[ ٢١ ]
كتاب الاعتقاد
رب يسر، أخبرنا الشيخ الأجل أبو سعيد عبد الجبار بن يحيى بن علي بن هلال الأعرابي قراءة عليه وأنا أسمع، وذلك في يوم الجمعة ثالث عشر من شوال سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة للهجرة (٥٧٣هـ) قثنا (١) القاضي الأجل أبو الحسين محمد بن محمد بن الفرّاء قال:
خطبة المؤلف:
الحمد لله حتى يرضى، ولا إله إلاّ الله العلي الأعلى، والحمد لله أهل الحمد ومولاه ومنتهى الحمد ومبتداه، والحمد لله الذي أخرجنا بعد العدم إلى الوجود في خير الأمم، واختار لنا دليلًا إليه من خلقه أكرمهم عليه، ومن رسله أشرفهم لديه، وجعله أول السابقين منزلة، وأحسن النبيين رسالة، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، صلاة تخصهم وتعمهم أجمعين.
_________________
(١) اختصار: " قال حدثنا ".
[ ٢٢ ]
(سبب تأليف الكتاب):
أما بعد، أعاذنا الله وإياك من التكلف لما لا نحسن، والادعاء لما لا نتقن، وجنبنا وإياك البدع والكذب، فإنهما شرّ ما احتقب، وأخبث ما اكتسب، فإنك سألت عن مذهبي وعقدي، وما أدين به لربي ﷿، لتتبعه فتفوز به من البدع والأهواء المضلة، وتستوجب من الله ﷿ المنازل العلية، فأجبتك إلى ما سألت عنه، مؤملًا من الله جزيل الثواب، وراهبًا إليه من سوء العذاب، ومعتمدًا عليه في القول بالتأييد للصواب.
الإيمان بالله وتوحيده:
فأول ما نبدأ بذكره من ذلك ذكر ما افترض الله تعالى على عباده، وبعث به رسوله صلى الله عليه (١)، وأنزل فيه كتابه، وهو الإيمان بالله ﷿، ومعناه التصديق بما قال به، وأمر به، وافترضه، ونهى عنه من كل ما جاءت به الرسل من عنده، ونزلت فيه الكتب، وبذلك أرسل المرسلين، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مَن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
حقيقة الإيمان:
والتصديق بذلك: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان، يزيده كثرة العمل والقول بالإحسان، وينقصه العصيان، ويستثنى في الإيمان، ولا يكون الاستثناء شكًا إنما هي سنة ماضية عند العلماء. فإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله أو
_________________
(١) لعل ذكر السلام عليه ﷺ قد سقط سهوًا، وإلاّ فالسنة ذكر الصلاة والسلام عليه صلوات الله وسلامه عليه، استجابة لأمر الله تعالى.
[ ٢٣ ]
مؤمن (أرجو) (١)، ويقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.
الإسلام والإيمان:
والإيمان والإسلام اسمان لمعنيين، فالإسلام في الشرع عبارة عن الشهادتين مع التصديق بالقلب؛ والإيمان عبارة عن جميع الطاعات (٢) .
القرآن كلام الله غير مخلوق:
والقرآن كلام الله منزل غير مخلوق، كيف قرئ، وكيف كتب، وحيث يُتلى في أي موضع كان، والكتابة هي المكتوب، والقراءة هي المقروء، والتلاوة هي المتلو، وكلام الله قديم غير مخلوق على كل الحالات وفي كل الجهات فهو كلام الله غير مخلوق ولا محدث ولا مفعول، ولا جسم،
_________________
(١) كلمة غير واضحة، لعلها (أرجو) كما أثبت.
(٢) قد اختلف السلف في حقيقة الإيمان والإسلام، هل هما متغايران؟ أو إنهما مترادفان؟ وقد تنوعت أقوالهم في ذلك على النحو التالي: أـ أن الإسلام والإيمان مترادفان لا فرق بينهما، وهذا قول البخاري، والمزني، وابن منده، والمروزي، وابن عبد البر، والبغوي، وابن يعلى. ب - أن الإسلام هو الكلمة، والإيمان هو العمل. وهذا قول الزهري. ج - أن كلًا منهما يعرف بما عرفه به النبي ﷺ في حديث جبريل. وقد ذكره ابن أبي العز ولم ينسبه إلى أحد. د - أن الإسلام اسم لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسم لما بطن من الاعتقاد. وهو قول الخطابي. هـ - أنهما إذا اجتمعا أريد بالإسلام الأعمال الظاهرة، وبالإيمان الاعتقادات والأعمال الباطنة. وأما إذا افترقا فإن كلًا منهما يدل على ما يدل عليه الآخر. وهذا قول الإسماعيلي، وابن الصلاح، وابن تيمية، وابن رجب، وابن أبي العز. ولمزيد من التفصيل انظر هذه الأقوال في المراجع الآتية: فتح الباري (١/١٤٤)، مختصر سنن أبي داود (٧/٤٩)، وشرح العقيدة الطحاوية (٣٨٢)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١/١٤٧)، وجامع العلوم والحكم (١/٦٧) .
[ ٢٤ ]
ولا جوهر، ولا عرض. بل هو صفة من صفات ذاته. وهو شيء يخالف جميع الحوادث.
صفة الكلام:
لم يزل ولا يزال متكلمًا. (ولا يجوز مفارقته بالعدم لذاته) (١) .وأنه يُسْمَع تارة من الله ﷿، وتارة من التالي فالذي يسمعه من الله سبحانه من يتولى خطابه بنفسه لا واسطة ولا ترجمان: كنبينا محمد ﵇ ليلة المعراج لما كلمه. وموسى على جبل الطور. فكذلك سبيل من يتولى خطابه بنفسه من ملائكته، ومن عدا ذلك فإنما يسمع كلام الله القديم على الحقيقة من التالي. وهو حرف مفهوم، وصوت مسموع.
الصفات الثابتة لله تعالى:
ثم الإيمان بأنَّ الله جل ذكره واحد لا يشبهه شيء. ولا نشبه صفاته، ولا نكيفه، ولا يُكيف صفاته وهم، وأن ما وقع في الوهم فالله وراء ذلك.
وأنه حي بحياة. عالم بعلم. قادر بقدرة. سميع بسمع. بصير ببصر. متكلم بكلام. مريد بإرادة. آمر بأمر. ناهي (٢) بنهي. ونقرّ بأنه خلق آدم بيده لقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] . وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] . وأن له يمينًا بقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦] وإن له وجها بقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾
_________________
(١) لم يتبين لي مقصود المؤلف بدقة، ولعله ﵀ يقصد أن الله تعالى لا يمكن أن تفارقه صفة الكلام لأنه ﷾ متكلم منذ الأزل متى شاء وكيف شاء، وإن الله يحدث من أمره ما شاء في الكلام كما قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾] الأنبياء: ٢] وقال ابن كثير في تفسيره: (محدث) أي جديد إنزاله. انظر تفسير القرآن العظيم (٢٣١/٣) ط مؤسسة الريان.
