبادة، عظيم الوقار، حسن الخلق" (٤).
تصانيفه كثيرة، منها: تلخيص الدلالة في تلخيص الرسالة، والمعارف الربانية واللطائف الروحانية.
وقد نقل الإمام الشاطبي عنه قوله: "لو كان لي بيت مال لأنفقته على طلاب العلم، لأنهم قدوتنا وسادتنا " (٥).
١١ - أبو جعفر أحمد بن آدم الشقوري (٦):
فقيه، نحوي، فرضي، كان يدرِّس بغرناطة كتاب سيبويه، وقوانين ابن أبي الربيع، وألفية ابن مالك، والمدونة الكبرى.
ذكره التنبكتي ضمن شيوخ الإمام الشاطبي (٧).
_________________
(١) انظر: "نيل الابتهاج" (ص ٤٧، ٢٧٠).
(٢) انظر: "الإفادات والإنشادات" (ص ٩٤).
(٣) انظر ترجمته في: "الإحاطة" لابن الخطيب (١/ ٢٨٧)، و"شجرة النور" لمخلوف (ص ٢١٢).
(٤) "الإحاطة" لابن الخطيب (١/ ٢٨٧).
(٥) "روضة الأعلام" لابن الأزرق، نقلًا عن مقدمة محمد أبو الأجفان لفتاوى الشاطبي (ص ٣٨).
(٦) انظر ترجمته في: "برنامج المجاري" (ص ١٢٥).
(٧) انظر: "نيل الابتهاج" (ص ٤٧).
[ مقدمة / ٤٦ ]
المبحث الثاني: تلاميذه
أخذ عن الإمام الشاطبي عدد من طلاب العلم النجباء، وكان منهم:
١ - أبو يحيى محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عاصم الغرناطي الإمام العالم المحقق البليغ، صحب الإمام الشاطبي وأخذ عنه وانتفع به، له تأليف كبير في الانتصار للإمام الشاطبي، رد فيه على شيخه أبي سعيد ابن لب في مسألة الدعاء بعد الصلاة، استشهد سنة (٨١٣ هـ) (١).
٢ - أبو بكر محمد بن محمد بن عاصم الغرناطي الفقيه الأصولي المحدث، أخذ عن أعلام منهم الإمام الشاطبي، وله تآليف كثيرة منها التحفة، وله أرجوزة في الأصول، واختصار الموافقات، توفي سنة (٨٢٩ هـ) (٢).
٣ - الشيخ أبو عبد الله محمد البياني، تتلمذ على الإمام الشاطبي، وأخذ عنه خلق كثير مثل أبي يحيى بن عاصم وعبد الله بن جزي وغيرهم (٣).
٤ - أبو جعفر أحمد القصار الأندلسي الغرناطي، تتلمذ على الإمام الشاطبي، وقد قال إن الإمام الشاطبي كان يطالعه ببعض المسائل حين
_________________
(١) انظر ترجمته في: "نيل الابتهاج" للتنبكتي (ص ٢٨٥)، و"نفح الطيب" للمقري (٦/ ١٤٨)، و"شجرة النور الزكية" لمخلوف (ص ٢٤٧).
(٢) انظر ترجمته في: "نيل الابتهاج" للتنبكتي (ص ٢٨٩)، و"شجرة النور الزكية" لمخلوف (ص ٢٤٧).
(٣) انظر ترجمته في: "نيل الابتهاج" للتنبكتي (ص ٣٠٨)، و"شجرة النور الزكية" لمخلوف (ص ٢٣١).
[ مقدمة / ٤٧ ]
تصنيفه الموافقات، ويباحثه فيها، وبعد ذلك يضعها في الكتاب على عادة الفضلاء ذوي الانصاف (١).
٥ - أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي بن عبد الواحد المجاري الأندلسي له مؤلف ترجم فيه لشيوخه، ومنهم الإمام الشاطبي، وغالب ترجمته تعداد ما قرأ عليه وذكر شيوخه. توفي سنة ٨٦٢ هـ (٢).