(٢) كذا في الأصل. والصواب (ناهٍ) .
[ ٢٥ ]
[القصص: ٨٨] وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وأن له قدمًا بقول النبي ﷺ: "حتى يضع الرب فيها قدمه" يعني: جهنم. رواه أحمد (١) والبخاري ومسلم وأبو عيسى الترمذي وغيرهم.
وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا بقول رسول الله صلى الله عليه: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر" (٢) وهذا لفظ البخاري. وقد روى حديث النزول أحمد ومالك والبخاري ومسلم وأبو عيسى الترمذي وأبو داود وابن خزيمة والدارقطني وأئمة المسلمين. وأنه يضحك إلى عبده المؤمن بقول رسول الله ﷺ:"يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة: يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل. ثم يتوب الله على القاتل، فيقاتل في سبيل الله، فيستشهد" (٣) رواه البخاري وغيره ونقر بأن لله نفسًا لا كالنفوس بقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] . وقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١] . وروى البخاري بإسناده عن
_________________
(١) أحمد: مسند أنس (٢١/٣٩١) ح (١٣٩٦٨)، والبخاري: كتاب التفسير (٣/٢٩٦) ح (٤٨٤٨) وفي رواية له "حتى يضع رجله" (٣/٢٩٦) ح (٤٨٥٠)، ومسلم: كتاب الجنة (٤/٢١٨٦) ح (٢٨٤٦) .
(٢) أحمد: مسند أبى هريرة (١٦/٢١١) ح (١٠٣١٣) والبخاري: كتاب التهجد: باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (١/٣٥٦) ح (١١٤٥)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل (١/٥٢١) ح (٧٥٨)، والترمذي: كتاب الدعوات: باب ٧٩ (٥/٤٩٢) ح (٤٩٨) وأبو داود: كتاب الصلاة: باب أي الليل أفضل (٢/٧٦) ح (١٣١٥) . وأخرجه مالك في الموطأ (١/٢١٤) وابن خزيمة في التوحيد (١٢٧)، والدارقطني في النزول (ص ١٠٢) .
(٣) البخاري: كتاب الجهاد والسير: باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيسدد بعد ويقتل (٢/٣٣) ح (٢٨٢٦)، ومسلم: كتاب الإمارة: باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة (٣/١٥٠٤) ح (١٨٩٠) .
[ ٢٦ ]
أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله ﷿ أنا عند ظن عبدي (بي)، وأنا معه إذا ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي " (١)
ونقر بأن الله على العرش استوى كذلك نطق به القرآن في سبع سور: في الأعراف، ويونس، والرعد، وطه، والفرقان، وتنزيل السجدة، والحديد (٢) .
ونقر "بأن الرحمن خلق آدم على صورته " (٣) رواه أحمد بن حنبل وابن خزيمة وغيرهما.
_________________
(١) البخاري: كتاب التوحيد: باب قوله تعالى: ﴿وَيُحذّركُم اللهُ نفسهُ﴾ (٤/٣٨٤) ح (٧٤)، ومسلم: كتاب الذكر والدعاء: باب الحث على ذكر الله تعالى (٤/٢٠٦١) ح (٢٦٧٥) والمخطوط بدون (بي) ..
(٢) جاء ذكر الاستواء على العرش في سبعة مواضع من القرآن، وهي كما يلي: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] . ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣] . ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: ٥٩] . ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] . ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] .
(٣) أحمد: مسند أبى هريرة (١٤/٤٥) ح (٨٢٩١)، البخاري كتاب الاستئذان (٤/١٣٥) ح (٦٢٢٧) قال عبد الله بن أحمد: وكان في كتاب أبي "وطوله ستون ذراعا" (فلا أدري حدثنا به أم لا) وهذه الزيادة في البخاري. قال شيخ الإسلام: هذا الحديث لم يكن بين السلف في القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة من عدة من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك. (بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية، تحقيق: د. عبد الرحمن اليحيى (٢/٣٥٦» وأهل السنة يثبتون صفة الصورة لله ويؤمنون بها، ويقولون بإمرارها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. قال الآجري بعد روايته لحديث الصورة: هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال كيف؟ ولم؟ بل تستقبل بالتسليم والتصدق، وترك النظر، كما قال من تقدم من أئمة المسلمين. (الشريعة للآجري (٢/١٠٦» . وقد نص الأمام أحمد على ذلك فقال في حديث الصورة: (لا نفسره كما جاء الحديث) ﴿إبطال التأويلات﴾ ولذا أنكر الإمام أحمد على من أول حديث الصورة، وأعاد الضمير على غير الله. فقد قال في رواية أبى طالب (من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلق) أبطال التأويلات (١/٧٥) . وهذا تنبيه من الإمام أحمد على أن كل من أعاد الضمير على غير الله فقد سلك الطريقة الجهمية. ويقول ابن قتيبة: (والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد) [تأويل مختلف الحديث ص: ٢٦١] .
[ ٢٧ ]
وروي: "على صورة الرحمن " (١) .
رواه الدارقطني وأبو بكر النجاد (٢)
_________________
(١) ابن أبى عاصم في السنة (٢/٢٢٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات ص (٣٧١)، وابن خزيمة في التوحيد (١/٨٥) ح (٤١)، والآجري في الشريعة ص (٣١٥) . قال ابن حجر في الفتح (٥/١٨٣) (وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة أي على صورة الرحمن إذ المحفوظ في معظم طرقه (إن الله خلق آدم على صورته) ثم قال (وعلى تقدير صحتها فيحمل على ما يليق بالباري سبحانه) . قلت: الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في السنة والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات وأخرجها ابن أبي عاصم - أيضًا - من طريق أبى يونس عن أبى هريرة بلفظ يرد التأويل الأول وقال: (من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة الرحمن) وقال حرب الكرماني في كتاب سمعت إسحاق بن راهوية يقول: "صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن". وقال إسحاق الكوسج: سمعت أحمد يقول: هو حديث صحيح. وقال الطبراني في كتاب "السنة": حدثنا عبد الله بن أحمد قال: قال رجل لأبي: إن رجلا قال: خلق الله آدم على صورته - أي صورة الرجل - فقال كذب هو قول الجهمية، الفتح (٤/١٨٣) .
(٢) الإمام المحدث الحافظ الفقيه المفتي شيخ العراق أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن بن إسرائيل البغدادي الحنبلي النجاد ولد سنة ٢٥٣هـ ومات سنة ٣٤٨هـ. السير (١٥/٥٠٢) ومختصر السير (٢/١٢٥) رقم (٣١٥٨) .
[ ٢٨ ]
وأبو عبد الله بن بطة (١) وغيرهم.
ونقرّ بأن لله إصبعًا روى عبد الله (٢) قال "جاء حبر من أحبار اليهود إلى رسول الله ﷺ فقال له: إذا كان يوم القيامة جعل الله السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع ثم يهزهن. ثم يقول: أنا الملك. أنا الملك "قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه تعجبًا مما قال، وتصديقًا له، ثم قال رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] (٣) أخرجه هبة الله الطبري والبخاري ومسلم وأبو عيسى الترمذي، ولفظه: أخبرني المبارك بن عبد الجبار الصيرفي في حلقة والدي ﵀ بجامع المنصور بإسناده عن عبد الله قال: "جاء يهودي إلى النبي صلى الله وسلم فقال: يا محمد إن الله يمسك السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك. قال فضحك رسول الله صلى الله عليه حتى بدت نواجذه وقال ﴿وَمَا قَدَرُوا الله حَق قَدْرِهِ﴾ . قال أبو عيسى: هذا
_________________
(١) الإمام القدوة العابد الفقيه المحدث شيخ العراق أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري الحنبلي، ابن بطة، توفي سنة ٣٨٧هـ. سير أعلام النبلاء (١٦/٥٢٩) ترجمة رقم (٣٨٩) .
(٢) عبد الله بن مسعود: الإمام الحبر، فقيه الأمة، أبو عبد الرحمن الهذلي المكي المهاجري، البدري حليف بني زهرة، كان من السابقين الأولين. مات بالمدينة ودفن بالبقيع سنة ٣٢هـ عاش ثلاثًا وستين سنة. انظر السير (١/٤٦١-٥٠٠) .
(٣) البخاري: كتاب التفسير (٣/٢٨٥) ح (٤٨١١)، ومسلم: كتاب: صفات المنافقين (٢١٤٧٤) ح (٢٧٨٦)، والترمذي: كتاب تفسير القرآن (٥ /٣٤٥) ح (٣٢٣٨) .
[ ٢٩ ]
حديث حسن صحيح. وفي لفظ آخر قال: "فضحك النبي صلى الله عليه تعجبا وتصديقًا " (١) .
وروى البخاري في صحيحه بإسناده في تفسير سورة (ن) (٢) عن أبي سعيد (٣) قال سمعت النبي صلى الله عليه يقول: "يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا " (٤) .
وروى البخاري بإسناده عن أنس (٥) قال: قال رسول الله صلى الله عليه: "الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة " (٦) . وروى البخاري بإسناده عن عبد الله (٧) قال: "ذكر الدجال عند النبي صلى الله عليه
_________________
(١) البخاري: كتاب التوحيد (٤/٤٠٦) ح (٧٥١٣)،ومسلم (٤/٢١٤٨) ح (٢٧٨٦)، والترمذي (٥/٣٤٦) ح (٣٢٣٩) .
(٢) سورة القلم.
(٣) أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري، له ولأبيه صحبة استصغر بأحد، ثم شهد ما بعدها مات بالمدينة سنة ٦٣، أو ٦٤ أو ٦٥. وقيل: سنة ٧٤ هـ.
(٤) البخاري: كتاب التفسير (٣/٣١٩) ح (٤٩١٩)، ومسلم: كتاب الإيمان (١/١٦٧) ح (١٨٣) بنحوه. ومعنى: طبقًا واحدًا. أي أن ظهره يصبح كأنه طبقة واحدة ليس فيها فقرات فيصبح كالجزء الصلب لا ينثني بعضه، ولا تعود فيه تلك المرونة التي كانت تتيح له السجود ومرونة الحركة.
(٥) أنس بن مالك ابن النضر، الإمام المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، خادم رسول الله ﷺ مات سنة ٩٣هـ عن مئة وثلاث سنين. انظر السير (٣/٣٩٥-٤٠٦) .
(٦) البخاري: كتاب الدعوات (٤/١٥٤) ح (٦٣٠٩)، ومسلم: كتاب التوبة (٤/٢١٠٤) ح (٢٧٤٧) بنحوه، وفي الباب عن أبي هريرة والنعمان بن بشير والبراء بن عازب عند مسلم بنحوه.
(٧) عبد الله بن عمر بن الخطاب: الإمام القدوة، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المكي، ثم المدني، أسلم وهو صغير، وكان ممن بايع تحت الشجرة، توفي سنة ٨٣ هـ، انظر السير (٣/٢٠٣-٢٣٩)
[ ٣٠ ]
فقال: "إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور. وأشار بيده إلى عينه. وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية " (١) .
تشبيه الله بخلقه كفر:
فإن اعتقد معتقد في هذه الصفات ونظائرها مما وردت به الآثار الصحيحة التشبيه في الجسم والنوع والشكل والطول- فهو كافر.
تعطيل الصفات مذهب الجهمية:
وإن تأولها على مقتضى اللغة وعلى المجاز فهو جهمي.
منهج أهل السنة في الأسماء والصفات:
وإن أمرها كما جاءت، من غير تأويل، ولا تفسير، ولا تجسيم، ولا تشبيه، كما فعلت الصحابة والتابعون فهو الواجب عليه.
(الإيمان بالقدر):
ويجب الإيمان بالقدر: خيره وشره، وحلوه ومره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوله وآخره من الله، قضى قضاءه على عباده، وقدر قدره - عليهم لا أحد يعدو منهم مشيئة الله ﷿ - ولا يجاوز قضاءه، بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقعون فيما قدر عليهم لا محالة، وهو عدل من ربنا ﷿ فأراد الطاعة، وشاءها، ورضيها، وأحبها، وأمر بها. ولم يأمر بالمعصية، ولا أحبها ولا رضيها، بل قضى بها، وقدّرها، وشاءها، وأرادها. والمقتول يموت بأجله.
_________________
(١) البخاري: كتاب التوحيد (٤/٣٨٥) ح (٧٤٠٧)، ومسلم: كتاب الفتن (٢٢٤٧/٤) ح (١٦٩) .
[ ٣١ ]
الإيمان بعذاب القبر:
ثم الإيمان بعذاب القبر، وبمنكر ونكير (١)، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] قال أصحاب التفسير: عذاب القبر (٢) . وقال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: "كيف بك وملكا القبر فتانان أسودان أزرقان أعينهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد القاصف يطئان في أشعارهما ويحفران بأنيابهما بيدهما مرزبة لو ضرب بها (الثقلين) (٣) لماتوا "قال عمر ﵁ على أي حالة أنا يومئذ قال: "على حالتك اليوم" قال: إذن أكفيكهما يا رسول الله (٤) . وروى البخاري بإسناده عن [أم خالد قالت] (٥): "سمعت النبي ﷺ يتعوذ من عذاب القبر" (٦) وقال النبي صلى الله عليه:" لو نجا أحد من ضمة القبر (أو ضغطة القبر) لنجا سعد بن معاذ" (٧) . ثم من بعد ذلك الإيمان بالصيحة للنشور، بصوت إسرافيل للقيام من القبور، فتلزم القلب أنك ميت ومضغوط في القبر، ومساءل في قبرك ومبعوث من بعد الموت فريضة لازمة. من أنكر ذلك فهو كافر.