٦ - أبو عبد الله محمد بن علي بن أشرص العالم الجليل الإمام الفقيه، أخذ عن جماعة من العلماء منهم ابن رشيد وأبي جعفر الزيات وابن الفخار وأبي إسحاق الشاطبي. توفي سنة ٨٤٨ هـ (٣).
هؤلاء هم أشهر تلاميذ الإمام الشاطبي ﵀.
_________________
(١) انظر: "نيل الابتهاج" (ص ٤٩، ٧٦).
(٢) "ثبت البلوى" (ص ١٩٩).
(٣) "شجرة النور الزكية" (ص ٢١٤).
[ مقدمة / ٤٨ ]
المبحث الثالث ثقافته ومؤلفاته
كان الإمام الشاطبي ﵀ يتمتع بثقافة واسعة، فقد جمع علومًا شتى، ومعارف عديدة، وقد نص في مقدمة الكتاب على أنه نظر في عقليات العلم وشرعياته، وأنه لم يقتصر منه على علم دون علم (١).
وإذا نظرنا إلى ما تلقاه من العلوم عن شيوخه، أدركنا سعة ما جمع من الفنون. فنجد أن له باعًا في القراءات واللغة والنحو والفقه والأصول والحديث وغيرها، إلا أن تفوقه في علم الأصول ومقاصد الشريعة هو أبرز سماته العلمية.
والناظر في كتب الشاطبي يجد فيها خير شاهد على سعة اطلاعه وغزارة علمه، مع الدقة والتحقيق لما يقرره ﵀.
وله بعض المشاركات الشعرية، ومن ذلك: قصيدته التي قالها بمناسبة تأليف شيخه أبي عبد الله بن مرزوق (٢) لكتاب في شرح الشفا للقاضي عياض (٣)، حين طلب شيخه من علماء الأندلس نظم قصائد تتضمن مدح الشفا ليجعلها في طالعة شرحه عليه، فقال الشاطبي:
يا من سما لمراقي المجد مقصده فنفسه بنفيس العلم قد كلفت
هذي رياض يروق العلم مخبرها هي الشفا لنفوس الخلق إن دنفت
يجنى بها زهر التقديم أو ثمر الـ تعظيم والفوز للأيدي التي اقتطفت
أبدت لنا من سناها كل واضحة حسانه دونها الأطماع قد وقفت
_________________
(١) انظر النص المحقق (ص ١٩).
(٢) تقدمت ترجمته ضمن شيوخ الشاطبي.
(٣) ستأتي ترجمته في النص المحقق (ص ٢٤٥).
[ مقدمة / ٤٩ ]
وشيد العقد أركان مؤكدة بها على متن أهل الشرع قد وقعت
قوت القلوب وميزان العقول متى حادت عن الحجة الكبرى أو انحرفت
فيا أبا الفضل حزت الفضل في عرض بها أقرت لك الأعلام واعترفت
وكنت بحر علوم ضل ساحله منه استمدت عيون العلم واغترفت
زارته من نسمات القدس باسمة فحركت منه مدح الفكر حين وفت
حتى إذا طفئت أرجاؤه قذفت لنا بدرتها الحسناء وانصرفت
إن العناية لا يحظى بنائلها حريصها بل على التخصيص قد وقفت (١)
ومن شعره ﵀ لما ابتلي بالبدع:
بليت يا قوم والبلوى منوعة بمن أداريه حتى كاد يرديني
دفع المضرة لا جلب لمصلحة فحسبي الله في عقلي وفي ديني (٢)
وأما مؤلفات الإمام الشاطبي، فقد ألف ﵀ كتبًا نافعة، قال عنها التنبكتي في نيل الابتهاج: "ألف تآليف نفيسة، اشتملت على تحريرات للقواعد وتحقيقات لمهمات الفوائد" (٣).
وهذه الكتب منها المطبوع، ومنها ما لم يطبع، وبعضها لا نعلم عنها شيئًا.