_________________
(١) ثبت اسم هذين الملكين: منكر ونكير في قوله ﵊: "إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان. يقال لأحدهما: المنكر. وللآخر: النكير أخرجه الترمذي (١٠٧١) عن أبى هريرة. صحيح الجامع الصغير (٧٣٠) وانظر تفصيل ذلك في لوامع الأنوار البهية (٢/٨) .
(٢) انظر تفسير الطبري (٨/٤٧١) ح (٢٤٤١٧-٢٤٤٢٦) والدر المنثور (٤/٣٤١) .
(٣) كذا في الأصل. ولعل الصواب: (الثقلان) .
(٤) لم أقف عليه.
(٥) هذا كما في البخاري (٤/١٦٥) ح (٦٣٦٤) وأما في المخطوط (عن أبى أم خالد قال ) .
(٦) البخاري: كتاب الدعوات: باب التعوذ من عذاب القبر (٤/١٦٥) ح (٦٣٦٤) وبنحوه عن عائشة عند مسلم: كتاب المساجد (١/٤١٠) ح (٥٨٤) .
(٧) أحمد: حديث عائشة (١٧/٢٨١) ح (٢٤١٦٤) .
[ ٣٢ ]
الإيمان بالبعث والصراط:
ثم الإيمان بالبعث والصراط. وشعار المؤمنين يومئذٍ: سلّم سلّم. والصراط جاء في الحديث "أنه أحدّ من السيف وأدق من الشعر" (١) .
الإيمان بالميزان:
ثم الإيمان بالموازين، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٣] .
وقال عبد الله بن مسعود: "يؤتى بالناس إلى الميزان فيتجادلون عنده أشد الجدال" (٢) وقال النبي ﷺ: "الميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه" (٣) .
الحوض:
ثم الإيمان بالحوض والشفاعة، وقال النبي ﷺ: " إن لي حوضًا ما بين أيلة وعدن - يريد أن قدره ما بين أيلة وعدن - أباريقه عدد نجوم السماء " وقال أنس بن مالك " من كذّب بالحوض لم يشرب منه" (٤) .
الحساب:
ثم الإيمان بالمساءلة. إن الله تعالى (جَلَّ) ذِكْرُه يَسْأل العباد عن كل قليل وكثير في المواقف وعن كل ما اجترموا.
_________________
(١) أخرجه مسلم ١٩٥ (١/١٨٦) عن أبى سعيد.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أحمد: حديث النواس بن سمعان (١٣/٤٤٤) ح (١٧٥٦٢)، وابن ماجة: المقدمة (١/٧٢) ح (١٩٩) وبنحوه عند البخاري عن أبي هريرة: كتاب التفسير (٣/٢٤٢) ح (٤٦٨٤) .
(٤) البخاري: كتاب الرقائق (٤/٢٠٥) ح (٦٥٨٠) إلا أنه ذكر صنعاء بدل عدن. ولمسلم كذلك. كتاب الفضائل (٤/١٨٠٠) ح (٢٣٠٣) أما اللفظ الذي في المخطوط فأشار إليه الحافظ في الفتح (١١/٥٧) .
[ ٣٣ ]
الجنة والنار:
ثم الإيمان بأن الله خلق الجنة والنار قبل إن يخلق الخلق. ونعيم الجنة لا يزول أبدًا والحور العين لا يمتن. وعذاب النار فدائم بدوامها، وأهلها فيها مخلدون خالدون، من خرج من الدنيا غير معتقد للتوحيد (ولا متمسك بالسنة) (١) .
(الشفاعة):
فأما المسيئون الموحدون فإنهم يخرجون منها بالشفاعة. وقال النبي ﷺ: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (٢) وأطفال المشركين في النار (٣) .
_________________
(١) لعل مقصود المصنف رحمه الله تعالى من قوله: «ولا متمسك بالسنة» أي المخالف لما نص عليه السلف في مصنفاتهم في أصول الدين، وما أطلقوا عليه اسم (السنة) فالمقصود به مسائل الاعتقاد، وليس المقصود بالسنة المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء، لأن هؤلاء يطلقون كلمة السنة ويريدون بها المندوبات (المستحبات) فهي عندهم - أي الفقهاء - قسيمة الفرض.
(٢) الترمذي: كتاب صفة القيامة (٤/٢٤٣٥/٥٣٩) وقال حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وابن ماجة: كتاب الزهد (٢/١٤٤١) ح (٤٣١٠)، وأحمد: مسند أنس (٢٠/٤٣٩) ح (١٣٢٢٢) .
(٣) قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) الإسراء الآية (١٥) (٣/٥١) "فمن العلماء من ذهب إلى الوقوف فيهم - يعني أطفال المشركين - ومنهم من جزم لهم بالجنة لحديث سمرة بن حندب في صحيح البخاري، أنه ﵊ قال في جملة ذلك المنام حين مر على ذلك الشيخ تحت الشجرة، وحوله ولدان. فقال له جبريل: هذا إبراهيم ﵇، وهؤلاء أولاد المسلمين، وأولاد المشركين. قالوا: يا رسول الله! وأولاد المشركين؟ قال: نعم. وأولاد المشركين ". ومنهم من جزم لهم بالنار لقوله ﵇: "هم مع آبائهم". ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في العرصات، فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيه بسابق السعادة. ومن عصى دخل النار داخرًا، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة. قال ابن كثير "وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة" انظر: تفسير ابن كثير (٣/٥١) ط - دار الفكر.
[ ٣٤ ]
نبوة محمد ﷺ:
ثم الإيمان بأن محمدًا نبينا ﷺ، خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وإمام المتقين ورسول رب العالمين، بعثه إلينا، وإلى الخلق أجمعين، وهو سيد ولد آدم، وأول من تنشق عنه الأرض، فآدم ومن دونه تحت لوائه الشاهد لكل نبي، والشاهد على كل أمة، أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء بالإيمان، والبشارة به، ووصفهِ، وتبيانهِ في كتبهم مع ما اختصه الله به من قبل النبوة وبعدها من الآيات المعجزات الباهرات.
(خصائص القرآن):
من ذلك كتابه المهيمن على كل كتاب، والمخبر عنها، والشاهد لها، والمصدق بها، لا يشبه الشعر، ولا الرسائل، البائن على كل كلام، بزغ (١) الأسماع والأفهام، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، الذي عجزت الإنس والجن أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، كتاب جمع فيه النظم، والإعجاز، والبسط والإيجاز، والفصاحة، والبلاغة، والتحذير، والزجر، والأمر، بكل طاعة، وتكرمة (٢) وأدب، والنهي عن كل منكر،
_________________
(١) في هامش المخطوط كتب: صوابه: (فزع) . ومعني بزغ الأسماع: أي قرعها وشقَّها وفاجأها. وأما على تقدير أن الصواب (فزع) فمقصوده أنه أفزع أسماع الخلق وأفهامهم بما ذكره الله تعالى في القرآن من الوعيد، ومن صنوف العذاب، ومن قصص الأمم السابقة ما حاق بهم من العذاب، إلى غير ذلك.
(٢) في هامش المخطوط كتب: صوابه: (مكرمة) .
[ ٣٥ ]
وسرف ومعصية، وفعل قبيح مذموم، والتعبد بكل فعل شريف مذكور من طهارة، وصلاة، وصيام، وزكاة، وحج وجهاد وصلة الأرحام، والبذل والعطاء، والصدق والوفاء، والخوف والرجاء، وما يكثر تعداده مما لا يحصى، مع محاجته ﷺ لقومه حين قالوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] فأجابهم: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (١) [يونس:١٥] من ربي.
ثم قال لهم: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس:١٦] يعني أربعين سنة - إني يتيم فقير، لا أكتب، ولا أختلف إلى معلم، ولا ساحر، ولا كاهن، ولا شاعر، أفلا تدبرون ذلك، وتعلمون أن هذه الآية لا يقدر عليها إلا الله.
قال: فإن لم تفعلوا فيما مضى، ولن يفعلوا، فيما يستقبلون. فجعل هذه الآية في القرآن في حياته، وبعد وفاته، لا يقدر أحد أن يأتي بمثله، أو سورة منه على نظمه وتأليفه وصدقه، وصحة معانيه وكبر فوائده وعلومه، ومع عجز الخليقة عن إدارك فهمه وبلوغ نهاية علمه وإخباره ﷺ في زمن زبر الأولين والآخرين. بقوله: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ﴾ [الروم: ١-٤] (٢)، وبقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] . فأخبر بذلك قبل كونه.
وقال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩] .
_________________
(١) زاد (من ربي) ولا توجد في الآية.
(٢) في أصل المخطوط إلى قوله تعالى: ﴿وهُم من بَعدِ﴾ وقد زدت باقي الآية وما بعدها حتى لا يختل المعنى.
[ ٣٦ ]
الإسراء والمعراج:
وله صلى الله عليه الآية العظمى التي ظهرت له في الأرض والسماء، التي لم يشركه فيها بشر، ولم يبلغ الذي بلغه أحد من النُذُر، التي إذا تدبرها ذو فهم وعقل وبصيرة علم أن الله قد جمع له فيها شرف المنازل والرتب، ما فضله بها على الأولين والآخرين، وهو أنه ركب البراق، وأتى بيت المقدس من ليلته، ثم عرج به إلى السموات، فسلم على الملائكة والأنبياء، وصلى بهم، ودخل الجنة، ورأى النار، وافترض عليه في تلك الليلة الصلوات ورأى ربه، وأدناه، وقربه، وكلمه، وشرّفه، وشاهد الكرامات والدلالات، حتى دنا من ربه فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى. وأن الله وضع يده بين كتفيه فوجد بردها بين ثدييه فعلم علم الأولين والآخرين وقال ﷿: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠] . وهي رؤيا يقظة (١) لا منام. ثم رجع في ليلته بجسده إلى مكة وأخبر في كتابه أنه يعطيه في الآخرة من الفضل والشرف أكثر مما أعطاه في الدنيا بقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]
وبما له في الآخرة (المقام المحمود) (٢) الذي لا يدانيه فيه أحد من الأولين والآخرين. فنقلت من تاريخ ابن أبي خيثمة أبي بكر (٣) أحمد في
_________________
(١) لم يثبت أن النبي ﷺ رأى ربه عيانًا وما ورد فيه من الأحاديث فهي لم تثبت قال شيخ الإسلام «وهو وإن كان أشد الأحاديث التي ذكرها - يعني القاضي أبا يعلى وذكر من رواها ففيها عدة أحاديث موضوعة كحديث الرؤية عيانًا ليلة المعراج» درء تعارض العقل والنقل (٥/٢٣٧) . ولعل المصنف ﵀ يقصد بقوله (رؤيا يقظة) أي بالقلب دون البصر، فإن الرؤية البصرية تكتب رؤية بالتاء لا بالألف المقصورة.
(٢) كذا في الأصل، والصواب: من المقام المحمود.
(٣) هو الحافظ الكبير المجِّود أبو بكر صاحب التاريخ الكبير كأن ثقة عالمًا متقنًا حافظًا بصيرًا بأيام الناس مات في شهر جمادى الأولى سنة ٢٧٩ هـ وقد بلغ ٩٤ سنة، أنظر السير (١١/٤٩٢)، ومختصر السير (١/٤٣٨) رقم (١٩٥٢)
[ ٣٧ ]
أخبار المكيين بإسناده عن مجاهد (١) في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] قال: " يجلسه على العرش " (٢) .
وروى أبو بكر (٣) وعثمان (٤) ابنا أبي شيبة بإسنادهما عن مجاهد (٥) في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] .
قال "يقعده على العرش" وكذلك روى عبد الله بن أحمد (٦) بإسناده عن مجاهد. وقد روى إسحاق بن راهويه (٧) عن ابن فضيل عن
_________________
(١) الإمام شيخ القراء والمفسرين، أبو الحجاج المكي، الأسود. وقال يحي بن معين عنه: ثقة. مات وهو ساجد سنة ١٠٢ هـ. انظر السير (٤/٤٤٩)، ومختصر السير (١/١٥٨) .
(٢) الطبري في تفسيره (٩/١٣٢) ح (٢٢٦٣٣) والدر المنثور (٤/٤١٩) .
(٣) عبد الله بن محمد بن القاضي أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن خواستي الإمام العالم سيد الحفاظ صاحب المسند والمصنف مات في المحرم سنة ٢٣٥ هـ، انظر مختصر السير (١/٤٢٠)،والسير (١١/١٢٢)
(٤) هو الإمام الحافظ الكبير المفسر أبو الحسن، عثمان بن محمد بن القاضي أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن خواستي أخو الحافظ أبي بكر انظر مختصر السير (١/٤٢٣) والسير (١١/١٥٣) .
(٥) مجاهد بن جبر: الإمام، شيخ القراء المفسرين، أبو الحجاج المكي، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، توفي سنة ١٠٢هـ انظر السير (٤/٤٤٩-٤٥٧) .
(٦) عبد الله بن أحمد بن حنبل. قال عنه الذهبي: الإمام، الحافظ الناقد، محدث بغداد، أبو عبد الرحمن ابن شيخ العصر الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، ثم البغدادي، ولد سنة ٢١٣ هـ، لم يكن أحد في الدنيا أروى عن أبيه منه، توفي وعمره سبع وسبعون سنة. انظر السير (١٣/٥١٦- ٥٢٦) .
(٧) إسحاق بن راهويه هو الإمام الكبير شيخ المشرق، سيد الحفاظ، أبو يعقوب مولده سنة ١٦١ توفي ليلة نصف شعبان سنة ٢٣٨ هـ، أنظر السير (١١/٣٥٨)، ومختصر السير (١/٤٢٧) .
[ ٣٨ ]
ليث (١) عن مجاهد في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] قال يجلسه معه على العرش (٢) وقال ابن عمير: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل (٣) وسئل عن حديث مجاهد: " يُقعد محمدًا على العرش ". فقال: قد تلقته العلماء بالقبول، نسلم هذا الخبر كما جاء" (٤) .
وقال ابن الحارث: " نعم يقعد محمدا على العرش" وقال عبد الله بن أحمد: "وأنا منكر على كل من رد هذا الحديث". وعن ابن عباس (٥) في قوله: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: "يقعده على العرش " (٦) . روى هذه الأخبار شيخنا أبو بكر المروزي وصنف في ذلك كتابا كبيرًا. ورواه والدي﵀ - عنه فيما أجازه لنا بإسناده عن ابن عمر عن
_________________
(١) ليث بن أبي سليم زنيم، محدث الكوفة وأحد علمائها الأعيان، على لين في حديثه لنقص حفظه. مات سنة ١٣٨ هـ.
(٢) أخرجه الخلال في السنة رقم (٢٨٧)، والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (٢/٤٧٩) رقم (٤٤٥) .
(٣) هو: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني، إمام أهل السنة والحديث في وقته، وأمير المؤمنين في الحديث. أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة. ولد سنة ١٦٤ هـ وثبت في محنة القول بخلق القرآن. توفي عام ٢٤١ هـ رحمه الله تعالى. انظر التقريب (١/٢٠/١٠٦)
(٤) رواه الخلال في السنة برقم (٢٨٣) والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات ٢/٤٧) .
(٥) عبد الله بن عباس بن عبد مناف ابن عم رسول الله ﷺ ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات سنة ٦٨هـ بالطائف، وهو أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة من فقهاء الصحابة، انظر التقريب ص ٥١٨ رقم (٣٤٣١) .
(٦) أخرجه الخلال في السنة برقم (٢٩٥) .
[ ٣٩ ]
النبي ﷺ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء٧٩) قال: " يجلسه معه على السرير" (١) . وبإسناده عن عائشة (٢) ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن المقام المحمود فقال:" وعدني ربي القعود على العرش" (٣) .
وبإسناده عن ابن عمر، قال لي عمر بن الخطاب رحمة الله عليه: سألت النبي ﷺ عما يوعده ربه جل اسمه، فقال:"وعدني المقام المحمود وهو: القعود على العرش" (٤) (٥) . وله الحوض الموعود في اليوم الموعود.
_________________
(١) أخرجه القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (٢/٤٧٦) ورقم (٤٤٠) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/٣٢٦،٣٢٨) إلى ابن مردويه والديلمي.
(٢) عائشة أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، تزوجها النبي ﷺ قبل الهجرة بعد وفاة الصديقة خديجة بنت خويلد، وذلك قبل الهجرة ببضعة عشر شهرًا، ودخل بها في شوال سنة اثنتين، توفيت سنة ٥٧ هـ. انظر السير (٢/١٣٥-٢٠١) .
(٣) أخرجه القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (٢/٤٧٦) رقم (٤٤١) .
(٤) أخرجه القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (٢/٤٧٧) رقم (٤٤٢) .
(٥) اختلف السلف في المراد بالمقام المحمود، على قولين: الأول: أنه الشفاعة للناس يوم القيامة. قاله ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عمر وسلمان الفارسي وجابر بن عبد الله والحسن. وهي رواية ابن أبى نجيح عن مجاهد. والثاني: يجلسه علي العرش يوم القيامة. قاله ابن عباس ومجاهد. انظر تفسير زاد المسير لابن الجوزي (٥/٤٥)، ودرء تعارض العقل والنقل (٥/٢٣٧) . وقال شيخ الإسلام: "وفيها أشياء عن بعض السلف رواها بعض الناس مرفوعة، وهي كلها موضوعة، كحديث قعود الرسول على العرش. وإنما الثابت أنه عن مجاهد وغيره من السلف. وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه". درء تعارض العقل والنقل (٥/٢٣٧) . وقال الشوكاني في تفسيره عن ابن عبد البر أنه قال: مجاهد وإن كان أحد أئمة التأويل، إلا أن له قولين مهجورين عند أهل العلم، أحدهما هذا (أي: إقعاد الرسول ﷺ على العرش ) فتح القدير (٣/٣٦٠)، ط المكتبة التجارية (مصطفى احمد الباز) . ولم يذكر ابن كثير في تفسيره إلا أن المقام المحمود هو الشفاعة العظمي، وكذلك فعل السعدي في تفسيره، وهو الذي رجحه الطبري ﵀، وعليه أكثر السلف.
[ ٤٠ ]
تعظيم النبي ﷺ:
وتوعد من رفع صوته على نبيه بذهاب عمله وبطلانه، فقال ﷿: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] وأدبهم في محاورة نبيه ﷺ وخطابه، فقال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣] لا تقولوا: يا أحمد، يا محمد، يا أبا القاسم، أي قولوا: يا رسول الله، ويا نبي الله، كما قال ﷿: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح:٩] فأمرهم بتعظيمه ﷺ. كما عظمه وشرفه في خطابه على سائر أنبيائه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] . وخاطب الأنبياء بأسمائهم: ﴿يَا آدم﴾ ﴿يَا نُوح﴾، ﴿يا إبراهيم﴾، ﴿يا موسى﴾، ﴿يا عيسى﴾ .وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] .
فأقام أمره ونهيه مقام القرآن ونهيه، وجمع له بين صفتين من صفاته، فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] . ولم يُقسم لأحد بالرسالة إلا له، فقال: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس:١-٤] . وقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢] .
وقال في حق إبراهيم: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء:٨٧] . فأجابه إلى ذلك. وابتدأ به نبينا ﷺ من غير سؤال فقال: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] وقال موسى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي
[ ٤١ ]
صَدْرِي﴾ [طه:٢٥] . فأجابه الله إلى ذلك فقال: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦] . وقال لنبينا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] وغفر ذنبه مع ستره وغفر ذنب غيره مع ظهوره. فقال:: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [طه: ١٢١- ١٢٢] وقال في داود: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص:٢٤-٢٥] وقال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله ﴿ثُمَّ أنابَ﴾ [ص:٣٤] وقال: ﴿وذا النّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغاضِبًا﴾ إلى قوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٧، ٨٨] وقال لنبينا ﷺ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ [الفتح: ٢] ولم يذكر ذلك الذنب. وقال: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٢-٣] ولم يذكر الوزر.
الاعتقاد في الصحابة:
ثم الإيمان بأن خير الخلق بعد رسول الله ﷺ، وأعظمهم منزلة بعد النبيين والمرسلين وأحقهم بخلافة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق رضوان الله عليه، ثم بعده على هذا الترتيب أبو حفص عمر بن الخطاب ﵁، ثم ذو النورين عثمان بن عفان ﵁ ثم على هذا النعت والصفة أبو الحسن علي بن أبي طالب ﵁ ونشهد للعشرة بالجنة وهم أصحاب () (١) النبي وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة (٢)
_________________
(١) كلمة غير واضحة.
(٢) طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمر وبن كعب سعد بن تيم بن مرة التيمي، أبو محمد المدني. وهم المسمى طلحة الفياض، أحد العشرة، مشهور، استشهد يوم الجمل سنة ٣٦ هـ وهو ابن ٦٣ سنة. انظر التقريب (ص ٤٦٤) رقم (٣٠٤٤) .
[ ٤٢ ]
والزبير (١) وسعد (٢) وسعيد (٣) وعبد الرحمن بن عوف (٤) وأبو عبيدة بن جراح (٥)
ثم الترحم على جميع أصحاب الرسول ﷺ، أولهم وآخرهم وذكر محاسنهم. ومعاوية (٦) خال المؤمنين، وكاتب وحي رب العالمين.
(هجر أهل البدع):
ويجب هجران أهل البدع والضلال كالمشبهة (٧) والمجسمة
_________________
(١) الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن عبد الله القرشي الأسدي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، قتل سنة ٣٦ هـ بعد منصرفه من وقعة الجمل.
(٢) سعد بن أبي وقاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري أبو إسحاق أحد العشرة وأول من رمي بسهم في سبيل الله مات بالعقيق سنة ٥٥ هـ وهو آخر العشرة وفاة، انظر التقريب (ص٣٧٢) رقم ٢٢٧٢) .
(٣) سعيد بن زيد بن عمر وبنُ نفيل العدوي، أبو الأعور، أحد العشرة، مات سنة ٥٠ هـ أو بعدها بسنة أو سنتين، انظر التقريب (٣٧٨) رقم (٢٣٢٧)
(٤) عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة القرشي، الزهري أحد العشرة أسلم قديمًا مات سنة ٣٢هـ. وقيل غير ذلك.
(٥) عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبعة بن الحارث بن فهر القرشي، الفهري أمين هذه الأمة أبو عبيدة أحد العشرة، أسلم قديمًا، وشهد بدرًا، مات شهيدًا بطاعون عمواس سنة ١٨هـ وله ٥٠ سنة، انظر التقريب (٧٤٦ص) رقم (٣١١٥) ..
(٦) معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي، أبو عبد الرحمن الخليفة، صحابي، أسلم قبل الفتح وكتب الوحي، ومات في رجب سنة ٦٠ هـ وقد قارب ٨٠، أنظر التقريب (٩٥٤) رقم (٦-٦٨) .
(٧) المشبهة: هم الذين يشبهون صفات لله بصفات خلقه فيقولون لله سمع كسمع البشر وعلى رأس هؤلاء المشبهة: الحكمية: أصحاب هشام بن الحكم الرافضي، وقد زعم أن الله - تعالى عن ذلك - جسم له حد ونهاية، وأنه طويل عريض، طوله مثل عرضه. ومنهم الجواليقية أتباع هشام بن سالم الجواليقي، الرافضي وذهب إلى أنه تعالى صورة الآدم. ومنهم الحوارية، أتباع داود الحواري، الذي وصف معبوده بجميع أعضاء الإنسان عدا الفرج واللحية. ومن المشبهة أيضا: الكرامية الذين يزعمون أن لله جسم، وغير هؤلاء كثير، وقد تصدي لهم العلماء والأئمة بالرد، وأنكروا عليهم هذه الأقوال، بل كفروا كثيرًا منهم، واعتبروهم غلاة خارجين عن الإسلام. انظر: الفرق بين الفرق ص (٢١٤-٢١٩)، أصول الدين للبغدادي ص (٣٣٧-٣٣٨)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص (٩٧-١٠٠)، الملل والنحل (١/١١٨-١٣١)، منهاج السنة (٢/٥٩٨ وما بعدها)، مجموعة الرسائل الكبرى (١/١١٥)، الفتارى (٣/١٨٦)، (٤/١٣٨)، (٦/٣٥-٣٦)،.١٢/٢٦٤ - ٢٦٥) .
[ ٤٣ ]
والأشعرية (١)
والمعتزلة (٢)
_________________
(١) الأشعرية: ينسب المذهب الأشعري الموجود في العالم الإسلامي إلى علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري البصري. قال عنه المقريزي: (أخذ عن الجبائي مذهب الاعتزال ثم بدا له فتركه وسلك طريقة عبد الله بن كلاب ونسج على قوانينه في الصفات والقدر فمال إليه جماعة وعولوا على رأيه وجادلوا فيه. وانتشر مذهب أبي الحسن الأشعري وحملوا الناس على التزامه فانتشر في أمصار الإسلام. مات الأشعري سنة ٣٢٤ هـ. من أهم آراء الأشاعرة نفي الصفات إلا سبعا يثبتونها بالعقل والقول بأن أفعال العباد مخلوقة لله وهي كسب لهم وأشهر العلماء الأشاعرة الباقلاني والجويني والإيجي والرازي. وقد رجع أبوالحسن الأشعري عن هذا المذهب، وقال بقول أهل السنة والجماعة في مسائل أصول الدين، وأثبت ذلك في كتابيه (مقالات الإسلامين) و(الإبانة عن أصول الديانة) ..ومن العجيب أن الذين اتبعوه في أقواله القديمة بقوا مصرين على هذه الأقوال حتى بعد رجوع إمامهم ﵀ عنها. وعلى ذلك فأقوال الأشعرية ليست هي الأقوال التي يُنسب إليها أبو الحسن الأشعري. ﵀. انظر: خطط المقريزي (٢/٣٥٨- ٣٥٩)، وشذرات الذهب (٢/٣٠٣) .
(٢) المعتزلة: فرقة كلامية إسلامية، ظهرت في أول القرن الثاني الهجري، وبلغت شأوها في العصر العباسي الأول، يرجع اسمها إلى اعتزال إمامها واصل بن عطاء، مجلس الحسن البصري، لقول واصل: بأن مرتكب الكبيرة ليس كافرًا، ولا مؤمنًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ولما اعتزل واصل مجلس الحسن، وجلس عمرو بن عبيد إلى واصل وتبعهما أنصارهما قيل لهم "معتزلة" أو "معتزلون" وهذه الفرقة تعتد بالعقل وتغلو فيه وتقدمه على النقل، ولهذه الفرقة مدرستان رئيستان إحداهما البصرة ومن أشهر رجالها بشر بن المعتمر وأبو موسى المردار، وثمامة بن الأشرس، وأحمد بن أبي دؤاد. وللمعتزلة أصول خمسة يدور عليها مذهبهم هي: العدل، والتوحيد، والمنزلة بين المنزلين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهم في هذه الأصول معان عندهم خالفوا فيها موجب الشريعة وجمهور المسلمين. وعلى الرغم من اندثار فرقة المعتزلة كاسم مستقل، إلا إن كثيرًا من أفكارهم ومبادئهم ما زال بعضها موجودا عند الإباضية، وعند الشيعة الاثني عشرية، وعند الزيدية، بل وعند بعض المنتسبين لأهل السنة ممن يسمون أنفسهم بالعقلانيين وأصحاب التيار الديني المستنير وغيرهم. ولمعرفة مذهبهم بالتفصيل، يرجع إلى كتاب (الأصول الخمسة) للقاضي عبد الجبار المعتزلي، وانظر: الفرق بين الفرق ص (١١٧-١٢٠)،التبصرة في أصول الدين ص (٣٧)، الملل والنحل (١/٤٦-٤٩)، الخطط للمقريزي (٢/٣٤٥-٣٤٦) .، الموسوعة العربية الميسرة ص (١٧١٨) .
[ ٤٤ ]
والرافضة (١)
والمرجئة (٢) والقدرية (٣)
_________________
(١) الرافضة: لقب أطلقه زيد بن علي بن الحسين على الذين تفرقوا عنه ممن بايعوه بالكوفة لإنكاره عليهم الطعن في أبي بكر وعمر بن الخطاب، وأطلق الأشعري في" المقالات" هذا اللقب على من يرفض خلافة أبي بكر وعمر من الشيعة. انظر: مقالات الإسلاميين، ص (١٦)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص (٣٦)، خطط المقريزي (٢/٣٥١) ..
(٢) المرجئة: هم الذين أرجأوا العمل عن الإيمان، وزعم الغلاة منهم أن الإيمان هو المعرفة القلبية، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. والإيمان شيء واحد عندهم لا يزيد ولا ينقص. انظر الفرق بين الفرق ص (١٩) والملل والنحل (١/١٣٧) .
(٣) القدرية: هم نفاة القدر، وغالب ما يطلق هذا الاسم على المعتزلة وسبق التعريف بالمعتزلة.
[ ٤٥ ]
والجهمية (١) والخوارج (٢)
والسالمية (٣) والكراميّة (٤) وبقية الفرق المذمومة.
_________________
(١) الجهمية: هم المعطلة نفاة الصفات، سموا بالجهمية، نسبة إلى جهم بن صفوان، أبي محرز، مولي بني راسب، يلقبه البعض: بالترمذي، والبعض الآخر: بالسمرقندي، واتباعه يعرفون بالجهمية، نسبة إليه، وقد صار لقبًا على معطلة الصفات عموما، باعتبار أن الجهمية هي أول من قالت بنفي الصفات. انظر: مقالات الإسلاميين (١/٣٣٨)، الفرق بين الفرق، ص (٢١١)، التبصرة في أصول الدين ص (٦٣)،الملل والنحل (١/٨٦-٨٧)، تاريخ الطبري (٧/٣٣٥)، البداية والنهاية (١٠/٢٦-٢٧)، الخطط للمقريزي (٢/٣٥١) .
(٢) الخوارج: جمع خارجة أي فرقة خارجة، وهم في الأصل: كل من خرج على علي بن أبي طالب (﵁) ممن كان معه في حرب صفين، وحملوه على قبول التحكيم ثم قالوا له: لِمَ حكمت بين الرجال؟ لا حكم إلا لله. وسموا حرورية لا نحيازهم إلى حروراء بعد رجوعهم من صفين، وعددهم يومئذٍ اثنا عشر ألفًا. وقد ناظر هم علي (﵁) فرجع بعضهم وقاتل الباقين حتى هزمهم، وقد افترق الخوارج إلى عدة فرق يجمعهم القول بتكفير علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وأصحاب الجمل، ومن رضي بالتحكيم، وصوب الحكمين، أو أحدهما، وتكفير أصحاب الكبائر، والقول بالخروج على الإمام إذا كان جائرًا. وكل من جاء بعد هؤلاء ممن قال بأصولهم، أو ذهب مذهبهم فهو خارجي كذلك. انظر: الملل والنحل (١/١١٤)، والفرق بين الفرق ص (٧٢-٧٣) ومقالات الإسلامين للأشعري (١/١٦٧)، ومجموعة الفتاوى (٣/٢٧٩) ..
(٣) السالمية: فرقة كلامية، ذات نزعة صوفية، تنسب إلى محمد بن سالم المتوفى سنة ٢٩٧هـ وابنه: أحمد بن سالم المتوفى سنة ٣٥٠ هـ، تتلمذ الأب محمد بن سالم على سهل بن عبد الله التستري، هذا ومن أشهر رجال السالمية: أبو طالب المكي صاحب كتاب (قوت القلوب انظر هذه الفرقة من الكتب التالية: المعتمد في أصول الدين ص (٣٩٠)، نشأة الفكر الفلسفي للنشار (١/٢٩٤)، دائرة المعارف الإسلامية (١١/٦٩) .
(٤) الكرامية: فرقة إسلامية تنسب إلى محمد بن كرام الذي نشأ في سجستان، وتوفي ببيت المقدس سنة ٢٥٦ هـ، والكرامية مجسمون، أطلقوا على الله لفظ " الجسم" لذلك عدهم الشهرستاني من الصفاتية الذين غلوا في الإثبات حتى انتهى بهم إلى التجسيم والتشبيه، وأما الأشعري في (المقالات) فعدهم من فرق "المرجئة" لقولهم إن الإيمان هو الإقرار والتصديق دون اعتقاد القلب وعمل الجوارح، وعرفوا بالزهد والتقشف والعبادة، تعددت فروعهم، دون الاختلاف في الأصول، وأكثر أتباعهم في خراسان وما وراء النهر. انظر: الملل والنحل (١/١٠٨)، ومقالات الإسلاميين ص (١٤١)، خطط المقريزي (٢/٣٥٧) .
[ ٤٦ ]
خاتمة المؤلف:
فهذا اعتقادي وما أدين به لربي، وهو الذي مضى عليه والدي ﵀، والحمد لله وصلى على محمد وعلى آله أجمعين.
[ ٤٧ ]
صورة اللوحة الأولى من المخطوطة
صورة اللوحة الأخيرة من المخطوطة
[ ٤٨ ]